بحث متقدم
اعلان في الاعلي

دروس ذات صلة

اعرض الكل

جديد الدروس

اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • آداب العزاء للسيدات

    المزيد
اعرض الكل

جـ2 القرآن وشريعة الصيام

عدد الزيارات:1047 مرات التحميل:6
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
جـ2 القرآن وشريعة الصيام
Print Friendly
+A -A



  • بسم الله الرحمن الرحيم

    أكرم الله عزَّ وجلَّ المؤمنين جميعاً في رمضان بما لا يُعدُّ ولا يُحدّ، ولا يستطيع أحد - ولو مكث إلى أبد الأبد - أن يبين بعض عطاءات الله للمؤمنين في شهر رمضان، وأعظم هذه العطاءات وأكرم هذه المنن ما قال فيه الله عزَّ وجلَّ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي).كلمة (عِبَادِي) تُدوِّب قلوب العارفين، عباده أهل خصوصيته، أهل القرب من حضرته، وأهل عنايته ورعايته على الدوام، لم يقل: (وإذا سألك الناس)، لكن (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي) المطلوبين والمُخلَصين والمُغرمين (عَنِّي): عن جمالي، وعن كمالي، وعن جلالي، وعن كبريائي (فَإِنِّي قَرِيبٌ): أقرب إليهم من أنفسهم، ليس بينك وبين مولاك إلا أنت، (فارفع أنا تجد المسرَّة والهنا)، أنت الحجاب، وإذا زال صرت من الأحباب ورأيت وجه الحقِّ عزَّ وجلَّ ظاهراً بلا ستارة ولا نقاب.

    فالعبارة أراحت قلوب الظائمين إلى جمال الله، والمتعطشين إلى نظرةٍ من وجه الله، طمأنهم الله عزَّ وجلَّ بقربه ورعايته لهم على الدوام (عِبَادِي). لكن الباقين عن أي شيء يسألون؟ الذي يسأل عن الأحكام الشرعية، والذي يسأل عن الدنيا الدنية، والأتقى قليلاً يسأل عن الآخرة أو عن النار، أو عن الجنة، لكن الذين يسألون عن الله فهم قليلة قليلة، لذلك قال الله: (وَإِذَا).

    (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ): يعني لا يؤخر لمطلوب طلب، إذا دعا الله فوراً يستجيب له مولاه جلَّ في علاه، ولكن بشرط أن يكون هذا الداعي استجاب لله أولاً: (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي):  وآمن وصدَّق تماماً بكبرياء الله وجلال الله وكمال الله جلَّ في علاه: (وَلْيُؤْمِنُواْ بِي)، ولذلك قال الله لنا ليقرب لنا هذا الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) (24الأنفال). إذاً من الذي يجيبه الله؟ الذي استجاب وأناب، وأصبح في معية الحبيب المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم على الدوام. (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ): وقلنا أن كلمة (لعلَّ) في القرآن بمعنى اللام، فتكون (ليرشدون).

    بعض أهل الإشارة قال في هذه الآية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي)، وجَّه الخطاب لرسول الله، لم يقل (وإذا سأل عبادي عني)، فحتى يسألوا لابد أن يذهبوا أولاً لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو من ينوب عن حضرته، (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)، والداع الذي أرسله الله داع واحد، (إِذَا دَعَانِ): إذا دعان لكم في أي أمر من الأمور يستجيب له الله فوراً، بلا تردد ولا تمهل ولا إبطاء، وإنما فوراً يستجيب له مولاه جل في علاه.

    كان الصيام في بداية فرضيته شاقاً على أصحاب حضرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد كانوا يفطرون مع غروب الشمس، ومدة الإفطار إلى أن ينام أحدهم، فإذا نام ابتدأ الصيام، وليس مع طلوع الفجر، فجاء أحدهم بعد أن كان يعمل طوال النهار ودخل على زوجته بعد أن صلَّى المغرب فقال: هل عندكم طعام أُفطر عليه؟ قالت: أبحث لك، فخرجت تبحث له عن طعام، وعندما رجعت وجدته قد نام من التعب، فواصل صيام اليوم التالي، فرآه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في اليوم التالي وهو يكاد يهلك فقال: ما بك؟ فحكى له ما جرى ..

    فعن البراء بن عازب رَضِيَ الله عنه قال: (كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، وَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا)[1].

    وفي رواية أخرى عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: (كَانَ النَّاسُ فِي رَمَضَانَ إِذَا صَامَ الرَّجُلُ فَأَمْسَى، فَنَامَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ حَتَّى يُفْطِرَ مِنَ الْغَدِ، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ سَهِرَ عِنْدَهُ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ نَامَتْ، فَأَرَادَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ، قَالَ: مَا نِمْتِ، ثُمَّ وَقَعَ بِهَا، وَصَنَعَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَغَدَا عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ))[2].

    ثم ذكر الله أمراً غريباً وعجيباً ينبغي أن يكون عليه كل مؤمن ومؤمنة زوجين: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ): هي تسترك وأنت تسترها، هي تعينك وأنت تعينها على أمور الدنيا وعلى طاعة الله عزَّ وجلَّ، فكأن الإثنين شخص واحد، لذا ينبغي أن يكون الرجل مع زوجته كأنهما شيء واحد.

    إذاً ما سبب الفصام الذي حدث في مجتمعنا في هذا العصر، وكل زوجين بينهما مشاكل وخلافات؟! كل هذا إما نتيجة الجهل بدين الله عزَّ وجلَّ، وإما للإنشغال الزائد عن الحد بالدنيا التي ضمن الله عزَّ وجلَّ لنا فيها الأرزاق الحلال.

    (َعلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ): انظر إلى دقة اللفظ القرآني، لم يقل (تخونون) لأنها ليست خيانة، مع أنها خروج عن الأمر، لكن (تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ): معناها أنكم تلعبون بنفوسكم بعيداً عن شرع الله عزَّ وجلَّ.

    (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ): تاب وعفا، وهذا من فضل الله، تاب وعفا عما مضى.

    (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، لكن (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ) أهم شيء أن تبحثوا عن الأوامر التي طالبكم بها الله، وتحاولوا أن تمشوا على الهَدي الذي بيَّنه لكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

    (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)، تصريح (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ)، وضع علامات لبداية الصيام ونهاية الصيام، منذ ظهور أنوار الصباح وبداية انقشاع الليل إلى غروب الشمس.

    بعض أصحاب حضرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا على سذاجتهم، حتى أن أحدهم كان مَلكاً وهو عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ الله عنه، قَالَ: (لَمَّا نَزَلَتْ: "حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ"، عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ)[3]. وفي رواية أخرى قال: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، "الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ"، أَهُمْا الْخَيْطَانِ؟ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ثُمَّ قَالَ: لا يَا عَرِيضَ الْقَفَا، وَلَكِنَّهُ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ)[4]. وعريض القفا كناية على أنه بليد بعض الشيء، ورسول الله لم يقلها له مباشرة بل استخدم لغة الكناية، وهذا الأدب النبوي الذي يُعلِّمه لنا سيدنا رسول الله، فتستطيع أن تعبر لأي إنسان بما تريد ولكن بلغة الكناية.

    وبيَّن الله عزَّ وجلَّ - حتى لا يفوته في كلماته شيء مما يحدث في رمضان - سُنَّة الاعتكاف فقال: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ): المعتكف الذي ينوي أن يمكث في المسجد وقتاً لطاعة الله عزَّ وجلَّ، وشرطه أن يكون على وضوء، وأن يكون في مسجد، وألا يتحدث مع من حوله إلا لضرورة؛ كسؤال شرعي، أو أمر ضروري، ولا يخرج من المسجد إلا لضرورة، كأن يخرج للطعام، أو لقضاء الحاجة، أو للوضوء، لكن لا يخرج لعيادة مريض، ولا يخرج لتشييع جنازة، وغير ذلك.

    فكان أصحاب حضرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ورضوان الله تبارك وتعالي عليهم يخرجون لقضاء حاجاتهم مع زوجاتهم ويرجعون ويعتبرون أن هذا الأمر حاجة، فنهى الله عزَّ وجلَّ عن ذلك فقال: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ)، والمباشرة يعني الجماع، (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، ما دام نوى الاعتكاف فيجب أن ينتهي عن هذا الأمر.

    والاعتكاف يسَّره الله عزَّ وجلَّ لنا، فالإمام الشافعي رَضِيَ الله عنه قال: الاعتكاف يجوز في أي وقت من العام، وأقله لحظة، بمعنى: إذا دخلت المسجد في أي وقت قبل أي صلاة وبمجرد أن تدخل وتُصلي ركعتى السنة أو تحية المسجد تنوي الاعتكاف فتقول بقلبك: نويت الاعتكاف لله تعالى، وأنت على وضوء، كل ما عليك أن تشغل نفسك بعد هذه النية بطاعة الله، إما ذكر، أو استغفار، أو صلاة على حضرة النبي، أو تلاوة قرآن، أو مطالعة درس ديني نافع، ولو تكلمت مع من حولك فقد فسد الاعتكاف، وعليك أن تنوي الاعتكاف من جديد. إذاً كل ما أدخل المسجد أعتكف، وثوابه يقول فيه صلَّى الله عليه وسلَّم: (من اعتكف قدر فواق ناقة – حلب الناقة – كُتب له أجر حجتين وعمرتين تامتين مقبولتين)[5].

    انظر إلى فضل الله علينا، وانظر إلى الناس كيف تُضيع هذا الفضل؟!! كم يستغرق حلب الناقة؟ عشر دقائق مثلاً، لماذا لا أدخل قبل الصلاة بعشر دقائق وآخذ هذا الثواب، وفي كل يوم طوال العام! ثواب تضيعه الناس وغير ملتفتة إليه.

    (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا افعلوا ما تريدون): الحدود الشرعية، وهي التشريعات الإلهية التي أنزلها الله لنا، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا)[6].

    (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): لنصل إلى التقوى.

    نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون من الأتقياء الأنقياء، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه، وحسن المتابعة لسيد الرسل والأنبياء

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    ***************

       ندوة دينية - السهرة-  بعد صلاة العشاء و التراويح  بمقر الجمعية العامة للدعوة إلى الله بحدائق  المعادي 15 من رمضان 1436هـ 2/7/2015م

    [1] صحيح البخاري وجامع الترمذي

    [2] مسند أحمد

    [3] صحيح البخاري والترمذي

    [4] مستخرج أبي عوانة

    [5] روى البيهقي عن الحسين بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من اعتكف عشراً في رمضان كان كحجتين وعمرتين ).

    [6] الحاكم في المستدرك وسنن الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه

    اعلان في الاسفل

    جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد


    للأعلي