بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • خصائص رسول الله لأمته_إكرام الله لأمته

    المزيد
  • أسئلة حائرة وإجابات شافية_مجلس المقطم 21-2-2019

    المزيد
  • برنامج ساعة صفا الحلقة الثانية 21/2/2019

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • خصائص رسول الله لأمته_إكرام الله لأمته

    المزيد
  • برنامج ساعة صفا الحلقة الثانية 21/2/2019

    المزيد
  • حلقة تلفزيونية_جدد حياتك الإخلاص و المخلصون

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

خصائص رسول الله لأمته_فى شهر رمضان

عدد الزيارات:2 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
خصائص رسول الله لأمته_فى شهر رمضان
Print Friendly
+A -A



  • بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

    الحمد لله الذي أكرمنا وفضلنا وجعلنا من خير أُمةٍ أُخرجت للناس.

    والصلاة والسلام على نبي الختام والرسول الأكرم لجميع الأنام، والشفيع الأعظم لجميع الخلائق في يوم الزحام، سيدنا محمد وآله الكرام وصحابته العظام، وكل من اهتدى بهديه ومشى على دربه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين آمين آمين يا رب العالمين.

    أيها الأحبة:

    ما زلنا نواصل الحديث عن الخصائص التي خصَّ بها الله عز وجل هذه الأُمة ونبيها في حياتهم الدنيا، لأن المزايا التي خصنا بها الله في الأولى شرحناها، والمزايا التي خصنا الله تبارك وتعالى بها في الدار الآخرة لم يأن الأوان بعد لشرحها، لأننا نمشي حسب التسلسل الزمني.

    ولمن يُرد زيادة المعرفة لهذه الخصائص فقد جمعها إمامٌ من أئمة المحدثين هو الإمام السيوطي رضي الله عنه وأرضاه.

    والإمام السيوطي كان متشعباً في كل نواحي العلوم، وإن كان بذَّ بصفة خاصة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلَّم.

    فقد جمع كما رُوي عنه مائة ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال:

    ولا أظنُّ أني جمعت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كلها، لأن حديثه صلى الله عليه وسلَّم إنتشر مع أصحابه في البلاد، فكل رجلٍ منهم ذهب إلى بلد من البلاد التي فتحها الله للمسلمين، ومعه ما استمع إليه من أحاديث سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.

    وقد أكرمه الله تبارك وتعالى وجمع كل كتب الحديث السابقة التي فيها روايات صحيحة عن سيد الأولين والآخرين، كالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم، أكثر من مائة مرجع من كتب الحديث، جمعها كلها في كتابٍ واحد يُعتبر أكبر مراجع في الحديث النبوي وفيه حوالي ثنتان وأربعون ألف حديث.

    لأن للبخاري خمسة ألاف حديث، ومسلم يزيد عنه قليلاً، لكن أحاديث السيوطي 42 ألف حديث، سمَّاه "جمع الجوامع" جمع فيه كل الجوامع التي جمعت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

    وكان هذا الرجل ذو صلاحٍ وتُقى، ولذا رُوي أنه حُسب عمره الذي عاشه، وكُتبه التي ألفها وقد ترك حوالي ستمائة كتاب في كل نواحي المعرفة، جُمعت في حياته التي عاشها وكُتبه التي ألفها، وحُسبت فوجدوا أنه لكي يكتب هذه الكتب بخط يده يحتاج إلى أن يكتب كل يوم حوالي خمسة عشر صفحة من مولده إلى وفاته، فكيف جاءه هذا الوقت ليطالع ويسجل ويكتب؟

    إنها بركة الوقت التي تحدث للصالحين والمتقين في كل وقتٍ وحين.

    وأكبر شيئٍ إعتزَّ به في حياته وكان يفاخر به أنه جاءه النبي صلى الله عليه وسلَّم ذات مرة في المنام، وقال له: "إقرأ عليَّ يا شيخ الحديث" فكان مُعجباً غاية الإعجاب لأن الذي سماه شيخ الحديث هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

    هذا الرجل المبارك جمع هذه الخصائص للنبي صلى الله عليه وسلَّم ولأُمته في البدء، وفي التشريعات وفي الحياة الدنيوية، وفي الحياة الأُخروية وجمعه في حوالي أربعة أجزاء، والكتاب مطبوع لمن أراد أن يطالعه وينظر ما فيه.

    ونحن بحمد الله سبحانه وتعالى نقتبس منه ما يُلائم عصرنا وما يُلائم زماننا، لأن لكل زمان علمٌ خاص خصَّ به النبي صلى الله عليه وسلَّم أهل هذا الزمان.

    وقد تكلمنا في الحلقة السابقة عن خصوصية النبي صلى الله عليه وسلَّم وأُمته في الصلاة، والخصوصية يعني الأشياء التي اُختصُوا بها دون الأمم السابقة مزيَّةً لهذه الأمة، وتشريفاً لنبي هذه الأمة صلوات ربي وتسليماته عليه.

    ونحن وقد أصبح المدى قريب من شهر رمضان المبارك ـ نسأل الله عز وجل أن يُوفقنا جميعاً لبلوغه وإحيائه بطاعة الله وذكره وشكره وحُسن عبادته.

    وصوم شهر رمضان أمرٌ فريدٌ إختصَّ الله به هذه الأمة، وما في شهر رمضان من الفوائد والمزايا لا يعد ولا يحد، ولكننا نكتفي منها بالنذر اليسير ولا نريد التطويل والإطالة.

    فالأمة الوحيدة التي فُرض عليها صيام شهر رمضان بعينه هي أُمة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، واختصها الله تعالى بصيام هذا الشهر المبارك وقال معبراً سبحانه وتعالى عن ذلك:

    " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ " (185البقرة).

    لأنه الشهر الذي إبتدأ نزول القرآن فيه، والقرآن خصوصية للنبي وأُمته لأنه الكتاب الجامع لكل ما في كتب الأنبياء والمرسلين السابقين، وزيادات خاصة بسيد الأولين والآخرين وأمته صلوات ربي وتسليماته عليه.

    أولاً:

    كان في الأصل صيام شهر رمضان شُكراً لله الذي اختصنا بإنزال القرآن، وجعلنا أهلاً لهذا الشرف الكبير وهذا الفضل العظيم ـ وهذه واحدة.

    ثانياً:

    ولأن الصيام يُرقق القلب، ويُعلي شأن الروح ويكون في ذلك فتوح لمن يقرأ كتاب الله بتأنٍ وتدبر، فإذا كنا صائمين وأخذنا في تلاوة كلام رب العالمين بتأنِّي وتدبر ولا نعُد، فعامة المسلمين يعدُّون ختمات ويقول: أنا ختمت هذا الشهر خمس ختمات، أو عشر ختمات فهل نعُد على الله الذي لا يعُد علينا آلاءه ونُعماه، وهل يعُد علينا النعم لنعُد الأعمال التي عملناها، في حين أن هذه الأعمال التي نعملها لا نقوم بها إلا بتوفيق الله ومعونة الله وحول الله وطول الله جل في عُلاه.

    فإذا قرأ الإنسان القرآن في شهر رمضان وهو صائم، في نهار الصيام أو ليله مع التدبر، كان أهلاً لنزول الأنوار القرآنية والإشراقات الإلهية، والأسرار العلمية الربانية التي بثها الله تبارك وتعالى في حنايا وثنايا كتاب الله تبارك وتعالى.

    ولذلك كان شأن أصحاب النبي كشأن النبي، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلَّم أحياناً يمضي اللية كلها في ترديد آية واحدة لا يجاوزها إلى غيرها، يُكرر فيها ويُعيد فيها من بعد صلاةالعشاء إلى مطلع الفجر، لماذا؟

    لتكرار المشاهد التي يشهدها فيها، والأسرار التي يبثها الله في فؤاده فيها، والخفايا التي لا نحيط بها والتي يراها فيها لأن الله عز وجل قال له صلى الله عليه وسلَّم:

    " اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاكْرَمُ " (3العلق).

    والواو واو المعية، إقرأ وربك يعني أنت تقرأ القرآن مع الله عز وجل، في حضورٍ تام مع حضرة الله سبحانه وتعالى.

    وجعل الله عز وجل صيام شهر رمضان ككل عبادات المؤمنين، أي عبادة فرضها الله علينا أدنى ما يحصل للمؤمن فيها عند عملها أن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

    (من صام شهر رمضان إيماناً واحساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه).

    وفي رواية عند الإمام أحمد رضي الله عنه في مُسنده:

    (من صام رمضان إيمناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).

    وهذا أيضاً، فضل الله:

    " ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " (21الحديد).

    وجعل للصائمين عند الله عز وجل علامة في الدنيا، وعلامة لهم في الآخرة، فالصائم في العادة تكون رائحة فمه غير مقبولة لأن الطعام يخرج من الجوف إلى الفم مباشرة، ولكنه حرصاً على أن لا يتأذَّى مسلم من صيام مسلم جعل خلوف ـ يعني رائحة ـ فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك، وإذا كان يوم القيامة يُعرف الصائمون في أهل الموقف برائحة المسك التي تخرج من أفواههم، ثمرةً للصيام الذي صاموه لربهم سبحانه وتعالى إبتغاء وجه الله في هذه الحياة الدنيا.

    وليس معنى ذلك أن الصائم يترك غسل أسنانه، بل إنه مُطالبٌ بالهدي النبوي في ذلك، فبعد أن يتسحر يغسل أسنانه بمعجون الأسنان أو السواك أو هما معاً، فيكون قد جمع الحُسنيين.

    وله إن لم ينهض أن يغسل أسنانه أو يستاك في النهار إلى صلاة الظُهر، حتى لا يكون له عُذرٌ في ترك هذا العمل الذي يُزكيه النبي صلى الله عليه وسلَّم.

    ونحن في هذه الأيام الحديثة ظهر في الصيدليات عُبوة تُخرج رزازاً في الفم تُطيب به رائحة الفم، وموجودة في الصيدليات ومتوفرة، وأنا أنصح دائماً الأحباب باستخدامها، لكل رجل هو وزوجته قبل النوم إذا كان خارجاً للصلاة، أو خارجاً لاجتماع أو خارجاً لصلاة الجمعة.

    واللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربيةالسعودي أباحت استخدام هذا الرزاز في شهر رمضان وقالت: أنه لا يُفطر ولا يؤثر في صيام الصائم.

    وهي عبارة عُبوة صغيرة بخاخ وسعرها رخيص، ومنه أصناف كثيرة وله غطاء ويضعه الإنسان في فمه ويضغط ضغطة واحدة، ولماذا ونحن مسلمين أن لا نكون كالغاية العُظمى التي ينشدها الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم في كل أمورنا، وماذا تكلفنا؟ هل أشتري واحدة كل أسبوع؟ فلا مانع، ولكن المهم أن لا يتأذَّى أحدٌ مني، ولا إذا كلمت أحداً فيُدير وجهه للجهة الأُخرى للرائحة التي تخرج من فمي، أو أُصلي فأجد من يُصلي بجواري يتأذَّى مني.

    فهي حلول عملية وأباحتها الشريعة الإسلامية ولا تُبطل أجر الصائم ولا تُفسد صيامه كما أفتى السادة العلماء الأجلاء في المملكة العربية السعودية، وفتواهم بعد أن بحثوها علمياً، وقالوا: إن رزازها لا يدخل إلى الجوف، ويتطاير في الفم فقط، وما دام لا يدخل إلى الجوف فلا يُفطر.

    وجعل الله عز وجل ملائكة السماوات بأجمعهم تهبط إلى الأرض وتستغفر للمسلم الصائمين طوال صومهم، منذ بدء الصيام مع مطلع الفجر إلى وقت الفطور ملائكة يستغفرون الله لك، ويكتب هذا في صحيفة حسناتك، والملائكة يستغفرون لهم.

    إذا صليت صلاة القيام فموجود ملائكة مخصوصين ومُعظمين يقول فيهم صلى الله عليه وسلَّم:

    (إن لله موضعاً يُسمَّى حظيرة القدس وهو من النور فيه ملائكة يعبدون الله تعالى عبادة لا يفطرون ـ أي لا يملون لحظة ـ فإذا كان شهر رمضان إستأذنوا ربهم أن ينزلوا إلى الأرض ليحضروا صلاة القيام مع المصلين).

    يحضرون معنا صلاة القيام، وما النتيجة؟ قال صلى الله عليه وسلَّم مكملاً الحديث:

    (فمن مسَّهم أو مسُّوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا).

    من يمسهم أو يمسوه يُصبح من الذين:

    " وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا " (108هود).

    لا شقاء له في الدنيا ولا في الآخرة.

    وجعل الله عز وجل لهذه الأمة خصوصيات في الصيام، فسنَّ لنا النبي صلى الله عليه وسلَّم تعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهانا عن صيام الوصال، فقد كانت الأمم قبلنا يُفطرون ساعة الغروب، ثم ينوون الصيام ولا يأكلون ولا يشربون إلى اليوم التالي، لكن الله خفَّف عن هذه الأمة وقال صلى الله عليه وسلَّم:

    (لا تزال هذه بخير ما عجَّلوا الفطر وأخَّروا السحور).

    وطبعاً نحن في هذا الزمن أصبح هناك مشكلة: أن الكثير يُعجل السحور وهذا مخالف للسنة وخاصة الشباب، لكن السنة تأخير السحور، لماذا؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:

    (سيروا على قدر ضعفائكم).

    فأنا لن أصوم وحدي، ولكن أُعلم أولادي وبناتي، والأولاد والبنات الصغار يحتاجون وخاصة في الأيام الشديدة الحرارة التي يكون فيها رمضان الآن أن نُؤخر له وجبة السحور حتى يمكث الطعام في بطنه مدةً طويلة.

    ولابد أيضاً للأطفال أن نستوصي بهم في السحور، فلابد أن يكون في الطعام مادة بروتينية ولو حتى بيضة، لأن هذا يبني جسمه، فإذا نفد الطعام فإن المعدة تُكسِّر من خلايا الجسم لتُغذي بقية الأعضاء وهذا فيه خطورة على الولد، فلابد أن نُؤخر السحور.

    وحتى لو كنت ليس لي شهية للطعام، قال صلى الله عليه وسلَّم:

    (تسحروا فإن في السحور بركة).

    خذ بركة السحور، أو أنا لستُ قادراً على الطعام نهائياً، قال:

    (تسحروا ولو بجرعة ماء).

    يعني ولو بكوب ماء تشربه، المهم أن تُنفذ سنة النبي صلى الله عليه وسلَّم ففيها الغذاء وفيها الشفاء من كل داء بأمر الله تبارك وتعالى.

    وتعجيل الفطر أمرنا به النبي صلى الله عليه وسلَّم ومشى عليه، فبعض الأحباب وخاصة في القرى ـ ولا أعرف من أين أتوا بهذه العادة ـ يقولون: لا نفطر إلا إذا تشهَّد المؤذن، فمن أين أتوا بهذا الكلام؟ فبمجرد غروب الشمس ووجوب وقت الأذان لابد أن أفطر على الفور، ويُستحسن لمن استطاع أن يقتدي بهدي النبي، فقد كان صلى الله عليه وسلَّم يفطر على رُطب ـ وهو البلح الطازج إذا كان موجوداً ـ أو على تمرٍ مبلول إما في لبن أو في ماء، والجسم يحتاجه في هذه اللحظات، ثم ينهض لصلاة المغرب، وبعد صلاة المغرب يُكمل الفطور صلوات ربي وتسليماته عليه.

    وهذا الكلام لي أنا، فإذا كان عندي صبية صغار ولا يستطيعون الإنتظار فآكل معهم وأأُجل صلاة المغرب لحين الانتهاء من الإفطار لماذا؟

    (سيروا على قدر ضعفائكم).

    فهل أقول لهؤلاء الأولاد إنتظروا ولا تأكلوا حتى أنتهي من صلاة المغرب؟ لا ينفع هذا، فلو تركتهم يأكلوا وأمشي فربما يستحوا، فآكل معهم وأُطعمهم وأصلي المغرب الممدودة للعشاء، والمهم أنني بعد الصلاة لا أنشغل حتى أسمع آذان العشاء ولم أكن قد صليت المغرب، وهذه هي الكارثة الكبيرة، ولكن بعد الإفطار مباشرةً أقوم إلى الصلاة.

    فإذا جاءني ضيوف فهل أقول لهم: هيا نصلي المغرب أولاً وبعدها نفطر؟ فإذا كانوا يحبون ذلك وجاهزين لذلك فلا مانع، لكن من الجائز ربما يريدون الإفطار مباشرةً، فماذا أفعل؟ أُفطر معهم أولاً، وبعد ذلك نُصلي المغرب.

    فتعجيل الفطر، وخير الهدي هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأثبت ذلك الطب الحديث بفضل الله وبإكرام الله تبارك وتعالى، فإن الإنسان في آخر اليوم يكون في حالة إرهاق في كل أعضاء الجسم.

    وإذا أكل الإنسان وهو في بداية أكله أي بروتين لحم أو فراخ أو غيره، يحتاج إلى ساعتين حتى يصل إلى هذه الأعضاء ويُنشطها، وإذا أكل دهون سمن أو زبدة أو قشدة أو أي شيئ منهم، يحتاج إلى أربع ساعات حتى تُهضم وتصل إلى الأعضاء لتنشطها من الخمول التي هي فيه.

    مالذي ينشط الأعضاء فوراً في خمس دقائق؟ أي شيئ سُكري، أو أي مشروب سُكري، أو أي عصير سُكري.

    وأفضلهم وأحسنهم الذي كان عليه حضرة النبي وهو التمر المبلول في الماء أو في اللبن، لماذا؟ لأنه عند الشرب فوراً يصل إلى الأعضاء وينشطها، بالإضافة أن التمر فيه ألياف، وهذه الألياف مفيدة لمعدة الإنسان فلا يُصاب بالإمساك، ولا عُسر هضم فتساعده على ذلك إن شاء الله رب العالمين، وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلَّم.

    ومن فضل الله تبارك وتعالى على هذه الأُمة أنهم كانوا في بداية الصيام يصومون على نهج السابقين، فكان الواحد منهم إذا أكل المغرب، فطالما مستيقظ يأكل، وإذا نام يكون قد بدأ الصيام، ولا يُباح له إتيان زوجته لو كان متوزجاً إذا نام لأن هذا ممنوع في الصيام.

    وعندما جاء أصحاب رسول الله وكانوا مباركين، فأحدهم كان قادم مرهق من العمل وتعبان، ودخل البيت والمغرب أذن، فمن شدة التعب نام، فلما استيقظ لم يجد لنفسه طعام، ولم يُفطر، فعليه أن يُكمل الصيام إلى اليوم التالي، فزوجته ذهبت تشكو لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وسيدنا عمر رضي الله عنه كان معها، فبعد أن صلى المغرب وأفطر وبعدها أراد أن ينام مع زوجته فقالت له: أنا نمتُ ولم يصلح ذلك، لأنها نامت فلا يجوز هذا الأمر.

    فلم يستطع أن يغلب نفسه، وجاء للرسول صلى الله عليه وسلَّم يشكو له، فأنزل الله عز وجل آياته في كتاب الله تُخفِّف عن المسلمين وتجعل بداية الصيام من الفجر، ونهايته إلى  غروب الشمس، وما بين غروب الشمس إلى الفجر سواء كان قائماً أو نائماً يُباح له الشراب ويُباح له الطعام ويُباح له النساء:

    أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ (187البقرة).

    " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ " (187البقرة).

    تختانون يعني لا تستطيعون التغلب على أنفسكم وتقعوا في المحظور:

    " الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ " (66الأنفال).

    فخفف علينا عن الأمم السابقة، وأصبح الصيام مبسطاً وسهلاً للمؤمنين.

    كانت بعض الأمم السابقة أياماً يصومون فيها صيام الوصال، وصيام الوصال يعني يمكث عدة أيام بدون إفطار ولا سحور ولا مغرب ولا فجر، فأراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم الأقوياء والأشداء في العبادة أن يصنعوا ذلك ويصومون صيام الوصال، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلَّم.

    فقالوا: يا رسول الله إنك تواصل، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

    (لستُ كهيأتكم، إني أبيتُ عند ربي فيُطعمني ويسقيني).

    وطبعاً فهيا أسرار وأنوار تحتاج قلوب الأطهار والأبرار، ليفقهوا سر النبي المختار مع الله تبارك وتعالى في هذا الأمر.

    يعني بمعنى: ما الذي يحتاجه الجسم ليأكل؟ الطعام الذي يخرج من الأرض:

    " وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ " (267البقرة).

    وما الذي يحتاجه ليرتوي؟ المياه الموجودة، فهو عندما يبيت عند ربه، كيف يبيت؟

    هل بجسمه أم بروحه؟ بروحه ـ وماذا يأكل هناك؟ هل يصنعوا له فتَّاً أو لحماً أو ما شابه ذلك؟ لا إنها شيئ مختلفٌ خاص برسول الله صلى الله عليه وسلَّم، أطعمة نورانية جنانية، من الجنة العالية فكان صلى الله عليه وسلَّم وهو في حياته الدنيا يتمتع بنعيم الجنة زيادة إكرام له بين رسل الله وأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    ولذلك لم يكن صلى الله عليه وسلَّم يشعر لا بجوعٍ ولا عطشٍ، وأريد أن أوضح في هذا الباب رواية يحكيها بعض السادة العلماء، وصححها السادة العارفون والحكماء، يقولون:

    أن النبي صلى الله عليه وسلَّم كان من شدة الجوع يضع حجراً على بطنه ويربطه من الجوع، فمن أين: (أبيت عند ربي فيُطعمني ويسقيني)؟ ومن أين يضع حجراً لشدة الجوع؟

    فالجماعة العلماء المحققون حققوا في النصوص الحديثية فوجودوا أن النص: "أنه كان يضع حُجزاً على بطنه" وحُجز يعني حزام كان يربطه على بطنه، وهو الحزام الموجود في الملبس النبوي والذي يلبسه العلماء الكبار والسادة القراء وغيرهم، وهذا هو الحزام الذي كان يضعه رسول الله على بطنه.

    فكان يضع حُجزاً على بطنه وهو حزام من القماش، وليس حزام جلد وكان يلفه على بطنه، وليس لهذا شأنٌ لا بالجوع ولا بالعطش، لأن الله يُطعمه ويسقيه على الدوام صلوات ربي وتسليماته عليه.

    وطبعاً أكبر خصائص هذه الأمة في شهر رمضان ليلة القدر:

    سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إطَّلع ذات مرة في ملفات الأمم السابقة، وملفات الأعمال موجودة كلها في ديوان تحت عرش الرحمن، ونحن من ضمنهم فكل واحد منا له ملفٌ هناك.

    فاطلع في ملفات الأمم السابقة فوجد أن رجلاً من بني إسرائيل جاهد في سبيل الله ألف شهر، يمسك بسيفه ويخرج يجاهد في سبيل الله ألف شهر، وألف شهر يعني 83 سنة وأربعة أشهر تقريباً، فعلى الفور قدم تظلماً للحكم العدل اللطيف الخبير سبحانه وتعالى، وماذا قال فيه؟

    (يا رب جعلت أُمتي أقصر الأمم أعمارا وأقلها أعمالا).

    فأنزل ربنا على الفور:

    " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ " (3) (القدر).

    وليست كألف شهر، ولكنها أفضل من ألف شهر في الجهاد في سبيل الله وفي طاعة الله سبحانه وتعالى، وهي ليلة.

    فمن يستطع أن يُحيي ليلة القدر؟ وسيدنا رسول الله خرج ليُخبر أصحابه بالليلة، فحدث بنهم مُشادة فقال لهم: أنها رُفعت ولم يخبرهم بميعادها.

    سيدنا رسول كله رحمة مهداة، ودعوته كلها تيسير على عباد الله، فماذا قال لنا ربنا كلنا؟

    " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " (78الحج).

    قال صلى الله عليه وسلَّم:

    (من أحيا ليلة القدر ـ وهذا غير الأجر ـ غُفر له ما تقدم من ذنبه).

    فيُغفر له ما تقدم من ذنبه ويأخذ أجراً أكثر من عمل ألف شهر، وأين هي يا رسول الله؟ قال:

    (إلتمسوها في الوتر من العشر الأواخر).

    يعني الليالي الفردية، كليلة 21 أو ليلة 23 أو ليلة 25 أو ليلة 27 أو ليلة 29.

    يسأل سائل من الجماعة الغير فاهمين:

    إن بلدنا عدد أيام الصيام فيها يختلف عن باقي البلدان، ويقول: إن رمضان عندنا غير ما عند هؤلاء الجماعة، والليالي الفردية عندنا غير الليالي الفردية مثلاً في بلاد المغرب أو في الجزائر، وفتاوى الناس كثيرة في هذه الأيام.

    يا أخي أنت تتبع بلدك والكريم يكرمك لأنك نفذت أمر الله، وربنا يُعطيك على قدر نيتك لأنك تنفذ أمر الله وتقتدي بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

    فمن منا يستطع إحياء هذه الأيام العشرة كلها، أو الأيام الفردية كلها؟ النبي صلى الله عليه وسلَّم يسَّر علينا وقال لنا:

    (من صلى العشاء في جماعة والصبح في جماعة، فكأنما قام الليل كله).

    فلو أنني في العشر الأواخر من رمضان حافظت على صلاة العشاء والفجر في جماعة، فأنال أجر قيام ليلة القدر، وغُفر لي ما تقدم من ذنبي، فما بال من يُحييها؟

    هذا له مزيد من الأجر، ومزيد من الثواب، ومزيد من التكريم، ولكنني قد أخذتُ حظي من الأجر، لأنني نفذتُ ما أشار به الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم في هذا الفضل الإلهي.

    فعندما يوفق الموفق واحداً منا ويُحيي ليلة القدر، يعني يُصلي في العشرة أيام العشاء والفجر في جماعة، يخرج له شيكاً آخر الشهر بأنه عبد الله عبادة مقبوله تامة أفضل من عمل ألف شهر، ومن الذي يُخرج هذا العمل ويكتب هذا الأجر؟ رب العالمين سبحانه وتعالى.

    لأن كل أعمال الصيام حتى الملائكة الذين معنا ليس لهم شأنٌ بها، لأن الملائكة الذين معنا معهم بيان بالعمل الصالح ليسجلوه ويقيِّموه، فعندما يأتي رمضان ربنا يقول لهم: ليس لكم شأنٌ بذلك:

    (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

    أنا الذي أضع المكافآت، وليس لكم شأنٌ بهذا الموضوع كله، لأنه موضوع خاص برب العزة تبارك وتعالى.

    ويغفر الله له ما تقدم من ذنبه، فلو عاش مثلاً أربعين سنة يحافظ على صلاة الفجر فيلقى الله، فتخرج له شهادة الوفاة من مكتب الصحة يقول: عنده ثمانين سنة، ولكن مكتب الصحة عند الله يقول: لا ـ عُمره أربعة آلاف سنة، كيف؟ من هذه السنين التي أحياها في رمضان.

    فهذا فضل الله على هذه الأمة بفضل ليلة القدر الحمد لله.

    وجعل لنا ربنا مع ليلة القدر أيام أيضاً مباركة يوم عرفة، فلو صمناه غُفر لنا سنة قبلها وسنة بعدها، ويوم عاشوراء لو صمناه يغفر الله لنا ذنوب سنة ماضية، فكلها أيام فاضلة.

    ولو أنني صمت ست أيام في شهر شوال متفرقين فأُكتب طوال العام صائم وأنا آكل وأشرب، ولكن مكتوب عند ربنا صائم:

    (من صام رمضان وأتبعه بستٍ من شوال كان كمن صام الدهر كله).

    والدهر يعني السنة، فإذا كانت عندي ظروف في أيام شوال، قال صلى الله عليه وسلَّم:

    (من صام شهر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، كان كمن صام الدهر كله).

    أصوم ثلاثة أيام، وليس شرطاً أن أصوم الثلاثة أيام البيض، لا بل يمكن ثلاثة أيام من كل شهر، فأُكتب طول السنة صائم، مع أنني مُفطر وآكل وأشرب وأعمل ما أُريد وأُكتب عند الله طوال السنة صائماً لله سبحانه وتعالى.

    وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

    درس بعد صلاة المغرب مسجد مجمع الفائزين بالمقطم 21/2/2019

    *****************************

     

     

    اعلان في الاسفل

    All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


    للأعلي