بحث متقدم

خطب ذات صلة

  • خصائص رسول الله لأمته_إكرام الله لأمته

    المزيد
  • خصائص رسول الله لأمته_فى شهر رمضان

    المزيد
  • أسئلة حائرة وإجابات شافية_مجلس المقطم 21-2-2019

    المزيد
عرض الكل

جديد خطب الجمعة

  • خطبة الجمعة_إظهار جمال الإسلام _الطهارة

    المزيد
  • خطبة جمعة المطعم الحلال اساس الدين

    المزيد
  • مَنْ مِثْلُكُمْ وَالشَّوقُ أَوْصَلَكُمْ إِلَى سِرِّ الأخُوُّةِ مَطْلَبُ الأَصْحَابِ

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • خطبة الجمعة_نبي الذوق الرفيع والجمال

    المزيد
  • خطبة الجمعة – حكمة الحج وإكرام الله للمؤمنين

    المزيد
  • خطبة الجمعة_الروشتة النبوية للسعادة في الدنيا والآخرة

    المزيد
عرض الكل

خطبة الجمعة_أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ

عدد الزيارات:2221 مرات التحميل:56
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
خطبة الجمعة_أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
Print Friendly
+A -A



  • الحمد لله ربِّ العالمين، تولانا وتولَّى المؤمنين السابقين واللاحقين بولايته، وأنعم علينا أجمعين بسكينته وطمأنينته، وجعلنا عزَّ وجلَّ دائماً وأبداً بعينه وبأمان قدرته. سبحانه .. سبحانه، من توكل عليه كفاه، ومن استغنى به أغناه، ومن استعز به أعزَّه على جميع من سواه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمان الخائفين، والرزاق لجميع الكائنات العالية والسافلة أجمعين، لا يحدث في كونه إلا ما يريد، ولا يُبدي أمراً إلا إذا شاءت قدرته، لأنه عزَّ وجلَّ وحده الفعَّال لما يريد.

    وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، الذي بعثه الله عزَّ وجلَّ على حين فترة من الرسل، فآمن الناس به بعد شركٍ وضلالة، وتعلموا به بعد سفهٍ وجهالة، وأصبحوا به بعد الذلة أعزاء، وبعد الفقر أغنياء، وبعد الفُرقة مجتمعين.

    اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، الساطع على القلوب نوره، والظاهر للخلق أجمعين كلامه وخُلُقه النبيل. صلَّى الله عليه وعلى آله أجمعين، وصحابته الطيبين المباركين، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين يا ربَّ العالمين. أما بعد

    فيا أيها الأحبة جماعة المؤمنين:

    يتساءل كثيرٌ من الناس قديماً حديثاً، لماذا دخل الناس في الإسلام أفواجاً؟ وفي طرفة عينٍ وأقل كانت الجزيرة العربية كلها ينطق لسان أهلها بــ (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله)، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحرصون على تطبيق شرع الله جلَّ في علاه، مع أنهم كانوا أهل جاهلية، وكانت حياتهم قبل الإسلام يغلب القوي الضعيف، ويسيطر الأغنياء على الفقراء، وكانت الدولة للقبلية الهمجية، ولم يكن هناك في الجزيرة العربية كلها دولة تحمي الأمن والأمان لهؤلاء؟!!!.

    بين الله عزَّ وجلَّ لنا فيما استمعنا إليه قبل الصلاة - في سورة صغيرة من كتاب الله تتحدث عن نعمتين إثنتين، بسببهما دخل الناس في دين الله أفواجاً. ناهيك عن النعم الكثيرة التي لا تعدُّ ولا تُحدّ والتي ذكرها الله تعالى في ثنايا القرآن، وكلها تدل أقوى الدلالة، وتُبرهن أقوى البرهان، على السبب الذي جعل هؤلاء القوم يدخلون في دين الله أفواجا، هاتين النعمتين يقول فيهما الله جلَّ في علاه:

    (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (3، 4قريش)

    وجدوا الله عزَّ وجلَّ قد بدَّل جوعهم وخوفهم إلى غنىً كاملاً بالله، لا بالأسباب التي يتعارفون عليها؛ من زراعة أو صناعة، أو مهنة أو حرفة، أو غيرها، لكن بأسباب قال فيها الله - وهي لهم ولنا أجمعين، ولكل المؤمنين إلى آخر الزمان:

    (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (2،3الطلاق)

    فوجدوا البلاد القاحلة التي لازرع فيها ولا ضرع فيها، أصبح أهلها أغنياء وأمراء بعد انتسابهم إلى سيد الرسل والأنبياء، فقد حلَّت عليهم البركة من الله، وأمر الله عزَّ وجلَّ البركة أن تحفَّهم من جميع نواحيهم؛ فكانت البركة في طعامهم، وكانت البركة في أكسيته، وكانت البركة في أجسامهم، وكانت البركة في دورهم، وكانت البركة في كل شيء لهم أو حولهم، فلما تنزَّل الله لهم بالبركات مع قلة وشُحُّ الأقوات أغناهم الله عزَّ وجلَّ غنىً لا يستطيع أحدٌ من الأولين والآخرين وصفه.

    وجعل الله عزَّ وجلَّ هذا القرار مفتوحاً إلى يوم القيامة، فأي بلدة أو أي قطر، أو أي مدينة، أو أي جماعة أو أي فرد، يريدون أن يغنيهم الله بغناه، وأن يكفيهم ما يحتاجون إليه من حاجات الدنيا ولا يحوجهم لسواه، ماذا يصنعون ليفعل ذلك لهم الله؟!!، يقول في ذلك جلَّ في علاه:

    (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) (96الأعراف)

    الإيمان وتقوى الله عزَّ وجلَّ تجعل البركات تنزل من السماء وتخرج من الأرض، وإذا أفاض الله البركات على قومٍ فإن طعام الواحد يكفي الجماعة، وطعام الجماعة يكفي المدينة، وكل ما يحتاجون إليه يوفره الله عزَّ وجلَّ بدون حاجز الأسباب، لأنه مسبب الأسباب عزَّ وجلَّ.

    كان على هذا أصحاب النبي ولذلك دخلوا في دين الله أفواجا، وكان على ذلك أصحاب النبي ولذلك استمسكوا بالإيمان وبتقوى الله جل َّفي علاه، وكان على هذا الصالحون في كل زمان ومكان لأنهم يشعرون شعوراً جارفاً ويحسون إحساساً قوياً بالبركة التي تشملهم في كل شيء لهم أو حولهم.

    إذا كان نبي الله عيسى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام - يُنبئ الله عنه قال في خطبته القصيرة وهو في المهد، عندما خرج له قومه إلى أمه بعد أن وضعته، ووضعته بغير أب واتهموها بالزنا، فأراد الله أن لا تتحدث معهم وأن تشير إلى هذا المولود: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) (29مريم). فأنطقه الله عزَّ وجلَّ وقال:

    (قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (30: 33مريم).

    قال: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)، هذا السر الإلهي، وهذا التجلي الرباني، أعطاه الله عزَّ وجلَّ لكل رجلٍ من أمة سيد الأنبياء يؤمن بالله ويتقي الله جلَّ في علاه، كونه يؤمن بالله ويتقي الله ويخشاه، ويخشى أن يصنع ما يغضب الله، ويخشى أن يقع في ذنبٍ وتقع عليه عين مولاه، يكون وليًّا له عزَّ وجلَّ، لأن الله قال في صفة الأولياء من أمة سيد الرسل والأنبياء: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (62يونس)

    من هؤلاء؟   (الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (63يونس)

    كل من آمن واتقى الله فهو وليٌّ لله جلَّ في علاه، وما دام كان ولياً لله فهو يتولاه وهو يتولى الصالحين. فهو مباركٌ حيثما كان، إذا وضع يده على مريضٍ شفاه الله بإذن الله جلَّ في علاه، وإذا امتدت يده إلى طعامٍ أصبح القليل كثيراً ويكفي الكثير بإذن الله جلَّ في علاه، وإذا لبس ثياباً لا تدوب ولا تبلى لأنها حلَّت فيها البركة من الله جلَّ في علاه، وإذا بنى بيتاً ولو من طوب وطين يعيش دهراً طويلاً ولا تؤثر فيه عوامل الزمان لأن الله بارك له فيه، ولأن ساكنه عبد من عباد الرحمن، يبارك الله له في أولاده فيكونون أذكياء وأتقياء وبررة ونجباء؛ يسُرونه في الدنيا بتفوقهم، ويطيب خاطره لكفاية الله عزَّ وجلَّ لهم، وإغنائه لهم حتى لا يمدون أيديهم إلى غير الله طرفة عينٍ ولا أقل.

    طريقٌ عظيم ولو ذكرنا الروايات التي وردت في ذلك عن النبي الكريم وعن الصحابة العظام لاحتجنا إلى وقتٍ طويل، ولكنهم شاهدوا من الإيمان بالله وبركة الله البركات التي أغنتهم بالله عن جميع خلق الله، أذكر واحدةً منها على سبيل المثال:

    كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم في إحدى الغزوات التي وجههم لها حضرة النبي ونفد ما معهم من زاد، فسألوا قائدهم فتوجَّه إلى الله، وبينما هم سائرون على شاطئ البحر إذا بحوتٍ ضخم يُلقيه الموج على الشاطئ، فأخذوه وأخذوا يقتطعون من لحمه ويشووه ويأكلون منه، واستمروا يأكلون منه لمدة شهرٍ كامل، حتى قيل في وصف هذا الحوت: كان الجمل يمر من تحت ضلعٍ من أضلاع هذا الحوت، أى: سفايا من سفايا هذا الحوت لعظمه.

    فشكَّك قومٌ منهم وقالوا: كيف نأكل من هذا الحوت ولا نعلم إن كان من حلال أو من حرام، فقالوا: نحتكم إلى النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام إذا رجعنا إليه فلما رجعوا إلى رسول الله وقصُّوا عليه ما حدث، قال: (هل بقي معكم شيءٌ من هذا الطعام؟ قالوا: نعم، قال: إئتوني به، وأكل منه صلى الله عليه وسلَّم، وقال لهم ولنا وللمسلمين أجمعين على المتجات البحرية: (هو الطهور ماؤه الحِلُّ ميتته)[1]. الذي يخرج من البحر - ولو كان ميتاً - أحلَّه النبي صلى الله عليه وسلَّم.

    والوقائع في هذا الباب لا تُعد ولا تُحد:

    (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)(3، 4قريش)

    ونحن جماعة المؤمنين في هذا العصر - وفي وسط فتن هذا الزمان من جميع الأعداء الذين يحيطون بنا داخلياً وخارجياً من كل مكان - لا بديل لنا إن أردنا توفير الأرزاق وسعة الأقوات والغناء والهناء، إلا إذا رجعنا إلى الطريق الذي رسمه لنا إله السماء - وكان عليه سيد الرسل والأنبياء، وكان عليه الصحابة الأجلاء، وكان عليه من كان بعدهم، ومَنْ بعدهم مِنْ الأولياء - أن نتقي الله بعد الإيمان الحقيقي بالله، ونعمل جميعاً بقول الله:

    (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (2، 3الطلاق)

    قال صلى الله عليه وسلَّم: (التائب حبيب الرحمن والتالئب من الذنب لا ذنب له)[2]. ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

        الخطبة الثانية:

    الحمد لله رب العالمين، الذي أكرمنا بتقواه، وملأ قلوبنا بحبِّ حبيبه ومصطفاه، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يديم علينا ذلك حتى يتوفانا مسلمين ويُلحقنا بالصالحين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهٌ واحدٌ في ذاته، عليٌّ في صفاته، كاملٌ في عطائه وهباته، يخُصُّ عباده الأخيار بما لا يُعدُّ ولا يُحصى من النعم الصغار والكبار. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، أتمَّ الله عزَّ وجلَّ به الدِّين، وجعله خاتماً وختاماً للمرسلين، وجعله شفيعاً لجميع الخلائق يوم الدين.

    اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وارزقنا جميعاً العمل بسنته، والامتثال لشريعته، والتوفيق لما تحبه وترضاه، يا أكرم الأكرمين.

    أيها الأحبة جماعة المؤمنين: كانت النعمة الثانية التي دعت الناس للدخول في دين الله أفواجا؛ نعمة الأمن:

    (وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (4قريش).

    كان العرب في الجاهلية قبل الإسلام يعيشون - متنقلين أو مقمين - في خوفٍ على الدوام؛ أما الحروب فلا تنقطع بينهم، والطرق مملوءةٌ بقطاع الطريق، فإما يعتدون عليهم في دورهم، وإما يقطعون عليهم الطرق ويسلبونهم أموالهم وكل ما معهم، فكانوا في فزعٍ دائمٍ على الدوام، ولم يعرفوا نعمة الأمن إلا بعد الإسلام.

    فإن الإسلام هو الذي أعطاهم هذه النعمة العُظمى نعمة الأمن، ونعمة الأمن من عجيب  كتاب الله عزَّ وجلَّ - لتفرحوا ببلدكم وبربِّكم عزَّ وجلَّ - ذكرها الله عزَّ وجلَّ في القرآن ثلاث مرات:

    ينال الإنسان الأمن إذا دخل البيت الحرام: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) (97آل عمران)،

    وينال المؤمن إذا دخل دار السلام والجنة: (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آَمِنِينَ) (46الحجر)،

    وذكر الله في قرآنه بلداً واحدةً في الوجود كله، ومعها نعمة الأمن: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ) (99يوسف).

    فمصر وأهلها في أمانٍ إلى يوم الدين، لأن الذي قال ذلك ربُّ العالمين: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً) (122النساء)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثًا) (87النساء). لكن لكي تتحقق هذه النعمة على أكمل ما يراد، ينبغي على أهلها أن ينتبهوا إلى ما كان عليه الأفراد من أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلَّم.

    ما الذي حقق لهؤلاء الأعراب الأمن؟!!، الإمتثال لكلام الله، والإتباع لما أمر به حبيب الله ومصطفاه، فقد قال صلى الله عليه وسلَّم لهم أجمعين معرفاً المسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)[3].

    لا يؤذي أحداً من المسلمين، لا بلسانه بسبٍّ أو شتمٍ، أو لعنٍ أو غيبةٍ، أو نميمةٍ أو مكيدةٍ، ولا بيده من قتلٍ أو شكايةٍ، أو أي أمرٍ لا يرضاه الله، أو نهى عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. وفي رواية أخرى: (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده)[4]. ليس المؤمنون فقط، ولكن الناس جميعاً يسلمون من لسانه ويده، لأنه لا يقول للناس إلا حُسناً: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (83البقرة)، ولا يظلم ولا يحاول بعد ذلك أن يفعل مأثماً يُغضب الله، لأنه يراقب الله عزَّ وجلَّ ويخشاه.

    انظر إلى الإمام عليٍّ رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه!!، كان في واقعة حربية مع الكافرين، وتقدم بطلٌ منهم وطلب المبارزة، والمبارزة أن يلتقي فارسان فقط بسيفهما.

    فتقاتلا حتى مات مِنْ تحتهما الفرسان من شدة الحركة، فترجَّلا ونزلا وتقاتلا بالسيفين حتى تكسَّر سيفيهما، فأمسكا ببعضهما - وهي الصارعة الحُرَّة الآن - فحمله الإمام علي وجلد به الأرض وأوقعه على ظهره، وركب فوقه وأخرج خنجره ليقطع عنقه، فإذا بالرجل يتفل في وجهه، فقام الإمام عليٌّ وتركه!!، فتعجَّب الرجل وقال له: لِمَ تركتني بعد إن تمكَّنت مني؟!! قال الإمام عليٌّ: ((كنت أقاتلك لله عزَّ وجلَّ، فلما تفلتَ في وجهي خِفتُ أن أقاتلك إنتقاماً لنفسي)). فقال: وهل تراقبون الله عز وجل في هذه المواطن؟!!، قال: وفي أشدِّ منها، يراقبون الله عزَّ وجلَّ في كل موطن، ولا يفعلون ولا يقولون إلا ما يُرضي الله عزَّ وجلَّ.

    (المؤمن من أمنه الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم)[5]، قال صلى الله عليه وسلَّم: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)[6].

    فإذا تحقَّق المسلمون بهذا الحديث الكريم، يعلم كل مسلمٍ علم اليقين أنه لا تُباح له - من قريبٍ أم من بعيد - أن يؤذي مسلماً، إن كان حاضراً في مواجهته - بسبٍّ أو بشتمٍ أو لعنٍ - أو في غَيْبَته بنميمةٍ أو غِيبة، أو بوشاية أو تشنيع عليه. ولا يحلُّ له أن يأخذ من ماله إلا بإذنه، قال صلى الله عليه وسلَّم: (إن هذه الدنيا حُلوةٌ خضرة، وإن هذا المال لا يحلُّ إلا بطيب نفسٍ)[7]. فإذا أخذه بغير طيب نفس فهو حرام، حتى ولو كان أحرجه ليأخذه منه: (كل ما أُخذ بسيف الحياء فهو حرام)[8].

    ولا يحلُّ له أن يشير عليه بحديدة تؤذيه، ولا يحلُّ له أن يُروِّعه. نام رجلٌ في مسجد النبي ووضع حذاءه بجواره، وجاء رجلٌ آخر - وعلى سبيل المزاح - أخذ الخذاء، فانتبه الرجل فأخذ يبحث عن حذائه فلم يجده فذُعِرَ وأخذ يصيح: أين حذائي؟!!، فجاءه الرجل بحذائه وقال له: كنت أمزح، فقال النبي صلى الله عليه وسلَّم: (لا يحل لمسلمٍ أن يُروِّع مسلماً)[9]. أي أن الأمر في ذلك ليس فيه مزاح، لا ينبغي لمؤمنٍ أن يشير إلى مؤمنٍ بحديدة، ولا يهدِّده بتهديد يجعله في نفسه يشعر بالخوف.

    إذا عاش المؤمنون بهذه الآداب النبوية، وبهذه الأحكام الإلهية، دخلوا في قول خير البرية صلى الله عليه وسلَّم: (لا ترجعوا بعدي كُفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)[10]، فإن الذي يضرب رقاب المسلمين ليس بمسلمٍ على اليقين، كما قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.

    فإذا عاش الإنسان في مكانٍ آمناً من الإذاية باللسان من أهل المكان، آمناً من الغِيبَةِ ممن حوله ويسكن في هذا المكان، آمناً على عرضه وعلى دمه وعلى أمواله وعلى داره، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها كما قال صلى الله عليه وسلَّم.

    نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل مجتمعنا مجتمع الأمن والأمان، وأن يجعل المؤمنين متآلفين متكتافين، ومتعاونين عاملين، بما أمرنا به ربُّ العالمين، وبما وصَّانا به إمام الأنبياء والمرسلين.           

    اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاًّ ولا حقداً ولا حسداً ولا كُرهاً لأحدٍ من المسلمين، واملأ قلوبنا لحضرتك بالصدق والإخلاص واليقين، واجعلنا من عبادك الصالحين، وامنن علينا بكفايتك في كل أطوارنا أجمعين.

    الله أرنا الحق وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل زاهقاً وهالكاً وارزقنا اجتنابه، وحبِّب إلينا فعل الخيرات، والتسابق في النوافل والطاعات، واحفظنا وأولادنا وبناتنا وذرياتنا من المعاصي والمخالفات.

    اللهم وفق ولاة أمورنا للعمل بشريعتك، ولتنفيذ سنَّة خير بريتك، وأيِّد حكامنا بالبطانة الصالحة، وأبعد عنهم البطانة السوء يا ربَّ العلمين.

    اللهم أيِّد جيشنا في حربه على الإرهابيين، واقضِ عليهم في كل مكان في بلادنا يا أكرم الأكرمين، حتى تكون بلدنا مصر كما قلت في قرآنك، (أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين) (99يوسف).

    اللهم آمنا في أوطاننا، وآمنا بيوتنا، ولا تُروِّعنا في أنفسنا ولا أموالنا ولا أولادنا ولا بناتنا، واجعلنا في رعايتك وعنايتك أجمعين.

    اللهم اغفر لنا ولوالدينا، والمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، يا رب العالمين.

     عباد الله اتقوا الله: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90النحل).

    اذكروا الله يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة

    ****************

      خطبة الجمعة بالمسجد ـ كفر المنشي غربية 15/1/2015 الموافق 5 ربيع آخر 1437

    [1] رواه الإمام مالك في موطئه عن صفوان بن سُلَيْم ، عن سعيد بن سلمة ، من آل بني الأزرق ، عن المُغيرة بن أبي بردة ، وهو من بني عبد الدار أنه سمع أبا هريرة يقول : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).

    [2] روى الطبراني عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ (‏الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له‏)‏‏.‏

    [3] روى البخاري والنسائي وأبو داود وأحمد والدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:) الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ).

    [4] روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه). وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم).

    [5] الترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم).

    [6] روى أبو داود وابن ماجة والطبراني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ).

    [7] روى البخاري ومسلم عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: (هَذَا الْمَالُ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ قَالَ لِي يَا حَكِيمُ - إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى).

    [8] روى أبو داود عن حنيفة الرقاشي رضي الله عنه: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).

    [9] روى أبو داود عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: {حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال: ما يضحككم؟ فقالوا: لا، إلا أنَّا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا)}.

    [10] متفق عليه عن جَريرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ في حَجَّةِ الْوَداعِ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، فَقالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ). وعن عبد الله ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (وَيْلَكُمْ أَوْ وَيْحَكُمْ، لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ). متفق عليه.

    اعلان في الاسفل

    All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


    للأعلي