بحث متقدم

مناسبات ذات صلة

  • خصائص رسول الله لأمته_إكرام الله لأمته

    المزيد
  • برنامج ساعة صفا الحلقة الثانية 21/2/2019

    المزيد
  • خصائص رسول الله لأمته_فى شهر رمضان

    المزيد
عرض الكل

جديد المناسبات

  • تيسير الزواج لحل مشكلة العنوسة

    المزيد
  • تفسير قول الله تعالى: والعصر ان الانسان لفي خسر

    المزيد
  • تفسير الأحلام: الرؤية الصادقة شفرة من عالم الملكوت

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • آداب العزاء للسيدات

    المزيد
  • خطبة الجمعة_نبي الذوق الرفيع والجمال

    المزيد
عرض الكل

خطبة الجمعة_كيف تكون الأعمال كلها لله؟

عدد الزيارات:1039 مرات التحميل:25
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
خطبة الجمعة_كيف تكون الأعمال كلها لله؟
Print Friendly
+A -A



  • الحمد لله ربِّ العالمين، القوىُّ فى قدرته، العظيمُ فى حكمته، الذى كلُّ شيءٍ فى الوجود وِفْقَ إرادته، والكل يتحرَّك بأمره و بقهره، والكل يخضع لأمره إذا أراد الله، أو يخضع لقهره إذا غضب عليه مولاه، فالكلُّ فى النهاية لا يخرج من قبضة الله عزَّ وجلَّ.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخَلْقُ وله الأمر، وله المُلْكُ وله الملكوت، وله العزَّة وله الجبروت وله النَّعَمُوت، وله الحمد في الأولى والآخرة، وإليه ترجعون.

    وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ اللهِ ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، اختاره الله لرسالته، وأنزل على قلبه بدائع آيات حكمته، وسخَّر الكون كلَّه لإرادته، وكلَّفه بيتبليغ هدايته إلى الخلق أجمعين.

    صلوات الله وسلامه علي هذا النَّبِيِّ الذى وصفه الله في قرآنه فقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107الأنبياء). صلوات الله وسلامه عليه فى الأولين، وصلوات الله وسلامه عليه فى الآخرين، وصلوات الله وسلامه عليه فى الدنيا ويوم الدين، ومن تبعه بإحسان من المؤمنين والمسلمين أجمعين. أما بعد ...

    فيا أيها الأخوة المؤمنون: استمعت معكم قبل الصلاة إلى آيات من كتاب الله عزَّ وجلَّ من سورة الأحزاب، ولفت نظرى منها قول القارئ عن الله عزَّ وجلَّ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23الأحزاب). والذى لفت نظري في هذه الآية هو هذا العهد الذى بَيْنَ الله وبَيْنَ عباده المؤمنين، وأما الذى صَدَقَ فى الوفاء بهذا العهد كما قال الله بأنه فريق من المؤمنين. فما هذا العهد؟ وما قصة هذا العهد؟

    هذا العهد أخبر الله فى كلامه العزيز أنه أخذه على الخلائق أجمعين، من أوَّل آدم إلى يوم الدين، فبعد أن خلق الله أرواح الكائنات وصوَّرها وأعطى لكلِّ رُوح صُورَتَهَا التى تتميّز بها على العوالم أجمعين - فكل إنسان له صورة خاصة صوَّره عليها الكريم عزَّ وجلّ، مع أن الصور متشابهة!! لكن قدرة الله عزَّ وجلَّ تتجلَّى واضحة لمن ينظر فى الوجود، فإذا نظر فى وجوه من حوله يجد أنَّ لكل إنسان عينين مخصوصتين، وأذنين مفردتين، ولساناً وشفتين مستطيلتين. وجهه خاص به عن جميع الناس من أوّل آدم إلى يوم القيامة!! حتى إذا نظر إلى مَنْ حوله قال: سبحان الله ربِّ العالمين، وتبارك الله أحسن الخالقين.

    فبعد أن صوَّر المخلوقات - ولم يكن بَعْدُ قد خَلَقَ جسم آدم من تراب - أَخَذَ هذه المخلوقات جميعاً وواجهها بجماله، وكلمَّها بلسان قدرته، وأسمعها كلامه بتوفيقه وحكمته، وأكرمها بالردَّ على الخطاب بخير الجواب، وقال في ذلك العزيز الوهاب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172الأعراف). وبعد أن انتهوا من سماع الخطاب، وردُّوا على المولى عزَّ وجلَّ بخير الجواب، كتب ذلك فى كتاب، ووقع عليه الجميع بالعلم والحضور، وجاء بحجر من الجنة ووضع فيه هذا الكتاب، وهو يشهد لكل من استلمه يوم القيامة إن شاء الله.

    ولذا ورد أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه وقف أمام الحجر الأسعد وقال: (إنك حَجَرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنّى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلمّ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُك). فقال الإمام علىٌّ رضى الله عنه وكرّم الله وجهه: (بل إنه ينفع ويضُرُّ بإذن الله يا أمير المؤمنين، أما علمت أن الله حينما أخذ العهد على الذرِّية كتبه فى كتاب ثم ألقمه ذلك الحجر، فهو يشهد لكل من استلمه يوم القيامة عند الله عزَّ وجلَّ) (الحاكم في المستدرك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه).

    إذن هذا العهد نحن جميعاً حضرناه، ونحن جميعاً سمعنا فيه كلام الله، ونحن جميعاً رَدَدْنَا بخير جواب على الله. لكن ما بنود هذا العهد؟ وعلى أىّ شيء عاهدنا الله فى هذا اليوم المجيد وفى هذا الوقت الكريم؟ 

    عاهدناه سبحانه وتعالى فى هذا اليوم على أربع بنود هى: البند الأول: أن نوحِّده فلا نجحده، وأن نُطيعه فلا نعصاه، وأن نذكره فلا ننساه، وأن نشكره عزَّ وجلَّ فلا نكفره. على أننا إذا جئنا إلى هذه الحياة الدنيا كنا كما قال الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (56، 57الذاريات). عرفنا المهمة والتي من أجلها خلقنا، ومن أجلها أوجدنا، ومن أجلها أنزلنا إلى هذه الحياة الدنيا.

    ويظنُّ كثيرٌ ممن يسمعون أو يقرأون أن المهمة مُحددة في هذه الآية فقط!! وإنما المهمَّة مُحددة في ثلاث آيات في كتاب الله عزَّ وجلَّ. وأوّل هذه الآيات ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (56، 58الذاريات). والمهمّة الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13الحجرات). والمهمّة الثالثة: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الارْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61هود).

    إذن مهمتنا فى هذه الحياة هى عبادة الله وطاعة الله وخدمة الله، والتعارف والتآلف والتعاون والتحابب بين عباد الله، وعمارة الأرض - بالزراعة والصناعة والتجارة، والبناء والتشييد، وفق القواعد التى رسمها الحميد المجيد في كتابه العزيز عزَّ وجلَّ.

    نأخذ المهمّة الأولى وهى عبادة الله: فَهِمَ الكثير مِنَّا أن عبادة الله فى هذه الآية هى أن نترك الدنيا بما فيها ونتفرّغ لطاعة الله وعبادته!! وهذا مُنافي لكلام الله ومُخالف لسُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فإنه صلى الله عليه وسلَّم كما قال الله فى حقِّه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81الزخرف). فهو أول العابدين، وأوّل القانتين، وأوّل الطائعين، وأوّل الذاكرين والمسبِّحين لربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، وقال في حقّه: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7الحشر).

    وهو الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة لنا فى الدنيا والآخرة، فعندما رأى جماعة من أصحابه قد همُّوا بهذا الأمر، فبعضهم قال: أنا أصوم الدهر أبداً، وبعضهم قال: أنا أقوم الليل أبداً، وبعضهم قال: أنا لا أتزوّج النساء - استدعاهم وقال لهم: (تقولون كذا وكذا؟!! فأنا أخشاكم لله، وأتقاكم لله عزَّ وجلَّ، وأنا أصوم وأفطر، وأُصَلِّى وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني) (مسلم عن أنسٍ رضي الله عنه). 

    إذن فما المقصود بالعبادة فى هذه الآية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56الذاريات)؟ المقصود بالعبادة أنك تستطيع أيها المؤمن - بطهارة قلبك، وبصفاء نفسك، وبحُسْنِ نيَّتك، وبطهارة سريرتك - أن تجعل عَمَلَكَ كلَّه عبادةً لله عزَّ وجلَّ!! تستطيع أن تجعل نومك عبادة، وطعامك عبادة، وزراعتك عبادة، وتجارتك عبادة، بل وتستطيع أن تجعل شهوتك مع زوجتك عبادة، ومداعبتك لأولادك عبادة، وصِلَتَكَ لأرحامك عبادة!!! إذا سبق ذلك كلَّه النيَّة السليمة، والقلب السليم المستقيم، والعمل الخالص لله عزَّ وجلَّ كما قال صلى الله عليه وسلَّم: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) (البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه).

    فالمؤمن إذا خرج من بيته ساعياً على معاشه، وينوى فى فؤاده، ويعقد النيّة بقلبه مع ربِّه أن يسعى لهذا الأمر لطلب المعاش، ليكُفَّ نفسه وزوجه وولده عن سئوال الناس، فعمله هذا ووقته هذا كلُّه طوال فترة عمله عبادةٌ وذكرٌ وطاعةٌ لله عزَّ وجلَّ!! بل كما يقول صلى الله عليه وسلمّ: (إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ ذُنُوباً لا يُكَفِّرُهَا - لا صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة - لا يُكَفِّرُهَا إلاَّ السَّعْيُ عَلَى المَعَاش) (رواه الطبراني في الأوسط، والديلمي في مسند الفردوس، وأبو نعيم في الحلية بألفاظ مختلفة متقاربة).

    السعى على المعاش يُكفِّر الذنوب، لأنه يسعى بأمر الله ووفق شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فيسعى لطلب الرزق ويعتقد فى قرارة نفسه أن الرزق المكتوب هو الذى سيحصل عليه من علام الغيوب، وأنه لا يحصل على الرزق بجودة فكرته، ولا بصفاء قريحته، ولا بِغِشِّ أمة الحبيب المختار، ولا بالمحاورات ولا بالمداولات ولا بالخداع، وإنما يسعى فى طلب الحلال كما قال الله، ويتأسى بذلك بسيدنا رسول الله، ولا يريد أن يحصل إلا على ما يكفيه في هذه الحياة.

    لا يطلب به منزلةً عند الناس، أو يتفاخر به في دنيا الناس. فإذا كان على هذه الشاكلة فهو عابدٌ لله في سعيه على المعاش!! والذى يخالف هذا الشرع بأن يسعى ويعتقد أن رزقه يزيد بحرصه أو بكدّه، أو بتعبه أو بغشِه، أو بخداعه أو بسرقته، أو بغيرها، ويتحايل للحصول على الأرزاق، فهذا هو الذى حُرِمَ الأَجْرَ من الكريم الخلاق. واعلموا علم اليقين أن الأرزاق كما قال سيد الأولين والآخرين: (أنَّ نَفْساً لن تموت حتى تستوفى رزقها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب)، وفي رواية: (أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَب، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ) (رواه ابن ماجة والحاكم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما). 

    حتى ورد أنه إذا جاء الأجل، جاءت ملائكة الرزاق وقالوا: يا عَبْدَ الله، بحثنا لك عن لقمة واحدة فى السماوات أو فى الأراضين فلم نجدها، وجاءت ملائكة الرِّي وقالوا: يا عَبْدَ الله، بحثنا لك عن شَرْبَةٍ واحدةٍ فى السماوات أو فى الأراضين فلم نجدها، ثم تأتى ملائكة الهواء ويقولون: يا عَبْدَ الله، بحثنا لك عن نَفَسٍ واحدٍ تَتَنَفَّسُه - في السماوات أو في الأراضين فلم نجده، ثم يُعْطُونَ الإذن والإشارة لِمَلَكِ الموت فيقبض رُوحَهُ بإذن الله عزَّ وجلَّ).

    ما قُدّر لماضغيك أن يَمْضُغَاهُ فلابد أن يَمْضُغَاه!! لأنه كتبه وقدَّره الله، فإذا تأملت وتوكلت وجاءك الرزق عن طريق الحلال، وإذا تعجَّلت وأخذت ذات اليمين وذات الشمال عن طريق الغواية والضلال لم تأخذ إلا ما قدَّره لك المَلِكُ المُتَعَال، وكان ذلك عليك شرٌّ ووبال والعياذ بالله. واسمعوا إلى هذه الحادثة التي تَرْوِى هذا الأمر!!

    لقد ورد أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه خرج ذات يوم لزيارة رجل مريض من المؤمنين وركب بغلته، وعندما وصل إلى باب المريض نظر إلى سائلٍ مسكين، فناداه وطلب منه أن يمسك بزمام البغلة حتى ينتهى من عيادة المريض، ونوى فى نفسه أن يعطيه نظير ذلك ديناراً حلالاً، ودخل لعيادة المريض، ثم خرج فوجد البغلة ولم يجد عليها سرجها، فأسرع إلى السوق فوجد السرج موجوداً مع أحد التجار، فأمسك به وعرفه وقال له: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟!! فخاف الرجل وقال: اشتريته. قال: أعلم ذلك، ولكن بكم اشتريته؟ قال: اشتريته بدينار. فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (ما سرق السارق حين يسرق إلا من رزقه، فلو صبر لأخذه من الحلال). فالدِّيَنارُ قُدِّرَ لَهُ من الحلال، ولكن لتسرعه ولعجلته أخذه من الحرام، فكان ذلك عليه ذنوب وآثام، وحساب عسير يوم أن يلقى الملك العلام عزَّ وجلَّ.

    فإن الأرازق مضمونة، وأمرنا الله أن نسعى لها سعياً حثيثاً قال فيه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا - لا من كّدِّكم وعنائكم وسعيكم واجتهادكم، ولكن -ـ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15الملك). كلوا من رزق الله عزَّ وجلَّ الذى قدَّره لكم، والذى كتبه لكم قبل أن تُخلقوا بملايين السنين!! فإن النبات الذى تزرعه أمامك مكتوبٌ على كلِّ حبَّةٍ منه ــ كل حبّة فى هذا النبات فيها خريطة طويلة، فيها مقدار هوائها، وفيها مقدار ضيائها، وفيها كم ورقة تخرج منها، وكم حبّة تخرج منها، ووزن كل حبّة، وطعم كل حبّة، ومقدار كل حبّة، وصاحب كل حبّة الذى سيأكلها، ومتى يأكلها، وكل ذلك بإذن الله عزَّ وجلَّ.

    فعندما تضع الحبّة فى الأرض يكون تقدير خالق السماوات والأرض - بالأرزاق التي تخرجها هذه النباتات، ويُوزعها بحكمته ومعرفته وقدرته عزَّ وجلَّ، وييسِّر الأسباب لتصل إلى جميع الجهات فى الوقت الذى حدّده الله والميعاد، ليتناوله الشخص الذى كتبها له الله عزَّ وجلَّ، ولا يستطيع أحدٌ أن يأخذ رزق أحد، لأن ذلك تقرير الفرد الصمد عزَّ وجلَّ - فهذا عن الرزق!!!

    أما عن العبادات الأخرى فتستطيع أن تجعل عملك كله عبادة لله: فإذا أطعمت أولادك تستطيع أن تجعل هذا الطعام عبادة لله عزَّ وجلّ، إذا نويت فى ذلك أن تقوم لهم بالتكليف الذى كلَّفك به الله عزَّ وجلَّ، وإذا داعبتهم تقوم بذلك لتُرّوّح عنهم كما أمر الله عزَّ وجلَّ، وإذا جامعت زوجتك وقدَّمت النيَّة أن يُعِفَّكَ الله بهذا العمل عن الحرام، وأن يُعِفَّهَا بهذا العمل عن الحرام، وأن يرزقكم الله ذرِّية صالحة تعبد الله عزَّ وجلَّ - كان لك بهذا الجماع أجراً ،كما لو أن الله قد قدَّر من هذا الجماع ولداً ذاكراً لله ويعبد الله إلى ما شاء الله عزَّ وجلَّ لأن: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئٍ مانوى).

    فإذا جلست لتأكل ونويت أن تقوى بهذا الطعام على عبادة الله وعلى طاعة الله وعلى العمل الذى كلفك به الله، كان هذا الأكل عبادة لله عزَّ وجلَّ، وإذا لبست ثيابك ونويت بها ستر عورتك، ووقاية جسمك من الحرّ أو البرد، وأن تتزيّن بالزِّينة التى أخرجها الله لعباده، كان هذا اللباس وهذه الثياب عبادةً وصدقةً منه وعليك من الله عزَّ وجلَّ.

    وإذا عملت عملاً صغيراً أو كبيراً - بشرط أن تقدّم النيّة - فإذا ذهبت إلى زيارة مريض ونويت بذلك عيادة أخيك المؤمن وصيّة لأمر الله وتنفيذاً لسنة رسول الله، كان لك بهذه العبادة والزيارة أجراً عند الله عزَّ وجلَّ. أما إذا نويت زيارته لأنه جاء لزيارتك، وذهبت لِتَرُدَّ إليه الزيارة، فحرمت نفسك من الأجر الذى قدَّره الله عزَّ وجلَّ على هذه الزيارة، وإذا طلبت من الآخر أن يزورك وقلت له يا فلان أو أرسلت له: يا فلان لقد زرتك ولم تأتنى لزيارتى، فقد حرمت نفسك أيضاً من أجر الزيارة التى زرتها له فيما سبق.

    وكذا إذا شيَّعت الجنازة وصلَّيت عليها لله كُتب لك قيراطاً من الأجر، والقيراط كجبل أُحُد!! وإذا شيَّعتها كتب لك قيراطاً من الأجر، والقيراط كجبل أحد!! وإذا حملتها كتب لك من قيراطاً من الأجر، والقيراط كجبل أحد!! إذا فعلت ذلك كلَّه لله عزَّ وجلَّ ولا تطلب الأجر إلا من الله.

    أما إذا كنت ذاهباً لأهل الميت وفقط، فقد حرمت نفسك من الأجر، وبؤت بالخسران والعياذ بالله عزَّ وجلَّ. تُعزِّى أهل الميت لتأخذ مثل أجرهم، بشرط أن يكون العمل لله أولاً، ولأهل الميت ثانياً، ويكون تعاملنا كلُّه مع الله ولله، فقد أخذ علينا العهد ألا نطلب من الأجر إلا من حضرته، وألا نعمل إلا لجلال الله عزّته، ولذلك يوم القيامة يقول: (مَنْ عَمِلَ لِي عَمَلاً أَشْرَكَ فيه غَيْرِي تركته له، أنا أغنى الغنياء عن الشرك). وفي رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه).   

    وهكذا تكلمت مع أخيك المؤمن بكلمة طيبة كُتبت لك صدقة، وإذا تبسَّمت فى وجهه كان تَبَسُمُكَ فى وجهه صدقة، وإذا أعنت مسكيناً أو فقيراً كان لك صدقة، وإذا ذهبت لزيارة الأقارب أطال الله لك فى عمرك وكان لك أجراً عظيماً.

    وهكذا إذا كان تعاملك مع الله كلُّه لله ومع الله، كان عملك كلُّه عبادةً لله عزَّ وجلَّ كما قال الله: ﴿يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ (191آل عمران)، وقال سبحانه وتعالى في حديثه القدسي: (إن لي عباداً أحبهم ويحبوني، وأذكرهم ويذكروني، وأشتاق إليهم ويشتاقون إلىّ، من سلك طريقهم أحببته، ومن عدل عنهم مقتَّه، ومن أعرض عنى ناديته من بعيد، ومن تقرّب منى تلقيته من قريب، أهل ذكرى أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل معصيتي لا أُقنّطهم من رحمتي، إن تابوا إلىّ فأنا حبيبهم، وأنا أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إلىّ فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب)، أو كما قال، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا محمداً عَبْدُ اللهِ ورسولُه. اللهم صلى وسلمّ وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واعطنا الخير وادفع عنا الشرّ، ونجِّنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا، يا ربَّ العالمين. أما بعد ...

    فيا عباد الله: كما تعلمون - حتى النوم يجعله الله عبادة للمؤمن، فإذا نام الإنسان منا على ذكر الله، وأخذ يَذْكُرُ ربَّه حتى تغفل عيناه، كان كما قال صلى الله عليه وسلَّم: (من نام على ذكر الله عزَّ وجلَّ كتبه الله ذاكراً شاكراً، وكان نومه هذا صدقة من الله عزَّ وجلَّ عليه. فإذا استيقظ من نومه قالت له الملائكة: ادْعُ، فإن لك دعوة مستجابة) (أخرج النسائي عن أبي الدرداء رضي الله عنه: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة من الله عليه"). 

    فإذا نام الإنسان وأخذ يُردد ذكر الحنان المنان حتى اختطفه النوم، كان نائماً ذاكراً، كان نائماً عند نفسه ذاكراً عند ربِّه عزَّ وجلَّ. وإذا نوى قبل نومه أنه يقوم فى الليل ليُصلىّ لله، ثم غلبته عيناه فلم ينتبه إلا مع مطلع الفجر، يكون كما فيه قال الرسول صلى الله عليه وسلَّم: (من نوى قيام الليل ثم لم يقم إلا مع مطلع الفجر، كتبه الله عزَّ وجلَّ قائماً) (البخاري ومسلم بنحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال معاذ لأبي موسى: كيف تصنع في قيام الليل؟ فقال: أقوم الليل أجمع لا أنام منه شيئاً، وأتفوق القرآن تفوقاً. قال معاذ: لكني أنام ثم أقوم، وأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي)، وزاد الطبراني: فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: معاذ أفقه منك)،

    لأن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى. وهكذا يا عَبْدَ الله تستطيع أن تكون عَبْداً لله بأعمالك كلِّها، إذا كنت تقصد بها وجه الله عزَّ وجلَّ، ولا تطلب الشكر والثناء والجزاء إلا من الله عزَّ وجلَّ. أما بقيّة التكاليف فسنتحدّث عنها بإيجاز بعد الصلاة إن شاء الله.

    نسأل أن الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا دائما له عزَّ وجلَّ من الشاكرين الذاكرين، الفاكرين الحاضرين الخاشعين له فى كل وقتٍ وحين.

    اللهم وفقنا لصالح العمل وللعمل الصالح، واجعلنا ممن يهتدى بهُداك، ويستن بِسُنَّةِ حبيبك ومصطفاك، واكشف لنا عن الجفا الذى فى قلوبنا حتى نتمتع بالخشية من حضرتك فى كل وقتٍ وحين.

    اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنَّك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، يا ربَّ العالمين.

    اللهم ارزق أهل بلدنا أجمعين الأدب مع إخوانهم ومع سيِّد الأولين والآخرين، واجعل المؤمنين في هذا البلد متراحمين متعاونين، متباذلين متناصرين، عاملين بقولك: (وتعاونوا على البر والتقوى) (المائدة)، يا أكرم الأكرمين.

    عباد الله: اتقوا الله، ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (90النحل).

    اذكروا الله يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة.

    *****************

    - 1 -      خطبة الجمعة سرابيوم: مسجد القراقرة - 12/2/1991 الموافق 17 رجب 1411 هـ

    اعلان في الاسفل

    All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


    للأعلي