بحث متقدم

خطب ذات صلة

  • خصائص رسول الله لأمته_إكرام الله لأمته

    المزيد
  • خصائص رسول الله لأمته_فى شهر رمضان

    المزيد
  • أسئلة حائرة وإجابات شافية_مجلس المقطم 21-2-2019

    المزيد
عرض الكل

جديد خطب الجمعة

  • خطبة الجمعة_إظهار جمال الإسلام _الطهارة

    المزيد
  • خطبة جمعة المطعم الحلال اساس الدين

    المزيد
  • مَنْ مِثْلُكُمْ وَالشَّوقُ أَوْصَلَكُمْ إِلَى سِرِّ الأخُوُّةِ مَطْلَبُ الأَصْحَابِ

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • خطبة الجمعة_نبي الذوق الرفيع والجمال

    المزيد
  • خطبة الجمعة – حكمة الحج وإكرام الله للمؤمنين

    المزيد
  • خطبة الجمعة_الروشتة النبوية للسعادة في الدنيا والآخرة

    المزيد
عرض الكل

خطبة الجمعة_ كفاية الله لرسوله أمر الكافرين

عدد الزيارات:2339 مرات التحميل:574
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
خطبة الجمعة_ كفاية الله لرسوله أمر الكافرين
Print Friendly
+A -A



  • الخطبة الثانية[1]

    الحمد لله ربِّ العالمين، يتولى بنصره عباده المؤمنين وأولياءه الصادقين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في محكم التنزيل: } وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ { (126-آل عمران)، وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسوله، الذي كان الحقُّ شعاره، والإخلاص دثاره، والاعتماد على الله فخاره.

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على باب لطفك الخفيَ، وسرِّ كرمك الربانيّ، سيدنا محمد التَّقِيِّ النَّقِيِّ، الصفيِّ الوفيِّ، وآله وصحبه أصحاب المقام العليّ، وعلينا معهم بجودك وكرمك يا عليُّ يا واسعُ يا وليّ. (أما بعد)

    إخواني وأحبابي: كان فيما استمعنا إليه قبل الصلاة، وَعْدٌ كريم من العزيز الحكيم، وَعَدَ فيه بالنَّصْرِ عباده المؤمنين وحزبه المفلحين، فقال: } إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ { (51-غافر). وقد أكد الوعد بـ (إنَّا)، وزاد تأكيده بلام التوكيد } إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا {  وليس الرسل وحدهم ولكنه شملنا معهم: } وَالَّذِينَ آمَنُوا {، أي: نحن ننصر الرسل والمؤمنين الذين معهم، في أي مكان يا رب؟ قال: في الحياتين } فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ { ، في الدنيا وفي الآخرة.

    أظنُّ بعد هذا الوعد، ماذا يريد الإنسان بعد ذلك؟!! عندما يكون الوعد صريحاً من الله، بأن الله يتعهد ويؤكد - وليس بأداة واحدة من أدوات التوكيد، ولكن بأكثر من أداة - بأنه سينصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ماذا يريد المؤمن بعد ذلك من الله؟!!

    هذا الوعد ظهر بأجلى مظهره في هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالكفر كله تحدى رسول الله ووقفوا جميعاً ضده، حتى كان صلى الله عليه وسلم  يتجشم الصعاب من أجل أن يبلغ دعوة الله. فقد كان العرب يأتون للحج من أول شهر شوال يعني عقب عيد الفطر، وكان لهم ثلاثة أسواق: سوق عند مكة - وهو عكاظ، وسوق عند منى - وهو ذي المجنة، وسوق قريب من عرفات - وهو ذي المجاز، فيخرجون من هذا السوق إلى هذا السوق إلى هذا السوق، ويذهب رسول الله لتبليغ دعوة الله فيأتي الوليد بن المغيرة عليه لعنة الله - وكان قائد الفريق الذي يتزعم القضاء على دعوة رسول الله، وأبو لهب - قائد فرقة المطاردة، التي تطارد رسول الله.

    فيحضر الوليد بن المغيرة ليرى القبائل التي تصل إلى مكة أو إلى هذه الأسواق - وكانت تأتي من اثنى عشر طريقاً - فكان يقسم أعوانه إلى اثنى عشر فريقاً، وكل فريق له أربعة، يقفون بالتناوب، اثنان يسلمون اثنين بحيث يقفون على الطريق طوال الوقت - يصفون الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء القوم، ويصفونه بأنه ساحر، أو مجنون، ويقولون لهم: نحن قومه وأعرف الناس به فلا تسمعوا لكلامه، ويحذرونهم تحذيراً شديداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما الفرقة الثانية بقيادة عمه أبي لهب - وكان اسمه عبد العزى - فقد كان يسير خلفه على الدوام، وكلما يجلس الرسول مع جماعة ويكلمهم، يقول أبو لهب: لا تسمعوا لكلامه، هذا ابن أخي وأنا أعرف به فلا تصدقوه، فيقولون له: إذا كان عمُّك يقول فيك هذا الكلام!! عندما تتبعك عائلتُكَ وعمُّك نتبعك نحن.

    هذا في الأسواق، أما في داخل مكة فكانت فرق الاستهزاء برسول الله جماعة يصفرون عليه عندما يمشي وجماعة يصفقون ويطبلون عندما يرونه ماشياً وجماعة عندما يرونه يمشون أمامه وخلفه ويتهكمون ويستهزءون ويتغامزون عليه !! كل هذه ألوان لمعاكسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيده الله عزَّ وجل. { وقد استهزأ أحدهم بالنبى عليه السلام - فى بعض الاوقات - حيث سار خلفه عليه السلام، فجعل يخلج أنفه وفمه يسخر به، فاطلع صلى الله عليه وسلم عليه،  فقال له: «كن كذلك» فكان كذلك إلى أن مات لعنه الله. واستهزأ به عليه السلام عتبة بن أبى معيط، بصق فى وجهه فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا.  ومرَّ عليه السلام بجماعة من كفار أهل مكة فجعلوا يغمزون فى قفاه ويقولون: هذا يزعم أنه نبىّ - وكان معه جبريل عليه السلام - فغمز جبريل بأصبعه فى أجسادهم فصاروا جروحاً، وانتنت فلم يستطع أحد أن يدنو منهم حتى ماتوا }[2].

    أى أن الله تعالى انتقم منهم جميعاً، لكننا نرى كيف تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك!! وكان هناك من يجعله ساجداً ويضع عليه أحشاء الحيوانات، ويضعون في طريقه الشوك.

    أنواعٌ وأنواعٌ من العذاب لا تتحمَّلها الجبال الراسيات، تحمَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم!! وكذلك تحملها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم!! مع أن رسول الله كان عمُّه يدافع عنه، ولكن كان هناك أناس غرباء لا يجدون من يدافع عنهم.

    والأعجب من ذلك أنَّهم قاطعوه وعائلته ثلاث سنوات - ومن معه من المسلمين - لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، ولا يزوجونَهم ولا يتزوجون منهم. مقاطعة كاملة!! حتى أنهم لم يجدوا ما يأكلوه!! فهناك من يأكل ورق الشجر أو أعشاب الأرض أو لا يجد مع شدة الجوع، ومع ذلك صبروا حتى رَنَّتْ شهادة التوحيد في آفاق العالم العلوي والسفلي، ودوت في أرجاء الكون كلِّه، ونصره الله وأعز دينه، ونصر جنده وهزم الأحزاب وحده.

    هذا كلُّه - أيها المسلمون - يتجلى في قصة الهجرة. بعدما نصر اللهُ رسولَه، وأيَّده وأكرمه، واتفق مع الأنصار أن يهاجر إلى مدينتهم، فقال لأصحابه: (لقد جعل الله لكم مكاناً)، فأذن لهم بالهجرة إلى المدينة، فذهبوا إلى المدينة فلم يبق في مكة من المسلمين المعروفين غير سيدنا رسول الله، وسيدنا أبو بكر، وسيدنا عليّ، وبعض المستخفين بالإسلام، وهاجر الجميع.

    فقال الكفار هذه فرصة لا تفوتنا، لأنه لو خرج من بيننا وذهب إلى المدينة سوف يُجَنِّدُ هناك جيشاً ويحاربنا ولن نقدر عليه، فقاموا بعمل اجتماع عاجل في دار الندوة - بحضور إبليس اللعين - لإعداد خطة محكمة للقضاء على الرسول صلى الله عليه وسلم بدون إثارة قبيلة بني هاشم.

    فقال أبو البحتري بن هشام: الرأي أن نحبسه في غرفة ونمنع عنه الطعام والشراب إلى أن يموت. فقال إبليس: إن هذا ليس برأي لأنكم تعرفون مدى حُبِّهم له، ولو وضعتموه في سجن - ومن خلفه سبعون سجناً - سوف يصلون إليه ويخرجوه وينتصرون عليكم. وكانت هناك آراء كثيرة ورفضت، فقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة واحداً، ويقفون جميعاً على باب الرسول، ويحيطون بالمنزل، وعندما يخرج لصلاة الفجر يضربونه ضربة رجل واحد، بحيث تختلط به جميع السيوف، فيشترك في قتله الجميع، فلا تستطيع بنو هاشم محاربة الجميع فيرضون بالدية. فقال لهم إبليس: هذا الرأي الصواب الذي ليس بعده رأي، ووافق الجميع على هذه الخطة وهذا الاقتراح، ووكلوا أبا جهل في تنفيذ هذا الأمر والقيام به، واتفقوا على أن يكون هذا الأمر سرياً للغاية، وينفذونه فوراً حتى تكون الخطة عاجلة.

    وقال بعض المؤرخين: بأن الاجتماع كان في الصباح وتنفيذها في المساء في نفس اليوم، وقيل: أن أبا جهل قال لهم: لا أحد يخرج من هذا الاجتماع، ومن هذا المكان إلا أن يأتي لكم الخبر بأننا قتلنا محمداً، لأنه لو خرج واحدٌ منكم ربما يذيع الخبر، وهذا الذي نزل فيه قول الله عزَّ وجلَّ في الحال: } وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ - يعني يحبسوك - أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ - الثلاث خطط - وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ { (30-الأنفال).

    وهنا وقفة: إن مكر الله ليس كمكرنا، فمكر الله: يعني تدبير الله، ومعناها: تقدير الله، ومعناها: تصريف الله، لأن مكرنا: الكيد والحيل والدهاء، لكن مكر الله: التدبير والتقدير والتصريف منه لعباده.

    واختار أبو جهل سبعين رجلاً بسيوفهم حول بيت سيدنا رسول الله، والسبعون كثيرون، وغير معقول أن السبعين يشتركون في القتل، فاختار من السبعين خمسة يقفون على الباب ويضربونه جميعاً مع بعضهم، وفي نفس الوقت يقف على جميع فتحات مكة قوات من أجل إذا خرج تمسك به القوات. يعني حصار شديد في جميع أنحاء مكة!!

    فانظر كيف ينصر الله رسله؟ } إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا { - مع أنهم يعسكرون حول البيت، ومتيقظون وليسوا نائمين، وأبو جهل يقول لهم: إن محمداً يقول: أن من يتَّبِعُهُ سوف يملك مُلْكَ كسرى ومُلْكَ قيصر، ويوم القيامة يكون له جنان - يعني حدائق - مثل حدائق الأردن، والذي لم يتَّبعه سيٌقْتَلُ قَتْلَ عادٍ وإرم، ويوم القيامة يدخل جهنم!! فيخرج عليهم رسول الله ويقول لهم: {نعم أنا أقول هذا، وأنت منهم} - وهذا الكلام في وجه أبي جهل - وأخذ حِفْنَةً من تراب ووضعها على رءوس الجميع.

    كيف يكون ذلك؟!! ما السلاح الذي كان معه؟!! } يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ { إلى قوله:  } فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ { (1: 9-يس).

    ماذا حدث في هذا الوقت؟ أنزل الله سبحانه وتعالى سلاح الضباب الكثيف على أعينهم فأصبحوا لا يرون من أمامهم - وليس ذلك فقط - ولكن الله جعل على آذانهم غشاوة لا يسمعون حديثه أو مشيه أو رؤيته، وأيضاً أفقدهم الله الإحساس بالتراب الذي وضع على رءوسهم، وكأن هذا التراب من جهنم!! فكل من جاء على رأسه تراب قتل في غزوة بدر، أو في غزوة أحد.

    وهذه إرادة الله ويقول في ذلك صلى الله عليه وسلم: { إذا أَرَادَ الله قَبْضَ عَبْدٍ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حاجَة }[3]. ولذلك فالرسول في غزوة بدر جاء قبل المعركة ومشى وقال: هنا يموت أبو جهل، وهنا يموت أُبَيُّ بن خلف، وهنا يموت فلان، حدَّد في كل مكان مَنْ يموت فيه منهم، والمكان الذي حدَّده الرسول هو الذي مات فيه كل منهم!! وكان هذا قبل المعركة. وكأنه أحضر التراب من هذه الأماكن التي ماتوا فيها!! وكل واحد وضع على رأسه التراب، كان أجله في هذه الغزوة.

    ويخرج رسول الله من مكة ولا يحس به أحد، كيف يخرج مع وجود كل هذه القوات وهذه الجنود؟ حدث عندهم ذعر وجنون!! كيف يخرج من بيننا ولم نره؟!! ونحن فرسان العرب ونحن قادة العرب!! كيف يكون ذلك؟!!

    وعلى الفور أرسلوا فوجاً إلى كل طريق، وأَجَّرُوا أدلاَّء يعرفون الأثر من أجل أن يعرفوا أين ذهب؟ وإلى أين توجَّه؟ ومن أجل أن يصلوا إلى مكانه - ولكن الله يتحداهم لا بالملائكة، ولا بقوات ولا بالدبابات، ولا بالطائرات ولا بالصواريخ، ولكن التحدي كان بأضعف المخلوقات!!! سوف أنصر حبيبي بأضعف الأشياء، من أجل أن تعلموا بأنكم ليس لكم وزن عند الله!!

    وهذه إرادة الله يَذِلُّ الجبابرة بأضعف المخلوقات!! مثل النمروذ لما طغى وتجبر وقال إني إله، ووضع سيدنا إبراهيم في النار، أرسل له بعوضة دخلت في أنفه واستقرت في رأسه، ولم يسترح إلا بضرب النعال على رأسه، لمدة أربعين يوماً إلى أن مات هذا الملك الذي عمل إلهاً. مات ببعوضة!! وهذه قدرة الله من أجل أن يذل الجبابرة.

    وكذلك زعماء مكة أذلَّهم الله بهذه الطريقة: فهذا الوليد ابن المغيرة - من كبار قريش - ذهب ليشتري سهاماً من أجل الحرب، فتعلق في ثوبه سيف، فاستكبر أن يبعده عن ثوبه فوخذه السيف في قدمه فمات!! وكذلك البختري بن هشام، جالس بجوار شجرة ومعه عبد من عبيده، فنزل سيدنا جبريل وظل يضرب رأسه في الشجرة، فيقول للعبد: ادفع عني، فيقول له: إني لا أرى شيئاً - وظل يضرب رأسه في الشجرة إلى أن مات. وكذلك العاصي بن وائل السهمي، كان من الذين يستهزءون برسول الله وأثناء سيره مع أولاده قال: لقد لدغت من قدمي، فلم يجدوا شيئاً، وبعد خمس دقائق مات. وكلهم بهذه الطريقة أذلَّهم الله سبحانه وتعالى. وهذا سرُّ قوله سبحانه: } إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ { (95-الحجر).

    قال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: { مَنْ عَادَىٰ لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ }[4]. ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله ربِّ العالمين، ذو البأس الشديد على كفار عنيد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شديد المحال، قوي الفعال. وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، كريم الخصال، عظيم العطايا والنوال.

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صفوة الأنبياء، وأسوة الألباء، ومعقد آمال الخلق يوم العرض والجزاء، وآله النجباء وصحابته البررة الأتقياء وكل من اهتدى بهديه إلى يوم البعث والجزاء. (أما بعد)

    إخواني وأحبابي: كان من عناية الله بأنبيائه ورسله، والصالحين من عباده، أن يُعِـزَّ حبيبه وصفيَّه صلى الله عليه وسلم ويخزي الكفار بأضعف المخلوقات، فيرسل له نباتاً وعنكبوتاً وزوجاً من الحمام في الغار، والغار عبارة عن جحر من الجبل له باب، فيخرج النبات في وسط هذا الباب - نبات كبير مشهور في الصحراء اسمه (أم غيلان)، يخرج منه فروع كثيرة مثل القطن، ولذلك يستخدمونه في صناعة المراتب والألحفة وغيرها - وغطى الباب كلَّه وبقى جزء صغير، وفي الحال نزل العنكبوت ونسج عليه الخيوط، وفي الحال جاءت الحمامتان على العُشِّ وتحتهما البيض، والأغرب من ذلك أرادوا أن يعرفوا إلى أين وصل الرسول؟ وقال لهم الأدلاء الذين معهم: إلى هنا انقطع الأثر ولا نعرف إلى أين اتجهوا!!

    وطبعاً المشي على الرمل يتعب، والمشي على الصخر يتعب أيضاً، فعندما يمشي رسول الله على الرمل يتماسك حتى لا يتعب الرسول ولا يترك أثراً في الأرض، والحجر عندما يمشي عليه الرسول يلين حتى لا يتعبه ويؤثر في الحجر، فوجدوا أن الأثر انقطع في وسط الطريق، والأعجب من ذلك أن بين هذا الجبل وبين مكة حوالي سبعة كيلو مترات، ولكن الرسول قطعهم في لحظات، كيف ذلك؟!! لأن الأرض تُطْوَى لرسول الله. يقول سيدنا أبو هريرة رضى الله عنه: { مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي في وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَداً أَسْرَعَ في مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَأَنَّمَا الأَرْضُ تطْوَى لَهُ!! إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ!! }[5].

    ويذهب الكفار إلى الغار ويقفون على بابه في حيرة، لماذا؟ والجواب هو ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى معنى حديثه الشريف: ( أن العنكبوت جند من جنود الله )، وفي ذلك يقول الإمام البوصيري رضى الله عنه:

    فالصِّدْقُ في الغارِ والصِّدِّيقُ لَمْ يَرِما

    وَهُمْ يقولونَ ما بالغارِ مِنْ أَرمِ

    ظَنُّوا الحَمامَ وظَنُّوا العَنْكَبُوتَ على

    خيْرِ البَرِيَّةِ لَمْ تَنْسُجْ ولمْ تَحُم

    وِقَايَةُ اللـه أغْنَتْ عَنْ مُضاعَفَةٍ

    مِنَ الدُّرُوعِ وعَنْ عالٍ مِنَ الأُطُمِ

    ما سامَنِي الدَّهْرُ ضَيْماً وَاسْتَجَرْتُ به

    إلاَّ وَنِلْتُ جِواراً مِنْهُ لَمْ يُضَم

    فحماه الله من الأعداء بأضعف المخلوقات!! } إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا { (51-غافر).

    اللهم انصرنا على أنفسنا نصراً عزيزًا، واهدنا صراطًا مستقيمًا، وافتح لنا وبنا فتحًا مبيناً.

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واهزم الشرك والمشركين، وألحق الخزي والبوار على الكافرين.

    اللهم اجعل بلاد الإسلام بلاد الأمن والسلام.

    اللهم تب علينا توبة نصوحا، واغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، مغفرة واسعة، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم واجهنا بكرمك، وأمِدَّنا بمدد لطفك، وسعنا بواسع عطفك.

    اللهم أصلح أحوال المسلمين أجمعين، رجالاً ونساءًا، شباناً وشيوخاً، صغاراً وكباراً، رؤساء ومرءوسين، إنك على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.

    } إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { (90-النحل).

    ****************

    [1] كانت هذه الخطبة بمسجد قرية ميانة مركز مغاغة محافظة المنيا الجمعة 10 من المحرم 1409هـ الموافق 22/8/1988م.

    [2] تفسير حقي، وتفسير نور الأذهان لإسماعيل البروسوى، وقد ورد القصص ذاتها فى كتب السنة متفرقة، برصاً أى أصابه مرض البرص.

    [3] رواه أحمد والترمذي عن مطر بن عكامس، عن أبي عزة

    [4] رواه البخاري في صحيحه والسيوطي في الكبير والبيهقي في سننه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة.

    [5] رواه الترمذي

    اعلان في الاسفل

    All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


    للأعلي