بحث متقدم
اعلان في الاعلي

دروس ذات صلة

  • خطبة الجمعة_التضحية بالنفس و المال

    المزيد
  • التضحية بالنفس و المال

    المزيد
  • أسئلة حائرة وإجابات شافية_مجلس داملوا الجمعة10-3-2017

    المزيد
اعرض الكل

جديد الدروس

اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • آداب العزاء للسيدات

    المزيد
اعرض الكل

فتح القلوب و استفادة السالك من إشارات غزوة بدر

عدد الزيارات:1877 مرات التحميل:63
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
فتح القلوب و استفادة السالك من إشارات غزوة بدر
Print Friendly
+A -A



  • بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله الذي أكرمنا بواسع كرمه، وتفضَّل علينا بخالص جوده وبرِّه، وجعلنا أهلاً لنفحاته المباركة في هذه الليالي المباركة. اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد، السابق إلى الخلق نوره، والداعي إلى الله بالله على بصيرة من ربِّه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وكل من مشى على هداه، واتبع نهجه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.

    اليوم .. يوم السابع عشر من رمضان، في مثل هذا اليوم كانت غزوة بدر الكبرى، التي أعزَّ فيها الله النبيَّ والمسلمين وجنده وحزبه، وكان السلف الصالح يحتفون بهذه الليلة - السابقة لهذا اليوم أو اللاحقة لهذا اليوم، لأنهما من الليالي المباركة - فإن الله عزَّ وجلَّ أنزل في هذه الليلة من السماء الملائكة الشداد، وفُتحت السماء، واتَّصلت بالأرض، وكانت إمدادات السماء تصل إلى خير أجناد الأرض من الله عزَّ وجلَّ في هذا اليوم المبارك الميمون.

    والإمام أبو العزائم رضى الله عنه وأرضاه يقول في كتابه (صيام أهل المدينة المنورة): من السلف من كان يُحي الليلة السابقة ليوم بدر - التي كانت بالأمس، ومنهم من كان يحي الليلة اللاحقة- أي هذه الليلة، قال: والأحوط للمؤمن أن يُحي الليلتين ليفوز بالخير من الله عزَّ وجلَّ ويطمن فضل الله وإكرام الله. ونحن والحمد لله أكرمنا الله وأحيينا الليلة السابقة، وأعاننا الله بفضله ومنِّه على إحياء هذه الليلة، نسأله عزَّ وجلَّ أن يتفضل علينا فيها بنفحاته، وأن يجود علينا فيها ويعمنا بخيره وفضله وبركاته، وأن يجعلنا أجمعين من المشمولين برعاته عزَّ وجلَّ في كل وقت وحين.

    أفاض أخي الاستاذ ناصر، وأسهب وفصَّل في تفاصيل هذه الغزوة العظيمة. وفي الحقيقة أكرمه الله عزَّ وجلَّ فأحاط بها من جميع جوانبها – كما ورد في كتب السيرة الجليلة. وأنا أرى وجوهاً عليها سيما الصلاح، وتظهر تقوى القلوب على نور الوجوه، ولعلنا ندخل في قول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

    إنا إذا خلونا حلونا                  فشربنا في القدس صافي المدام

    ونحن نريد أن نأخذ بعض العظات والعِبر لنا من هذ الحدث الجليل، وإن الله عزَّ وجلَّ ما ساق أخبار الأنبياء، ولا ذكر أخبار الأولياء، ولا ذكر ما دار مع سيد الجند؛ جند سيد الرسل والأنبياء إلا لنأخذ فيها عند سماعها بقول ربنا عز وجل: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (111يوسف)، لذا نريد أن نأخذ عبرة من هؤلاء القوم، هؤلاء القوم وصلوا إلى مقام يقول فيه سيدنا جبريل للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ)[1].

    هؤلاء القوم بلغوا إلى مقام عندما همَّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بفتح مكة، وعمَّ الخبر، وقال داعياً ربَّه فأجابه: (اللهم خذ عنا الأعين حتى لا يتسمَّع بنا أهل مكة)[2]، فلم يدر أهل مكة إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام على فجاج مكة على وشك الدخول.

    وكان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل غزوة بدر، وهو سيدنا حاطب بن بلتعة، وكانوا يُسمون من حضر غزوة بدر (بدري)، ثلاثمائة وثلاثة عشر. هذا الرجل كتب رسالة إلى أهل مكة يُنبِّئهم فيها بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيأتيهم بجند لا قِبل لهم بها، وجاء بأَمَة عنده وأعطاها الرسالة، وقال: إذا أوصلت هذه الرسالة لأهل مكة فأنت حرة، ففكت ضفائر شعرها، ووضعت به الرسالة، ثم ضفَّرت شعرها مرة أخرى حتى لا يفطن أحد إلى موضعها، وسارت، لكن الله عزَّ وجلَّ يُنبيء حبيبه على الدوام بكل أمر له صلَّى الله عليه وسلَّم: (قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (3التحريم).

    فنزل أمين الوحي جبريل وأخبره بخبر هذا الرجل وجاريته والرسالة التي أرسلها إلى أهل مكة، فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب والزبير بن العوام، ونظر ببصيرته النورانية فوجد المرأة في مكان يُسمى (روضة خاخ) خارج مكة، فقال: اذهبا إلى روضة خاخ، وستجدون امرأة هيئتها كذا وكذا، فخذا منها هذه الرسالة وائتوني بها، فذهبا وعثرا على المرأة في الموضع الذي حدَّده صاحب البصيرة النورانية الذي يقول فيه ربُّ البرية: (أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (108يوسف). فقال لها: أخرجي الرسالة، فقالت: ما معي رسالة، فقال الإمام عليّ: والله ما كَذبنا ولا كُذِّبنا، فقالت: ليس معي شيء، قال: إن لم تُخرجي الرسالة لنعرينك ونفتشنك، فلما وجدت صدقه فكَّت شعرها وأخرجت الرسالة، فأخذ الرسالة وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واستدعى النبي صلى الله عليه وسلم مُرسل الرسالة وهو سيدنا حاطب بن بلتعة رضى الله عنه.

    وسيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان حاضراً، وكان عنده حمية للإسلام، فهو الذي قال لرسول الله في شأن أسرى غزوة بدر: (أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ قَرِيبًا لي، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ، فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلَانٍ أَخِيهِ، فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَتْ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ)[3]. ليس عنده مجاملة في دين الله، لأن المجاملة لو دخلت في دين الله فقد ضاع الدين، لكن الدين لا بد أن يكون على هذه الوتيرة التي علَّمها لهم سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.

    فقال عمر رضى الله عنه في شأن حاطب: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لحاطب: " مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ"، قَالَ حَاطِبٌ: وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا"، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: (أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)[4].

    هذا المقام الكريم، مقام الحفظ الإلهي، فالعصمة للأنبياء والحفظ للأولياء، والحفظ أن يحفظهم الله عز وجل من الوقوع في الهفوات والزلات، والمعاصي والسيئات كما يحفظهم الله عز وجل من أوقات يقطعونها في الغفلات، بل دائماً داخلين في قول الله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ وَالذَّاكِرَاتِ) (35الأحزاب).

    هذا المقام الكريم كلنا نتمناه، وكلنا نود أن نصل إليه، لكن غزوة بدر حدثت مرة واحدة ولا تُكرر، فهل توقف الحصول على هذا المقام فيما بعدها من الأيام؟ لا والله، في كل نَفَس، وفي كل زمان، وفي كل عصر وأوان، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه يوصِّلهم الله عزَّ وجلَّ إلى هذا المقام، يقول فيهم الإمام أبو العزائم رضى الله عنه ونسأل الله عز وجل أن نكون منهم أجمعين: ((إذا أشرقت أنوار القرآن على قلبك فكل ُّيومك يوم بدر، وكلُّ ليلك ليل قدر)).

    فليس يوم بدر هو يوماً واحداً في السابع عشر من رمضان، لكن كل يوم من أيام عمرك يكون يوم بدر، وليست ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان فقط لكن كما قال سيدي أبو العباس المرسي رضى الله عنه وأرضاه: ((وما ليلة القدر؟، كل ليالينا ليلة قدر)). كل ليالي هؤلاء المقربين والصالحين ليلة قدر، يرون فيها ما يراه أهل الفوز في ليلة القدر على الدوام.

    كيف يصل الإنسان إلى هذا المقام؟!!. الآيات القرآنية كلها فيها إشارات سلوكية للسالكين بصدق إلى ربِّ البرية، وهؤلاء يقول لهم العارفون والوارثون والصالحون: إذا قرأت القرآن فاقرأه على أنك المُخاطب به لا غيرك، وكل ما ذُكر فيه من حقائق فهي فيك، فأنت فيك كل العوالم العالية والدانية:

    أتزعم أنك جرم صغير

    وفيك انطوى العالم الأكبر

    دواؤك فيك وما تبصر

    وداءك منك ولا تشعر

    ومعركة بدر كانت بين جند الحق وجند الباطل، ويوم الفرقان هو الذي انتصر فيه الحق على الباطل، وأنت فيك معركة مستمرة أبد الآبدين حتى تصل إلى مقام أهل بدر، ويُفرَّق فيك بين الحق والباطل، وتكون من الأولياء أو الوارثين، وتُحفظ بحفظ ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.

    فيك من جند الباطل النفس الإبليسية، التي توسوس وتهيئ للإنسان الخداع والحيل والمكر والدهاء، للوصول إلى ما يرجوه من عالم الدنيا.

    وفيك النفس الحيوانية التي تسوِّل لك الإقبال على الشهوات، وتجعلك دائماً مشغول بشهوة الطعام، أو شهوة الشراب، أو شهوة الجاه، أو شهوة النكاح، أو غيرها:

    والنفس شهوة مطعم أو مشرب أو ملبس

    أو منكح فاحذر بها الداء الدفين

    وفيك النفس الجمادية التي تريد أن تٌجمِّدك عن الطاعات، وعن أعمال القربات، وتبرر لك الاغتذارات، فتقول لك مثلاً: أنت اليوم متعب فلا داعي لصلاة التراويح، أو لا داعي لصلاة العشاء في المسجد في جماعة، وغير ذلك، وهذا عملها، تريد أن تُجمِّد الإنسان فلا يتحرك نحو الله، أو نحو متابعة حبيب الله ومصطفاه.

    هذه نفوس موجودة في الإنسان، جيش اسمه جيش الردى، جيش الغواية: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ) (53يوسف) هؤلاء لا يتوقفوا لحظة.

    وأنت معك جيش الحق، معك النفس الملكوتية، والتي تريد أن تجذبك إلى العوالم العلوية، ومعك الروح القدسية التي يقول فيها الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:

    تجذب الروح الهياكل

    في الصفا أعلى المنازل

    إن أداروا الراح صرفاً

    أسكرت عالٍ وسافل

    تريد أن تشدك للعوالم العلوية، وفيك القلب الذي يتقلب، والحرب كلها على ساحة القلب لأنه يتقلب، الفريق الأول يريده أن يتقلب على حسب أهواءهم وشهواتهم وحظوظهم، والروح والنفس الملكوتية يريدونه أن يتقلب بين يدي ربِّ البرية، ومع الحضرة المحمدية، ودائماً أبداً محوطاً بالعمل بالشريعة الإلهية المرضية.

    فالحرب دائرة دائماً، إذا انتصر الحقُّ فيك على الباطل، فاليوم الذي يمرُّ عليك ولم تسمح لجند الباطل فيك بجولة .. جولة في المعاصي أو جولة في اكتساب الذنوب، أو جولة في الغفلة عن حضرة علام الغيوب، ونصرت الروح والنفس الملكوتية والسرَّ والخفا والأخفى وهذه العوالم النورانية، وعشت هذا اليوم وهذه الليلة مع كتاب الله في المناجاة مع حضرة الله، مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حسن متابعته، والمداومة في الصلاة والتسليم والتبريك على حضرته، مع العلماء العاملين تتأسى بهم وتستمع إلى علومهم النازلة فوراً من سماء حضرة سيد الأولين والآخرين؛ فإن الله عزَّ وجلَّ سيكرمك بعطاءات روحانية تستشفِّها.

    كذلك مما أمدَّ الله عز وجل به أهل بدر: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ) (11الأنفال)، سيُنزل عليك نعاس ناحية الشهوات والحظوظ والأهواء والدنيا الدنية، لا تخطر على بالك، ولا تشغل خيالك، ولا تتجه إليها، وإذا رأيتها ربما يراها غيرك وأنت تنظر إليها ولكن لا تراها، وتكون كما قال إمامنا رضى الله عنه:

    وإن نظرت عيني إلى أي كائن

    تغيب المباني والمعاني سواطع

    (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) من سماء العناية، ومن سماء الحضرة المحمدية مياه العلوم اللدنية، وهي وحدها التي تُطهِّر القلب بالكلية من الأغيار لتؤهله لنزول الأنوار، وقف الإمام أبو العزائم رضى الله عنه أمام البحر الأبيض المتوسط - وكان في زمانه يُسمى بحر الروم - وقال له مخاطباً:

    قليلك قد يُطهر كلَّ جسمي

    يُطهر بحر روم كل رسمي

    وقلبي لا تطهّــــــــِره بحـــــــــار

    يُطهِّـــــره العليُّ بنيـــل علم

    ما العلم الذي يُطهر القلب؟ نرجع للرجل الخبير الذي قال الله لنا عنه في كتابه: (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (59الفرقان) وهو أُمر أن يقول لنا:

    أنا الخبير فسلني عنه أُنبيك

    وسلمني إلى العليا أرقِّيـــــك

    واخلع سواه وكن صبابة مغرماً

    وبعه نفسك والأموال يعطيك

    هذه شروط حتى يتحقق هذا المقام العلي، فقال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه: ((كما أن كل ماء لم ينزل من السماء لا ينفع، فكل علم لم ينزل من سماء فضل الله لا يَرفع)). لو روينا الأرض بماء البرك فإن الزرع لن ينبت، ولو روينا الأرض بماء مالح فسيموت الزرع، لكن الذي يُنبت الزرع الماء النازل من السماء، كذلك العلم.

    فالذي حفظ كتابين أو مجموعة كُتُب ووضعها في صدره، هذا لا نُسميه عالم لكن نُسميه خزانة علم، أو مكتبة، ولذلك عندما يسأله أحد سؤال، ويسأله آخر نفس السؤال، وثالث، فإن الإجابة ستكون كأنها على شريط كاسيت، إجابة واحدة، وهذا ليس طريق العارفين، ولا طريق الصالحين، ولا أئمة العلم النافع الذين يقول فيهم الله عزَّ وجلَّ في قرآنه الكريم: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (49العنكبوت)، أوتوا العلم من حضرة العليم: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (65الكهف)، أعطانا الدليل لكي نعرفهم.

    إذا رأيت الرحماء، الذين عندهم تيسير بخلق الله، ورفق في الأعمال وفي السير والسلوك مع عباد الله، فتعرف أن هؤلاء معهم الرحمة الإلهية، ومعهم العلوم الوهبية الإلهية. وإذا وجدت من يشق على الناس في العبادات، ويشدد عليهم في هذه الأعمال فاعلم أن هذا لم يصل إلى هذه المرحلة، وهؤلاء نسميهم عُبَّاد، يعبد الله حتى يأخذ الأجر والثواب عند الله، وله أجر وثواب عند الله إن شاء الله، لكن الفضل الإلهي للعلماء العاملين الذين يقول فيهم رب العالمين: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (49العنكبوت).

    هؤلاء العلماء الربانيين مثلهم مثل مطر السماء، فالمطر عبارة عن سحاب يتجمع في السماء إلى أن يأخذ أمر من الله بأن ينزل في موضع قدَّره الله جلَّ في علاه، وإما أن تصطدم سحابة بسحابة وشرارة موجبة بشرارة سالبة وينزل الماء، وإما أن يصطدم بجبل فينزل الماء.

    تشبيه بسيط ولله المثل الأعلى: العلوم الوهبية في سماء الحضرة المحمدية على الدوام، إلى أن تجد جبلاً في طريق الله عز وجل سمَّاه الله: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (7النبأ). كما أن جبال الدنيا يُثبت الله بها الأرض، فالصالحين منهم جبال يُثبِّت الله بهم القلوب من الزيغ، ومن الشبهات، ومن الشهوات، ويجعلهم دائماً وأبداً متجهين إلى أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم، ليتأسوا به، وليحظوا بفضل الله عزَّ وجلَّ. إذا تجمع حولهم ولو رجل فقير إلى عطاء الله، لسان حاله يقول ما قاله نبي الله موسى كليم الله: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (24القصص).

    تجيش المعاني القرآنية، والإلهامات المحمدية في صدورهم، وتخرج منها على ألسنتهم على قدر سامعيهم وأحبابهم في هذا الوقت والحين، والذي ينزل لهؤلاء غير الذي ينزل لهؤلاء، لأن التنزل كله من فضل الله ومن تقدير الله جلَّ وعلا.

    فيُقيِّض الله عزَّ وجلَّ لمن أراد الوصول إلى هذا المقام رجلاً صالحاً أقامه الله مقام العبد الصالح الذي أمر موسى أن يتوجه إليه مع أنه كليم الله عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، وذهب موسى إليه ليُعلِّمنا الأدب في الدخول عليه: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (66الكهف)، لم يقل (علماً) وإنما (رُشْدًا)، والرشد علم الحقائق الباطنة، وليس هناك مجاملة: (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) - لكن أدب الطالب قال: (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) (67: 69الكهف). من لم يصبر في صحبة الصالحين فليس له في طريق الله عزَّ وجلَّ شيء، لأنها تحتاج إلى الصبر الجميل، كموسى ومَن هو على شاكلته، وما أدراكم بموسى نبي الله وكليم الله عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام.

    فيتلقى الإنسان منه، وهذا علم إسمه علم التلقي، وهذا العلم الخاص بالتربية الروحانية، والذي به الترقي إلى المقامات العلوية، والمقامات الإلهية، والكمالات المحمدية: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) (37البقرة) والربُّ هنا المُربي، ولا نستطيع أن نُفصح عن أكثر من ذلك. علم التلقِّي هو العلم الذي به الرُّقي، والذي يتلقاه هذا غير الذي يتلقاه ذاك، وكان الإمام أبو العزائم رضى الله عنه في هذا العلم لا يسمح إلا لبضعة نفر يدخلون عليه خلوته، ثم يأمر بغلق الباب، وعندما يجتمعون يقول: (يا الله) فمَن ليس مؤهلاً لهذه العلوم ينام ولا يسمع شيئاً، فإذا انتهى من بثِّه فيهم: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ) (86يوسف) قال: (يا الله) فيستيقظ!! كما دخل يخرج ولم يسمع شيئاً، لماذا؟ يقول الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:

    أخشى على الدر أن يُلقى بمزبلة

    فيُزدرى وأخون الحق والدين

    عني خذوا ما أســـــــــتطيع أبثه

    وتجملوا بالحال لا بكلامي

    وتجملوا بالحال من باب سما

    بالفضل ناولكم رحيق مدامي

    المهم الحال، والحال يحتاج إلى البث الروحاني، فإذا أكرمه الله بهذا التلقي: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ)،  (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) (21الإنسان)، يُطهر القلب من الأغيار كلها، والأغيار كل شيء غير الله عزَّ وجلَّ، لأن الله لا يرضى في القلب بسواه طرفة عين ولا أقل.

    (وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (11الأنفال)، يُذهب عنهم كل الوساوس الظاهرة والباطنة ويتحصن بحصون الرحمن، ويتفضل عليه الله عزَّ وجلَّ بالحفظ الذي يقول فيه في القرآن: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (64يوسف).

    (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (11الأنفال) فلا تميل إلا إلى المحبوب، ولا تتجه إلا إلى الله، ولا تميل بشوق ولا عشق ولا غرام ولا ولع ولا هيام إلا سيدنا رسول الله، خرجت الدنيا الدنية إلى غير رجعة، قال فيهم صلى الله عليه وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)[5]

    بعد ذلك تتنزل عليه ملائكة الإلهام: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ) (12الأنفال)، فلا يتحرك حركة ولا سَكنة، ولا يقول قولاً ولا يفعل فعلاً إلا بعد إلهام من الملائكة الكرام، حتى يرتفع إلى مقام أعلى يكون الإلهام فيه من حضرة النبي، أو إلى مقام أدنى وأغلى فيكون الإلهام من حضرة المولى العلي عزَّ وجلَّ.

    فإذا انتصر فيك الحق على الباطل فإن كل يوم من أيامك هو يوم بدر، لأنك وصلت إلى هذا المقام، وصاحب هذا المقام بعد أهل بدر إلى آخر أيام الدنيا، يقول فيهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَنْبٌ)[6]. أي أنه لن يفعل ذنب لأنه أصبح محفوظ من الوقوع في الذنوب، وإذا وقع في الذنب فجأة يُلهمه الله عز وجل فوراً بالتوبة، فيتوب عليه عزَّ وجلَّ. ... بادر عند اقتراف الذنب فوراً بالمتاب .. فإذا تاب وأناب، (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (70الفرقان).

    (وإذا أشرقت أنوار القرآن على قلبك فكل ليلك ليل قدر)، الأجر والثواب لليلة القدر سيحظى به كل من أحيا العشر الأواخر من رمضان بصلاة العشاء والفجر وفي الجماعة، لكن النفحات والإكرامات والعطاءات والهبات وأولها تنزل الملائكة، وتبادل الحديث والمكالمة والمخاطبة مع الملائكة، وهذا أمر مفتوح لأقوام على الدوام وليس فقط في رمضان، يقول فيهم الله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوالم يقل (تنزل) إنما قال: (تَتَنَزَّلُ) أي باستمرار، (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) والحوار الذي بينهم: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) - رهن إشارتكم، وطوع أمركم - (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) - نحن في خدمتكم هنا في الدنيا - (وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (30، 31فصلت).

    أعلى الإكرام أن يحظى المرء في هذه الليلة بحقيقة ليلة القدر، وحقيقة ليلة القدر هي وجه الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، لأن الله عزَّ وجلَّ قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (1القدر)، وقال في الآية الأخرى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ) (193، 194الشعراء) إذاً مَن ليلة القدر هنا؟ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمَن يرى حقيقة رسول الله فقد رأى ليلة القدر العظمى، المُعظم نورها، والمُعظم قدرها ومقدارها.

    فإذا كان الإنسان لشدة صفاءه، وما توالى عليه من نور الله وبهاءه، وما وصله من عظيم ضياء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصفاءه، كل ليلة ينام فيجد الحبيب صلى الله عليه وسلم، فتصبح كل ليلة ليلة قدر.

    سيدنا الإمام مالك رضى الله عنه يقول: ((ما بت ليلة إلا ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام))، فكل لياليه ليلة قدر، وما بالك بمن لا يغيب عنه صلى الله عليه وسلم طرفة عين ولا أقل في ليل أو نهار؟! سيدي أبو الحسن الشاذلي وسيدي أبو العباس المرسي كان يقول أحدهم: ((بقي لي أربعين عاماً لو غاب عني صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المؤمنين))، هذا أنفاسه كلها ليلة قدر، لأنه يرى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذه قال فيها الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:

    شمسنا طه الحبيب المصطفى

    لم تغب يا طالب الحق المبين

    من يقل غابت فذاك لحجبـــــه

    كيف يخفى   نور رب العالمين

    أشرقت الشمس في كل فرد في أمين، في الأفراد والأمناء بنورها، وإذا وصل الإنسان لهذا المقام فإن ليالي القدر عنده مستمرة على الدوام.

    وهذه المقامات التي نريد أن نُعلِّي هممنا، ونرفع قدر طلباتنا عند الله حتى نصل إليها، والله عزَّ وجلَّ يُعطي كل إنسان على قدر مراده، فالذي يطلب من الله مال (خمسة مليون مثلاً) ولا يريد شيئاً غيرها حتى الفردوس الأعلى، فيعطيه الله ما يريده (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) (15هود)، لكن المؤمن لابد أن تكون همته أعلى من ذلك، فيُعلي همته،ولا يجعل همته للجنان ولا الرضوان، ولكن يجعل همته وجه الحنان المنان، ومعية النبي العدنان، ويجعل هذا منه على بال، ويجعل ذلك شغله الشاغل في كل وقت وحال، وإذا أصر على ذلك لابد أن الله عز وجل يُنوِّله ذلك، المهم الإصرار، والإصرار له براهين في الأعمال.

    نسأل الله عز وجل أن ينصرنا على أنفسنا نصراً عزيزاً، وأن يجعل كل أيامنا أيام بدر، وأن يُطهر قلوبنا، ويُصفي نفوسنا، ويُهيِّم أرواحنا، ويُعلي ضياءنا وأنوارنا، حتى نتمتع بالنظر إلى وجه حبيبنا الأعظم صلى الله عليه وسلم في كل ليلة، ويجعلنا من الناظرين إلى وجهه الأعلى في يوم الدين، ويُدخلنا في قوله الكريم في كتابه المبين: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (22، 23القيامة)، وأن يتولانا بولايته، وأن يرعانا بعنايته، وألا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى غيره طرفة عين ولا أقل، وأن يحفظ جوارحنا وأجسامنا من المعاصي والفتن، ما ظهر منها وما بطن، ويحفظ أنفسنا من الأهواء وزهرة الحياة الدنيا، ويحفظ قلوبنا من الأغيار، ويملؤها بخالص الأنوار، ويجعلنا دائماً وأبداً من عباده الأخيار الأبرار.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

     مسجد الإمام أبو العزائم – القاهرة- 17من رمضان 1436هـ 4/7/2015م

    [1] صحيح البخاري عن رفاعةبن رافع رضى الله عنهم

    [2] جاء في السيرة الحلبية: ثم قال: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها)، أي وفي رواية قال: (اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعون بنا إلا فجأة).

    [3] مسند أحمد

    [4] البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب رضى الله عنهم

    [5] معجم السفر وشرح السنة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

    [6] الرسالة القشيرية وتاريخ بغداد عن أنس رضى الله عنه.

    اعلان في الاسفل

    جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد


    للأعلي