بحث متقدم

السراج المنير

السراج المنير

السراج المنير

اقرأ الكتاب
  • عنوان السلسلة

    الحقيقة المحمدية

  • تاريخ النشر

    25 - أغسطس - 2010

  • عدد الصفحات

    128

  • رقم الطبعة

    الطبعة الأولى

  • مرات التحميل

    567

  • كود التحميل

    غير موجود
Print Friendly
+A -A



  • PDF Preview Tool

    السراج المنير

    مقدمة الكتاب

    مقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله العلى الأعلى، جعل سرَّ الكنز:
    { كنْتُ كنْزَاً مخَفيَّاً فأحبَبْتُ أنْ أُعْرَف }.وغيَّب الرمز: { فبى عرفونى } لمن جعله لذاته مجلَى، سيدنا محمد صاحب المقام الأعلى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) [النجم:9] والنور الأزهى:
    ( وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ) [الأحزاب:46] .
    صلى الله عليه وعلى آله الذين هم بنوره يتصلون، وأصحابه الذين هم به يقتدون، وكل من انشغل بضياء ذاته وبهىّ صفاته وجَلىّ تشريعاته إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين .... آمين يارب العالمين .. وبعد ...
    فإن الحديث عن الرسول الحبيب له لذَّةٌ ونشوةٌ فى قلب كلِّ عبد من ربه قريب، لا سِيَّما لو كان الحديث حول المعانى القرآنية للآيات التى وصف بها الله عزَّ وجلَّ خير البرية ... فلقد وصف الله عزَّ وجلَّ بذاته حبيبه ومصطفاه لعلمه عزَّ وجلَّ بعجز الخلق جميعاً عن الإحاطة ببعض هباته، أو الإلمام ولو بذَّرة من جميل عطاءاته التى تفضَّل بها على خير مخلوقاته ...
    ولما كنا نحرص دائماً على إحياء ليالى ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلَّم بذكر فضائله، وبيان شمائله، التى خصه الله عزَّ وجلَّ بها، وكذا تذكير الأُمة بالكمالات والخصوصيات التى منحها لها الله – خصوصية من بين جميع الأمم السابقة – بسبب علو منزلة الحبيب المُجتبى عند مولاه، ورفعة قدره عند حضرة الله، فقد جمعنا فى هذا الكُتيب - الصغير الحجم فى مبناه، الغزير المعنى والعظيم القدر فى معناه - بعض الدروس الراقية التى منَّ الله بها علينا فى الإحتفال بليالى ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم هذا العام 1431 هـ، وأشرنا فيها إلى لمحات من خطاب الله عزَّ وجلَّ فى الآيات القرآنية - لأهل المقامات العلية - عن الحضرة المحمديَّة، حتى تشتاق القلوب إلى جمال حضرته، وتميل الأفئدة إلى شذى عُرف قربه ومودَّته، وتُحلِّق الأرواح راغبة فى الوصول إلى مقام معيته.
    جعلنا الله عزَّ وجلَّ ممن يتعلقون بحضرة ذاته، ويتخلقون بأخلاقه، ويتجملون بجميل صفاته ،ويستمسكون ظاهراً وباطناً بأنوار تشريعاته.
    وقد سمَّيناه (( السراج المنير )) لأنه الاسم الذى سمَّاه به الله لأهل الخصوصية، ولأن هذه المعانى التى ذكرناها تدور حول بعض هذه الأوصاف الذاتية التى أشار الله عزَّ وجلَّ إليها فى كتابه لهؤلاء الخصوص. أسأل الله عزَّ وجلَّ أن ينفع بها من قرأها، وأن يرفع بها من عايشها واستحضرها وتمثَّل بها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    الأربعاء، 5 من جمادى الآخرة 1431هـ ، 19 من مايو 2010م
    فوزى محمد أبوزيد

    الفصل الأول: بَشريَّةُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلَّم النُّورَانِيَّة

    الفصل الأول
    بَشريَّةُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلَّم النُّورَانِيَّة
    الحمد لله ربِّ العالمين، نحمدك اللهم على نعمة الإيمان، وعلى أن هديتنا للقرآن، وجعلتنا من أُمة النبى العدنان، ورفعت شأننا بين بنى الإنسان فجعلتنا خير أُمة أخرجت للناس، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له يُفضِّل ما شاء بما شاء كيف شاء:
    ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) [23 الأنبياء]
    فضَّل بعض النبيين على بعض، وبعض الليالى على بعض، وبعض الأيام على بعض ،وبعض الكتب على بعض ... وما دام التفضيل من العزيز الجليل فله الحكم وله الأمر وإليه المرجع والمصير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله:
    هو الحبيب الذى تُرجى شفاعته
    لكل هول من الأهوال مقتحم

    فاق النبيين فى خَلقٍ وفى خُلقٍ
    فلم يدانوه فى علم ولا كرم

    فمبلغ العلم فيه أنه بشر
    وأنه خير خلق الله كلهم

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على رحمتك العظمى لجميع الآنام، والذى خصصته بمقام الشفاعة يوم الزحام، وجعلته مفتاحاً لدار السلام، هديت به بعد ضلالة، وعلَّمت به بعد جهالة، وأغنيت به بعد فاقة، وأعززت به بعد ذلة، سيدنا محمد النبى التقى الأمى وآله وصحبه وكل من تمسك بهديه إلى يوم الدين وعلينا معهم أجمعين ... آمين آمين يارب العالمين.
    أما بعد فيا أيها الأخوة جماعة المؤمنين:
    قضية بشريته صلى الله عليه وسلَّم
    ونحن فى ذكرى ميلاد سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم نود أن نوضح قضية هامة لنا مع حضرته، لا يسوقها المستشرقون ولا المستغربون، ولكن للأسف يرددها بعض المسلمين والمؤمنين نحو السيد السند العظيم! الذى أعلا الله شأنه ورفع الله قدره وبيَّن حقيقته فى كتابه حتى لا يكون هناك شك فى أوصافه وفى مقامه عند ربه عزَّ وجلَّ، يقول هؤلاء القوم من المسلمين:
    إن النبى بشر مثلنا!! وما زاد علينا فى شئ!!، ونسوا أن هذه الحُجة ذكرها الله فى القرآن على لسان الكافرين!!..!!، فقد قالوا لحضرته عندما أُرسل إليهم لهدايتهم إلى رب العالمين:
    ( مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا ) [154الشعراء]

    ( فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ ) [24القمر]
    هذه كانت حجة الكافرين، بماذا ردَّ عليهم رب العالمين؟ قال: يا حبيبى قل لهم: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ) [110الكهف] أنا معىَّ الوحى، والعبرة كلها بالوحى!!.
    مَن منكم آتاه الله وحى السماء؟! ... مَن منكم يتنزل الله عزَّ وجلَّ على قلبه بالإلهام الفورى من الربِّ العلى؟! ... مَن منكم نَقَّى الله سريرته وكشف عن بصيرته فيرى ما فى القلوب !! ويرى ما فى البيوت!! وينبئ الناس عن أحوالهم وعن أخبارهم؟!! وما أكثر الروايات التى تَحْفل بها السُنة المطهرة فى هذا الشأن الكريم.
    فإذا كان الله عزَّ وجلَّ فضَّله على الأنبياء، وفضَّل بعضهم على بعض، فهل يصح أن نقول أننا مثل الأنبياء وكلهم بشر؟! فما بالنا بسيِّد الأنبياء وسيِّد الأولين والآخرين إلى يوم الدين!!.
    وهذه هى المصيبة التى نحن فيها الآن!! أن بيننا جماعة المسلمين مَنْ ينتقص سيد الأنبياء والمرسلين !!!، ألم يقرأوا كتاب الله، فكتابه عزَّ وجلَّ فى كل آياته يمجِّد قدر رسول الله عند الله فى الدنيا وفى الآخرة ... بيان شافى لا يحتاج إلى تأكيد و لا إلى مزيد لأنه كلام الحميد عزَّ وجلَّ ، فلو رأينا آية واحدة أو استبصرنا فيها ... آية واحدة فقط من كتاب الله مثلً قوله تعالى:
    ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) [1الكوثر]
    فلو مكثنا عمر نوح عليه السلام لنفسر هذه الآية لنبين ماهو الكوثر أو الخير العظيم الذى أعطاه الله لحبيبه ما انتهينا منه!! ولو جلسنا إلى آخر الزمان!! والكوثر ليس الحوض فقط! فالحوض من بينها، أما الكوثر فهو الخير الكثير الذى لا حدَّ له ولا منتهى.
    { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [34إبراهيم]
    لم يقل الله (نعم الله)، ولكنه قال: (نِعْمَتَ اللّهِ)، فنعم الله تعنى النعم التى معنا من المأكولات والمزروعات والحيوانات والشمس والقمر... وغيرها، ولكن نعمة الله هى نعمة واحدة يتحدث عنها الله فى الآية:
    { وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ }، فى ماذا يارب؟ { إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ }، مَن النعمة التى ألفت بين القلوب؟ أليست رسول الله؟!! {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [103آل عمران].
    فمن الذى يستطيع أن يعدَّ ما خصَّ به الله حبيبه ومصطفاه فى الدنيا والآخرة من نعم باهرة وأفضال ظاهرة؟! ناهيك عن الجنان!! فإن هذا أمر غامض لم يحن بعد الوقت لكشفه فى هذه الدار! وإنما سنراه بعيون البصائر والأبصار إذا رزقنا الله هذا الجوار إن شاء الله . فهل يستطيع أحد أن يبين ماذا أعدَّ الله فى الجنة لرسول الله ؟؟ لا يوجد:
    عجز الورى عن فهم سرِّ محمد
    لم يدره إلا الإلــه القادرُ

    لابد أن يكون الذى أرسل إلى البشر بشراً، لماذا؟ لأن الله عزَّ وجلَّ جعله هو النموذج القويم الذى نتعلم منه ما يريده منا العزيز الحكيم، فقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ فى قرآنه بالصلاة فى أكثر من موضع فى كتاب الله:
    { فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [103النساء]،
    { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى }
    [البقرة:238].
    ما الصلوات التى أمرنا بها الله؟ .. ما عددها؟ .. وما أسماؤها؟ .. وما أوقاتها؟ .. وما عدد ركعاتها؟ .. وما الكيفية التى نؤديها بها لنُرضى رب العزة عزَّ وجلَّ؟ .. مَن الذى فعل ذلك وأمرنا الله أن نهتدى به فى ذلك؟
    الذى قال لنا صلوات ربى وتسليماته عليه:
    { صلُّوا كما رأيتمونى أصلى }
    فجعل وقتاً للصبح ووقتاً للظهر ووقتاً للعصر ووقتاً للمغرب ووقتاً للعشاء، وجعل الصبح ركعتين والظهر والعصر والعشاء أربعاً والمغرب ثلاث، وجعل فى الصلاة ركوعاً وسجوداً ...، والركوع مرة فى كل ركعة والسجود مرتين فى كل ركعة ..!!، وهناك موضع لتلاوة القرآن، وهناك موضع لتسبيح الله، وهناك موضع للدعاء... ثم قال لنا الله عزَّ وجلَّ فى ذلك:
    { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }
    [7الحشر]
    وإلا فانظر يا أخى المؤمن أين تجد ما ذكرناه عن الصلاة فى كتاب الله؟! ليس فيه إلا الأمر الجامع للصلاة !!، أما الذى وضَّح وبيَّن هيئاتها وأقوالها وأفعالها هو رسول الله صلى الله عليه وسل، كيف يفعل ذلك ببشريته إذا لم يكن معصوماً من الله عزَّ وجلَّ فى كل حركاته؟!.. فلا يتحرك حركة من قِبَل نفسه، ولا يتكلم كلمة من عند ذاته، وإنما كل حالاته يقول فيها ربُّ العزة عزَّ وجلَّ:
    { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى }
    [3: 5النجم].
    وكذلك فى شأن الزكاة، ... فقد فرض الله علينا الزكاة ..، فما مقدار زكاة الزرع؟ !! .. وما نصاب زكاة المال؟ وغيرها من صنوف الأموال والأعراض التى تجب عليها الزكاة؟، الذى وضَّح وبيَّن هو الذى قال له الله:
    { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } [103التوبة]
    هو الذى أمره الله عزَّ وجلَّ أن يتقاضى هذه الزكاة ليوزعها كما أوحى إليه مولاه، وليس بناءاً عن حظ أو هوى - حاشا لرسول الله - صلى الله عليه وسلَّم . وكذلك الصيام والحج، نسَّك المناسك ومشى أمامهم فى المناسك تطبيقاً وقال لهم:
    { يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ،
    فَإني لاَ أَدْرِي لَعَلي لاَ أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا }
    وليس أمر العبادات فحسْب، بل إن الله جعله صلى الله عليه وسلَّم بشراً ليعلِّمنا كيف نأكل؟ ويعلِّمنا كيف نشرب؟ ويعلِّمنا كيف نلبس؟ ويعلِّمنا كيف نتحدث؟ ويعلِّمنا كيف نمشى؟ ويعلِّمنا كيف نعامل زوجاتنا؟ وكيف نربى أولادنا؟ وكيف نصل أرحامنا؟ وكيف نحسن إلى جيراننا؟ وكيف نتعامل مع أعدائنا؟ ويعلمن كبف نتصرف وفقا لما علمه له مولاه فى كل شأن من شئون الحياة! ... هذا ليضرب لنا المثل الأعلى فى ذلك كله؟ ليقربنا بذلك إلى ربنا عزَّ وجلَّ.
    فكان لابد من بشريته لأنه أرسل ليُعلِّم البشر، وكان لابد لهذه البشرية أن تتنزل لنا، ويتنزل فيها وحى ذى الجلال والإكرام، لنتعلم المنهج الصحيح القويم الذى يريده منا ربُّ العزة عزَّ وجلَّ.
    نورانية بشريته صلى الله عليه وسلَّم
    لكنَّ الله عزَّ وجلَّ وضَّح فى القرآن أن بشريته غير بشريتنا أيضاً فى الصورة، فالعرب أنفسهم كانوا يأتون له ليسألوه عن أمره وكيف صار رسولا من الله وهم يعلمون بفهمهم وفطرتهم أنه لابد له من تأهيل خاص يجعل بشريته قابلة لهذا الأمر العلى، واسمعموا لحديث سيد بنى عامر وكبيرهم الذى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ليستوثق من أمره قبل أن يسلم، فقال:
    يا ابن عبد المطلب، إني نبئت أنك تزعم أنك رسول اللـه إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنك تفوَّهت بعظيم، إنما كان الأنبياء والملوك في بيتين من بني إسرائيل - بيت نبوة وبيت ملك، ولا أنت من هؤلاء ولا من هؤلاء!! إنما أنت من العرب ممن يعبد الحجارة والأوثان - فما لك والنبوة؟ ولكل أمر حقيقة، فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك؟.فأعجب النبي صلى الله عليه وسلَّم مسألته، وقال:
    { يا أخا بني عامر، إن حقيقة قولي وبدء شأني دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، إني كنت بكرا لأمي، وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء، وإن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور قالت: فجعلت أتبع بصري النور، فجعل النور يسبق بصري حتى أضاء لي مشارق الأرض ومغاربها، ثم إنها ولدتني، فلما نشأت بغِّض إلي الأوثان والشعر، فاسترضعت في بني بكر.
    فبينما أنا ذات يوم في بطن واد مع أتراب لي، إذا برهط ثلاث، معهم طشت من ذهب ملآن نور وثلج، فأخذوني من بين أصحابي، فعمد إلى أحدهم، فأضجعني إلى الأرض إضجاعاً لطيفاً، ثم شقَّ ما بين صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر، فلم أجد لذلك شيئاً، ثم أخرج أحشاء بطني، فغسلـه بالثلج، فأنعم غسلـه، ثم أعادها في مكانها ثم قام الثاني فأدخل يده في جوفي فأخرج قلبي، وأنا أنظر فصدعه فأخرج منه مضغة سوداء رمى بها، ثم إذا بخاتم في يده من نور: نور النبوة والحكمة، يخطف أبصار الناظرين دونه، فختم قلبي، فامتلأ نوراً وحكمة، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً، ثم أمرَّ الثالث يده بين ثديي وصدري ومنتهى عانتي، فالتأم الشق بإذن اللـه، ثم أنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا.
    ثم قال الأول: زنوه بعشرة من أمته، فوزنوني فرجحتهم، فقال: زنوه بمائة من أمته، فوزنوني فرجحتهم، فقال: زنوه بألف من أمته، فوزنوني فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته جميعا لرجحهم. قال: ثم أقبل الحي بحذافيرهم، فجاءت ظئري حتى أكبت علي فضمتني إلى صدرها وإن يدي لفي يد بعضهم، فظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم.
    فجاء بعض الحي، فقال: هذا الغلام أصابه لمم أو طائف من الجن، فانطلقوا به إلى الكاهن، ينظر إليه ويداويه. فقلت لـه: يا هذا، ليس بي شيء مما تذكرون.
    فذهبوا بى إلى الكاهن، فقصصت عليه أمري، فضمني إلى صدره ونادى بأعلى صوته: يا للعرب اقتلوا هذا الغلام، واقتلوني معه، واللات والعزى لئن تركتموه ليبدلن دينكم، وليسفهن أحلامكم، وليخالفن أمركم، وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثلـه. فقالت ظئري: لأنت أعته منه وأجن، ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك. ثم ردوني إلى أهلى، وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه شراك، فذاك حقيقة قولي وبدء شأني فقال العامري: أشهد أن لا إلـه إلا اللـه، وأن أمرك حقّ }
    فللقصة دلائل كثيرة تدلُّ على أن الله جهَّز بشريته صلى الله عليه وسلَّم تجهيزاً خاصاً لحمل الرسالة، فصارت بشريَّةً نورانيَّةً. ولذا لما سمع سيد بنى عامر القصة من النبى أدرك وفهم ووجد الإجابة عن تساؤله وأسلم فى الحال، بل لما سمع الكاهن ذلك علم أنه النبى المنتظر الذى يعدُّ لحمل الرسالة فى المستقبل! ... وأنظروا إليه صلى الله عليه وسلَّم لما وزنوه بعد أن جهزوه وطبعوه بخاتم النور والحكمة.. ماذا كانت النتيجة؟ .. كان وهو فردٌ وحيدٌ يساوى الأمة كلها ببشريته التى أعدها الله بقدرته فجعلها نورانية فى صورة بشرية!!.وإذا كان رجل من أُمته وهو الصديق رضى الله عنه يقول الحبيب صلى الله عليه وسلَّم فى تفضيله:
    { لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبـي بَكْرٍ بِإِيمَانِ النَّاسِ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِـي بَكْر }
    فما بالكم بمن كان السبب فى إيمان الأمة جميعها وإيمان أبى بكر!! الرحمة المهداة والنعمة المسداة التى خلقها لنا الله عزَّ وجلَّ.
    روى الإمام أبو المواهب الشاذلى رضي الله عنهُ أنه كان فى الأزهر الشريف يُدَرِّس، وإذا برجل معاند جاء إلى مجلسه، وأخذ الرجل يتحدث فى هذه القضية، ويُصر على أن الحبيب صلى الله عليه وسلَّم بشرٌ كسائر البشر، قال: فقمت من هذا المجلس مهموماً لأنى لم أدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كما ينبغى، قال: فنمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى المنام وقال لى: يا محمد هلا قلت له: "محمد بشر بين البشر كالياقوت وهو حجر بين سائر الحجر".
    هل يساوى حجر الياقوت بقية الأحجار؟! هل يساوى حجر الذهب بقية الأحجار؟! والنبى صلى الله عليه وسلَّم يقول فى الخلق والناس أجمعين: {النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ} .
    ولِمَ نذهب بعيداً وهذا الزجاج الذى نضعه فى نوافذنا، ما أصله؟ أصله رملٌ، ولكننا عالجناه حتى صار شفافاً يبين ما وراءه، فما بالكم بحبيب الله ومصطفاه الذى شفَّ الله جسمه ونوَّر الله هيكله حتى صار ظاهره نور وباطنه نور وكله نور! وقال الله فى شأنه: { نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } [35النور]، ولذلك كان صلى الله عليه وسلَّم إذا انتهى من الصلاة يلتفت إلى من خلفه ويقول لهم أنت فعلت كذا أو قلت كذا،. قال سيدنا ابو هريرة رضي الله عنهُ :
    { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلاً كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: يَا فُلاَنُ؛ أَلاَ تَتَّقِي اللَّهَ. أَلاَ تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟، إنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لاَ أَرَاكُمْ، إنِّي وَاللَّهِ لأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ } .
    ومَن الذى يرى من خلفه؟ إلا إذا كان جسمه شفافاً نورانياً، لأنه ليس له عين فى مؤخرة رأسه! ولكن له قلب مملوءٌ بالنور يقول فيه مولاه:
    {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ } [108يوسف].
    بهذه البصيرة النورانية كشف لنا كل ما حدث مع أنبياء الله ورسل الله مع أممهم السابقين، وحدثنا عن كل شئ سيحدث لنا أو بيننا إلى يوم الدين ،فما من شئ يحدث فى الأكوان إلى الآن وبعد الآن إلا وأنبأ عنه النبى العدنان وحدَّث عنه بأبلغ بيان.
    بل إنه صلى الله عليه وسلَّم حدَّثنا عن القيامة كأنها رأى العين، وحدَّثنا عما يدور فيها، وكيف يكون حالنا بينها، وكيف حال المؤمنين، وكيف حال المنافقين، وكيف حال الكافرين، بل حدَّثنا عن الجنة ودرجاتها وقصورها وحورها وأنهارها وكل شئ فيها، وكذا النار وكل مافيها من أهوال وأحوال!! ذلك لأن الله عزَّ وجلَّ كشف له عن بصيرته فرأى ما لم نرَ، قال تعالى:
    { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } [26-27الجن]
    وقد ارتضى هذا الرسول وأعطاه ما لم يعط الأولين والآخرين، فيجب أن نعلم قدر نبينا عند ربه، وعظمة نبينا بين أنبياء الله ورسله، ونفرح بالنعمة الكبرى التى وهبها الله لنا وهو هذا النبى وهذا الرسول وهذا الحبيب، الذى جعله الله نبينا، وجعله شفيعنا، وجعله إمامنا، قال صلى الله عليه وسلَّم :
    { أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إذَا أَيِسُوا. لِوَاءُ الحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلاَ فَخْرَ } .
    حِفْظُ اللهِ لِمَقَامِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلَّم
    انظروا إلى حفظ الله لنبيه وصفيه صلى الله عليه وسلَّم ، فرغم أن الله رفع قدره وأعلى شأنه فى كتابه إلى حدود لا يتحملها بشر، فقال:{ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [80النساء] وأخرى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [54النور]، وحذِّر: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [63النور]، ويقول: { وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [62التوبة]. ورغم كل هذه الرفعة والشأن العلى، لكن حفظه الله فى كل الأزمنة وإلى يوم الدين، بأنه لا يوجد مسلم قطّ قد رفعه عن رتبة العبودية أوأدخله دائرة الألوهية، فمهما يمدحه أى مسلم أو يُثنى عليه أى عالم، فتكون نهاية المدح عبدٌ لله!! لكن حضرة الألوهية لا يوجد أحدٌ منا يدخله أو يشركه صلى الله عليه وسلَّم فيها، لأن الله عزَّ وجلَّ عندما رفع قدره وأعلى شأنه مدحه بالعبودية:
    { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } [1الإسراء]
    { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } [1الفرقان]
    { لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ } [1الكهف]
    هذه قضية بديهية، فكل المسلمين مهما يرفعون شأنه فإنهم يتبعون رفعة شأنه التى فى كتاب الله والتى بيَّنها الله، وفى النهاية: عبد الله ورسوله!! نحن لا نقول فى الصلاة: (أشهد أن محمداً رسول الله)، ولكن نقول فى الصلاة أثناء التشهد: (أشهد أن محمداً عَبْدُهُ ورسولُه)، مَن الذى علَّمنا هذا الأدب العالى؟ هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    لكن بشريته صلى الله عليه وسلَّم كان لابد منها حتى نتعلم منها، لأن الله إذا أنزل ملكاً من السماء فلن نراه ولن نسمعه! إذاً كيف سنتعلم منه؟! فلابد أن يكون بشراً، ولكنه بشرٌ معه الوحى من خالق القُوَى والقُدَر، ولكى يتحمل نزول الوحى والإتصال بالملاء الأعلى لابد أن تكون بشريته أعلى وأرقى من سائر البشر!! فلابد من الله أن يصفِّيه ويرقِّيه ويعليه حتى يكون له شأنه، وتصبح بشريته ملائمة لهذه الأعباء وتلك التكليفات التى فوق طاقة البشر! وخذوا أمثلة على ذلك، وهى واضحة وثابتة بينة:
    كان صلى الله عليه وسلَّم إذا مشى لا يُرى له ظل !! من فينا ليس له ظل؟! الذى ليس له ظل هو النور، فكان صلى الله عليه وسلَّم إذا مشى لا يُرى له ظل!!.وفى وصفه صلى الله عليه وسلَّم الذى اشتهر وانتشر قال سيدنا هند بن أبى هالة: { كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ } . وورد فى وصفه صلى الله عليه وسلَّم : { إذا افتر ضاحكاً افتر عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئى كالنور يخرج من ثناياه }، و قال أبو هريرة رضي الله عنهُ :{مارأيت شيئاً أحسن من رسول اللـه صلى الله عليه وسلَّم ، كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر}، وقال جابر بن سمرة وقد قال لـه رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلَّم مثل السيف؟ قال:{ لا، بل مثل الشمس والقمر }.
    رأوا الحقيقة التى جمَّله الله بها، والتى عيَّرَ الكافرين بسببها، فقال عزَّ وجلَّ: { وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} ]198الأعراف[، لا يرون الفضل الذى منحه الله لك!! فيرونه مثلهم؛ يأكل ويشرب مثلهم!! مع أنه صلى الله عليه وسلَّم حتى فى أكله وشربه ليس مثلنا!، لأنه صلى الله عليه وسلَّم كان يصوم صيام الوصال، فكان لا يأكل أو يشرب لمدة أسبوع أو أكثر!! ولكنه كان يقول: { إني لست مثلكم، إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني }
    بركة ريقه الشريف صلى الله عليه وسلَّم
    ولننظر إلى أعضاءه الطبيعية والتى أشركنا الله فيها معشر البشرية كلنا، وسنأخذ حقيقة واحدة: فى هذه الأيام منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الإقليمية وكل الإذاعات والمنشورات تُحذر من اللعاب والريق لأنه يسبب أمراضاً كثيرة، ويحذرون من التقبيل ومن استخدام الريق لأنه الموضع الأساسى للداء. لكن تعالوا ننظر إلى ريق رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    ففى مرات لا تُعد ولا تحصى فى كتب السيرة يأتيه وفد من العرب ويخبرونه أن لهم بئراً مالح ماؤه - وحياتهم على الآبار - فيطلب صلى الله عليه وسلَّم إناءاً به ماء، فيتناول منه قليلاً ويديره فى فمه ثم يمجُّه فى الإناء ثانية، ويقول لهم: أن اسكبوه فى البئر، فيفعلون، فيتحول ماء البئر بإذن الله عزَّ وجلَّ إلى ماءٍ عذب فرات!! - هذه الروايات عددها أكثر من ثمانين مرة فى كتب السيرة الصحاح. إذاً كيف حوَّل ريقه الماء الملح الأجاج إلى ماء عذب؟!! إذاً هل هو مثلنا؟!! لا، بل كرَّمه الله عزَّ وجلَّ.
    وأخرى، ذهب رسول الله ليفتح خيبر، وحاصر الجيش اليهود، ومن إعجاز القرآن أن الله أخبر عن اليهود فى أنهم كما كانوا فى عهد حضرة النَّبِىِّ كذلك هم الآن: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ} [14الحشر]، إما أن يبنوا قرى وحولها أسوار حصينة أو يبنوا جدراناً، وأنتم تعلمون أن اليهود مكذِّبون ويريدون أن يُكذبوا القرآن، ومع ذلك فإنهم يبنون قرى محصنة ويبنون جدراناً! فلماذا لا يمتنعون عن ذلك؟! حتى نعرف: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا } [87النساء].
    فحاصر النبى أهل خيبر والذين أقاموا سوراً له باب واحد، فحاربهم المسلمون طوال النهار ولم يستطيعوا أن يدخلوا، فعقد النبى صلى الله عليه وسلَّم اجتماعاً مع قادة المهاجرين والأنصار بعد المغرب وقال لهم:
    { لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يَفْتَحُ اللّهُ عَلَى يَدَيْهِ. يُحِبُّ اللّهَ وَرَسُولَهُ. وَيُحِبُّهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا. قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللّهِ، كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا- وفى رواية أبى هريرة : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا- فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا: هُوَ، يَا رَسُولَ اللّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللّهِ فِي عَيْنَيْهِ. وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ. حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ. فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ } .ففتح الله على يديه.
    فأين القطرة أو المرهم الموجودة فى الكون كله والتى يمكن أن تشفى من الرمد فى الحال؟! هل توجد؟ بالطبع لا! ولكنه ريق النبى صلى الله عليه وسلَّم .
    وهذا الكلام ليس بعد النبوة فقط بل منذ ولادته!!، فاليهود كانوا يعلمون كل شئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فقد عرَّفهم سيدنا موسى عنه كل شئ، حتى قال الله فيهم: { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ }[146البقرة]ـ وكثير منهم سكن مكة عند ميعاد ظهوره، ومنهم من سكن المدينة لأنهم يعرفون أنها مهاجره، وممن سكنوا مكة من اليهود رجلٌ سكن عند جبل عرفات، وكان طبيباً، وكان حضرة النبى بعد أسبوع من ولادته قد أصيب برمد، فأخذه جده عبد المطلب وذهب لهذا الراهب ليعالجه، فعندما رآه عرفه، وقال لجده: هذا شفاؤه معه! فخذ من ريقه وضع فى عينه يُشفى فى الحال!، فأخذ من ريقه ووضع فى عينه فشفى فى الحال!!، متى كان هذا؟ كان وهو فى سن سبع سنوات .. كيف ذلك؟ خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم !!
    فهو صلى الله عليه وسلَّم حتى فى الصفات البشرية فريدٌ وحيدٌ لا مثيل له!!.فريقه كان يحول الماء الملح إلى عذب!! وريقه يشفى العين المصابة بالرمد من مرة واحدة لاأكثر!،... إنه ريقه الشريف صلى الله عليه وسلَّم !!.
    فهذه الخاصية مع من قال له الله فيهم: { وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} [175الصافات]، أى أنت معك نور السريرة والبصيرة، وكما أنك تنوِّر الأبصار فأنت تنور السرائر بنور الواحد المتعال عزَّ وجلَّ، فالناس صنعت لعيونها قطرات ومراهم، ولكن السرائر أو البصائر ليس لها علاج إلا عنده صلى الله عليه وسلَّم . من الذى معه هذه البصيرة غير رسول الله فى الكون شرقا وغرباً أو قبلاً وبعداً؟ لا يوجد إلا رسول الله، من أعطاه الله هذه الخصوصية: { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } [108يوسف].
    وللريق الشريف آثار أخرى؛ ففى موضع آخر ذهبت ابنة يتيمة ومعها ثلاثة أخوات لها إلى النبىِّ صلى الله عليه وسلَّم ، فأعطاها قطعة لحم كانت فى فمه وقد لاكها بأسنانه الشريفة، وقال لها: كليها أنت وأخواتك، فصرن الثلاثة يُعرفن بأنهن أنقى النساء رائحة فم إلى أن لقين الله عزَّ وجلَّ! لم يستخدمن معجون أسنان ولا فرشاة، ولكن الله جعل أفواههن كذلك ببركة ريقه الشريف صلى الله عليه وسلَّم !... فانظروا ماذا يفعل ريق رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟!!.
    وواقعة أخرى لرجل من أصحابه صلى الله عليه وسلَّم يدعى عتبة بن فرْقَد السُّلَمِى وكان له أربعة نسوة، يجتهدن كلهن لتنال رضاه فتأتى بأفخر العطور وتتطيب بها، واترككم للحديث العجيب من إحداهن وهى أُمُّ عاصم رضي الله عنهُ ا:
    { كُنا عند عُتبة أربع نِسْوَةٍ ما منا امرأةٌ إلاَّ وهي تَجتهدُ في الطِّيب لتكونَ أطيبَ من صاحِبَتِها، وما يَمَسُّ عُتبةُ الطّيب إلاَّ أن يَمَسَّ دُهناً يمسحُ بهِ لحيتَهُ، ولَهُو أطيبُ ريحاً منَّا، وكان إذا خرجَ إلى الناسِ قالوا: ما شَمِمنا ريحاً أطيبَ من ريحِ عُتبة. فقلتُ له يوماً: إنا لنجتهدُ في الطِّيبِ، ولأنتَ أطيبُ ريحاً مِنا فمِمَّ ذاك؟ فقال: أخذني الشَرى ( حبوب وبثور ) على عهدِ رسول الله، فشكوتُ ذلكَ إليه فأمرني أن أتجرد فتجردْتُ وقعدتُ بـين يديه وألقيتُ ثَوبـي على فَرْجِي فنفثَ في يد ثم مسح يَدَهُ على ظَهْري وبَطني فَعَبِقَ بـي هذا الطِّيبُ من يومئِذٍ.}.
    بل أكثر من هذا من غرائب ريق الحبيب، فقد كانت هناك امرأة سليطة اللسان فى المدينة، ذهبت لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم مرة وكان يأكل لحما مجفَّفاً، فأعطاها مما أمامه، فأصرَّت أن تأخذ مما فى فمه! فأعطاها قطعة كان قد لاكها بفمه وأعطاها لها فأكلتها فانقطع عنها سبابها وشتائمها وصارت لا يُسمع منها إلا القول الحسن ببركة ريق رسول الله صلى الله عليه وسلَّم !.إلى أن توفاها الله عزَّ وجلَّ.
    والسيدة فاطمة كانت تخرج لقضاء حاجاتها وتترك سيدنا الحسن وهو رضيع وبعده الحسين، و عندما كانت تتأخر ويبكى أحدهما كان صلى الله عليه وسلَّم إذا لم يجد له طعاماً يُخرج له لسانه فيرضع فيه فيشبع بإذن الله .
    وتفل فى فم سيدنا عبدالله بن عباس وهو صغير ودعا له ففقَّهه الله فى الدين وعلَّمه التأويل وصار كما نعلم، وقد أخبرسيدنا عمر رضى الله عنه بهذه الواقعة.
    خصوصية عَرَقه صلى الله عليه وسلَّم
    عجائبٌ لا عدَّ لها ولا حد حتى نعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حتى فى البشرية كان له خصوصية إلهية، وهذا ليس بعجيب على القدرة الربانية التى خصته بهذه الأوصاف الخصوصية إكراماً له صلوات الله وسلامه عليه.
    مَن منا يتحمل رائحة عرَقه؟ نحن نضع عطوراً ومزيلات عرق من أجل رائحة العرق!! لكن رسول الله - باتفاق جميع الرواة - كانت رائحة عرَقه أزكى من رائحة المسك!! فكان صلى الله عليه وسلَّم إذا صافح إنساناً تظل رائحة النبىِّ صلى الله عليه وسلَّم فى يده ثلاثة أيام! وإذا مشى فى طريق ينتشر أريجه فى هذا الطريق! وكان الذى يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولم يجده يتتبع رائحتة!. سيحدث ذلك معنا كلنا! ولكن فى الجنة، التى يقول النبى صلى الله عليه وسلَّم فى أهلها:
    { لاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَبْزُقُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَمَجَامِرُهُمُ الألُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ }
    فهم يأكلون وفضلاتهم تخرج كرشحات عرق رائحته كرائحة المسك!! سيحدث ذلك معنا فى الجنة، لكنه كان مع حضرة النبى فى الدنيا، فكأنه وهو فى الدنيا كان يعيش فى الجنة!!.
    وهذه الرائحة لم تنفذ من الكون بل موجودة ... ولكن هذه الأيام من يشمها؟ الذى ليس عنده فى أنف قلبه زكام!! وعندها يمكنه أن يشمَّ رائحة المصطفى عليه الصلاة والسلام .التى هى أطيب من ريح المسك!!.
    فكما أن للجسم مشام كذلك القلب له مشام! وهذه المشام كانت عند سيدنا يعقوب عليه السلام عندما قال كما أخبر القرآن: { إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } [94يوسف]، فأين كان يوسف؟ فى مصر، وأين كان يعقوب؟ فى بيت المقدس! فكيف شمَّ ذلك؟ بالقلب! لأن الأنف هل يستطيع أن يشم شيئا خارج المجلس الذى يجلس فيه؟ لا، بل ولا يمكنه أن يشمَّ الكثير مما فيه!
    كان صلى الله عليه وسلَّم يحب السيدة أم سليم، وهى أم سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهُ لأنها كانت امرأة من الصالحات ، وكان حضرة النبى يحبها لصدقها وإخلاصها، فكان صلى الله عليه وسلَّم فى أيام الصيف يذهب فى الظهيرة ليقيل عندها ،فكان إذا نام غزر عرقه، يروى سيدنا أنس رضى الله عنه عما حدث فى بعض المرات فيقول:
    {دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ فَقَالَ عِنْدَنَا فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلُتُ الْعَرَقَ فِيهَا؛ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: هذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ} وفى رواية: {وهو أطيب الطيب}.
    وفى رواية أخرى قال سيدنا أنس رضي الله عنهُ :
    { كَانَ النَّبِيُّ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ. قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ علَى فِرَاشِهَا. فَأُتِيتْ فَقِيلَ لَهَا: هذَا النَّبِيُّ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ علَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ. فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا. فَفَزِعَ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَا تصْنَعِينَ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: أَصَبْتِ }.
    بل هناك ما هو أكثر مما رواه سيدنا أبو هريرة رضي الله عنهُ :
    { أن رجلاً أتى النبى صلى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، إني زَوَّجْتُ ابنتي وإني أحبُّ أن تعينَني بشيء، فقال: مَا عِنْدِي مِن شَيْءٍ، ولَكِنْ إِذَا كانَ غَدٌ فَتَعَالَ، فَجِيءَ بِقَارُورَةٍ وَاسِعَةِ الرَّأْسِ وَعُودِ شَجَرَةٍ، وآيةُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ أَنِّ أُجِيْفُ نَاحِيَةَ البَابِ، فأتَاهُ بِقَارُورَةٍ وَاسِعَةِ الرَّأس وعودِ شجرةٍ، فجعلَ يَسْلُتُ العرَقَ من ذراعيه حتى امتلأت، فقال: خُذْ وَمُرْ ابْنَتَكَ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَطَيَّبَ أَنْ تَغْمِسَ هَذَا العُودَ في القَارُورَةِ وَتَطَّيَّبَ بِهِ، قال: فكانت إذا تطيَّبَتْ شَمَّ أهْلُ المدينة رائحةَ الطِّيْبِ فسمُّوا بَيْتُ المُطَّيِّبين}.
    ووردت فى بعض الروايات أنهم فتحوا حانوتاً أو دكاناً لبيع العطور، وكان أساسه هذه القارورة المباركة وأسموا دكانهم " بيت المطيبين".
    كيف ذلك؟! حتى نعرف أنه صلى الله عليه وسلَّم بشر ولكن تولاه خالق القُوَى والقُدَر فرقَّى وصفَّى وشفَّى فأصبحت هذه البشرية نورانية فى صورة بشرية.
    سمعه الشريف صلى الله عليه وسلَّم
    هل أذننا مثل أذن رسول الله؟! هل آذاننا تسمع كلام الملائكة أو الجن؟! نحن تجلس معنا الملائكة، فهل نراها أو نسمعها؟! هل تسمع آذاننا أصوات السموات؟! كان صلى الله عليه وسلَّم يسمع تسبيح الكائنات، وكان يفقه لغة الحيوانات! والطيور! والحشرات!، بل وكانت تكلمه! وهذا الأمر يحتاج إلى آلاف الصفحات لكى نحكى كل ما ورد عن رسول الله من كلامه للحيوانات والطيور والحشرات، وكل ذلك كانت تستوعبه أذن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم !! فكان يقول لصحابته:
    { إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّـ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ إِلاَّ وَمَلكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لله سَاجِداً }
    وسمع الجنة وحفيف أوراق أشجارها، وسمع هذا وسمع ذاك، فكانت أذنه صلى الله عليه وسلَّم غير الآذان العادية، ولم يكن سمعه صلى الله عليه وسل سمعا لهذه الغيبيات أو المغيبات فحسب، ولكنه كان سمعاً تاماً مقرونا بفهم وعلم بلا صوت ولا حرف!!.....وقد ضرب الله تعالى لهم مثلاً يوماً إذ أسمعهم الله جميعا صوت وجبة أو دقة شديدة وهم جلوس عنده صلى الله عليه وسلَّم ، فسألهم صلى الله عليه وسل عنها - وهو أعلم بإجابتهم - ولكن ليضرب لهم المثل ويقيم الحجة لكل مؤمن إلى يوم القيامة أن بشريته صلى الله عليه وسلَّم ليست ككل بشرية - ويروى القصة أبو هريرة رضي الله عنهُ فيقول:
    { كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يوماً فسمعنا وجبة فقال النبي صلى الله عليه وسلَّم : أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجرٌ أرسل في جهنم منذ سبعين خريفاً، فالآن انتهى إلى قعرها }
    فكان سمعه ليس ككل سمع، وأذنه ليست ككل أذن، بل كان يسمع ويعقل ويفهم ويترجم، ويعلم كل شىء عن الصوت وصاحبه من أوله إلى منتهاه؛ مثل ما كان يسمع أصوات من يعذبون فى قبورهم ويخبر أصحابه لماذا يعذبون؟ ولأى شىء يضربون؟!! والأمثلة النَيِّرة لا حد لها ولا حصر!!
    صوته المبارك صلى الله عليه وسلَّم
    أما كلامه صلى الله عليه وسلَّم فلم يكن صلى الله عليه وسلَّم جهورى الصوت، ولكنه كان إذا تحدَّث يُسمِع كل من أراد! ولذا فى حجة الوداع ..، حجَّ معه مائة ألف ونزلوا فى منى وتفرقوا فمنهم من فى الوادى ومنهم من على الجبال، وأراد صلى الله عليه وسلَّم أن يبين لهم ما تبقى من المناسك فخطبهم فقال أبو هريرة وأنس رضي الله عنهُ ما: فحمل لنا الله كلام رسوله إلينا فسمعناه ونحن فى رحالنا؛ أى أن كل واحد سمعه وهو فى خيمته، بل وفى موضع آخر، روى سيدنا عن البراء رضي الله عنهُ ، قال:
    { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حتى أسمع العواتق في خدورهن ينادي بأعلى صوته: يا معشر مَنْ آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان مِنْ قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه اتبع الله عورته، ومن اتبع الله عورته فضحه في جوف بيته } .
    كما أورده الأصفهانى الحديث أيضاً تحت مسمى (خطبته صلى الله عليه وسلَّم للعواتق فى خدرهن)، أى أنه كان صلى الله عليه وسلَّم يخطب وهو فى مسجده! ويسمع العذارى وهن داخل غرفهن أو ستورهن بداخل بيوتهن!!.
    فلا ميكرفون ولا صدى صوت ولكن الله كان يأمر الهواء أن يحمل صوته إلى من يشاء لأنه مكلف برسالة الله عزَّ وجلَّ، والله يقول فى المرسلين أجمعين: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ } [64النساء]
    واجبنا نحو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
    وعلى ذلك فإن قضية البشرية التى يثيرها المشركون والمشككون ... لا ينبغى أن تثار على ساحة المؤمنين والموحدين لله عزَّ وجلَّ .. فقد يتحدث فى ذلك كافر أو جاحد ونردُّ عليه، لكن أن يقولها مؤمن يقرأ كتاب الله! ويقرأ سيرة رسول الله! ويقرأ الأوصاف التى وصفها به الله جلِّ فى علاه!! لا!!.
    لا ينبغى أبداً لمسلم أن ينتقص من قدر رسول الله، ولكن عليه دائما يحاول التعرف على بعض المنن والمواهب الإلهيه التى تفضل بها عليه مولاه:
    { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } [113النساء]
    فالله تعالى عندما يقول: { عَظِيمًا }، فعظيماً هنا ما قدره؟ كم تبلغ هذه العظمة؟ هل لها حدٌّ؟ ليس لها حد، ولكن جاهد أنت لكى تعرف بعض مظاهر العظمة الربانية التى أفاضها الله على خير البرية، من أين أو أين؟ فى الآيات القرآنية تجد العجب العجاب!!! فرسول الله صلى الله عليه وسلَّم جمَّله مولاه وكمَّله بما يحبُّه ويرضاه، وما أصدق ما قاله حسان بن ثابت الصحابى رضي الله عنهُ :
    وَأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني
    وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ

    خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُــلّ عَيْبٍ
    كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشاءُ

    فهذا هو الشىء الوحيد الفريد الذى خلق وليس فيه عيوب!! فتِّش فى أجسام الخلق أجمعين, من ليس فى جسمه عيوب؟ لا أحد!! إلا النبى صلى الله عليه وسلَّم .
    ناهيك عن بعض ما ذكرناه من الأوصاف المعنوية والنورانية التى أعطاها الله عزَّ وجلَّ له فى جسمه البشرى! لأن الله عزَّ وجلَّ رقَّق بشريته - لأن البشرية عندنا طينة - لكن بشريته صلى الله عليه وسلَّم رقَّقها الله فجعلها نورانية! أى أنها قد شفَّت وصفت وارتقت حتى صارت كلها نوراً، فكان باطنه نوراً وظاهره نوراً والكتاب الذى أنزل عليه نور ..فأصبح الشأن كله نور على نور ولذا لم ير له صلى الله عليه وسلَّم ظلٌ ... لأن الذى ليس له ظلٌ هو النور . صلى الله عليه وسلَّم .
    مقام العبودية لذات الله
    حفظ الله بذاته مقام حبيبه صلى الله عليه وسلَّم بعد أن نوَّه عنه فى محكم آياته عمَّا يتخيله المتأولون وينتحله الجاهلون من زيادة فى حضرة ذاته، حتى قال البوصيرى رضي الله عنهُ :
    دع ما ادعته النصارى فى نبيهم
    واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

    فلا تقل إنه إلهٌ – حاشالله، ولكن قل: (عَبْدُ الله) وأضف إليه ماشئت، فمادمت وصفته بالعبودية لله فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف، وما شئت من كرم، لأن كل ذلك من إكرام الله ومن تعطفات الله عزَّ وجلَّ على عبده صلى الله عليه وسلَّم .
    إذاً .. إذا كان الأمر كذلك لماذا يسوق البعض هذه الحجج؟
    هؤلاء هدانا وهداهم! حالهم كحال إبليس، عندما أمره الله أن يسجد لآدم، رفض خوفاً أن يسجد لغير الله، فخاف على الله عزَّ وجلَّ!! ولم يسجد لآدم، فى حين أن الذى يأمره بالسجود لآدم هو ربُّ العزة عزَّ وجلَّ!! فكلما مدَحَت للناس فى رسول الله، أو وصفت رسول الله يدَّعون أنهم خائفين على الله!!.
    يا أيها القراء الكرام الأفاضل: أعيرونى أفهامكم، نحن نتكلم فى حضرة العبودية، وحضرة العبودية قل ما شئت فيها، ولا يوجد أحدٌ فى الأولين ولا الآخرين يستطيع أن يصل إلى وصف العبد بالوصف الذى وصفه الله به فى القرآن الكريم!! مهما تكلَّم المتكلمون جميعاً لن يستطيعوا أن يصفوه بما وصفه به القرآن!! فانظر إلى قول الله فى القرآن:
    { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } [64النساء]
    إذا ظلموا أنفسهم، أين يذهبون؟ المفترض أن يذهبوا لله، لكن الله قال: {جَآؤُوكَ}، لم يقل حتى اذهبوا للكعبة!!، لأن المؤمن العادى أعظم عند الله من الكعبة، فقد قال صلى الله عليه وسلَّم وهو يطوف بالكعبة:{ مَا أَطْيَبَكِ، وَمَا أَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَتِكِ: مَالِهِ ودَمِهِ }
    ولكن الله عزَّ وجلَّ قال: {جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}، لابد من استغفار الرسول، ثم بعد ذلك: (لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}، لوجدوا الله بمعانى التواب وبمعانى الرحيم فيك، لأن معانى الأسماء والصفات أين تظهر؟!! تظهر فى "عبد"، فالله - عزَّ وجلَّ - جلَّ وتنزه فى ذاته، لا يستطيع أحدٌ أن يطلع على ذرة من كمالاته إلا إذا ظهرت فى عبيد من عبيد ذاته .فأسماء الله الحسنى تظهر فى العبد - وهو نبينا وإمامنا وحبيبنا وشفيعنا صلى الله عليه وسلَّم - وخذوا الدليل من كتاب الله تعالى - وهذه للتمثيل وليس للحصر:
    نبدأ منها بقوله سبحانه وتعالى فى المحكم المنزل فى:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } ]24الأنفال[
    الله ينادى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، لبيك اللهم لبيك، {اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ}، الله والرسول، يكونا اثنين!! {إِذَا دَعَاكُم}،.من الذى يدعو هنا؟ لم يقل الله ( إذا دعاكما) بلفظ المثنى! ولكن بلفظ المفرد!! من يريد الله؟ الرسول!!، إذاً الاستجابة لرسول الله هى الاستجابة لله، هذه واحدة!!.
    وخذوا مثالاً آخر من سورة التوبة:
    { وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } ]62التوبة [
    وهنا أيضاَ {وَاللّهُ وَرَسُولُهُ} اثنان، {أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}، لم يقل الله (يرضوهما)، ولكن قال: {يُرْضُوهُ}، والضمير يعود على أقرب مذكور وهو رسول الله، إذاً الذى يُرضى رسول الله سوف يُرضى الله!!، وأيضاً:
    { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ } [80النساء]
    فطاعة رسول الله هى طاعة الله مباشرة بوضوح كامل، وأيضاً:
    { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [10الفتح].
    {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا}، لم يقل كأنما، ولكن قال: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}، للتأكيد {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}.
    فقد وضع الأنصار والمهاجرون أيديهم ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يده اليمنى فوق أيديهم، ووضع يده اليسرى وقال: هذه عن عثمان، لأنه كان غائباً فى مكة، وهنا نتسائل:
    يد من التى كانت فوق أيديهم؟
    يد رسول الله ... أليس كذلك ... .
    فلو قال الله (يد الله فوق أيديكم) لكانت هناك يد أخرى فوق أيدى الموجودين بما فيهم رسول الله، لكنه قال: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، فاليد التى كانت فوق أيديهم يد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم !! والتى وصفها الله بأنها يد الله !!، ونحن بذلك لا نُدخل الحبيب فى الألوهية، ولكن نوضح أن الله أنابه صلى الله عليه وسلَّم مقام نفسه فى هذه الخصوصية، فهى نيابة عن حضرة الله!!
    وبعد هذه النماذج القرآنية، نقول: أن القاعدة الجامعة المانعة عندنا:
    (( العبد عبدٌ وإن علا، والربُّ ربٌ وإن تنزَّل ))
    فلن نصف العبد بأنه أصبح ربًّا! ولن نصف الربَّ عزَّ وجلَّ حاشاه أنه حلَّ فى عبد!! فلا يوجد أحدٌ فى الأمة سابقاً ولا لاحقاً وقع فى هذه الخطيئة.
    فنحن جميعاً كما علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم نقول فى التشهد فى الصلاة: (وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله) كما سبق وألمحنا، فسبحان من علَّمه فأحسن تعليمه، وأدَّبه فأحسن تأديبه، وربَّاه فأحسن تربيته!!
    إذاً هذه قضية وقع فيها الشيطان عندما خاف بها على حضرة الله عزَّ وجلَّ، وامتنع عن السجود لآدم، مع أن الذى أمره هو الله!!
    وكذلك وقع فيها الجاهلون فى زماننا والأزمان السابقة، فخافوا على مقام الله !!!، مع أن الذى عظَّمه وكرَّمه هو الله !!، والذى أمرنا بتعظيمه وتكريمه هو الله، لا أحد سواه!!.
    { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا }
    [9الفتح]
    تعزِّروه: أى تساعدوه وتعينوه على تبليغ دعوة الله.
    وتوقِّروه: أى تبجِّلوه وتعظِّموه، وترفعوا شأنه ومقامه، كما وضعه الله، فلن يستطيع أحدٌ منا أن يصل إلى أقل القليل مما ذكره القرآن فى شأن رفعة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم !!.
    الإمام أبوالعزائم رضي الله عنهُ وأرضاه لما تكلم عن رسول الله وأفاض فى الكلام عنه قال فى النهاية:
    ( وكلٌ يتكلم على قدره بما شرح الله صدره، أما كمالات هذا الدُرى المنير الممنوحة من العلى الوهاب ففوق الإدراك والتصوير، وماذا نقول فيمن قال الله فيه:
    {.وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ .} [107الأنبياء]
    وماذا نقول فيمن قال الله فيه:
    { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } [28سبأ]!!
    ثم قال بعد ذلك:

    على قدرى أصوغ لك المديحا
    ومدحك صاغه ربى صريحا

    ومن أنا يا إمام الرسل حتى
    أوفِّى قدرك السامى شروحا

    ولكنى أحبك ملء قلبى
    فأسعد بالوصال فتىً جريحا

    وداوى بالوصال فتىً معنَّى
    يروم القرب منك ليستريحا

    فكل واحد فينا يتكلم على قدر ما يهبه مولاه من فتح فى آيات كتاب الله، لكن كمالات رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لن يستطيع أحد من الأولين ولا الآخرين أن يصل إلى بعض ذرة مما مدح الله به وأثنى عليه به فى كتابه!!.
    فيجب أن ننتبه جميعاً لمثل هذه القضايا، ولابد أن ندافع عن سيدنا رسول الله، وننتصر لسيدنا رسول الله، لأن الله هو الذى أمرنا فى كتاب الله بذلك، فإذا لم تفعل فقد تخليت عن الوصية الإلهية التى أوصاك بها ربُّ البرية، فلابد أن نبين للناس هذه الحقائق ولا نترك الساحة لمن يقدحون فى رسول الله، ويحاولون أن يُنزلوا من مقامه العظيم الجاه الذى أحلَّه فيه مولاه.
    فمن الجائز أن معظم ما حلَّ بالمسلمين فى هذا الزمان بسبب قلة الحبِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم تأثراً بالسماع من هؤلاء القوم المبعدين، كيف ذلك؟ ياإخوانى مادامت الناس تحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فإنها ستحرص على سنته، وتحرص على أخلاقه، وتحرص على كمالاته، مادامت تحبه صلى الله عليه وسلَّم فستحرص على العمل بشريعته، وعندها يكون المجتمع كله:
    { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ } [الفتح:29]
    لكن عندما يقلُّ عند الناس حبُّ رسول الله يبدأون بالتفريط فى سُنَّته، وكذا يبدأون فى التكاسل عن الأوامر الشرعية، وعن تنفيذ التعليمات الربانية، وعندها تظهر فى الأُمة التحذيرات القرآنية:
    { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
    أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [93النور]
    فالإسلام أمرنا أن نُعَظِّم رسول الله، وأمرنا أن نُبجِّل رسول الله، وأمرنا أن نُعَلِّم ذلك لأولادنا، قال صلى الله عليه وسلَّم مبيناً المنهج التربوى الذى يجب أن نسير عليه أجمعين مع أولادنا:
    { أَدبُوا أَوْلاَدَكُمْ عَلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: حُب نَبِيكُمْ، وَحُب أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِي ظِل اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ }
    من الذى ينفذ هذه الوصية اليوم؟!!
    من يا إخوانى يربِّى أولاده اليوم على هذه الثلاث:
    - حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    - حبِّ آل بيته الأبرار الأطهار.
    - وحبِّ القرآن الكريم.
    من نفَّذ هذه الوصية يا هناه، لأنه نفَّذ قول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    الفصل الثاني: نعمة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم

    نعمة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذى أكرمنا بخير نبى أرسله لخلق الله، وجعلنا خير أُمة أخرجت للناس، واختار لنا خير دين وخير كتاب وجعلنا على خير هَدى اختاره الله عزَّ وجلَّ لأولى الألباب، والصلاة والسلام على نبينا الهادى ورسولنا مصباح العناية الربانية، وباب حضرة القرب لرب البرية، صلى الله عليه وعلى آله أهل القرب والعطية، وصحبه، وكل من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين آمين يارب العالمين.
    إخوانى وأحبابى بارك الله عزَّ وجلَّ فيكم أجمعين:
    فى بدء حديثى بشرى لنا أجمعين فى هذا العام لأن الله عزَّ وجلَّ أجرى لنا خيراً فى ليلة خير الأنام كما أجراها للحبيب المصطفى عند ميلاده تماماً بتمام ، حيث كان عام ميلاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسل عام قحط وجدب للجزيرة العربية كلها، ضنَّ الماء وهلك الزرع والضرع، والناس لا يدرون ماذا يفعلون، وفى ليلة ميلاده صلى الله عليه وسل جادت السماء بخير عمَّ جميع أنحاء الأرض حتى أن أرض الصحراء اخضرت وأينعت وأزهر نباتها بإذن ربها ... فكان هذا إيذاناً بأن ميلاده وبعثته خير لجميع الأنام كما وضح المولى عزَّ وجلَّ تماماً بتمام، ونحن والحمد لله نستبشر بأن هذا العام سيكون عام خير علينا وعلى إخواننا المسلمين أجمعين، والدليل أن الله نفحنا هذا المطر فى ليلة ميلاد سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم .
    أسرار الذكرى
    لماذا نحتفل بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟
    لأن الله أمرنا فى قرآنه أن نتذكر هذا النبى ونتذكر الفضل الذى ساقه الله إلينا على يد هذا النبى، وقال الله لنا فى محكم الآيات القرآنية:
    { وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ }، أىُّ نعمة يا ربِّ؟ هل هى نعمة الصحة، أم نعمة الطعام، أم نعمة الهواء، أم نعمة الضياء، أم نعمة الماء؟ بيَّن الله ووضح، ما هذه النعمة التى نتذكرها يا ربّ؟ { وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [103آل عمران].
    النعمة التى ألفت بين القلوب، والتى أذهبت الضغائن والأحقاد من النفوس، والتى جعلت الإيمان يشرح الصدور ويملأ القلوب بالنور، والتى أذهبت الجفاء فى العلاقات.
    والنعمة التى وطدت العلاقات فى جميع الجهات بين المؤمنين والمؤمنات حتى صار الأخ المؤمن الذى ليس قريب ولا نسيب ولا حسيب له فى القلب أكبر نصيب! أخوه المؤمن يفديه بنفسه، ويرتضى أن يعطيه نصف ماله ونصف بيته ونصف كل خير أعطاه له ربُّه عن طيب نفس! ما النعمة التى فعلت كل ذلك؟ هى نعمة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    ودعانا الله عزَّ وجلَّ لتَذَّكر هذه النعمة دوماً لأن مشاكلنا فى كل شئوننا شرقاً وغرباً فى مجتمعاتنا وفى بيوتنا وفى عائلاتنا وفى أسواقنا وفى تعاملاتنا لن تُحل إلا إذا تذكرنا هَدى نبينا الذى جاء به إلينا من ربنا لنسير على ضوئه فى حياتنا فتنتهى كل المشاكل من بيننا، ولذلك يقول الله عزَّ وجلَّ لنا:
    { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } [54النور].
    إذا أطعناه صلى الله عليه وسلَّم اهتدينا إلى المنهج القويم، والصراط المستقيم، فى كل أمر من أمور حياتنا، وإذا خالفناه يقول ربنا عزَّ وجلَّ:
    { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
    أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [93النور]
    إذاً عندما نتذكر رسول الله يوم ميلاده الشريف:
    - نتذكر القيم القرآنية التى جاء بها من عند الله.
    - ونتذكر الأخلاق القويمة التى كان عليها لنهتدى بها فى حياتنا.
    - ونتذكر الشرع الشريف الذى جاء به من عند ربنا ليُصلح الله عزَّ وجلَّ به كل شئوننا.
    - ونتذكر التعاليم الإلهية والعلوم الربانية والأسرار القرآنية التى جاء بها لنا من عند الله عزَّ وجلَّ.
    ونبينا صلى الله عليه وسلَّم كان يحتفل بميلاده بنفسه، ولكنه كان يحتفل بميلاده الإحتفال المناسب لذاته، فكان صلى الله عليه وسلَّم يصوم يوم الإثنين دائماً:
    { وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ؟ فقال صلى الله عليه وسلَّم : ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ }
    أى أنه يصومه شكراً لله على نعمة ميلاده صلوات ربه وتسليماته عليه فى هذا اليوم المبارك الميمون.
    أفراح الرُّوح
    ونحن نحتفى برسول الله كما أمرنا الله، بتذكر النعم والعطايا والمنن والخصائص التى ساقها لنا الله على يد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسل، لا مانع فى هذا اليوم من الفرح لأن الله عزَّ وجلَّ أمرنا فى القرآن أن نفرح، بأى شئ نفرح يارب؟ قال عز شأنه موجهاً لنا: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [58يونس].
    فالفرح الأعظم - الذى وجهه لنا الله - أن نفرح بفضل الله وبرحمة الله، وبإكرام الله وبعطاءات الله، التى أرسلها إلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وهذا هو الفرح الدائم، لأن الفرح به يدوم فى الدنيا ويوم الدين، أما الفرح بالمال، أو الفرح بالمناصب، أو الفرح بالمكاسب، أو الفرح بالأولاد فلا يدوم إلا فترة محدودة مهما طالت. فهو إذاً لا يدوم!، لكن الفرح بفضل الله وبإكرامات الله وبعطاءات الله فرحٌ يدوم.
    أبو لهب كان أشد حرباً على النبى من أبى جهل، لأن أبا جهل كان يؤلب قبائل قريش، لكن أبا لهب كان يمشى خلف النبى، وكلما ذهب إلى قوم يدعوهم إلى دين الله وإلى كتابه يمشى خلفه ويقول: أنا عمه وأنا أعلم به منكم فلا تصدقوه، فكان أشد على النبى من أبى جهل!.
    ولذلك ذكره الله فى كتابه، وأنزل باسمه سورة كاملة: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} ]1المسد]، رآه أخوه العباس عمُّ النبى صلى الله عليه وسلَّم فى المنام بعد موته، فقال له: يا أخى ما بك؟، قال: أنا فى أشد ألوان العذاب!! إلا أنه يُخفف عنى العذاب كل ليلة إثنين، قال: ولِمَ؟
    قال: لأن جاريتى ثويبة لما وُلد محمد ابن أخى عبد الله جاءت إلىَّ وقالت: أبشر فقد وُلد لأخيك عبد الله غلام – وكان العرب فى ذاك الحين يفرحون بولادة الغلمان ويُساءون بولادة الإناث – قال: فقلت لها: أنت حرة، قال: فخفف الله عنى، ويخفف الله عنى كل ليلة إثنين دوماً !!، لأنى فرحت بميلاد محمد، وجعلت جاريتى ثويبة حرة لتلك البشرى التى بشرتنى!!.
    وفى ذلك يقول الإمام ابن ناصر الدين الدمشقى رضى الله عنه:
    إذَا كَانَ هَذَا كَافِرًا جَاءَ ذَمُّهُ
    وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الْجَحِيمِ مُخَلَّدَا

    أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ دَائِمًا
    يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّرُورِ لأَحْمَدَا

    فَمَا الظَّنُّ بِالْعَبْدِ الَّذِي كَانَ عُمْرُهُ
    بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّدَا

    ما الظن بهذا العبد الذى يفرح برسول الله كلَّ عمره؟!! وعاش على الإيمان ومات على التوحيد للرحمن؟! هذا يكون سروره أعظم!!، وقد بشَّر النبى صلى الله عليه وسلَّم من خالط حبُّه صلى الله عليه وسلَّم قلبه فقال:
    { مَا اخْتَلَطَ حُبي بِقَلْبِ عَبْدٍ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ }
    فعلينا أن نفرح برسول الله فى هذه الليالى المباركة وفى كل أيامنا وأوقاتنا، لأن الله عزَّ وجلَّ خصَّنا به بفضائل لا نستطيع عدُّها.
    بشارات وإكرامات
    فإن الله أكرمنا ببركة النبى وأعطانا فوق ما أعطى النبيين والمرسلين السابقين، وانظروا معى إلى آيات كتاب الله عزَّ وجلَّ وهى تحكى لنا ذلك، نبىُّ الله إبراهيم - وكان يُسمى أبو الأنبياء – كان يدعو الله دوماً فيقول:
    { وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [87: 89الشعراء]
    والخزى أى: الفضيحة، والفضيحة يوم القيامة - حفظنا الله جميعاً من ذلك – تكون لمن يحاسب علانية، أى: يحاسبه الله أمام جميع الخلق! فيُخزى ويفتضح! ويظهر شأنه أمام الجميع. كان سيدنا إبراهيم يطلب من الله ألا يحدث له ذلك. أبو الأنبياء يطلب ذلك!! أما نحن أُمة النبى صلى الله عليه وسلَّم - فمنَّ الله علينا ببركة النبى ورفع عنا ذلك!! وبشَّرنا وقال لنا:
    { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } [8التحريم]
    حفظنا الله من عذاب الخزى، إذاً كيف يكون حسابنا؟ من خصائص الله عزَّ وجلَّ لنا، وتفضيله لنا عن سائر الأمم ما قال فيه صلى الله عليه وسلَّم :
    { نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
    أى نحن الآخرون فى البعث فى الدنيا، ونحن الأولون فى الحساب غداً يوم القيامة!! وقال أيضاً:
    { نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأُمة المحمدية؟ فنحن الأولون الآخرون } وفى رواية: { المقضى لهم قبل الخلائق }
    فنحن أظهر الله لنا فى القرآن مساوئ وعيوب الأمم السابقة ولكن الله عزَّ وجلَّ لن يأتى بأحد بعدنا حتى لا يعرف أحد مساوئنا وعيوبنا إلا الله عزَّ وجلَّ، والله عزَّ وجلَّ كريم يكرمنا ببركة النبى صلى الله عليه وسلَّم ، فيجعلنا أول الأمم فى الحساب، كيف يكون الحساب؟ يكون الحساب لهذه الأمة دون سائر الأمم كما قال صلى الله عليه وسلَّم :
    { يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عزَّ وجلَّ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ. فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ }
    لن يفتضح فى هذا اليوم مِنْ هذه الأُمة المرحومة إلا مَنْ جاهر بالكبائر!! واستمر يفعلها حتى الموت، ولم يتب إلى الله عزَّ وجلَّ منها، مع أن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، حتى تطلع الشمس من مغربها!.
    وقد اختار الله عزَّ وجلَّ ذلك لهذه الأمة من قبل القبل، فقد روى فى الأثر: أن الله لما خلق الأمم وهى أرواح قبل الأجسام والأشباح، وخلق القلم ليكتب أقدار الأمم، وأملاه الله عزَّ وجلَّ: اكتب يا قلم، أمة آدم؛ من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى دخل النار!، فكتب القلم. فقال الله: أكتب يا قلم، أمة نوح؛ من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى دخل النار. واستمر حتى قال: أُمة محمد؛ فَهَمَّ القلم أن يكتب ما كتبه لكل الأمم، فناداه ربُّ العزَّة عزَّ وجلَّ: اسكت يا قلم!، فانشقَّ القلم من هيبة الله عزَّ وجلَّ، ثم قال له الله متفضلاً على هذه الأُمة وعلينا أجمعين: اكتب ياقلم، أمة محمد صلى الله عليه وسلَّم ؛ أُمةٌ مذنبةٌ وربٌّ غفور. ولذلك جعل الله عزَّ وجلَّ لهذه الأمة المحمدية المرحومة خصوصية فى الحساب فى الآيات القرآنية التى يقول فيها ربُّ البرية:
    { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } [16الأحقاف]
    أكرمنا الله عزَّ وجلَّ برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؛ فجعلنا ببركته صلى الله عليه وسلَّم من أهل الشفاعة العظمى! كيف ذلك؟ أبيِّنُ لكم: يشفع لنا الحبيب صلى الله عليه وسلَّم - وليس هذا فحسب - بل ومنَّ الله علينا بأن جعل بعضنا يشفع فى بعض ... يا للرحمة!!.
    فيشفع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لنا كما يشفع فى الأمم السابقة كما وضح كتاب ربنا عزَّ وجلَّ، ففى الأمم السابقة يقول الله: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا } [41النساء]، وفينا يقول الله سبحانه وتعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [143البقرة].
    فأوجب الله عزَّ وجلَّ لنا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وأطلق الله عزَّ وجلَّ لنا الشفاعة فى بعضنا حتى قال نبينا صلى الله عليه وسلَّم :
    { اسْتَكْثِرُوا مِنَ الإخْوَانِ فَإنَّ لِكُل مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
    لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة يعطيها له الله يشفع فيها فيمن يريد فضلاً من الله! وإكراماً من الله! وخصوصية لهذه الأمة ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    بركة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
    وجعل نبينا صلى الله عليه وسلَّم شفاعته بسبب يسير، وعمل يسير غير عسير ولا ثقيل، فقال صلى الله عليه وسل:
    { مَنْ صَلّى عَليَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْراً، وحِينَ يُمْسِي عَشْراً
    أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ }
    وسمى الله عزَّ وجلَّ الصلاة على النبى صلاة ..، ولكنها لا تحتاج إلى وضوء! ولا تحتاج إلى استقبال القبلة! ولا تحتاج إلى التواجد فى المسجد!، فيستطيع الإنسان أن يصلى على أى هيئة وفى أى وزمان ومكان، فإذا حافظ على الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلَّم عشراً حين يصبح .. وعشراً حين يمسى وجبت له شفاعة النبى صلى الله عليه وسلَّم يوم القيامة .. أهذا واضح يا إخوانى الكرام!
    ولذا ورد أن رجلاً كان يحج البيت الحرام ويطوف بالبيت، فلا يرفع قدماً ولا يضعها إلا ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلَّم ، فقال له إمام أهل العراق سفيان الثورى رضى الله عنه: يا هذا ماذا تفعل؟ يذكره بأن الطواف وقت الدعاء ووقت ذكر الله، ولا ينبغى أن يقتصر على الصلاة على النبى، فقال له الرجل: من أنت؟ قال: أنا سفيان الثورى، قال: أنت عالم العراق؟ قال: نعم، قال: اجلس معى أحدثك بسبب ذلك، فتنحيا عن المطاف وجلسا معاً، فقال: لولا أنك سفيان الثورى عالم العراق ما حكيت لك سبب ذلك.
    خرجت هذا العام أنا وأبى لحج بيت الله الحرام، وكان أبى مسرفاً على نفسه، ولما وصلنا إلى مِنى فى طريقنا لأداء الحج وافته المنية، ولما مات رأيت وجهه وقد اسودَّ فغطيته وحزنت لذلك حزناً شديداً، ومن شدة تواجدى وحزنى أخذنى النوم؛ فرأيت رجلاً شديد بياض الوجه، شديد بياض الثياب، جاء إلى أبى ورفع الغطاء عن وجهه ومسح وجهه بيده فابيضَّ وجهه، وكان معه ورقة صغيرة فأعطاها له فى يده، فقلت له: من أنت؟ ومن الذى أدراك بى؟ ومن الذى أرسلك إلىَّ؟
    فقال: أَوَمَا تعرفنى؟ أنا نبيك محمد!!، كان أبوك مسرفاً على نفسه ولكنه كان لا ينام إلا إذا صلَّى علىَّ، فلما حضره من أمر الله عزَّ وجلَّ ما رأيت استنجد بى! فجئت لنجدته وأعطيته هذه الوريقة التى رأيتها وفيها صلاته علىَّ التى كان يصلى علىَّ بها: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [56الأحزاب].
    ما أحوجنا جميعاً فى هذه الأيام والليالى إلى تدبر الآيات القرآنية التى يتحدث فيها الله عزَّ وجلَّ عن نبيه صلى الله عليه وسلَّم ، فقد علم الله جلَّ فى علاه أنه لا يستطيع أحدٌ من الخلق - مهما أوتى من علم أو بيان - أن يصف حبيبه ومصطفاه، فوصفه الله عزَّ وجلَّ بنفسه فى آيات كتاب الله.
    ولذلك ورد أن الإمام عمر بن الفارض رضى الله عنه - وكان له قصائد جمَّة فى الثناء على الله، وفى مناجاة مولاه عزَّ وجلَّ – لما مات رآه أحد إخوانه فى المنام فقال له يا سيدى: لِمَ لم تمدح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بقصائدك؟ فأجابه مناماً :
    أرى كلَّ مدح فى النبى مُقصرا
    وإن بالغ المُثنى عليه وأكثرا

    إذا الله أثنى بالذى هو أهله
    عليه فما مقدار ما يمدح الورى

    كيف يتحدث الخلق عن سيد الخلق بعد أن تحدث عنه الحق عزَّ وجلَّ؟! والله عزَّ وجلَّ تحدث عن نبيه فى كثير من آياته القرآنية، بل إنه عزَّ وجلَّ جعل محور حديثه فى القرآن عن نبينا الهادى صلوات ربى وتسليماته عليه.
    من مهام النبى صلى الله عليه وسلَّم
    فإذا تدبرنا كلمة واحدة من الآية التى يصف الله عزَّ وجلَّ لنا فيها مهام النبى نحونا كأنها بلغة عصرنا خطاب التكليف لنبينا، فإذا اختار رئيس الدولة رئيساً للوزراء يعطيه خطاب تكليف فيه مهام هذه الوزارة، والله عزَّ وجلَّ اختار نبيَّه لدعوة الخلق إلى الله وكلفه بذلك، ما مهام هذه الدعوة؟ قال تعالى:
    { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } [45: 47الأحزاب].
    كم فضيلة وكم تكليف؟ خمسة، لابد لكل مؤمن أن يتعرف ولو بتعريف بسيط على هذه التكاليف النبوية حتى يتعرف على نبيه، لأن الله عزَّ وجلَّ أمرنا أن نتعرف عليه من جهة نبوته، ليس الشأن أن تعرفه من جهة جسده ومن جهة شكله ومن جهة لونه، مع أن ذلك ثابت! لا، لكن الشأن لنا أجمعين أن نعرفه من الجهة التى أرسله الله إلينا بها وهى جهة النبوة:
    وسنتناول هنا تكليفاً واحداٌ من هذه التكليفات باختصار وهو مهمة: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا }، يشهد على الأمم السابقة، ويشهد علينا جماعة المؤمنين. كيف يشهد علينا؟!! ويزعم البعض أنه مات ودفن ولا يطلَّع علينا!! هل هناك شاهدٌ يشهد على شئٍّ لم تره عينه؟!! لو كان كذلك فإنه سيكون شاهد زور!! لكنه قال لنا فى حديثه الصحيح:
    { حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا رَأَيْت مِنْ خَيْرٍ حَمِدْت اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْت مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْت اللَّهَ لَكُمْ }
    مَن المحامى العام لجميع الأنام يوم الزحام؟ المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، وهل يليق بمحامى أن يترافع فى قضية لم يطلع على أوراقها ويعرف ما بها؟!! فلكى يترافع عنا ويدافع عنا لابد أن يطلع على ملفاتنا، ولذلك قال: {تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ}. إذا كان ربُّ البرية يقول فى بعض المؤمنين - فى حديثه القدسى الذى يحدث به المصطفى صلى الله عليه وسلَّم :
    { مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ}
    فإذا كان ذلك فى بعض المؤمنين، فما بالكم بإمام الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم !!!. إن الله عزَّ وجلَّ يتفضل عليه فيعطيه نوراً من نوره، ويكشف له أسراره، ولذلك قال الله لنا أجمعين:
    { وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [105التوبة].
    أرسله الله عزَّ وجلَّ لنا بالإيمان، وأركان الإيمان يقول فيها الرحمن: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [3البقرة]. نحن نؤمن بالله، وهو غيبٌ لا تراه العيون، ولكن تشعر بعظمته القلوب، ونؤمن بالجنة ولم نرها، ونؤمن بالنار ولم نطلع عليها، ونؤمن بالملائكة ولم نسمع حديثهم، مع أنهم يرافقوننا ويبيتون معنا ويتحركون معنا، ما الذى جعلنا نؤمن بهذا الغيب؟
    أن الله عزَّ وجلَّ أرسل لنا نبياً صادقاً أطلعه على هذا الغيب، ثم حدثنا عن هذا الغيب حديث من رأى ومن سمع، فآمنا به وصدقنا بالنور الذى أُنزل معه، ولذلك كان صلى الله عليه وسلَّم عندما يتحدث عن الجنة أو النار يقول:
    {والذي نفسي بيده لقد عُرِضَتْ عليَّ الجنة والنارُ آنفاً في عرضِ هذا الحائط وأنا أُصلي، فلم أرَ كاليوم في الخير والشرّ }
    أى أنه يصف الجنة وَصْفَ من يراها، ولذلك قال يوماً:
    {ما دَخَلْتُ الجَنَّةَ إلا سَمِعْتُ خَشْخَشَةً، فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: بِلالٌ، ثُمَّ مَرَرْتُ بقصرٍ مشيدٍ بديعٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذا؟ قالوا: لِرَجُلٍ مِن أُمَّةِ محمَّدٍ، فَقُلْتُ: أنا محمَّدٌ، لِمَنْ هذا القَصْرُ؟ قالوا: لِرَجُلٍ منَ العربِ، فقلتُ: أنا عربي، لِمَنْ هذا القصرُ؟ قالوا: لِعُمَرَ بنِ الخطابِ، فقالَ لبلال: بمَ سبَقْتَنِي إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: ما أَحْدَثْتُ إلا توضَّأْتُ، وما توضَّأْتُ إلا صَلَّيْتُ، وقالَ لعمرَ بن الخطابِ: لولا غَيْرَتُكَ لَدَخَلْتُ القَصْرَ، فقالَ: يا رسولَ الله، لَمْ أَكنْ لأغَار عَلَيْكَ }
    وعن البراء رضى الله عنه قال: { أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللّهِ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونُهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ }
    أخذه الله عزَّ وجلَّ فى ليلة الإسراء والمعراج وأدخله جنته ليطلع على ما أعد الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين، ويصير شاهداً على ذلك كله، ثم يُخبرنا بما رآه فنزداد يقيناً، لأن هذا خبر الشاهد المشاهد الصادق الوعد الأمين، فنقوم لله عزَّ وجلَّ عاملين بما أخبرنا به سيد الأولين والآخرين، ولذلك قال ربنا: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } [36، 37الجن] وقد ارتضاه واصطفاه، وإلى حضرته رقَّاه، وكشف له هذه الغيوب فوصفها لنا صفة نورانية ربانية، فآمنا بما رآه، وصدقنا بما أخبرنا به من عند الله عزَّ وجلَّ.
    وهو صلى الله عليه وسلَّم (شاهداً) لكل خصائص الأشياء التى خلقها الله، ولذلك ما أخبر من خبر إلا وجاء فى عصرنا وبعد عصرنا - سيأتى العلم الحديث ويُصدق ما أخبر به نبيُّنا، إن كان فى الجلوس أو فى المشى أو حتى فى النوم، مثل النوم على الجانب الأيمن- أو فى أى أمر أو أى عمل.
    ولذلك لا ينبغى لمؤمن أن يقول إن هذا الحديث يخالف العلم، إذا كان العلم لم يصل بعد إلى كنه هذا الحديث فالعيب فى العلم!! لكن الحديث يقول فيه الله: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [3، 4النجم].
    ولا ينبغى لمؤمن أن يُحَكِّم عقله فى قول نبيِّه، ويقول فى حديثه إن هذا حديث لا يدخل العقل، وما للعقل وما ثبت فى صحيح النقل عن حضرته صلى الله عليه وسلَّم ؟!! وما للعقل وللوحى الذى أوحى به الله عزَّ وجلَّ إليه؟!! إذا كان الإنسان مع تقدم العلم الحديث لم يصل إلى الآن إلى معرفة العقل! أين هو العقل؟ وما موضع العقل فى جسم الإنسان؟ أين موضعه؟ وما هيئته؟ فإذا كان الإنسان لم يصل إلى الآن إلى معرفة العقل، فكيف يحكم بالعقل - الذى لا يعرفه!! - على الوحى الذى نزل به نبيُّنا صلى الله عليه وسلَّم ؟!!.
    فكل ما جاءنا به من عند الله هو حقٌّ واضح لا مراء فيه ولا جدال، لأنه عن شهود لا لبس فيه ولا فكر ولا وهم ولا خيال! وما علينا إلا أن نعمل فيه بقول الواحد المتعال: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }، ثم يُحذر الذين ينكرون أو ينكثون أو يبدلون، فيقول الله تعالى لهم: { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [7الحشر]. وخذوا أمثلة وهى تفوق الحصر، لأنهم كانوا يوقنون أن أمره صلى الله عليه وسلَّم أمر!
    كان أصحاب حضرة النبى - كان يتأخر نصرهم إذا تركوا سُنَّةً من سُنن النبىِّ!! فإذا عملوها جاء النصر فوراً من عند الله العلىِّ، كيف؟
    لما دخلوا بلدنا مصر وحاصروا حصن بابليون - فى القاهرة الآن - مكثوا ستة أشهر ولم يُفتح الحصن!، فقالوا: لابد أننا تركنا سُنة من سنن الله، أو من سنن رسول الله، لأن الله ما عوَّدنا أن يؤخر نصره علينا. فبحثوا فوجدوا أنهم تركوا سُنة استخدام السواك التى علمها لهم صلى الله عليه وسلَّم وقال فيها: { لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلى من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك } ، وقال فيه أيضاً: { لولا أن أشُقَّ عَلَى أُمَّتي ـ أو على الناسِ ـ لأمرتهم بالسواكِ مع كلّ صلاة } - فاستخدموا السواك؛ فرآهم أهل الحصن، فقالوا لبعضهم: لقد جاءهم مددٌ يأكلون الخشب!! فإذا كنا لم نستطع أن نقاتل هؤلاء!! فكيف سنقاتل من يأكلون الخشب؟!! فهيا بنا نُسلِّم الحصن لهم، فسلَّموا لهم ببركة قيامهم وعملهم بسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم !!.
    فكل هذا شذرة من قطرة من أسرار قوله تعالى: { شَاهِدًا }.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    الفصل الثالث: نور الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلَّم

    نور الصلاة على النبى
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [56الأحزاب]
    سنتكلم على قدر أهل الإيقان والتسليم فى هذا المقام العظيم، فقد تاه العلماء واحتار الحكماء فى هذه الآية التى أنزلها الله تفخيماً وتعظيماً لقدر حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم ، وكيف أن الله عزَّ وجلَّ بدأ بذاته وثنَّى بملائكته، كيف يصلى عليه الله؟ هناك من خَمَّن، ومن قدح ذهنه، ومن كدح فكره، حتى يأتى بتأويل مناسب للآية:
    فمن يقول: أن الصلاة من الله الرحمة! والصلاة من الملائكة طلب المغفرة!، ومن يقول: الصلاة من الله الرضوان! والصلاة من الملائكة طلب الرحمة من الرحمن!. كل تلك المعانى راقية وجميلة! ولكن كلام الرحمن له أسرارٌ أدق وأعجب!، فالآية واضحةٌ وجلية ولا تحتاج إلا إلى قلوب خليَّة تسمع الآية عند نطقها من ربِّ البرية، فيملأ الله عزَّ وجلَّ فؤادها بالمعانى الإلهية التى ينبغى أن تفقهها البريَّة، ولنتلمس معاً قبساً من تلك المعانى!!!!.
    كان الله عزَّ وجلَّ ولا شئ معه، وأَحبَّ أن يُعرف فخلق الخلق ليعرفوه، فبحبيبه صلى الله عليه وسلَّم عرفوه، فهو الواسطة بين الحق والخلق، وهو الميزاب الذى يتنزل منه كل عطاءات الحق إلى الخلق، فكل عطاءات الله إلى خلق الله بابها وميزابها وسر فيضها وسبب فضلها هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولذلك يقول تعالى:
    (كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ) [20الإسراء]
    بعض إخواننا العلماء أهل الفكر أخطأوا فقالوا: (هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء) هم المسلمون والكافرون، لكن هل الكافرون لهم عطاء من الله؟!! لكنا نقول (هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء) هم السابقون واللاحقون، من قبله ومن بعده، مَنْ قبله مِنْ النبيين والمرسلين وأممهم، ومَنْ بعده من العلماء العاملين والورثة الروحانيين وأتباعهم، أما ما يُعطى للكافرين فهو ابتلاء:( هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) [النمل:40]. لكن العطاء إذا كان من الله عزَّ وجلَّ لا يُسأل صاحبه يوم العرض والجزاء، هل يسأل أحدٌ صاحبه عن هدية أهداها له؟!
    فمصدر كلِّ عطاء، وباب كلِّ خير، للسابقين من الرسل والأنبياء، واللاحقين من الورثة الروحانيين والصالحين والأولياء وأُممهم وأتباعهم، كلُّهم ينزل العطاء أولاً على سيد الرسل والأنبياء، ثم منه إليهم، سرَّ قوله صلى الله عليه وسلَّم : { اللهُ المعطِي وأنا القاسمُ }
    وهذا أمر إلهى صريح: ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [39ص]، فأعلمنا الله فى الآية أن كل عناية، وكل رعاية، وكل هداية، وكل سابقة حسنى أزلية، وكل إمدادات روحانية أو باطنية، أو نورانية أو شهودية، أو إحسانية أو إيقانية، وكل تفضلات إلهية غيبية؛ فإنما تنزل من الله على خير البرية، ثم منه يتم توزيع العطية على المستحق لذلك من أهل السابقية.
    صلاة الله على نبيِّه
    ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ ): والصلاة فى المعنى العام صِلة، فكل صِلات الله، وكل عطاءات الله، وكل فتوحات الله، وكل إكرامات الله، وكل نعم الله الخاصة لأهل عناية الله، تنزل أولاً على رسول الله - سواءاً النعم الذاتية من الحضرة الإلهية، أو النعم التى تسوقها الملائكة من حضرة الربوبية.
    لأن حضرة الربوبية تربيَّة لكل البرية، والذى يسوق العطايا من حضرة الربوبية إلى الخلق هم الملائكة الموكلون بها، لكن نعم حضرة الله تنزل على قلوب الصادقين والمخلصين والصالحين مباشرة منه سبحانه.
    قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) [4الفتح] تنزل مباشرة بدون واسطة من الملائكة!، وكذلك قوله: ( وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) [65الكهف] المقام اللدنى.
    والمقامات الذاتية يا إخوانى ثلاثة مقامات:
    مقام المعيَّة، ومقام العنديَّة، ومقام اللدنيَّة، والعطاءات تتنزل منها على قلوب المستحقين لها من أهل السابقية على حسب تقرير الحضرة المحمدية!، هو الذى يطلب العطاء، ويتنزل بطلب سيد الرسل والأنبياء، أو بتوجه سيد الرسل والأنبياء إلى حضرة الله عزَّ وجلَّ، فينزل العطاء على حضرته، ثم يوزعه على عباد الله عزَّ وجلَّ المملوءة قلوبهم بالحب الصادق لحضرته صلى الله عليه وسلَّم .
    لكن العطاءات فى مقام الربوبية تتصرف فيها الملائكة، وهذه أيضاً تنزل كلها على سيدنا رسول الله، وهو يوزعها بما شاء على جميع خلق الله.
    إذاً النعم الذاتية لأهل الخصوصية، والنعم الربانية لجميع البرية، فكل ذلك من الحضرة المحمدية، ويأتى له ذلك من الحضرة الإلهية، ولذلك قال الإمام الشافعى رضي الله عنهُ :
    { أمسينا وما بنا من نعمة - ظاهرة أو باطنة، فى دين أو دنيا - إلَّا ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم سببها، وهو الذى أوصلها إلينا }.
    فأنبأنا الله وأخبرنا معاشر المؤمنين - لحبِّه سبحانه لنا، وحتى لا نتوه كما تاه السابقون - وقال لنا: عطائى كله مع هذا النبى، وإكرامى كله مع هذا الصفى، سواء الذاتى الذى أُنزله مباشرة، أو الربانى الذى تنزله الملائكة - مثل الرياح والأمطار والأشجار والنباتات، فقال لنا الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )، صِلوه دائماً تأتى لكم العطايا على الدوام! ...كيف نصله؟
    وضَّح لنا إمامنا ومرشدنا الإمام أبو العزائم رضى الله عنه الأمر فقال:
    صلُّوا عليه وسلِّموا بقلوبكم
    فهو الحبيب وشمسه قد أشرقت

    صلِّ عليه بقلبك وليس بلسانك، فبلسانك ستأخذ حسنات، لكنك تريد صلات وعطاءات وهبات نورانيات وذاتيات، فلابد من أن تُعَلِّق قلبك بالحبيب، ولا تجعل لأحد معه فى الهوى عندك له نصيب، حتى ولو كان أقرب المقربين إليك والمحيطين بك من أهل أو قريب.
    صَلاةُ الصِّلة للمؤمنين
    صلُّوا عليه وسلِّموا بقلوبكم
    فهو الحبيب وشمسه قد أشرقت

    يا نور قلبى نظرةً لمتيَّم
    يحيا بها فالرُّوح مِنىَّ شُوِّقت

    كيف نصلِّى عليه؟ نَصِلُ قلوبنا بقلبه صلى الله عليه وسلَّم ، وحتى توصل القلوب بالحبيب لابد أن تطهر من الغير وتطيب، كما قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
    واخلع سوانا فى الجمع طُرّاً
    فالخلع يهدى والجمع يُفنى

    وقال أيضاً:
    فاخلع سواه وكن صبابة مغرم
    وبعه نفسك والأموال يُعطيك

    إذا كان الأنبياء والمرسلون وأولو العزم منهم، كانوا يتنافسون فى حبِّ سيد الأولين والآخرين حتى ينالوا العطاءات التى يريدونها من الله عزَّ وجلَّ! فموسى كليم ونجيُّه وصفيُّه كان كلُّ أمله نظرة من مولاه، إذ أخبرعنه الله:
    ( قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) [143الأعراف]
    أى لن ترانى وأنت فى عالم الأشباح والأجسام والمبانى، ولكن انظر إلى الجبل - إلى القلب الذى جعله الله محلاً للقرب والتدانى!! فَإِنِ اسْتَقَرَّ - فى مَكَانَهُ على حُبِّ ربِّه وعلى حُبِّ حبيبه ولم يتغير ولم يتحول - فَسَوْفَ تَرَانِي!.
    عرف سيدنا موسى الحقيقة فطلب من الله عزَّ وجلَّ أن يكون على طريقه، حتى يتملى بشهود جمالات الله عزَّ وجلَّ فى ذاته، لأنه عرف أنه لن يشهد أحدٌ الله إلا فى مظهر، إلا الحبيب الأكرم!!، فطلب من الله أن يجعله يقف على طريق المظهر، ليشهد هذه الجمالات والكمالات فيه:
    وإنما السرُّ فى موسى يردده
    ليجتلى حُسن مولاه حين يشهده

    ليرى أنوار الله التى تجلت فى حبيب الله ومصطفاه. فرسول الله صلى الله عليه وسلَّم هو شاشة الأسماء والصفات الإلهية، لا تظهر الأسماء الإلهية والصفات الربانية إلا فى مظهر أكمل، وهو الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلَّم ، وفيه وبه ومنه يشهد الشاهدون، ويلوح جمال الله عزَّ وجلَّ للمرادين والمطلوبين، لأنه عزَّ وجلَّ جعله صلى الله عليه وسلَّم الشاشة التى يتجلى فيها للأنبياء والمرسلين والصالحين والمقربين من بدء البدء إلى نهاية النهايات. ولذا وقف موسى عليه السلام على طريق سيدنا رسول الله، ويرده ليس من أجلنا فى الحقيقة- لأنه يعلم علم اليقين أن الله عزَّ وجلَّ إذا أمرنا بأمر قوَّانا وأعاننا عليه؛ فلو فرض علينا خمسين صلاة لأعاننا عليها- ولكنه يريد أن يتمتع بما كان يتمناه وهو شهود وجه الله فى حبيب الله ومصطفاه!! لأنه المظهر الأكمل الذى لاح فيه جمال الله عزَّ وجلَّ لأنبياء الله ورسل الله.
    وحذارِ أن تعتقد أن هذا الجمال حسىٌ، فهناك جمال روحانى وهناك جمال ربانى، وهناك جمال صفاتى، وهناك جمال أسمائى، وهناك جمال ذاتى، وهناك الجمال الحسى المشهود، وهذا الجمال الحسى كان صلى الله عليه وسلَّم له فيه الغاية القصوى، ولذلك سيدنا يوسف الذى انبهر من جماله الحسى النسوة وقطعن أيديهن، أوتى نصف جمال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الحسى، قال صلى الله عليه وسلَّم : { أُعطى يوسف شطر الحُسن } .
    أى أن سيدنا يوسف أوتى نصف الجمال الحسى، ومع ذلك لما رأته النسوة وكان فى يد كل واحدة تفاحة وسكين قطعن أيديهن بدلاً من التفاح عند مشاهدتهن لجمال يوسف الحسى، فما بالك بجمال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الروحانى؟!! وما بالك بجمال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الربانى؟!! وما بالك بجمال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذاتى؟!!
    عين الحسِّ تشهد الحسَّ، وعين القلب تشهد أنوار حضرة الرب، وعين الفؤاد تشهد الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلَّم بلا بعاد، وعين الروح تشهد الجمالات الإلهية الظاهرة فى خير البرية، وعين النفخة القدسية تشهد الجمالات الذاتية التى اختص بها الله عزَّ وجلَّ الحضرة المحمدية، كلها جمالات وكلها كمالات، وبدؤها ومنتهاها العشق الكامل لهذه الذات.
    فلو أن إنساناً أحب إنسانة، ويريد أن يُظهر لها أنه متعلِّق بها فيبعث إليها خطابات وتحيات، وينظر إليها بنظرات، ويستقبلها ويودعها بابتسامات، متى تستجيب له؟ إذا تأكدت أنه صادق فى هذا الأمر. إحدى الصالحات ضربت مثلاً لمريد فى هذا الأمر بعد أن ادَّعى أنه يحبُّها، فقالت له: أنت تحبنى أكثر أم فلانة التى وراءك؟ فالتفت خلفه، فضربته على وجهه وقال: أنت لا تنفع لنا لأنك التفت لغيرنا!!:
    من لفتةٍ حجبة والحجب نار لظى
    من فوق نار الغضى سيرى لمنان

    فالذى يحب الحبيب لابد أن يعيش دوماً هايم فى جمال الحبيب، إذا مشى لا يوجد غيره على باله، وإذا نام لا يوجد غيره فى خياله، وإذا تكلم لا يسمع فى كلامه إلا نغمات كلامه، وإذا تكلم الخلق معه لا يسمع إلا من فمه ويتلذذ بكلامه، فيعيش كما يقولون: (كُلِّى بكُلِّك مَشُغولٌ أيَا أَمَلِى) وهذه هى الأحوال التى بها ارتقى الصالحون والمحبون لسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم ، وبلغوا المنازل العليا، ولذا ورد أن الله تعالى:
    { أوحى اللـه تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى أتُريد أن أكون أقرب إليك من كلامك إلى لسانك, ومن وسواس قلبك إلى قلبك, ومن روحك إلى بدنك, ومن نور بصرك إلى عينيك؟ قال: نعم يا ربّ. قال: فأكثر من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلَّم }
    جمالك فى عينى وذكرك فى فمى
    ونورك فى قلبى فكيف تغيب

    سيدنا أبوبكر رضى الله عنه كان يجلس مع سيدنا رسول الله إلى منتصف الليل، ثم يأذن له سيدنا رسول الله بالإنصراف – وكان بيت سيدنا أبو بكر بالعوالى خارج المدينة – وعندما يصل إلى بيته يقول: اشتقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ردونى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كلهم على هذه الشاكلة، حتى أن أحدهم وهو سيدنا عبد الله بن زيد لما وصله خبر لحاق الرسول صلى الله عليه وسلَّم بالرفيق الأعلى قال: اللهم خذ بصرى حتى لا أرى بعد حبيبى محمد أحداً أبداً، فأخذ الله بصره فى الحال!!.
    أنوار الجمال
    إن الذى يؤجج هذا الغرام لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم الشوق الدائم إلى حضرته صلى الله عليه وسلَّم ، والذى يزيده هياماً إذا لاحت بارقة من أنوار طلعته، فالإنسان يحتاج إلى الجهاد فى البداية حتى تلوح له بارقة من أنوار حضرته، بعد ذلك لن يلتفت لا إلى يمين ولا شمال، لكن الإنسان الذى يريد المال والأولاد وغير ذلك، ويريد مع ذلك حضرة النبى! أين القلب الذى يسع كل ذلك! ( مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) [4الأحزاب] فلا يدخل القلب إلا واحد، ورسول الله حدَّد الجهاد فى هذا الباب فقال:
    {لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
    فالإنسان إذا لم يصل لهذا الحال عليه أن يجاهد، فيذهب إلى أهل هذا المقام العالى ويزاحمهم ويُكثر من زيارتهم ويُكثر من مودتهم، حتى يُعديه حالهم، وهذا سبب تردد الناس على الصالحين، لأن الإنسان عندما يكون مع الصالحين يكون كأصحاب حضرة النبى صلى الله عليه وسلَّم ، قال سيدنا حنظلة رضى الله عنه:
    { كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلاَعَبْتُ الْمَرْأَةَ،قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ. فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ. فَلَقِينَا رَسُولَ اللّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ. فَقَالَ: مَهْ، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ. فَقَالَ:يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً. وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ، حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ}
    وكانوا رضوان الله عليهم يُطَّبقون فى الحال، فكانوا يرون الملائكة وتراهم الملائكة، وكانوا يتمتعون بالأنوار الذاتية والربانية والنورانية فى ذات خير البرية فى كل أنفاسهم فى حياتهم الدنيوية، فإذا فارقوا الدار الدنيوية فهم إما فى المعية، وإما فى العندية، وإما فى اللدنية، وكلهم فى قاب قوسين أو أدنى فى مقامات القرب من رب البرية عزَّ وجلَّ.
    ولذلك يذهب الناس للصالحين، حتى يُحضِّروا قلوبهم، ويُشوِّقوا نفوسهم، ويُزَهِّدوهم فى الفانى، ويُرَغِّبوهم فى الباقى، ويلوح لهم فى هؤلاء الصالحين جمال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم ؛ جمال أحواله وجمال أخلاقه، وجمال صفاته، وجمال تواضعه وجمال علمه!!!!.
    ثم بعد ذلك إذا داوموا يلوح لهم جمال أنواره، وجمال أسراره وكمالات ذاته صلى الله عليه وسلَّم ، وهذا سرُّ تردِّد الناس إلى الصالحين، ولا يوجد شئ يُقَوِّى الوجد والهيام إلا هذا الأمر، والصالحون لا يحتاجون إلى أحد من الخلق، بل إن كل واحد منهم يريد أن يفرَّ من الخلق حتى يظل فى جلوة وخلوة مع الحق، وفى ذلك يقول الإمام أبوالعزائم رضى الله عنه:
    لولا الذين تحبهم لفررت من
    كلِّ الخلائق سائحا فرَّارا

    قلبى لديك وبالبرلس هيكلى
    أوصلْ إليك الصبَّ أعْلِ منَارا

    فالصالحون هم الذين يؤجِّجون نار الغرام، وهم الذين يُقوّون الهيام، وهم الذين يزيدون الوجد والإصطلام، وهم الذين يُظهرون كمالات الحبيب المصطفى للأنام، فلذلك تتردَّد عليهم الخلائق، لأن التردُّد على الصالحين هو الذى يُجلى القلب من الدنيا والشهوات، والحظوظ والأهواء، والمستحسنات والمستلذات !!!
    فالذى يجلى القلب من هذه الأمور مودَّة الصالحين والجلوس معهم...
    والذى يذهب للصالحين لابد أن يذهب وهو مسافر من الدنيا وذاهب إلى الآخرة، ويترك كل أمور الدنيا وراء ظهره:
    (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ) [153آل عمران]
    فيجد اليقين .. ويجد النور المبين .. ويجد معارج المقربين .. ويجد شراب الأرواح .. ويجد طلعة الكريم المنعم الفتاح.
    يجد كل هذه النعم والمنن النورانية والإلهية فى حضرات الصالحين، لكن الذى يذهب للصالحين ليأكل ويشرب فإنه يأكل فى بطنه ناراً!!، لكن قبل أن تذهب للصالحين لابد أن تُعلى همَّتك من أجل الأنوار الراقية، والمقامات السامية، والمواجهات الراقية، الموجودة فى هذه الحضرات. لكن الطعام والشراب جعلوه من أجل الملاطفات والمؤانسات، لأنه لو لم يكن الطعام والشراب فإن الذى يذهب إليهم لن يعود مرة أخرى للأنام، لأنه سيشرب الراح ويترك الدنيا، قال صلى الله عليه وسلَّم :
    {حُبِّبَ إليَّ مِنَ الدُّنْيا النساءُ والطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ}
    لماذا؟ حتى يظل بيننا، كثير من الصالحين عندما يعلو ويرتقى ويصبح فى الإلهانية يعود مرة أخرى إلى البشرية حتى يظل فى الحياة الوسطية التى نادى بها الله عزَّ وجلَّ هذه الأُمة المحمدية: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) [143البقرة] فيُرَّد إلى الوسطية !! .. وإلا سيظل فى الإلهانية على الدوام .... وبالتالى لن ينتفع به الخلق ولا أحد من الأنام.
    فجعل الله عزَّ وجلَّ رياض الصالحين هى المقار التى يتم فيها تجهيز المقربين والمرادين لمواجهات سيد الأولين والآخرين، فهى مراكز التدريب النورانية التى تُدرِّب القلوب التقية النقية وتؤهلها وتفتح لها الباب لمواجهة خير البرية، وذلك لمن أخلصوا لله عزَّ وجلَّ وطلبوا الله بصدق ويقين.
    لكن الذين يترددون على الصالحين ولو لسنين، وهَمُّهُم طلب الدنيا والطعام والشراب فإنهم يضحكون على أنفسهم !!!
    لكن الشراب المخصوص لا يخرج إلا لمخصوص، وهذا المخصوص لا يوجد فى قلبه إلا الحبيب: ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ) [21الإنسان].
    والربُّ هنا أى المُربِّى، ووصف الشراب بأنه طهور لأنه يُطهر القلب من كل غين ومن كل غير، ومن كل بعد ومن كل صدود، ومن كل الشواغل ومن كل الأغيار.
    حتى يُصبح هذا القلب مؤهلاً للأنوار:
    من غيرنا فى عصرنا لا تُكشفن

    إلا لنا وبنا بسر الوالى


    كيف نكون من العارفين والواصلين؟
    قال الإمام أبوالعزائم رضى الله عنه:
    سر الوصول إلى الجناب العالى

    حب النبى محمد والآل


    ولكن هذا الحب ليس فيه شريك ولا هوى، ولا نفس ولا شهوة زائلة، ولا دنيا فانية، لا يريدون إلا الحب الصادق رغبة فيما عند الله، وطلباً لرضوان الله، وقرباً لحبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم :
    ألا يا أخى بالحب ترقى وتُرفعن

    وبالزهد تُعطى ما له تتشوق


    ونختم بسؤال جاءنا من أحد المحبين الذين يترددون على روضات الصالحين ليتعلم حقيقة وأسرار الصلاة على سيدنا رسول الله إذ قال السائل:
    أن السالك قد يعقد النيًّة أحياناً ويصلى على حضرة النبى صلى الله عليه وسلَّم لكى يراه ويتمتع برؤية طلعته البهية ومحيَّاه.
    ولكنه يرى شيخه!! فما تفسير ذلك؟
    ونقول للمحبِّ السائل - ولكل إخواننا وقرائنا الكرام:
    إعلموا إن الشيخ المربى هو صورة من صور رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولذا فإن المصلى على رسول الله بنية أن يراه صلى الله عليه وسلَّم ! فإنه إن رأى شيخه فهو بذلك قد رأى صورة من صور رسول الله، وذلك لأن صور رسول الله لا تحد ولا تعد، وكل رجل من الصالحين على قدره صورة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا أنه لا يوحى إليه، وإنما يُلهم، لأن الإلهام مرتبة من مراتب الوحى.
    وصلَّى الله على سيدنا محمد ملهم كل المحبين لذاته، وشفيع كل العاشقين لصفاته، وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلينا معهم أجمعين إلى يوم الدين.

    الفصل الرابع: بشريات لأهل العنايات

    بشريات لأهل العنايات
    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذى لا منتهى لكمالاته، ولا يستطيع أحد أن يتأمل بنفسه فى جمال ذاته، إلا إذا تفضلَّ عليه عزَّ وجلَّ بنوره وعطائه وهباته، والصلاة والسلام على الكنز العام الذى أولاه ربه كلَّ الإنعام وجعله رحمة لجميع الأنام سيدنا محمد وآله الذين محا الله بهم الظلام، وصحابته المباركين الذين نشروا هذا النور بين الأنام، وكل من استنار بنوره ومشى على ضوءه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين آمين يارب العالمين.
    إخوانى وأحبابى بارك الله عزَّ وجلَّ فيكم أجمعين:
    علِم الله عجز الخلق أجمعين، الأولين والآخرين عن إدراك بعض المعانى التى جمَّل بها سيد الأنبياء وإمام المرسلين، فتحَدَّث الله عزَّ وجلَّ عنها بذاته مبيناً لنا ما نستطيع أن ندركه ونستوعبه من صفاته، وإن كان صلى الله عليه وسلَّم فوق ذلك لأن الله عزَّ وجلَّ هو الذى أعطاه ذلك:
    كل الوجود بأسره فى دهشة
    والكل عن درك الحقيقة حائر

    عجز الورى عن فهم سر محمد
    لم يَدْرِه إلا الإله القادر

    من الذى يستطيع أن يدرك سرَّ:
    { اللهُ المعطِي وأنا القاسمُ }
    فحديث القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بيان ربانى لحقيقة رسول الله، حتى نتعلق بذاته ونحاول بما فى وسعنا أن نتأسى بحضرته فى كل حركاتنا وسكناتنا لأن الله عزَّ وجلَّ جعله باب سعادتنا فى الدنيا، وباب نجاتنا وفوزنا فى يوم الدين. والأمر كما سبق ونقلنا قول الإمام الشافعى رضى الله عنه: { أمسينا وما بنا من نعمة - ظاهرة أو باطنة، فى دين أو دنيا - إلَّا ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم سببها، وهو الذى أوصلها إلينا } (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) [18النحل] .
    وقد بيَّن الله فى القرآن على قدرنا مُجملاً من بعض صفات نبينا أو كما قلنا سابقاً بعضاً من مهامه أو وظائفه لنا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا)، فهذه الصفة أو الوظيفة الأولى، (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) هذه الثانية والثالثة، (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) وهذه الرابعة، (وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، والخامسة: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا) [45: 47الأحزاب]
    كل صفة من هذه الصفات تحتاج فى شرحها إلى مجلدات يكتبها ويبينها أهل المشاهدات .. وأهل المكاشفات .. وأهل العلوم الإلهامية التى يأخذونها من حضرة الله بالذات!! .. ومع ذلك يقولون ويبينون وفى النهاية يقول قائلهم رضى الله عنهم أجمعين :
    على قدرى أصوغ لك المديحا
    ومدحك صاغه ربى صريحا

    ومن أنا يا إمام الرسل حتى
    أوَفِّى قدرك السامى شروحا

    ولكنى أحبُّك ملءَ قلبى

    وقد فأسعد بالوصال فتىً جريحا

    وقد سبق وتناولنا فى الفصل السابق قبسا من معانى قوله: (شَاهِدًا) ، وهنا سوف أبين لقطة تهمنا كلنا فى قول ربنا لنبيِّنا: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ):
    بشائر المؤمنين
    من الذى عليه بشارة المؤمنين؟
    سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم . فهل يبشر المؤمنين فى عصره فقط أم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة؟ يبشر المؤمنين إلى يوم الدين. إذاً فهذه الوظيفة موجودة على الدوام وغير موقوفة، وذلك لكى يعلم الجهَّال الذين يقولون إنه قد أدَّى الرسالة وانتهى الأمر!! بل إن الرسالة ما زالت قائمة ومن ضمن وظائفها: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). يظلُّ صلى الله عليه وسلَّم يبشر المؤمنين إلى أن تنتهى الدنيا، فليس بعده نبى ولا رسول، وكما قلنا مسبقاً كذلك سيشهد صلى الله عليه وسلَّم على الذين فى عصره، وكذلك سيشهد لنا وعلينا وعلى الذين من بعدنا إلى يوم الدين.
    إذاً يبشِّر سيدنا رسول الله المؤمنين فى كل زمان ومكان، لماذا يا إخوانى؟ لكى تعلو هممنا، وتربو عزيمتنا فى الإقبال على الله وفى العمل الموصل إلى رضاء الله جلَّ فى علاه.
    ما الذى يجعل المؤمن يفرح فى الدنيا بالطاعات، ويسعد ويستزيد من النوافل والقربات؟ إنها المبشرات الصالحات.
    فلو أن الإنسان مارس الطاعات، وواظب على النوافل والقربات، ولم يأته شئ من المبشرات، فإنه يتكاسل ويتباطأ ويتقاعس، بل إن العامل فى أية مصلحة عندما يعمل بجد وإتقان، فلن يُشجعه على مداومة هذا العمل إلا إذا سمع كلمة استحسان من مديره، أو تأتي منه علاوة تشجيعية، أو يجعل له مزية أو خصوصية!! لكن لو كان العامل سيعمل ولا يعطيه أحد عبارة استحسان فإنه يقول: لماذا أعمل؟! يجب أن أكون مثل غيرى. وهكذا الحال فى كل أمر، فبشائر المؤمنين مستمرة إلى يوم الدين، قال صلى الله عليه وسلَّم :
    { لاَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إلا المُبَشِّرَاتُ، قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: الرُّؤْيَا الصّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُل أَوْ تُرَى لَهُ }
    والرؤيا الصالحة إما رؤيا لها تأويل وتعبير، وإما رؤية حقيقية فى العوالم الملكوتية، كمن يرى لقطة من الجنة، أو كمن يرى بعض ملائكة الله، أو يرى بسياحة روحه بعض زينة الله فى عرش الله، أو فى كرسى الله، أو فى ملكوت الله جلَّ فى علاه، لكن أعلى المرائى التى يتمتع بها أصحاب الرؤيا الصالحة أن يَرَوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وذلك لأنه قال:
    { مَنْ رآني في المَنَامِ، فَقَدْ رأى الحَقَّ، إنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَشَبَّهُ بي }
    وخذها من أى وجه (فقد رأى الحق)، أى رآنى رؤيا حقيقية ليس فيها خيالات ولا أوهام، أو خذها كما قال سيد الأكوان: (رآنى حقاً) وليس خَلْقاً، لأنه له جانب خلقى وهو الذى كان به فى الأكوان، وجانب حقِّى وهو الذى عليه على مدى الزمان، وبذلك فقد رأى الحقيقة المحمدية: (فَقَدْ رأى الحَقَّ، إنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَشَبَّهُ بي)، وهذه هى أول المبشرات الصالحات.
    أهل الفضل
    بماذا يبشر رسول الله المؤمنين يارب؟ قال ليس بالأجر والثواب – لأن الأجر والثواب لا يكون إلا بعد الإياب - هناك فى الآخرة، ولكنه يبشرهم: (بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا)، لهم الفضل. وهذا الفضل ليس بالعمل، ولا بالسعى، ولا بالجد والاجتهاد، وإنما من كنوز المنن الإلهية، ومن عين التفضلات الربانية، كما يقول بعض الصالحين:
    { قطرةٌ من بحر جودك تجعلُ الكافرَ وليًّـــا والشقىَّ تقيَّـــا }
    وهذا هو فضل الله جلَّ فى علاه: ( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) [58يونس]، ولذلك فإن أصحاب المناصب العالية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وأصحاب الدرجات الراقية من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من الأولياء والصالحين إلى يوم القرار، أخذوها بالفضل، وإياك أن تظن أنها بالجهاد!! وأزيدك بياناً:
    إن الذى يدخل بالجهاد فإنه من العُبَّاد، كالذى يُمسك بالمسبحة ويَعُد على الله تسبيحاته!!، أو الذى يقف طوال الليل ويَعُد على الله صلواته!!.إن كان قليلاً أو كثيراً، أو الذى يقرأ القرآن ويَعُد على الله ختماته!!، فهل عدَّ عليك الله عزَّ وجلَّ النعم والآلاء التى غمرك بها فى كل الأنحاء؟!! بل إن مفيض الفضل والجود والنعم قد تفضل عليك بهذه النعم فضلاً منه عزَّ وجلَّ ولم يعايرك بسببها ... ولم يَعُدها عليك ... ولم يأمرك بتسجيلها، ... وكل ما يطلبه منك أن تشكره بالكيفية التى علَّمها لك فى كتابه .... وعلى منهج حبيبه صلى الله عليه وسلَّم .
    التعرض لفضل الله
    إذاً فالعطاءات الإلهية والمنن الربانية خصوصية!!!، والخصوصية بالفضل، فكيف يأتى الفضل يا إخوانى؟ ومن أين؟ بأن يتعرض له الإنسان:
    إذا تعرض عبدى
    لنيل فضلى تحلَّى

    بحلة الحسنى منّى
    وبالشهود تملَّى

    كيف أتعرض لفضل الله إذاً؟ يستلزم التعرض:
    أن تُجَهَّز لمولاك ولحبيب الله ومصطفاه، قلباً سليماً وحالاً مستقيماً، وحباً لحضرة الله عزَّ وجلَّ ولنبيه مقيماً لا يُبقى فى القلب حبَّةً لغير هؤلاء الأحبة.
    وتجهيز القلب لأنه هو الذى يتعرض لفضل الله، وفضل الله لا ينزل إلا على القلوب، أما خيرات الله فهى التى تنزل على الأجسام، لكن الفتح الإلهى والعلم الربانى والنور القدسى والكشف لا تتنزل إلا على القلوب: (القلب بيت الرب فطهره له بالحب)، فإذا صليت مثلاً ألف ركعة فى الليلة، هل ينظر الله إلى السجود والركوع والتلاوة والتسبيح فى هذه الصلاة أم لغير ذلك؟ نسأل الحبيب صلى الله عليه وسلَّم الذى قال:
    {إِنَّ اللّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمُ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ. وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ}
    ينظر إلى ما فى القلب، هل فيه إخلاص؟.. هل فيه خشوع؟.. هل فيه حضور؟.. هل فيه صدق؟.. هل فيه تبتُّل؟.. هل فيه زهد فى الدنيا؟.. هل فيه ورع عن الحرام؟.. هل فيه الصفات النبيلة الكاملة التى كان عليها النبى وأصحابه الكرام؟.. بل ما كان عليه أنبياء الله أجمعين عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام؟ ...هذه هى التجهيزات التى يجب أن يكون عليها القلب، والتى تجعله صالحاً للتعرض لفضل الله، وإتحافات الله وإكراماته!!
    فإذا أنت أتيت كل يوم ببدلة جديدة فإنها للخلق، أما إذا أردت أن ترضى الحقَّ فإنه يريد منك بدلة واحدة فقط! بشرط أن تكون بيضاء وتُلبسها للقلب: (أحب الثياب إلى الله البياض)، ولو أنك طهرَّت القلب إلى أن صار ناصع البياض كما خلقه الحقُّ عزَّ وجلَّ، فإن نيران المحبة تتأجج فيه، وذلك لأن القلب أساساً مملوءٌ بحب خالقه وباريه، ولا تنطفئ نار المحبة إلا بالمشاكل الكونية، والحظوظ والأهواء الدنيوية، عندما أُدخلها فى القلب، فتضغط على الحب لله ولحبيب الله ومصطفاه وتجعل حبَّ الدنيا هو الظاهر.
    والمطلوب أن ترفع هذه الغواشى من القلب ليظهر حبُّ الله، لأن القلب أساساً مملوءاً بحب الله، فقد خلقنا الله عزَّ وجلَّ ووضع فى قلوبنا نور محبته، لأنه جعلنا من أحبته، ولذلك قال صلى الله عليه وسلَّم :
    { إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ. فَإِنْ زَادَ زَادَتْ. فَذلِكَ الرَّانُ، ثم تلا قول الله عزَّ وجلَّ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) (14، 15المطففين) }
    إذاً فقد جاء الحجاب من عند نفسك أنت!! أنت الحجاب!!، فإذا رفعت الغواشى صرت من الأحباب، وكُشف لك النقاب، وأُذن لك بدخول الرحاب، وتوِّجت بتاج أولى الألباب، وفُتحت لك كنوز حضرة الوهاب، وجعلك النبى صلى الله عليه وسلَّم لحضرته باباً من الأبواب!! هل فهمنا هذا واستوعبناه يا أيها الأحباب؟!! تصبح باباً لحضرة النبى صلى الله عليه وسلَّم !!.
    إذاً لكى يحظى الإنسان بفضل الله، ويرى البشائر من رسول الله بذاته، عليه أن يتعرض، ولكى يتعرض عليه أن يدخل على دائرة القلب وينظفها ويطهرها من الدنيا والشهوات والحظوظ والأهواء، ولا يجعل فيه إلا هوىً واحداً يقول فيه صلى الله عليه وسلَّم :
    {لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به}
    فيكون هواه تبعاً لهوى رسول الله، وليس له هوى آخر، وإذا صلحت القلوب وخلت من العيوب فوراً كوشفت بالغيوب، وواجهت حضرة علام الغيوب، وسكنها وَحَلَّ فيها الحبيب المحبوب، وأعطاها كل المنى والمطلوب، لأن هذا العبد أصبح قلبه خالياً لحضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ:
    فرِّغ القلب من سوانا ترانا
    يا مريداً جمالنا وبهانا

    واعلُ فوق البراق ليلاً فإنا
    نتجلَّى ليلاً لمن يهوانا

    إذاً من يريد الفضل عليه أن يتعرض للفضل، وهذه يا إخوانى مهمة الصالحين، لكنهم يريدون المريدين المستجيبين، ... المستجيبين!! .. لكن المريد أو المريض الغير مستجيب للطبيب ماذا يفعل معه الطبيب؟! ومعنى أنه غير مستجيب أنه يأخذ العلاج ولا يستخدمه، أو يأخذه أياماً ويتركه ولا ينفذ التعليمات!! فإن قال له الطبيب: لا تأكل السمين، فإنه منه يستزيد!، فماذا يفعل الطبيب؟! إذاً من يريد الشفاء عليه أن يتبع تعليمات الطبيب.
    وكذلك من يريد أن يحظى بالوصال عليه أن يكون مستجيباً لتعليمات الرجل القريب، الذى أقامه الحبيب وجعله وسيلة للتقريب، فالذى يتردد على العيادة كل يوم مرة ولم ينفذ التعليمات بالمرة! وآخر يذهب إلى العيادة مرة فى العمر ويأخذ الروشتة وينفذها، فأيهما الذى يتماثل للشفاء؟! بالطبع الذى يذهب ولو مرة واحدة ويستجيب بعدها.
    ولذلك كنا نسمع - ولا زال - أن فلاناً ذهب إلى الرجل الصالح مرة واحدة فى العمر، وجلس معه قليلاً ثم انصرف، وصار بعدها من الصالحين!! وهذا لأنه استجاب وأناب فرَقَى على براق الأحباب.
    وآخرون يجلسون دوماً على الأعتاب، وكل همهم الطعام والشراب ومن ذهب ومن جاء، ولا استجابة، فإلى ماذا يرتقون؟!! يرتقون إلى ما هم فيه، ولذلك فإن الشيخ الشعرانى رضى الله عنه كان يقول: { قَلَّ أن يسلك فى طريق الله عزَّ وجلَّ خادم للشيخ، أو ابن الشيخ } لماذا؟ قال: { الخادم يرى من الشيخ الأمور البشرية فتحجبه عن الخصوصية التى خصَّه بها ربُّ البرية عزَّ وجلَّ }، وذلك لأنه يراه وهو يقول: هات الطعام، وهات الشراب، أو أنا مريض هات الطبيب، فيقول إنه مثلى، فيُحجب عن الخصوصية!!
    وكذلك ابن الشيخ قال عنه: {إنه يُفسده تدليل المريدين!}، كذلك مَنْ هم حول الشيخ والذين يُعظِّمهم الشيخ. من الذى يُعظِّمه الشيخ؟ إنهم الضيوف!!، عندما يجئ الضيف يقدمه ويوجبه ويكرمه، لكن هل هناك من يكرِّم ابنه ويهتم به؟ لا، ولذلك متى يعرف المريد أنه سينال فضل الله؟ قالوا: )إذا أنزله الشيخ منزلة ابنه(، أى: يعامله كأنه ابنه، فلا يتكلف له ولا يحوجه إلى الإهتمام أو إلى الرعاية وذلك لأنه بمثابة الابن.
    إذاً لكى نجهِّز أنفسنا لفضل الله علينا أن نجهِّز القلوب، ولا يجهِّز القلوب للحبيب المحبوب إلا شيئان: الأول: العلم الوهبى النازل من سماء فضل علام الغيوب عزَّ وجلَّ، والثانى: هو الحب: فهو الذى يغسل القلب، فمن الجائز أن هناك من يذكر باللسان!، وكان سيدى أحمد البدوى يقول فى مثل هؤلاء الذين يذكرون بالمسابح وباللسان على الدوام، والعين للخلق تنظر، والأذن لهم تسمع أو تتسمع- لذلك تجده عندما يذكر وآخر يتكلم بجواره يسمع كلامه ويرد عليه !! عجباً!!، لذلك قال: (ذكر اللسان شقشقة)!، أما الذكر الحقيقى يا إخوانى هو ذكر القلب.
    فإذا ارتقى الإنسان من ذكر اللسان وسمع بنفسه أن قلبه يذكر ربَّه، فيا هناه، لأنه وقف على أول قدم فى طريق الله!!، والقلب إن ذكر الله لا يغفل طرفة عين ولا أقل، حتى أنه عندما يقوم الإنسان من النوم يسمع قلبه وهو يذكر، أو إذا تكلم مع فلان أو فلانة يسمعه أيضاً وهو يذكر، والقلب إذا ذكر حضر، ولا يتم هذا الأمر إلا بتجهيز القلوب وتطهيرها بالكلية، والتعرض إلى فضل حضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ، ومن يفعل ذلك يحظى بـ: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا) [47الأحزاب].
    هل هذه البشرى هناك فى الآخرة؟ قال لا: (.لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا )، أولاً، ثم ( وَفِي الآخِرَةِ ) [64يونس]، وتتوالى عليهم البشائر من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، منهم من يبشره سيدنا رسول الله مرة واحدة فى العمر، ومثل هذا يا هناه!! لأنه قال:
    { مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي }
    - وهو يخرج من الدنيا وبذلك يبشر بحسن الخاتمة.
    - ومنهم من يأتيه النبى كل أسبوع مرة ككثير من الصالحين!!.
    - ومنهم من يأتيه النبى عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام فى كل أسبوع مرتين كسيدى عبد الرحيم القنائى رضى الله عنه!!.
    - ومنهم من يرى النبى صلى الله عليه وسلَّم كل ليلة مرَّةً كالإمام مالك رضى الله عنه.
    - ومنهم من لا يغيب عنه النبى صلى الله عليه وسلَّم ليلاً ولا نهاراً بالمرة، كسيدى أبوالحسن الشاذلى رضى الله عنه، يراه عياناً بياناً آناء الليل وأطراف النهار.
    وهؤلاء رضى الله عنهم أجمعين لا يستطيعون أن يبيِّنوا ما تفضل الله به عليهم إلَّا لأهل خصوصيتهم، ولكن عليهم بعد ذلك أن يجهِّزوا غيرهم لحبيبهم صلى الله عليه وسلَّم ، وهذا كما قلنا هو السبب أو الغرض الذى من أجله يذهب الناس للصالحين أو للعارفين، أو المشايخ والمربِّين.
    فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل لنا نصيباً عظيماً من هذا الفضل الكبير، وأن يؤهل قلوبنا ويجهز أسرارنا للفتح الأعظم من حضرة نبيِّنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
    إذاً كل ما بيننا وبين طبيب القلوب:
    - هو أن نجهِّز قلوبنا من أجل الفتح الوهبى الربَّانى الإلهى.
    - فنذهب إليه ونأخذ الروشتة .
    - وبعدها نجاهد لكى نطهِّر القلب.
    - وإذا عقدنا العزم وسلكنا بصدق فمن لمحة تقع الصُّلْحَة.
    أما إذا فقدنا العزم فإننا لو جلسنا معهم ألف عام، فإننا نظلُّ كما كنا نعيش فى الأكوان وليس لنا نصيب فى هبات سيد ولد عدنان!!، وكل ما يلزمك هو القلب السليم كى تتنزل فيه أنوار العلىِّ العزيز الحكيم عزَّ وجلَّ.
    وهنا أبشركم ببركات وأفضال وأنوار إحياء ليالى النَّبِىِّ المختار، فليلتنا هذه الليلة والليالى التى مثلها كم تساوى من فضل الله؟ يقول فى شأنها الله:
    ( وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) [47الحـج]
    فاليوم الذى يقضيه الإنسان عند مربِّى الروح ومربِّى القلب، كألف سنة فى العبادات والطاعات والمجاهدات.
    نسأل الله عزَّ وجلَّ ألا يحرمنا من هذا الأنس، وأن يجعل أنسنا فى ذاته!، وأن يجعلنا أهلاً لهباته وعطاءاته، وأن يؤهلنا لمنازل أهل خصوصياته!، وأن ينظر إلينا بعينه النورانية القدسية نظرة تذهب عن قلوبنا كل دنية وبلية، وتجعل فيها أهلية للعطاءات الربانية، وأن يحبونا بحبِّ حبيبه ومصطفاه، وأن يكشف عنا كل حجاب بيننا وبينه حتى نتمتع به ونراه، ونحظى بجمال محياه، ونفوز بالنعيم الأعظم الذى خصَّه به مولاه، ويصير مدده سارياً فى كل أعضائنا فى كل أنفاسنا فى هذه الحياة، ونكتب من رفقائه فى الدار الآخرة عند الله.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    الفصل الخامس: وصف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم

    وصف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
    بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله الذى أنار الوجود بطلعة سيد الوجود، سيدنا محمد الذى جعله الله عزَّ وجلَّ لنا وعندنا أغلى من كل والد ومولود، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المباركين وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين وعلينا معهم أجمعين آمين آمين يارب العالمين.
    إخوانى وأحبابى بارك الله عزَّ وجلَّ فيكم أجمعين:
    طلب منَّا الله عزَّ وجلَّ أن نتعرف على نبينا صلى الله عليه وسلَّم :
    - على صورته الحسِّيَّة الظاهرية التى تراها العين البالية الجسدية.
    - وعلى صورته المعنوية التى تراها القلوب التقية النقية.
    - وعلى صورته النورانية التى تراها الأرواح إذا ارتقت وتراها ملائكة السبع الطباق وغيرها من العوالم العلوية.
    - وعلى صورته الربانية التى أطْلع الله عزَّ وجلَّ عليها النبيين والمرسلين قبل البدء القديم وعاهدهم له صلى الله عليه وسلَّم أن يكونوا له أنصاراً وتابعين، ثم جدَّد لهم هذا العهد وأحياهم وجمعهم فى بيت المقدس ليروا الحبيب بعد تكليفه بالرسالة وبعد أمره بالبلاغ ،وليصلى بهم إماماً، لأن الله عزَّ وجلَّ جعله كذلك-أى إماماً - لجميع الأنبياء والمرسلين.
    وسوف نذكر فى هذا المقام بعض ما تطيقه العقول من الصور التى جعلها الله لحضرة الرسول صلى الله عليه وسلَّم ، فنقول وبالله التوفيق:
    صور الحبيب
    أولاً: صورة حسية ظاهرية:
    وقد رآها من كان فى عصره وأوانه، ويكرم الله عزَّ وجلَّ بمشاهدتها المؤمنين الصادقين إلى يوم الدين، وفيها يقول صلى الله عليه وسلَّم :
    { مَنْ رآني في المَنَامِ، فَقَدْ رأى الحَقَّ، إنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَشَبَّهُ بي }
    فرؤيته صلى الله عليه وسلَّم محفوظة من أن يتشبه بها شيطان، أو يتمثل بها أحد من الجان، لأنها محفوظة بحفظ الرحمن عزَّ وجلَّ.
    وثانياً: صورة معنوية:
    وتلك صورة تراها القلوب إذا صفت، وتراها النفوس إذا وفت، بيَّنها الله عزَّ وجلَّ فى الآيات القرآنية:
    { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا.} [45: 47الأحزاب]
    وغيرها من الآيات القرآنية التى تبين أوصافه القرآنية، والتى تقول فيها السيدة عائشة رضى الله عنها: { كان خُلقه القرآن }.
    وثالثاً: صورة نورانية :
    وهى صورة يراها الملأ الأعلى، وتراها الأرواح إذا ارتقت فى سماء القرب من حضرة الكريم الفتاح، قال فيها الله جلَّ فى علاه:
    { قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } [15المائدة]
    النور هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، والكتاب المبين هو القرآن الكريم، وليس النور هو الكتاب لأن الله فصل بينهما بالواو وهى حرف عطف يقتضى المغايرة ،أى يقتضى أن يكون ما قبلها مغايراً ومخالفاً لما بعدها، فلو كان النور هو الكتاب لكانت الآية: (نورٌ كتابٌ مبين)، لكن النور شئٌ والكتاب المبين شئٌ آخر، فالنور هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، والكتاب المبين هو القرآن الكريم الذى أنزله الله عليه. والقرآن نور: { وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا }، [52الشورى] والله عزَّ وجلَّ نور: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [35النور]. فالله نور، والقرآن نور، والحبيب المصطفى نور، { نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء } [35النور].
    ورابعاً: هناك الصورة الربانية:
    وهى الصورة التى خلقها الله عزَّ وجلَّ قبل خلق جميع البرية، وخلق منها أرواح النبيين والمرسلين، وأخذ عليهم فيها العهد والميثاق الذى يقول فيه فى قرآنه المبين:
    { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ } [81آل عمران].
    إذاً هناك أربع صور لرسول الله ذكرناها على قدر العقول.
    وبعد أن بسطنا قبساً صغيراً من التلميح لتلك الصور العليَّة، جاءنا سؤال من أحد الحاضرين المحبين الصادقين فى كبد الموضوع، نستزيد بإجابته الأمر توضيحاً وبياناً، إذ يقول السائل:
    وبالحق أنزلناه
    قد بيَّنتم فضيلتكم البيان الشافى الغير مسبوق عن صور الحبيب صلى الله عليه وسلَّم ، فهل يا سيدى المقصود بقول الله عزَّ وجلَّ: { وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ } رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟ وإن كان كذلك، فأين يقع هذا المعنى من الصور التى بينتها لنا؟ بارك الله فيكم، وجزاكم عنا خير الجزاء، وزادكم نوراً وعلماً.
    وأجيب الأخ السائل - بارك الله فيه - إن العلوم كنوز ومفاتحيها الأسئلة، فالسؤال فى صلب الموضوع، وجوابنا: الإثنان، فالكتاب هو رسول الله: { وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ } [105الإسراء]،
    وأين نزل؟ .... ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) [193الشعراء]
    على: ......... { وَبِالْحَقِّ نَزَلَ } ) [105الإسراء]
    ولذلك قال:
    { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }
    [3-4النجم]
    فلا ينطق عن هوى فى نفسه ولا عن رأى فى شخصه، وإنما ينطق مبلغاً عن الله، لأنه صلى الله عليه وسلَّم فنى عن نفسه، ولم يعد له حظ ولا هوى ولا مطمع دنيوى أو فانى، وإنما كان كل همه أن يبلغ رسالات الله عزَّ وجلَّ إلى خلق الله:
    {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} صلى الله عليه وسلَّم ، وذلك لأنه صورة الحق التى ظهرت بين الخلق، صورة حقية فى صورة آدمية، باطنه حق وظاهره خلق، وظاهره مرآة تبين جمال باطنه. إذاً فقد أصبح ظاهره حق وباطنه حق، وإلا لما أوجب الله علينا اتباعه حتى فى مشيه وفى طعامه وشرابه وفى كل أموره، وقد قال سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص:
    { يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فِى الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنِّى لاَ أَقُولُ فِيهِمَا إِلاَّ حَقًّا }.
    فهو صورة الحق التى أجلاها للخلق ليتجملوا بهذا الجمال، فيحوزوا رضاء الحق عزَّ وجلَّ، وكأن الله عزَّ وجلَّ جعله مثالاً للكمالات التى يحبها من خلقه!!، فمن أراد أن يكون حبيباً لله فليتخلق ويتجمل بجمال حبيب الله ومصطفاه، فيصير مثله حبيباً لله على قدره لا على قدر الحبيب الأول صلى الله عليه وسلَّم .
    ولذلك دائماً ما نقول لإخواننا ونقول لكم ولكل المحبين: عليكم أولاً استحضار صورته الحسية لكى يتهنى بها القلب.
    لكن حاول أن تتجمل ليس بصورته الحسية ولكن بأوصافه المعنوية، وعندما تتجمل بأوصافه المعنوية يمنُّ عليك الله عزَّ وجلَّ فيُجمل باطنك بأوصافه النورانية، ولما يجمل باطنك بأوصافه صلى الله عليه وسلَّم النورانية يفتح لك فتوحات العارفين، ويجعلك من أهل مقامات القرب من رب العالمين عزَّ وجلَّ، وهذا هو سرُّ أهل الخصوصية مع الصور المحبوبية.
    البحث عمن رأى الحبيب
    كان الإمام الحسن والإمام الحسين، لما كانا صغيرين فى السن عندما كان الحبيب صلى الله عليه وسلَّم كائناً بينهم، وأنتم تعلمون أنهما كانا يلعبان بين يديه، بل يتخذونه أحياناً مركباً يركبانه ويعتليان ظهره عند السجود!.
    رُوى أنه صلى الله عليه وسلَّم خرج في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر، وهو يحمل الحسن أو الحسين، فتقدم النبيّ صلى الله عليه وسلَّم فوضعه ثم كبَّر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، فقال الراوى: إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها فظننا أنه قد حدث أمر أو نزل الوحى، قال: { فَكُلُّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرهْتُ أَنْ أُعَجّلَهُ حَتّى يَقْضِي حَاجَتَهُ }.
    ودخل الحسن رضى الله عنه يوماً من باب مسجده الأنور، وكان صلى الله عليه وسلَّم على المنبر يخطب فى جموع المسلمين، فلما رآه الحسن قال: أبى أبى ومشى مسرعاً فتعثر فى ثوبه فوقع، فما كان من الرحمة المهداة والنعمة المسداة إلا أن نزل من على منبره وأقام الحسن واحتضنه ورفعه وصعد به المنبر وأكمل خطابه للأُمه!، فصدق من وصفه:
    { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [107الأنبياء].
    هذه كانت أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وكانت ابنة ابنته زينب تأتى إليه أحياناً فى الصلاة، فيحملها واقفاً وراكعاً، ويضعها بجواره عند السجود، فإذا أراد القيام ثانية حملها عند نهوضه وهكذا يصلى وهو يحملها!!! يا للرحمة!
    ومع ذلك فإن الحسن والحسين لما كبرا أرادا أن يتعرفا على صورة رسول الله الظاهرية الحسيَّة التى لم يتحققا بها لصغرهما فى حياة خير البرية صلى الله عليه وسلَّم ، فكانا يطوفا من وراء بعضهما على الوصَّافين الذين يستطيعون وصف رسول الله، ويا له من عمل شاق!!. ربما تظنون غير ذلك!!
    ولكن الحقيقة أنه ما كان أحد من صحابته صلى الله عليه وسلَّم يستطيع أن يصفه، فأكابر الأصحاب كانوا لا يستطيعون نعته!! يقول عمرو بن العاص رضى الله عنه، وكان من أكابر العقلاء فى الصحابة، بل من كبار الدهاة فى القادة، عند وفاته لابنه عبد الله رضى الله عنهما: { يابنى، لما بايعت رسول الله كنت أشد الناس منه حياءً ما ملأت عيني من رسول الله حياءً منه!}
    وإذا كان حسان بن ثابت رضى الله عنه - وقد عاش مائة وعشرين سنة، ستون سنة قبل الإسلام وستون بعد الإسلام – وكان حسان قد سمع وصْف النبى صلى الله عليه وسلَّم من اليهود مثل بقية الأنصار حيث عرفوا أن نبىًّا سيبعث فى مكة ويهاجر إلى المدينة، وأوصافه يعرفها اليهود لقول الله فيهم: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ) [146البقرة]. لما هاجر النبى صلى الله عليه وسلَّم إلى المدينة سمع حسان بن ثابت - ولم يكن قد أسلم بعد - اثنين من اليهود يتحدثان بعدما شاهدا النبى صلى الله عليه وسلَّم ولا يرون حساناً، فقال أحدهما للآخر: أهو هو؟ قال: هو هو بنعته الذى ذكره لنا موسى فى التوراة، قال: وماذا تفعل؟ قال: لن أؤمن به ما حييت – فإنهم يعرفونه لكن الحسد يمنعهم من الإيمان به!! فأراد سيدنا حسان أن يتحقق، فذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلَّم وشاهد جمال محياه وقال فى ذلك:
    لما نظرت إلى أنواره سطعت

    وضعت من خيفتى كفى على بصرى

    خوفاً على بصرى من نور طلعته

    فلست أُبصره إلا على قدرى

    لما رأيت رسول الله وضعت يدى على عينى خوفاً من ساطعة الأنوار أن تحرق عينى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يراه أصحابه نوراً!! أما الكافرون والجاحدون فيكفى فيهم قول الله عزَّ وجلَّ: { وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [198الأعراف]، لا يرون النور!!. مثل إبليس عندما أُمر مع الملائكة بالسجود لآدم، الملائكة رأت النور الموجود فى وجه آدم – وهو نور رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - وإبليس عمىَ فلم يرَ إلا جسم آدم وطينته!! فامتنع عن السجود، ولذلك قال سيدى على وفا فى ذلك:

    لو أبصر الشيطان طلعة نوره
    فى وجه آدم كان أول من سجد

    أو رأى النمروز بعض جماله
    عبَدَ الجليل مع الخليل وما عند

    لكن نور الله جلَّ فلا يُرى
    إلا بتخصيص من الله الصمد

    فكان صلى الله عليه وسلَّم لا يستطيع أى إنسان من صحبه أن ينعته لشدة نورانيته وشفافيته صلى الله عليه وسلَّم ، فمن الذى نعته ووصفه؟
    لا يوجد إلا الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه وكرَّم الله وجهه، وأم معبد التى مرَّ النبى عليها فى الهجرة ووصفته لزوجها، وهند بن أبى هالة وهو ابن السيدة خديجة ولكن من زوج آخر، ولذلك هو خال سيدنا الحسن وسيدنا الحسين، هؤلاء هم الثلاثة الذين استطاعوا أن يصفوا رسول الله، ولم يستطع أحد من صحابته الذين يزيدون على المائة ألف وصفه!!.ويذكر التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وصَّى أصحابه وقال فى جمع فيهم عُمر وعلىّ رضى الله عنهم أجمعين:
    { سيأتى من بعدى رجل من أهل اليمن يُدعى أويس القرنى، آمن بى ولم يرنى، منعه من المجئ إلى برُّه بأمِّه، فإذا لقيتموه فأبلغوه منى السلام، وسلوه أن يدعو الله عزَّ وجلَّ لكم}.
    وهذا هو السند الذى يعتمد عليه القوم فى الذهاب إلى الصالحين. هل يحتاج سيدنا علىّ وسيدنا عمر للذهاب إلى الصالحين؟! إنه أمر من سيد الأولين والآخرين أن يبحثوا عنه ويذهبوا إليه ويسألوه أن يدعو الله عزَّ وجلَّ لهم!! أمر!!.
    فكان سيدنا عمر رضى الله عنه يحج كل عام وينادى فى أهل اليمن: أفيكم أويس؟ يقولون: لا، وفى مرة قالوا: ليس فينا إلا راعى غنم يسمى أويس، قال: أين هو؟ قالوا: عند جِمالنا، فتظاهر أنه لا يُبدى للأمر أى اهتمام وأشار إلى سيدنا علىّ أن يفعل كذلك ثم انسلا من القوم وذهبا إلى أويس وهو بمفرده، وقالا له: أأنت أويس؟ قال: نعم، - وكان النبى صلى الله عليه وسلَّم قد أعطاهم علامة له حيث قال لهم: أنه كان به برصٌ فشفى منه ولم يبق إلا موضع قدر الدرهم تحت إبطه – فقال له عمر: اكشف ذراعك وأرنا إبطك، فرأى ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فتحقَّقا أنه هو، ودار بينهما الحديث.وسأل أويس: هل رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟ قالا: بلى، فأخذ سيدنا علىّ يصفه بالصورة الحسية الظاهرية، قال: إنكم لم ترونه على الحقيقة! عجباً!!
    فذهبا إلى السيدة عائشة وذكرا لها ذلك فقالت: لقد رأيته الرؤية الحقيقية مرَّة واحدة، كنت أُخيط له ثوباً على مصباح فهبت الريح وأُطفئ المصباح ووقع منى المِخْيط فدخل علىَّ صلى الله عليه وسلَّم فرأيت نوراً من الأرض إلى السماء، ورأيت على هذا النور المِخْيط وأدخلت فيه الخيط! رأته مرة واحدة لأنه نور الله الذى ذكره الله: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [15المائدة].
    فذهب سيدنا الحسن إلى خاله هند بن أبى هالة وقال له: اذكر لى من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما أتعلق به، فذكرها له، وذهب الحسين من وراءه إلى خاله أيضاً وقال: اذكر لى من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما أتعلق به، ونحن جميعاً نحتاج إلى بعض هذه الأوصاف حتى تتعلق فى مخيلتنا وتسطع فى أفئدتنا لعل الله يكرمنا عند منامنا فنرى حبيبنا صلى الله عليه وسلَّم ، وقد قال صلى الله عليه وسلَّم فى الحديثه الآخر:
    { مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي }
    متى سيراه فى اليقظة؟ وهو مسافر من الدنيا يأتى إليه حضرة النبى ويستقبله ومعه الصحابة الكرام، ومعه الأئمة العظام،
    لأن الله عزَّ وجلَّ أعطاه ذلك وكلفه بذلك.
    وفى السنة أكثر من دليل، ففى عصر عثمان بن عفان توفى رجل اسمه الربيع بن خراش ويحكى أخوه الربعى القصة فيقول كما ورد:
    { مات أخى الربيع وكان أصومنا فى اليوم الحار وأقومنا فى الليلة الباردة فسجَّيته فضحك، فقلت: يا أخى أحياةٌ بعد الموت؟ قال لا ولكنى لقيت ربى فلقينى بروح وريحان ووجه غير غضبان، فقلت كيف رأيت الأمر؟ قال أيسر مما تظنُّون }- وفى رواية: { ولا تغتروا فإني استأذنت ربي لأبشركم فاحملوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فإنه وعدني أن لا يسبقني حتى أدركه}، فذكر لعائشة رضي الله عنهُ ا فقالت: { صدق ربعى، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول: من أمتى من يتكلم بعد الموت }، وفى لفظ: { يتكلم رجلٌ من أمتى بعد الموت من خير التابعين }
    { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ }، هل يصلى على الذين فى عصره فقط؟ لا، بل على كل الأمة إلى يوم الدين، لماذا؟ قال الله له: { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } [103التوبة]. هى التى ستسكِّنهم من الخوف ومن الرعب، وهى التى ستسكِّنهم عند سؤال الملكين، وهى التى ستسكِّنهم عند أهوال يوم القيامة. فالصلاة دائمة إلى يوم الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على المحبين والمخلصين والصادقين فى الحبِّ لسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم .
    قد يقول البعض أن ذلك حدث فى عهد سيدنا عثمان، وأن هذا الرجل كان صحابياً، وحتى يتحقق حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : {يَكُونُ فِي أُمَّتي رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ المَوْتِ}!!، اسمعوا هذه القصة:
    الشيخ ذو النون المصرى رضى الله عنه وكان يعيش فى القرن الرابع الهجرى، وكان من أخميم وسكن الجيزة ،وكان من أكابر الصالحين، لمَّا جاء أجله، مَن الذى أعلم الناس بالخبر؟ !! مَنْ الذى كان يُنبئ الناس بالأخبار فى هذه الأوقات مع أنه كانت لا توجد صحافة ولا إذاعة ولا تليفونات ولا غير ذلك؟! الذى كان ينبؤهم الرؤيا الصالحة يراها الرجل المؤمن أو تُرى له. فكان الصالحون فى كل مكان نشرهم الرحمن، ويرون فى قلوبهم الأخبار التى يريد أن يذيعها الرحمن على الناس فى كل زمان ومكان.
    فلما جاء الموت لذى النون، رأى سبعون رجلاً من الصالحين فى كل مصر رؤيا واحدة، حيث رأى كل رجل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قادماً !! فسأله: لماذا قدمت يا رسول الله؟ فيقول: إن حبيب الله ذا النون يريد المجئ إلينا وقد جئت لاستقباله!!. فأخذ كل رجل منهم تلاميذه ومريديه وذهب إلى الجيزة ليحضر جنازة ذى النون والتى سيحضرها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولذلك رُوى أن المشيعين لهذه الجنازة كان يزيد عددهم على المليون، وكان يوماً شديد الحرارة، وسوف يمشون من الجيزة إلى الإمام الشافعى ليدفنوه، فأرسل الله على رؤوس المشيعين طيوراً سدت الأفق ترفرف بأجنحتها، أظلتهم بأجسامها !! وهونت عليهم حرارة المكان برفرفتها بأجنحتها، حتى وضعوه فى لحده الأخير، لأنه حظىَّ بالبشير النذير صلى الله عليه وسلَّم .
    وصف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم البشرى
    فلابد للإنسان أن يتعلق ببعض أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وينام وفى مخيلته أو فى فؤاده هذه الأوصاف، فعندما ينام يُكرم فى المنام برؤية المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
    هذا هو الوصف الظاهرى لرسول الله، وسنتكلم فيه على قدرنا حيث كان صلى الله عليه وسلَّم كما ذكرت الروايات - رَبعةً بين الرجال، أى: بين الطويل والقصير، ومع ذلك كان سيدنا عمر رضى الله عنه يقول - وكان رضى الله عنه كان ضخم الجسم، حتى أن الذى يراه كان يخاف منه، ومع ذلك كان رضى الله عنه يقول: { ما مشى معنا صلى الله عليه وسلَّم إلا وكان أطولنا مهما كان طولنا، ولا قعد بيننا إلا وكانت أكتافه أعلانا مهما كان طول أكتافنا } .
    لأن الله عزَّ وجلَّ رفع قدره وأعلى شأنه، فرفعه الله عزَّ وجلَّ حتى من يراه فى أى جانب يراه أطول الجميع!! مع أنه صلى الله عليه وسلَّم كان بين الطول والقصر. وكان صلى الله عليه وسلَّم وجهه أقرب إلى التدوير حتى كان سيدنا أنس يقول: { نظرت إلى رسول الله فى ليلة أربعة عشر والقمر بدر، فكنت أنظر إليه تارة وإلى القمر تارة، فوالله الذى لا إله إلا هو لكان فى عينى أجمل من القمر }.
    وسيدنا أبو هريرة رضى الله عنه يقول فى ذلك:
    { ما رُؤى صلى الله عليه وسلَّم مع شمس ولا قمر ولا مصباح إلا وكان نوره أزهى من نور الشمس، وأوضح من نور القمر، وألمع من نور المصباح ِ}
    وكان صلى الله عليه وسلَّم يميل إلى اللون الزهرى وهو البياض المختلط بالحمرة، وهو أزكى الألوان فى الجنة إن شاء الله. وكان فمه صلى الله عليه وسلَّم واسعاً لأنه صلى الله عليه وسلَّم أوتى الفصاحة كلها، وسعة الفم من علامات الفصاحة، وكان مفلج الأسنان أى أن أسنانه الأمامية بينها فاصل دقيق.
    وكان صلى الله عليه وسلَّم أدعج العينين أى أسود الحدقتين، وفوقها كانت رموشه مقوسة ولا تلتقى، وكان صلى الله عليه وسلَّم شعره بين المسترسل (الناعم) وغيره، وكان يَفْرق شعره من جهة اليسار، وكان شعر رأسه وشعر لحيته ليس فيه إلا سبع عشرة شعرة بيضاء، ولما سُئل عن ذلك قال:
    { شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأخَوَاتُها }
    وأخواتها سور (إذا الشمس كورت)، و (إذا السماء انفطرت).
    إلا أن هذا الوصف الحسى كان فيه أيضاً نورٌ ربانى، فلقد كانت عيناه صلى الله عليه وسلَّم ليست كَعَيْنِ أحدٍ منَّا، لأنه كان يصلى بأصحابه، فإذا انتهى من الصلاة التفت وقال: أنت يا فلان فعلت كذا، وأنت يا فلان كان ينبغى أن تفعل كذا، فيقولون: يا رسول الله كيف رأيتنا وأنت تصلى؟!! فيقول صلى الله عليه وسلَّم : {إنِّي وَاللَّهِ لأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ} ، كان صلى الله عليه وسلَّم حتى فى البشرية له ميزات ربانية!!!.
    وكان صلى الله عليه وسلَّم لا يقف عليه الذباب قط، وكان صلى الله عليه وسلَّم عرقه أشد بهاءاً وعطراً من رائحة المسك، وكان صلى الله عليه وسلَّم فى كل أحواله أحوالٌ بشرية جملتها الذات الربانية، فكان صلى الله عليه وسلَّم كما قال فيه مولاه: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ } [110الكهف].
    أوصافه المعنوية
    أما صورته المعنوية فهى أوصافه الربانية التى اتصف بها نحو الرحمة، الشفقة، العطف، السماح، المودة، اللين. هذه الصورة لما تَخلَّق بها أصحابه أشرقت أنوارها على قلوب الخلق، فدخل الناس فى دين الله أفواجا!! ما الذى نشر الإسلام فى أرجاء الدنيا ياإخوانى؟
    - أخلاق النبى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
    - وأخلاق القرآن التى كان عليها أهل القرآن الذين تشبهوا بالنبى العدنان صلى الله عليه وسلَّم فأصبحت أخلاق نبيِّهم وقرآنهم مطبوعة على وجوههم، ومقروءة من أفعالهم، من قبل أن تنطقها ألسنتهم.
    يقول سيدنا أبو بكر رضى الله عنه :{ يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ طِفْتُ في العَرَبِ وسَمِعْتُ فُصَحَاءَهُمْ، فَمَا سَمِعْتُ أَفْصَحَ مِنْكَ فَمَنْ أَدَّبَكَ؟ قال: أَدَّبَنِي رَبِّـي، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ } وتعجب من ذلك علىٌ وعمر رضى الله عنهما، فسأله علىٌ يوماً بعد لقائه بوفد بنى نهد: {يا نبيَّ الله نحنُ بنو أب واحد ونشأنا في بَلد واحِد وإنَّك لتكلِّم العربَ بلسان ما نفهَم أكثره؟! فقال إنَّ الله ادَّبني فأحسن تأديبي، ونشأت في بني سعيد بن بكر} {فقال له عمر: يا رسول الله كلها من العرب فما بالك أفصحنا؟ فقال: أتاني جبريل بلغة اسماعيل وغيرها من اللغات فعلَّمني إياها} ، واخيراً الرواية المعروفة والمشهورة، أجاب صلى الله عليه وسلَّم : { أَدَّبَنِي رَبي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ثمَّ أمَرَنى بمَكَارِمِ الأخْلاق}
    أدَّبه ربُّه عزَّ وجلَّ على الأخلاق الكاملة؛ ففى مضمار العبادة لا يستطيع أحد من كان على مدار الزمان والمكان أن يقوم بما كان يقوم به صلى الله عليه وسلَّم من العبادات، فكان يقوم الليل حتى تتورم أقدامه، وكان يصوم صيام الوصال ويقول: { إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني}
    وهنا لطيفة عارضة: تلك الرواية التى يصححها الأئمة وهى أنه كان يضع الحجر على بطنه!!، كيف يضع الحجر على بطنه وهو يبيت عند ربِّه فيطعمه ويسقيه؟!! لكنه حدث تحريف للرواية – قبل أن يستعمل تشكيل الحروف- حيث كان صلى الله عليه وسلَّم يضع "الحُجُزَ" على بطنه، أى الحزام المعروف، فحرَّفوها وقالوا أنه كان يضع الحجر على بطنه، فهل كان صلى الله عليه وسلَّم يجوع حتى يضع الحجر على بطنه؟!! بل كان صلى الله عليه وسلَّم يبيت جائعاً ويصبح طاعماً!!
    وكان صلى الله عليه وسلَّم لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين، تنام عينه وقلبه لا ينام! ومع ذلك وهذا هو الشاهد من حديثا هنا، مع أنه لا يجارى ولايبارى فى عبادته لمولاه، ولكن عندما مدحه خالقه وباريه الذى يعلم بعبادته هذه؛ عندما مدحه بماذا مدحه؟ مدحه بالصورة المعنوية فقال:
    { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [4القلم]
    لم يقل الله له أنت (ذو خُلق عظيم)، أى: صاحب خُلق عظيم، وإنما قال: ( لَعَلى )" أى أعلى من الخُلق العظيم، انظر إلى شكل الخُلق العظيم عند الناس فى كل زمان زمكان، فأنت أعلى من هذا الخُلق، وفى القراءة القرآنية الثانية: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقِ عَظِيمٍ } [4القلم]، والعظيم هو الله، فأنت على خُلقِ الله العظيم جلَّ فى علاه.
    فكان صلى الله عليه وسلَّم على خُلق الله! وهذا هو الوصف الذى وصفه به مولاه، ولذلك ما البُشْريات التى بشَّر الله بها السابقين فى التوراة والإنجيل؟
    عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في التوراة، فقال: أجل:
    { والله إنه لموصوف في التوراة؟ بصفته في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ـ ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخَّاب في الأسواق ـ ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملَّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً }
    إذاً كان وصف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كما قال فى سر بعثته:
    { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }
    فكان صاحب مكارم الأخلاق العالية، ولذلك أراد أحد أحبار اليهود واسمه زيد بن سعنة أن يمتحن النبى صلى الله عليه وسلَّم ، فذهب إليه كما تحكى الرواية، فعن عبدُ الله بنُ سَلام قال:
    { إنَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لمَّا أَرَادَ هُدَى زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ، قَالَ زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إلا وَقَدْ عَرَفْتُهَا في وَجْهِ مُحمَّدٍ حِين نَظَرْتُ إلَيْهِ؛ إلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلا يَزِيْدُه شِدَّةُ الجَهْلِ عَلَيْهِ إلا حِلْماً، فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ لأنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الحُجُرَاتِ، وَمَعَهُ عَليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، فَأَتاهُ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ كالبَدَوِيِّ، فقال: يا رَسُولَ الله، قَرْيَةُ بَنِي فُلانٍ قَدْ أَسْلَمُوا وَدَخَلُوا في الإِسْلامِ، وَكُنْتُ أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا أَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَداً، وَقَدْ أصابهم شِدَّةٌ وَقَحْطٌ مِنَ الغَيْثِ، وَأَنَا أَخْشَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الإِسْلامِ طَمَعاً كما دَخَلُوا فِيهِ طَمَعاً، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَنْ يُغِيثُهُمْ بِهِ فَعَلْتَ.
    قالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إلى رَجُلٍ إلى جَانِبِهِ، أُرَاهُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ: فَدَنَوْتُ إلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا مُحمَّدُ، هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْراً مَعْلُوماً مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلانٍ إلى أَجِلِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: «لا، يَا يَهُودِيُّ، وَلكِنْ أَبيعُكَ تَمْراً مَعْلُوماً إلى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلا أُسَمِّي حَائِطَ بَنِي فُلَانٍ»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَبَايَعَنِي، فَأَطْلَقْتُ هِمَيَانِي، فَأَعْطَيْتُهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالا مِنْ ذَهَبٍ في تَمْرٍ مَعْلُومٍ إلى أَجَلِ كَذَا وَكَذا، قالَ: فَأَعْطَاهَا الرَّجُلَ، وقال: «اعْجَلْ عَلَيْهِمْ وَأَغِثْهُمْ بِهَا» قالَ زَيْدُ بنُ سَعْنَةَ: فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحَلِّ الأجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ في جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، ونَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الجِنَازَةِ، دَنَا مِنْ جِدارٍ، فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ، وَنَظَرْتُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ غَليظٍ، ثُمَّ قُلْتُ: ألا تَقْضِينِي يَا مُحمَّدُ حَقِّي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُم بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ بِمُطْلٍ، وَلَقَدْ كَانَ لي بِمُخَالَطَتِكُمْ عِلْمٌ.
    قالَ: وَنَظَرْتُ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وَعَيْنَاهُ تَدُورَانِ في وَجْهِهِ كالفَلكِ المُستَدِير، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ، وقالَ: أيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَتَقُولُ لرَسُولِ اللَّهِ ما أَسْمَعُ، وَتَفْعَلُ بِهِ مَا أَرَى؟ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بالْحَقِّ لَوْلا مَا أُحَاذِرُ فَوْتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي هذَا عُنُقَكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ إلى عُمَرَ في سكُونٍ وتُؤَدَةٍ، ثُمَّ قالَ: «إنَّا كُنَّا أَحْوَجَ إلى غَيْرِ هذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يا عُمَرُ، فاقْضِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صاعاً مِنْ غَيْرِهِ مَكانَ مَا رُعْتَهُ» قَالَ زَيْدٌ: فَذَهَبَ بِي عُمَرُ، فَقَضَانِي حَقِّي، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، فَقُلْتُ: ما هذِهِ الزِّيادَةِ؟ قَالَ: أَمَرنِي رَسُولُ اللَّهِ أنْ أزِيدَكَ مَكانَ ما رُعْتُكَ.
    فَقُلْتُ: أَتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ؟ قَالَ: لا. فَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا زَيْدُ بْنُ سَعْنَة . قَالَ: الحَبْرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، الحَبْرُ، قَالَ: فَمَا دَعاكَ أَنْ تَقُولَ لِرَسُولِ اللَّهِ ما قُلْتَ وتَفْعَلَ بِهِ مَا فَعَلْتَ. فقُلْتُ: يا عُمَرُ، كلُّ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ عَرَفْتُهَا في وَجْهِ رَسولِ اللَّهِ حِينَ نَظَرْتُ إلَيْهِ إلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْتَبِرْهُمَا مِنْهُ: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الجَهْلِ عَلَيْهِ إلا حِلْماً، فَقَد اخْتَبَرْتُهُمَا، فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قد رَضيتُ باللَّهِ رَبّاً، وبالإِسلامِ دِيناً، وَبِمُحمَّدٍ نَبِيّاً، وَأُشْهِدُكَ أنَّ شَطْرَ مَالي - فَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالا - صَدَقَةٌ على أُمَّةِ مُحمَّدٍ }
    الأسوة الحسنة
    ما أحوج الأمة جميعها إلى أخلاق رسول الله الآن، لو عملنا يا جماعة المؤمنين بقول الرحمن لنا: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [21الأحزاب]
    لو تأسينا برسول الله فى:
    - لغة الخطاب.
    - وفى لغة التعامل فى المنزل مع الزوجة والأولاد.
    - وفى لغة التعامل مع الجيران.
    - وفى البيع والشراء فى الأسواق.
    - وفى لغة التعامل حتى مع الأعداء.
    لن يكون بين المسلمين مشكلة واحدة، لا فى منزل، ولا مجتمع، ولا عمل، ولا فى سوق، لأنه لن ينهى هذه المشاكل إلا الأخلاق النورانية التى كان عليها خير البرية صلى الله عليه وسلَّم .
    ولذلك لما تولى سيدنا أبو بكر الخلافة عَيَّنَ قاضياً للمسلمين وهو سيدنا عمر – قاضياً واحداً لكل المسلمين فى دائرة واحدة!! ومجلس القضاء فى مسجد رسول الله، وليس معه كتبة ولا محامين، ولا جهاز من أجهزة القضاء الموجودة الآن! وكان الراتب يُدفع من بيت المال فى كل عام مرة، وبعد عام أراد أبوبكر أن يدفع الراتب للقاضى عمر، فقال له: أنا لا أستحقه لأنه لم تُعرض علىَّ قضية واحدة طوال العام، فقال له كيف؟! قال: (إن قوماً آمنوا بربِّهم، واتبعوا نبيَّهم، وجعلوا كتاب الله حَكماً بينهم، لا يحتاجون إلى قاضٍ بينهم).
    وهنا يأتى حديثٌ قصير من أحاديث البشير النذير صلى الله عليه وسلَّم لو عملنا به لحُلت كل مشاكلنا على مدار أى مكان أو زمان، قال صلى الله عليه وسلَّم :
    { لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأِخِيه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ }
    لو طبق المسلمون هذا فإنه لن يحدث بينهم مشكلة!، لأنى لن أرضى لجارى إلاَّ ما أرتضيه لنفسى، ولن أرضاه لزميلى فى العمل، ولن أرضاه للتاجر فى السوق، ولن أرضاه لأى أحد من المسلمين.
    وهذا هو أساس الإسلام وهو التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، والتخلق بأخلاقه، فليس التأسى به فى ظاهر العبادات وفقط، أو فى الشكليات!!
    { قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةً تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ }
    مع صلاتها وصيامها هى فى النار!! كيف؟ نعم! لأن العبادة أدخلتها من الباب وأخرجها أذاها لجيرانها من الباب الآخر إلى النار، أما باب العبادة الأعظم الذى يحفظ معه العبد من النار ويرقيه العزيز الغفار.هو: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ } [45العنكبوت]، إذا لم تنه الصلاة عن الفحشاء والمنكر فتكون كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلَّم :{ مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ الله إِلاَّ بُعْداً } .
    فديننا ليس دين عبادات ظاهرة أو شكليات فقط، وإنما العبادات مع الأخلاق مع المعاملات لابد منهم جميعاً، لأن ديننا دين الكمال، فلا يجب أن نأخذ جانباً ونترك بقية الجوانب، بل نأخذ كل الجوانب حتى نكون متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وسائرين على هداه.
    وأعظم ثمار العبادات الأخلاق الكريمة !!فإذا لم تؤدِ العبادات إلى الأخلاق الكريمة فهى ليست مقبولة عند الله عزَّ وجلَّ، لأنه لو قُبلت العبادات لتغيرت العادات والأخلاق والمعاملات وصارت تبعا لكتاب الله وسنة حبيب الله ومصطفاه.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    الفصل السادس: فى رحاب الحبيب

    h فى رحاب الحبيب صلى الله عليه وسلَّم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله على كمال الإصطفاء لنا، حتى صرنا من أُمة حبيبه ومصطفاه، { فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [8الحجرات].
    والصلاة والسلام على إمام المصطفين الأخيار، وسيد أهل الدنيا والإمام الأعظم لجميع الخلق يوم القرار، سيدنا محمد وآله الأخيار، وصحابته الأبرار، وكل من تابعه على هذا الهدى إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.
    وصية بسيطة أوصى بها نفسى أولاً وإخوانى أجمعين:
    يقول الإمام ابن القيم رحمة الله عليه:
    { إن فى القلب طاقة لا يسدُّها إلا حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم }
    جعل الله عزَّ وجلَّ فى قلب كل مؤمن طاقة لا تُسد إلا بحب رسول الله، فمن بدَّدها فى حب الدنيا والأهواء والشهوات، والحظوظ والملذات، تعب فى دنياه، وكان غير موفق فى أُخراه، لأنه يدخل فى قول الله:
    { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }
    [36الزخرف]
    وذِكْر الرحمن فى الحقيقة هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لأن الله يقول فى كتابه:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }
    [9الجمعة]
    أى المذكِّر الذى يذكركم بالله وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فلم يقل الله: (فاسعوا إلى الصلاة) وإنما قال: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ).
    فذِكْر الله فى الحقيقة هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لأنه هو المذكِّر الذى يذكرنا بالله وبأيام الله، ويذكرنا بما علينا نحو الله، وبالأيام التى نحن مقبلون عليها من أيام البرزخ والآخرة والسعادة الأبدية فى جوار الله جلَّ فى عُلاه. هذا المُذكر لابد أن يكون له النصيب الأعظم فى القلوب.
    حب المقربين
    وقد حكم صلى الله عليه وسلَّم - وحكمه نافذ – أنه لا يتمُّ الإيمان إلا إذا كان هذا الحب الموجود لحضرته فى قلوبنا أغلى عندنا وأنفس من نفوسنا ومالنا وأولادنا وكل شئ لنا أو حولنا، وقد قال صلى الله عليه وسلَّم فى ذلك:
    { لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }
    ولا يؤمن هنا معناها لا يؤمن الإيمان الكامل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يوماً لسيدنا عمر وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِه:
    { أَتُحِبُّني يَا عُمَر؟ قَالَ: لأنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُل شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبيُّ: الآنَ يَا عُمَرُ } .
    أى الآن قد وصلت إلى تمام الإيمان.
    وتمام الإيمان يصل إليه الإنسان إذا كان حب النبى العدنان صلى الله عليه وسل كما وصفنا أغلى عليه من كل غالى فى هذه الدنيا، وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ ما يشغل الإنسان فى دنياه فى آية عظيمة قال فيها:
    { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ } [24التوبة].
    أى لابد وأن يكون حب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وحب الله عزَّ وجلَّ أغلى من كل ذلك، وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سرُّه قال فيه صلى الله عليه وسلَّم :
    { أَحِبُّوا اللّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللّهِ، وَأحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بحُبِّي }
    فحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بالزينة التى زيَّنه بها الله، والأخلاق الكريمة التى جمَّله بها مولاه، والمنن العظمى التى لا تُعد ولا تحد والتى أفاضها عليه مولاه جلَّ فى عُلاه، فحبُّه فى الحقيقة هو حبٌّ لله، وذلك لأننا نحب الأوصاف التى جمَّله بها الله، والمنن التى أكرمه بها الله، والكمالات التى كمَّله بها مولاه، إذاً حبُّه فى الحقيقة حبٌّ لله، لأن لله المنَّة فى الأولى وفى الآخرة.
    دلائل الأحبة
    هذا الحب يا أحبابى لابد أن ينمو ويزيد حتى يصل الإنسان إلى كمال الإيمان، فما الدليل على كمال الإيمان؟. الدليل يا إخوانى أن يأتيه النبىُّ العدنان ليبشِّره بأنه قد استكمل الإيمان، فرؤية النبى صلى الله عليه وسلَّم هى البرهان لأهل الإيمان على استكمال الإيمان وعلى بلوغ الإنسان تمام الإيمان.
    إما إذا كانت رؤية رسول الله والإنسان على حال غير مرضية لله، فرؤية رسول الله فى هذه الحالة هى رؤية هنا منبهة ومذكرة للإنسان بأنه فى حالة معصية أو سهو أو غفلة، ولكن مثل هذا الإنسان يكون له نصيب من تمام الإيمان مادام أن الذى نبَّهه وأيقظه وأخذ بيده هو رسول الله، وهذا دليل على أنه سيبلغ كمال الإيمان إن شاء الله.
    فإذا رأى الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان ذلك دليلاً على كمال الإيمان، ولذلك كان من وظيفته التى ذكرها الله فى القرآن:
    { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

    بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } [45: 47الأحزاب].
    وتبشير المؤمنين لم يحدده الله بأنهم المؤمنين فى زمانه وفى عصره وأوانه، ولكن المؤمنين إلى يوم الدين، يبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بكمال الإيمان.
    وقد يتحمل الرجل منا هذا المقام ويبشره حضرة النبى صلى الله عليه وسلَّم فى المنام وهو بيننا يمشى ويسعى على الأقدام.
    وقد يتحمل الرجل مقاماً أعظم من ذلك، فبعد أن يكرمه النبى صلى الله عليه وسلَّم برؤياه فى المنام يلوح له فى العيان، ولكن ذلك لصنف مخصوص خصهم الله عزَّ وجلَّ بالصفاء الكبير !!!!
    وأذكر فى هذا المقام سيدى إبراهيم المتبولى رضى الله عنه - وكان من أهل الجذب الشديد، وكانت أمه من الصالحات – وقد حكى لها ما رآه عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى المنام، فماذا قالت له؟ اسمعوا!!، قالت له:
    { يا بنى لا تبلغ مقام الرجولية حتى ترى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى اليقظة وليس فى المنام!! }
    فما زال يتعرض لفضل الله، حتى رآه صلى الله عليه وسلَّم فى اليقظة عياناً بياناً، فقالت له أمه عندها:
    { الآن قد بلغت مقام الرجولية }
    ولا أقول يجِدُّ ويكد ويسعى، لأن هذا مقام لا يُنال بالجد ولا بالسعى ولا بالكد، ولكنه فضل من الله، والله ذو فضل عظيم.
    وإنما كل ما عليك أن تتعرض لفضل الله، والتعرض لفضل الله يكون كما قلنا آنفاً - ونعيد بإيجاز لأن هذا الأمر يضل فيه الكثيرون، يقولون نوالها بالفضل وليس بالجد أو الكد فيتكاسلون وينامون وينتظرون فضل الله، والسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ولكن نوالها بالتعرَّض لسحائب الفضل الهاطلة من سماوات الكرم الربانى والفيض الإلهى:
    فالتعرض لفضل الله يكون بوضوح :
    .......بتطهير السريرة وتنقية البصيرة .....
    حتى تصلح لنزول هذه الأنوار المضيئة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :
    - لا يحلُّ فى قلب فيه عيب.
    - ولا يحلُّ فى روح عبد تعلقت بالفانى.
    - ولكن يحلُّ فى القلوب التى خلت من العيوب.
    - ويحل فى الأرواح التى تعلقت بطلعة المنعم الفتاح عزَّ وجلَّ.
    هل هناك وضوح أكثر من ذلك!!... إذاً التعرض هو أن أطهِّر السريرة، وأطهِّر القلب وأجعله صالحاً لهذه الأنوار.
    ونوال الطهارة الكلية على الله، ... لكن الله عزَّ وجلَّ لا يرجو منا إلا النيَّة، والبداية النيَّة .... والبداية النيَّة ... والبداية:
    { إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات }
    المهم أن ينوى الإنسان نيَّة صادقة، وبعد النيَّة الصادقة عليه أن يبدأ، والباقى يكمله الله عزَّ وجلَّ، ويكفينا فرحاً وفخراً وتيهاً وشرفاً قول الله جلَّ فى علاه فى الحديث القدسى:
    { إذا تقرَّب العبد إليّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذِراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقرَّبتُ منه باعاً، وإذا أتاني مشياً أتيتُهُ هَرْوَلَةً }
    كل ما فى الأمر أن تنوى وتبدأ وتستمر وتداوم!! ولا تكسل فتفتر فتتوقف، وربما أوشك الفضل أن يتنزل إليك! ولكن النفس تثبط همتك وتقول: لم يأتك شىٌ ولن يأتك، فتعود أدراجك من حيث بدأت!!!
    فالله عزَّ وجلَّ لا يبادئ الكسالى!! .. ولا يبادئ القاعدين، لكن يبادئ المتذكرين والحاضرين والمتنبهين والمواصلين، البادئين بداية جدٍّ وإيقان، رغبة فى الوصول إلى رضاء الكريم الحنان وإلى كمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    وكمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يا إخوانى القراء هو بداية الولاية الخاصة - ولا أقول الولاية العامة، لماذا؟ لأن المسلمين أجمعين فى مقام الولاية العامة، فكل مسلم يقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) له نصيب فى الولاية العامة - لكن الولاية الخاصة بدايتها أن يتعرف الإنسان المعرفة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
    وقد ذهب رجل إلى سيدى أبى الفتح الواسطى فى العراق، وقال: يا سيدى: أريد أن أتربَّى على يديك، فنظر الشيخ إلى الأرض وأطال، ثم رفع رأسه وقال: أنت لست تلميذى، وإنما تلميذ أخى عبد الرحيم القنائى فى قنا فى بلاد مصر!!! - وكانوا صادقين، لا يريدون جمع مريدين!! وإنما يريدون القيام بالكشف الذى سلَّمه لهم سيد الأولين والآخرين، وهذا يكفيهم عند الله عزَّ وجلَّ، لأن الله أقامهم فى هذا المقام.
    فسعى الرجل حتى جاء إلى قنا فى صعيد مصر، ولما وصل إلى سيدى عبد الرحيم القنائى رضى الله عنه - وكان سيدى عبد الرحيم من أصحاب الأحوال الخاصة إذ كان يقول:
    { لى مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ليلتان كلَّ أسبوع، يأتينى ليلة الإثنين وليلة الجمعة فأعرض عليه كلَّ ما استشكل علىَّ من الأسئلة فيجيبنى عنها جميعاً صلى الله عليه وسلَّم }.
    وقد ذكر رضى الله عنه هذه الأسئلة فى كتاب مخطوط نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُخرجه للنور قريباً إن شاء الله ربُّ العالمين، فلما وصل إليه مريده قال له: يا بنى هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المعرفة الحقيقية؟ قال: لا! قال: فاذهب إلى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المعرفة الحقيقية.
    فرجع المريد بلا تكاسل ولا تململ، وبعزيمة وإصرار إلى بيت المقدس – من قنا إلى القدس ولم يراجع شيخه بكلمة واحدة- ورجع متعرِّضاً لفضل مولاه، وفى ذات يوم، نام هناك تحت الصخرة – والموجودة الآن بأسفل القبة المعروفة بقبة الصخرة ، وهى الصخرة التى تعلقت بقدم النبى عندما كان عارجاً إلى السماء فأشار إليها فوقفت بين السماء والأرض لا يسندها شئ حتى بنى تحتها اليهود الأعمدة ليخفوا تلك المعجزة عن الأبصار– قال:
    فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم نوراً، وقد أخذ هذا النور يتسع حتى ملأ ما بين السماء والأرض. فلما أن كان ذلك وبعد هذه الرؤيا رجع إلى شيخه رضى الله عنه فى قنا بصعيد مصر، فقال: يا بنى هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المعرفة الحقيقية؟ قال: نعم، قال: إذاً نبدأ معاً السير إلى الله عزَّ وجلَّ.
    إذاً فبداية السير والسلوك لخاصة الصالحين: هى رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، لماذا؟ لأن الطريق إلى الله عزَّ وجلَّ طريق باطنى!!، وإن شئت قلت طريق معنوى!!، وإن شئت قلت طريق خفىّ!! لا يطلع عليه إلا كل صفىّ!!.
    إذ إلى أين تمشى؟ فإن الله عزَّ وجلَّ لا تحيِّزه جهات، ولا تشير إليه عبارات، ومن أين تمشى؟ وما محطة السفر؟ وما محطة الوصول؟ وما بين ذلك؟ وما العقبات التى تواجهك فى خلال ذلك؟
    لا يطلع على ذلك إلا من سلك هذا السبيل، والذى يقول فيه الله عزَّ وجلَّ وهو نِعم الدليل: { وَأَنَّ هَـذَا } صلى الله عليه وسلَّم { صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ } [153الأنعام] ولذلك لم يقل فامشوا عليه لو كان معناه الطريق المعروف!!، وقد قال الله عزَّ وجلَّ فى هذا الشأن: { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } [الأعراف]، ورحمة اسم مؤنث فى اللغة، ولكن الله فاجأنا وأدهشنا فقال (قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)!! فلم يقل "قريبة" ولكن (قريبٌ) صلى الله عليه وسلَّم من المحسنين الذين بلغوا مقام الإحسان؛ فقريب بالمذكر أى هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وهو قريب من المحسنين.
    ولكى يمشى الإنسان إلى طريق الفتح الإلهى وطريق الغيب النورانى؛ لابد وأن يأتم بالنبى وأن يأخذ النبى صلى الله عليه وسلَّم بيده ليسلك به فى هذه الغيوب، وإلا فإنه سيتعثر من أول خطوة فى الطريق، ولن يستطيع أن يصل إلى أى شئ، وإنما سيقف مع حظه وهواه. فكانت رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلَّم للمحققين هى بداية السير والسلوك إلى الفتح الإلهى النورانى من ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.
    أما أهل الولاية العامة فإنهم ربما لا يستطيعون الوصول إلى هذا المقام، ولكنهم إذا أحبوا بإخلاص حضرة النبى فإن الله يوافيهم بالنبى عند خروجهم من الدنيا ودخولهم إلى البرزخ، فيشهدونه صلى الله عليه وسلَّم عند الختام، فيكون ختامهم مسك، ويختم الله عزَّ وجلَّ لهم بخير، ويكون النبى صلى الله عليه وسلَّم هو المعنى بقول الله:
    { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } [27إبراهيم].
    وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يا إخوانى عند أهل التحقيق فى الطريق يعنى الإنشغال بكمالات حضرته وليس إنشغال العوام عندما يتغنون هياماً بالمصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ولا يستحضرون بقلوبهم أوصافه وجمالاته وكمالاته التى جمله بها الملك العلام، لكن حقيقة الحب للنبى يجعل الإنسان الصادق منا يستحضر الجمالات التى جمل الله بها النبى ويحاول جاهداً أن يتجمل بها فى نفسه وهذا هو سر بلوغ مقام الولاية العظمى.
    مقامات الولاية العظمى
    وبلوغ مقام الولاية العظمى ليس بالعبادات لأن ذلك مقام العُبَّاد، والعُبَّاد لهم أجرهم يوم القيامة عند الله، ويزيدهم الله أضعافاً مضاعفة فى جنات النعيم، لكن بلوغ المراد أن يبلغ الإنسان مقام:
    { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [32فاطر]
    وراثة الكتاب، أو أن يبلغ الإنسان مقام يُعلِّمه فيه ملك الإلهام:
    { آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [65الكهف]
    أو يبلغ الإنسان مقاماً أعلى لا يصل إليه ملك الإلهام، بل يُعلِّمه الله فوراً:
    { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ }[282البقرة]
    أو يصل الإنسان إلى مقام البصيرة النورانية وراثةً للحضرة المحمدية، سرَّ قوله:
    { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي }
    [108يوسف]
    ولم يقل "أنا ومن آمن بى"!!.. لماذا؟
    لأن هناك فرق بين من آمن بى وبين من اتبعنى!!، فاتبعنى مقام خاصة الخاصة، وآمن بى هو مقام العامة، ولذلك يقول الله عزَّ وجلَّ للخاصة:
    { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي }
    [31آل عمران]
    والمتابعة لابد أن تكون متابعة جامعة، فإن المتابعة فى المظهر والشكل متابعة ناقصة لأنها فى المظاهر، لكن المتابعة فى المظهر العام تكون فى العبادات والأخلاق والمعاملات، والمتابعة الخاصة تكون فى تقلب القلب وفى حركات النفس، ولذلك يقول قائل من الصالحين عندما سُئل عن سهو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى الصلاة: لِـمَ سهى فى الصلاة؟! مع أنه قال فى الحديث:
    { لست أَنْسَى ولكن أُنَسَّى لأَسنَّ }
    وإلا كيف كنا نعلم هذه التشريعات العظيمة فى السهو وغيره!، فسُئل الرجل الصالح :كيف سهى رسول الله فى الصلاة! مع أننا نعلم أنه تنام عينه، وقلبه لا ينام - عن ذكر مولاه عزَّ وجلَّ؟ فقال الرجل:
    يا سائلى عن رسول الله كيف سها
    والسهو من كل قلب غافل لاه

    قد غاب عن كل شئ سرُّه
    فسها عما سوى الله فالتنزيه لله

    والمعنى أنه صلى الله عليه وسلَّم قد استغرق فى جلال الله، وكوشف بجمال مولاه فأُخذ فى هذا الجمال عن نفسه وعن حسه ليحصل له السهو الذى نراه فى الصلاة! ليسن لنا ويشرِّع لنا كيفية قضاء السهو إذا سهونا فى الصلاة!! لكن شتان بين هذا وذاك، لأن هذا سهو نعلمه جميعاً، أما سهو رسول الله فهو سهو عن الدنيا والمشاغل والأكوان، شغلاً كليَّاً بحضرة الرحمن عزَّ وجلَّ.
    المتابعة الرافعة
    ولذلك فإن المتابعة الخاصة لخاصة الخاصة هى المتابعة القلبية فى الخوف والرجاء، وفى الإقبال على الله وفى الإخبات لله، وفى التواضع بين يدى الله، وفى الخشوع لجلال الله وكمال الله ... وهذه هى متابعة خاصة الصالحين، وهى متابعة لا يطلِّع عليها الخلق ولكن يراها وينظر إليها ويمنح بسببها الحق عزَّ وجلَّ، فإن الحق عزَّ وجلَّ عندما أعلى شأن الصلاة قال فيها:
    { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [1، 2المؤمنون]
    إذاً المتابعة الأعظم لا تكون إلا فى الخشوع والخضوع والحضور بين يدى من يقول للشئ كن فيكون، وفيها يقول صلى الله عليه وسلَّم لمن أراد أن يتبعها:
    { أنا أعلمكم بالله وأشدُّكم له خشية }
    إذاً المتابعة فى هذا الباب فى الخشية ... أهذا واضح؟؟
    فى الخشية! وليست فى العبادات! وليست متابعة فى العادات وليست متابعة فى السنن الظاهرات، ولكنها متابعة فى خشية الله عزَّ وجلَّ فى الغيب وفى الشهادة، وفيها يقول الإمام أبوالعزائم رضى الله عنه:
    ما غاب عنى حبيبى
    لكنه كلَّفنى

    فصرت بعد يقينى
    بالفضل قد عرَّفنى

    أنا بمن فى وجودى
    من بالصفا أتحفنى

    تلك التكاليف رمز
    لَمَّا بها شرَّفنى

    فيتابع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى ظاهره وفى باطنه,
    أما متابعته صلى الله عليه وسلَّم فى سيره نحو ربه عزَّ وجلَّ فإن هذا أمر لا يكفيه بيان، ولا يستطيع أن يتحدث عنه لسان، وإنما يقول فيه أهل العيان: (ذق تعرف)!! وهذا مقام ذوقى لأن الأسرار لا يطلع عليها إلا من غاب عن سوى الله، وكان سرُّه باق بمولاه جلَّ فى علاه، وإجمالاً نقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كما قال سيدى أبو الحسن البكرى رضى الله عنه:
    وأنت باب الله أيُّ امرئٍ
    أتاه من غيرك لا يدخل

    جمال العبودية
    ولا يستطيع الإنسان أن يدخل على حضرة الله إلا بعد كمال معرفته برسول الله. وأزيد الأمر وضوحاً فأقول:إن الله عزَّ وجلَّ لا يُدخل حضرته إلا من تجمَّل بجمال العبودية، كيف نتجمل بجمال العبودية؟
    إذا أردنا ذلك علينا أن ننظر إلى من جمَّله الله بكمال العبودية، ونتأدب بآداب العبودية من حضرته، ونتابعه فى مسيرته.
    وهذا هو الباب أن يجد العبد المتجمل! ويتابعه بالذهاب والإياب، فإذا صار الإنسان منا عبداً لله متابعاً فى العبودية والآداب لحبيب الله ومصطفاه فُتح له الباب، وأُذن له بدخول الرحاب، وصار من الأحباب، لأنه تابع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى هذا الباب، بمتابعة ذلك العبد المناب من النبى الأواب.
    { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } [19الجن]
    من عبْدُ الله هنا؟ هو رسول الله:
    { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } [1الإسراء]، { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } [1الفرقان]، { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ } [1الكهف].
    إذاً فثياب العبودية هى التى يلبسها أهل الوصول لنيل الخصوصية عند دخولهم الحضرات القدسية، ولذلك يقول أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه:
    { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى المنام وقلت: يا سيدى يا رسول الله، أريد الوصل بحضرة الله، فقال: يا على: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } [4المدّثر]، طَهِّرْ ثيابك مِنْ الدَّنَس تحظَى بمدد الله فى كل نَفَس، قال قلت: يا رسول الله وما ثيابى؟ قال: طهِّرْ ثياب العبودية – وليست الثياب التى نلبسها – وتأدب بآداب أهل الخصوصية تحظى بالوصل بالكلية بربِّ البرية عزَّ وجلَّ}.
    وهذه هى مراتب الخاصة!! آداب خاصة يتابعون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ليحظوا بنفَس! أو بعض نفَس! أو بشميمٍ! أو بذرة !! مما حباه به مولاه، والذى قال له فيه فى كتاب الله:
    { هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [39ص]
    فقال صلى الله عليه وسلَّم فى خطابه لأولى الألباب - كما ذكرنا سابقاً: {اللهُ المعطِي وأنا القاسمُ} ، فهو الذى يقَسِّم هذا العطاء - من النور والضياء والصفاء، والمكاشفات والمشاهدات، والمؤانسات والملاطفات، وغيرها من أنواع الغيوب العليات، على حسب تأهيل العبد لنفسه فى مقامات العبودية لمولاه عزَّ وجلَّ، ولذلك قال أحد الصالحين:
    وكن عبداً لنا والعبد يرضى
    بما تقضى الموالى من مراد

    إذاً فالأساس كلُّه هو مقام العبدية، والإمام فى مقام العبدية هو سيد البرية صلى الله عليه وسلَّم ، فهناك عبدية! وهناك عبودية! وهناك عبودة!!
    وهى كلها مقامات جعلها الله عزَّ وجلَّ لأهل الوصل والإصطفاء ودرجات، منهم من يكون فى مقام المعية:
    { إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } [128النحل]
    ومنهم من يكون فى مقام العندية:
    { إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [206الأعراف].
    ومنهم من يكون فى مقام اللدنية:
    { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } [6النمل]
    أين جبريل هنا؟ ليس له فى هذا المقام قبيل ولا مقيل!!.
    فكل هذه المقامات لابد وأن يتابع الإنسان فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لأنه فاتح أبواب القرب ومعه مفاتيح كنوز الغيب، وآتاه الله عزَّ وجلَّ واصطفاه وعلَّمه ليُعَلِّمنا ويأخذ بأيدينا، ولذلك قال له: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [88الحجر]، وذلك ليحملهم على جناحه فيصلوا بفضل الله إلى نور الوصل من حضرة الله.
    وهنا لطيفة رائعة مفيدة أحب أن أضيفها قبل أن ننهى هذا الفصل الأخير بالكتاب، أو قُلْ إشارة فى معنى المعيَّة وكرم الحضرة المحمديَّة مناسبة لهذا المقام، وقد جاءتنا فى سؤال وجه إلينا، إذ قال السائل بارك الله فيه:
    أن سيدنا رسول الله قال مطمئناً لسيدنا أبى بكر وهما فى الغار أثناء الهجرة: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وكان سيدنا أبوبكر رضى الله عنه حزيناً بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلَّم قال له: "لا تحزن إن الله معنا" !، فما السرُّ فى ذلك اللبس؟!، لأن المقام هنا مقام خوف وليس مقام حزن!!
    وأجيب هنا: بأن سيدنا أبا بكر رضى الله عنه لم يكن عندها خائفاً، وإنما كان حزيناً من أجل رسول الله، لأنه لا يستطيع أن يفعل من أجله شيئاً - والحزن لا يكون إلا على الغير - بدليل إن الأولياء قال الله فى شأنهم: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [62يونس]، فلا يخاف الواحد منهم على نفسه، ولا يحزن على محبيه ومريديه الصادقين، لأن الله سبحانه وتعالى سيُشَفعه فيهم، ويأخذ بأيديهم معه إلى المقام الكريم.
    إذاً سيدنا أبو بكر لم يكن يخشى على نفسه، وإنما كان يخشى على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولذلك قال له الحبيب: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } [40التوبة. وهنا الإشارة الراقية التى أودُّ أن ألفت إليها قلوبكم، وفيها يظهر المقام الأعظم لرسول الله وعطفه علينا وتنزله لنا، وكيف يخفض جناحه للمؤمنين ليأخذهم معه إلى أعلى المقامات!!.
    فسيدنا موسى عليه السلام قال: { قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [62الشعراء]، يقول: (إِنَّ مَعِيَ - من؟ أنا وحدى - رَبِّي سَيَهْدِينِ)، (معى) مقام الربوبية!!، لكنه صلى الله عليه وسلَّم لما خاطب سيدنا أبا بكر رضى الله عنه أدخلنا جميعاً أى أدخل كل الأمة المحمدية فى قوله: (إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) مقام الألوهية، فنحن جميعاً فى هذا المقام.
    فهنا تتجلى رحمة الحبيب وشفقة الحبيب وحنانه بنا لأن سيدنا موسى عندما قال: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، أسقط حتى أخاه هارون من حساباته، مع أنه كان وزيره! وكان نبياً أيضاً! أما رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقد قال: (إِنَّ اللّهَ مَعَنَا)، وانظر إلى الفرق بين هذا وذاك!! فنحن أمة الحبيب فى مقام المعية الإلهية: { ما ظنك باثنين الله ثالثهما } ، فكانت النتيجة:
    { فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [40التوبة].
    فنزلت عليه هو بذاته سكينة الله وتأييده ونصرته، ثم منه صلى الله عليه وسلَّم توزعت تلك السكينة والعطايا والهبات إلى من معه فى تلك المعية، وكل من هو فى معيته، أو إندرج تحت لواء أمته، معرضاً نفسه لفضل الله وبركته، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!!.
    وصلَّى الله على سيدنا محمد الشفوق الرءوف الرحيم بأمته، وعلى آله الأبرار وصحبه الأطهار، وكل من تابعهم واقتفى أثرهم وسار على دربهم فى هذا المضمار، وسلم تسليما كثيراً إلى يوم العرض والقرار.
    إنتهى الكتاب تذكرة لأولى الألباب وكل عبد أوَّاب نوى بصدق دخول الباب! والله المستعان على بلوغ الرحاب والصلاة والسلام على شفيع كل تواب.

    فهرس الكتاب

    الفصل الأول: بَشريَّةُ النبى صلى الله عليه وسل النورانية
    بشـرية النبى النــورانية 6
    قضية بشـريته صلى الله عليه وسلَّم 7
    نورانية بشريته صلى الله عليه وسلَّم 12
    حفظ الله لمقام نبيه صلى الله عليه وسلَّم وسل 17
    بركة ريقه الشــريف صلى الله عليه وسلَّم وسل 19
    خصوصية عَـــرَقه صلى الله عليه وسلَّم وسل 23
    سمعه الشـريف صلى الله عليه وسلَّم وسل 26
    صوته المبـارك صلى الله عليه وسلَّم 28
    واجبنا نحو الرسول صلى الله عليه وسلَّم وسل 29
    مقام العبوديـة لذات الله عزَّ وجلَّ 30
    الفصل الثانى: نعمة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
    نعمة الميلاد 38
    أسرار الذكرى 39
    أفراح الــروح
    41
    بشــارات وإكرامات 43
    بركة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه سلم 46
    من مهام النبى صلى الله عليه وسلَّم 48
    الفصل الثالث: نور الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلَّم
    نور الصلاة على النبى 55
    صلاة الله على نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم 57
    صلاة الصــلة للمؤمنين 59
    أنوار الجمال 62
    الفصل الرابع: بشريات لأهل العنايات
    بشريات لأهل العنايات 69
    بشائر المؤمنين 71
    أهل الفضــــل 72
    التعرض لفضل الله 73
    الفصل الخامس: وصف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
    وصف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سل 82
    صور الحبيب صلى الله عليه وسلَّم 83
    وبالحق أنزلناه وبالحق نزل 85
    البحث عمن رأى الحبيب! 87
    وصف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سل البشرى 93
    أوصافه المعنوية 96
    الأسوة الحســــنة 101
    الفصل السادس: فى رحاب الحبيب صلى الله عليه وسلَّم
    فى رحاب الحبيب 105
    حب المقربــين 106
    دلائل الأحبـــة 108
    مقامات الولايـــة العظمى 114
    المتابعة الرافعـة 116
    جمـــال العبوديـــة 118
    الخاتمـــــــة
    ترجمة الشيخ المؤلف 123
    قائمة مؤلفاته الشيخ رضى الله عنه 124
    مفتاح إسماء مراجع الحديث 127
    محتويـــــات الكتاب 127

    All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


    للأعلي