Advanced search

دروس Related

  • ما معنى قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم؟

    More
  • خطبة الجمعة_الوفاء من القيم الإسلامية و الأخلاق القرآن

    More
  • دور المريدين في نشر علوم الصالحين

    More
View all

New الدروس

  • ما معنى قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم؟

    More
  • دور المريدين في نشر علوم الصالحين

    More
  • حال الصالحين الكُمل

    More
اعرض الكل

Most visited

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

آداب وصفات المريد مع شيخه ومراحل السير إلى الله

Visits number:26 Downloads number:2
Download video Watch Download audio Listen
آداب وصفات المريد مع شيخه ومراحل السير إلى الله
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

سؤال ورد إلينا يسأل عن التصوف في الدين، وأن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الله إلا بالتصوف، وأن لابد له من الشيخ المربي المرشد، وأن فيه مراحل للسير إلى الله عز وجل، فأين هذا الكلام في كتاب الله؟

فسنُجيب عن هذا السؤال حتى ينتبه الجميع من آيات في موضع واحد من كتاب الله، وهي آيات سيدنا موسى والعبد عليهما السلام.

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيحَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) (الكهف).

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

سنقف وقفة قصيرة لإجابة الأسئلة التي ذكرناها، أما شرح الآيات شرحاً تفصيلياً فليس هذا وقته، وقد أشرنا إلى كثير ممن فيها من الحكم العلية في كتابنا * أسرار العبد مع موسى *.

فنذكر قبساً من هذه الأسرار لمن أضاء الله قلبه بأنوار النبي المختار، واختاره وجعله في كتاب الأبرار ـ نسأل الله أن نكون منهم أجمعين.

موسى نبي الله وكليم الله، ومن أُولي العزم من المرسلين، فهل يحتاج إلى معلمٍ آخر ليُعلمه؟ فهو الذي يتلقَّى مباشرةً من مولاه بدون جبريل، لكن الله عز وجل أراد أن أن يُعلمنا أن هناك علومٌ شرعية يتنزَّل بها الوحي من السماء على الأنبياء والمرسلين.

وهناك علومٌ إلهية يبثُّها الله في قلوب العاملين بهذا الشرع الذي آتاهم بواسطة النبيين.

ولذلك رأينا في العصور الزاهرة في أزهرنا المبارك أن شيوخ الأزهر في الأزمان المباركة كانوا كلهم فقهاء وعلماء في الجانب الشرعي، وسالكين ومريدين ثم أولياء في الجانب الإلهي، فجمعوا بين الحُسنيين.

وعلى هذا النمط أيضاً كان أقطاب المذاهب الأربعة الفقهية، أولهم الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه، وكان عالماً لا يُشق له غبار فقال فيه الإمام مالك:

[إن أبا حنيفة لو أراد أن يُبرهن على أن هذا العامود ذهباً لفعل].

من قوة حجته، وكم أخرس الملحدين والكافرين والسيرة مملوءة بهذا الكلام، وكان مع ذلك يُصلي الفجر بوضوء العشاء أربعين عاماً، وكان من أولياء الصالحين مجاب الدعوة.

والإمام مالكٌ كذلك كان يقول: ما بتُّ ليلة إلا ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في المنام من أدبه مع حضرته، فكان يمشي في المدية حافياً يرفض أن ينتعل ويقول: أخشى أن أطا بنعلي على موطئ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولا يقضي حاجته إلا خارج المدينة إكراماً لساكن المدينة صلى الله عليه وسلَّم، فكان عالماً فقيهاً يُقال له: [لا يُفتى ومالك بالمدينة] ووليٌّ يتمتع بوجه النبي كل ليلة.

والإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، كان عالم قريش حسب حديث النبي ـ (الذي يملأ الأرض علماً ونورا) ـ وهو أول من خلط الحديث بالفقه وعزل الآراء، وجاء بالفقه المعتدل الذي نراه إلى يومنا هذا، وأسَّس القواعد الفقهية لأنه مؤسس علم الأصول، وكان مع ذلك ولياً من أولياء الله كراماته لا تُعد ولا تُحصى.

وكذا الإمام أحمد بن حنبلٍ رضي الله عنه جمع ستمائة ألف حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم بسندها، وجمع الأصول الفقهية في زمانه وتتلمذ على الإمام الشافعي في آخر حياته، وكان ولياً من أولياء الله مُجاب الدعوة.

هذا هو السلوك المعتدل للفقهاء الأربعة ولمشايخ الأزهر قديماً وحديثاً، وماذا؟

لابد للإنسان أن ينظر بالعينين، ربنا أعطاني عينين فهل أنظر بعين واحدة وأُغلق الأُخرى؟ لماذا؟ عينٌ للشريعة وعينٌ للحقيقة، آخذ الشريعة ثم أعمل بها، فيفيض الله تبارك وتعالى عليَّ بعلوم أهل الحقيقة.

فسيدنا موسى كان كليماً لله ونبياً وصاحب شرع، ولكنه لم يتعلم علوم الحقيقة، لأنها لابد لها من وليٍّ مرشد:

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾ (17الكهف).

ولذلك وقع في أمرٍ لا يقع فيه صغار السالكين، يسأله قومه: من أعلم الناس يا موسى؟ قال: أنا، فلا يوجد سالك تأدب على يد الأولياء والصالحين يقول ذلك، فيجب أن ينسب العلم إلى الله ويقول:

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ (76يوسف).

أنا ماذا معي؟ هب أنك معك علوم الأولين والآخرين، وقطع رب العزة تبارك وتعالى الإرسال بين خزانة علومك التي في قلبك، وبين عقلك وفكرك ولسانك، فبماذا تنطق؟ وفي ماذا تتكلم؟

فالبيان لابد أن يتصل بما آتى الله الإنسان من علوم التحصيل أو من علوم الهبات، والذي يقوم بذلك هو رب العباد تبارك وتعالى.

ولذلك نجد الصوفية وأتباعهم دائماً منكسرين إلى الله، يرون أنفسهم على سجادة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وينسبون كل فضلٍ وكل طولٍ وكل حولٍ وكل قوةٍ إلى حضرة الله، وكل عجزٍ وكل ضعفٍ وكل جهلٍ وكل ذنوبٍ إلى أنفسهم، وهذه تحتاج إلى أدب عالي على أيدي الصالحين، لأنهم حملة هذا اللواء عن سيد الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلَّم.

فلما قال موسى: أنا أعلم أهل الأرض ـ أراد الله سبحانه وتعالى أن يُعرفه حقيقة نفسه، فأمره أن يتوجه إلى العبد، والعبد ليس عنده ساحة ولا مدرسة ولا خدم ولا حشم ولا حتى أحد يعرفه في المكان الذي هو فيه، أين العبد؟ قال له: إمشي حتى تشعر بالتعب وبالجوع فتعرف أن هذا المكان فيه العبد، وخذ معك سمكة مشوية في مقطف وخذ معك تلميذك النجيب وهو يوشع بن نون ويحمل معك المقطف عنك.

مشى سيدنا موسى ومعه تلميذه، بعد فترة شعر بالجوع وشعر بالعطش، فقال له:

﴿ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴾ (62الكهف).

أنت تعبت وجعت، قال:

﴿ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ (63الكهف).

أين نسيته؟ قال له: كان هناك رجلٌ يتوضأ على شاطئ البحر، وطارت قطرات من ماء وضوئه فأصابت الحوت، فاحتيا وقفز إلى لبحر بأمر الله من قطرات الوضوء، فقال له: هذا هو الرجل الذي نريده، إرجع بنا إلى هناك:

﴿ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64الكهف).

وجد العبد نائماً على كوم تراب، لا معه خدم ولا حشم ولا بوابين، لنعرف أن هذه أوصاف العبيد في كل زمان ومكان لا يعرفهم إلا حضرة الرحمن.

فما بال الذي يعمل لنفسه زياً خاصاً، ومن يتخذ خلوة شكلها كذا وخدم وحشم والدخول بالإذن، فهذه كلها أمورٌ شكلية وليست في السنة النبوية، ولا في أحوال الصالحين الصادقين، لكن هؤلاء هم العبيد.

فألقى عليه السلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام يا موسى بن عمران، قال: ومن الذي عرفك بي، قال: الذي أرسلك إليَّ، وجاء بالآيات، فقال: أتأذن لي ـ وهذا الأدب، والأدب قبل الطلب، وهذه أول صفة مطلوبة من المريد، فقال: هل تأذن لي:

﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ ـ ولم يقُل فقها، ولا علما، وإنما قال: رُشْدًا (66الكهف).

والرشد هو علم الحقائق، الحقائق الإلهية الغيبية وليس العلم الشرعي العادي، والشيخ لا يمكر بمريده ولا يجامله، وإنما لابد أن يصارحه بالحقيقة، فمن تحمَّل يصلح للطريق، ومن لم يقبل النصيحة، يقول له: إنك لن تستطيع معي صبرا:

﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67الكهف).

فالطريق يحتاج للأدب أولاً، وبعد ذلك الصبر:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ (24السجدة).

معظم إرتداد من هذا الباب، وهو يظن أنه عندما يصاحب الشيخ يوم وليلة يكون وليٌ من الأولياء ويعطوه عيون يرى بها ما لايراه الناظرين، لماذا؟

فأنت لو مشيت في طريق ووجدت كنزاً لا تدري قيمته ستنفقه كله، لكن إذا جمعت المال من عملك وكدَّك، ستصرفه بحساب، وعلوم الحقائق لا ينبغي أن تُنفق وتُصرف إلا لأهلها، إذا لم تتربَّى التربية السديدة، ستأخذك العزة بالإثم وتريد أن تظهر أمام الناس أنك شيخ وتتكلم بالعلوم الوهبية، وتريد أن يلتف الناس من حولك ويلتمسون منك الكرامات وصالح الدعوات، وهذه كلها أعمال نفسية ليس لها شأنٌ بأهل القلوب التقية النقية.

مشى معه موسى كما تعلمون، وحتى لا أُطيل لأن القصة طويلة، فلابد للسالك ولو كان أعلم العلماء بشريعة الله، فلن يكون أعلم من موسى، أن يذهب إلى عارفٍ بالله عرف بقلبه وبتعريف الله مولاه، فيأخذه إلى الطريقة السديدة لمعرفة الله والإتصال بسيدنا مولانا رسول الله.

ويحتاج مع هذا إلى الأدب وإلى الصبر الجميل، لا تخاطبه نفسه في يومٍ من الأيام وتقول له: لقد شبت في الطريق وبقي لك كذا وكذا ولم تُحصل شيئاً مما يراه العارفون، فالله عز وجل وهو أعلم بك جعل لك عنده سرٌّ مكنونٌ مخزونٌ مصون، لا يكشفه لك إلا إذا إطمأن أن نفسك ماتت بالكلية، حتى لاتكون فيك الشهوات الخفية.

فلا تُعطي البضاعة إلا لأهلها، ولذلك الخضر ـ كما قيل في بعض الروايات ـ يُوضح لموسى في الآيات مراحل الطريق إلى الله تبارك وتعالى:

في أول الطريق: يكون إنسان له إرادة وله رأيه وله أفكاره التي يريد تنفيذها، ومن يمشي في طريق الله لابد أن يترك هواه لهوى رسول الله، ورسول الله ترك هواه لما يُحبه مولاه، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به).

وهذا الإيمان الكامل، يعني لا يؤمن الإيمان الكامل، فقال له:

هذه الثلاث أمور أنت عملتهم يا موسى:

أولاً السفينة: إذا كنت تعيب على أنني خرقت السفينة فأنت خرق الله لك السفينة التي وضعتك فيها أمك لتصل إلى بيت فرعون، ألم تكن سفينة؟ وضعته في صندوق وربطته بحبل، فإذا حضر المفتشين تترك الحبل في النيل، فيمشي المفتشين تشد الحبل لترضعه، فجاء الموج وقطع الحبل، ومشى الصندوق وظل يمشي حتى وصل لبيت فرعون، فهي سفينة وخرقها الله سبحانه وتعالى.

ثانياً الغلام: فإذا عبت أنني قتلتُ الغلام، فأنت الآخر قتلت نفساً بغير حق.

ثالثاً بناء الجدار: وإذا عبت أنني أقمت الجدار وهؤلاء الجماعة لم يطعمونا، فأنت ذهبت عند بنات شُعيب ورفضت أن تأخذ الأجر، ولم يأتيه بأمور من الخارج، ولكن أتى له بأمور هو فعلها.

فهذا سيدنا الخضر رضي الله عنه وأرضاه.

في الآية الأولى قال:

﴿ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ (79الكهف).

فيكون لك إرادة فلابد أن تجاهد نفسك حتى تمحو إرادتك بإرادة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وبعد ذلك:

وفي الآية الثانية:

﴿ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا ﴾ (81الكهف)

إرادتك إتحدت مع إرادة رسول الله، وبعد ذلك تفنى عن إرادتك بالكلية لمراد الله:

وفي الآية الثالثة:

﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ ﴾ (82الكهف).

وهذه مراحل الطريق، ولذلك عندما سألني بعض الأحباب في الأسبوع الماضي: هل نحن مشايين صح؟ فأقول له: إسأل نفسك، هل الصح لك أن تمشي كما تريد؟ أم كما نحن نريد؟ قال لي: لا ـ كما تريدون.

فقلت له: خلاص زن نفسك، إذا كنت ماشي حسب ما تريد، فأنت تمشي على حسب هواك، فلن تنال مناك، فإذا كنت ماشي كما نريد، فنحن لا نريد شيئاً، نحن نمشي كما يريد سيد الأولين والآخرين، وسيد الأولين والآخرين ماشي كما أراد منه رب العالمين، فقد أصبحت داخلاً في السُلة المقربين من الله تبارك وتعالى.

ولذلك قليل من يسلك هذا الطريق لأن الأغلبية ماشي على حظه وهواه.

وما السفينة التي أعيبها؟

﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا (79الكهف).

السفينة التي هي نفسك، ولا صلاح لك إلا إذا مشيت بما يخالف هوى نفسك:

خالف هواك وحاذر أن توليه ـ وهذا الأساس الأول ـ فإن الهوى ما تولى يُصم أو يَصم

سفينتك أنت وهذا كلام إشاري للسالكين، وأنت محتار أنك تخالف هوى نفسك:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ (40النازعات).

ومَن المساكين الذين هم فيها؟

الجوارح والقلب والروح، لأن النفس إذا سيطرت لا يستطيعوا أن يخالفوا، فالنفس تقول للعين أنظري فتنظر، وتقول للأُذن إسمعي فتسمع، فلابد هنا مخالفة النفس.

وهذا أول جهاد في طريق الله تبارك وتعالى للسالكين، وهذا جهاد شديد لا يستطيع الإنسان أن يسلكه بمفرده، لقول الله تعالى:

﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ (32النجم).

إياك أن تُزكي نفسك بنفسك فلن تستطيع، فمن الذي سيُزكي؟ ربنا قال: ويزكيكم فهو الذي يُزكي صلى الله عليه وسلَّم، أو من يقيمه مقامه بعد تزكية نفسه، لكنك لن تسطيع لأن هوى النفس صعب، وشهوات النفس أصعب، وحظوظ النفس أعظم، فأنت محتاج لمن يُخرجك من هذه المتاهات حتى تنتهي نفسك.

سيدي أبو اليزيد البسطامي يقول: يا رب أنا أريد أن أتقرب إليك، فماذا أفعل؟ قال:

[يا أبا يزيد أُترك نفسك وتعالى].

وسيدنا أحمد إبن عطاء الله السكندري قال:

[مكتوبٌ على باب حضرة القدوس، لا يدخله أرباب النفوس].

أصحاب النفوس ليس لهم في هذه السكة، من كانت نفيه معه ودخل الجنة، قال له:

﴿ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ﴾ (18الأعراف).

وكان داخل الجنة، فلابد من جهاد النفس في البداية، وجهاد النفس بماذا يكون؟ بأننا لا نستمع لنصحها:

كم حســـــــــــــــــــــــــنَّت لذَّة للمرء قاتلة      من حيث لا يدري أن السم في الدسم

تُحسِّن لك الأمر ويُهيأ لك أنك ماشي صح، وأنت لا تدري، فمن ذا الذي يعرف؟ الخبير، يقول لك: لا هذا من هوى النفس، ففيها كبر وفيها زهو وهذه كلها حُجبٌ تقطعك عن الله سبحانه وتعالى.

وأما الغلام الذي نريد قتله وهو الهوى، [فالذي معه الهوى فليس له دوا] ـ تريد الدوا فلابد أن تخرج من الحظ والنفس والهوى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) ـ وهذان الإثنان ـ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ (41النازعات).

بعد أن تجاهد نفسك وتجعل إرادة الحبيب الأعظم هي المسيطرة عليك، وليس إرادة النفس، وتقتل هواك يعني لا يكون لك هوىً أبداً مع رسول الله، لا تحب إلا ما يحبه الله، ولا تفعل إلا ما يُرضي الله، ولا تقتدي إلا بسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، تبدأ بذلك تقيم جدار التقوى في قلبك، تقيم جدار التقوى:

﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ (109التوبة).

في نار جهنم والعياذ بالله.

فهذه مراحل السير إلى الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا حُسن الإقبال عليه، ودوام الثناء عليه، ولذة النظر إليه، وأن يجعلنا من عباده الذاكرين الشاكرين الفاكرين الحاضرين بين يديه في كل وقتٍ وحين.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up