Advanced search

دروس Related

  • وجب اتباع رسول الله

    More
  • منهج رسول الله لإصلاح القلوب والنفوس

    More
  • خطبة الجمعة_كيف عالج رسول الله الَمجتمع و الأفراد

    More
View all

New الدروس

  • وجب اتباع رسول الله

    More
  • منهج رسول الله لإصلاح القلوب والنفوس

    More
  • الواجب علينا نحو النبي صلى الله عليه وسلَّم

    More
اعرض الكل

Most visited

  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

الأسوة الحسنة – سورة الأحزاب 22-24

Visits number:46 Downloads number:1
Download video Watch Download audio Listen
الأسوة الحسنة – سورة الأحزاب 22-24
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهِ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23) لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) (الأجزاب).

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

هنا إشارة سلوكية عالية وغالية، ولكن لا ينبغي أن تُقال لا للأحباب ولا لغير الأحباب.

فنحن عندما نقرأ القرآن المفروض ـ علمونا مشايخنا ـ أنني أقرأ القرآن على نفسي، يعني الخطاب لي، وأنا أمة وفيَّ كل شيئ، فيَّ السماء وفيَّ الأرض وفيَّ الجبال وفيَّ البحار وفي كل شيئ، فالأحزاب التي عندي بداخلي ما هي؟

حزب النفوس الذين يريدون أن يضيعونا، أليس هذا حزب وموجود يا إخوانا؟

حزب النفس الإبليسية والنفس الجمادي والنفس النباتية والنفس الحيوانية، هؤلاء كلهم ماذا يريدون؟

النفس الجمادية تجمد الإنسان، وما معنى تجمده؟ يعني تجعله يكسل لعمل طاعة من الطاعات، وهي موجودة وتحتاج لجهاد.

النفس النباتية كل همه في الأكل، حتى تنموا النفس الحيوانية التي تجعل الإنسان كل همه والعياذ بالله النكاح وما شابه ذلك.

النفس الإبليسية هي النفس التي تفرح، والتي ليس لها عندنا مطرح، تفرح في أن يكون إثنين يحبوا بعض يوقعهم في بعض ويختلفوا مع بعض، تفرح في التفرقة بين المسلمين، تفرح في إلقاء العداوة بين المتآخين في الله عز وجل، فهذا يا إخوانا يكون ماشياً على نهج من؟

إبليس، ولذلك نسميها النفس الإبليسية.

وهي موجودة في أي إنسان، أي إنسان هذه النفوس موجودة فيه، وهذه هي الأحزاب التي تريد أن تهجم على النفس الملكوتية التي تريد أن تأخذ الإنسان إلى الملكوت الأعلى، وإلى الطاعات والقربات، وإلى الإقتداء بسيد السادات، وتُسبِّط همتها، وتخذل عزيمتها.

فلما يرى الإنسان السالك إلى الله الأحزاب، فيتذكر الإحزاب في نفسه والمفروض أن تبدأ بهم وتحاربهم، وتحاول أن تقضي عليهم:

(رجعنا من الجهاد الأصغر ــ وهذه كانت الرسول وبين الرومان، والرومان كانوا 200000، وجيش المسلمين كان 30000، ــ إلى الجهاد الأكبر)

[الخطيب البغدادي عن جابر رضي الله عنه]. 

فهل مائتي ألف في مواجهة ثلاثين ألفاً يكون جهاد أصغر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: جهاد النفس والهوى).

وهم المصيبة الكبرى والعقبة العُظمى أمام أي إنسان يريد أن يكون قريباً من حضرة الرحمن تبارك وتعالى، وهما النفس والهوى.

والنفس تحتها سلسلة نفوس وقد أشرنا إلى بعضها، ومن يُرد شرحاً مستوفياً فعندنا كتاب النفس وموجود ومعمول ومطبوع ومتوفر، ولكن يحتاج لقراءة بتأني وتدبر، لأنه فيه وصف كامل لهذه النفوس، وكيفية القضاء على نزعاتها التي لا ترضي المليك القدوس سبحانه وتعالى.

﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ ﴾ (22الأحزاب).

كلما إلتقى الإنسان المسلم في حياته جماعة من أهل الشر يجتمعوا عليه، أو جماعة من الذين يدَّعون المشيخة يشنِّعون عليه، أو جماعة من الذين يدَّعون العلم ينهشون في لحمه وأعراضه، يأخذوا الخبيث ويظهروه، والطيب يخفوه، أليس هذا موجوداً؟ فهذه كلها أحزاب وموجودة، عندما يرى هذه الأمور ماذا يفعل؟ يعرف أنه مخصوص ومطلوب للحضرة العلية، ولذلك تكالبت عليه قوى الشر الظاهرة والخفية.

يقول فيها الإمام أبو العزائم رضي الله عنه على لسان الحضرة القدسية:

تريد أن ترى حسني وترقى       بلا حربٍ شديدٍ لا يكون

لابد وأن تكون حرباً شديدة:

فمن رام الوصال إلى جنابي      أصـــــــــفِّيه وفي هذا فتـــــــــــــون

تمسك إن أردت القرب مني     بسنة أحمدٍ فهو الحصن الحصين

إمسك فقط بسنة رسول الله في وسط هذه المعامع والجهاد.

لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن كثير من الأحباب يذكِّروني بما فعل بعض الأصحاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، يظن أنه عندما يدخل طريق الله وينتمي إلى الصالحين من عباد الله، فسوف يعيش في الدنيا وهو في الجنة، لا تأتيه مشاكل، ولا ينتابه هموم، ولا غموم بل ويعيش في الدنيا في الجنة.

فالرسول قال ذلك: قال أن الدنيا سجن لمن؟ للمؤمن، وجنة لمن؟ للكافر ـ ولماذا هو سجن؟ لأنه يسجن حواسه الظاهرة في أحكام الشريعة المطهرة، فلن يجعل عينيه تنظر يميناً وشمالاً كما تريد:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ (30النور).

ولا يجعل فمه يأكل كل ما لذَّ وطاب ولا يسأل أحلال أو حرام، لا ينفع هذا، وهكذا كل الأعضاء فأصبحت ساجناهم، ساجناهم في ماذا؟ في قيود الشريعة المطهرة.

هم يروها سجن، لكنها جنة لمن يصبر مع الله ويجلو الله له بصيرته، ويرى بنور الله ما خصَّه به مولاه تبارك وتعالى.

فذهبوا لحضرة النبي في بداية الدعوة الإسلامية لما كانوا يُؤذون، الكفار كانوا يضربوهم ومنهم من يعذبوهم وأنتم تعرفون هذا الكلام، فذهب أحدهم وقال له: يا رسول الله يعملون فينا كذا وكذا، فسيدنا رسول الله غضب غضباً شديداً، وقال صلى الله عليه وسلَّم:

(إن من كان قبلكم كان الرجل يُمشط منهم بالمشط الحديد، من رأسه إلى أخمص قدمية، لا يتغير عنه عقيدته في الله طرفة عينٍ ولا أقل).

[البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه].

يأتون بمشطٍ حديد من جبروتهم ويمشطوا اللحم وهو حي، من العظم، من منكم يتحمل هذا الكلام؟ هم كانوا يتحملون هذا الكلام وذلك ليُغير عقيدته، فلا يغير عقيدته أبداً.

(والذي نفسه بيده ـ بشرهم أيضاً وكان لابد أن يُبشر ـ ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى تمشي الظعينة ـ والظعينة يعني المرأة ـ حتى تمشي الظعينة من صنعاء إلى بلاد الشام لا تخشى إلا الله، والذئب على الغنم).

[عُدي بن حاتم رضي الله عنه رواه البخاري].

تمشي وحدها لا تخاف أحداً أبداً، وهذه الجماعة العلماء الفقهاء كانوا يأخذون من الحاديث خلاصتها، والذي أخذ منها الإمام الشافعي رضي الله عنه، والجماعة المتشددين يقولون: المرأة لا تسافر أي سفر إلا إذا كان معها محرم، قال: لا الرسول قال: تمشي الظعينة ولم يقُل معها محرم ولا غيره، وهذا حديث صحيح في البخاري ومسلم، من صنعاء إلى بلاد الشام سفراً طويلاً، وليس معها إلا الله، وليس معها محرم ولا غيره.

 وهذا نص الحديث تسافر ولا شيئ، ولكن من باب الإحتياط وطالما ذهبت لحج البيت الحرام، يكون مها نسوة مؤمنات قانتات وتكون رفقة صالحة تمشي معها تؤنسها في السفر.

فانظر كيف كانوا يأخذون الأدلة؟

﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (83النساء).

فهل ينفع لأحدٍ منا أن يستنبط من كتاب الله ومن سنة رسول الله؟ لا لابد أن يكون قد أخذ الدورة:

﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ـ نفرٌ من الأجسام والنفوس للقلوب والرواح إلى حضرة المليك القدوس:

لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ـ من رب العالمين ـ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122التوبة).

هم هؤلاء الأئمة ربنا أخذهم بالكلية وعلمهم العلوم الوهبية والقرآنية، وأمرهم أن يرجعوا فيُعلموا غيرهم من عطاء الله سبحانه وتعالى الذي إختصهم به الله تبارك وتعالى.

لكن هل يوجد أحدٌ في الدنيا يا إخوانا يطمع أن يكون مؤمناً ويعيش في الدنيا بدون بلاء؟ لا ـ (أشد الناس بلاءً ـ من؟ الأنبياء).

ولذلك خصَّ الله كل نبيٍ ببلاء غير الآخرين، لماذا؟ حتى يكونوا جميعاً حجة لله على خلق الله، فمن يقول لربنا: إشمعنى ربنا أعطاني بنات ولم يُعطيني أولاد صبيان؟ نقول له: عندك إمام الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلَّم، وعندك سيدنا لوط.

يقول: إشمعنى ربنا أخرني في الإنجاب ولم يجعل لي ذرية طيبة من البداية على طول؟ عندنا سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء لم يُنجب إلا في الثمانين، وسيدنا زكريا.

يقول: أنا في عملي مسئول ومشغول ولا أستطيع أن أُؤدي الطاعات كما يحب الله ويرضى، فهل أنت مشغول أكثر من شغل سليمان بن داود؟

 فآتاه الله ملكاً عظيماً فكان ملك للجن والإنس والطيور والحيوانات، وكل هذا ولم يغفل عن الله سبحانه وتعالى في ذلك كله طرفة عينٍ ولا أقل.

وهكذا عندما تبحث في القرآن في رسل الله، وكتابة كل واحدٍ منهم إختصه الله ببلاء، حتى يكون قدوة للأتقياء والأنقياء.

الشيخ فلان يقولون عليه شيخ عظيم وزوجته لا تمشي على نهجه وتعاكسه على الدوام، فعندنا إمرأة نوحٍ وإمرأة لوط:

﴿ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (10التحريم) ـ أليس كذلك؟ ـ فَخَانَتَاهُمَا ـ والخيانة أنها كانت تنقل أسراره، لكن مُحرمٌ على نساء الأنبياء الخيانة الزوجية، وربنا حافظهم من ذلك تبارك وتعالى.

فلان رجلٌ صالح ولكن له إبن لا نعرف كيف أتى؟ ويا ترى كيف وُلد هكذا مع أن أبوه لا يأكل حرام ولا شيئ، فهل نسيت إبن نوح؟

﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا ﴾ (42هود ) ـ وأخذ يحاول معه أن يركب معه، حتى قال:

﴿ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ (46) (هود).

وهذه قراءة، عمله غير صالح وأنت غير مسئول عنه، وفي قراءة: إنه عملٌ ـ يعني كله على بعضه عملٌ غير صالح.

حتى لا نعاير أحداً في الدنيا بقضاء الله وقدر الله، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(لا تعيروا أحداً بذنبٍ، فعسى الله يشفيه ويبتليك).

[الترمذيث عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه].

بنفس الذنب الذي عايرته به، وماذا نفعل؟

نشكر ونفعل كما قال رسول الله:

(إذا رأيت رجلاً مبتلى فقُل: الحمد لله الذي عافاني مما إبتلى هذا به، وفضلني عليه وعلى كثيرٍ ممن خلق تفضيلا).

[الصحيحين عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

أرأيت سيدنا رسول الله كيف يوجهنا؟ وماذا نقول؟

وانظر إلى أي شيئ وجهنا سيدنا رسول الله؟ ماذا نقول؟

لكن هل نعيب عليه؟ لا أو هل نعايره؟ لا، فهذا ليس من أخلاق المؤمنين الصادقين.

إذاً البلاء من الله، ولكن فيه سرٌّ لعباد الله الصالحين، قبل أن ينزل عليهم البلاء، يكون مُنزل عليهم اللطف، فينزل على قلوبهم جُند اللُطف ومدد اللُطف من عند الله، فيجعله ساعة البلاء يرضى، ولا يسخط ولا يتبرم ولا يشكو الله إلى خلق الله، لماذا؟ لأن الله أهله وجهزه بجند اللطف الذي أنزله على قلبه المولى تبارك وتعالى.

فهذا مما يزيد الإنسان في الإيمان، ويزيد الإنسان في التسليم للنبي العدنان، ليدخل في قول الله تعالى:

﴿ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65النساء).

ذكر الله تبارك وتعالى وأشار إلى بعض الرجال من المؤمنين السابقين في غزوة الأحزاب وغزوة بدر وغزوة أُحد وغيرهم، وأشار في الآية إلى رجال الله الصالحين بعدهم إلى يوم الدين فقال تعالى:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ـ فليس كل المؤمنين رجال، المؤمنين كلهم ذكور، ذكرٌ وأُنثى، لكن الرجولية صفة، صفة قرآنية لابد أن يتصف الإنسان بها، قال في القرآن عندما تراهم تجد أوصافهم، وسنأخذهم على سبيل المثال:

﴿ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالابْصَارُ (37النور).

وهؤلاء رجال:

وعندنا هنا رجال، ما هم؟

﴿ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهِ عَلَيْهِ ﴾ (23الأحزاب).

صدقوا، ولذلك الصدق أساس الطريق إلى الله تبارك وتعالى.

﴿ وَعَلَى الاعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ (46الأعراف).

وهؤلاء معهم علم السيميا وهو علم الكشف الباطني، يعرف الإنسان عندما ينظر إلى حقائقه الباطنة بنور الله تبارك وتعالى:

﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ـ والتطهر هنا ظاهراً وباطناً ـ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108التوبة).

هذه  مواصفات الرجال الموجودة في القرآن.

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا ـ والحج هنا يعني القصد، القصد إلى بيت الله الحرام هذا قصد، لكن القصد الأعلى القصد إلى وجه الله، من الذي يأتيه هنا؟ الرجال في طريق الله:

قال: يأتوك ـ يعني يأتوك أنت، ولم يقُل يأتين إلى البيت الحرام، ولكن يأتوك أنت، يأتوك رجالا ـ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ـ يعني وعلى جسم نحيفٍ من الصيام والجوع في طلب مرضاة الله:

يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27الحج).

هؤلاء هم الرجال، فربنا قال هؤلاء الرجال من المؤمنين، وليس المؤمنين كلهم، ولكن جزء من المؤمنين:

﴿ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهِ عَلَيْهِ ﴾ (23الأحزاب).

وسب نزول الآية ـ كما تعودنا ـ أن أحد أصحاب رسول الله واسمه أنس بن النضر وهو عم سيدنا أنس بن مالك الصحابي الجليل، وسُمي أنس بإسمه، فكان فاتته غزوة بدر، فقال: لئن أحياني الله إلى مثلها، لأُريَنَّ الله ورسوله ماذا أفعل.

فلما كانت غزوة أُحد، قاتل فيها قتالاً شرساً، فقابله أحد الصحابه وسأله: ماذا بك؟ ولماذا تشدُّ على نفسك؟ قال: إني لأشُم رائحة الجنة، يعني هذه رائحة الجنة وأريد أن أدخلها.

بعد المعركة وجدوا فيه بضعاً وثمانين ضربة، بين طعنة بالسيف وطعنة بالرمح وضربة بسهم، ولم يعرفوه إلا أخته عرفته من بنان أصابعه، فكان كل جسمه لا يظهر منه شيئ من شدة الطعنات، فنزل فيه قول الله:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهِ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23الأحزاب).

بعض الصحابة الأجلاء يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ذات يومٍ وكان على منبره الشريف في المدينة المنورة:

يا رسول الله من الذي قضى نحبه؟ وقضى نحبه لها معنيين:

النحب إما النذر وإما الموت، فقضى نحبه يعني وفَّى بنذره، كالرجل الذي ذكرناه حالياً، نذر أنه يعمل في هذه الغزوة كذا ووفَّى بالنذر، أو قضى نحبه يعني مات.

فنظر صلى الله عليه وسلَّم لمن يقول له: من الذي قضى نحبه يا رسول الله؟ إلى سيدنا طلحة بن عُبيد الله، وكان عندما هجم الكفار على رسول الله وقف أمام رسول الله ليحميه بنفسه، فكل سهم قادم يتلقاه نيابة عن رسول الله، وكل ضربة سيفٍ يتلقاها عن رسول الله، حتى جاءته ضربة قطعت يده، وأيضاً لم يتحرك من مكانه ويدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، إلى أن جاء سهمٌ بين أسنان رسول الله وحاول بعض الصحابة أن يشدوه، فقال لهم: لا دعوني أفعل ذلك، والسهم لم يخرج حتى خرجت معه أسنان سيدنا طلحة رضي الله عنه.

نظر صلى الله عليه وسلَّم وقال:

(هذا ممن قضى نحبه).

هذا من الجماعة الذين وفُّوا نذرهم، وأخذوا أجورهم موفورة عند الله تبارك وتعالى.

ومرة أُخرى نظر صلى الله عليه وسلَّم إلى الزُبير بن العوام رضي الله عنه وقال:

(من أراد أن ينظر ميتٍ يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى هذا).

[رواه الترمذي والألباني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه].

مات عن هواه ومات حظه ومات عن شهواته في حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم مع أنه يمشي على الأرض.

﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23الأحزاب).

وهذا سبب نزول الآيات، وبالنسبة لهؤلاء الرجال بعد إنتقال أئمة الرجال الذين ذكرناهم وأشرنا إليهم، يوجد مؤمنين موجودين في كل زمانٍ ومكان، فما علامتهم؟

الصدق في الأقوال، والصدق في الأعمال، والصدق في الأحوال، والصدق في كل أمرٍ يتعلق بالواحد المتعال سبحانه وتعالى.

الصدق في الأحوال:

يعني لا يكذب أبداً، حتى ولو كان في ذلك قطع رقبته، قال الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه:

[إذا كان الكذب يُنجي، فالصدق أنجى].

والصدق في الأعمال:

أن يتابع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وشريعته، ولا يبتدع شيئاً في دين الله غير وارد في عمل رسول الله وفي شرع الله تبارك وتعالى.

والصدق في الأحوال:

أن يستحضر حال رسول الله الباطني، وحاله القلبي وهو يؤدي كل عملٍ لله تبارك وتعالى.

من يمشي على هذا المنوال يكون من هؤلاء الرجال:

صدقوا ما عاهدوا الله عليه، والعهد:

إما العهد الذي كان في يوم ألستُ بربكم، وكلنا حضرناه ونوفي به في الدنيا.

وإما العهد الذي حضرت فيه أرواحنا تحت بيعة الرضوان، وبايعت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا أيضاً عهد، ونوفي بهذا العهد.

وإما العهد الذي عاهدنا به أنفسنا أن نعمل لإرضاء الله، حتى نكون من الثُلة المقربة الذين يحبهم الله تبارك وتعالى.

فمنهم من قضى نحبه ووفَّى نذره، ومنهم ينتظر ـ يعني لا يزال ماشي في السكة، فمن وفَّى وصار من العارفين والصالحين، ومنهم الذي لا يزال يمشي في الطريق وهذا من السالكين، أو المريدين، ولكنه ماشي على هذا العهد المبين ليلحق بالصالحين. 

﴿ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23الأحزاب).

يعني الشرط هنا لا تبديل، يعني لا تبديل لكلمات الله، ولا تبديل لشرع الله، ولا تبديل لما جاءنا به حبيب الله ومصطفاه، ولا تبديل لما إختاره لنا الأئمة من الآداب والتربية في طريق الله، فلا نبدل شيئاً أبداً، فنحن متبعين لا مبتدعين.

﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ  بِصِدْقِهِمْ ﴾ (24الأجزاب).

منهم من يبلغه الله:

﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55القمر).

لأنهم في مقعد الصدق.

ومنهم من يجعله الله مع:

﴿ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (69النساء).

ومنهم يُدخله الله في:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ (29الفتح).

كل واحد منهم يُنزله الله درجة من درجات المقربين، نسأل الله أن نكون منهم أجمعين.

وانظر إلى رحمة الله تبارك وتعالى العُظمى في قوله:

﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ (24الأجزاب).

لم يُغلق لهم الباب حتى المافقين فتح لهم باب التوبة، يُعذب المنافقين، يُعذب المنافقين إن شاء ـ فأدخلهم في المشيئة ـ فلا يجوز لأحدٍ منا مهما كان شأنه أن يحكم على فلان بالنفاق، أو على فلان بجهنم، أو على فلان بالكفر لعملٍ، أو لشيئٍ قام به أو قدمه، لأن الحكم هنا لمن؟ لله.

ما دام دخلوا في المشيئة الإلهية، فهل يجوز لنا نتدخل في مشيئة رب البرية تبارك وتعالى؟

لا لأنه ما دام فيه عينٌ تطرف فباب التوبة مفتوح، ولذلك قال:

﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ ـ أو ماذا؟ ـ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ (24الأجزاب).

هو حرٌّ، إياك أن تقول: لماذا تاب ربنا على فلان؟ فما لك وما لهذا الموضوع؟

يحكي لنا حضرة النبي في القوم السابقين، أنه جاء رجلٌ لأحد العلماء وقال له: هل لي من توبة؟ فقال له: لن يغفر الله لك أبداً، فقال فأوحى الله لنبي ذلك الزمان:

[من الذي يتأله عليَّ أن لا أغفر لأحدٍ سواه].

وما شأنه وهذا الموضوع؟ لماذا يضع نفسه في هذا الموقف؟

إن الله يغفر لمن يشاء ويُعذب من يشاء.

وهذا بابٌ مفتوح لنعرف رحمة الله بالعباد، وشفقة الله حتى بالمنافقين، ورحمته حتى بالكافرين، يفتح لهم باب التوبة كما قال سيد الأولين والآخرين:

(إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها).

[البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].

يعني تخرج الروح ويموت، إلى خروج الروح باب التوبة مفتوحٌ عند الله تبارك وتعالى.

ولعلكم تعلمون أن موسى نبي الله عليه وعلى نبينا أفضل الصلاةة وأتم السلام، لما إعترض إبن خالته قارون ـ وكان إبن خالته ـ وآتاه الله من الخزائن ما يعجز عن حمل مفاتحه الرجال أولو القوة من كثرة هذه الخزائن فاغترَّ، وظن أنه لا يوجد له شبيهٌ ولا مثيل حتى ولو كان موسى نبي الله، ففكَّر في مصيبة يُلصقها بموسى لينفرد بالشرف والعُلو في الأرض بغير الحق بين بني إسرائيل، فاتفق مع إمرأةٍ مومسٍ أن يأتي بها في يوم العيد والناس جميعاً حاضرين بنو إسرائيل، وتقول: أن موسى فعل معها الفاحشة.

ومقابل ذلك وعدها بما لا يُعد ولا يُحصى من الأموال والخيرات، وكان عامل لنفسه كرسي من الذهب يجلس عليه في يوم العيد ليبين غناه وسراؤه الفاحش، ومهَّد وقال لبني إسرائيل ستسمعون خبراً طيباً عن موسى اليوم.

فتجمَّع الناس ليشاهدوا ماذا يحدث؟

والله عز وجل يُعلمنا أن قلوب العباد بيد رب العباد، هو الذي يُجري فيها الخواطر التي تخطر عليها.

فالمرأة وهي ذاهبة للحفل قالت في نفسها، أنا لم أفعل في حياتي خيراً قط، فأعمل اليوم خيراً لعل الله يتوب عليَّ، فقارون مهَّد التمهيد، وقال هذه ستقول لكم خبراً عن موسى، وتقول: إن موسى فعل بها الفاحشة، قالت له: لا أنت من قال لي قولي: كذا وكذا وكذا، وموسى لم يصنع معي شيئاً، فظهرت البراءة:

﴿ فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا (69الأحزاب).

سيدنا موسى كان فيه حِدَّة وكان سريع الغضب، وهذه يعرفها الله تبارك وتعالى له، فقال: يا رب أيبلغ الأمر أن يتهمني بالزنا، وأخذ يشكو إلى الله ويضرع إلى الله، فقال: يا موسى الأرض طوع أمرك فمُرها بما شئت، فقال: يا أرض خذيه، فتنشق الأرض، وقارون يقول له: تُبتُ يا ابن الخالة، فتعود الأرض مرةً ثانية، فيقول: يا أرض خذيه، فيقول: تُبت يا ابن الخالة، فتعود الأرض مرةً ثانية، كم مرة؟ سبعين مرة.

كلما قال: يا أرض خذيه تنشق الأرض، والآخر يقول: تبت يا ابن الخالة، ترجع مرةً ثانية وتتجمع، وبعد السبعين إبتلعته، فعاتبه الله تبارك وتعالى وقال:

[يا موسى يستغيث بك سبعين مرةً فلا تُغثه؟ وعزتي وجلالي لو إستغاث بي مرةً واحدةً لأغثته].

يعني لو قال: تُبتُ يا رب، كان فوراً يقبله الله، ما هذا يا إخوانا؟

هي الرحمة الربانية، والشفقة والعطف الإلهي الذي جعله الله سبحانه وتعالى لكل البشر مع اختلاف أجناسهم وطبقاتهم وألوانهم، ولأجل ذلك سمَّى نفسه: الرحمن الرحيم، الغفور التواب، الرؤف وهكذا من صفات الله الجمالية والكمالية التي يفتح بها الله المجال لكل الناس، حتى لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

فعندما يكون ربنا على هذه الشاكلة فهل يجوز لي ولك أن نُويئِّس إنساناً من رحمة الله؟

هل يجوز لي ولك أن نصد أي إنسانٍ مهما كانت معصيته عن الرجوع إلى مولاه، بل بالعكس نحن نطمع في أي إنسانٍ مهما كان وزره وذنبه أن يرجع إلى الله ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى.

فقد ورد في بعض الآثار القديمة:

[إذا تاب العبد قال الله لملائكته: لقد تاب عبدي فلان، إفتحوا له أبواب السماء لقبول توبته، ولدخول أنفاس حضرته، فلَنَفَسُ العبد التائب عندي يا ملائكتي أعزُّ من السماوات والأراضين وما فيهن].

ماذا بعد هذه الرحمة الإلهية؟

عندما يقول: (يا دود أنين المذنبين أحبُّ إليَّ من زجل المسبحين).

أنا أحب الجماعة الذين يئنُّوا من الذنوب التي فعلوها ليتوبوا إلى الله، ويرجعوا إلى الله تبارك وتعالى في عُلاه.

ولذلك قال بعدها:

﴿ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24الأجزاب).

أتى بأسماء من الأسماء الحُسنى التي تقتضي المغفرة: غفوراً ورحيماً، وهي كلها من صفات الجمال الإلهية الذي يشمل بها الله بها عباده.

قولوا جميعاً:

نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا الا هو الحي القيوم ونتوب إليه، تُبنا إلى الله ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعلى ما قلنا، وعزمنا على أننا لا نعود إلى ذنبٍ أبداً، وبرئنا من شرور أنفسنا، وسيئات أقوالنا، وقبائح أفعالنا، وكل شيئٍ يخالف دين الإسلام.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، ونشهد ان سيدنا محمداً عبد الله ورسوله.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

 

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up