Advanced search

دروس Related

  • حلقة 14 ساعة صفا _أسئلة حائرة وإجابات شافية_ المقطم الجمعة 19-3-2020

    More
  • سلسلة الفائزين فى سير الأولياء و الصالحين: السيدة زينب حفيدة رسول الله

    More
  • الإتيكيت النبوى فى إمامة المصلين

    More
عرض الكل

New الدروس

  • How does Islam see widows and orphans?

    More
  • Hidden power in man

    More
  • سلسلة الفائزين فى سير الأولياء و الصالحين: السيدة زينب حفيدة رسول الله

    More
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    More
عرض الكل

الإمام الشافعى منهجه وسيره إلى الله

Visits number:34 Downloads number:3
Download video Watch Download audio Listen
الإمام الشافعى منهجه وسيره إلى الله
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



اليوم أتحدث عن رجل من كُمَّل الصالحين، من العلماء الأولياء، والأولياء العلماء، فكان من كبار العلماء، حتى قال فيه صلى الله عليه وسلَّم قبل ميلاده:

{لا تَسُبُّوا قُرَيْشًا؛ فَإِنَّ عَالِمهَا يَمْلأُ الأَرْضَ عِلْمًا} سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

وقد حدث، وكان من الأولياء لأنه كان على بصيرة نافذة، وهب حياته كلها للعلم ولله تبارك وتعالى، وهو الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه.

الإمام الشافعي كُتب فيه كتب لا تُعد، وسأذكر قصته باختصار شديد، فالإمام الشافعي أبوه كان رجلاً فقيراً، وهو من رهط النبي، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلَّم في الجد الثالث للنبي وهو عبد مناف، وهو الجد السادس للشافعي.

ولذلك يُروي أنه قبل أن يبلغ رأى النبي صلى الله عليه وسلَّم في المنام فقال: ممن أنت يا فتى؟ قال: قلت من رهطك يا رسول الله - يعني من جماعتك يا رسول الله - قال: افتح فاك، قال: فأخذ من ريقه ووضعه على لساني وشفتيَّ، فقام من النوم لا يُلحن قط في نُطق أي كلمة، ولذلك كان بليغاً وفصيحاً.

أبوه كان فقيراً، ومكة كما نعلم في دائرة العمل بلد فقيرة، فانتقل أبوه إلى غزة الموجودة الآن، ووُلد الشافعي في غزة سنة 150 هجرية.

ولكي نعلم قول الله تبارك وتعالى: " مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا " (106البقرة). يعني الأولياء كالزعماء، كلما مات زعيم قبل أن يدفنوه يكون لهم زعيمٌ آخر، كذلك فكل ولي ينتقل إلى جوار الله فلا بد للتركة التي معه أن يرثها وليٌ جديد من أولياء الله، وهي سُنَّة الله إلى يوم القيامة.

ففي نفس العام الذي انتقل فيه إلى جوار الله سيدنا الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، وُلد الإمام الشافعي رضي الله عنه سنة 150 هجرية.

أُمُّه كانت كنساء العصر الأول تقية نقية، وحريصة على زرع النقاء والصفاء والتُقى في قلب ابنها، فأرسلته ليحفظ القرآن، وكان طفلاً صغيراً، يقول: حفظت القرآن ولي سبع سنوات، وكانت أمي لا تجد ما تعطيه للشيخ، لأن أبوه توفى بعد ولادته بسنتين، وأمه التي تكفلت بتربيته.

وكان قد وهبه الله شدة الذكاء والألمعية، فكان يسمع الشيخ يُقرئ غيره أو يستمع منه، فيحفظ ما يسمعه، فكان يحفظ من أول مرة.

فلما وجد الشيخ سرعة بديهته، وجودة حفظه، ارتضى منه أن يجلس مكانه ويكون هذا بمثابة أجره، يعني إذا ذهب الشيخ إلى قضاء شيئاً له، فمن الذي يجلس مكانه ويُحفِّظ الأولاد؟ الشيخ الشافعي، وهذا كان بديل الأجر.

بعد أن أنهى حفظ القرآن في عمر سبع سنوات، أُمه من فقهها قالت له: هيا بنا نذهب إلى بلدك مكة لتتربى في وسط أهلك، وتأخذ الفصاحة من أهلها، فانظر كيف كان نساء الزمن الفاضل ونساء زماننا؟!! ففي زماننا قد تمنعه من زيارة أهله، وإذا ذهب إليهم قد تخاصمه!!.

فأخذته وذهبت به إلى مكة، وكان بيت الله الحرام معهداً علمياً يُدرَّس فيه الأئمة العظام في الإسلام، منهم من يُدرِّس حديث، ومنهم من يدرس فقه، ومنهم من يدرس تفسير، فكان يتنقَّل بين هذه الحلقات، وساعده - كما قلت - جودة الحفظ.

كان في هذه الآنات كتاب مشهور وضعه الإمام مالك اسمه (الموطأ) والموطأ يعني المؤسس، فيقول: وبعد أن أتممت حفظ الموطأ وعندي عشر سنين أخذ أحفظ الأحاديث، ولذلك يسمى (ناصر الحديث).

أي عالِم يعتمد على ما درسه في معاهد العلم والجامعات فقط، فهذا ليس معه شيء، ولن يكون له شأنٌ في مجتمعه، لكن العالِم الذي يريد أن يكون له شأنٌ ماذا يفعل؟ يُكمِّل نفسه، فينظر إلى مؤهلات العالم ويستكملها.

يعني هو ضعيف في السيرة فيستكمل السيرة، أو ضعيف في الحديث فيقرأ الأحاديث، أو ضعيف في الفتاوي، فيقرأ كتب الفتاوى، وهذا - والحمد لله - النهج الذي مشينا عليه.

فالإمام الشافعي لم يستعجل على الظهور إلا بعد أن ربَّى نفسه في كل النواحي، حفظ الموطأ، وحفظ الأحاديث، وعرف كل المسائل الفقهية، وكان قد وصل إلى سن الخامسة عشرة سنة، حتى أن إمام علماء الحرم في عصره وكان اسمه مسلم بن خالد الزنكي، قال له: أنت تُفتي وقد أذنتُ لك بالفتوى، لماذا؟ لمخايل النجابة التي رآها عليه، فأذن له بالفتوى، لكنه لم يتعجل وقال: أُكمِّل نفسي أولاً، حتى يظهر ظهور ليس بعده خسوفٌ ولا كسوف.

فأراد أن يزيد في فصاحته في اللغة العربية، وكان بين مكة والمدينة أشهر قبيلة من القبائل العربية في نُطق اللغة العربية الصريحة الصحيحة، والتي لم تختلط باللغات الأجنبية، فالجماعة الذين هم في الأطراف كالعراق والشام اختلطوا بالروم واختلطوا بالفرس، فأخذوا كلمات من هؤلاء وكلمات من هؤلاء، فأصبحت لغتهم غير صريحة، وهو يريد اللغة الصريحة الصحيحة.

فاختلط بقبائل هُزيل، ومكث معهم حوالي ست سنين ينتقل معهم، ويحفظ الأشعار، لأنه رأى سيدنا الإمام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما والذي دعا له النبي وقال:

{ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ } مسند أحمد وابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما

كان إذا سُئل عن تفسير آية في كتاب الله، وفيها كلمة صعبة، فيأتي من أشعار العرب القديمة ما يوضح معنى هذه الكلمة، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين.

ظل معهم الإمام الشافعي حتى حفظ عشرة آلاف بيت من أشعار هُزيل فقط حتى ينال الفصاحة، غير الأحاديث وغير القرآن وغير ذلك.

همةٌ شديدة، ومن يُريد أن يكون له شأن في هذا المجال عليه أن ينظر لهؤلاء أصحاب الهمم ويمشي مثلهم، فإذا كانت الهمة ضعيفة فلن يصل إلى شيء مثلهم ويكون عادياً.

بعد أن حفظ أشعار هُزيل وعاد إلى مكة لم يُرد أن يُفتي أيضاً، وقال: أذهب لأُصحح الموطأ أولاً على الإمام مالك صاحب الكتاب، وكان لا يزال على قيد الحياة، ويعيش بالمدينة المنورة، ومالك وما أدراك ما الإمام مالك؟! قيل فيه:

يأبى الجواب فلا يُراجع هيبةً

والجالسون نواكس الأذقان

هيبته كان يخاف منها حتى الملوك، لأنه كان عنده توقير شديد لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فلم يُنصِّب نفسه للإمامة إلا بعد أن استمع وجمع من تسعمائة شيخاً من مشايخ المدينة المنورة، وكلهم شيوخ في العلم، وكان لا يمشي في المدينة إلا حافياً ويقول: أخشى أن أطأ بموضع قدمي موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكان لا يقضي حاجته بها ويخرج خارج المدينة ليقضي حاجته، ولا يخرج إلى المسجد أو إلى سائل يسأله مسألة من أحاديث رسول الله إلا إذا توضأ وتعطر ولبس أحسن ما عنده من الثياب، ويقول: تعظيماً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

وذات مرة كان يُعطي درساً في المسجد وأحد التلامذة رأى عقرباً لدغته فتفزَّز وأكمل، ودارت مرةً ثانية ولدغته، فعد لدغات العقرب فوجدها أربعة عشر مرة، وهو يتفزز ولا يقطع الحديث، وبعد أن أنهى الحديث ذهب إليه الرجل، فقال له: أعرف ولكني كرهتُ أن أقطع حديث رسول الله من أجل لدغة عقرب!!، فهؤلاء العلماء الوجهاء، ولذلك كان يقول: ما بتُّ ليلة إلا ورأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في المنام.

فهذا عالم ولكن كما قلنا؛ علماء أولياء، وأولياء علماء، حتى لا يقول الغافلون: ما الشافعي وما مالك؟ فنحن مثلهم، كيف تكون مثلهم؟! أين أنت وأين هم؟!.

فأراد الإمام الشافعي أن يذهب للإمام مالك، والإمام مالك كان الكل يهابه، فماذا يفعل؟ كان له ابن عم والياً لمكة فقال له: اعطني خطاباً لوالي المدينة حتى يستسمح لي الإمام مالك أن أُراجع عليه الموطأ، فكتب له الخطاب، وذهب لوالي المدينة، وعندما قرأ الخطاب قال له: يا غلام لأن أمشي من المدينة إلى مكة، أهون عليَّ من أمشي معك إلى الإمام مالك، فقال له: أرسل إليه أن يأتي إلى هنا، فقال: هيهات هيهات، ليته يقابلني، وهذه هيبة العلماء.

فذهب معه وطرق الباب، فخرجت الجارية، فقال لها: قولي لسيدك أمير المدينة بالباب، فعادت له وقالت: إن كان معك مسأله فاكتبها في رُقعة ونحن نرد عليك، أرأيتم عزة العلماء؟! فقال لها: أنا أريده لمسألة من والي مكة، فجاءت بالكرسي للإمام مالك فقط، وخرج وجلس عليه، ودخل الوالي وأعطاه الخطاب، وعندما قرأ الخطاب ألقاه في الأرض وقال: هل عِلمُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أصبح يُتوصل إليه بالواسطة؟ كيف هذا؟! فتدخَّل الإمام الشافعي وقال: يا سيدي ائذن لي أن أقرأ عليك الموطأ فإن ظروفي كذا وكذا، وحكى له ظروفه، فقال له: هات من يقرأ لك، فقال: أنا أقرأ وإن لم تعجبك قراءتي أتيت بمن يقرأ، فلما بدأ القراءة نظر إليه، والإمام مالك كان عنده فراسة، فلما قرأ عليه قال: يا محمد إن الله ألقى على قلبك نور فلا تطفئه بالمعصية، واتق الله فإنه سيكون لك شأنٌ، وهذه نصيحته له في البداية.

فكلهم كان عندهم فراسة نورانية، ولذلك بعض الأحباب هداهم الله يرى أو يسمع ردي على فتوى، فلما تأتي فتوى مثلها يعيد الرد، وهذا خطأ فأنا أجيب على قدر السائل، فالفتوى قد تنفع هنا، ولكن لا تنفع في الجهة الأُخرى، وأنت لا تعرف هذا الكلام، ولذلك الفتوى لهذا غير هذا غير هذا مع أن السؤال واحد، وكل واحد على حسب حاله.

فعرفه الإمام على الفور وأُعجب بقرائته، وكان يستعيده لأن الشافعي فصيحاً عذب النطق بالألفاظ، وصوته كان أخَّاذاً، وهذه ميزةٌ أخرى، ولذلك يحكون عنه عندما كان يقرأ القرآن في الصلاة فكل من كان خلفه يبكي ويريدون أن لا ينقطع، من حلاوة وطلاوة التلاوة، والصوت والنغم والخشوع.

كم سنة مكثها مع الإمام مالك؟ ستة عشر سنة، أرأيتم الملازمة!! والأئمة الأعلام كالإمام مالك والشافعي بعد ذلك، كانت بيوتهم هي معاهد العلم، والطالب عندهم يكفلون طعامه وشرابه ولباسه وكتبه، وكل ما يحتاج إليه كانوا يتكفلون به، وكان هؤلاء العلماء الأولياء أسخياء، لا يتمسكون بالدنيا.

والإمام الشافعي يحكي بنفسه ويقول، رأيتُ يوماً عدداً كبيراً من الإبل والخيل على بابي، منهم من جاء من مصر، ومنهم من جاء من غيرها، قلت: ما هذا يا سيدي؟ قال: هم لك هدية، قلت: يا سيدي ابق واحدة لك تركبها، قال: آليت على نفسي أن لا أركب دابة واحدة في مدينة النبي، فانظر كيف كانوا في السخاء، وليس للطلبة أن يدفعوا، ومن لا يدفع لا ينفع!!.

بعد أن توفى الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه كان والي اليمن في زيارة للمدينة، فكلَّمه بعض أقارب الشافعي أن يأخذ الشافعي معه ويعيِّنه في القضاء على إحدى محافظات اليمن لفقره، ولأنه لا يملك شيئاً عندما ذهب للولاية لم يكن عنده غير البيت الذي يجلس فيه هو وأمه، فيقول: رهنتُ البيت وخرجتُ إلى العمل.

عيَّنه والي اليمن قاضياً على نجران، ونجران حالياً في السعودية ولكنها أصلاً كانت تابعة لليمن، فوجد والي نجران ظالماً فكان يقف له بالمرصاد ويحاول أن يُحقق العدل، والشافعي أول رجل في التاريخ حقق العدالة الشاملة بالطريقة العصرية.

فبعض الناس في زمانه وككل زمان يحاولون أن يتقربوا للقاضي بالعطايا حتى يجاملهم ويحكم لصالحهم، فلم يصلوا له، فماذا يفعل ليؤمِّن نفسه؟ اختار سبعة من الثقات يجلسون معه في جلسة الحكم، ويستمعون إلى المدعو والخصم، وكل واحد يقول رأيه، وهو يحكم بما اتفقت عليه الجماعة بعد ذلك، وهذا هو ما يحدث الآن، فمحكمة الإستئناف عددهم سبعة، لذلك أول قاضي في التاريخ عمل محكمة الاستئناف هو الإمام الشافعي، ولكنه عملها لكل الدرجات.

فلما وجد الوالي أنه لا منجأ له من الشافعي ماذا يفعل؟ كان الحكم في هذا الزمان للدولة العباسية، والحاكم كان هارون الرشيد وهو من أعظم الخلفاء في الدولة العباسية، وكانت الدولة العباسية تخاف من الثورات التي تندلع ضدها، وخاصة إذا كانت هذه الثورات من يقوم بها العلويين الذين ينتسبون لآل البيت.

فأرسل الوالي لهارون الرشيد أن عندنا رجلٌ يُسمى محمد بن إدريس كلامه أفعل من السحر والسيف في تأليب الناس عليكم، وحتى لا يكون الأمر ظاهراً فقال: معه فلان وفلان وفلان وذكر السبعة الذين معه.

فأرسل الخليفة إليهم، وعُرضوا عليه، وكان في بلد اسمها (الرها) وكان مع الخليفة جالساً بجواره عالم الوقت في العراق محمد بن الحسن، تلميذ الإمام أو حنيفة.

فالإمام أبو حنيفة كان له تلميذين، أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فأبو يوسف كان قد توفي، فبقي محمد بن الحسن، وهو الذي كتب كل فقه أبو حنيفة رضي الله عنه.

فقتل الخليفة السبعة أمامه، وجاء دور الشافعي، فقال الشافعي: أنا ابن عمك - لأن العلويين كانوا يُعتبرون أن بني هاشم كلهم عبيداً لهم - وليس من يقول هذا أخي، كمن يقول هذا عبدي، وهذا كلام بالحجة، يعني أنت تقول عني أخي، لكن هؤلاء يقولون أنني عبد، فكيف أكون مع العبد ضد من يقول أنت أخي؟! وأنا لي في العلم، لأنه كان مهذباً، وكان من جملة صفاته التي لا تُبارى تواضعه الجم، ولا يوجد عالمٌ له قسطٌ من العلوم الإلهية إلا بالتواضع.

قال: والقاضي محمد بن الحسن يعرف ذلك، وأنا محمد بن إدريس الشافعي، فقال له هارون الرشيد محمد بن الحسن لم يكلمني عنك، فما رأيك يا ابن الحسن؟ فقال له: الشافعي من كبار العلماء ويستحيل أن يكون له دورٌ في هذه التُهمة التي نُسبت إليه، فقال له: سأتركه معك حتى أنظر في أمره.

عاش مع محمد بن الحسن، وقلنا أنه درس فقه الإمام مالك، ودرس فقه أهل مكة قبل ذلك، فعاش مع محمد بن الحسن يسمع منه فقه الإمام أبو حنيفة ويكتب، حتى قال: كتبتُ حمل بعير من فقه محمد بن الحسن!، حمل بعير ليس بقلم سهل مما نكتب به الآن، ولكن بالريشة والحبر، حتى نعرف صبر العلماء.

فجمع فقه الثلاثة الموجودين في زمانه، فقه أهل المدينة، وفقه أهل العراق، وفقه أهل مكة رضي الله عنه وأرضاه.

بعد أن توفى محمد بن الحسن، وتوفى هارون الرشيد وتولى ابنه المأمون، عرض عليه القضاء فرفض، ونزل إلى مكة، ومكث في مكة فترة يعلِّم الناس، واختار مكة لأن الناس يحجون إلى مكة فتكون فرصة رائعة لإبلاغ العلم إلى كل بقاع الأرض لأنهم يأتون من كل الجهات.

ثم أظهر مذهبه الفقهي، لأن مذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه كان يعتمد على الرأي والقياس، ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه كان يعتمد على الحديث وعمل أهل المدينة، فجمع الإثنين معاً، وأتى بالمذهب الجديد، وألَّف كتاباً اسمه (الرسالة)، ووضع القواعد الكلية التي مشى عليها كل علماء الفقه إلى يومنا هذا وإلى يوم الدين، لأنه هو الذي ألَّف أصول الفقه.

وأصول الفقه علم لا بد منه لكل من يتبحَّر في الفقه، فلا يصح لأحد أن يُفتي إلا إذا كان قد تخصص في أصول الفقه، فمن درس الفقه فقط لا يجوز له أن يُفتي، فمن الذي يُفتي؟ الذي درس أصول الفقه.

فعندنا هنا في مصر مفتي الجمهورية لا بد أن يكون دكتوراً متخصصاً في أصول الفقه، حتى يُفتي الفتوى السديدة، لأن آلات الفتوى معه، لكن لو أن أحداً درس المذاهب وليس معه أصول فقه، فكيف يُفتي؟!!، ولذلك معظم أئمة المساجد درس الفقه فقط، فكيف يُفتي؟ لا يُفتي إلا بما سمعه من العلماء.

فالذي وضع أصول الفقه في التاريخ كله هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه.

بعد أن مكث في مكة حوالي عشر سنين وانتشر مذهبه، ذهب إلى العراق لينشر مذهبه، واستمر في العراق سنتين، ووضع مذهبه الفقهي القديم.

وبعد ذلك ألهمه الله عز وجل أن يتوجه إلى مصر، لماذا؟ لأنه كان قد ظهر المأمون، والمأمون كان فيلسوفاً، وكان يميل إلى الفرس لأنهم هم الذين ساعدوه حتى وصل إلى الحكم، وترك العرب ودخل في آراء المعتزلة وكان يميل إليهم، فآثر الإمام الشافعي أن لا يخوض في هذا المعترك، ورفض أن يكون قاضياً عنده وجاء إلى مصر.

فلما جاء إلى مصر وجد أن طبائع الناس وعاداتهم وطبيعة بلادهم غير طبيعة بلاد العراق، فترك المذهب القديم وعمل المذهب الحديث، ولذلك قلت: لا يصلح أن تفتي بالفتوى لإثنين مثل بعضهما لأن ظروفهما قد تختلف، فهذا مذهب كامل وضعه في العراق، ولما جاء إلى مصر ترك المذهب القديم وعمل مذهباً جديداً لأهل مصر، والذي نمشي عليه حتى وقتنا هذا.

كان يدرِّس في جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، وكان عبارة عن جامعة بدكتور واحد، فكان يبتدئ يومه بعد صلاة الفجر فيجلس مع أهل القرآن حتى شروق الشمس، فيحفِّظهم، ويجود لهم، ويعلِّمهم الروايات السبع في كتاب الله.

فإذا طلعت الشمس يمشون ويأتي أهل الحديث، فيجلس مع أهل الحديث ساعة من الزمن يراجع عليهم الأحاديث ويشرح لهم ما غمُض منها ويصححها لهم.

ثم يمشي أهل الحديث ويأتي أهل تفسير القرآن، وكان مُفسراً بارعاً في القرآن، فيشرح لهم ما غمض عليهم من ألفاظ المفسرين، ومن كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى.

ثم يمشي أهل التفسير ويأتي الأدباء وعلماء اللغة والشعراء ليأخذوا منه، ولذلك في حلقة من الحلقات كان جالساً مجموعة كبيرة من الأدباء والشعراء، فتلامذته من أهل الفقه قالوا لهم: لم تجلسون معنا ولستم من أهل الفقه؟! قالوا: نتذوق اللغة من الشافعي!، لأن لغته كانت لغة عالية في الفصاحة والبلاغة رضي الله تبارك وتعالى عنه.

وكانت الأعداد كما يروي أحد تلاميذه وهو الربيع بن سليمان فقال: أحصيت يوماً سبعمائة دابة على أبواب الشافعي، غير من جاءوا يمشون، وكلهم يطلبون علوم الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.

الشافعي رضي الله عنه وأرضاه لم يمكث في مصر إلا حوالي أربع سنوات، ومع هذه الحياة العلمية الضخمة، والكتب التي لا تعد وأشهرها كتاب (الأُم)، والحياة الحافلة، مات وعنده خمسة وخمسين سنة!.

كان في مصر يودُّ السيدة نفسية ويزورها، وكانت تختاره ليذهب إليها في شهر رمضان ويؤمها في صلاة التراويح، ولذلك أوصى بعد موته وصيتين، الوصية الأولى أن يُغسِّله التاجر فلان، والوصية الثانية أن تُصلِّي عليه السيدة نفيسة.

وكما قلت أن الشيخ كان بيته مفتوحاً، وهو الذي يُنفق على كل الطلبة الذين عنده، فكان يستدين، فلما ذهبوا إلى الرجل التاجر وقالوا له: إن الشافعي أوصى أنك تُغسِّله، فقال لهم: هاتوا جريدته - والجريدة هي الورقة التي يكتب فيها الديون التي عليه - فوجد عليه سبعين ألف درهم، فقال لهم: هذا الدَيْن عليَّ، وهذا هو التغسيل الذي يقصده الشافعي، يريد أن أغسله من الديون، وأنا سأغسله من الديون.

والسيدة نفسية لم تكن تخرج من البيت، فحملوه إلى السيدة نفسية في موضعها وصلَّت عليه في مكانها، ثم ردوه إلى مكان دفنه مرة أخرى رضي الله تبارك وتعالى عنه.

بم بلغ الشافعي منازل الولاية؟ هذه هي الصفات وزن بها نفسك، ماذا يقول؟ يقول: (ما حلفتُ بالله تعالى قط، ولا كذبتُ قط، ولا ملأتُ بطني منذ ستة عشر عاماً إلا مرة واحدة وأرجعتها) يعني في حياته لم يحلف يميناً، لا صادقاً ولا كاذباً، ولا كذب في حياته، ولم يكن يملأ بطنه من الطعام.

هذا جهاد العلماء، والحقيقة الكلام واسع ونكتفي بهذ القدر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلِّمنا ما لم نكن نعلم، وأن يعيننا على العمل بما نعلم، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

صلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي