بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • أعمال الصحابة والمتقين

    المزيد
  • خطبة الجمعة_ثمرات الإيمان

    المزيد
  • فراسة المؤمن وجهاد النفس و الهوى

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • Why do we choose Islam from amongst all religions?

    المزيد
  • What is Koran? And who wrote it?

    المزيد
  • 🌹🌹Why do Muslims go around Ka’ba, kiss stones and throw them? Aren’t these pagan rituals?🌹

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

الحبُّ فى الله

عدد الزيارات:22 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
الحبُّ فى الله
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نواله وعطائه، وفضله وكرمه وجوده، الذي عمَّ به عباده المؤمنين وخاصة أوليائه، والشكر له سبحانه وتعالى على ما أولانا به وأعطانا وتفضل علينا به فهدانا لحضرته، وأودع في قلوبنا خالص الإيمان به وصدق محبَّته، وجعل في صدورنا إقبالاً ورغباً دائماً في طاعته، وتوجُّهاً صادقاً لإخلاص العمل في كل حال لحضرته.

والصلاة والسلام على خير نبيٍّ، أرسله الله عزَّ وجلَّ  لخير أمة، بخير كتاب، سيِّدنا محمد سيِّد المصطفين الأخيار، وإمام أهل الدنيا وسيد أهل الموقف العظيم يوم القرار. صلَّى الله عليه وعلى آله الأخيار، وصحابته الأبرار، وكل مَنْ دعا بدعوته ومشى على نهجه إلى يوم القرار، وعلينا معهم أجمعين بمنِّك وجودك يا عزيز يا غفار.

إخواني وأحبابي: بارك الله عزَّ وجلَّ  فيكم أجمعين:

أوصاف المحبوبين

لِمَ حبَّبَ الله عزَّ وجلَّ  المؤمنين في مجالسة بعضهم؟ بل وبيَّن الدرجات العالية والمقامات الراقية التي أعدَّها لهم؟ حتى قال عزَّ شأنه  - وهو الغني ونحن الفقراء إليه - في حديثه القدسي المشهور: وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتباذلين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ) موطأ الإمام مالك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه).

الله عزَّ وجلَّ الذي لا يُسأل عما يفعل، والذي يهيمِن - ولا يهيمَن على قراره ولا على فعله ولا تصرفه أحد - لأنه وحده هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له في فعله، ولا معاون له في تصريف أمره، ولا رادَّ لحُكمه، لأنه حَكَمٌ عدْل، قيُّومٌ قويّ، لطيفٌ خبير، يُوجِبُ على نفسه أن يُحِبَّ قوماً!! ما أوصافهم؟ وما سماتهم؟ وما علاماتهم؟ قد أجملها الله عزَّ وجلَّ  في هذا الحديث القدسي العظيم: المتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتحابين فيّ).

أربعة أوصاف، وأربعة علامات، وضعها الله عزَّ وجلَّ، ومن يتجمل بها فإن الله لابد وأن يحبَّه، ومن يحبُّه الله ما الذي له عند مولاه؟ يكفيه تِيهاً وشرفاً وفخراً قول حبيب الله ومصطفاه: {إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب} حلة الأولياء وشعب الإيمان للبيهقي عن عاصم عن الشعبي).

فإن الله عزَّ وجلَّ  يقول في شأنه: ] أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ [ 16الأحقاف).  

يتقبل الله منهم أطيب الأعمال وأفضل الأقوال ويتجاوز عما سوى ذلك، لأنه وعد بذلك، وهو عزَّ وجلَّ لا يخلف الميعاد: {إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب}، كيف؟!! كما قالت الآية: ] أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ y[،  لماذا؟ ] وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [  16الأحقاف). من هم هؤلاء القوم؟

الحب الخالص لله

 إن أول أوصافهم وأهم علاماتهم: أنهم يتحابون في الله، لا لعلة ولا لغرض، ولا لمصلحة عاجلة أو آجلة، وإنما محبتَّهم لبعضهم في الله ولله: وجبت محبتي للمتحابين فيّ)، أي المتحابين في الله ولله عزَّ وجلَّ.

يا بشراهم بقول حبيب الله ومصطفاه صلوات ربي وتسليماته عليه إذ يقول: إن لله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء لمكانتهم وقربهم من الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة)، فقال أصحابه رضوان الله عزَّ وجلَّ عليهم: يا رسول الله أناس ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء؟!! صفهم لنا - وفي رواية: "جلّهم أي: وضَّحْهُم – لنا" - فقال حبيبي وقرَّةُ عيني صلَّى الله عليه وسلَّم: هم أناس من أمتي، من قبائل شتى وبلدان شتى، توادُّوا برُوح الله على غير أرحام بينهم - فلا نسب بينهم ولا عائلة - ولا أموال يتعاطونها فيما بينهم - فلا تجارة ولا مصلحة ولا منفعة - تواودُّوا برُوح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها فيما بينهم).

وأقسم حضرة النبيِّ!! وهو الذي يقسم ويقول: فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، قدام عرش الرحمن يوم القيامة، يفزع الناس وهم الآمنون، ويخاف الناس ولا يخافون، ثم تلى قول الله عزَّ وجلَّ: ] أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ 62: 64 يونس)) رواه الإمام أحمد أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب وأبي مالك الأشعري رضي الله عنهما).

فيا بشرى لمن يتحابون في الله!! فإن لهم هذه المنزلة العظيمة!! يكونون على منابر من نور قدام عرش الرحمن ومعهم لواء الأمان: ] لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَلأنهم تحابوا في الله على غير أرحام ولا نسب، ولا منافع ولا أي أمر من أمور الدنيا، وإنما محبتُّهم في الله ولله عزَّ وجلَّ.

الجلوس فى الله

هذه المحبة بين الأحبة حتى تتوثق رابطتها، ويقوى شأنها، ويجمع الله الأحوال الطيبة التي كانت في أصحاب الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم لأهلها، يلزم عليهم أن ينفذوا بقية الحديث: للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ)، أي لابد أن أن يتجالسوا ليتعاونوا على البرِّ والتقوى، وليعين بعضهم بعضاً على طاعة الله وتقوى الله في ظلمات هذه الحياة، فإن المؤمن - وخاصة في هذه الظلمات الحالكة التي قال فيها الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم : {ألا إنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم} المعجم الكبير للطبراني ومسند أبو يعلى الموصلي عن جندب بن  سفيان) - يحتاج لمن يقوي عزيمته، ويحتاج لمن يشدُّ أزره، ويحتاج لمن يقوِّي شكيمته في الحقّ، ويحتاج لمن يحبِّب له طريق الصدق، ويحتاج لمن يحبِّب إليه الفضائل والمكرمات التي كان عليها سيِّد السادات.

فلابد له من مجالسة الإخوة الصالحين الذين يعضدونه ويشدون أزره حتى يتغلب على متاعب هذه الحياة، وإلاَّ هوى في واد سحيق. فإن الدنيا مليئة بالحظوظ والأهواء، والمنافقين والكاذبين، وغيرهم من الذين يزينون الباطل ويبخسون الحق، ويجعلون أهل الحق إذا لم يجالسوا بعضهم ويقوِّي بعضهم بعضاً يرتج عليهم حالهم، والواحد منهم يتزلزل في نفسه، وربما من شدَّة زلزلته يحتجب في بيته، يظن أنه على الباطل وغيره على الحقّ، لأنه يرى الباطل لجلج، فالباطل هو الظاهر وهو القوي!! فلابد أن يتجالسوا ليشدُّوا أزرهم.

منهاج الأخوة في الله

ولذلك وضع الحبيب صلى الله عليه وسلم المنهاج لهذه الأخوة فقال في شأنها صلوات ربي وتسليماته عليه: {أخوك من إذا نسيت ذكرك، وإذا ذكرت أعانك} الإخوان لإبن أبى الدتيا عن الحسن). وهو بذلك يشرح كتاب الله، فإن الله عزَّ وجلَّ  عندما بيَّن للأمة كلها من بدء البدء إلى نهاية النهايات سبب خطيئة آدم التي بها أُخرج من الجنة: فإنه أُخرج من الجنة بذنب واحد!! فكيف يطمع غيره ونطمع نحن أن ندخلها على الرغم من أننا نرتكب قناطير من الذنوب في كل يوم؟!! والذنب الذي ارتكبه تاب عليه الله، وقبل منه توبته، ونحن ربما نسهو عن الذنوب ولا نتوب منها!! بل ربما بعضنا أن ذنوبه حسنات ويفتخر بها ويتباهى بفعلها بين خلق الله!! فذكر الله خطيئة آدم وذكر سببها، وبيَّن علَّة فعلها حتى لا نقع فيها، فقال عزَّ شأنه  عن آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام: ] وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا[ 115طه).

ما هو سبب الذنب؟ النسيان وفتور العزيمة، فجاء الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم وهو الطبيب الأعظم والمعلم الأكرم بالروشتة التي تعالج هذه الأدواء، فقال: {أخوك من إذا نسيت - وهذا علاج النسيان: فَنَسِيَ) - من إذا نسيت ذكرك – وعلاج وخور العزيمة وضعف العزيمة – وإذا ذكرت أعانك}.

إذاً فعلاج هذه الأدواء هو الأخ الصالح الناصح: الذي يقول فيه الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم عدتك عند البلاء، وعونك عند الرخاء). عند البلاء تجدهم معك يشدون عضدك وأزرك، حتى لا تقع في سخط الله، بل تتجمَّل بما يحبُّه الله ويرضاه، وعند الرخاء يطلبون منك ألا تقف عند النعمة وتنسى المنعم فــ: ]إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى[ 9،10العلق)، بل يطلبون منك كلما توافرت النعم أن تزيد من شكر المنعم حتى تدخل في قول الله: ]لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [ 7إبراهيم).

إذاً لابد من المجالسة!! والمجالسة يقول فيها الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم ما معناه:  {يسأل المرء عن صحبة ساعة} روى بن جرير بلفظ: "كلا يا فلان، إن كل صاحب يصحب صاحباً مسؤول عن صحابته، وإن ساعة من نهار"‏.)، يعني بذلك أنك لو صحبت رجلاً في الله ولله لمدة ساعة، فإنك تسأل عن هذه الصحبة يوم القيامة. إذا مرض ولم تعده، وإذا غاب عنك ولم تزره ولم تتفقده، وإذا احتاج ولم تعنه، وإذا كان مسروراً ولم تشاركه، وإذا كان مهموماً مغموماً ولم تخفف عنه. كل هذه مسئوليات أوجبها عليك الله، وحقوق سنَّها لنا حبيب الله ومصطفاه، لأنها حقوق الإخوان والإخوة في الله جلَّ في علاه.

التزاور فى الله

لابد من المجالسة، والمجالسة تحتاج إلى التَّزاور والمتزاورون فيّ) - لابد أن نزر بعضنا بعضاً، والزيارة وما أدراك ما الزيارة قلَّ فاعلها في هذا الزمان، وظنَّ الناس أنهم استغنوا بمالهم وبمناصبهم وبجيوبهم وبأولادهم عن الإخوان في الله!! وهذا لا يكون أبداً، يكفي لمن يزور في الله قول حبيب الله ومصطفاه فى الجديث المشهور الذى معناه - وقد ورد بطرق عديدة وروايات متعددة: {زر في الله فإنَّ مَنْ زار أخاً في الله شيَّعه سبعون ألف ملك، يقولون له: طِبْتَ وطابَ ممشاك، وطابتْ لك الجنة}أبو نعيم في الحلية عن بن عباس رضي الله عنهما)، سبعون ألف ملك يحفُّون بالعبد إن ذهب لزيارة أخ له في الله!! مَنْ مثلهم؟

لا يوجد حتى في زعماء الوجود من يمشي في ركابه سبعون ألفاً من هؤلاء الجنود الذين عيَّنهم الواحد المعبود، وطاقاتهم وقدراتهم بغير حدود، فإن واحداً منهم حمل على ريشة واحدة من جناحه - وله سبعون ألف جناح - مدائن لوط كلَّها، وهي سبع مدائن، بما عليها من رجالها ونسائها وبيوتها وحيواناتها إلى السماء السابعة وقلبها في الأرض وصارت بحراً ميتاً إلى يومنا هذا، وهو جنديٌّ واحد من هؤلاء الجنود: {زر في الله فإنَّ من زار أخاً في الله شيَّعه سبعون ألف ملك، يقولون له: طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة} روى بن أبي الدنيا عن أنس رضي الله عنه بلفظ: " أيُّ عَبْدٍ زَارَ أَخَاهُ فِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نُودِيَ أَنْ طِبْتَ وَطَابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ، وَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي زَارَ فِيَّ عَلَيَّ قِرَاهُ، وَلَنْ أَرْضَى لِعَبْدِي قِرًى دُونَ الْجَنَّةِ " )

ألا تريد أن تقال لك هذه الكلمات في كل يوم؟ أو في كل اسبوع على الأقل مرة؟ ولا يجب أن يترك المؤمن هذا العمل لأن معه هذا الأمل. يريد أن يسمع دعوات ملائكة الله عزَّ وجلَّ  الذين استجاب لهم الله ويستجيب لهم عندما يدعون للرحماء من خلق الله.

بل إن الله عزَّ وجلَّ  يقيِّض لمن يذهب لزيارة أخ له في الله ملائكة يعترضون سبيله - وإن كنا لا نراهم بأعيننا، لكن أهل الحقائق يرونهم بأبصارهم، ويسمعون عذب كلماتهم - ويقول في شأنهم الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم في معنى الحديث: {زار أخ أخاً له في الله فاعترضته ملائكة الله وقالوا له: أين تذهب؟ فقال: لزيارة أخى في الله فلان. فقالوا له: هل لك عليك من نعمة تربها - يعني تطلبها؟ قال: لا. قالوا له: أبشر فإن الله يخبرك أنه يحبك كما أحببته في الله} أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)، يبشرونه بأن الله يحبه لأنه يعمل العمل الذي يحبه الله، وهو التآخي في الله، وتنفيذ قول الله في كتاب الله: ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ 10الحجرات).

هذه هي الإخوة التي حبَّبها وعضَّدها كتاب الله، وعزَّزها وفعلها وعمل بها ومدح صانعيها وأهلها سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وثواب الإخوة في الله لا يستطيع واحد من الأولين والآخرين أن يبيِّن مداه، لأنه في الله ولله، وأجره على حضرة الله عزَّ وجلَّ!! يكفيهم أنهم يوم الدين يجمعهم الله على رؤوس الخلائق أجمعين، ويناديهم كما قال في قرآنه العزيز وكلامه العذب الوجيز: ] يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [ 68الزخرف). لا تخافون على شيء ولا من شيء، وإذا أمر بهم إلى دار النعيم فإن من كمال التكريم من الربِّ الرؤوف الرحيم أن يدخلهم معاً، يذهبون فوجاً واحداً: ] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [ 85مريم).

والتفت إلى معنى الآية!! فإنهم لا يحشرون إلى الموقف، ولا لأرض الحساب، ولا للميزان، ولا للصراط، وإنما يحشرون للرحمن: ] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [، هم وفود الرحمن عزَّ وجلَّ الذين يجلسون على منابر من نور قدام عرش الرحمن، لا شأن لهم بالحساب، ولا بالميزان، ولا بالصراط، ولا ما سوى ذلك: لأن الله شملهم برعايته، وجعلهم في الدنيا من أهل عنايته، وفي الآخرة من أهل سعادته، وفي الجنة من أهل النظر إلى جمال طلعته، فإذا أكرموا بنظرة منه وأمر بهم على تمام التكريم في دار النعيم المقيم:  ] وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا  [ 73الزمر) كذلك يمشون مع بعضهم!!

حتى ورد أن الحبيب صلوات ربي وتسليماته عليه قال في بعضهم - وكانوا متآخين في الدنيا، ويتجالسون ويتزاورون فيما بينهم: .. ادخل الجنة، فيقول: يا ربِّ أين أخي فلان؟ فيقول الله تعالى: إنه لم يعمل مثل عملك، فيقول: يا رب إني كنت أعمل لي وله - يعني: اقسم عملي بيننا نحن الإثنين -  فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك وادخلا معاً الجنة) ورد في كتاب: قوت القلوب)، وفي "تعريف الأحياء بفضائل الإحياء" بكتاب عوارف المعارف ج5، ص 198). وهذا ما جعل الصالحين قديماً وحديثاً يقولون الناجي منا يأخذ بيد أخيه. فإن هذه الجلسات هي التي يقول فيها الله لملائكته من فوق السبع طباق: هم القوم لا يشقى جليسهم)، فمن يجلس معهم لا يشقى أبداً!! يعطيهم الله عزَّ وجلَّ  ما يطلبون، ويؤمِّنهم مما يخافون. فيقولون: يا ربَّنا، إنَّ فيهم فلاناً ليس منهم، وإنما جاء لحاجة، فيقول الله تعالى: { هم القوم لا يشقى جليسهم } رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه). فمن يجلس معهم يسعد بسعادتهم!!

ولذلك كان القوم يقولون: اللهم لا تجعل في حضرتنا شقياً ولا محروماً)، لأن الخير الذي ينزل من الله، والعطاء الذي يتنزل من فضل حبيب الله ومصطفاه، يعمُّ الجميع، لأن الكريم كرمه واسع لا يحد.

البذل فى الله

إذاً تلزم الزيارة فى الله ولله عزَّ وجلَّ. والزيارة تستلزم كما كان يفعل أصحاب رسول الله: والمتباذلين فيّ)، فقد ورد عنهم أنهم كانوا إذا اجتمعوا لم يتفرقوا إلا على ذواق، أي: شيء يذوقونه، قد يكون تمراً، وقد تكون فاكهة، وقد يكون طعاماً، المهم أنهم يجتمعون على شيء يتذوقونه فيما بينهم، لأن الرحمة تتنزل عليهم وهم يتناولون أقوات الله، لأنهم يشكرون الله عزَّ وجلَّ  على عطاياه، وقد ورد في الأثر: من أكل مع قوم مغفور لهم غفر الله عزَّ وجلَّ له). وكان هدفهم نوال مغفرة الله، وليس من أجل الأكل والشرب. وهؤلاء القوم من أجل ما بيّن الله، تآخوا في الله لكي يحوزوا هذه المكرمات وينالوا هذه الدرجات العظيمات، ويكونون من المعنيين بقول الله:  ]الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ[ 67الزخرف).

ومن أجل أن تتحقق الإخوة يجب كما قلنا أن تكون المحبة في الله ولله، وأن يكون هناك تجالس في الله، وتزاور في الله، وأن يكون هناك عمل بقول حبيب الله ومصطفاه : { تهادوا تحابوا } البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه)، وفى الرواية الأخرى: توادوا تحابوا). يجب أن يكون هناك مودة لكي تنتشر المحبة بين الأحبة، توادوا تحابوا). 

وكذلك يلزم البذل، لأن أهل المدينة فازوا وجازوا ببذلهم وإيثارهم ووقايتهم لشح أنفسهم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ  في شأنهم:  ]وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ[، ما صفاتهم؟ ] يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[، ثم حكم الله  لهم بالفلاح، فقال في شأنهم: ]وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ 9الحشر)

أسرار المؤاخاة في الله

لماذا حبَّب الله عزَّ وجلَّ، ورغَّب رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم في مجالسة المؤمنين لبعضهم؟ إذا كان نبي الله وكليم الله سيدنا موسى عليه السلام عندما توجَّه إلى مولاه وناجاه، وفتح الله عزَّ وجلَّ  له باب الإجابة، وأمره أن يعرض طلباته ويتحقق أنها مستجابة، ماذا طلب من الله؟ لم يطلب داراً ولا عقاراً، ولا مالاً ولا شيئاً من طعام الدنيا وحطامها الفاني، لأنه يعلم أن هذه الأمور انتهى منها الله عزَّ وجلَّ  قبل خَلْقِ الكائنات، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: {إن الله خلق الدنيا وقدر فيها أقواتها قبل خلق آدم بألفي عام} الحاكم في المستدرك عن عبدالله بن عباس رضى الله عنهما)، وكل واحد له رزقه المقسوم والمعلوم الذي خصَّصه له الحيُّ القيوم.

ماذا طلب؟ اسمعوا إلى أعزِّ طلب طلبه من الله: ]قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي . يَفْقَهُوا قَوْلِي[ 25: 28طه). كل طلب مما سبق كلمة واحدة، لكن انظروا إلى الطلب القادم: ] وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي [ من الوزير؟ فصَّله:  ] هَارُونَ أَخِي [ 19، 20طه). وأخذ يذكر المبررات، لكن الطلبات السابقة كان يطلب الطلب وفقط!! مثل: اشرح لي صدري)، ويسر لي أمري) وحسب، لكنه هنا جاء بالمبررات: هارون أخي، لماذا؟ ]اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا[ 31: 35طه).

إذاً سرُّ الأخوة التي طلبها سيدنا موسى - وفقط من أنبياء الله - ثلاثة:. يشدُّ أزر الإنسان، ويشارك الإنسان في أمره، ويشاوره في آرائه وفي أحواله فيستبين وجه الصواب: ] وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [ 38الشورى). وكذلك يساعد الإنسان على ذكر الله والتسبيح لله. أيحتاج كليم الله إلى أخ يعينه على ذكر الله؟ نعم!! إذاً ماذا نحتاج نحن ونحن الضعفاء؟!!  ] كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرً . قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [ 33: 36طه)، لأنه قد فتح له باب الإجابة.

 ولذلك سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نُورُ الوجود، وباب السعود لكل موجود، وكنز الحقِّ المشهود، والرحمة العظمى التي هي أغلى لنا وعندنا من الآباء والجدود، والذي أعطاه الله كنوز العطاء وأمره أن يتصرف فيها بغير حدود، ومع ذلك جاء بإخوانه وأمرهم أن يتآخوا على أن يكون لكل واحد أخ على الأقل في الله، وهو بينهم، وذلك عندما هاجر إلى المدينة، ألم يأمر أن يكون لكل واحد أخ؟!!

ماذا يفعل الأخ؟ قال: يشاركه. يحضر واحد منهم المجلس مع رسول الله، ويكون الآخر في عمله أو في راحته، ثم بعد ذلك يذهب هذا لعمله ويحضر الآخر، لكي لا يفوت الاثنين شيء، ويخبر الشاهد الغائب في أثناء غيابه بما شاهد وما سمع من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويعينون بعضاً، ويشدون أزر بعض. وقد قام بمؤاخاتهم إلى أن بقى سيدنا الإمام عليّ، ولم يتبق له أخ، فقال لسيدنا علي: يا عليّ، أنت أخي في الدنيا والآخرة). فحتى سيدنا رسول الله جعل لنفسه أخاً، وهو سيدنا عليّ:  {أنت أخي في الدنيا والآخرة، أنت مني بمنزلة هارون من موسى} المستدرك على الصحيحين للحاكم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما).

إذا كان من رفعه الله، ورفع شأنه وقدره، وقال له في صريح القرآن: ]وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[ 2: 4الشرح).جعل لنفسه أخاً يؤاخيه في الله، فكيف بالواحد منا يعيش في هذا العصر - عصر الظلمات والحظوظ والأهواء - من غير أخ؟!! إذاً سيسقط في أقل فخ من التي ينصبها الشيطان، ومن التي تعينه فيها النفس التي وصفها الرحمن بأنها أمَّارةٌ بالسُّوء). من الذي سينبه الإنسان؟ إنه الأخ المُذَكِّر!! وهو: مَنْ إذا نَسِيتَ ذَكَّرَك، وإذا ذَكَرْتَ أعَانَك).

سيدنا عمر رضي الله عنه ذهب الأخ الذي آخاه في الله عزَّ وجلَّ  إلى بلاد الشام، فسأل عنه فجاء من يخبره بأنه يتعاطى الخمر!! فقال عمر: أعطوني ورقة وقلماً وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم ]حم. تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ[ 1: 3) غافر، وتحت الآية كتب: إذا بلغك كتابي هذا فانزع عمَّا أنت فيه، وتب إلى ربِّك عزَّ وجلَّ).

لماذا؟ كانوا جميعاً يقولون: سيدنا أنس، وسيدنا أبو هريرة، وسيدنا أبو الدرداء، كانوا يقولون: أخذ علينا العهد من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن ننصح لكل مؤمن). لماذا نتآخى إذاً؟ لكي ننصح بعض. هل ننصح بعض بالدنيا؟ إن الدنيا لا تحتاج من أحد أن ينصح الآخر فيها، فلو ترك الإنسان أمر الدنيا لنفسه، فإن نفسه تعرف حيل الدنيا وخدعها جيداً، لكن يجب أن تكون النصيحة في التعريف بالدنيا، حتى لا تضحك علينا وتشغلنا عمن يقول للشيء كن فيكون، ونقول كما قال الله في شأن قوم: ] رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ[ 99، 100المؤمنون). أو يقول الإنسان عند خروجه من الدنيا:  ]يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ[ 56الزمر).

فالمهم أن تعرف منزلتك عند خروجك من الدنيا؟ فإذا كان معك خمسين دكتوراه من الدنيا فإنها كلها زائلة وباطلة، لكنك عند خروجك من هنا وعند باب جمارك البرزخ تجد مكتوباً: ] هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ [ 163آل عمران).

ما درجة هذا القادم لكي يستقبلوه؟ يا ترى هل يأتي الجماعة المخبرين لكي يقبضوا عليه؟ وهذا وارد!! أو يا ترى هل سيأتي جماعة من ملائكة الرحمة ليستقبلوه؟ أو يا ترى هل سيأتي زعماء الملائكة لكي يعظموه؟ أو يا ترى هل سيأتي الصالحون والنبيون لكي يبشِّروه؟ أو يا ترى سيأتي الأمين جبريل والحبيب الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لكي يهنئوه؟ وكل واحد على حسب درجته ومنزلته : ] هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ [ ،  فدرجتك هي ما قدمت يداك وما قدمته لمولاك:  ] وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ [ 110البقرة).

فقد أخذوا العهد على بعضهم أن ينصحوا بعضهم البعض، لكن من يقول لا شأن لي، فهذه ليست إخوة في الله ولله عزَّ وجلَّ ، ولكنها أحوال البطالين، وقريباً والعياذ بالله من أحوال المنافقين. ولكن أحوال المؤمنين هي: الدين النصيحة)، ومن لا يقبل النصيحة فليس منهم: ] وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ 79الأعراف). فإن هذا والعياذ بالله ليس من صفوف المؤمنين، لأن المؤمن يقبل النصيحة من أخيه حتى ولو كان أقل منه. وكان سيدنا عمر يقول: رحم الله إمرىءً أهدى إليَّ عيوب نفسي).

ولذلك عندما ذهبت النصيحة لمن يتعاطى الخمر قال: جزى الله عمر عني خيراً، تبت إلى الله ورجعت إلى الله وأنبت إلى الله وعاهد الله عزَّ وجلَّ  ألا يعود لهذا الذنب مرة أخرى أبداً.

وهذه كانت أحوال أصحاب رسول الله ولهم في هذا المجال أمثلة لا تعدُّ ولا تحدُّ، يضيق عن ذكرها المقال، ولكنها موجودة في صحف السيرة العطرة، وطبقات الصحابة رضي الله عزَّ وجلَّ  عنهم وأرضاهم أجمعين.

منافع مجالس الإخوان

ولما جاء السلف الصالح رضي الله عزَّ وجلَّ  عنهم أجمعين أداموا هذا الأمر، وقالوا نمشي على العهد، عملاً بقول الله جلَّ في علاه: ] أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [ 90الأنعام). ماذا كانوا يفعلون؟  كانوا يجلسون مع بعضهم، وهذه المجالس كانت تخلو من الغيبة والنميمة، ولا تجد فيها قيل ولا قال، ولا ذكر الدنيا ولا الأمور الفانية. إنما تذكير بالآخرة والأعمال الصالحة، والأخلاق الراقية، ليعينوا بعضهم البعض على السير إلى الله جلَّ في علاه ، لكي يخرج الواحد منهم من الدنيا ومعه شهادة تقدير من العليِّ القدير.

ماذا كان يفعل أصحاب رسول الله؟ تروى لنا كتب السيرة أن رسول الله كان يدخل المسجد، فيجد مجالس متعددة: فمنهم مجلس أهله يقرءون القرآن، ومجلس أهله يذكرون الله، فكان يقول: كلاهما على خير) الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).

وكان سيدنا عبدالله بن رواحة رضي الله عنه يهتم بمن يدخلون حديثاً في دين الله من الأغراب، ويجمعهم في المسجد ويقول تعالوا نؤمن بـالله ساعة، يشرح لهم قواعد الإيمان، وأركان الإيمان الصحيح الذي يؤدي إلى مقام المراقبة لحضرة الرحمن عزَّ شأنه. لأن الإيمان لن يصحَّ إلا إذا وصل الإنسان لمقام المراقبة لحضرة الرقيب، أما إذا كان الإيمان في الكتب وانعدمت المراقبة في القلب يكون الإيمان هشّاً وضعيفاً، أما الإيمان القوي فهو: ]وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ[ 46الرحمن). كإيمان أصحاب رسول الله.

وكذلك الصالحون: آلوا على أنفسهم أن يسيروا على هذا المنهج، فماذا يفعلون؟ قالوا: نحب بعضنا في الله. ومن يحبون بعضهم في الله، لا بد أن يجلسوا مع بعضهم مجلس خير وبركة - قد يكون مرة في الأسبوع، أو مرتين في الأسبوع - ونجعلها مواعيد ثابتة لكي نعين بعضنا على طلب الآخرة، ماذا نفعل في هذه المجالس؟ إما أن نتلوا آيات من كتاب الله، أو نستغفر الله، أو نصلِّي على حبيب الله ومصطفاه، أو نذكر الله، أو نسمع العلم من عبدٍ فتح عليه مولاه، أو نروِّح النفوس ببعض الحكم الدينية التي أقرها الصالحون وكانت في عصر رسول الله وسمع مثلها حبيب الله ومصطفاه.

وهذه هي المجالس التي وظَّفُوها وجعلوها لكي يدخل الإنسان في قول الله: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ). ولذلك سموها: مجلس)، وبعض الناس يقولون عليها: حضرة). ولكنها ليست كذلك، وإنما مجلس كما قال الله: للمتجالسين فيَّ)، وسيدنا رسول الله قالوا عنه: وجد مجلساً للعلم)، إذاً فهي مجالس العلم، أو مجالس القرآن، أو مجالس الذكر، وإذا كانت هذه المجالس تشمل كل ما سبق نقول عليها مجالس الإخوان.

لكن الحضرة: فإنها حضرة الله جلَّ في علاه، ولا نستطيع أن نصل لذلك، لأن ذلك يستوجب حالة عالية وغالية من الصفاء والنقاء، والإطلاع بعين القلب على عالم الطهر والجمال والبهاء والضياء. فإذا لمع في قلوب الأصفياء نور حضرة البقاء، ونظروا بعين البقاء إلى الباقي عزَّ شأنه، كانوا في حضرة جلَّتْ عن الكلام، وتعالت عن الحديث، لأنها حضرة فيها حضور بين يدي المذكور عزَّ وجلَّ.

وهذا ما جعل الصالحين يحافظون على هذه المجالس، لماذا؟ لأنه لابد للإنسان من جلسات يقوى فيها قلبه، وينقِّي فيها نفسه، ويصفِّي فيها صدره، لكي يستطيع أن يواجه أعباء هذه الحياة. لكن لو أن الإنسان كرَّس حياته من العمل، إلى المشاكل، للمتاعب، للأحاديث التي تعكِّر البال وتكدِّر صفو القلب، ما الذي سيحدث؟!! ستنتابه الأمراض، وتتوالى عليه الأعراض - كما نرى خلق الله الآن، والذين ابتعدوا عن نهج المصطفى عليه الصلاة والسلام - ولكن آباءنا رحمة الله عزَّ وجلَّ  عليهم أجمعين، والذين كانوا يسيرون على هذا النهج، من منهم كان يذهب للدكتور؟!! لا أحد!! لأنه كان يفرِّغ هذه الشحنات مرتين في الأسبوع!! يذهب إلى المجلس فيفرغ شحنات الدنيا والمشاكل والمشاغل إلى حضرة الله، والله عزَّ وجلَّ كان يتولى ببركة هذه المجالس تفريج الكروب، واستجابة الدعاء، وتحقيق الرجاء.

لكن الناس في هذا الزمان - ولأنهم تعلموا العلوم الدنيوية - هُيئ لكل واحد منهم أنه يستطيع أن يعمل بنفسه لنفسه، كأن يستطيع أن يسعد نفسه، أو يبني نفسه، ويستطيع أن يؤمن أولاده، فكان ما نحن فيه الآن. فقد تجتهد إلى أن تجعل ابنك مهندساً أو طبيباً أو غيره، وبعد ذلك أين يعمل؟ وكيف ومن أين يتزوج؟ وأين يسكن؟ وذلك لأنك حملت نفسك الهمَّ !!

أما آباؤنا فقد تركوا الأمر على الله!! ولذلك لم يتعب منهم أحد أبداً!! وقد كنا ماشين بـالله وراضين عما يفعلوه معنا، ولم يكن منا من يستطيع أن يتبرم أو يتضايق أو يطلب كذا أو كذا - كما يفعل أبناؤنا الآن معنا - وكانوا في راحة البال، وعندما ينتهي ابنه من الدراسة يقول له: تحمَّل نفسك وأعطينا من دخلك ما يساعدنا على تربية إخوتك. والله كان يعين الجميع لأنهم رموا الحمول على الله، فتولى الأمور حضرة الله.

لكننا الآن أصبحنا شُطار: ]قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي[ 78القصص)، فيقول أحدهم أنا شاطر وماهر وأعرف السوق، وأعرف كذا وكذا - وهذا موجود الآن - إذاً اجتهد يا شاطر!! ماذا تفعل يا شاطر؟!!

لكن لو توكلنا على الله ومشينا على النهج الذي وضعه لنا سيدنا رسول الله، سندخل جميعاً في قول الله: ] وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ 3، 4الطلاق).وحسبه: يعني كافيه ويكفيه الله عزَّ وجلَّ.

كانت هذه أحوالهم وكانت البركات تعم البلاد، لأن ربَّ العباد وخالق البلاد قال: ] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [ 96الأعراف). البركة ستنزل من فوق وتخرج من تحت. لكن ستأتي الخيرات بدون بركات ماذا تفعل؟ فلن تسد ولن تمد

لذلك كان آباؤنا الأولون الماشين على نهج الصالحين مسرورين، وكانت أحوالهم دائماً في رضا وفي تُقى وفي عزَّة بسرِّ اعتمادهم وتوكلهم على ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، وكما قال الإمام عليّ وهذه روشتته: من أراد غنىً بغير مال، وعزًّا بغير عشيرة، وعلماً بغير تعلُّم، فعليه بتقوى الله عزَّ وجلَّ). وهذا هو السلاح الأقوى الذي نستطيع به أن نواجه ظلمات هذه الحياة. وكيف تأتي التقوى؟ من مجالسة الأتقياء، ومن مجالسة العلماء، ومن مجالسة الحكماء، ومن مجالسة الأصفياء.

وهذه المجالسات تنزع من النفس فطرها وعواهنها، وتجعل المرء مؤهلاً لأن يسير مع الله، ومن سار مع الله عزَّ وجلَّ  كفاه الله سبحانه وتعالى كل مؤنة، وكانت أحوال البلاد في تحسن، وكانت الأخلاق فيها محبة ومودة وألفة. لكن عندما قلَّتْ هذه المجالس رأينا الأضغان والأحقاد والأحساد، وانتشرت الشرور بغير حد في كل ربوع البلاد، حتى أن الإنسان الكريم الحليم ذو الخلق العظيم يحتار في قضاء مصالحه، لأنه لن يجد من يقدر هذا الخلق، ويقدر هذه المكارم.

لأن الناس الآن كأنهم في غابة، وقد يكون لسكان الغابة بروتوكولات بينهم!! لكننا ليس مثلهم. فسلطان الغابة وهو الأسد علمه الله بسجيته وفطرته مكارم الأخلاق: فإنه لا يأكل من صيد غيره، فلا يأكل إلا من صيد نفسه، وإذا وجد شيئاً صاده غيره تأبى عليه عزَّته أن يأكل منه، ولا يأكل مما صاده إلا مرة واحدة، ويترك باقي ما صاده للعجزة من الحيوانات التي حوله لكي يقتاتوا. أين هذه الأخلاق حتى بين عظام البشر الآن؟!!

فحتى أخلاق أهل الغابة لم نصل إليها إلى الآن!! من أين يأتي مثل ذلك؟ فإن يوم الجمعة التى تكون فيه الموعظة: لا يدخل أحد الجامع إلا عند إقامة الصلاة لكي لا يسمعوا الخطبة ،وإذا جاء حديثٌ ديني في التليفزيون لا يسمعه أحد، لأنهم يريدون المسلسل أو الفيلم، ولا وقت عندهم للأحاديث الدينية!! مع إن الحديث دقائق معدودة، ولكن لا يجد من لديه الوقت ليسمعه.

وإذا اشترى الصحف يكون كلُّ همِّه في الكرة والتليفزيون، والكلام الذي لا ينفع ولكنه قد يضر. أين إذاً من يقرأ كتابه لكي يسير إلى الله، ويحسِّن أخلاقه وأحواله مع عباد الله؟

ولم يعد الصغير يحترم الكبير ويسمع منه النصيحة، ولا الكبير يستطيع أن يقدِّم النصيحة، لأنه ربما يواجه بشتيمة وفضيحة!! فأصبحت الأمور لا مرد لها إلا بالرجوع إلى أحوال السلف الصالح، وأحوال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه الكرام العظام.

فلابد أن تنتشر مجالس الهدى من جديد، مجالس الخير، مجالس النصيحة، مجالس البرّ، مجالس الذكر الذي يرقِّقُ القلب والفؤاد، مجالس الرحمة، مجالس المودة.

وهذا هو السرُّ في أن الله عزَّ وجلَّ أمرنا، ووجَّه الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم النصائح والأحاديث المتتالية إلينا، للمداومة على هذه المجالس، والمداومة على سماع هذه النصائح، لكي نجدِّد أحوالنا، ونستغرق أوقاتنا في طاعة الله، وننتشل أنفسنا من ظلمات ومشاكل ومتاعب وعناء هذه الحياة، فنكمل المسيرة إلى الله، فإذا خرجنا من الدنيا فرحنا وقلنا - كما قال كتاب الله: ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ[ 34فاطر).

نسأل الله أن يجملنا بأحوال أصحاب النبي المجتبى، وأن يكرمنا بالتقوى، ويجملنا بالعلم، ويزيننا بالحلم، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وصلى لله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

*******1     مساء الخميس بالزقازيق – منزل دكتور/ حسين الباز  13 من ذي القعدة 1426هـ  الموافق  15/12/ 2005م

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي