Advanced search

دروس Related

  • خاتم النبين -سورة الاحزاب الآيات40-38

    More
  • إشارات العارفين فى خاتم النبين

    More
  • إشارات العارفين فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ

    More
View all

New الدروس

  • خاتم النبين -سورة الاحزاب الآيات40-38

    More
  • إشارات العارفين فى خاتم النبين

    More
  • إشارات العارفين فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ

    More
اعرض الكل

Most visited

  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

السيد أحمد الرفاعى جـ1

Visits number:21 Downloads number:Not found
Download video Watch Download audio Listen
السيد أحمد الرفاعى جـ1
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: 

الحمد لله الذي أنعم علينا بهُداه، ووفقنا لحُسن الاتباع لحبيبه ومصطفاه، سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.

وألهمنا أن نتبعه ونقتفي آثار أولياء الله، وكُمل الصالحين من عباد الله، عسى الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بهم، ويرفعنا إلى مقاماتهم، ويُدخلنا في معيتهم، ويحشرنا يوم القيامة في زُمرتهم أجمعين.

اللهم صل وسلم وبارك على مسك الختام ومصباح الظلام، سيدنا محمد وآله وصحبه وكل من مشى على هُداه إلى يوم الدين آمين.

أيها الأحبة:

آثرنا أن نأخذ في كل شهرٍ مرة حديثاً عن رجلٍ من كبار الصالحين، لنزن أحوالنا بأحوال هؤلاء القوم الكرام، الذين نالوا رضا ربهم، وظهرت عليهم آثار عطاءات الله وفتوحات الله تبارك وتعالى عليهم، ونقتدي بهديهم في جهادهم، وهديهم في معاملة أحبابهم وإخوانهم، وهديهم في تربية مريديهم والسالكين على طريقهم.

وقد قال الإمام الجُنيد رضي الله عنه:

[حكايات الصالحين، هي جُندٌ من جند الله، يبعث الهمة والعزيمة في قلوب المريدين، ويجعلهم يتقوون على سلوك الطريق الذي يريدونه نحو رب العالمين].

وحديثنا الليلة عن إمامٍ عظيمٍ من أئمة الصالحين، هو:

{سيدي أحمد الرفاعي رضي الله تبارك وتعالى عنه}.

وسيدي أحمد الرفاعي وُلد في عام خمسمائة هجرية، في قرية تُسمى قرية {حسن} بمكانٍ يُسمى {البطائح}، بين مدينة واسط ومدينة البصرة، والبطائح يعني الأرض الجبلية المتاخمة للمدن، فسكَّانها يُسمون سكان البطائح، وتُوفي والده وأمه حاملٌ به، فتكفل به خاله، وخاله كان رجلاً من كمل الصالحين، وهو سيدي منصور الباز البطائحي رضي الله عنه وأرضاه.

وكان إمام هذه الأماكن وصاحب السطوة فيها على  كل المريدين والسالكين بل والعارفين، فبدأ بتحفيظه القرآن الكريم أولاً كما هي العادة في هذا الزمان وفي كل زمانٍ لمن إلتحق بركب الصالحين.

وبعد أن كان يحفظ القرآن وكبر في جسمه وسنه، رأى أنه ليس له مترك وكان يسكن في قرية أخرى، غير قرية حسن التي وُلد فيها، فأخذ أخته وأولاد أخته جميعاً بما فيهم سيدي أحمد الرفاعي وانتقلوا إلى قرية تُسمى {دِقلِي} على نهرٍ صغير يُسمى دِقلِي، وهناك بدأ سيدي أحمد الرفاعي التلمذة وتعلم العلوم الدينية الشرعية مع علوم المعرفة الإلهية، حتى نعلم طريق الصالحين، ويكاد يكون طريقاً واحداً عندما نتحدث عن أي رجلٍ منهم، يبدأ بحفظ القرآن وتجويده، ثم تعلم العلم.

فأوكله خاله وخاله كان إماماً في الطريق وعالماً، وكان يواليه بعلمه، ولكنه أراد له قدراً أعظم من التحصيل، فأوكله إلى إمامٍ من أئمة هذا العصر بينهم يُسمى {أبو الفضل الواسطي}، وكان رجلاً قد أحاط بالعلوم الشرعية، وأحاط بالسلوك والوصول إلى درجة المعرفة الصوفية، فأخذ يلقنه العِلمين أو المشربين، وفي نفس الوقت كان يتلقى الفقه على مختصٌّ بذلك، والحديث على مختصٌّ بذلك، حتى أتقن الفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه.

وشرح له معلمه في الفقه كتاب يُسمى {التنبيه} لأبي إسحاق الشرازي في فروع الفقه الشافعي، لكنه من حرصه على طلب العلم وكفاءته وزكائه في العلم، عمل شرحاً لهذا الكتاب في ست مجلدات، فانظر مدى تبحُره في علوم الشريعة المطهرة.

وكان أيضاً يتردد على رجلٍ ـ كان أبوه قد أوصى خاله أن يتركه يذهب إليه ليتمرن على جهاد السالكين والعارفين على يديه ـ هذا الرجل يُسمى الشيخ {عبد الملك الخرنوبي}، ولنا وقفةٌ معه لنرى كيف كان يُربي الرجال، السالكين المجدين المؤهلين لمقامات الكمال.

يقول رضي الله عنه:

[مررتُ وأنا صغير على الشيخ عبد الملك الخرنوبي فناداني وقال لي: يا أحمد إسمع ما أقول لك، قال: فقلت: نعم، قال: ملتفتٌ لا يصل، ومتسللٌ لا يُفلح، ومن لم يعرف من نفسه النقصان، فكل أوقاته نقصان].

 ما معناه هذا الكلام؟

متلفتٌ لا يصل:

الذي يتلفت تارةً إلى الدنيا، وتارةً إلى شهوات النفس، وتارةً إلى حظوظه، وتارةً إلى طريق الله، لا يُفلح:

أفرِدن بالقصد مولاك العليِّ     تشهدن غيباً مصوناً أوليِّ

لابد أن نفرد الله بالقصد ـ ويتحرر من هذه القيود التي تقيد روحه وقلبه عن مطالعة الغيوب، ومشاهدة حضرة علام الغيوب.

ومتسلل لا يفلح:

يعني يدخل على القوم خُفية، إسمه متسلل يعني ماذا؟

يعني مثل بعضهم يظن أنه يستفيد من جميع الصالحين، فيتسلل إلى مجلس هذا خُفية، ثم يهذب إلى مجلس هذا خُفية، ويتنقل من هنا وهناك، لأنه لابد له من الإلتزام بواحد يأخذ بيده حتى يوصله لحضرة الواحد تبارك وتعالى.

ومن لم يرى من نفسه النقصان، فكل أوقاته نقصان:

وهذا حال الصالحين حتى مع من بلغ منهم رتبة الكمال، يرى نفسه مقصراً، يرى نفسه في حاجة إلى إعادة تجديد، يرى نفسه في حاجة إلى أن يُصلح عيوب نفسه، فيحاول أن يكشفها ويطلع عليها ليعالجها، حتى أن معظمهم عندنا يواجه غيره يسأله عن عيوب نفسه ليُصلحها، كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

[رحم الله رجلاً أهدى إليَّ عيوب نفسي].

الذي يبين له عيوبه، إعتبرها هدية لأنها تقربه من المقامات العلية.

قال: خرجتُ من عنده وجعلت أكررها سنة ليعمل بها، ثم رجعتُ إليه فقلت له: أوصني، فقال:

[ما أقبح الجهل بالألدَّاء، والعلة بالأطباء، والجفاء بالأحباء]. 

كلماتٌ بسيطة لكن لكي تُطبق عملياً تحتاج إلى جهاد، وهذا يمكن يُذكرني بما أكرمني الله به على يد شيخي الشيخ محمد علي سلامة رضي الله عنه وأرضاه.

كنت أستمع أحياناً إلى بيتٍ من قصيدة من أبيات الإمام أبو العزائم، فأظل أُردد هذا البيت شهرين أو ثلاثة أو يزيد على ذلك، فإذا أكرمني الله تبارك وتعالى بالعيش فيه، أذهب لأستمع إلى غيره، لأن العبرة ليست بكثرة العلم، العبرة بالحكم الإلهية التي نطق بها الحكماء، وحكمةٌ واحدة تفتح قُفل القلب، فيضع الله فيه اليقين، ويصير صاحبه من أهل علم اليقين، أو عين اليقين، أو حق اليقين.

وهذه الحكمة شرحها بطريقة مبسطة، {ما أقبح الجهل بالألداء} وهؤلاء الألداء يعني ذوي العقول، لا يجوز لأهل العقول السليمة أذا ظهر عليهم ما يدل على جهلهم، لأنهم عُقلاء حكماء، إذا ظهر الجهل من الغافلين فهذا شيئ عادي، ولكن من العقلاء والحكماء لا يجوز ذلك، ولا يجوز أن يكون الطبيب يعالج غيره من داء، وهو مصابٌ بهذا الداء ـ أليس كذلك؟

يعني أذهب للطبيب فيقول لي: لابد أن توقف التدخين ـ والسيجارة في يده ـ هل ينفع هذا؟ فيقول المريض: يجب أن يوقف الطبيب التدخين أولاً، ثم أوقفه أنا.

فلا يجوز كما يقولون:

أغير تقيٍّ يأمر الناس بالتُقى     طبيبٌ يداوي والطبيب سقيمُ

داوِ نفسك أولاً ثم داوِ غيرك، ولا يجوز الجفاء من الأحبة في التعامل مع الصالحين.

يجوز الجفاء من الغرباء، يجوز الجفاء من الأعداء، يجوز الجفاء من الحاقدين والحاسدين، لكن هل يجوز الجفاء من المحبين؟ مهما حدث له فإن الشيخ إذا أعرض عنه لحكمة يرجوها منه، فليس هذا إعراض ولكنه أيقاظ.

ربما لا يدري لكنه لو عمل بالمبدأ الأول للسالكين، وأول مبدأ للسالكين: سمعنا وأطعنا، فسيُظهر لله تبارك وتعالى له في الوقت والحين العلة والحكمة من خطاب الرجل الصالح له في هذا الوقت والحين، وحتى لو لم يظهر اليوم فسيظهر بعد حين، فلا تعجل فالعجلة لا تكون من صفات كُمل المريدين ـ خُلق الإنسان من عجل.

ومن يُرد أن يرى الآيات البينات يستمع إلى قول الله:

﴿ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ (37الأنبياء).

وأذكر في هذا المجال وصية سيدي أبو حنيفة النعمان لتلميذه النجيب أبو يوسف، فأبو يوسف كان يتيماً، وأرسلته أمه إلى نجار ليتعلم مهنة النجارة، لأنها لا تستطيع أن تُنفق عليه، فكان يترك النجارة ويذهب إلى أبي حنيفة في حلقته في المجلس، ويجلس لسماع العلم، فيذهب النجار لأمه ويشتكي لها، فتأتي وتأخذه ولكن بعد أن تصيح وتفعل مشكلة وفضيحة لأبي حنيفة رضي الله عنه، وتقول أن إبنها فقير ويتيم وتريد أن يكون له صنعة وعمل.

فمن تكرار ذلك قال لها أبو حنيفة: أتركيه فإنه سيأكل الفالوذج ـ وهي المهلبية ـ بدُهن السُمسم على مائدة الخلفاء، فتركته.

وعند لحظاته الأخيرة وقد كان في ذاك الوقت وارثه في علم الفقه، يا سيدي أوصني، فقال: يا أبا يوسف إن للوطاط منياً كمني الرجال.

فبالله عليكم أهل العقول، هل تنفع هذه وصية؟

لكن عندهم صولات وجولات في عالم الحي الذي لا يموت، فانتقل أبو حنيفة إلى الرفيق الأعلى، وأبو يوسف تولى التدريس في مسجده وكان غير مشهور، ودخل هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي كانت تخضع له الأرض كلها في ذاك الحين، دخل إلى غرفة نومه فوجد على سريره منياً كمني الرجال.

وكان متزوجاً من إبنة عمه السيدة زُبيدة وكانت من الصالحات، وكانت إلى ذلك جميلة من الجميلات، فاحتار وكان الناس إذا احتاروا في مسألة يذهبون إلى العلماء، لأن معهم الحل، فذهبوا إلى العلماء فلم يصل أحدهم إلى حل هذه المعضلة.

فهنا تذكر أبو يوسف وصية أبي حنيفة، قال: أنا معي الحل، أدخلوني المكان، وعندما دخل إلى المكان نظر إلى أعلى فوجد ناروزة ـ هل تعرفون الناروزة يا إخوانا؟

كان زمان الغرف التي ليست على الطريق ليس لها نافذة، فيعملوا لها ناروزة وهي فتحة في الأعلى، وكانوا يعملوها على هيئة قُبة وكانوا يفتحوها في الصيف لتأتي لهم بنسمة الهواء.

فنظر في الناروزة الفتحة التي بالسقف فوجد عُش طائر، فقال لهم: إئتوني بسُلم، فطلع فوجد هذا الطائر وطواط ووطواطة، فقال لهم: إن للوطواط منياً كمنيِّ الرجال، هذا مني الوطواط عندما كان مع الوطاوطة ونزل على  السرير.

ويمكن حتى أصحاب العلوم لا يعرفونها، الذين يدرسون حياة الوطاوط هل يعرفونها؟ أبداً حتى نعرف أن علوم العارفين تُعجِّز حتى العلماء في تخصصاتهم، لأنها علوم من عند حضرة الله تبارك وتعالى.

فانهالت الهدايا على أبي يوسف وأصبح مقرباً من الخليفة، حتى أصبح جليساً للخليفة فلا يتركه ويطلبه للمجالسة، وهارون الرشيد مع سعة مُلكه وسطوته إلا أنه كان محباً للعلم والعلماء، ودائماً وأبداً يحاول أن يكرمهم بنفسه، فدعا مجموعة من العلماء من جملتهم أبو يوسف، وكان لابد أن أن يمسك بالإبريق ويصب على يد العلماء في البداية وفي النهاية.

لأن هؤلاء سلاطين حق وحقيقة، رأى حضرة النبي يدعوه لزيارته، فجاء حافياً من بغداد إلى المدينة المنورة، لم يركب ركوبة، فكان الورع والزهد والصفاء والنقاء موجودون.

بعد أن أنهوا الطعام أتوا بالحُلو، فقال لأبي يوسف: كل من هذا الطعام كثيراً فإنَّا لا نصنعه إلا قليلاٌ فسأله: ما هذا؟ فقال: هذا الفالوزج بدُهن السُمسم، فأخذ يبكي أبو يوسف وتذكر أبا حنيفة رضي الله تبارك وتعالى عنه، حتى نعرف أن كلمات العارفين الصادقين هي مفاتيح الكنوز التي إدخرها لنا رب العالمين تبارك وتعالى، وليست الدروس الطويلة، ولكن الكلمة الواحدة.

ظلَّ يتلقى العلم حتى بلغ العشرين من عمره، وعندما بلغ العشرين من عمره فالشيخ أبو الفضل الواسطي أجازه بأن يُدرس علوم الشريعة وعلوم الحقيقة، أجازه في العِلمين، ولذلك لُقب بأبي العِلمين، ولكنهم استسهلوها وقالوا: أبو العَلمين، لكن الأصل أبو العِلمين لأن معه الشريعة ومعه الحقيقة، معه الظاهر ومعه الباطن.

وأصبح محدثاً وفقيهاً ومفسراً وصوفياً وقارئاً، حتى يملأ عصره بالعلوم االنافعة والأنوار الرافعة، ولما بلغ الثامنة والعشرين من عمره كان شيخه وخاله الشيخ منصور الباز البطائحي على وشك أن يلقى الله، وأثناء العلم وطلب العلم لم يترك جهاد نفسه طرفة عين، كان في جهاد النفس على الدوام، هذا مع هذا، علم مع عمل.

أهم ما كان يحرص في جهاد نفسه في البداية الزهد، والزهد عنده كما قال لتلاميذه:

[لا أطالبكم أن تذهبوا إلى جبلٍ لتسكنوا فيه، وتتخلون عن أبنائكم وزوجاتكم، ولا أمنعكم أن تأكلوا أشهى الطعام ولا أفخر الشراب، ولا أبهى اللباس ولكن كل ما أطلبه منكم أنكم وأنتم تتعاطون ذلك لا تصابون بداء الفخر ولا العُجب بالنفس، أو تدلوا على الفقراء بفعلكم فتسقطوا من نظر الله تبارك وتعالى] ـ يعني أنتم ترون أنفسكم أنكم أحسن من هؤلاء الناس.

وكان يُحيي الليل كله قائماً بين يدي مولاه، وصنعته التي كان يقتات منها كان يذهب إلى الغابة ويحتطب ويأتي بالحطب ويبيعه حتى يأكل من عمل يده.

وأهم باب سلكه في جهاده ـ وما أحوجنا في هذا العصر إليه ـ العناية بالفقراء والمرضى والزنَّى والأرامل واليتامى والمساكين، فكان هذا جهاده الأعظم، عبادته الأدنى التي يتقرب بها إلى مولاه، ولذلك يقول: سلكتُ كل الطرق الموصلة، فما رأيتُ أقرب ولا أسهل ولا أصحُّ من الإفتقار والذل والانكسار، فقيل له: يا سيدي وكيف يكون ذلك؟ قال:

[تُعظِّم أمر الله، وتُشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة رسول الله ﷺ].

فكان نهاره يبحث في أرجاء قريته والقرى المجاورة عمن وصفناهم، يذهب إليهم ويزورهم، ويغسل ثيابهم، ويتناول الطعام معهم، ويجبُر خاطرهم، وكان إذا سمع بمريض ولو كان على مسافة بعيدة، يذهب ليزوره، ويتفقد أحواله، ويرجع بعد يومٍ أو يومين.

بالله عليكم ألا نحتاج كلنا إلى هذه الأخلاق؟ فالمجتمع كله لينصلح حاله يحتاج إلى هذه الأخلاق الكريمة.

وكان أحياناً يسيح في الصحراء ومعه بعض رفاقه وتلاميذه ويحتفظ معه بحبل، فإذا هموا بالرجوع رجع إلى الغابة وقطع الحطب وحمله على رأسه، وهم بالطبع معه ويذهب إلى البلدة فيوزعه على الفقراء والمساكين والشيوخ والمرضى وما شابه ذلك.

وكانت أغلب وصاياه لمن حوله في هذا الباب، إذا رأى رجلاً كبيراً في السن في مكان ينادي على أهل المكان ويقول: إستوصوا به خيراً، فقد قال ﷺ:

(ما أكرم شابٌ شيخاً لكبر سنه، إلا وقيَّد الله له من يُكرمه عند كبر سنه).

[لراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني].

وانظروا للدعوة، فليست المواعظ والخطب الرنانة والموائد وهذا الكلام؟

فهذه هي دعوة  الصالحين، التي نتكلم فيها.

ويقول عن هذه الأمور:

[زيارة هؤلاء واجبة وليست مستحبة].

لأنه واجب عليه أن يذهب إلى هؤلاء لأنهم هم الذين يحتاجون إليها، الذين لا أنيس لهم، ولا جليس لهم، ويحتاجون إلى من يُروح عنهم ويُذهب الهم والغم عنهم، هذه هي تجارته الرابحة مع مولاه سبحانه وتعالى.

وهذه أقام عليها تربية مريديه كذلك على هذا العمل وهو {الخدمة} واسمها الخدمة يعني إخدم، حتى أننا وكنا صغار رأينا في الساجد الكبرى في يوم الجمعة من ينتسبون إلى سيدي أحمد الرفاعي، وكل واحد يحمل على ظهره قربة وعمَّال يسقي المصلين.

وكان يتفنن في المياه فيضع عليها ثلج، ويضع عليها ماء زهر، حتى يكون شكلها وطعمها حُلو، لماذا؟ لوجه الله سبحانه وتعالى، ولا يأخذ شيئاً، فهل هذا يُوجد الآن؟ أظن لم يعد موجوداً الآن، وهذا كان عملاً من الأعمال العظيمة. 

أحد الجالسين مقاطعاً: ما زال موجود يا مولانا في بعض المساجد.

الشيخ: الحمد لله فلا يزال الخير وجود إلى الآن أيضاً والحمد لله رب العالمين.

فلما جاء أجل خاله منصور الباز البطائحي، قالت له زوجته: أعطي الخلافة لإبنك، فقال: كيف أعطيها لإبني وأترك إبن أختي أحمد؟

فهؤلاء رجال يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم، فساقت إليه كبار القوم أن يجعل الخلافة لإبنه، فلما أكثروا عليه قال: أدعوهما، فدعوهما الإثنين إبنه ابن أخته، وقال لهما: إذهبا إلى أرض كذا، وكل واحد يأتيني بحمل نجيل من هذه الأرض بحيث لا يراكم أحدٌ ـ نعرف النجيل طبعاً.

فابنه جرى وأخذ ركوبة قوية، وجاء بالنجيل وحمله وجاء مسرعاً، فأخذوا ينتظرون أحمد الرفاعي أن يأتي فلم يأتي، وفي نهاية النهار قال لهم: أنظروا أحمد لم لم يعد؟ فذهبوا إليه وسألوه: لم لم تأتي؟

فقال لهم: كلما أردتُ أن أقطع نبتة سمعتها تذكر الله تعالى، فأستحي من الله أن أقطعها وهي تذكره ـ وصل إلى مقام:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ (44الإسراء).

ولكنه ـ تفقهون ـ أي يفقه تسبيح الكائنات، فأصبح هو متولي أمر الطريق بعد خاله رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين.

أقام في مشيخة الطريق ككُمل الصالحين، مجالسهم علمٌ ونورٌ وحكمةٌ، فكان يقضي بينهم وقته من الصباح إلى الظهر متنقلاً من دروس التفسير إلى دروس الحديث إلى دروس الفقه، وبعد الظهر جعل للناس عامة ـ للعوام ـ يومين كل أسبوع يوم الإثنين ويوم الخميس فهذا درس عام لجميع الناس.

وقد رزقه الله تبارك وتعالى بخاصية خليلية، نسبةً إلى الخليل إبراهيم، فكان أهل القرى المجاورة يسمعون دروسه وهم في بيوتهم على أسطح منازلهم، ولا ميكروفون ولا إذاعة ولا شيئ من هذا القبيل، مالذي يوصل لهم هذه الأصوات؟ كسيدنا إبراهيم عندما قال له ربنا:

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ (27الحج).

قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: يا إبراهيم عليك الآذان وعلينا البلاغ.

قال ﷺ:

(فأخرج الله الأرواح من مستقرها، والأجنة من بطون أمهاتها، وكلهم سمعوا نداء الخليل، وكلهم قالوا: ليبيك اللهم لبيك ـ ونحن من ضمن لبينا ـ لأنه قال: فمن لبَّى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين، ومن زاد على ذلك فبحساب ذلك ).

[أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ].

فكان على هذه الحالة الكريمة في دروسه رضي الله تبارك وتعالى عنه وأرضاه.

وما كانت دروسه؟

كالصالحين، ولعلكم تذكرون عندما تحدثنا عن سيدي عبد الرحيم القنائي رضي الله عنه أنه كان يأخذ آية من القرآن ويشرحها بعد صلاة العصر، وكان يأخذ حديثاً ويشرحه بعد صلاة الظهر، حديثاً نبوياً صحيحاً ويشرحه للناس بعد صلاة الظهر، وجُمعت هذه الأحاديث في كتاب إسمه {البرهان المؤيد} وهذا الكتاب موجود ويباع في الأسواق أيضاً.

أما مجالسه مع الخاصة فقد جُمع بعضها في كتابٍ آخر يُسمى:

{حالة أهل الحقيقة مع الله تبارك وتعالى}.

فكان رضي الله عنه يؤسس جماعته وتلاميذه على العلم والزهد، ثم بعد ذلك ينتقل بهم إلى دائرة ذكر الله، وخدمة الفقراء والمرضى والعميان والزَنَّى من عباد الله تبارك وتعالى، حتى ذُكر أنه كان لا يمشي في طريق إلا ينتظر حتى يجد فيه أعمى يأخذ بيده، وقد قال ﷺ:

(من قاد أعمى أربعين خُطوة وجبت له الجنة).

[الراوي : جابر بن عبدالله وعبدالله بن عمر وابن عباس | المحدث : ابن القيسراني]. 

فكانت هذه عبادته مع هؤلاء الأقوام، وأظن أن هذه العبادة لا يستطيع أن يقوم بها أحدٌ إلا إذا زكت نفسه، فمن كانت نفسه فيها شيئ من الزهو أو شيئ من الفخر، فهل يقوم بعبادة من هذه العبادات؟ لا لكن سيقول: تعال يا فلان خذ بيد فلان، وليس له شأنٌ بهذا الموضوع، فمن الذين يقومون بهذه العبادات؟ الذين ماتت نفوسهم.

واحتيت قلوبهم وتابعوا الحبيب ﷺ في كل أحوالهم.

وكان يقول لهم عبارات حكيمة، العبارة تربي أمة يقول في طريقنا:

[ضبط الحواس بمراعات الأنفاس، وتطهير الباطن من الأدناس، ومداومة الذكر بجميع الحواس].

وانظر إلى جمال العبارة؟ ما هذا الطريق؟

ضبط الحواس بمراعاة الأنفاس:

كلها العين والأذن واللسان واليد والرجل والفرج كله، بمراعاة الأنفاس، وليس بمراعاة اليوم والليلة، لا بالنفس.

وتطهير الباطن من الأدناس:

من جميع الأدناس: من الغل والحقد والكُره والبُغض وما شابه ذلك.

ومداومة الذكر بجميع الحواس:

وهل يوجد ذكر باليد أم لا يوجد يا إخوانا؟ هل يوجد ذكر باليد؟ وهو الصدقة، فكان يقول لهم:

[الصدقة أقرب طريق إلى لله تبارك وتعالى تبارك وتعالى].

فما أقرب طريق إلى الله؟ الصدقة لأن النفوس كما ربنا قال:

﴿ وَأُحْضِرَتِ الانْفُسُ الشُّحَّ ﴾ (128النساء).

كان كذلك يأمرهم بالإقتداء برسول الله ﷺ في كل أحوالهم ويقول:

[لا أجد عُذراً لأحدٍ من أحبابي في ترك الاقتداء برسول الله ﷺ].

وكان كما كان كُمل الصالحين يجعل المقام الأعظم في الكشف ـ ربما تحدثنا عنه في الإثنين الماضي ـ هو الكشف الإلهامي، الإلهام في معاني كتاب الله وفي معاني حديث رسول الله ﷺ.

أما الكشف الملكوتي ربما يُشوِّش الشيطان على الإنسان بمثل هذا الكشف، ويُبعده عن طريق الرحمن تبارك وتعالى.

لكن الكشف الذي فيه الأمان، كشف معاني الآيات القرآنية، وكشف معاني الأحاديث النبوية المطلوب منه، حتى يصل إلى رب البرية سبحانه وتعالى.

ويجعل للمريد علامة يعلم بها أنه قد كمُل في تربيته، ويسارع إلى تربية غيره، هذه العلامة ما هي؟ إذا وصل إلى حال يراقب الله على الدوام، ويرى أن الله يطلع عليه في كل أنفاسه على مدى الأيام، إذا وصل لهذا الحال فيكون هنا قد وصل واتصل:

﴿ إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ (128النحل).

ويجعل للمريد الذي بلغ هذا المقام أنه يجب عليه أن يوصل الخير إلى غيرأهله، يوصل الخير إلى أهله لا غيره بهذه الطريقة التي وصفها رضي الله عنه:

أولاً: أن يكون عنده صفاء صدرٍ حتى لا يبقى فيه شيئٌ من الخبث لا لعدوٍ ولا لصديقٍ ولا لأحدٍ من خلق الله.

أن لا ينظر في عيون الناس، وأن لا يسأل ولا يرد ولا يدخر.

أن لا يُتعب شيخه في تربيته، بل يكون سميعاً للإشارة، وأن يفتخر شيخه به بين الفقراء، لا أن يفتخر بشيخه.

أن يرى كل نفسٍ من كل أنفاسه أعزُّ من الكبريت الأحمر، يحرص على الأنفاس حرصاً بالغاً أكثر من أي شيئٍ في هذه الحياة.

إذا تعلم أحدكم شيئاً من الخير فليعلمه الناس يُشمل له الخير، وكل أخٍ لا ينفع في الدنيا لا ينفع في الآخرة.

وإذا أراد أن يترقى إلى مقامات الرجال يقوم بأمر نفسه، فإذا أدب نفسه واستقامت معه، يقوم بأمر أهله، فإن أحسن إليهم عشرتهم، يقوم بجيرانه وأهل محلته، فإن أحسن إليهم بقوم بأهل بلده، فإن هو أحسن كلفه الله بجهةٍ من الجهات، فإن هو أحسن عشرتهم وأصلح سريرتهم مع الله تعالى، كلفه الله ما بين السماء والأرض، ثم لا يزال يرتفع من سماء إلى سماء، حتى يصل إلى محِل الغوث الأعظم، فأطلعه الله عل غيبه، وهنا يتكلم عن الله بكلامٍ لا تسعه عقول الخلائق.

وهذا المنهج للذين يتصدرون ليعلمون غيرهم.

عاش الشيخ حتى حانت وفاته، وقبل وفاته بأيام وكان عنده إبنتين ورُزق ولد إسمه صالح ولكنه مات وعنده سبعة عشر سنة في حياته، فلم يترك إلا بنتين، فجاءه إبن أخته وكان متزوجاً إبنته فقال: يا سيدي ما نقول بعدك؟ ومن الذي ترثه لنا؟

فقال رضي الله عنه:

[قل عني إنه ما نام ليلة إلا ورأى كل الخلق أفضل منه، ولا حرج قط، ولا رأى لنفسه قيمة قط، أما ما أورثه فيا ولدي تشهد أني أن مالي مالاً حتى أورثكم، إنما أورثكم قلوب الخلق].

وبقي لمدة شهر ثم كان آخر كلامه:

أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

ومات عام خمسمائة وثمانية وسبيعن هجرية، يعني كان عنده ثمانية وسبعين سنة.

باقي عدة تنبيهات نأخذها بعد العشاء إن شاء الله.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

 

 

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up