Advanced search

دروس Related

  • خاتم النبين -سورة الاحزاب الآيات40-38

    More
  • إشارات العارفين فى خاتم النبين

    More
  • إشارات العارفين فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ

    More
View all

New الدروس

  • خاتم النبين -سورة الاحزاب الآيات40-38

    More
  • إشارات العارفين فى خاتم النبين

    More
  • إشارات العارفين فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ

    More
اعرض الكل

Most visited

  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

الصلاة على النبي وفوائدها آيات سورة الأحزاب ٥6-٥٨

Visits number:24 Downloads number:Not found
Download video Watch Download audio Listen
الصلاة على النبي وفوائدها آيات سورة الأحزاب ٥6-٥٨
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



خامساً: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

" إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " (56الأحزاب).

آيات الصلاة على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم تحدَّث فيها مَن قبلنا، وأفاضوا في شرحها وتفسيرها، والإشارة إلى الإشارات العلية التي جعلها الله فيها لحضرته، وسيتحدث فيها المعاصرين ومَن بعدنا، ولن يستطيع أحدٌ من الأولين ولا المعاصرين ولا الآخرين أن يشرح هذه الآيات كما ساقها رب العالمين تبارك وتعالى.

لكن كل واحد يشرح على قدره بما يشرح الله صدره، وكل مجلس له رزقه وله خيره وله بركته من الله، ربما يشرح الشارح الآية بأكثر من وجه، في كل مجلس وجه، فما هذا؟ أرزاق الحاضرين، فهي أرزاقكم تتنزَّل إليكم من ربكم تبارك وتعالى.

صلاة الله على المؤمنين

في البداية هناك آية غير هذه الآيات تتحدث عن صلاة الله وملائكته على المؤمنين: " هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " (43الأحزاب) لم يقُل إن الله صلَّى، بل قال: (يُصلي) بالمضارع المستمر، يعني يُصلي من قبل القبل إلى نهاية النهايات، صلاة مستمرة، وأشرك ملائكته معه سبحانه وتعالى لتشريفهم.

فكما صلَّى الله ويُصلي على حبيبه ومصطفاه يُصلي علينا أيضاً، وذلك تشريفٌ لنا من الله، وشرَّف الله ملائكته بأن أشركهم معه في الخطاب، وهذا لا يجوز منا لله تبارك وتعالى، لكن الله يفعل ما يشاء، يعني لا يجوز أن تُشرك أحداً مع حضرة الله، ولذلك رُوي عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ:

{ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ }[1]

لأن هذا ليس من شأنه، لكن الله أشرك معه ملائكته لتشريفهم ولتكريمهم ولتعظيمهم، قل ما شئت في ذلك لأنه عز وجل لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

فكما قال الله: " إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ " شرَّفنا وعظَّمنا وقال في شأننا: " هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " (43الأحزاب).

كلام أهل الإشارة

إلى هنا الكلام ظاهره يوهم بأن الصلاة على المؤمنين كالصلاة على النبي الأمين، لكن أهل الإشارة قالوا: العبارة تبين الفارق بين المقامين، فإن الذي يصلي على المؤمنين هو الله بلفظ الهُوية (هو)، وهذا لفظٌ من ألفاظ الحضرة الإلهية، فهناك حضرة من الحضرات العلية اسمها حضرة الهُوية.

لكن الذي يُصلي على النبي هو (الله) بكل جمالاته وكمالاته وأسمائه وصفاته، يُصلي باسم الجلالة (الله) وهذا الاسم الأعظم الذي فيه كل الجمالات والكمالات لله تبارك وتعالى.

وهو اسمٌ مخصوص، لنعرف أنه يوجد فارق بين المقامين، فارقٌ بين مقام من يُصلي عليه الله باسم ذاته القدسية، وبين من يُصلي الله عز وجل عليه بكنز الهُوية، وكنز الهُوية لو أُذن لنا أن نتحدث عن غيوبه الخفية لطارت العقول، لأن فيه معاني غريبة وعجيبة.

يعني مثلاً: " هُوَ الاوَّلُ وَالاخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ " (3الحديد) فإذا كان الله تبارك وتعالى لا أولية له، فمَن الأول؟!!، والله سبحانه وتعالى لا آخرية له، فمَن الآخر؟!! وظهوره عين بطونه، وبطونه عين ظهوره، فالوصف هنا لا يعلمه يقيناً إلا أهل التمكين، نسأل الله أن يكرمنا وأن نكون منهم أجمعين.

صلاة الله والملائكة على النبي

" إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ " ما دام الله عز وجل يُصلي على حضرة النبي، فهل يحتاج بعد ذلك إلى صلاة الملائكة أو المؤمنين أو غيرهم؟ أبداً.

إذاً صلاة الملائكة لمنفعتهم، فلا تعود المنفعة على حضرته، وإنما تعود عليهم، وصلاتنا على النبي من باب أولى لنا نحن، وفوائد الصلاة على حضرة النبي التي تعود علينا لو جلسنا في مجلسنا هذا إلى مطلع الصبح لا نستطيع حصرها ولا عدها.

حاول بعض العلماء الأجلاء وبعض الصالحين ذكر بعضها، لكن لا منتهى لحصرها ولا لعدها، حتى نعلم أن هذا فضلٌ عظيم من المولى الكريم تبارك وتعالى لنا، ببركة الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم.

رأي الإمام القرطبي

ولكن لا بد أن نذكر بعض أقوالهم إشادة بهم لأنهم مجتهدين، ولهم منزلةٌ كريمةٌ عند رب العالمين، أشار بعض السادة المفسرين الموفقين كالإمام القرطبي رضي الله عنه فقال: إن الله ذكر الأدب مع حبيبه في بيته قبل هذه الآيات، والتي فيها:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ " (53الأحزاب) ففيها ذكر الآداب مع حضرة النبي، وذكر اعلاء شأن الربوبية وتكريم الحضرة العلية للحبيب صلى الله عليه وسلَّم لقوله: (إن الله) وذكر أدب الملائكة في الملأ الأعلى مع حضرة النبي فذكر الملائكة، ثم ذكَّرنا بالأدب الواجب مع حضرة النبي في الملأ الأدنى في الأرض فقال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ".

فالأمر كله أدب راق وذوق عال من الله تبارك وتعالى لخاصة المؤمنين.

كيف يصلي الله على النبي؟ وكيف تصلي الملائكة عليه؟ كثير من السادة المفسرين والمؤولين شغلوا أنفسهم بهذا الأمر، مع أن هذا أمر غيبي لا يعلمه الإنسان إلا إذا علَّمه العليُّ، سيجتهد بفكره فلن يصل إلى شيء، سيجتهد بذكائه فلن يصل إلى شيء في هذه الأمور، لأنها أمورٌ غيبية:

هو العلم لا يُجلى بغير الحقائق

وعلمٌ بكشفٍ فيه قربٌ لخالقي

هو من علوم المكاشفات، فكيف تأتي به في علوم الرسوم والجسوم؟

وما العلم إلا ما يعلمه العلي

وآيُ يعلمكم دليل لصادق

وآيُ يعلمكم يقصد بها آية: " وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ " (282البقرة).

فالذي يُريد معرفة كنه هذه الصلاة يحتاج أن يُرقق أُفق قلبه ويصغى بفؤاده إلى إلهامات ربه تبارك وتعالى حتى يعرف من علوم الإلهام ما ينبغي أن يعرفه في حق الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

ولذلك - كما ذكرت - كثيرٌ من المفسرين القدامى والمحدثين، قالوا: إن صلاة الله على رسول الله هي رحمته، وقالوا إن صلاة الملائكة هي الدعاء له، فهل هو الذي يدعو لهم، أم هم الذين يدعون له؟! ورحمته قد أخذها كلها: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " (107الأنبياء).

حتى إن بعض السادة الأكابر من العارفين عندما يحكي عن حادثة شق الصدر، وقال: أنهم أخذوا من قلبه قطعة وقالوا: هذا حظُ الشيطان منك، فقالوا: يعني حظ الشيطان من رحمتك، لأن الشيطان يطمع في الرحمة التي جعلها الله فيك، لأنك لو رحمته وشفعت له سيرحمه الله:

لو نظرة منه لإبليس انمحت

عنه الشقاوة بالعطا المدرار

ولذلك كان الشيطان في ليلة الإسراء واقف في طريق النبي، ويقول: انظرنا يا محمد، فيقول: من هذا يا أخي يا جبريل؟ فيقول: هذا إبليس يريد نظرة منك لتمحوا شقاوته، فهو صلى الله عليه وسلَّم الرحمة العُظمى لجميع العوالم الظاهرة والباطنة.

وقالوا عن صلاة المؤمنين أنها استغفار للنبي، لكن من الذي يستغفر للآخر؟! قال الله له: " وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ " (19محمد) هل قال لنا نحن نستغفر له؟ لا، وهل فعل شيئاً ليحتاج للمغفرة؟ لا، هو أخذ من البداية: " لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ " (2الفتح).

حقيقة صلاة الله وصلاة الملائكة

لكن أنا أقول بما فتح الله تبارك وتعالى به علينا: الصلاة سُميت صلاة لُغوياً لأنها صلة بين العبد ومولاه، يصل العبد مولاه ببعض التسبيحات والتحميدات والتلاوات التي سنَّها لنا رسول الله، ويصله الله تبارك وتعالى بعطاياه على قدر صفائه ونقائه وهو واقفٌ بين يدي مولاه.

فإذا كانت الصلاة هي الصلة، فإن الله وملائكته يصلون على النبي، كيف يُصلي الله على النبي؟ يَصِله بصِلات لا تنتهي أبد الآبدين، في كل نَفَس له صِلات من حضرة الله، وله عطايا من خبايا كنوز فضل الله، وله اتحافات تأتيه جلية واضحة من مولاه.

وهو صلى الله عليه وسلَّم - لأنه كريمٌ- طلب الله من الملائكة أن يحضروا هذه الصلاة، ليأخذوا نصيبهم من رسول الله؛ من العطاءات التي خصَّه بها مولاه تبارك وتعالى، لأنهم كلهم طامعين، كما ورد ببعض الأثر أن سيدنا جبريل عندما وقف عند سدرة المنتهى قال له صلى الله عليه وسلَّم: ألك حاجة عند الله؟ قال: بلى، أن يؤمنني، فمنذ خلقني الله وأنا أرتعد من رهبته وأخاف من جلاله وقهره وعظمته، فنزل قول الله تعالى:" نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ " (193الشعراء) والروح هو جبريل، وأخذ الأمان ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

فالصلاة الإلهية والعطايا الربانية هي التي يتولى الله تبارك وتعالى على الدوام إنزالها في كل نَفَس على خير البرية.

والله ينزل على قلوب الصالحين وأفئدة المتمكنين في كل نَفَس من الأنوار والأسرار والأفكار الإلهية ما لا يُعد ولا يُحد، يقول فيها الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

والعارف الفرد محبوبٌ لخالقه

فات المقامات تحقيقاً وتمكيناً

في كل نَفَسٍ له نورٌ يواجهه

من حضرة الحق ترويحاً وتيقيناً

وإذا كان ينزل في كل نَفَس للعارفين، فكيف بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟! وما قدر عطاياه؟! " إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ " (1الكوثر) والكوثر هو الخير الكثير الذي ليس له حدٌّ ولا عدٌّ، وهذا في البداية، وبعد ذلك: " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " (5الضحى).

يعني أعطاك قبلاً، ويعطيك بَعداً حتى ترضى، ولذلك قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ((ولا يرضى صلى الله عليه وسلَّم وواحدٌ من أمته في النار)) وهذه هي الشفاعة، قال صلى الله عليه وسلَّم:

{ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي }[2]

أهل الكبائر من أمته يشفع فيهم حتى يُخفف عنهم الأحكام، ويأخذ فيهم ولهم عفواً من الملك العلام، ويُخرجهم من النار ويُدخلهم الجنة بسلام: " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " (5الضحى).

صلاة المؤمنين على النبي

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " وهل يوجد أحدٌ في المسلمين أجمعين يعرف كيف يُصلي على حضرة النبي؟! ولذلك أصحابه المبجلين رضوان الله عليهم أجمعين - كما جاء في الروايات الصحيحة - ذهبوا إليه وقالوا:

{ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ }[3]

أنتم لن تعرفوا كيف تصلوا، ولكن اعملوا توكيلاً لله وهو يُصلي بالنيابة عنكم، فقولوا: (اللهم صلِّ) هل نحن الذين نصلي أم هو الذي يُصلي؟ هو، يا رب نحن لا نعرف كيف نُصلي عليه، فصلِّ أنت عليه بالنيابة عنا.

وانظر إلى وفاء حضرة النبي، أدخل معه آله السابقين وآله اللاحقين: (كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم) هم آله الأولين، لأن نسبه يصل إلى إبراهيم، وإسماعيل بن إبراهيم، وذكر الآل الذين سيأتوا من بعده، إلى يوم القيامة، لماذا؟ لأنه كان صلى الله عليه وسلَّم أرأف الناس بأهله، وأرحم الناس بذوي قرباه، وكلنا معشر المؤمنين من ذوي قرباه، لأنه عندما سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ، قَالَ:

{ كُلُّ تَقِيٍّ }[4]

وفي الأثر: ((أنا جَدُّ كل تقي)) كل تقي يكون له أبٌ شيخ، لكن جده لا بد أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

أو إن شئت: " وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " (35فصلت) كل تقي يكون له حظ عظيم عند الله، وأكبر حظ للتقي هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، حظه الأكبر والأعظم أن يتمتع بمشاهدة رسول الله، وأن يحظى برؤياه، وأن يكون بينه وبينه مواجهاتٌ ومراسلاتٌ وأحاديث كما كان الصالحين من عباد الله.

ونسمع بعض المتشددين يقول: لا تصح إلا الصلاة الواردة عن الرسول في الحديث الذي ذكرناه، مع أنها واردة بروايات كثيرة، لكن عندما ننظر إلى أصحاب حضرة النبي نجد أن سيدنا علي كان له صيغة يُصلي بها على رسول الله، وسيدنا عبد الله بن مسعود كان له صيغة يُصلي بها على رسول الله، ويقول لهم: ((إذا صليتم على رسول الله فأحسنوا الصلاة)) يعني حسِّنوها وجوِّدوها، حتى تليق بحضرته صلى الله عليه وسلَّم.

فليس شرطاً أن نلتزم بالصيغة الإبراهيمية إلا في الصلاة، ولكن خارج الصلاة صلِّ كما ألهمك الله بما شئت وكيف شئت.

مراتب صلوات العارفين

ولذلك العارفين تنقسم صلواتهم تقريباً إلى ثلاثة أقسام، صلوات عددية، وصلوات إلهامية، وصلاة شهودية.

الصلوات العددية

الصلاة العددية كالمذكورة في (دلائل الخيرات) للشيخ الجازولي رضي الله عنه وأرضاه، والشيخ الجازولي كان رجلاً من أهل فاس في بلاد المغرب، وذات يوم كان ماشياً عطشان فذهب إلى بئر ليشرب منه فوجد المياه عميقة ولا يستطيع الوصول إليها ليشرب منها، وإذا بفتاة تنظر من شرفة من منزل، وإذا بالماء يفور ويصعد حتى يصل إليها فتشرب وهي في مكانها، فتعجب، فسألها: كيف وصلت إلى هذه الحالة؟ قالت: بالصلاة على النبي.

فاجتهد الرجل في الصلاة على حضرة النبي وألَّف (دلائل الخيرات) وهي اجتهاد ولكن مبنية على العدد، فيقول مثلا: اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد قطرات البحار، وعدد ذرات الرمال، وعدد أوراق الأشجار، وعدد كذا، وعدد كذا، فكلها مبنية على العدد لأنها فكرية، ولذلك كان الرجل حكيماً فسماها (دلائل الخيرات) لأنها تدل فقط.

وفتح الله عليه بها حتى وصل إلى التمتع برؤية الحبيب المصطفى كرات ومرات، ولذلك يُذكر أنه بعد مماته بحوالي كذا وثمانين عاماً نُقل من قبره إلى ضريحه فوجدوه طرياً كأنه مات الآن ببركة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

واشتهرت الدلائل في كل الأسقاع الإسلامية، واشتهار الكتاب يكون دليلاً على صدق صاحبه وصفاء صاحبه مع مولاه.

الصلوات الإلهامية

هناك صلوات إلهامية أو مددية، إن شئت هذه وإن شئت هذه، فهي مدد وهي إلهام، فإن الصالحين كل واحد منهم له صيغة أو عدة صيغ خاصة به، كيف تأتيه؟ إلهام من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولذلك نسميها صلواتٌ إلهامية، غير الصلوات العددية.

رجل من أهل بيروت في القرن العشرين اسمه الشيخ يوسف النبهاني رضي الله عنه وأرضاه، وكان قاضياً شرعياً، وكان شديد التعلق بالحضرة المحمدية، فجمع صلوات العارفين منذ الصحابة الأولين إلى عصره في كتاب كبير سماه (سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين) وهو كتاب كبير حوالي سبعمائة صفحة وهو موجود لمن يريد أن يقرأ هذه الصلوات ولو مرة، لتعرف تجارة العارفين وبضاعة العارفين التي ألهمهم بها سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.

صيغة واحدة منها لسيدي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه: (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار) احتار الشُرَّاح في شرحها، ولها عددٌ من الشروح لا يُعد، فما بالك بهؤلاء الأولين رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين.

الصلوات الشهودية

وهناك صلاة شهودية، فبعض الصالحين يكونون في حالة تجلي جمالي لسيد الأولين والآخرين، وهم لا يشاهدون جمالاته الجسمانية التي يُغنِّي بها المداحين، بل يشاهدون جمالاته النورانية، وجمالاته الروحانية، وجمالاته الربانية التي انفرد بها عن الأولين والآخرين.

ففي هذه اللحظات يُعبر بصلوات عما يشاهده من الحضرة المحمدية، وهذه اسمها صلواتٌ عينية، أو صلواتٌ شهودية، وسمِّها كما شئت، الإمام أبو العزائم رضي الله عنه يحكي عن واقعة من واقعاته العينية فيقول:

حبيبي قد شرح صدري

وآنسني إلى الفجر

ورقاني إلى أعلى

مقام القرب والسير

واسترسل إلى أن قال:

فقم للدين يا ماضي

فإني قد صدر أمري

تملى بي وشاهدني

ومل عندي عن الغير

وأنبئ من يُرد قربي

بحُسني حيث لا يدري

فهذه صلوات شهودية، ومنها (الفتوحات الربانية) للإمام أبو العزائم رضي الله عنه وهي حوالي خمسمائة فتح أو يزيد، وكلها فتوحات في الصلوات على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، وما طُبع منها حوالي سبعة وسبعون فتحاً، والباقي موجود في عالم البرزخ لمن وصل إلى هذا المقام يراه بنور البصيرة، وبتوفيق الملك العلام سبحانه وتعالى.

الصلوات على حضرة النبي بابها مفتوح، صلاة بعدد، وصلاة بمدد، وصلاة بفتح ومشاهدة، هذه موجودة وهذه موجودة وهذه موجودة.

حكم الصلاة على النبي

متى نُصلي على حضرة النبي؟ بالنسبة لأهل التشريع جميعاً يأخذوا تشريعهم من الأئمة العظماء الأربعة، وهؤلاء قالوا: ينبغي أن نُصلي على حضرة النبي في كل فريضة نؤديها لله تبارك وتعالى.

الإمام الشافعي قال: هي فريضة لو تركها الإنسان فلا تصح صلاته، لكن الأئمة الآخرين كأبو حنيفة وغيره قالوا: الصلاة على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم في الصلاة مستحبة.

لكن متى تكون الصلاة على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم فريضة؟ أيضاً اختلفوا - واختلافهم رحمة - الإمام مالك قال: هي فرض على كل مسلم مرة واحدة في العمر، يعني لا بد من تنفيذ هذا الأمر ولو مرة في العمر: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ".

الإمام الشافعي قال: فريضة في كل صلاة.

وإجماع الأئمة قالوا: أن الصلاة على النبي فرضٌ كلما ذُكر اسمه صلى الله عليه وسلَّم، لأنه قال:

{ الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ }[5]

وهذا الذي نأخذ به، فلا يجوز أن يُذكر اسم حضرة النبي على لساني أو لسان أحد في مجلس، ولا أُصلي على حضرته، بل إن المجلس الذي لا يُصلَّى فيه على حضرة النبي من بدايته إلى نهايته يقوم أهله على أنتن من جيفة حمار، فلا بد أن نُصلِّ عليه صلى الله عليه وسلَّم كلما ذُكر اسمه.

مواضع الصلاة على النبي

وأضاف السادة العلماء الأجلاء أبواباً كثيرة لتدريب المؤمنين والمسلمين والصادقين على الصلاة على النبي، وأخذوها من سنته، فإذا دخلت المسجد، فلا بد أن أبدأ بالصلاة على النبي وبعدها أقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت من المسجد أبدأ بالصلاة على النبي، وبعدها أقول: اللهم هب لي من فضلك، فإذا دخلت منزلي، أو دخلت حجرتي، أو أستعد للنوم، أو أستعد للطعام، أو أستعد للشراب، أو أستعد لأي عمل من الأعمال، فلا بد أن أُصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حتى يكون على بالي على الدوام.

وأُذكِّر نفسي لأنه لا يجب أن يغيب النبي صلى الله عليه وسلم عن بالي طرفة عين، كلما عملت أي عمل لا بد أن أُصلي على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم قبل العمل وبعد العمل.

أريد أن أدعو الله، ولكي يكون الدعاء مقبولاً فيكون قبل الدعاء، الصلاة على حضرة النبي، وفي آخر الدعاء الصلاة على حضرة النبي، وهذا بالنسبة للناس أجمعين.

وبالنسبة لأهل الخصوصية فقد مثَّلهم سيدنا أُبي بن كعب رضي الله عنه، عندما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم:

{ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لكَ مِن صَلاتي؟ قال: مَا شِئْتَ، قُلْتُ الرُّبُعَ؟ قَالَ: مَا شئْتَ، فَإِنْ زِدتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ، قُلُتُ: فَالنِّصْفَ؟ قالَ: مَا شِئْتَ، فإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيرٌ لكَ، قُلْتُ: فَالثلثَينِ؟ قالَ: مَا شِئْتَ، فإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيرٌ لكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لكَ صَلاتي كُلَّها؟ قَالَ: إذاً تُكْفي هَمَّكَ، ويُغُفَرُ لكَ ذَنْبُكَ }[6]

يعني ضمنت النجاح في الدنيا، والفوز في الآخرة، لأنك جعلت وقتك كله في الصلاة على حضرة النبي.

هيئة المُصلي على النبي

بعض المتشدقين يقول: هل أُصلي على حضرة النبي أم أذكر الله؟ الصلاة على حضرة النبي هي نفسها ذكرٌ لله، لأننا في أولها نقول: (اللهم) يعني يا الله، أليس هذا ذكر؟ هو ذكرٌ قريب، لأني أقول يا الله صلِّ على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

وهي اسمها صلاة ولكنها لا تحتاج إلى وضوء، ولا تحتاج إلى اتجاه للقبلة، ولا تحتاج إلى مسجد، ولا تحتاج إلى هيئات وأركان الصلوات التي نصليها لله، فلعُلوِّ قدرها ورفعة شأنها خفف الله عنا في هيئاتها، فتُصلي كما شئت، نائم صلِّ، على وضوء صلِّ، وعلى غير وضوء صلِّ، حتى ولو كنت على جنابه لست ممنوعاً من الصلاة على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، لكن ممنوع من الصلاة لله، وممنوع من قراءة القرآن، أو مس المصحف، لكن لست ممنوعاً من الصلاة على النبي أو الاستغفار أو ذكر الله تبارك وتعالى، فما الذي يمنع الإنسان أن يديم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟!!.

الصلاة على النبي ورد الصالحين

ولذلك نسمع أو نقرأ عن سلفنا الصالح المباركين، ونجد أن الورد الأعظم لهم في طريقهم إلى الله هو الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه كان له شيوخ كثيرين، ويأخذ من كل شيخ خصيصته، فكان شيخه في الصلاة على النبي اسمه الشيخ نور الدين الشوني، وكان صاحب مجالس الصلاة على النبي في الجامع الأزهر، وكان يحضر مجلس الصلاة على النبي معه أكثر من عشرة آلاف فرد، وكان يُصلي على النبي صلى الله عليه وسلَّم في اليوم والليلة أربعين ألف مرة.

قد تتعجب وعقلك قد لا يقبل، لكن من رام الوصول فإن الله تبارك وتعالى يلاطفه ويُسهل له الحصول على كل مأمول، فيطوي لهم الزمان، ويطوي لهم المكان، ويطوي لهم الوقت، عناية من الله سبحانه وتعالى.

هذا القرآن نقرأه في كم من الوقت؟ القراءة التي حددها حضرة النبي لنا ثلاثة أيام، لكن سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه كان يقول: (( يمر القرآن كله على فؤادي ما بين وضع قدمي في سرج دابتي إلى أن أمتطي دابتي)) لحظات، فلا تقل كيف؟ فهي لا تصلح هنا، لأنها حقائق غيبية تحتاج إلى ذُق تشهد، ولا تتقبلها بعقلك الكاسد البالي، لأن العقل يحتاج للمحسوسات، وهذه من الغيبيات من عالم الملكوت الأعلى.

وبعضهم كان يطوي لهم الأرض، فيقطع ما بين المشرق والمغرب في خُطوات، وبعضهم كان يطوي الله تبارك وتعالى له الوقت، فيقرأ الكتاب الكبير الذي يحتاج إلى شهور في ليلة.

الشيخ عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه حكى في كتابه (المنن الكبرى) وهي المنن التي منَّ الله بها عليه، فيقول: ((ومما منَّ الله تبارك وتعالى به عليَّ، أني قرأتُ كتاب الفتوحات المكية للشيخ محيي الدين بن عربي عندما كنت أضع كتاباً عن علوم الشيخ الأكبر في ليلة واحدٍ عدة مرات)) وهذا الكتاب حوالي سبعة آلاف صفحة، وكان يحتاج إلى قراءة الكتاب من أوله إلى آخرة حتى يأخذ ما يريده، كيف هذا؟! هذه أحوال الصالحين، وأحوال المتقين التي يُكرمهم بها رب العالمين تبارك وتعالى.

السلام على النبي

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " والسلام هو الأمان، فالله سبحانه وتعالى يعد من يُصلي على حضرة النبي بأنه سيحصل على الأمان في الدنيا ويوم الزحام.

فالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم هي المفتاح الذي يفتح الله به على كُمَّل العارفين، وعلى أئمة الوارثين، وعلى الصادقين من المريدين، فأقبلوا بالصلاة على رسول الله، واجعلوها وردكم الذي لا ينقطع ليل ولا نهار.

وما أخفها على اللسان، وما أثقلها في الميزان، وما أحبها إلى الرحمن، وما يُكشف للإنسان من براقع تمنعه من رؤية النبي العدنان، كل هذا موجود في الصلاة على رسول الله، ولذلك هي عُمدة السالكين في بداية حياتهم.

أكبر تعظيم لرسول الله صلاة الله عليه، وأكبر أدب من الملائكة الكرام صلاتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأكبر أدب من المؤمنين مع نبيهم إكثار الصلاة والسلام على حبيبهم صلى الله عليه وسلَّم.

مع أنها أعظم أبواب القرب إلى الله، لكن لا تصل إلى ما ذكره بعض القوم الذين قالوا أن الصلاة على النبي تُغني عن الشيخ، لكن الصلاة على النبي تعين على الوصول إلى الشيخ في حالة فقد الشيخ، والدعاء الوارد عن العارفين: ((اللهم دلني على من يدلني عليك)).

فإذا وصلت للعارف أمشي على المنهج الذي يريده مني، فهو المشرف على رسالة معرفتي، لأننا كلنا متقدمين لنيل درجة الدكتوراة في معرفة الله، فلا بد لها من مشرف، والمشرف يكون قد سبق في معرفة الله وحصل على درجة الدكتوراة، وأذنت له الجامعة المحمدية بأن يُشرف على غيره ليوصلهم إلى هذه الدرجة العالية في معرفة الله تبارك وتعالى.

فوائد الصلاة على النبي

لكننا نصلي على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم صِلةً به، والعوام يصلون على حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم طمعاً في الفوائد التي ذُكرت في الصلاة عليه، وكلها فوائد عظيمة، وأعظمها وأعلاها شأناً قوله صلى الله عليه وسلَّم:

{مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا }[7]

وكما قال سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: ((لو صلَّى الله تبارك وتعالى على رجل مرة واحدة تُغنيه في كل ما يحتاجه في دنياه وأُخراه، فما بالك لو صلى عليه عشراً؟!)).

وهذا في الصيغة الواحدة في الصلاة على حضرة النبي، ناهيك أنها تُكفيك همك ويُغفر لك ذنبك، ناهيك عما قيل في تفريج الكروب، فأعظم مُفرج للكروب هو الصلاة على الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلَّم، حتى للعصاة والمذنبين والناهجين على غير الطريق المستقيم.

الإمام سفيان الثوري رضي الله عنه، وهو من أئمة التابعين، وكان صاحب مذهب كالإمام الشافعي والإمام مالك، والمذاهب الفقهية أكثر من ثلاثين مذهب، لكن الذي أشيع ونال حب الناس المذاهب الأربعة.

فكان ماشياً يطوف بالبيت الحرام فوجد رجلاً لا يرفع قدماً إلا ويُصلي على النبي، ولا يضعها إلا ويُصلي على النبي، فأراد أن يرشده، فقال: يا هذا، هذا ليس وقت الصلاة على النبي، ولكنه وقت الدعاء والتسبيح والتهليل والتكبير، فقال: من أنت؟ قال: سفيان الثوري، قال: عالم العراق؟ قال: نعم، قال: لولا أنك عالم العراق ما أخبرتك، ولكن تعال في جانب بعيداً عن الطائفين وأحدثك بذلك.

قال: عزمتُ على الحج هذا العام ومعي أبي، وكان مسرفاً على نفسه - يعني غير محافظ على الطاعات والعبادات والفرائض - وجاءه الموت ونحن بالقرب من مِنى، فلما مات رأيت وجهه قد اسوَّد، فغطيته بملاءة ثم انتابني همٌّ وحزن، ومن شدة الهم والحُزن ألقى الله عليَّ النوم، فرأيتُ رجلاً جاء إليَّ وكشف الغطاء عن وجه أبي، ومسح بيده على وجهه فابيضَّ، فقلت له: من أنت؟ قال: أوما تعرفني؟ أنا نبيك، وإن أباك كان مسرفاً على نفسه، لكنه كان قبل أن ينام يُصلي عليَّ، فلما حضره من أمر الله ما رأيت استغاث بي فجئت لإغاثته.

جاءه صلى الله عليه وسلَّم لإغاثته وحوَّل أمره من الظلمات إلى النور، ومن حياة الجحيم إلى حياة النعيم، والقصص في هذا المجال كثيرة وكثيرة لا تُعد ولا تُحد.

منها أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلَّم لإنسان يشكو شكوى شديدة في تقطير رزقه ويبشره بسعة الرزق، وما من معركة حربية إسلامية إلا وجاء لبعض الأفراد وبشَّرهم بالنصر في هذه المعارك، كل هذه أمور تحدث للصالحين وعامة المؤمنين بشرى من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لهم أجمعين.

صلاة المقربين على النبي

لكننا عندما نصلي عليه نصلي عليه تزلفاً وتودداً وتقرباً إليه، طمعاً في أن يتفضل علينا ببعض ما وهبه الله، أو يُسبغ علينا بعض العطايا التي وهبها له مولاه، أو يشفع لنا عند الله في منزلة كريمة نتمناها وعَمَلنا لا يوصل إليها في هذه الحياة، طامعين فيما عند رسول الله، وخاصة وأن الله تبارك وتعالى قال عنه: " وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ " (24التكوير) ليس ببخيل، بل كريم يجود بكل ما في يده، حتى قالوا عنه في وصف الأشياء الحسية:

تعوَّد بسط الكف حتى لو أنه

طواها لقبض لم تطعه أنامله

لأنه تعوَّد على ذلك، وفي المجال الروحاني والنوراني أكبر وأعظم صلوات ربي وتسليماته عليه.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

[1] صحيح مسلم وأبي داود عن عدي بن حاتم رضي الله عنه

[2] جامع الترمذي وأبي داود عن أنس رضي الله عنه

[3] البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه

[4] سنن البيهقي والطبراني عن انس رضي الله عنه

[5] مسند أحمد والطبراني

[6] جامع الترمذي ومسند أحمد عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه

[7] معجم الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up