Advanced search

دروس Related

  • خطبة الجمعة_ صلاح القلب و صلاح المجتمع

    More
  • الواجب علينا نحو الله

    More
  • خطبة الجمعة_مفهوم العبادات الصحيحة وقضاء حوائج المسلم

    More
View all

New الدروس

  • الواجب علينا نحو الله

    More
  • فقه الشهادتين_شهادة أن لا إله إلا الله

    More
  • الإمام أبو العزائم و العطايا المحمدية فى القرآن

    More
اعرض الكل

Most visited

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

الظلمات و النور – سورة الطلاق 12-8

Visits number:99 Downloads number:3
Download video Watch Download audio Listen
الظلمات و النور – سورة الطلاق  12-8
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



 

تفسير الطلاق [8-12]

الظلمات والنور

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا الله يَا أُولِي الالْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقًا (11) الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الارْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الامْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ (12) (الطلاق).

 

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وآل بيته ومن والاه.

الآيات التي عندنا في هذه الليلة في سورة الطلاق، الجزء الأول منها كأنه يتحدث عما يحدث في عصرنا لآن في هذا الزمان، وخاصة بالنسبة للكافرين والمشركين وغير المؤمنين، وهذا تحذير من الله عز وجل.

والله عز وجل إذا حذَّر وأنذر أن يكون في باطن التحذير والإنذار دعوة إلى الرجوع إلى الله، ودعوة إلى التوبة إلى الله مما جناه العبد في شأن نفسه أو في حق مولاه، لأن الله عز وجل رحيمٌ يحب كل رحيم، لا يُحب الإنتقام، وإن كان سمَّى نفسه المنتقم، لكن  المنتقم ممن زاد في الظلم والفساد عتيا، ولم تُرجعه نُذر ولا الإنذارات المتواليية ولا الكوارث التي تحيق به من أمر الله سبحانه وتعالى، ففي النهاية لابد أن يحدث له ما قال الله في شأنه:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ـ وكأين في اللغة العربية يعني كم للعدد يعني عدد كثير ـ 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ ـ وعتت يعني عصت عن أمر ربها ورُسله ـ مالذي حدث؟

ـ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ﴾ (8الطلاق).

وهذا الكلام موجود في رحاب القرآن من الذي حدث مع أنبياء الله ورسله السابقين من المعاصرين لهم من الخلق أجمعين، وأنتم بالطبع قرأتم هذا وتعرفونه، فما حدث لقوم نوح وقوم عاد وثمود وغيرهم، هذا موجود في كتاب الله، لماذا؟ لأنهم ظلموا أنفسهم ولم يُؤمنوا بالله، ولم يكتفوا بذلك بل عادوا رُسل الله وأنبياء الله.

فكانت النتيجة أن الله أملى لهم، ثم أملى لهم، ثم أخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر ليكونوا عبرةً لغيرهم.

فَحَاسَبْنَاهَا ـ وهذا الحساب يكون في الدنيا هنا، وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ـ وهذا سيكون في الآخرة، فالحساب في الدنيا.

مثلاً في قوم موسى: لما إمتنعوا عن الإيمان به إبتلاهم الله سبحانه وتعالى ببلاءات شديدة ليرجعوا إليه، مرة يبتليهم بالقُمل يظهر في أجسادهم وثيابهم وأماكن نومهم ولا يستطيعون منعه، فيذهبون إلى نبي الله موسى فيدعوا الله فيرفعه عنهم.

ثم يرجعون إلى غيهم، فيُسلط عليهم الله عز وجل الضفادع بنقيقها، فأقلقت مضاجعهم ولم تجعلهم يذوقون طعم النوم، وكانت تجري في مائهم فعكرَّت عليهم الماء فلم يستطيعوا أن يشربوه ولم ينتفعوا منه.

وكل هذا أيضاً ليرجعوا إلى أمر الله، ولكنهم لم يزدادوا إلا عُتواً واسكباراً، ومع ذلك ذهبوا إلى موسى فدعا لهم الله فرفع عنهم هذا العذاب.

ورجعوا مرةً أُخرى إلى عِتيهم فسلَّط الله عليهم الدم، كلما أراد واحد منهم أن يشرب ماءً وجد الماء الذي في الإناء وقد تحوَّل إلى دم، وكلما أراد أن يطهي طعاماً وجد الماء الذي يطهي به الطعام تحول إلى دم.

تسع آياتٍ أرسلها الله إلى فرعون، تسع آيات حتى يرجعوا إلى الله، ولما لم يرجعوا كانت الطامة الكُبرى ونزل عليهم وحاق بآل فرعون سوء العذاب.

ومثلهم بالضبط كل من حاد وعادى أنبياء الله ورسله، حتى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلَّم، عندما كذبه أهل مكة وعادوه وآذوه قال:

(اللهم خُذهم بالسنين) ـ وفي رواية: (اللهم سنين كسنين يوسف).[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

فحدث عندهم قحط ولم ينزل المطر من السماء، وأصبحوا لا يجدون ماءً ولا طعاماً، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو الرحمة المهداة يضرعون، ويطلبون أن يدعو اللهم لهم أن يرفع عنهم هذا البلاء ويؤمنون، فدعا الله لهم، ولم يكتفي بذلك بل أرسل إليهم خمسمائة جملٍ من المدينة المنورة محملة بالميرة وأنواع الطعام، ومعها خمسمائة دينار من الذهب ليشتروا بها ما يحتاجون إليه، ولكنهم أيضاً لم يرجعوا.

وهكذا لو رجعنا إلى سير الأنبياء والمرسلين، تجد هذا ما حدث للمكذبين والمحادين لأنبياء الله ورسله أجمعين.

ونحن في عصرنا هذا حدث هذا أيضاً ونراه بأعيننا، وننظر إليه في وسائل التواصل الإجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام في كل وقتٍ وحين.

فمن عندهم القنابل الذرية والهيدروجينية، والصواريخ العابرة للقارات، هل يستطيعون القضاء على الفيروس الصغير الذي جعل حياتهم كلها حسرات، وقضى عليهم بالألوف والمئات، ولا يجدون له علاجاً ولو خيط، وكلما قضوا على نوعٍ ظهر منه نوعٌ آخر، إلى يومنا هذا.

وانظر إلى ماحدث في هذه الأيام القريبة منا من الطوفانات المتعددة في ألمانيا وإيطاليا والصين وأفريقيا وغيرها، والتي تُغرق أمامها كل شيئ، ولا تترك شيئاً إلا وتُغرقه.

وقد رأيت الطوفان في ألمانيا وإيطايا وهولندا جرف كل شيئٍ، حتى المباني الشاهقة أتى عليها كلها وجعلها حصيداً كأن لم تغنى بالأمس، وكسَّر السيارات وحملتها المياه كأنها طيورٌ مائية على ظهرها، ولم يستطع أن يعتصم منه أحد، كل هذه وغيرها أحداث للعبرة، وكأن الله يقول لهم ولنا وللخلق أجمعين:

﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الابْصَارِ ﴾ (2الحشر).

إعتبروا وخذوا لأنفسكم عبرة من الذي يجريه الواحد القهار سبحانه وتعالى، لأنهم أصابتهم الغِرَّة والكِبر والعزة بالنفس بالإثم، وظنوا أنهم قادرون على كل شيئ، والله نبأ بذلك في قرآنه:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ـ والأرض هنا إشارة إلى أوروبا وأمريكا، لأنها لا تهتم إلا بالأمور المحسوسة وليس فيها شيئٌ مما يتعلق بالروحانيات التي تأتي من السماء إلا القليل:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الارْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾ (24يونس).

وهذا كما يحدث للأمم يحدث للأفراد، فإذا بعُد الإنسان ولو قليلاً عن طريق الله عز وجل، فإن الله عز وجل يرده إليه بالمصائب التي تترى عليه، هي للمؤمن إبتلاء، وهي للكافر أعظم البلاء، يبتليه بمرض لعله يتذكَّر أو يتفكَّر فيرجع إلى الله.

يبتليه بكارثة فيمن حوله لعله يفيق فيرجع إلى مولاه، يبتليه عز وجل بعداوة بين الزملاء في العمل فيتألَّبون عليه فيرجع إلى الله لعله يُحنن قلوبهم، ويجعل فيها الشفقة والحنان والعطف عليه، هذه كلها إبتلاءات وغيرها من التي نراها في كل وقتٍ وحين يقول فيها الله:

﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴾ (9الطلاق).

فتذوق هذه القرى ـ والقرى يعني الأمم بلغة عصرنا ـ ما يُنزله الله عليها من العذاب والعقاب لعلها ترجع إلى الله، وتفيئ إلى أمر الله سبحانه وتعالى.

والعاقبة إذا لم يرجعوا إلى الله تكون خسارة الدنيا وخسارة الآخرة:

﴿ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ (11الحج).

وفي الآخرة:

﴿ أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ (10الطلاق).

وهذا العذاب خاص بالذين لم يتوبوا إلى الله في الدنيا مما فعلوه أو إقترفوه، أما من يتُب إلى الله عز وجل مهما فعل ومهما عمل، فإن الله:

﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ (222البقرة).

فماذا نفعل؟

لابد أن ننظر إلى هؤلاء نَظَر عبرةً، ولذلك كان صلى الله عليه وسلَّم يقود أصحابه يوماً في غزوة تبوك، ونزل بأرض مدين، وما زالت آثارهم باقية في شمال الجزيرة العربية، فأمر أصحابه صلى الله عليه وسلَّم أن يعتبروا، ولا ينتظروا في هذا المكان لأنه موضع نزل فيه عذاب الله، ولا يشربوا من هذا البئر الذي كانت تشرب منه الناقة، كانت تشرب البئر كل يوم، وهم يشربون في اليوم التالي، وتسقيهم لبناً مكان الماء الذي لم يشربوه، تسقي القوم كلهم لبناً.

حتى أن بعضهم كان عجن عجيناً بهذا الماء، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يكبوه ولا يأكلوه ولا يستخدموه، ولا يُطعموه حتى لخيولهم، لماذا؟

لأنه في مكان نزل فيه سخط الله وغضب الله على سكان على هذا المكان، فلا يليق بأحدٍ أن ينزل في موضع غضب الله، ولا في موضع نزل فيه عقاب الله عز وجل.

ويمكن إشارة خفيفة نبحث عنها، عندما ذهب قومٌ من المعاصرين إلى هذه الأماكن وأقاموا فيها الحفلات والسهرات، أفرأيتم ما حدث لهم؟ وما جرى عليهم؟

لأنهم خالفوا أمر النبي وأمر رب النبي صلى الله عليه وسلَّم وسبحانه وتعالى.

فننظر إلى هؤلاء جميعاً نظر عبرة، ونرجع إلى الله ونعمل بقول الله الذي خصنا به الله:

﴿ فَاتَّقُوا الله يَا أُولِي الالْبَابِ ﴾ (10الطلاق).

وأولي الألباب يعني أصحاب العقول، وما يحدث في عالم الغرب مما نراه من مستحدثات وعصريات ومخترعات، تُظهر الذكاء في جانب، لكنها تُغلق العقل في جانب التفكر والتذكر والإعتبار.

ولذلك يحدث لهم ما يعجب منه الإنسان العاقل، فالعلم الذي يعتزَّون به بل، يُألهونه أحياناً، كله بنظرياته ونتائجه يُبين خطورة الخمر وشرب الخمر، وهل استطاعوا أن يمنعوا أنفسهم من شرب الخمر مع يقينهم العلمي من خطورتها وسواءاتها؟ أبداً.

أصبح عندهم تسيَّبٌ أخلاقي، فأنزل الله عز وجل عليهم وباء الإيدز لعلهم يرجعون، ولكنهم ما زالوا يُصرون ويفعلون، وهذا أمرٌ عجيبٌ وغريب، لأن العقل الذي به الاعتبار والتذكر مُغلق، لا يُفتح إلا بمفاتيح الهداية من الأنبياء والمرسلين والعلماء العاملين والصالحين أجمعين.

فننتبه من هذه الأمور يا أحباب حتى يحفظنا الله بحفظه، ويرعانا بعين رعايته ويكلأنا بحفظه وصيانته: 

﴿ فَاتَّقُوا الله يَا أُولِي الالْبَابِ ﴾ (10الطلاق).

وتقوى الله باختصارٍ شديد هي مراقبة الله، أن الإنسان يعتقد في كل نفسٍ من أنفاسه أن الله تعالى يطلع عليه في ظواهره وخفاياه، ولا يخفى عليه سبحانه وتعالى منه شيئ، لأنه سبحانه وتعالى أقرب إلينا من حبل الوريد.

وهذه هي التقوى وهي الحبل الأقوى في النجاة من كل الأهوال والشدائد وإصلاح المجتمعات كلها في أي زمانٍ ومكان، فلا ينصلح شأن الفرد إلا إذا إتقى الله، ولا تنصلح شئون الجماعة إلا إذا كانت تتقي الله وتراقب الله وتخشى الله عز وجل.

غير ذلك كما نرى حالياً الغش في كل مكان، والظلم في كل ميدان، والسرقة في كل الأركان، والنصب والاحتيال في البنيان وخارج البنيان، حتى أصبح في النت وغيره من الحسابات التي يُجريها الأشخاص، حتى حسابات البنوك أصبحوا يخترقونها، وهي تحتاج منكم عناية جميعا، فإياك أن تُعطي حسابك أو صداقتك لأحدٍ لا تعرفه، لأن لهم حيلٌ أسطورية في الوصول إلى حساباتك البنكية ويأخذوها ويسرقوها ولا تشعر، وهو زمن العجائب يا أحبة.

وهؤلاء ليس عندهم تقوى لله، ولا مراقبة لله عز وجل، فماذا نفعل؟ الذي يحمينا من كل ذلك:

 ﴿ فَاتَّقُوا الله يَا أُولِي الالْبَابِ ﴾ (10الطلاق).

أي يا أصحاب العقول: راقب الله وأخش الله في سرك وفي علنك في ظاهرك وفي باطنك، وفي كل أمرٍ من أمورك، حتى في الأمور التي هي أدق من الشعرة لابد أن تراقب فيها الله سبحانه وتعالى.

﴿ فَاتَّقُوا الله يَا أُولِي الالْبَابِ ﴾ (10الطلاق).

منهم أولي الألباب الذين آمنوا، لأن هؤلاء الذين معهم العقول السديدة الرشيدة، التي تعلم أن هناك دار دنيا ودار أُخرى، وأن هناك بعد هذه الدار حساب وعذابٌ وعقاب، أو جنة وثواب، لكن الآخرين يقولون:

﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ﴾ (24الجاثية).

أين العقول؟ في أُفول، لكننا أصحاب العقول والحمد لله كما وصفنا الله.

وننتبه من الذي أنزله لنا ربنا:

﴿ قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴾ (10الطلاق).

ربنا نزَّل لنا الذكر، وهذا الذكر فيه معاني كثيرة، إن شئت قلت أن الذكر هو القرآن:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ (9الحجر).

لأنه هو الذي يُذكرنا على الدوام، وكم من مرةٍ فكَّر مسلم أو مؤمن أن يعصى مولاه، فمرت آية من كتاب الله على قلبه فتوقف، وسارع إلى التوبة إلى الله عز وجل، وهذه على الدوام موجودة، أو يُهيئ الله عز وجل له في الخارج إنساناً أو مذياعاً يقرأ آيات ترده إلى الله سبحانه وتعالى.

الإمام الفُضيل بن عياض رضي الله عنه وكان من كبار أئمة السلف الصالح، وكان من كبار المحدثين بحديث النبي الأمين، كان زعيم عصابة تقطع الطُرق، وفي يوم صعدوا على ظهر بيت ليسرقوا ما بداخل البيت، وكان هو زعيم العصابة فوقف يعطيهم توجيهات أنت هنا وأنت كذا وأنت كذا، فسمع ـ الله أعلم بما سمعه هل ملك قرأ هذه الآية خصيصاً له؟ وهذا وارد، أم هاتف إلهي مرَّ على قلبه؟ وهذا وارد؟ أم هو إنسي أنطقه الله بالآية في هذا الوقت؟ كل ذلك وارد، سمع من يقول:

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ (16الحديد).

فقال: آن يا رب، وقعد ولم يستطع أن ينهض من القعود، فحملوه ونزلوا، وقال لفريقه: إني تائبٌ إلى الله ـ يعني أنا خلاص قررت التوبة إلى الله ـ فماذا أنتم فاعلون؟ قالوا: ونحن معك.

ما سبب التوبة هنا؟ آية سمعها من كتاب الله، وهناك أمثالٌ كهذا المثال كثيرة مملوءٌ بها كتب الصالحين وكتب الواعظين وأمثلة حقيقية، ولكي يصدق في توبته، قال لهم: خلاص سأترك البلد الذي أنا فيه، وأذهب إلى بيت الله الحرام وأُقيم هناك حتى يتوب عليَّ الله تبارك وتعالى.

وذهب إلى البيت الحرام وأقام بمكة.

قاطع الطريق هذا بلغ به الأمر أن هارون الرشيد كان يحُج ذات عام وكان من الصالحين، يعني ملكٌ صالح، فطلب من الوزير أن يأتي له بالعلماء والصالحين الموجودين في مكة في موسم الحج، فجاء بهم واحداً بعد واحد، ولم يسترح قلبه لواحدٍ منهم، ومعنى عدم راحة القلب أن الآخر عنده شيئ من شهوة الدنيا، وليس خالصاً لله سبحانه وتعالى ـ فقال له: ألم يعد هناك أحدٌ آخر؟ قال: لم يعد هناك غير الفُضيل بن عياض، وهذا لا يخرج لأحد، فإذا قلنا له: تعال لأمير المؤمنين فلن يأتي، قال: نذهب إليه.

فذهب وحاشيته إلى منزل الفُضيل وكان منزلاً صغيراً لرجلٍ فقير، فدقَّ الوزير الباب، فقال الفُضيل: من؟ قال: خليفة المسلمين هارون الرشيد، قال: إنتظر، ودخل وأطفا المصباح وجعل المنزل ظلاماً تاماً، فدخل أمير المؤمنين ومد يده إليه ليصافحه، فأمسك بيده وقال: ما أكرم هذه اليد لو نجت من النار غداً، قال: ولم أطفأت النور، قال: حتى لا أنظر إلى وجه ظالم.

ما هؤلاء الرجال كيف كانوا؟ وإلى أي حالٍ وصلوا؟

من ظلمات المعاصي، إلى درجات الولاية الكبرى وخشية الله تبارك وتعالى.

فالذكر إما القرآن، وإما الرسول صلى الله عليه وسلَّم لأنه ذكر يُذكرنا بالقرآن:

﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ (21الغاشية).

يجوز هذا ويجوز هذا ويجوز الإثنين، فالآية تحتمل المعنيين الإثنين فلا مانع أبداً، مع أن الله فصَّل فقال:

﴿ قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولا ﴾ (11الطلاق).

فالذكر هنا هو الرسول صلى الله عليه وسلَّم، فماذا يفعل هنا الرسول صلى الله عليه وسلَّم؟

يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ ـ أو مُبَيَّنَات، حسب القراءات، وتلاوة الآيات لها معنين:

تلاوة الآيات القرآنية، وتلاوة الآيات الكونية التي في الآفاق، والآيات التي في نفس الإنسان مما إستودعه فيه حضرة الرحمن:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا ـ أين؟ ـ فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ (53فصلت).

وهذه آيات:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ـ ماذا؟ ـ لآيَاتٍ ـ وهذه أيضاً آيات تدل على قدرة الله، وعلى عظمة الله تبارك وتعالى، ولكنها آيات لمن أيضاً؟ ـ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ ﴾ (190آل عمران).

وليست آيات للناس العاديين، لا لأولي الألباب، الذين خصَّهم الله بالذكر والاعتبار سبحانه وتعالى.

فرسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يتلوا عليهم القرآن بلسانه، ويتلوا عليهم آيات القرآن ببيانه، حتى قال سيدنا أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه:

[تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وما من طائرٍ يطير في السماء بجناحيه، إلا وذكر لنا عنه علماً].

فلم يُعلمهم الصلاة والصوم والحج فقط، بل هذه كانت في البداية، لأن تلاوة الآيات هي الباب الأول إلى الوصول من درجة الإيمان إلى درجة اليقين، يتيقن الإنسان عندما يرى الصنعة تدل على الصانع، والدقة والهندسة في الإنسان وفي الأكوان التي تدل على عظمة الله الذي أتقن كل شيئ.

وهذه عبادة الصالحين وعبادة الأنبياء والمرسلين الذين نسميها "التفكُّر" ما عبادتهم الأصلية التي ضاعت في الزمن الذي نحن فيه؟

التفكر في نفسه والتفكر فيما حوله، ويُلهمه الله بما في هذا الكون، وما في هذه النفس الإنسانية من إعجازات تدل على قدرة الذات العلية لله سبحانه وتعالى.

وليس عندنا وقت لنأخذ أمثلة في هذا المجال، لأن هذا أمرٌ يطول شرحه.

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ ـ هذه الآيات ماذا تفعل تلاوتها؟ 

لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ (11الطلاق).

من ظلمات الكفر، والظلمات كثيرة والنور واحد، إلى نور الإيمان، أو من ظلمات المعاصي لمن أسلم إلى نور الطاعة، أو من ظلمات الحواس، إلى نور القلب الذي ملأه به رب الناس، أو من ظلمات الكائنات، إلى نور مكون الكائنات الذي يسري في هذه الآيات:

﴿ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ (35النور).

ومتى هذه تأتي يا إخوانا؟ تأتي بعد عبادة التفكر التي وجهنا إليها الله، وقام بها ونادى بها وعلمنا إياها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

وبعد ذلك أتى لنا بقانون إلهي ـ نرجوا الله أن يوفقنا للعمل به:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله وَيَعْمَلْ صَالِحًا ﴾ (11الطلاق).

شرطين إثنين: يؤمن بالله، ويعمل الأعمال الصالحة التي وصفها الله في كتاب الله، والتي كان يقوم بها سيدنا رسول الله، ولا يجوز في هذا إلا الاقتداء، لا يخترع أعمالاً من عنده، أو يأتي بأعمال من عند ذاته، فهذه لابد له فيها من القدوة:

(صلوا كما رأيتموني أُصلي)[رواه مالك بن الحويرث صحيح البخاري].

(خذوا عني مناسككم).[رواه أحمد ومسلم والنسائي عن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه].

لا نحيد عنه صلى الله عليه وسلَّم في الأعمال الصالحة طرفة عينٍ ولا أقل، ومن حاد حيد به إلى طريق الضُلال والفُسَّاد ـ نسأل الله الحفظ والكرامة ـ فما له من يفعل ذلك؟

﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ ﴾ (11الطلاق).

ولم يقُل: سيدخله، فلو كانت هذه جنات الآخرة، فكان لم يقُل سيدخله، للمستقبل ولكن قال: يُدخله فوراً، وما هذه الجنات التي يُدخله فيها؟

جنات العلم الوهبي، وجنات النور الألهي الذي يُضيئ في القلب، وجنات الإكرامات والفتوحات التي يواجه بها الله الصالحين من عباده، والتي لا نستطيع أن نُحيط ببعضها في هذا الوقت القصير، كان بعض الصالحين يقول:

[إن لله جنة عاجلة، من دخلها لا يحتاج إلى الجنة الآجلة، ألا وهي المعرفة بالله تعالى].

فمن يصل إلى درجة المعرفة الإلهية فيعيش في جنة، وهذه الجنات أيضاً كالتي نحن فيها الآن، فأيضاً هي من مظاهر الجنات، وهي جنة قال صلى الله عليه وسلَّم:

(إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ـ فكيف نمر بها؟ وكيف نذهب لها؟ ـ  قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ مرة يقول: مجالس العلم التي نحن فيها وهي جنة، ومرة يقول: حِلق الذكر، ومرة يقول: حِلق القرآن). [الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه].

فالإنسان يدخل وهو في الدنيا في هذه الجنات، ومن لم يدخل في الدنيا هذه الجنات، حُرم من دخول الجنات في الآخرة، لأن مفاتحها هنا، لأن مفاتيح جنات الآخرة أين؟ في الدنيا، أين؟ في الجنات التي وصفها سيد السادات.

فيتقلب الإنسان وهو في دنياه، بين جنة ذكرٍ لله، وجنة الصلاة على حبيب الله ومصطفاه، وجنة العلم النافع، وجنة العمل الرافع، وجنة الشفقة والعطف على الفقراء والمساكين، فكل هذه العمال الصالحة جنات، وجنة مصادقة الصادقين والمخلصين، وهذه أعظم الجنات في هذه الحياة الدنيا.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (119التوبة).

﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ ﴾ (11الطلاق).

ما هذه الأنهار؟

أنهار العلم اللدني، والعلم الوهبي والفيض القدسي والحكم الإلهية العالية، فهذه كلها أنهار تُفاض على قلوب الصالحين والأبرار، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(من أخلص لله أربعين صباحا ـ وجربوها، فقد جربناها فوجدناها كما قال صلى الله عليه وسلَّم، مع أنه لا تصح التجربة مع رسول الله ومع حضرة الله ـ من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).[أبو نعيم في الحلية عن عن سعيد بن المسيب وأبي ذر رضي الله عنهما]

على الفور، فيكون حكيماً:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ (269البقرة).

أم أنكم تريدون الجنات التي فيها الحور والقصور والبدور والأنهار والأكل والشرب؟ هل هذه التي تريدونها؟

للجنات العالية التي قال فيها ربنا:

﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ (10الغاشية).

ولذلك ماذا قال في هذه الجنة العالية؟

﴿ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ﴾ (11الغاشية)

ليس فيها لغو، لا قيل ولا قال ولا فلان ولا علان، لكن الجنات الأُخرى هل فيها هذا الكلام؟ ليس فيها هذا الكلام أصلاً، الجنة العالية التي تُفاض على كل همم العوالي الذين إستمسكوا واعتصموا واقتدوا بالحبيب الغالي صلوات ربي وتسليماته عليه.

﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ (11الطلاق).

هنا أمنَّهم الله مكره واستدراجه، وكل ما يخاف منه الصالحون والأولياء والعلماء العاملين البعد عن حضرة الله:

أنا لا أخاف وحقه من ناره       كلا ولا أبغي الجنان لطيبها

فالقرب منه جنتي ومحاسني        والبعد عنه ناره وليهيبهـــــــا

وهذا الكلام نراه حتى في الدنيا حالياً الآن، كل من معهم المليارات وبيعدين عن الله، ماذا تكون حياتهم؟ عذاب، ولكننا لا نراهم ونرى المظاهر الخارجية، لكنهم يعيشون في عذاب مقيم وملازم لهم، فلا أحد يعيش في جنة الرضا وجنة القرب من الله إلا الذين عملوا بقول الله الذي سمعناه:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ (11الطلاق).

فلا يخافون بُعداً ولا صدوداً ولا إعراضاً من حضرة الله تبارك وتعالى، لأنه إحتضنهم وقال في شأنهم:

(أوليائي تحت قبائي لا يعلمهم أحدٌ غيري).

[حديث قدسي]

هؤلاء الذين ربنا حضنهم باستمرار ـ نسأل الله أن نكون منهم أجمعين.

﴿ قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقًا ﴾ (11الطلاق).

أي أعطاه الله الرزق الأحسن، وهل الرزق الأحسن اللحم المشوي والكبدة وهذا الكلام، والذي يأكل منه الحيوانات أكثر مما يأكل منه الإنس، وأهل أوروبا يتمتعون بها أكثر منا.

فما الرزق الحسن والأحسن؟

كما قلنا الآن الرزق المعنوي والرزق القلبي والرزق الروحاني والرزق النوراني، والرزق الذي يأتي من حضرة النبي، أو عطاءاً من حضرة الله تبارك وتعالى، فهذا الرزق الأحسن الذي ربنا سبحانه وتعالى يرزقهم به، وهذا رزق ممدود، وعطاءٌ مشهود في الدنيا ويوم الخلود على الدوام باستمرار. 

﴿ الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الامْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ (12الطلاق).

نكمل آية الختام لعل الله يُحسن لنا ولكم جميعاً الختام، ويتقبلنا بقبولٍ حسن، ويجعلنا من عباده الذين يورثهم جنة النعيم، في جوار حضرة النبي الرؤف الرحيم، يمتعنا فيها بالنظر إلى وجهه الكريم آمين آمين يا رب العالمين.

ذكَّرنا الله سبحانه وتعالى في الآية من السورة ومن الآيات في ليلتنا هذه بقدرة الله، وعظمة الله وكبرياء وجلال الله جل جلاله:

﴿ الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ (12الطلاق).

والسبع سماوات إلى الآن لم يهتدي أحدٌ إلى معرفتهم، لأن السماء الزرقاء التي فوقنا، هذه ليست سماء ولكنها تعتبر سقف الكرة الأرضية كسقف المنزل، فيها الشمس تضيئ بالنهار وتعطينا الحرارة بالنهار، وفيها القمر والنجوم تضيئ لنا بالليل، والسقف كما ربنا قال:

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ (32الأنبياء).

تحفظ لنا إمبعاث حرارة الشمس إلى الأرض، لا تسمح إلا بدخول قدر محدود لا يؤذي لا الإنسان ولا النبات ولا الحيوان ولا أي كائنٍ على الأرض فَلتَرة، وتحفظ للأرض غاز الأوكسجين، حتى لا يتسرب إلى الفضاء الخارجي فنموت كلنا.

فهذه السماء حافظة للأوكسجين، وحافظة للغازات وحافظة للحرارة المنبعثة من الشمس إلى الأرض.

والأرض بينها وبين الشمس مائة وخمسين مليون كيلومترا، بيننا وبين الشمس وهي أقرب شمس لنا، فلو إقتربت الشمس من الأرض قدر كيلومتراً واحداً لمات كل من على الأرض حرقاً من شدة حرارة الشمس، ولو بعُدت الشمس عن الأرض كيلومتراً واحداً لمات كل من على الأرض من شدة البرودة، وتكون كلها ثلجاً.

ما الذي يحفظ التوازن؟

السقف القريب الأزرق الذي نراه والتي يقولون عنها السماء، وهي ليست السماء، سماء الأرض السقف:

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ (32الأنبياء).

سقف الأرض الذي يحفظ الأرض، والأرض ومعها حوالي ثلاثة عشر كوكباً هؤلاء تابعين للشمس.

والشمس أصغر نجم في مجموعات المجرَّة التي نتبع لها، واسمها درب التبانة وفيها مئات الآلاف من الشموس مثلها، ولكنها أصغرهم وهذه المجرة بها مئات الآلاف من المجرات في الكون الفسيح، ومع ذلك فالله عز وجل يُعلمنا أنه لم يُوقف الخلق على ما رأيناه، أو على ما قدرنا أن نُحصِّل عنه شيئا:

﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ (47الذاريات).

عمال يوسع في فضاء الكون، والذي يسمونه التمدد، تمدد كوني غريب وعظيم، سبحانه وتعالى، فالسبع سماوات لم يعرفهم أحد، والذي عرفهم وزارهم واحد هو صلى الله عليه وسلَّم، ولا يُطلع عليهم إلا الواحد بعد الواحد بماذا؟

بعين الروح لا عين العــــــــــــــــــــــقول    شهدت الغيب في حال الوصول

العين البصرية وكل ما يُوضع من المناظير وغيرها المكبرة لآلاف المرات، لا تسطيع أن تصل إلى أدنى السماوات التي خلقها خالق الأرض والسماوات سبحانه وتعالى، وكل هذه مملوءة بعوالم لا يعلمها إلا الله،.

فنحن على الأرض في هذا المكان الذي نحن فيه، كم معنا من الملائكة هنا؟ وهل نراهم؟ لا لكنهم موجودين ومعروفين.

الجماعة الصالحين قالوا: أن كل واحد من المؤمنين في ركابه على الأقل ماشي معه عشرون ملكاً، من يمشي أمامه، ومن يمشي خلفه:

﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾ (11الرعد).

ومن يأتيه بالرزق، ومن يأتيه بالهواء، ومن يأتيه بالضياء، ومن يحرسه عند المنام، ومن على اليمين وعمال يكتب الشيكات للحسنات، ومن على الشمال ويكتب المحاضر التي تُعرض يوم الميقات.

بل نحن اليوم وكل واحد منا يعني العدد الذي أتى معنا تتعجب كيف تستوعبه هذه القاعة الصغيرة، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(زُر في الله فإن من زار في الله شيعه ـ يعني يودعه ويمشي معه ـ شيعه سبعون ألف ملك، يقولون له: طبت وطاب ممشاك، وطابت لك الجنة).

[السيوطي في الجامع الصغير عن ابن عباس رضي الله عنه].

كل واحد منا كم أتى معه؟ سبعون ألفاً غير هؤلاء العشرين، أين هؤلاء الآلاف؟ هل يرى أحدنا أحدٌ منهم؟ لا لكنهم موجودين.

 وموجود معنا الجن، لا يخلوا مكان من عمار المكان من الجن، والجن الذي معنا والحمد لله جن صالحين ليطردوا العصاة والكافرين من أهل الجن إذا همُّوا أن يقتربوا من هذا المجلس المبارك إكراماً لسيد الأولين والآخرين.

لو واحد منكم نظر بتليسكوب مكبر على يده أو على أي نقطة من يده، يجد عليها آلاف الآلاف من الكائنات التي خلقها الله، على كل قطعة من الجلد فقط آلاف الآلاف، فأنت عندما تهرش لماذا تهرش؟ يكون جماعة من الجماعة الغزاة من هؤلاء الجماعة تابعة لفصيلة الفيروس أو الجراثيم أو الميكروبات ويريدون الدخول، فيضايقوك شوية لتهرش فتسمح لهم بالدخول، آلاف مؤلفة موجودة على كل ذرة من ذرات جسم الإنسان.

فما بالك بالأكوان التي خلقها القادر القوي الرحمن سبحانه وتعالى؟

﴿  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ ﴾ (31المدثر).

شيئ يحتار فيه العُنصر البشري، ولذلك بعضكم يشتكي لماذا لا يفتحوا لنا عين البصيرة؟ فلو أنهم فتحوا لك عين البصيرة ورأيت شيئاً مثل هذا ممكن أن تهلك، تترك الناس وتهج في الجبال والبلاد ولا تستطيع أن تتحمل من عظمة العظيم وقدرة القادر تبارك وتعالى.

فالسماوات سبع، وبعد السماوات فيه الجنات وفيه النار وفيه العرش وفيه الكرسي، ولكي ربنا يعلمنا سبحانه وتعالى سعة كائناته قال لحضرة النبي عرفهم شوية، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(ما السماوات السبع، والأراضين السبع في العرش، إلا كذرة رملٍ في أرضٍ فلاة).

السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة للعرش يعني كرملة في أرض واسعة، ورجع فقال:

(وما العرش في الكرسي إلا كحلقة حديدٍ ملقاةً بأرضٍ فلاة).

[الألباني عن أبي ذر رضي الله عنه]

فما قوله؟

﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ (17الحاقة).

وهل قال ما الثمانية؟ منهم من يقول ثماني ملائكة، من الذي قال هذا؟ لكنها على الأصَّح من علم الكشف الإلهي ثماني صفاتٍ من صفات العلي القدير سبحانه وتعالى، لكن كيف تحمل الملائكة الكرسي، فالملائكة محمولة فهل تحمل؟

لكن صفات الله التي تتصرف في كل الكائنات، ولذلك أعطانا نموذجاً في القرآن وقال هذه صفة واحدة:

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (156الأعراف).

صفة الرحمة فقط تسع كل شيئ، فأين حدود هذه المعارف الإلهية وهذه المنظومات الربانية، وهذه المصنوعات التي صنعها الله سبحانه وتعالى لنا معشر الإنسان لأننا خلفاءٌ عن حضرة الرحمن سبحانه وتعالى.

ومن الأرض مثلهن: والأرض كم؟ لم يذكر القرآن كم عدد الأراضين، أو كما يقول بعض علماء الجيولوجيا هي سبع طبقات في الأرض، لا القرآن قال سبع طبقات، ولا قال سبع أراضين، ومن الذي قال هذا الكلام؟ سيدنا رسول الله كما سمعنا في الحديث حالياً:

(ما السماوات السبع والأراضين السبع في العرش، إلا كذرة رملٍ في أضٍ فلاة).

فمن الذي حددهم أنهم سبع أراضين؟ سيدنا رسول الله.

وهل هذه السبع أراضين كل أرضٍ فيها بني الإنسان؟ لا نعرف، فيها كائنات خلقها الله لكننا لا نعرفها، وهل كل أرض منها تصلح للمعيشة وفيها ماء وأكسجين وهذه الأشياء؟ لا نعرف، ولا حتى الذين معهم سفن الفضاء لا يعرفون هذا الكلام.

فالقمر الذي بيننا وبينه مسافة بسيطة يقولون أنهم وصلوا إليه ومشوا عليه، ولم يصلوا له ومشوا عليه إلا لإظهار الإعجاز النبوي في الإشارة إلى القمر، وهذه كل الحكاية، وليس لمهارتهم ولا لشطارتهم ولا لأي شيئ.

فعندما مشوا على القمر قالوا: رأينا على القمر حُفرة طويلة طولها حوالبي خمسين كيلومتراً، في عُمق حوالي خمسة أمتار، ممتدة من أول القمر لآخرة، وهذا دليل على أن القمر قد إنشق نصفين.

الدكتور زغلول النجار عفا الله عنه، يقول كنت في جامعة في لندن وأتكلم عن القمر والنجوم، وله كتب في الإعجاز العلمي، وإذا برجل يقول: أنا فلان رئيس رابطة المسلمين في إنجلترا ولي مداخلة معك، قال له تفضل، قال أنا كنت أحب أن أقرأ في الكتب المقدسة، فقرأت في القرآن إقتربت الساعة وانشق القمر، فقلت ما هذا التخريف، فألقيت المصحف وتركته.

وذات يومٍ رأيت برنامجاً تلفزيونياً على القناة الإنجليزية الفضائية الــــ BBC رأيت المذيع مستضيف رائد من الرواد الأمريكان الذين وصلوا للقمر، فقال له: أنتم صرفتم مائة مليار دولار في هذه الرحلة، ألم يكن الأولى بها أن تطعموا بها فقراء العالم؟ فقال له: الأسرار العلمية التي عرفناها في هذه الرحلة واحد منها أكثر من المائة مليار دولار، قال له: ما السر؟ قال هذا السر الذي قلناه حالياً الآن، قال: رأينا عليها شق بطول القمر وعرضه كذا وعمقه كذا، فيقول الرجل الإنجليزي عندها قفذت من الفرحة وقلت صدق الله العظيم:

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ (2) (القمر).

فذهبوا وكل ما في الموضوع ليؤيدوا معجزة حضرة النبي، ولذلك كل المشروعات التي أذاعوا عنها بعد ذلك فشلت، سنعمل رحلات للقمر، أين هذه الرحلات؟ وسنذهب لنعمل مستعمرات ومصايف على القمر، أين هي؟ فكل ما في الموضوع هو إثبات المعجزة النبوية في قول رب البرية:

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ (1القمر).

فالسبع أراضين ماذا فيهم؟ وماذا عليهم؟ وأين هم؟

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلا مَنِ ارْتَضَى (27) ﴾ (الجن).

لا أحد يعرف لأنها أسرار إلهية لا يصح أننا نخوض فيها بعلومنا الكاسدة العقلية.

خلق هذه الأشياء وأمثالها لماذا بينها لنا وقال ذكرها لنا هؤلاء؟

هي نموذج قدمه لنا ملك الملوك على سبورة القرآن، لكي تحتذي حذوه وننظر في الأكوان، فنرى الأمثلة المضيئة التي تدل على قوة حضرة الرحمن تبارك وتعالى.

ولذلك أنت مأمور أن ترى هذه النماذج الإلهية على الدوام فيك وفي الآفاق، فهي التي تشدك شداً قوياً وجذباً شديداً إلى حضرة الخلاق تبارك وتعالى، ولذلك قال:

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (12الطلاق).

كيف تعرف قدرة الله؟ عندما تراه في مصنوعاته ومخلوقاته:

﴿ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ (12الطلاق).

﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (3سبأ).

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up