News Ticker
Advanced search

دروس Related

  • مشاهد الحج

    More
  • ما أفضل عمل للمريض الذي لا يستطيع صيام العشر من ذي الحجة؟

    More
  • عمر بن الخطاب إمام أهل الحذب

    More
View all

New الدروس

  • مشاهد الحج

    More
  • عمر بن الخطاب إمام أهل الحذب

    More
  • ما عفة المريد عند الصالحين وما دورها في رقي المريد؟

    More
اعرض الكل

Most visited

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    More
View all

الله نور السماوات والأرض: تفسير سورة النور الآيات( 34-35)

Visits number:179 Downloads number:6
Download video Watch Download audio Listen
الله نور السماوات والأرض: تفسير سورة النور الآيات( 34-35)
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



من حكم نزول القرآن الكريم

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

" وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الامْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (35) (النور).

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي نزل لنا القرآن تبياناً وهدىً ورحمةً للمؤمنين.

والصلاة والسلام على من جعله الله بأفعاله وأخلاقه وأعماله ترجماناً لقرآن رب العالمين، سيدنا محمد الذي كان قرآناً يمشي بين الناس، يأكل بالقرآن ويمشي بالقرآن وينام بالقرآن ويتعايش مع من حوله بالقرآن، ويتعامل حتى مع أعدائه بالقرآن، صلى الله عليه وعلى آله أهل القرآن أهل الله وخاصته، والقائمين بدعوته والناشرين لشريعته، والعاملين بسنته، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين، واجعلنا منهم ومعهم أجمعين، في الدنيا والآخرة والجنة يا أكرم الأكرمين.

الآيات التي عندنا في هذه الليلة المباركة سأتكلم فيها بقدرٍ محدود، لأن الكلام فيها يحتاج إلى أمدٍ غير محدود.

أول آية من هذه الآيات تبين لنا معشر المؤمنين ما أنزله الله تبارك وتعالى لنا في قرآنه الكريم:

" وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ " (34النور).

هذا الكتاب لكم أنتم، وماذا فيه؟

الحكمة الأولى:

أول حكمة أو وظيفة من هذه الوظائف:

" آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ " (34النور).

مبينات يعني موضحات، آيات توضح لنا الحلال والحرام والحق والباطل، والطيب والخبيث، شرائع الله التي فرضها علينا، وأحكامه التي أمرنا أن نسير بها وعليها في الدنيا، لنحظى برضوانه في الدار الآخرة، وبينت كل ما يحتاج إليه المؤمن في دنياه، ليحيا الحياة الطيبة التي وعدنا بها الله، وكل ما يحتاجه في أُخراه، ليسعد السعادة العُظمى يوم لقاء مولاه.

ولذلك القرآن الكتاب الوحيد الذي إذا الإنسان عمل به يأخذ الدنيا والآخرة، من الذي يريد أن يحيا في الدنيا في حياةٍ طيبة؟ حياة طيبة يعني ليس فيها هم ولا غم ولا نكد ولا حُزن ولا معاصي تغضب الله، ولا ذنوب تثقل كفة السيئات يوم لقاء الله، فهذه الحياة الطيبة، ويغنيه الله بكل ما يحتاجه في دنياه من عند الله فلا يحوجه إلى أحدٍ سواه، وهذه في كتاب الله ـ أين؟

" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ " (97النحل).

وماذا يأخذ هنا؟

" فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " (97النحل).

ولذلك كان أصحاب رسول الله الأكارم إذا حدث شيئ لأحدهم مما ذكرناه يراجع نفسه، ويقول: ماذا قصَّرت في العمل من كتاب الله؟ وماذا قصرت في العمل فيما ورد من صحيح سنة رسول الله؟ فيراجع نفسه، ولما يراجع نفسه وينتبه إلى ما سها فيه أو لها عنه، يغير الله حاله في الوقت والحين، ويجعله كما قال في كتابه المبين:

" فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " (97النحل).

وفي الآخرة؟

" وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (97النحل).

يعاملنا معاملة عظيمة، عامل كل الأُمم بالعدل، وعاملنا بالفضل، ويتغاضى عن المعايب وعن الذنوب، ويضاعف الأجر والثواب أضعافاً مضاعفةً، على القليل من الأعمال الصالحة التي نعملها بإخلاص إلى حضرة علام الغيوب سبحانه وتعالى.

وإسمع وافرح بفضل الله ـ وهذا الكلام لنا نحن وفينا ـ ماذا يقول عنا ربنا:

" أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ " (16الأحقاف).

وهذه المعاملة خصوصية لنا نحن فقط، أما جميع الأمم الأُخرى فيعاملهم بالعدل، حتى ولو مثقال ذرة لابد أن يُحاسبوا عليها، ولو مظلمة أو ظلم لنفسه أو لغيره حتى ولو نقير ـ يعني الفتلة لنواة البلحة ـ أو قطمير أو غيره ـ سيحاسب عليه، ولا مسامحة عليه لنعرف فضل الله علينا الذي يحتاج شكر كثير لا يستطيع رجلٌ منا مهما كان قدره وعبادته أن يُوفي بعض الشكر لحضرة الشكور سبحانه وتعالى.

فهي آيات مُبينات واضحة، وهل أوضحها مرةً ثانية؟

فقد بين فيها كل ما نحتاجه في الدنيا والآخرة.

الحكمة الثانية:

وماذا أيضاً؟

" وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ " (34النور).

أتى لنا بأمثلة مما حدث مع الأمم الأنبياء السابقين لكي نعظ بها المـُـغرر بهم في دنياهم، وبين لك يا أخي أنه حدث مع قوم إبراهيم كذا وكذا، ومع قوم نوح كذا، ونرى هذه الأمور ونتدبرها، فلا يصح للإنسان أن يقرأ هذه الأحداث ثم يقع فيما وقعوا فيه.

ولكي ننتبه ـ وهذه مكُرمة أُخرى من الله ـ أخبرنا بما وقعت فيه الأمم الأخرى، وما تسبب لهم به العقاب من الله، وبين العقاب الذي نزل عليهم، لماذا؟  حتى ننتبه فلا نقع في هذه العيوب، ولا نقع تحت طائلة هذا العقاب، فهل هناك إكرامٌ أعظم من هذا الإكرام؟

فقال لنا: عاقبت هؤلاء بكذا وهؤلاء بكذا وهؤلاء بكذا، بعضهم بالخسف وبعضهم بالنسف، وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالماء النازل من السماء، وبعضهم بالغرق ورأيتم هذه الأحداث، ومن يراها يقرأها مرةً ثانية ويطلب من أحد تفصيلها له، حتى لا يقع في مثل هذه الأخطاء، فيتعرض للعقاب كما عاقبهم الله سبحانه وتعالى.

وبالنسبة لنا؟

لا أحد يأتي بعدنا، فلا أحد يرى عيوبنا ولا أخطاءنا، ولذلك حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول: {نحن آخر الأمم وأول من يحاسب ، يقال أين الأُمة المحمدية؟ فنحن الأولون الآخرون} وفى رواية: {المقضى لهم قبل الخلائق} سننن ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما

حتى يطلعوا على مساوئ الأمم السابقة ـ التي تكلمنا عليهم الآن ـ ولا يطلع على مساوئهم أحد.

يعني لن يرى عيوبهم إلا أنا فقط، وهذا فضل الله وإكرام الله أيضاً لنا عباده المؤمنين، وحتى لو أحدنا وقع في خطيئة أو ذنب، يتركه أول مرة، ويستره المرة الثانية، لكن في الثالثة لابد أن يفضحه على رئوس الأشهاد، لا يفضح أحداً من أول مرة أبداً في الأمة المحمدية.

سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه جاءوا له بواحد سارق وضبطوه يسرق، ومادام قد ضبطوه وهو يسرق وأتوا به إلى القاضي أو الحاكم لابد أن يُبطق عليه الشرع ويقام عليه الحد، فجاءته أُمه تستطعف سيدنا عمر وقالت: والله يا أمير المؤمنين هي أول مرة يسرق فيها، قال كذبتِ، إن الله لا يفضح عبده من أول مرة، بل يستره في المرة الأولى والثانية ثم يفضحه في الثالثة.

ولذلك من يُفتضح فيكون له سوابق قبل ذلك، ولكن ربنا ستره فيها وهو مسكين لم يدرك ستر الله فتمادى، وما دام قد تمادى فلابد أن يقف عند حده.

وهذه أيضاً إكرام من الله للأمة المحمدية

الحكمة الثالثة من حكم إنزال كتاب الله علينا جماعة المؤمنين:

وهي المفروض أن تكون لنا نحن خاصة:

" وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ " (34النور).

فهنا عظات للمتقين، فمنهم من يريدون الفضل الإلهي، ومنهم من يريدون الجمال الباهي، ومن يريدون أن يكونوا من:

" وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ " (11) (الواقعة).

ومن يريدون أن يكونوا من:

" مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ " (29الفتح).

فيكونوا مع هؤلاء الجماعة، ومن يريد أن يكون وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن يُرد أن يكون عند الله وجيهاً.

هؤلاء الأصناف الطيبة أتانا بها لكي نقلب فيها، وكل واحد منا يختار ما تهفو إليه روحه من هذه المقامات العالية، وهذه المنازل الراقية التي خصَّ الله تبارك وتعالى بها المتقين.

هذه بعض ما أشار إليه ربنا تبارك وتعالى في القرآن في هذه الآيات.

وطبعاً أشار في آيات أخرى مفرقة في كتاب الله إلى خصائص لا تعد ولا تحد لكلام الله سبحانه وتعالى، ولا أحد من الأولين ولا الآخرين يستطيع حصر فضائل القرآن الكريم الذي أنزله الله على الرءوف الرحيم وفضله علينا أجمعين، لكننا نقف عند ما وصف الله.

ثم انتقل الله تبارك وتعالى بنا إلى آية من أعظم الآيات القرآنية، أعلمنا في أولها حتى نعلم علم اليقين بأن الله وحده هو منوِّر السماوات والأراضين، سواء النور الظاهر، أو النور الذي في القلوب باطن، أو نور الجنان، أو نور الملكوت، أي نور يخطر على ذهنك، أو لا يصل إليه عقلك أصله من أين؟

" اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ " (35النور).

إن كان من النور الحسي كالشمس والقمر والنجوم، هذه كلها من الذي نورها؟ الله رب العالمين، أو كان من الرسالات الإلهية أو الوحي الرباني، فهذا نور أنزله الله على الأنبياء والمرسلين لتستنير به القلوب، وتهتدي به إلى معرفة االعيوب، وتلجأ به إلى حضرة علام الغيوب، ليرقيها ويُعليها ويُشهدها ما خصَّصه لها من حضرات الغيوب سبحانه وتعالى.

كل هذا ممتدٌ من السموات والأرض وما بينهما وما فيهما ظاهراً وباطناً، من أين؟ من الله سبحانه وتعالى.

وضرب مثلاً بهذا النور:

مَثَلُ نُورِهِ ـ حتى يوضح الحقيقة، لأن الحقيقة صعبة الفهم، وهذا المثل يحتاج إلى تأويله وتفسيره إلى أوقاتٍ طويلة، ونحن سنكتفي ببعضه على قدرنا وبما يسمح به نبينا في هذه الليلة.

يضرب مثلاً بنور الله، إما أن تقول: أن نور الله هو سيدنا رسول الله، وقد صدقت لأن الله قال في حضرة:

" قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ " (15المائدة).

فعندما يكون المثل هكذا، فيتفصَّل على حضرة النبي.

أو تقول: النور هنا هو القرآن الكريم، والقرآن أيضاً نور:

" مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا " (52الشورى).

فالنبي نور والقرآن نور، فإذا ضربت المثل على القرآن كله فستفصله كله على القرآن.

وإما أنك تقول:

نور الإيمان الذي وضعه الله في قلوب أهل الهدى والإسلام والإيقان، وهذا أيضاً نور وموجود معنا كلنا، سيدي أبو الحسن الشاذلي يقول:

[لو كُشف عن نور المؤمن العاصي، لملأ ما بين السماء والأرض، فما بالكم بالمؤمن المطيع].

كل مسلم فيه نور، وهو نور الإيمان، الذي في قلوب المؤمنين، وهذا أيضاً نور، ولكن التفصيل يكون على حسب المؤمن.

فمن تريد أن توقف عنده النور، فستفصِّل النور عليه، وطبعاً أنا لم آتي بالحقيقة العُظمى لأن الله نور، وأن تفصيل النور على رب العالمين لا يقدر قدره إلى أرحم الراحمين، فكيف تفصِّله؟

فإذا كان النور هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو كذلك، فمثل نوره الذي خصه الله تبارك وتعالى به.

كَمِشْكَاةٍ ـ المشكاة هي فتحة في الحائط ومسدودة من الخلف، وكنا نعملها زمان في بيوتنا حتى نضع فيها اللمبة وكنا نسميها الطاقة، وكان يعملوها عندما يكون الدار مشترك بينهم وبين الجيران، وكانوا يعملوها في الجدار من ناحية وفي الجدار من الناحية الأُخرى لأن الجدار مشترك، فلم تعد شركة الآن في الجدران، فكل واحد يبني وحده فقط.

فكانوا يضعوا المصباح فيها، لماذا؟ لأن المصباح إذا وُضع فيها يكون أقوى للإضاءة، فالنور يكون مجمعاً، ويضيئ أسطع وأبهى في المكان كله.

فــ " مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ " (35النور).

والمشكاة هنا هي صدر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فيها مصباح، والمصباح الذي هو قلب سيدنا رسول الله.

" الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ " (35النور).

وهي الشفافية والنورانية التي ملأته من باطنه ومن ظاهره ومُفاضة عليه من رب البرية سبحانه وتعالى، ولذلك كأنه زجاجة فلا تُخفي شيئاً، فما كان بباطنها يظهر، وما كان في ظاهرها يظهر، فكله ظاهر.

" كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ " (35النور).

هذه الزجاجة كأنها كوكب في السماء، من الكواكب اللامعة التي تنير الكون كله، كوكب دري يعني كوكب لامع.

" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ " (35النور).

يوقد ـ وهذه فيها قراءات كثيرة، ففيها يُوقد، وفيها تُوقد، وفيها تَوقَّد، وكل قراءة لها معنى، فلا توجد قراءة إلا ولها معنى ومغنى من عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم.

" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ " (35النور).

وهذه الشجرة هي شجرة لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله.

" لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ " (35النور).

لا شرقية: يعني لا هي جاءت في بداية الوجود.

ولا غربية يعني في نهاية الوجود، وإنما أزلية لا تنمحي ولا تتغير ولا تتبدل أبداً في أي حالٍ من الأحوال.

هذه الشجرة:

" يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ " (35النور).

يعني بدون أن نوقده بالنار سيضيئ، والنار هنا إشارة إلى الجهاد، لأن المعتاد أن الإنسان لايحصل على قدر من الأنوار، إلا بعد قدرٍ من الجهاد.

لكن الحضرة المحمدية لصفائها وعلوُّ قدرها، تحصل على المقامات الإلهية في كل لحظةٍ من اللحظات، وتوقد كل القلوب بحب الحبيب المحبوب، وتضيئ كل العوالم الروحانية في السماوات وفي الأرض وفي كل زمان ومكان، بغير جهاد يعني بغير تعب ولا عناء، لأن الله عز وجل تولاه بولايته، ورعاه برعايته، وحمل عنه كل الأعباء التي فيها مشقة على حضرته.

ماذا قال في القرآن عهنا:

" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) " (4الشرح).

وهل هو طلب؟ لا فموسى طلب فقال:

" قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي " (25طه).

لكن هذا من غير طلب،

" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ " (4) (الشرح).

وكل هذا بدون طلب، لأنه إذا كان موسى كليم الله، فرسولنا حبيب الله صلى الله عليه وسلَّم.

" نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ " (35النور).

فأصبح ظاهره نور، لأنه يعمل بشرع الله في ظاهره، وباطنه نور لأن حقائق الله تنجلي في قلبه في كل لمحة بغير حساب، ظاهره نور وباطنه نور، نورٌ على نور ولذلك قال:

" يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ " (35النور).

الذي يهدي لهذا النور المحمدي من؟ الله تبارك وتعالى.

ولم ضرب المثل؟

" وَيَضْرِبُ اللهُ الامْثَالَ لِلنَّاسِ " (35النور).

حتى نستطيع أن نفهم هذه الحقائق، لأنه لا يوجد أحد يفهم الحقائق بدون ضرب الأمثال، ولذلك تجد حتى كلام العارفين عندما يتكلموا في الحقائق العلية، أو في العلوم الوهبية لابد أن يضرب أمثال، وإلا من يجلس لن يفهم شيئاً، كأنه يتكلم أمامهم فرنساوي أو طلياني، فلن يعرفوا لا كثير ولا قليل، ولم يأتوا بهذه الأمثلة؟ للتوضيح، توضيح هذه المعاني العالية، وهذه البيانات الراقية:

" وَيَضْرِبُ اللهُ الامْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (35النور).

هذا طبعاً وجه، وهذا الوجه الأعظم الذي إستمسك به الصالحون، وأئمة المفسرين والصحابة المباركين، أن النور في هذه الآية يُقصد به نور رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

لكن بعض الأئمة تنزَّل وقال: مثل نوره يعني نور الإيمان في قلب عبده المؤمن، كمشكاة والمشكاة التي هي الصدر، والمشكاة فيها مصباح، وهو الإيمان وهو الذي يضيئ وينور للإنسان:

" أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا " (122الأنعام) ـ

وليس في الآخرة، ولكنه هنا:

" يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ " (122الأنعام) ـ

المصباح موجود في القلب النوراني الذي ركبه الله عز وجل للمؤمنين والمؤمنات، لأن كل واحد في الوجود من الكائنات أو الإنس له قلب، وهي جزئية مهمة تعرفونها لتشكروا الله:

" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ : (37ق).

من له قلب يعقل عن الله، وليس قلب الدم، من الذي له قلب يعقل عن الله؟ نحن فقط لكن هل يوجد كافر يعقل عن الله، ولذلك ربنا قال له: لا تشغل نفسك بهم:

إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى (80النمل).

وهل سيدنا رسول الله سيذهب للمقابر ويدعو الموتى؟ لا ولكن قال: هؤلاء موتى القلوب، الذين يذهبون ويجيئون، وراكبين مرسيدس وراكبين غيره وغيره، لكنهم موتى القلوب، فليس لهم قلوب تعقل عن الله ولا عن رسوله ولا عن كتابه سبحانه وتعالى.

" لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا " (179الأعراف).

وهذا كلام ربنا، فأنت تفرح وتزيد في شكر الله أن الله جعل لك قلباً يحمل عطاياه سبحانه وتعالى، نور الإيمان ونور الإحسان ونور الإيقان، وما يعطيه الله لك من بنود العطايا الإلهية، ومن بنود الحقائق الربانية التي لا تستطيع أن تدركها إلا بهذا النور الذي أعطاه لك الله منةً من عنده لا بعملٍ عملته، ولا بشيئٍ قدمته، ولكن فضلاً من الله عز وجل.

" يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلايمَانِ " (17الحجرات).

من الذي حبب إليكم الإيمان وزبنه في قلوبكم؟ ومن الذي كرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان؟ هل أنت بشطرتك ومهارتك؟ وهل يوجد واحد منا أشطر من إبليس؟

حاشا لله سبحانه وتعالى، لكن أنت بفضل الله وبإكرام الله وبتوفيق الله، جعل الله فيك قلباً نورانياً شفافاً يعقل عن الله، أيضاً ليس هذا؟ وأين الآخر؟ لا يعلمه إلا الله؟

هذا المصباح في زجاجة القلب كما قلنا، والزجاجة عندما يلمع فيها نور الإيمان، ويرتقي صاحبها في مقام الإحسان تلمع وتنير لأهل السماوات العُلى.

يسألون: السما ليس فيها شمس ولا فيها قمر ولا فيها كهرباء، فما الذي ينورها؟

قالوا: قلوب العارفين الكائنين في الأرض هي التي يستنيرون بها في السماوات العُلى.

وي عجيبٌ صارت الأرض سما     والسما قد سُخرت بالمجمل

أيها الأرض بمن نلت العُلى     بالحبيب محمدٍ وبآله بالأمثل

فهم المصابيح التي تُنوّر عالم الملكوت الأعلى، فيكون كالكوكب الدري، ولكن لأهل عالين وأهل عليين والكروبيين، يرون أنوار هؤلاء الصالحين ويمشون على ضوئها ليرضوا رب العالمين تبارك وتعالى.

وأيضاً هؤلاء الجماعة سيكونوا نور القيامة، فالقيامة ليس فيها شمس، لأن الشمس تُكور:

" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ " (2) (التكوير).

ويُلقى بها في جهنم، وكيف يرى الناس؟

" وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ " (40النور).

روى مسلم عن سهل بن سعد  أن رسول صلى الله عليه وسلَّم قال:

(إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟، قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).

سيكونوا ماشيين على نور هؤلاء الرجال، ولذلك عندما يدعو أهل الموقف، فلم يقُل يوم ندعوا كل أناسٍ بنبيهم، أو برسولهم لأنهم سيكونوا كثيرين جداً، ولكن قال: يوم ندعو كل أناس بإمامهم، فإمامهم هو الذي يضيئ لهم، وهم يمشون على نوره.

والجنة كذلك فقد ورد في الأثر:

(إن من أمة محمد رجال يكون أحدهم في الجنة كالكوكب الدري في أفق السماء، ينظر الناس إليهم في الجنان، كما ينظرون إلى النجوم في السماء الآن).

فسيكونوا كما ربنا قال:

" كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ " (35النور).

وهي شجرة التوحيد وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ونحن فيها ليس مثل رسول الله، فنحن لا شرقية ولا غربية، لأن الله نادى على أهل الشرق الذين يتجهون إلى الله بالكلية بالرهبانية والعبادة:

" إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا " (16مريم).

يعني تفرغت للعبادة، وأهل الغرب الذين إهتموا بالتشريعات:

" وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ " (44القصص).

فهي لا موسوية ولا عيسوية، ولكن الوسطية المحمدية:

" لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ" (35النور).

" يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ " (35النور).

يعني عندما يهدي بهم الله الرجال الذين لهم قدرٌ ونصيبٌ في عطاءات الله، يكون الفضل الأعظم في هذه العطاءات لهم، وإن أمرك بالجهاد لتأخذ بالأسباب، فإذا حصَّلت قبساً من الأنوار بالجهاد، إلا أن الجهاد لا يفي بالمراد، ولكن نظرةً منهم بالوداد ترفع الإنسان من الأكوان إلى أعلى رضوات الجنان.

سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، عندما قالوا إن أبو بكر أفضلنا، فبعضهم قال هو أكثرنا في قيام الليل، وأنا سأزيد شوية في قيام الليل، والبعض قال: هو أكثرنا صياماً وأنا سأزيد شوية في الصيام، وكل واحد نشط في باب أبواب العبادة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلَّم: ماذا تقولون؟

(ما فضلكم أبو بكر بكثير صلاة ولا بكثير صيام، ولكن بشيئٍ وقر في قلبه). رواه الترمذي الحكيم في " النوادر "  والعراقي في "المغني عن حمل الأسفار" والسَّخاوي في "المقاصد الحسنة"

وهو اليقين الذي أعطاه له، لأن اليقين منحة من رب العالمين، يوزعها سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.

ما العبادة التي عندكم يا أحبة التي تجعل الإنسان يصل إلى مقام الإحسان أو إلى مقام اليقين؟ وهل توجد عبادة تضمن حتى تدخل بها الجنة؟ أين هي؟

(لن يدخل أحدكم الجنة بعمله). رواه البخاري في صحيحه

وبما ندخل الجنة؟ بفضل الله وبحبيب الله صلى الله عليه وسلَّم وشفاعته، أو شفاعة الصالحين الكمل من أمته، ففيه شفاعة رسول الله، وفيه شفاعة الكمل من الصالحين من عباد الله، لكن أين العمل الذي نعمله؟

فالعمل عندما يُوزن بميزان الإخلاص فقط، فمن ذا الذي ينجو؟

فإذاً كنا كما قال ربنا: هؤلاء الجماعة أصبحوا كما قال الله:

"نُورٌ عَلَى نُورٍ ـ ظاهرهم نور وباطنهم نور:

" يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (35النور).

اللهم إجعل لنا نوراً في أسماعنا، ونوراً في أبصارنا، ونوراً من فوقنا، ونوراً من تحتنا، ونوراً عن أيماننا، ونوراً عن شمائلنا، ونورا في قلوبنا، واجعلنا كلنا نوراً ـ نوراً أعظم نور، وأجمعنا على النور الأعظم صلى الله عليه وسلَّم على الدوام، وأحفظ علينا هذا النور حتى لا يخبو نفساً واحداً على مدى الأيام، حتى ندخل الجنة بسلام، بجوار الحبيب المصطفى وآله الأعلام.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

فضيلة الشيخ / فوزى محمد أبو زيد

 الثلاثاء: 28/1/2020 موافق 3 جمادى اآخر 1441 هـ

المساوية بعد العشاء ديوان العقائلة ـ إسنا الأقصر

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up