بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • أعمال الصحابة والمتقين

    المزيد
  • خطبة الجمعة_ثمرات الإيمان

    المزيد
  • فراسة المؤمن وجهاد النفس و الهوى

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

ثناء الصالحين على سيد المرسلين

عدد الزيارات:13 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
ثناء الصالحين على سيد المرسلين
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



ثَنَاءُ الصَّالِحِينَ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِين

الحمد لله الذي أكرمنا بالفضل والهدى والنور، والفتح والفلاح والنجاح على يد الرسول الكريم، سيِّدنا ومولانا محمد باب كلِّ صلاح، ومفتاح كلِّ نجاح، ورمز الوصول إلى حضرة الفتاح، واللغز الذي بفضله يشرق المصباح، والكنز الذي إذا فُكَ بدا على المرء التقى والصلاح، والفضل الذي خصَّنا به من الأزل المنعم الفتاح.

اللهم صلي وسلم وبارك عليه، صلاة تَصِلُنَا بنوره، وتجعلنا من أهل ودِّه وسروره، وترزقنا بها معيَّته وتجعلنا بها في زمرته، وتجعلنا معه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، في اليقظة والمنام، في الحِلِّ والترحال، نحن وإخواننا وأحبابنا والمسلمين أجمعين. أما بعد:

فيا إخواني ويا أحبابي: تقف العبارات وتنعقد الألسنة، إذا كان الحديث عن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه ماذا يقول القائلون؟!! وماذا يُعبِّرُ عن معانيه المعبرون؟!! إلا إذا كان هذا بفيض على قلوبهم من عِلْمِ الله المكنون!! فإنه صلى الله عليه وسلم لم يطَّلع على حقيقة حاله، ولم يره في الحقيقة على هيئته أو على مثاله، إلا الله عزَّ وجلَّ، وما سوى ذلك فالكلُّ يقول على قدره، ويبين بما شَرَحَ الله عزَّ وجلَّ به صدره، وليس على قدر الحقيقة المحمدية والأنوار المصطفوية، فكلُّنا فيها يا إخوانى حمقى إلا إذا علمنا العليم عزَّ وجلَّ:

عَجَزَ الوَرَى عَنْ فَهْمِ سِرِّ مُحَمَّدٍ         لَمْ يَدْرِهِ إِلاَّ الإِلهُ القَادِرُ

لا أحد يدريه ولا يدري شيئاً من معانيه إلا الله عزَّ وجلَّ، ويذيق الله عزَّ وجلَّ قلوب المحبين على قدر ما تتحمل من أنوار ومعاني وجمالات سيِّد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، أما كماله الذاتي، وأما جماله الوهبي، وأما سرُّه القدسي، فهذه أشياء يتوه فيها حتَّى الرسل والأنبياء، لأنه صلى الله عليه وسلم كما قال البوصيري رضي الله عنه وأرضاه:

كُلُّ آيٍ أَتَى الرُّسلُ الكِــــــــــرَامُ ب       ِهَا    فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِـم

فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ               فَيُعرُبُ عَنْهُ نَاطِـــــــقٌ  بِفَـــــمِ

أي لا أحد من الخلق يستطيع أن يُعْرب أو يفصح أو يتكلم عن فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعلكم تتذكرون أن سيدنا عمر بن الفارض رضي الله عنه وأرضاه الذي تغنى في ذات الحقِّ بالقصائد والمواجيد التي تؤجج القلوب والأرواح، لما انتقل إلى جوار ربِّه، رآه أحد الصالحين في المنام فقال له: يا سيدي لقد أكثرت من مناجاة ربِّك، ومن الثناء على ربِّك، فَلِمَ لَمْ تمدح حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم؟ فَرَدَ عليه في المنام  بهذين البيتين:

أَرَى كل مدح في النَّبِيِّ مُقَصِّرًا           وإِنْ بَالَغَ المُثْنِي عَلَيْـهِ وأكثَـــــــــرَ

إذا كان اللهُ أَثْنَى بِمَا هُوَ أَهْلُـهُ            عَلَيْهِ فَمَا مِقْدَارُ مَا يَمْدَحُ الوَرَى

من الذي عنده المقدرة على الثناء عليه بعد ثناء الله؟ ومن الذي يستطيع أن يمدح بعد مدح الله لحبيب الله ومصطفاه؟ ومن الذي يستطيع أن يصف سيدنا رسول الله - ولو حتى كشف الله عزَّ وجلَّ له الحجب ورآه - كما وصفه الله في كتاب الله؟ وكما تحدث عنه الله في آيات كتاب الله عزَّ وجلَّ؟ لا أحد أبدًا يا إخواني.

لكن كلَّ واحد من الصالحين والمقربين يعبِّر عن مضنون حبِّه لسيِّد الأولين والآخرين، فإذا عبَّر فلا يعبِّر عن الأوصاف المحمدية أو عن الأنوار الأحمدية، وإنما يُعبِّر عن المحبَّة الذاتية المكنونة في فؤاده وصدره للحبيب صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك نعرف مقامات الرجال من توصيفهم لحبيب ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن كلَّ رَجُلٍ يُعبِّر على قدر ما عنده من حُبٍّ ومن وجد، ومن هوىً ومن عشق، ومن صبوة ومن غرام لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد قيل لرجل من الصالحين: ما رأيك في ابن الفارض؟ قال: (عصفور حام حول الحمى ودندن)، يعنى لم يدخل ولم يَرَ الجمالات أو الكمالات أو الإشراقات أو التنزلات التي يراها الصالحون، والتي يطلع عليها المقربون، ومع هذا سموه سلطان العاشقين.

وكان الناس الذين يسمون عندهم فطنة!! (سلطان العاشقين)!! لأن هناك بعد ذلك سلطان العارفين، وهناك سلطان المحبين، وسلطان الموحدين، وسلطان المقربين، وسلطان المخلصين، وهناك كثير من المقامات فوق ذلك. فهو أخذ على قدر الذي كان عنده من العشق والهيام، فالذي تأجج في قلبه من الحبِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبَّر عنه، والعشق والهيام الذي عاش فيه لله عزَّ وجلَّ تحدث عنه وتكلم عنه رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الذي جعل الإمام أبا العزائم رضي الله عنه وأرضاه يقول: أنا أتكلم على قدري.

عَلَى قَدْرِي أَصُوغُ لَكَ المَدِيحا          وَمَدْحُكَ صَاغَهُ رَبِّي صَرِيحا

ثم يقول مَنْ أنا حتى أتحدث عن رسول الله:

وَمَنْ أنا يَا إمَامَ الرُّسُلِ حَتَّى             أُوَفِّي قَدرَكَ السَّامِي شُرُوحا

إذن عن ماذا تعبر؟

وَلَكِنِّي أُحِبُّكَ مِلءَ قَلْبِي                فَأَسْعِدْ بِالوِصَالِ فَتىً جَرِيحا

أي أنا أعبر عن الشيء الموجود في وجدي وفي فؤادي وفي قلبي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

صور الحبيب المصطفى

إذا يا إخواني كل ما تحدث عنه المتحدثون من البدء إلى الختام إنما هو تعبير عن شوقهم وغرامهم للمصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، لأنه صلوات الله وسلامه عليه مدحه الله بآيات واضحة وجلية وبيِّنة في القرآن، لم يتكلم عنه بأسلوب الغَيْبَةِ، بل تكلم عنه بأسلوب فصيح وواضح للكُلّ، مثل هذه الآية التي سمعناها حيث يقول لنا والذين من قبلنا والذين من بعدنا: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾.  هل جاء لأبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ ومعاصريهم فقط؟ كلاَّ، ولكن كما جاء لهم جاء لنا: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (128التوبة). فقد جاء لنا مثلما جاء لأصحابه صلوات الله وسلامه عليه. فقد جاء لأصحابه بالصورة المحمدية وجاء لنا بالصورة الأحمدية الروحانية، التي تلقَّى منها الأنبياء والرسل السابقون.

الصورة المحمدية التي نحتفي بها في هذه الليلة لذكرى وجودها وظهورها في عالم الأكوان، لكن الصورة الأحمدية بَرَزَتْ قبل خلق الأكوان، وأعدَّها الله عزَّ وجلَّ قبل أن يكون هناك زمان أو مكان، وكانت هذه الصورة تطوف حول قدس الحنَّان المنَّان عزَّ وجلَّ قبل خلق العرش، وقبل خلق الكرسي، وقبل خلق القلم، وقبل خلق الخلق، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قدر مقادير كل شيء قبل خلق آدم بخمسين ألف عام) (مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه).

ومنذ هذه البداية كانت الصورة الأحمدية، ولذلك لما جاء سيدنا عيسى يخبر قومه عنه أخبرهم بما رأى وبما عاين، وبالصورة التي كان يتلقى منها، وهي صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم الروحانية النورانية، وقال فيها كما أخبر عنه الله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ(6الصف). فأحمد بالصورة الروحانية وبالصورة النورانية التي يتنعم بها المقربون ويتنعم بها الصالحون كما نعِّم بها النبيون والمرسلون قبل بروز الصورة المحمدية التي في عالم الأكوان.

والصورة التي تكون للكُلِّ، ويتمتع بها الكل في وقت واحد، ومنهاج واحد، وفي حضرة الواحد هي الصورة المحمودية: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (79الإسراء). فالكلُّ يحمده، يعني: يشكره. لماذا؟ لمعرفة الفضل الذي تفضل علينا به الله ببركته، والفضل الذي ساقه إلينا الله بعنايته، والفضل الذي غمرنا به ببركته. فالكل سيكون من البدء إلى الختام يشكر الله عزَّ وجلَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه بشأنه الأولون والآخرون على ما خصَّهم به وببركته الله عزَّ وجلَّ إلى يوم القيامة.

فالصورة الأحمدية موجودة يا إخواني لا تغيب ولا تختفي، ولا تنحرف ولا تتحول، ولا تتغير ولا تتبدل، بل دائماً وأبداً أنوارها في ازدياد. هذه الصورة مستمرة إلى يوم الدين، وفيها يقول سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه وأرضاه:

أفلتْ شموسُ الأولين وشَمْسُنَا            أبداً عَلَى فَلَكِ العُلا لا تَغْرُب

هذه الصورة التي تسمع الصلوات التي نصليها عليه، وهي التي تسمع السلام الذي نلقيه في كل تشهد عليه، لأننا نقول له: (السلام عليك)، ولم نقل: السلام على النبيِّ، ولكن نقول: (السلام عليك أيها النَّبِيُّ ورحمة الله وبركاته)، والسلام سُنَّة والرَّد فرض، وهو صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يُسلم عليَّ إلاَّ رَدَّ الله روحي حتى أرد عليه السلام) (أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه). فلابد أن يرد صلوات الله وسلامه عليه - السلام على كل مؤمن وعلى كل مؤمنة يلقي عليه السلام. كيف؟ من الصورة الأحمدية الكاملة النورانية التي لا تغيب عن أي بقعة من الكون، ولا تنقطع في أي نَفَسٍ من الكون، بل دائماً وأبداً حيَّة، لأنها حيَّة بالله عزَّ وجلَّ، وتسمع بالله، وتبصر بالله، وترد بلسان حضرة الله عزَّ وجلَّ.

هذه الصورة موجودة، وقد أعلن الله لنا بهذه الآيات أنه صلى الله عليه وسلم معنا في كل أحوالنا، في ليلنا وفي نهارنا، في سرَّائنا وفي كوارثنا ومصائبنا وآلامنا حيث قال فيه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ (128التوبة). والعنت يعني المشقة، فكل مشقة نتعرض لها يتأسف هو عليها، ويحزن لأجلها. إذا كان صلى الله عليه وسلم يتأسف على أحوال الكافرين، فكلما يزيد عنادهم وكلما يزيد كفرهم يحزن عليهم!!! حتى قال له الله اتركهم: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (6الكهف)، فما بالك بمشاعره وأحاسيسه نحو إخوانه المؤمنين؟!!

الكمال المحمدي

إِذَا كُنْتُ أُظْهِرُ غَيْباً     هَلْ عِنْدَكُمْ تَسْلِيمُ

غَيْباً وَغَيْباً عَلِيًّـــــــــــا     لَمْ يُبْدِهِ تَعْلِيــــــــــــمُ

نحن سنتمعن مليًّا في الآية التي سمعناها - على حسب ما فتح الله عزَّ وجلَّ به علينا - لأننا كلنا والحمد لله حافظين للسيرة النبوية وأحداثها وتواريخها، لكنا نريد أن نتمتع بالكمالات المحمدية وبالأنوار المصطفوية، وهذه مبثوثة في ثنايا الآيات القرآنية: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا (21الروم).

يعني أزواجنا من أنفسنا، وورد بالقراءة الثانية: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفَسِكُمْ﴾. وهذا يعني أن النَّفْسَ فيها ناحية شهوانية، وفيها ناحية جمادية، وفيها ناحية حيوانية - وهي التي تبحث عن الأكل والشرب والنكاح وغيره - وفيها لمعة نُورانية تبحث عن الله وعن كتاب الله وعن رسول الله، وهذه النورانية التي فينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الشهوة التي فينا الغرض منها بقاء سرِّ الحياة ممتدًا إلى أن ينفذ أمر الله عزَّ وجلَّ، وليست الشهوة للشهوة، وإنما لبقاء سرِّ الحياة حتى تمتد الحياة.

لكن رسول الله كيف نجده في صدورنا ونجده في حاجاتنا وذاكرتنا؟ من النورانية التي فينا والتي توجِّهُنا إلى الخير، حيث نجد فيها إلهام رسول الله لنا، ونجد فيها نور رسول الله يبِّين لنا، ونجد فيها فضل رسول الله يجذبنا إليه، ونجد فيها شمائل رسول الله تدفعنا إليه، فكأنها إذاعة خاصة تؤثر في قلوبنا خاصة بالحبيب المحبوب صلوات الله وسلامه عليه، وهذا ما عبَّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رشَّ عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور وفق واهتدى، ومن لم يصبه ذلك النور ضلَّ وغوى). (رواه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما}.

سِرُّ الحُبِّ للهِ والإِيمَان

فالهداية التي معنا والتي حوالينا كلها جاءت من النور الذي فينا من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وبمعنى آخر كل واحد آمن بالله ورسوله يكون معنى الإيمان أنه عمل عقد مع شركة كهرباء نور الحنان المنان ليوصلوا له نور النبي العدنان في القلب وفي الجنان، ومن غير هذا النور لا يقدر يروح ولا يجيء، ولا يمشي ولا يتحرك في طريق الله عزَّ وجلَّ. يمشي في الدنيا مثل أهل الدنيا، لكن لا يستطيع أن يمشي مع المؤمنين، لا يستطيع أن يمشي إلا إذا وصلوا له تياراً من النور من حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك كانوا يغنون ويقولون:

أبـدًا تحـن نفوســـنا وقلوبنـــا      وَحَنِينُـــــــهَا دَوْماً لأَوَّلِ مَنْـــــزِلِ

نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئتَ مِنْ    مَا الحُبُّ إِلاَّ لِلحَبِيبِ الأَوَّلِ

فالذي يشغل قلبه بحب فلانة أو علانة أو الأموال أو المناصب،فبكل هذا يضحك عليه، وعندما تحضر ساعة الصفاء يعرف أن كل ذلك كان باطلاً؛ لأن الحب لا يكون إلا للحبيب الأول صلوات الله وسلامه عليه، فالذي وقع عليه يبقى هذا فضل الله غامره، وفضل الله عليه، والذي لم يصل إليه يبقى تائه يا إخواني في صحراء تتخبطه الشهوات وتتلاطمه الأهواء؛ وهذا يحتاج لعناية من الله عزَّ وجلَّ ليرده إلى فضل الله الذي يقول فيه الله: ﴿إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً (29الأنفال)،. فقد قال إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه: (أحب ما فيك منه، لأنه هو المحبوب له لا أنت)، أي أنه يحبك لما فيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا السبب الذي من أجله اختصنا الله عزَّ وجلَّ بالمحبة في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54المائدة).

فهو الذي أحبنا أولاً لأنه وضع فينا سرَّ الحبِّ، وزرع الحبَّ ونبات الحبِّ عندما وضع فينا قبساً من نور حبيبه صلوات الله وسلامه عليه، حتى لما يجئ الناس يتحدثون عن الحب ويأتون بالقصص العجيبة والأحوال الغريبة، يقول لهم الله: إياكم أن تظنوا أن أحداً من الأولين أو الآخرين سيصل إلى حبِّ واحد عادي أو عامي من جموع المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ (165البقرة). فكلما ترى أحداً يحبُّ شيئًا حبًّا جَمًّا يملك شغاف قلبه، تعلم علم اليقين أن لم يصل إلى عشر معشار ما يحبُّه رجلٌ من عوام المؤمنين لله عزَّ وجلَّ، فما بالك بأهل الخصوصية؟!!

ويحكي عنهم سيدنا السري السقطي رضي الله عنه وأرضاه لتلميذه الجنيد فيقول: حكى لي السري فقال: رأيت ربَّ العزَّة في النوم، وأوقفني بين يديه وقال: يا سري، تعلم من أحبابي وما مقدارهم عندي؟ قال: قلت: لا يا ربِّ. قال: إني خلقتُ الخلق ثم فتحت عليهم أبواب الدنيا، فهرب تسعة أعشارهم إليها ولم يبق إلا العشر، ففتحت لهم وعرضت لهم نعيم الجنة، فهرب تسعة أعشار العشر ولم يبق إلا عشر العشر، فسلطت عليهم النار، فهرب تسعة أعشار عشر العشر ولم يبق إلا عشر عشر العشر، فسلطت عليهم البلاء فلم يفروا، فزدتُهم بلاءً فلم يتغيروا وقالوا: وعزتك وجلالك لو صببت علينا البلاء صبًّا ما تحولنا عنك، فقلت لهم: وما تريدون؟ قالوا: لا نريد إلا جمال وجهك، فقال: أنتم عبادي حقًّا وأوليائي صدقاً.

ما مبلغ حب هؤلاء؟ لا أحد يقدر أن يصفه، ولكن يكفيهم قول الله عزَّ وجلَّ فيهم ولهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.

بَيْنَ المُحِبِّ وَالمَحْبُوب

ومن يريد أن يكون قريباً منهم، فعليه بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ (31آل عمران). وإن كان هناك فرق بين المنزلتين، بين المطلوبين وبين الطالبين، بين السالكين المجدين وبين المجتبين والمصطفين والذين اختارهم من الأزل ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، وشتان بين الصنفين.

شَتَّانَ بَيْنَ مَطْلُوبٍ وَمَنْ طَلَبَ    كَالشَّمْسِ فِي المَاءِ تَبْدُو صُورَةٌ عَجَبا

هل الشمس الظاهرة في الأفق كالشمس أثناء ظهورها في الماء؟ وكذلك الأمر، فالمطلوب من غير سؤال يقول له الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1الشرح)، والآخر يدعو بإلحاح ويقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25طه). المطلوب يقول له الله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4الشرح)، والطالب يقول: أريد وزيرًا يساعدني يكون معي ويعاونني في شئون النبوة وشئون الرسالة، أما المطلوب فيقول له: أنا وزيرك وأنا أساعدك وأنا ظهيرك وأنا معينك: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، المؤمنون أرقى أم الملائكة؟ ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4التحريم)، فذكر الملائكة بعد صالح المؤمنين لأنهم الأرقى في الرتبة عند الله عزَّ وجلَّ، وهذا كلام الله والترتيب يدل على التقديم لأن هذا تكريم من حضرة الكريم عزَّ وجلَّ.

وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم قال لنا عزَّ وجلَّ في شأنه: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم(128التوبة)، أي يحزن لو أن أحدكم أصابه همُّ أو غمٌّ أو نكد، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (ما من ألم ولا نصب ولا هم ولا شيء يصاب به العبد المؤمن إلا وأجد ألم ذلك عندي) (رواه البخاري في صحيحه عن عائشة)، وفي رواية: (حتى لو اشتكى رأسه فإني أجد ألم ذلك عندي في رأسي). فعندما يجد المشقة والعنت في أي أمر من أمور الدنيا والمشقة والعنت لا تكون إلا في أمور الدنيا يا إخواني، أما طريق الله والسير إلى الله فليس فيه عنت ولا مشقة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45البقرة)، لأن هؤلاء يسهل لهم الله أمرهم، ولذتهم عندما يتنعمون بنعيم المناجاة أكثر من لذة أحدنا في كلامه مع من يحبها من نساء دنياه، فالذي يحب امرأة ويتمنى أن يسمع صوتَها، ويرى أن هذا نعيم كبير نقول له: هذا لا يساوي بعض ذرة من نعيم أهل المناجاة وأهل المصافاة مع حضرة الله أو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إن أحدهم يعبر عن ذلك فيقول:

فَنَظْرَةٌ مِنْكَ يَا سُؤلِي وَيَا أَمَلِي   أَشْهَى عَلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا

تفقد الرسول صلى الله عليه وسلم لأحبابه

نظرة واحدة من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه - لمن يعرفها، ولمن يدركها، ولمن يحس بها، ويشعر بها - أشهى من الدنيا وما فيها، أما الخائنون فيقومون وهم معذورون لأنهم لم يذوقوا مثل هذه الأحوال، لكن عليهم ألا يتمادوا في العزل واللوم حتى لا يصابوا بما يصيب به الله عزَّ وجلَّ المعترضين على أهل ودِّه وحبِّه عزَّ وجلَّ، حتى كان صلوات الله وسلامه عليه ولا يزال يتفقد أحوال إخوانه في اختلاف الجهات ومع بعد المسافات، ويشعر بما يكون عندهم، ويصف لأحبابه ولمن حوله أحوالهم.

فهؤلاء أصحابه يحاربون الروم في بلاد الشام وبينه وبينهم ما يزيد على 700 كيلو متر، وهو جالس على منبره يصف أحوالهم كمعلق تليفزيوني يصف على الهواء مباشرة، فيقول لمن حوله: أمسك الراية جعفر، قطعت يده اليمنى فأمسكها بيده اليسرى، قطعت يده اليسرى فأمسكها بعضديه، جاءته حربة في صدره فرأيته يطير في الجنة بجناحيه. أمسك الراية عبد الله بن رواحة وقبل ذلك زيد بن حارثة وهم الثلاثة الذين عيَّنهم، ثم قال: أمسك الراية خالد بن الوليد سيف من سيوف الله عزَّ وجلَّ، وفي رواية أخرى: سيف الله المسلول. يصف الحالة على ما كان عليها كأنه كان معهم ويراهم صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك النجاشي ،كم مرة حضر فيها لرسول الله؟ ولا مرة!! كم مرة شاهد فيها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً. ولا مرة!! لكن كان صحابي وله قدر عظيم في معية سيدنا ومولانا رسول الله، ولذلك في يوم قال: الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا، قال: مات اليوم أخوكم النجاشي، وهيا بنا نصلى عليه صلاة الغائب، فقد وضع على سريره الآن بعدما غسلوه وكفنوه، فهيا نصلي عليه صلاة الجنازة.

والنجاشي لم يحضر بجسمه ولا أحد رآه برسمه، لكن هذا يعرفنا أن عيناه الشريفتان لا تغيب عن أصحابه طرفة عين وإن كانوا في أقصى البلاد، وإن كانوا في أبعد مسافات، أو في مختلف الجهات المتفرقات، إلا أنه صلى الله عليه وسلم يراهم بنور الله الذي أعطاه له الله عزَّ وجلَّ، فهو كما قال القائل:

فَرُوحِي لَمْ تَغِبْ وَالرُّوحُ نُورٌ     تُوَاجِهُ مَنْ أُحِبُّ بِنُورِ نُورِي

فروحه صلى الله عليه وسلم حاضرة لا تغيب إلا عن الذي لم يقدر أن يلتقط أمواج سيد الأولين والآخرين لتعطل جهاز استقباله، رغم أن إرسال رسول الله موجود في الفضاء الأثيري لا ينتهي، وليس له وقت محدود ولا زمن معدود، لأنه سيِّد الوجود صلوات الله وسلامه عليه، فالذي له جهاز استقبال عطلان هو الذي لا يستطيع أن يستقبل أنوار النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.

صدأ القلوب وعلاجه

والذي جهاز استقباله عطلان، ما الداء الذي سبب له ذلك؟ جاء له صدأ القلوب الذي يأتي من الغفلة عن علام الغيوب عزَّ وجلَّ، فطالما القلب عامر بذكر الله، فهذا القلب مُنَوَّر بنور الله، ومواجه بحبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم. ما الذي يجعله يصدأ؟ الغفلة عن الله والغفلة عن حبيب الله ومصطفاه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201الأعراف). فالغفلة هي التي تجعله يصدأ، وعلاجها دوام ذكر الله عزَّ وجلَّ.

أما الذي يقطع عنك الأنوار بالكلية فماذا؟ إذا اشتغلت بالدنيا وتركت العناية برسالة الحبيب، لأن كل مسلم مطالب بأن يكون له دور مع رسول الله، يختار الدور الذي يناسبه، لأنه لابد له أن يكون له دور في مسرحية: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ (29الفتح). من الذي يؤدي دورًا في المسرحية في هذا العصر؟ نحن منا من تشبه بأبي بكر، ومنا من تشبه بعمر، ومنا من تشبه بعثمان، ومنا من تشبه بأبي ذر، وكل واحد له دوره، فلا بد لكل مؤمن أن يكون له دور، ولو حتى معاون أو مساعد.

لكن الذي يجلس مع المتفرجين فقط، فكيف يكون له راتب نوراني وإيماني من سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم؟ والذي يجلس في كراسي المتفرجين ماذا يدفع؟ يدفع نفسه وماله لله حتى يكرمه الله ويدخله في روض حبيبه صلى الله عليه وسلم ومن معه. والذي مع رسول الله أصبح جنديًّا من جنود الله، فلابد أن يتولاه، ولابد أن يكفُله، ولابد أن يُعِينه، ولابد أن يمدَّه بالأنوار الظاهرة والباطنة، والحاجات الظاهرة والباطنة، لماذا؟ لأنه مكلف من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الذي جعل الصالحين كل واحد منهم يكلف نفسه بمهمة في دين الله، لماذا؟ يكفيه شرفًا وفخرًا أنه يكون في معية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفيه عزّا وفخرًا أنه يكون جنديًّا من جنود الله ورسوله في هذا الكون، عاملاً بأوامر الله، قائماً بسنة حبيب الله ومصطفاه.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم يحزن من المشقة التي نتعرض لها إن كانت في ألم جسماني أو ألم نفساني، أو إن كان شيئاً في بيوتنا أو في أولادنا أو في بناتنا أو في حياتنا، يحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لماذا لم يرفع هذا الأمر إلى الله ودعاؤه مستجاب حتى يرفع الله عنا ما نزل بنا؛ لأنه يرى بنور الله أن ما يحدث لنا خير لنا، فقد يكون تطهيراً لقلوبنا، وقد يكون تطهيراً لعيوبنا، وقد يكون تكفيراً لسيئاتنا، وقد يكون رفعة لدرجاتنا عند الله عزَّ وجلَّ، فيكون على كل الأحوال خيراً لنا. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (رواه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن صهيب الرومي).

فهو في تلك الحالتين على خير من الله عزَّ وجلَّ، لكني لا أرى ما اختاره الله عزَّ وجلَّ لِي على التحقيق ولو رأيت!! فقد جاء في الأثر: (لو كشف الحجاب لاخترتم الواقع). فأنا لا أرى الخير المناسب لي؛ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى لنا الخير - والخير الذي يراه لنا حتى لا نتوه - هو الذي يحرص علينا فيه، وهو الخير الباقي الذي نأخذه ونحن خارجين من هذه الحياة، والخير الذي سيدخره لنا الله والذي سنلقاه يوم لقاء الله عزَّ وجلَّ، وإن أكثر الناس نظرهم قاصر فهم يريدون العاجلة، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يحبنا ويحرص علينا فهو يريد لنا الآجلة، يريد أن نخرج من الدنيا وقد أكرمنا الله عزَّ وجلَّ بخير زاد يقبل به العباد على الله عزَّ وجلَّ، وهو زاد التقوى.

ولذلك فكل الذي يحرص عليه رسول الله بالنسبة إلينا وبالنسبة لنا هو أمور الآخرة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم(128التوبة)، حريص عليكم من الدنيا وأهوائها، وشهواتها وحظوظها، ولذلك كان يعطي الدنيا للمنافقين ولا يعطيها لخاصة المؤمنين؛ فعندما تجبى له الأرباح والغنائم في غزوة حنين لا عدَّ لها ولا حدّ، ستين ألف رأس من الغنم، وأربعين ألف رأس من الجمال، وعشرة آلاف رأس من البقر، غير الذهب والفضة، وزَّعها كلها على المؤمنين الجدد وعلى المنافقين الذين لم يثبت الإيمان في قلوبهم، وترك المهاجرين والأنصار ولم يوزع عليهم قليلاً أو كثيراً.

حتى جاء له واحد من أغنى الأغنياء في مكة صفوان بن أمية بن خلف وليس محتاجاً، فأعطاه غنماً بين جبلين - يعني تسد الطريق والوادي بين الجبلين - حتى أنه أدرك أن هذا ليس من فعل البشر، فقال: (والله ما جادت بهذا نَفْسُ مَلِكٍ، إن هي إلا النبوة). يعني المَلِكُ عندما يعطي؛ يعطي بحرص، لكن الذي يعطي مثل هذا الجمِّ الغفير من العطاء لا يكون إلا نبيٌّ من الأنبياء، أو رسولٌ من رسل الله. قال: فما زال يعطيه وقد كان أبغض الخلق إليه، حتى صار أحبَّ الخلق إليه، لأنه يعلم صلى الله عليه وسلم، أن علاجه في هذا الأمر، وعلاجه في هذا الشأن.

ووسوس بعض المنافقين للأنصار والمهاجرين وذهبوا إليهم وقالوا لهم: أنتم الذين حاربتم، وهم الذين هربوا من أول المعركة، وأعطاهم ولم يعطكم. فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معشر الأنصار أطمعتم في لعاعة من الدنيا – لعاعة: يعني شيء لا يلقى له بال - أتألف بها قلوب المنافقين، وأكلكم إلى قلوبكم المملوءة بحبِّ الله ورسوله).

أي: هم ملئت جيوبهم وأنتم ملئت قلوبكم، وعطاء القلوب خير من عطاء الجيوب، فالذي يملأ الجيوب ماذا يأخذ منها عند الموت؟ لكن الذي يودع في القلب هو الذي يظهر ويتضح يوم لقاء حضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ. فبين لهم هذه الحقيقة وبينها لنا جميعا.

كان يولي على الولايات الجماعة الذين لم يثبت إيمانهم ليثبتهم منهم، من يريد أن يكون أميراً، ومنهم من يريد أن يكون وزيراٍ، ومنهم من ...، وأئمة المتقين يعتذر لهم بعذر لطيف، مثل أبي ذر يقول له: اجعلني والياٍ، فيقول صلى الله عليه وسلم: (إنك ضعيف وإنها أمانة) (رواه مسلم عن أبي ذر ضي الله عنه). أي: أن الولاية تحتاج إلى رجل قوي وأنت رجل رقيق القلب.

وكذلك عمه العباس يطلب الولاية فيقول له: (يا عماه، من طلبها وكلناه إليها، وإنا لا نولي هذا الأمر من طلبه) (روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمِّرْنَا على بعض ما ولاك الله عزَّ وجلَّ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه). يعني يعتذر إليه بعذر لطيف.

وقد فقه هذا الأمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه فرفض أن يولي أصحابه والذين شهدوا غزوة بدر - وكان الواحد منهم يسمى بدريًّا - فلما خاطبوه وكلموه قال: كرهت أن يتعجلوا شيئاً مما لهم عند الله عزَّ وجلَّ من الولايات والأموال والدنيا، وأردت أن يخرجوا من الدنيا موفور نصيبهم عن الله عزَّ وجلَّ.

إذن الذي يحبُّه رسول الله كان يحميه من زخارف الدنيا، وحقارة الدنيا، وأهواء الدنيا وشهوات الدنيا، ليشغله بالله عزَّ وجلَّ، والذي يرى أنه يثير الفتن على المؤمنين ويصطنع المشاكل للمؤمنين ويفعل خلافات وقلق بين المؤمنين كان يشغله بالدنيا لكي يبعده عن طابور وساحة المؤمنين، لأنه يعرف أن هذا يبعده، لكن خاصة أصحابه وكُمّل أصحابه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً عليهم، وحريصاً على أن يخرجوا من الدنيا بلا ذنوب ولا عيوب.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

***********

الخميس 10 من ربيع الأول 1415هـ الموافق 18/8/1994  بمسجد الأنوار القدسية بالمهندسين بالقاهرة بمناسبة ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي