Advanced search

خطب Related

  • المحبون والمحبوبون

    More
  • كيف يمشي المؤمن بنور الله

    More
  • شروط صحة الاعتكاف

    More
View all

New خطب الجمعة

  • خطبة الجمعة_القيم القرآنية وإصلاح حال الأفراد و المجتمعات

    More
  • خطبة جمعة الأساس الحكيم للمجتمع السليم

    More
  • Hidden power in man

    More
اعرض الكل

Most visited

  • خطبة الجمعة_الوقاية من الأمراض باتباع النهج النبوى

    More
  • خطبة الجمعة_بَشريَّةُ النبى صلى الله عليه وسلم النورانية_احتفال المولد النبوي الشريف المعادى

    More
  • خطبة الجمعة – تكريم الإنسان في الإسلام

    More
View all

خطبة الجمعة_أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ_1

Visits number:122 Downloads number:6
Download video Watch Download audio Listen
خطبة الجمعة_أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ_1
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



الحمد لله ربِّ العالمين، نَحْمِدُهُ عزَّ وجلَّ على ما أولانا من جميل نعمائه، وأشرق به على قُلُوبِنَا بنور ضيائه وبهائه، وجعلنا من أمة خير رسله وأنبيائه.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، مَنْ توكَّل عليه كفاه، ومَنْ اعتمد عليه أعانه وقوَّاه، ومَنْ دخل في صيانته صانه مِنْ جميع عِداه، ومَنْ أَقْرَضَهُ جازاه، ومَنْ عَمَلَ له وَجَدَ هذا العمل خيراً كثيراً وأجراً وفيراً عند الله. وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه مِنْ خلقِهِ وخليلُه، أقام الله عزَّ وجلَّ به الشريعة السمحاء، ونَشَرَ به لواء الحنيفية البيضاء، وجعله إماماً ونبيًّا كريماً لأهل الأرض وشفيعاً لجميع المذنبين يوم العرض والجزاء.

اللهم صلِّي وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وَاهْدِنَا بِهُدَاه، ووفقنا أجمعين للاقتداء بِسُنَّتِهِ والعمل بشريعته يا الله، حتى نكون تحت لواء شفاعته في الدار الآخرة، ونحظى بجواره أجمعين في جَنَّةِ النعيم.

أيها الأخوة جماعة المؤمنين: كان فِيمَا استمعنا إليه اليوم قبل الصلاة - من مائدة كتاب الله - آياتٌ فيها بُشرى لنا من الله، ولا تشترط علينا غَيْرَ شيءٍ واحدٍ نعمله لننال هذه البُشريات من حضرة الله جلَّ في عُلاه، هذه البُشريات في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (3، 4قريش). 

وعد الله عزَّ وجلَّ هذه الأمة على مدى الزمان، إلى أن يرث الله عزَّ وجلَّ الأرض ومَنْ عليها، أن يُطْعِمَهُم الله عزَّ وجلَّ مِنْ جُوعٍ، فلا يستطيع أحدٌ أن يُسلِّط نوعاً من أنواع الغلاء أو القحط إلا وتوَّلى إنهاءه الله جلَّ في عُلاه، ولا يستطيع أحدٌ من الخَلْقِ - مهما كانت قُوَّتُه - أن يُرْهِبَهُم بجيوش، أو يُخوِّفهم بأسلحة، لأن الله عزَّ وجلَّ وَعَدَهُمْ بِنَصْرِهِ وتأمينه لهم على مدى الزمان.

وقد بيَّن هذه الحقيقة نبيُّنا وهادينا صلوات ربِّي وتسليماته عليه، فقد كان صلى الله عليه وسلَّم مشغولاً دوماً بأمته، يُفكِّر في أمورها، مشغولاً بالأحداث التي ستَحْدُثُ لها إلى يوم الدين، ولذا حدَّثنا عن كلِّ شيءٍ سيحدث لهذه الأمة إلى أن تقوم الساعة، وكان دائماً في الدعاء .. يُلِّحُ على الله في الدعاء، ولا يدعو لنفسه فقط!! وإنما يُرِّكز في الدعاء لأُمَّتِه، لأنه صلى الله عليه وسلَّم كما قال الله لنا أجمعين في شأنه: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128التوبة). 

فكان مهموماً بأمورهم التي ستحدث لهم في الدنيا، ومهموماً بما سيكون لهم في موقف الحساب، وأرض الموقف يوم القيامة عند الله عزَّ وجلَّ، فيدعو لهم بهذا ويدعو لهم بذاك.

اسمعوا معي إلى حديثه صلى الله عليه وسلَّم في هذه الآية الكريمة، يقول صلى الله عليه وسلَّم: (سألت ربِّي عزَّ وجلَّ ثلاثاً لأمتي، فأجابني في اثنتين وأخَّر عني الثالثة، سألته عزَّ وجلَّ أنْ لا يُهْلِكَ أمتي بِسَنَةٍ - أي: قَحْطٍ أو جُوعٍ أو غَلاءٍ أو ما شابه ذلك - فأجابني، وسألته عزَّ وجلَّ أنْ لا يُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِنْ غيرهم يجتاحهم فيُبيدهم فأجابني، وسألته أن لا يَجْعَلَ بَأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَأَخَّرَ عنِّي ذلك)[1].

وأدام الله عزَّ وجلَّ علينا هذا في هذه الحياة الدنيا ما دُمنا نُفْرِدُه بالعبادة، ونتوجَّه إليه دائماً وأبداً - في كلِّ حال - نطلب منه التوفيق، وندعوه ليُلبِّي رجاءنا ويُحقق مُنانا ويستجيب دعاءنا، ونحن نعلم علم اليقين أنه وَحْدَهُ الفعَّالُ لما يريد، لا يستطيع أحدٌ من الأولين والآخرين أن يفعل أمراً إلا بإذنه، ولا أن ينتهي عن نَهْيٍ أو يسكن في أمرٍ إلا بإرادته، فهو وَحْدَهُ عزَّ وجلَّ الفعَّال ُلما يريد. إذا فعلنا ذلك فإن الله عزَّ وجلَّ يقول لنا في حديثه القدسي: (إذا كنت أرزق من غفل عنِّي وعصاني، فكيف لا أرزق من أطاعني ودعاني؟)[2].

وجعل في يد كلِّ مؤمنٍ مفتاح يفتح به - ليس كنوز الأرض فقط، ولكن كنوز حضرة الفتاح، يقول فيه الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (2، 3الطلاق). جعل الله عزَّ وجلَّ مفتاحاً في يد كلِّ مؤمنٍ، وهو تقوى الله، وخشية الله، ومراقبة الله.

فإذا امتلأ قلبه بهذه الأوصاف النبيلة، واستقامت الجوارح على طاعة الله، فإنه يكون في رِعَايَةِ الله وكَنَفِ الله، لا تتخلَّف عنه خيرات الأرض ولا بركات السماء إن شاء الله. وقال في أهل المدن والقرى والمجتمعات: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ (96الأعراف). هذا هو المفتاح الذي سلَّمه للمؤمن الكريم الفتاح عزَّ وجلَّ.

فالمؤمن لا يخشى مِنْ قِلَّة الأرزاق، ولا يخشى مِنْ نُضُوبِ المياه أو توقيف الأنهار لأنها تجري بأمر الواحد القهار!! وقد علَّم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلَّم صحابته -ومَنْ بعدهم مِنْ المسلمين إلى يوم الدين - الطريقة النورانية الشرعية التي يُنزل بها الماء من السماء في أى وقتٍ وحين، وهذه التكنولوجيا لا تُوجد في أوروبا ولا أمريكا ولا غيرهم، لا تُوجد إلا عند صُلحاء المسلمين والأتقياء من المؤمنين.

إذا شحَّتْ السماء بالماء ولم يجد المؤمنون في الأرض ما يكفيهم من الماء، فكلُّ ما عليهم أن يجتمعوا، ويتوبوا إلى الله ويستغفروه مما جَنُوهُ من الذنوب والعيوب، ثم يُصلوا ركعتين - صلاة الاستسقاء - ويتوجهون إلى الله عزَّ وجلَّ بعدها بالدعاء، يأتيهم غيث السماء في أى زمانٍ ومكانٍ.

كان أنس بن مالكٍ رضي الله عنه وأرضاه له في البصرة أرضٌ جعلها بساتين، وكانت تأتي له بالثمار مرتين في العام بغير هندسة وراثية ولا مُبيداتٍ ولا كيماويات، إلا كيميا طاعة الله وتقوى الله عزَّ وجلَّ، وفي يومٍ ذهب إلى أرضه لينظر إليها، فجاءه القيِّم على أمرها وقال: يا صحابي رسول الله، أوشك الزرع على الجفاف، وأوشكت الضروع على الهلاك. قال له: ولمَ؟ قال: لَمْ يَعُدْ عندنا قَطْرَةُ ماء، قال له: ولِمَ لَمْ تخبرني قبل ذلك؟ هل عندك ماءٌ يكفي لوضوء رجلٍ واحد؟ قال: عندي قُلُّة من الماء، قال: إئتني بها، فتوضأ ثم صلَّى ركعتين، والسماء صحوٌ ليس فيها سحابة واحدة أو بضع، وإذا بالسماء تتلبَّد بالغيوم بعد الدعاء، وتُنْزِلُ المطر، فلما انتهت من إفراغ ما بها من الماء، قال: يا غلام، انظر أين بلغ الماء؟ فذهب ثم رجع، فقال: يا سيدي لقد رأيتُ عجباً، كأن الماء يعلم حدود أرضنا فلم يتجاوزها متراً واحداً من جميع الجهات.

المطر ينزل للمؤمن - في أي زمان أو مكان - إذا نفَّذ سُنَّة النَّبِيِّ العدنان، مع الأخذ بطاعة الله وخشيته ومراقبته، والله عزَّ وجلَّ يكلؤه ويرعاه على مدى الزمان.

ألا تعلمون جماعة المؤمنين، أن النيل كان ينقطع في مثل هذه الأيام عن المجيء في كل عام، وكان لا يأتي - قبل الإسلام - إلا إذا تخيَّروا فتاةً جميلة، وألبسوها الحُلِيَ والثياب، وعملوا حفلاً وألقوها في النهر، وكانوا يُسمون ذلك: "عيد وفاء النيل". فلما دخل المسلمون - بقيادة عمرو بن العاص - مصر، جاءوا ليشاوروه في هذا الأمر، قال: إن هذا لا يكون في الإسلام. وأرسل إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: بعد أن خطَّ كتاباً، قال لرسوله: مُرْهُ أن يجمع الناسَ ويقرأ هذا الكتاب ثم يُلقيه في النهر - والنهر ليس فيه قطرة ماءٍ واحدة!! - فجمع عمرو بن العاص الناس، وقرأ الكتاب فإذا به: (من عَبْدِ اللهِ عُمَرَ بن الخطاب إلى نِيلِ مِصْرَ: إنْ كُنْتَ تَجْرِى مِنْ عندك فلا حاجة لنا بك، وإن كُنْتَ تَجْرِي بِأَمْرِ اللهِ فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ الله عزَّ وجلَّ).

وفي الصباح وجدوا الماء وقد ارتفع سبعة عشر ذراعاً بأمر من يقول للشيء كن فيكون. فإن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يُسيِّر البَرَّ، وهو الذي يُسيِّر البحر، وهو الذي يُسيِّر الأنهار، وهو الذي يُسيِّر الخيرات، وهو الذي يُسيِّر كلَّ من في الأرض أو في السماوات: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (22يونس). فلا يخشى الإنسان المؤمن من الأرزاق، لأنها في كفالة حضرة الرزاق عزَّ وجلَّ.

قال صلى الله عليه وسلَّم: (اتَّقِ الله وكن كما شئت)، فإن الله عزَّ وجلَّ لا يتخلى عن عبده المؤمن قطّ، وقال صلى الله عليه وسلَّم: (التائبون يرحمهم الرحمن)[3]، توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مُعِّزُ أهل دِينِه، وناصرهم على غيرهم وعلى مَنْ عاداهم ومن ناوأهم إلى يوم الدِّين.

وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، أتانا بالدِّين الحقِّ الذي يُدحض الشرك والمشركين، والكذب والمكذبين، ويجعل العاقبة والختام لعباد الله الصالحين. اللهم صلِّى وسلم وبارك على سيدنا مُحَمَّدٍ سيد الأولين وإمام الآخرين، وسيد الذاكرين والشاكرين لربِّ العالمين.

أيها الأخوة جماعة المؤمنين: جاء الإسلام والناس في الأرض كلُّها في خوفٍ دائمٍ من قُطَّاع الطريق، ومن المتربصين، ومن المُفسدين، وقد كثروا في كل أنحاء العالم - وخاصِّة الجزيرة العربية لأنها كانت في ذاك الوقت لا تخضع لحكومة واحدة - فجاء الإسلام بلواء الأمان لجميع المؤمنين المُنتمين لهذا الدين، فقال صلى الله عليه وسلَّم ذات يوم لرجلٍ آمن حديثاً - وكان من الملوك - هو عَدِىِّ بن حاتم: (يا عدىَّ بن حاتم: هل تعرف الحِيرَةَ؟ - والحِيرَةُ بلدة في العراق زالت الآن - قال: نعم: قال: يوشك أن تسير الظعينة – أي: المرأة  - من صنعاء إلى الحيرة بمفردها، لا تخشى إلا الله عزَّ وجلَّ). وقد كان ذلك، وتحقَّق ذلك.

فبعد انتشار الإيمان انتشر الأمن والأمان، فكان النساء والرجال يمشون فُرادى وجماعات، وحداناً وزُرافات، لا يخشون إلا الله عزَّ وجلَّ، لأن المؤمنين جميعاً كانوا يُراعون حقوق الأخوة الإيمانية، فكان المسلم هو المسلم الحقّ. مَنْ المُسْلِم؟ نسأل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلَّم الذي أرسله الله عزَّ وجلَّ لنا ليُعَلِّمَنا الإسلام وأحكام الإسلام.

مَنْ المُسْلِمُ يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلَّم: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)[4]. يسلم المسلمون من لسانه فلا يسُبُّ، ولا يشتُم، ولا يلعن، ولا يغتاب، ولا يَنِمّ، ولا يقول زوراً، ولا يُوقِعُ بين مُتَحَابَيْنِ، ولا يُفرِّقُ بين اثنين، ولا يغُشُّ أحداً في قوله، لأنه يراقب الله، ويعلم علم اليقين قول الله جلَّ في عُلاه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18ق).

ويأمن الناس من الأفعال التي يرتكبها بيده: إن كان القتل أو السرقة، أو الغشِّ أو الشكاوى الكيديَّة، أو تزوير في الأوراق الرسميَّة أو غير الرسميَّة، أو أى أذيَّة ترتكبها اليد، لأن المسلم كما قال نبيُّ الإسلام: (كلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَام: مَالُهُ وَدَمُهُ وَعِرْضُهُ)[5].

فلما كان المسلمون أجمعون على هذه الشاكلة، كانوا جمعياً في أمنٍ وأمان، لأنهم لا يخشون عدواً فإن الله حافظهم، ولا يخشون مسلماً لأنه يقوم بحقوق الأخوة الإسلامية، ولذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلَّم تحذيراتٍ شديدة، وتهديداتٍ أكيدة، لكلِّ من يُروِّعُ المسلمين في أيِّ أمرٍ من الأمور في هذه الحياة الدنيا، فقد قال صلى الله عليه وسلَّم عندما سُئل: هل لقاتل المؤمن توبة؟ فقال صلى الله عليه وسلَّم: (أَبَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ لِقَاتِلِ المُؤمِنِ تَوبَةً)[6]. كيف يقتل مؤمناً؟!!

عندما كان وقفاً أمام الكعبة وقال لها: (ما أعظمك وما أعظم حرمتك، ولكن حُرمة المؤمن عند الله أعظم من حُرمتك)[7] وقال في موت المسلم: (لزوال السماوات والأرض أهون عند الله من قتل نفسٍ مسلمةٍ بغير حق)[8]. الله عزَّ وجلَّ يؤثر أن تزول السماوات والأرض ولا يُقتل رجلٌ مسلمٌ بغير جريرة، وبغير ذنبٍ، وبغير عملٍ عمله، إتهامٌ بالباطل ولا يتم التنفيذ حتى لمن يُقيَّض له القتل إلا على يد ولاة الأمور الذين ولاَّهم الله عزَّ وجلَّ تنفيذ هذا الشأن.

بل إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلَّم حذَّر كل من يوافق قاتل المسلمين أو يُعينهم - إن كان بسلاحٍ أو بمالٍ أو بكلمةٍ - يقول فيه صلى الله عليه وسلَّم: (من أعان على قتل مسلمٍ ولو بشطر كلمة – أي: بنصف كلمة - لقي الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة مكتوبٌ بين عينية: آيسٌ من رحمة الله)[9].

كيف يجرؤ على قتل من يقول: (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله)؟!! لا يجرؤ على ذلك إلا جماعة قال فيهم الحبيب صلى الله عليه وسلَّم: (إذا كان آخر الزمان ظهر الهَرَجُ، قالوا: وما الهَرَجُ؟ قال: كثرة القتل والكذب، قالوا: يا رسول الله، أيكون قتلٌ أكثر مما نحن فيه الآن؟ - وكانوا يقاتلون أعداء الإسلام - قال: لا، إنهم لا يقاتلون الأعداء، وإنما يقتل الأخ أخاه، ويقتل الإبن أباه، ويقتل الجار جاره، يتركون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام)[10].

وهذا ما نراه الآن جماعة المؤمنين، فإن الترويع لا يأتينا من اليهود، ولا من غيرهم من الأعداء، وإنما من الذين يعيشون بيننا، ويتغذون على أقواتنا، ويشربون من مائنا، وتجرى عليهم كل ضروب الحياة التي تجرى لنا، وهذا من أعجب العجب في هذا الزمان!! كل ذلك لفكرٍ ظهر في أذهانهم، هذا الفكر يخالف هدى الله ويخالف ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. فإن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلَّم قال: (من رفع علينا السلاح فليس منا)[11]. كل من يرفع السلاح على المؤمنين، فليس من المؤمنين أبداً، ويقول: (كُفُّوا عمن قال: لا إله إلا الله)[12].

انظر إليه صلى الله عليه وسلَّم وقد أخبره بعض الجُند أن أسامة بن زيد كان في المعركة، وأراد قتل رجلٍ من المشركين فقال الرجل: (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله)، فقال أسامة: ما قلتها إلا خوفاً من القَتْلِ ثم قتله، فلما أخبروه دعاه النبيُّ وقال: (يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله)؟ قال: يا رسول الله إنه قالها خوفاً من القتل، قال: هلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ قال أسامة: فَمَا زَالَ النَّبِيُّ لمدة شهرٍ أو يزيد كلَّما قابلني قال: (يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله؟)[13]، حتى أنَّي كنت أتوارى - خجلاً - خوفاً من رؤية رسول الله لشدِّة عتابه لي.

النبي صلى الله عليه وسلَّم - جماعة المؤمنين - يجعل المؤمنين أخوة، أخوة دائماً وأبداً، ولكل أخٍ حُرْمَةٌ: فَدَمُهُ مُحرَّمٌ على إخوانه، ومَالُهُ مُحرَّمٌ أخذه إلا بإذنه حتى مِنْ خِلاَّنه، وعِرْضُهُ لا يجب أن يُنتهك، وعرضه: أى الكلام في حقِّه بشرٍّ، أو التشنيع عليه، أو الإساءة إليه، لأن المسلم كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه، ولا يخذله، بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)[14].

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرُدَّ شبابنا إلى الصواب، وإلى صحيح الدِّين، وأن يؤلِّف بين قلوب المؤمنين أجمعين، وأن يجعلنا أخوةً متحابين متآلفين متوادِّين، نعمل سويًّا لطاعة ربِّ العالمين، ونمُدُّ أيدينا إلى بعض لنتعاون على البِرِّ والتقوى كما أمر أحكم الحاكمين.

اللهم خُذْ على أيدي الفسقة والقتلة ودمِّرهم أجمعين، ولا تُبقي منهم أحداً، واجعل مصر بلد الأمن والأمان، والسلام والسلامة على الدوام.

اللهم كثِّر الخير لنا، واجعل أرزاقنا رغدة، واجعل ماءنا طيِّباً مباركاً، واغننا بخيرك وبفضلك وميْرك عن جميع من سواك.

اللهم لا تُحوج مصر إلى أحد غيرك، لا من الصدقاء ولا من الأعداء، واجعلها في غنىً منك إلى يوم العرض والجزاء.

اللهم اكفنا شرَّ كلِّ ذي شرٍّ، وسوءَ كلِّ ذي سوءٍ، وضُرَّ كلِّ ذي ضُرّ، واجعل الكنانة وأهلها جميعاً في حصون كفالتك وأمنك يا ربَّ العالمين.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات يا ربَّ العالمين.

اللهم ولِّي أمورنا خيارنا، ولا تُولِّي أمورنا شرارنا، واختر لنا رجلاً صالحاً يقيم العدل والشريعة في أرجاء مصرنا، وأيِّده بمددٍ من عندك، وجُنْدٍ من جندك، وادحر اليهود ومن عاونهم أجمعين وطهِّر من رجسهم أرض بيت المقدس وأرض فلسطين ووحِّد صفوف المسلمين في كل دولة يا أكرم الأكرمين.                 

عباد الله: اتقوا الله، (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90النحل).

اذكروا الله يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة.

***************************


[1] أحمد وابن خزيمة عن معاذ بن بل رضي الله عنه.

[2] ذكره الإمام بن عطاء الله السكندري رضي الله عنه في كتابه: "تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس": (أيها العبد: أمرتُك بخدمتي، وضمنتُ لك بقسمتي، فأهملتَ ما أمرتُ، وشكّكتَ فيما ضمنتُ، ولم أكتف بقسمتي لك بالضمان حتى أقسمتُ، ولم أكتف بالقسم حتى مثّلت، فخاطبت عباداً يفهمون فقلت: (وفي السماء رزقكم وما توعدون. فوربّ السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (22، 23الذاريات)، وقد رزقتُ من غفل عني وعصاني، فكيف لا أرزق من أطاعني ودعاني؟؟).

[3] روى الترمذي وأبو داود وأحمد وغيرهم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بلفظ: (الراحمون يرحمهم الرحمن).

[4] رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

[5] أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخَرَجَه الطبراني في الكبير والضياء في المختَارَّة عن أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

[7] رواه بن ماجة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ:  مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ, مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ, نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا).

[8] روى الترمذي عن عبد بن عمرو رضي الله عنهما: (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مسلم).

[9] رواه ابن ماجة والبيهقي في سننه وأبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[10]روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ: (إنَّ بين يدي الساعة الهرج. قيل: وما الهرج؟ قال: الكذب والقتل. قالوا: أكثر مما نقتل الآن؟ قال: إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكنه قتل بعضكم بعضاً، حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل بن عمه. قالوا: سبحان الله ومعنا عقولنا؟ قال: لا، إلا أنه ينزع عقول أهل ذاك الزمان حتى يحسب أحدكم انه على شيء، وليس على شيء).

[11] روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (من حَمَلَ ...)، وعند مسلم: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: (من سَلَّ علينا السيف)، أخرجه البزار من حديث أبي بكرة رضي الله عنه بلفظ: (من شَهَرَ علينا السلاح).

[12] رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (كُفُّوا عَنْ أَهْلِ لا إله إلا الله، لا تُكَفِّرُوهُمْ بِذَنْبٍ، مَنْ كَفَّر أَهْلَ لا إله إلا الله فهو إلى الكُفْرِ أَقْرَبُ).

[13] متفق عيله عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:  بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقتُ أنا وَرَجُلٌ من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال:) لا إله إلا الله)، فكفَّ عنه الأنصاري ، وطعنتُه برمحي حتى قتلته، فلمَّا قدمنا المدينة، بلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال لي: (يا أسامة، أقتلته بعد ما قال (لا إله إلا الله) ؟ فما زال يكررها على حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم).

[14] متفق عليه من حديث بن عمر رضي الله عنهما.

- 1 مسجد سيدى عامر – الزقازيق – محافظة الشرقية  الجمعة 14/3/2014 الموافق 13 جمادى الأول 1435 هـ

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up