Advanced search

خطب Related

  • المحبون والمحبوبون

    More
  • كيف يمشي المؤمن بنور الله

    More
  • الاعتكاف في وقت الوباء

    More
View all

New خطب الجمعة

  • خطبة الجمعة_القيم القرآنية وإصلاح حال الأفراد و المجتمعات

    More
  • خطبة جمعة الأساس الحكيم للمجتمع السليم

    More
  • Hidden power in man

    More
اعرض الكل

Most visited

  • خطبة الجمعة_الوقاية من الأمراض باتباع النهج النبوى

    More
  • خطبة الجمعة_بَشريَّةُ النبى صلى الله عليه وسلم النورانية_احتفال المولد النبوي الشريف المعادى

    More
  • خطبة الجمعة – تكريم الإنسان في الإسلام

    More
View all

خطبة الجمعة_الثبات على المبدأ

Visits number:2281 Downloads number:40
Download video Watch Download audio Listen
خطبة الجمعة_الثبات على المبدأ
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



الخطبة الأولى [1]

الحمد لله ربِّ العالمين، اختار الحمد لذاته شكراً للنعم التي أسداها لعباده المؤمنين فقد غمرهم بنعمه، وأحاطهم بآلائه الظاهرة والباطنة، ولما عرف عجزهم عن شكره، أنزل شكراً على حسب استعدادهم في كتابه، وارتضاه منهم لنفسه، وأمرهم أن يكرروه فيقولوا: (الحمد لله ربِّ العالمين)، فيقول عزَّ وجلَّ ردَّا عليهم: { حَمِدَنِي عَبْدِي }[2].

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا معبود في الكون سواه، ولا متولِّي للنعم الظاهرة والباطنة عداه، بيده الخير كله، وبيده الأمر كله، وهو على كل شئ قدير.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، أرسله الله عزَّ وجلَّ رحمة للعالمين، وبعثه هداية للخلق أجمعين، وأمرنا أن نقتفي أثره في كل وقت وحين.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد في الأولين وصلِّي وسلِّم وبارك على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّي وسلِّم وبارك على سيدنا محمد في الدنيا ويوم الدين. (أما بعد)

فيا إخواني ويا أحبابي: ونحن نحتفل بذكرى ميلاد سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيَّا بنا نشرب من رحيق آية من كتاب الله، ما به نفعنا في الدنيا، ورفعتنا يوم لقاء الله. فكتاب الله الذي أنزله إلينا فيه الهُدى والنور، وفيه الشفاء لما في الصدور، وفيه الخير والسعادة لنا وللناس أجمعين. نأخذ منه قبساً من آية واحدة قال الله فيها: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (21- الأحزاب).

إن مجال الأسوة واسعٌ جداً، فالأسوة تعني القدوة وتعني التشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما كان هذا المجال كبيرٌ جداً فإننا نكتفي بذكر مثال واحد من حياته صلى الله عليه وسلم، كان عليه مدار أمره كله، وبه ارتفع شأن هذا الدين، وبه تجاوزت دعوته الخافقين، وبه أوصل الله هذا النور لجميع عوالم الله عزَّ وجلَّ ... ما هذا المبدأ؟

يتضح لنا هذا المبدأ عندما نعلم أن كفار قريش كانوا في ناديهم بجوار الكعبة يتحدثون في شأنه صلى الله عليه وسلم، وقد احتاروا في أمره وشلَّ تفكيرهم عندما أخذوا يخوضون في أمثل طريقة للقضاء عليه وإنهاء دعوته، وقد رأوا أن ذلك الأذى لم يُجْدِهم نفعاً، بل كلما زادوا المسلمين أذىً ازداد يقينهم، فاجتمعوا للشورى فيما بينهم ....

{ فقال لهم عتبة بن ربيعة - وكان سيداً مطاعاً في قومه: يا معشر قريش ألا أقُوم لِمُحَمَّدٍ فأُكلِّمه وأعرضُ عليه أموراً، علَّه يقبل بعضها فنعطيه إياها، ويكفَّ عنّا؟ فقالوا: إفعل، فذهب إلى رسول الله وهو يصلي في المسجد، وقال: يابن أخي إنك منّا حيث قد علمتَ من خيارنا حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقْتَ به جماعتهم، وسفَّهتَ أحلامهم، وعِبتَ آلهتهم ودينهم، وكفَّرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلّك تقبل منها بعضها...

فقال عليه الصلاة والسلام: قل يا أبا الوليد أسمع. فقال: يا ابن أخي إن كنتَ تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنتَ تُريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطعَ أمراً دونك، وإن كنتَ تُريد مُلكاً ملكناكَ علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئّياً من الجن لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطِبَّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.

فقال عليه الصلاة والسلام: «فقد فرغتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم، قال: فاسمع مني، فقرأ عليه صلى الله عليه وسلم من أول سورة فصلت: { بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَن الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } (1:4- فصلت)، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقرأها عليه، وقد أنصت عتبة لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثم انتهى صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } (13- فصلت). فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عن ذلك، فقال له: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك!!}.

 فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: أحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط،، والله ما هو بالشعر، ولا بالسِّحْر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ... فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهرعلى العرب فملكه ملككم، وعزُّه عزُّكم، وكنتم أسعد الناس به...

قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم }[3]

ولكن القوم لم ييأسوا، فذهبوا إلى عمه أبي طالب، وعرضوا عليه هذه الأمور، وطلبوا منه أن يَحْمِلَ ابن أخيه على واحدة منها، فلما كلَّمه عمه، كان جوابه صلى الله عليه وسلم: { يَا عَمِّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ }[4].

فما جاء به رسولكم الكريم من عند الله من الهدي والنور، لا يبغى به مُلْكاً، ولا يسأل به مالاً، ولا يطلب به جاهاً عند الناس، ولا شيئاً من دنيا الناس وإنما يبغى به رضاء الله عزَّ وجلَّ. وعلى مثل هذا الأمر من الثَّبات على المبدأ ربَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فهذا زوج ابنته العاص بن الربيع يرجع من بلاد الشام يقود قافلة كبيرة للمشركين، فهداه الله للإسلام وهو في الطريق، فدخل المدينة وقد تمكن الإيمان من شغاف قلبه، فأشار عليه بعض ضعفاء النفوس، بأنك ما دمت قد آمنت فقد حلَّت لك أموال القافلة وبضاعتها غنيمة، فأخذته الحمِّية الإيمانية وصاح قائلاً:  يا قوم ! ما كنت أبدأ عهدي مع الله ورسوله بالخيانة.

وذهب إلى مكة، وجمع أهلها وقال: يا أهل مكة، ماذا تعرفون عنِّي؟ن فقالوا: لا نعلم عنك إلا خيراً، فقال: هذه بضاعتكم، وهذه أموالكم، وسلَّم كل واحد منهم أماناته، ثم قال: هل بقى لأحد منكم شيئاً؟ فقالوا: لا وجزاك الله خيراًن قال: (أُشْهدكم يا أهل مكة إنني آمنت بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً).

فالثبات على المبدأ أساس الإيمان، والإيمان يا إخواني ليس العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج فقط، وإنما الإيمان جملة الأخلاق التي جاء بها الله عزَّ وجلّ في كتابه، وجملة المعاملات التي علَّمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وجملة الآداب التي ملئوا بها الأرض علماً ونوراً بعد أن كانت تزخر ظلماً وجوراً.

هذا هو الإيمان الذي علَّمه رسولكم الكريم لأصحابه رضي الله عنهم، ولذا عندما فُتحت لهم البلدان، عُرضت عليهم الدنيا، ووقعت في أيديهم الأموال، وطلبتهم المناصب فلم يلتفتوا إلى شئ من ذلك كله، طلباً لمرضاة الله عزَّ وجلَّ. وكذلك عند تعرضَّهم للفتن والبلاء لا يرضون لغير الله بدلاً.

فهذا رجل أمر رسولكم الكريم أصحابه أن يخاصموه، فلا يكلِّموه، ولا يلقوا السلام عليه، ولا يردُّوا عليه السلام!!! بل وأمر زوجته ألا تخدمه. لماذا؟!!! لأنه تخلَّف عن معركة حربية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخلَّف عن غزوة تبوك - وهو كعب بن مالك الشاعر.

بينما هو ذات يوم يمشي في السوق - وحاله ورفاقه وصفه الله عزَّ وجلَّ حيث قال سبحانه: ) حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ( (118- التوبة) - إذا برجل رومي يسأل عنه ويقول: أين كعب بن مالك الشاعر؟ فدلّوه عليه، قال: ماذا تريد؟ قال: معي رسالة لك من ملك الروم وسلَّمها له، ففضَّ الرسالة وقرأها فإذا بها: (من هِرقل قَيّصر الرُّوم إلى كعب بن مالك الشاعر .... بلغنا أن صاحبك قَلاَك "أي أبغضك" فأسرع إلينا نُهَيِّئ لك العيش السعيد والحياة الرغيدة).

فما كان منه إلاَّ أن مزَّق الكتاب وقال: وهذا أيضاً من جملة المصائب التي أتت عليِّ. فلم يفرح بما عرضه عليه ملك الروم من العيش الرغيد في الدنيا، لأنه يُوقن بقول الله عزَّ وجلَّ: ) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( (17- الأعلى).

لم تفتنهم الدنيا بزخرفها، ولم تغرّهم بشهواتها، ولم تغيِّر أخلاقهم بأطماعها، وإنما يتمسكون بشرع الله، ويتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً لمرضاة الله تعالى.

فعندما حاصر عمرو بن العاص بجيشه حِصْن بابليون بمصر، وطلب منه المُقوْقس - زعيم القبط بمصر - أن يُرْسِل إليه رجلاً من عنده ليفاوُضه، فأرسل إليه عُبادة بن الصامت رضى الله عنه - رجلٌ من فقراء الصحابة، لا يملك من الدنيا وحُطامها إلا أثْمالاً بالية يلبسها على جسده، ولكنه يملك نَفْساً غَنِيَّةً بالله، وقلباً مملوءاً بحُبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما رآه المقوقس خاطبه قائلاً: أراكم ما خرجتم إلاَّ لأنَّ أرضكم أرض قحط، ليس بها زرع ولا ماء، وقد جئتم إلينا تطلبون القُوت والطعام والرخاء والمال، فإن شئتم جعلنا لكلَّ رجل منكم مائة دينار - في كل عام - ولكل أمير جماعة ألف دينار في كل عام، ولقائدكم مثل ما يأخذ الجميع في كل عام، وترجعوا عن غزونا. فماذا قال عُبادة بن الصامت رضى الله عنه؟!! قال له: (غرَّك مَالُكَ، لو كنَّا نبغي المال ما جئنا هاهنا، ولو كنَّا نطلب بجهادنا الدُّنيا ما رفعنا سيوفنا، ولا عرَّضنا أنفسنا للقَتْل، ولكن خرجنا لنُنْقذ النَّاس من ظُلمات الجاهلية لعبادة الله عزَّ وجلَّ، فاختر لنفسك ومن معك واحدة من ثلاث: إما الإسلام، وإما الجِزْية، وإما السَّيف.

وهذا ما قال شِبْهه أيضاً ربعى بن عامر عندما دخل على رُسْتم قائد الفرس، وبمثل هذا كان ردَّ كلَّ قائد من قادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الملك الذي أرْسل إليه، لم تحجبهم الدنيا وزخرفها عن المبدأ الذي تربُّوا عليه، بل تأسُّوْا فيه برسولهم ورسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان الشعار الذي أمرهم صلى الله عليه وسلم به: { عِشْ حَمِيداً ومَتْ شَهِيداً }[5]. فما نتيجة هذا الشعار؟ ... أن تحيا فى الآخرة سعيداً!

عِشْ حميداً - بالسير على مبادئ الإسلام، ولا تلفتك الشهوات والزخارف ولا المطالب عن أخلاق الإيمان، ولا تغتر بالدنيا وزخارفها، ومت شهيداً - مجاهداً على دين الله عزَّ وجلَّ، تحيا سعيداً - يوم لقاء الله سبحانه وتعالى .

هذا المبدأ الإسلامي الخالد، نحن في أمس الحاجة إليه في حياتنا الآن، فما أكثر من يحيا منا على الإيمان ويتربى على مائدة القرآن، وينشأ في أحضان أبوين مؤمنين طاهرين، وبمجرد أن يُعرض عليه عرضٌ رخيص من عروض الدنيا، تجده يتحول عن طريق الله عزَّ وجلَّ ، يتحول عن الإيمان من أجل بضع ملايين رخيصة، يبيع دينه بعرض قليل من الدنيا، بل ربما لا يحصل عليه، وربما يكون السجن في انتظاره بعد الحصول عليه، فلا يتهنى به في دنياه، ويعذب عليه أشد العذاب يوم لقاء الله عزَّ وجلَّ.

قد تغريه فاتنة حسناء، فيغير جلده الإيماني، ويتحول إلى خِنْزِيرٍ سفاد من أجل هذه السلعة الرخيصة، من أجل امرأة فاسقة .... والنساء المؤمنات كثيرات، وفيهن خير كثير    ( وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ) (221- البقرة).

نحن في حاجة ماسة إلى التأسي بهذا المبدأ يا إخواني، لأن الدنيا قد تبرَّجتْ وتزخرفتْ وتزيَّنت، وأمواج الكافرين تأتي لنا في كل طرفة عين بما يخلعنا عن ديننا لو عملناه، وما يغير علينا إيماننا لو اتبعناه، وبما يسلخ إيماننا من قلوبنا ويتركنا في خواء من دين الله وشريعة الله لو طبقناه، كل ذلك طمعاً في عيش قد يكون قليلاً، وربما يكون وراءه أو فيه عذابٌ كبير!!!

فقد يتحصل المرء على المال من طريق حرام وينفقه عند الأطباء ولا يتم له الشفاء، وقد يحصل على المال الحرام، ولا يُمْهله العمر ليتوب، فيأتيه الموت بغتة، فيحمله كُلًّه على عنقه يوم لقاء الله سبحانه وتعالى. قال صلى الله عليه وسلم: { من تمسَّك بسنُّتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد } [6]. وقال صلى الله عليه وسلم: { التائب حبيب الرحمن، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له }[7]. ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، حمداً يُوافي نعمه ويُكافئ مزيده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يُحقَّ الحقَّ ويُعين أهله عليه، ويُثيبهم بخير ما لديه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسوله، وصفيِّه من خلقه وخليله، اختاره الله لرسالته، وأمره بتبليغ شريعته، ووعد من أطاعه واتَّبعه بدخول جنَّته، وتَوعَّد من عصاه وخالف هديه بالخلود في دار شِقوته.

فاللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وسلم، واعطنا الخير وادفع عنَّا الشرَّ، ونجِّنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا ... يا ربَّ العالمين. (أما بعد)

فيا إخواني وأحبابي في الله ورسوله: اعلموا علم اليقين أننا عما قليل من الدنيا راحلون، وإلى الآخرة مسافرون، ويوم القيامة بين يدي الحق واقفون، وعليه معرضون، وفي هذا الوقت المعلوم، عند انتهاء الأجل المحتوم، يُغْلق ملفُّ الأعمال، فلا يستطيع أيُّ امرئ أن يزيد فيه حسنة، ولا أن يُنْقص منه سيِّئة ( فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) (34- الأعراف).

واعلموا يا إخواني أن كل امرئ منَّا لا ينال إلا ما قدَّره له الله، فعندما يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر قمرية، يأمر الله عزَّ وجلَّ مَلكاً ينزل فيكتب - بأمر ربِّه – عمره، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد. وعلى هذا فأمر الرزق قد فُرِغَ منه!! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولا سرق سارق إلاَّ حُسِبَ من رزقه}[8] ، وورد فى الأثر: {ولو صبر لأخذه من حلال} ..... وقِسْ على ذلك: ما أخذ الغاشَّ إلا من رزقه، وما أخذ المُخادع إلا من رزقه،.. وهكذا، وإليكم المثال على ذلك:

خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه لزيارة أحد إخوانه المسلمين لمرضه، وعندما وصل إلى الشارع الذي يسكن فيه، وجد سائلاً يسألُ الناس، فطلب منه أن يُمْسك بزمام بَغْلته حتى ينتهي من عيادة المريض، ونَوَى في نفسه أن يُعْطيَه ديناراً نظير هذا العمل. ولكن السائل عندما اختلى بالبغلة سوَّلت له نَفْسُه، فأخذ السِّرْج الذي كان عليها وأسرع به إلى السوق وباعه ..... فلما خرج عمر وجد البغلة وقد جردت من سرجها، ولم يجد السائل، فأسرع إلى السوق فوجد السرج مع أحد الباعة . فقال له: اشتريته الآن؟ قال: نعم، قال: بكم اشتريته؟ قال: بدينار، فقال عمر رضي الله عنه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: { ولا سرق سارق الا حُسِبَ من رزقه }8.

فالرزق مقسوم، وقد قدره الرَزَّاق عزَّ وجلَّ، فإذا تعفَّفت عنه في الحرام ساقه الله عزَّ وجلَّ إليك في الحلال، وكذلك إذا تعرَّضت لك فاتنة فتعفَّفت عنها فإن الله عزَّ وجلَّ يعوِّضك بخير منها في الحلال. وهذا ما حدث لسيدنا يوسف عليه السلام عندما تعرَّضت له زُليخة وتعفَّف عنها خوفاً من الله عزَّ وجلَّ، ردَّ الله لها شبابها بعد أن تجعَّد وجهها، وتقوَّس ظهرها، وأبيضَّ شعرها. عندما تولَّى سيدنا يوسف المُلْك جاءه جبريل وأخبره أن الله عزَّ وجلَّ يأمره أن يتزوج بها بعد أن ردَّ لها شبابها، لأنه ما زَهِدَ عَبْدٌ في شهوة في الحرام إلاَّ أعطاه الله مثلها في الحلال.

ليت شبابنا يستوعب هذا الدرس، وينتبه لهذه الوصية، ويجعلها نبراساً له في حياته وهادياً له في سلوكياته!!! فإنه لا يتورع شاب عن شئ في الحرام - امرأة، أو مال، أو شقَّة، أو عمارة، أو أي شئ من فتن الدنيا - رغبةً فيما عند الله، وخوفاً من الله، إلا وأعطاه الله مثله أو خيراً منه في الحلال، ففى الحديث الشريف: { مَا تَرَكَ عَبْدٌ لله أَمْرَاً لاَ يَترُكُهُ إِلاَّ لله إِلاَّ عَوَّضَهُ الله مِنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ فِي دِينهِ وَدُنْيَاهُ }[9].

يا أمة الإسلام عليكم بهدي المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، واقرأوا هذه الآية وكرروها لتروا ما فيها من جمال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (21- الأحزاب).

 اللهم ارزقنا حسن اتباعه، ووفقنا للسير على  منهاجه، ولا تجعل الدنيا أكبر هَمِّنَا ولا مبلغ علمنا، ولا تفتنَّا بزخارفها ومطارفها، يا أرحم الرحمين.

اللهم اجعل قلوبنا عالقة بذكرك، واجعل أفئدتنا مملؤة بحُبِّك، واجعل ألسنتنا لهجة بالثناء عليك، واجعل عيوننا معتبرة بآلائك، واجعل آذاننا متلذذة بأنغام كلماتك، ووفِّقنا لما تحبُّه وترضاه، وباعد بيننا وبين المعاصى ماظهر منها وما بطن.

اللهم ارزق أبناءنا وبناتنا وأزواحنا العمل بكتابك، وتنفيذ سنَّة خير أحبابك، وَبَغِّضْ إليهم فتن هذا الزمان، ونجِّهم منها إلى جُودِىِّ الأمان، واجعلهم من عباد الرحمن، الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، يارب العالمين.

اللهم اغفر لعبادك المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، يارب العالمين. وانصر عبادك المؤمنين المقاتلين فى البوسنة واذربيجان، والمقاتلين فى بورما وكشمير، والصومال وفلسطين، وفى كل مكان من الأرض.

اللهم أيِّدهم بمدد من عندك، وأنزل على أعدائهم ساحقة ماحقة من عندك لاتبقى ولا تذر يارب العالمين.

اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وغرائب تصريف حكمتك، وأيِّد الإسلام وحزبه يارب العالمين.

اللهم وفِّق حكام المسلمين للعمل على رفعة الاسلام، ووفقهم لاتباع خير الأنام.

( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (90- النحل).

*************************

 توضيح وبيان :

كان خلفاء بنو أمية يختمون الخطبة الثانية - بعد الدعاء - ن2بِسَبِّ الإمام عليٌّ وآل البيت الأطهار، بحجة المطالبة بدم سيدنا عثمان، وأنهم سبب إهدار دمه وإضاعة ثأره، فلما تولَّى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أبطل ذلك، وجعل مكانه هذه الآية: } إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { (90- النحل). فاستن الخطباء بعده بهذه السُّنَّةِ إلى يومنا هذا.

[1] كانت هذه الخطبة بمسجد الأنوار القدسية بالمهندسين - جيزة - يوم الجمعة الموافق 12 من ربيع الأول 1412 هجرية، 20/8/1991.

[2] رواه مسلم عن أبى هريرة من حديث " قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ......"

[3] نور اليقين لمحمد الخضرى، والسيرة الحلبية وغيرها كثير مشتهر بزيادة أو نقصان.

[4] سير أعلام النبلاء للذهبى ، والسيرة الحلبية وكثير غيرها

[5] نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ، ومسند البزار من حديث سالم ابن عمر

[6] أخرجه الطبراني عن أبي هريرة t والبيهقي عن ابن عباس y  واللفظ له.

[7] أخرجه ابن ماجة عن ابن مسعود والديلمي عن أنس وابن عباس والطبراني في الكبير عن أبي سعيد الخدري.

[8] مسند الحارث والمطالب العالية لابن حجر العسقلانى عن كعب رضى الله عنه.

[9] أَخرجه ابنُ عساكر من حديث ابن عمر مرفوعاًً.

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up