Advanced search

خطب Related

  • حلقة 14 ساعة صفا _أسئلة حائرة وإجابات شافية_ المقطم الجمعة 19-3-2020

    More
  • دروس الإسراء والمعراج خطبة جمعة

    More
  • المرأة مكانتها ودورها في بناء الشخصية خطبة جمعة

    More
عرض الكل

New خطب الجمعة

  • Hidden power in man

    More
  • دروس الإسراء والمعراج خطبة جمعة

    More
  • المرأة مكانتها ودورها في بناء الشخصية خطبة جمعة

    More
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • خطبة الجمعة_الوقاية من الأمراض باتباع النهج النبوى

    More
  • خطبة الجمعة_بَشريَّةُ النبى صلى الله عليه وسلم النورانية_احتفال المولد النبوي الشريف المعادى

    More
  • خطبة الجمعة – تكريم الإنسان في الإسلام

    More
عرض الكل

خطبة الجمعة_عروض الجنان فى القرآن

Visits number:1649 Downloads number:82
Download video Watch Download audio Listen
خطبة الجمعة_عروض الجنان فى القرآن
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



الحمد لله ربِّ العالمين، أكرمنا بواسع نعماه، وعمَّنا بخاصة عطاياه، فملأ قلوبنا بالإيمان بالله وبحب حبيبه ومصطفاه. سبحانه .. سبحانه، يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدِّين والقرآن إلا لمن يحب.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزه في كبريائه وعليائه عن الحاجة لخلقه أو مخلوقاته في أرضه وسمائه، لا تغنيه طاعة الطائعين، ولا يخشى من إفساد المفسدين/ وإنما الأمر كما قال في كتابه المبين: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (15الجاثية).

وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أرسله الله عزَّ وجلَّ بالهدى والدين الحقِّ، فبلَّغ أمر مولاه بكل إخلاصٍ وصدق، والقائل: (بينما أنا بين النائم واليقظة وإذا بكبكبة من الملائكة تهبط من السماء، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال العبض الآخر تنام عينه وقلبه لا ينام، فقال الأولون: ما مثله في أمته، قالوا: كرجلٍ صنع وليمة وأرسل داعياً يدعو الناس إليها، فمن أجاب الداعي دخل المنزل وأكل من الوليمة، ومن لم يُجب الداعي لم يدخل المنزل ولم يأكل من الوليمة، فقالوا: أوِّلوها له يفقهها، فقالوا: أما الوليمة فهي الجنة، وأما صاحب الوليمة فهو الله عز وجل، وأما الداعي إليها فهو محمد صلى الله عليه وسلَّم، فمن أجاب محمداً دخل الجنة ومن لم يُجبه لم يدخل الجنة، فمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بين الناس)[1].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، الذي أعليت شأنه في الدنيا وجعلته إماماُ للأنبياء والمرسلين، ورفعت قدره في الآخرة فجعلته صاحب لواء الشفاعة والحمد للخلق أجمعين. صلَّى الله عليه وعلى آله الطيبين، وعلى صحابته المباركين، وعلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم بِمَنِّكَ وفضلك وجودك أجمعين. آمين .. آمين، يا أرحم الراحمين.

أيها الأحبة:

من أراد أن يأتي إلى هذه البلدة التي نسكن فيها الآن ليقيم فيها ويعمل، ما أول شيئٍ يصنعه؟. يبحث عن سكنٍ يقيم فيه، إن كان معه مالٌ يسكن في سكنٍ تمليك، وإن كان ما معه من مال لا يكفي يبحث عن شقة بالإيجار، وإن لم يستطع يبحث عن قريبٍ له أو صديقٍ له يُضيِّفه في هذا المكان، لكن لا يجوز أن يأتي ولا يبحث له عن مكانٍ لإقامته. ونحن جميعاً من الدنيا راحلون، وإلى الآخرة ظاعنون، وبين يدي الله عزَّ وجلَّ واقفون، وفي الآخرة مخلدون، مَنْ الذي بحث منا لنفسه عن مسكنٍ يأويه؟!!، ومقامٍ يقيم فيه عند خالقه وباريه عزَّ وجلَّ؟!!

نتصفَّح كل يوم الإعلانات والصحف والمجلات لنبحث عن أحسن العروض للشقق والفلات والعمارات، إن كانت تابعة لوزارة الإسكان، أو للشركات الخاصة، أو للأفراد، ألم يُفكَّر واحدٌ منا أن يطالع عروض القرآن للمساكن التي هيأها لنا الرحمن في الجنان ليختار عرضاً يتعاقد فيه وبه مع حضرة الله؟!! حتى إذا خرج من الدنيا وجد البيت الذي تعاقد فيه مع مولاه؟!! ونحن نعلم قول القائل:

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها 

إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخيرٍ طاب مســــــــــــــكنه 

وإن بناها بشِّرٍ خاب بانيهــــــــــــا

لا يوجد في الجنة مكانٌ للإيجار، ولا يستطيع أحدٌ من ساكنيها أن يُضيِّف غيره، إذن لابد لك من مكان في الجنان إن أردت أن تكون من الفائزين الذين أراد الله لهم لسعادة يوم لُقياه. وعروض الجنان مبثوثة في القرآن، أحياءٌ إلهية وكل حيٍّ له موصفات ربانية في الآيات القرآنية، ولصحة التعاقد له شروط وضعها رب البرية، والعقد بينك وبين مولاك. إن شئت تسكن في جنة الخُلد، وإن شئت تسكن في جنة الفردوس، وإن شئت تسكن في جنة النعيم، وإن شئت تسكن في جنة المأوى، وإن شئت تسكن في جنة عدن، جنان في الجنة يقول فيها صلى الله عليه وسلَّم على سبيل المثال: (إن الله أعدَّ للمجاهدين في سبيله مائة درجة في الجنة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)[2].

فإذا دقَّقت في الشروط واخترت فعليك بتجهيز الملف الذي طالبك به الله في كتاب الله، فإذا جهَّزته فقد تم التعاقد الفوري بينك وبين حضرة الله. إياك أن تظن - يا أخي المؤمن - أنك إذا عشت في حياتك الدنيا كالهمج الرعاع ستهتدي إلى موقعك ومكانك يوم الدين؟ لا، فلابد وأن تعرف مكانك من هنا، ولا يخرج المؤمن من دنياه إلا إذا أعلمه الله، وأراه المكان الكريم الذي يقيم فيه في أحياء الجنة التي جهزها لنا الله جلَّ في علاه.

ولما كانت أحياء الجنة من السعة بحيث لا يعلم أحدٌ من الأولين والآخرين مداها، اختار لنا الحبيب صلى الله عليه وسلَّم - وهو الحريص علينا - أن نحجز في أعظمها مكانةً عند الله، فقال صلى الله عليه وسلَّم: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فهو أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تجري أنهار الجنة)[3].

ولما جاءت أم حارثة - في غزوة أُحُد وكان قد أُستشهد فيها - وقالت: يا رسول الله إن كان حارثة في الجنة فلا أحزن عليه، قال: (يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن حارثة أصاب الفردوس الأعلى)[4]. في جنة الفردوس، جنة الفردوس التي جهزها لنا الله، وأمرنا الحبيب صلى الله عليه وسلَّم أن نطلب تيسيرها من الله، فما الملف الذي نجهزه ليكون لنا موضعاً في هذا المكان العظيم؟

استمع إلى الملف وبنوده - في أول سورة المؤمنون: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) - أول ورقة في الملف: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، الورقة الثانية في الملف: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، الورقة الثالثة في الملف: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)، الورقة الرابعة في الملف: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)، الورقة الخامسة في الملف: (وَالَّذِينَ هُمْ لامَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، الورقة السادسة في الملف: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (1: 9المؤمنون).

إذا جهَّز المؤمن هذه الأوراق وعمل بها إمتثالاً لربِّ العزَّة عزَّ وجلَّ، وشهدت له التحريات الإلهية من الكرام الكاتبين الذين خصَّصهم له ربُّ البرية أنه ينطبق عليه هذه الأوصاف والنعوت - دخل في قول الحي الذي لا يموت: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) (10، 11المؤمنون).

كم سنة مدة العقد؟ (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (11المؤمنون). وأين العقد وما كيفيته؟ في سورة التوبة ـ صورة العقد، البائع والمشتري وما يدفعه من ثمن وما يأخذه من مقابل: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى)، فهذا المشتري، والبائع؟ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، والثمن؟ (أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)، يطوِّعون الأنفس لشرع الله فتمشي كما يحب كتاب الله، وكما بيَّن رسول الله، ولا يطلبون الأموال إلا بالشرط الذي أباحه الله، ولا ينفقونها إلا في المصارف التي حدَّدها الله وبيَّنها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما مقابل ذلك؟ (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ). وأكبر القتال للنفس والشيطان والحظ والهوى الذي معك - فهم الذين يصدونك عن سبيل الله - فضلاً عن المشركين والكافرين الذين أعلنوا الحرب علينا وعلى المسلمين.

أين يُسجَّل ويُوثَّق هذا العقد؟ في ثلاث جهات إلهية: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالانْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله). ثم يبشرهم بعد كتابة العقد: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (111التوبة).

كيف تتم البشرى؟ بأن يعاين المكان الذي اختاره عند ربه وعمل من أجله، إما أن يعاينه وهو في الدنيا مناماً، فيرى مقعده من الجنة في المنام، ويعرف عنوانه وشارعه وجيرانه، لأن الله يقول فينا أجمعين: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (6محمد)، لابد أن تعرف ما تعاقدت عليه من هنا، أو يريهم في اليقظة - من أهل القلوب التقية والنقية كالصحابة المباركين.

سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم أحدهم ذات صباح: (كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً حقا، قال: لكل قولٍ حقيقة، فما حقيقة قولك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري، وأصبحت وكأني أرى أهل الجنة وهم يتزاورون فيها، وكأني أرى أهل النار وهم يتعاوون ويصطرخون فيها، وكأني أرى عرش ربي بارزا ـ قال: عرفت فالزم، ثم إلتفت إلى من حوله وقال لهم: رجلٌ نوَّر الله بالإيمان قلبه)[5]. فيراها رأي العين، وهذا ما أثبته الله في كتاب الله: (كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ. ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (5: 8التكاثر). وآخر القوم من يرى مكانته عند خروجه من الدنيا إلى الدار الآخرة، قال صلى الله عليه وسلَّم: (ما من عبدٍ يموت إلا وأراه الله مقعده من الجنة أو مقعده من النار)[6].

كان رجلٌ من الصالحين من سكان مصر المحروسة يُسمَّى أبو عليُّ الروزباري رضي الله عنه - كان يعالج سكرات الموت وأُخته بجواره تبكي عليه، فقال لها: يا أختاه لِمَ تبكي!! وها أنا أرى أبواب السماء وقد فُتِّحت، وأرى الجنات وقد زُينِّت، وأسمع من يقول: ((يا أبا عليّ، لقد بلَّغناك الدرجة العُليا في الجنة وإن لم تكن تُردها)).

ومالنا نذهب بعيداً وهذا بلال بن رباح رضي الله عنه - مؤذن حضرة النبي صلى الله عليه وسلم - جاءته سكرة الموت وجلست زوجته بجواره وهي تقول: واغمَّاه واحُزناه، قال لها: ((لا تقولي واحزناه، قولي: وافرحتاه، قولي: واطرباه، قولي واسروراه. غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه))[7]. أنا رايح لخير جوار، في خير دار في الجنة مع الأبرار، في جوار الحبيب صلى الله عليه وسلَّم ومن معه من الأطهار والأبرار.

أما الإستلام فيكون في الدار الآخرة وله طريقتين: إما أن يدخل الإنسان الجنة وتأخذه الملائكة يزفونه إلى موضعه في الجنة وهؤلاء يقول فيهم الله: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (73الفرقان).

أما الصفوة والوجهاء فتتحرك لهم منازلهم من الجنة في أرض الموقف العظيم، فبينما هو في ساحة العرض والحساب إذا بمكانته وقصورة في الجنة ـ والجنة كل شيئٍ فيها حيٌّ بحياة الله!!، يسمع ويفهم كل أمرٍ ولا يحتاج إلى كلامٍ من اللسان، لأنهم يتحركون فيها بأمرٍ من الحنان المنان عزَّ وجلَّ ـ فيقتربون من أصحابهم في الوقف العظيم!! تشريفاً لهم وتكريماً لهم ورفعةً لقدرهم، وفيهم يقول الله عز وجل: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) (31ق). أزلفت يعني قرِّبت يعني هي التي تسعى لهم، وليس هم من يذهبون لها، ولكنها هي التي تذهب إليهم لعُلو قدرهم ورفعة منزلتهم عند الله عزَّ وجلَّ. هذا مقام كريم دعانا إليه النبي الكريم والقرآن العظيم.

ودعانا الله عزَّ وجلَّ إلى منزلة أعظم منها لمن أراد أن يُدخل نفسه في شروط عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان: (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (75، 76الفرقان).

والغرفة هي لأهل النظر لوجه الله، ولسماع الكلام والتحدث مع الله جلَّ في علاه، وهم أهل المنازل العليا وهي منازل الرضوان، يقول فيها صلى الله عليه وسلَّم: (إن في لجنة غُرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام)[8].  هؤلاء القوم ما نعيمهم؟ (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) (44الأحزاب)، والأجر الكريم الذي فيه تكريم من الكريم عزَّ وجلَّ.

جنانٌ لا عد لها ولا حد لها، لا أدعوك يا أخي المؤمن إلى أن تترك الدنيا والسعي للبنيان لأهلك وأولادك وحجز الشقق لهم، ولكن أهمس في أُذنك أن لا تنسى مقامك في الدار الآخرة - لا تنسى مكانك الذي تقيم فيه عند الله عزَّ وجلَّ، لا يوجد فرعٌ لأي بنكٍ من البنوك المالية الأرضية ولو كانت حساباتك هناك بالمليارات، هل تستطيع أن تصرفها من هناك؟!! هل تستطيع أن تأخذ دفتر شيكات لتُحرر شيكاً ويُعد ويُصرف من هناك؟!! لا ينفعك في هذا اليوم إلا ما قال الله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً) (46الكهف).

قال صلى الله عليه وسلَّم: (إن هذه الدار دار إلتواء لا دار إستواء، ومنزل طرح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يطرح لشقاء، ألا وإن أسعد الناس فيها أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها، هي الغاشَّة لمن انتصحها والمغوية لمن أطاعها والخائنة لمن انقاد إليها، طوبى لعبد إتقى فيها ربه وناصح نفسه وقدم لموته ولآخرته من قبل أن تلفظه الدنيا إلى دارٍ مُدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنته ولا أن يُنقص من سيئته، ثم يُحشر فيُنشر إلى جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفك عذابها)[9]. أو كما قال، (توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (31النور). 

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، الذي أكرمنا بهداه، وزاد في إكرامنا وجعلنا من أمة حبيبه ومصفاه، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يُتم علينا النعمة، ويُكمل لنا المِنَّة، ويتوفانا مسلمين، ويُلحقنا بالصالحين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، (يحب التوابين ويُحب المتطهرين) (البقرة). وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، الصادق الوعد الأمين.

اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارك على سيدنا محمد وارزقنا في الدنيا السير على سنته وشريعته، واجعلنا في الآخرة تحت لواء شفاعته، واحشرنا أجمعين في الجنة في جواره وفي زمرة أحبته، آمين يا ربَّ العالمين.

أيها الأحبة: كما تختار لنفسك منزلة ومسكناً كريماً في الجنة؟ لابد أن تختار لنفسك منزلةً كريمة عند الله يوم لقياه، المؤمن عزيز ويطلب دائماً المكانة لنفسه التي له فيها عزَّة له في الدنيا وعند الله. إياك أن تُفرِّط في نفسك حتى ينتهي عمرك وتكون من الذين يتعرضون في الآخرة للسؤال والحساب، وقد قال صلى الله عليه وسلَّم: (من نُوقش الحساب عُذِّب)[10]. لكننا نطمع أجمعين أن نكون من الذين يدخلون الجنة بلا سؤال ولا عتاب ولا حساب.

واختر لنفسك منزلةً كريمة إعمل لتكون تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، واعمل لكي تكون من المواجهين لحضرة الله الذين قال فيهم حبيب الله ومصطفاه: {يُنصب لأُناسٌ من أمتي منابر من نور قدام عرش الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس وهم الآمنون، ثم تلا قول الله عزَّ وجلَّ: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (62: 64يونس)}[11].

واختر لنفسك الجوار مع من يكون؟ هل من يكون: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (69النساء)، كمن يُعرِّض نفسه للذل والمهانة وللخزي والفضيحة يوم القيامة أمام الخلائق أجمعين؟. هل من يدخل في قول الله: (محمد رسول الله والذين معه) (29الفتح)، كمن ينادي يوم القيامة ويقول: (يا محمد يا محمد يا محمد، قال: فأقول: يا ربِّ أمتي، فيقول ربُّ العزة: إنك لا تعلم ما أحدثوا بعدك، فأقول: بعداً لكنَّ وسُخطاً فعنكن كنت أدافع)[12]. اختر لنفسك المنزلة الكريمة من هاهنا، وما منا إلا له مقامٌ معلوم، والمنازل الكريمة في كتاب الله، والأعمال التي توصِّل إليها سهلةٌ ويسيرةٌ إن شاء الله.

كيف نصل إلى المنازل الكريمة؟ وما الثمن الذي ندفعه لنشتري جنة الله جلَّ في علاه؟ هذا أمرٌ يسير ولكن أتركه لأعود إليه بعد الصلاة لمن عنده قتٌ إن شاء الله.

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا أعلى المنازل في جنة النعيم، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يفقهنا في ديننا وأن يلهمنا رشدنا وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً وزاهقاً ويرزقنا اجتنابه.

اللهم حبِّبْ إلينا حبَّ الخيرات، والمداومة على الطاعات، واستباق الخيرات النوافل والقربات، واحفظنا جميعاً من الذنوب والمعاصي والغفلات والسيئات.

الهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات يا رب العالمين.

اللهم أكرمنا أجمعين في بنينا وبناتنا، وأحفادنا وأولادنا وزوجاتنا، واجعلهم بشريعتك عاملين، وللحبيب صلى الله عليه وسلَّم متبعين، واحفظهم من فتن هذا الزمان، وحصِّنهم بالشرع الشريف وبالقرآن وإجعلنا وإياهم أجمعين معاً سوياً في أعلى مراتب الجنان.

اللهم وفق قادة العباد لما فيهه الرشاد لهذه الأمة وهؤلاء الأفراد. اللهم اجمع على قائدنا ورئيسنا البطانة الصالحة، وسدد رُميته ووفق خُطوته، واجعل خطواته كلها في مصلحة هذا الشعب وهذا البلد، يا أكرم الأكرمين.

اللهم خُذْ على أيدي العُتاة والمجرمين والمفسدين أجمعين، وطهِّر منهم كل ركنٍ وكل مكان في هذا البلد يا خير الناصرين.

اللهم أهلك الكافرين بالكافرين، وأوقع الظالمين في الظالمين، واخزِ كلَّ من أراد بهذا البلد سوءً من الكافرين والجاحدين يا خير الناصرين.

 عباد الله اتقوا الله: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90النحل).

اذكروا الله يذكركم, واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة.

***************************

 - 1 -  خطبة الجمعة مدينة 6 أكتوبر ـ مسجد الرحمن 4/3/2016 الموافق 24 جماوى الأولى 1437 هـ

[1] روى الإمام البخاري عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " جَاءَتْ مَلاَئِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ المَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرّق بَيْنَ النَّاسِ).

[2] أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن).

[3] البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] البخاري ومسلم وأحمد عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ( يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ ، قَالَ : يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى).

[5] روى البزار عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً يقال له حارثة في بعض سكك المدينة فقال‏:‏ (‏كيف أصبحت يا حارثة‏؟‏ قال‏:‏ أصبحت مؤمناً حقاً، قال‏:‏ ‏إن لكل إيمان حقيقة فما حقيقة إيمانك‏؟‏ قال‏:‏ عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي، وكأني بعرش ربي بارزاً، وكأني بأهل الجنة في الجنة يتنعمون فيها، وكأني بأهل النار في النار يعذبون‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏أصبت فالزم، مؤمن نور الله قلبه)‏.‏

[6] في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، حتى يبعثه الله، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة). ورواه الفضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: (ما من عبد يموت إلا عرض عليه مقعده إن كان من أهل الجنة وإن كان من أهل النار).

[7] كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض.

[8] رواه الترمذي عليٍ رضي الله عنه، والطبراني عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وابن وهب عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

[9] كنز العمال عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا دَارُ الْتِوَاءٍ لا دَارُ اسْتِوَاءٍ، وَمَنْزِلُ تَرَحٍ لا مَنْزِلُ فَرَحٍ، فَمَنْ عَرَفَهَا لَمْ يَفْرَحْ لِرَجَاءٍ وَلَمْ يَحْزَنْ لِشَقَاءٍ، أَلا وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى، وَالآخِرَةَ دَارَ عُقْبَى، فَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثَوَابِ الآخِرَةِ سَبَبًا، وَثَوَابَ الآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضًا، فَيَأْخُذُ لِيُعْطِيَ، وَيَبْتَلِي لِيَجْزِيَ، وَإِنَّهَا لَسَرِيعَةُ الذَّهَابِ، وَشِيكَةُ الانْقِلابِ، فَاحْذَرُوا حَلاوَةَ رَضَاعِهَا لِمَرَارَةِ فِطَامِهَا، وَاهْجُرُوا لَذِيذَ عَاجِلِهَا لِكَرِيهِ آجِلِهَا، وَلا تَسْعُوا فِي عُمْرَانِ دَارٍ وَقَدْ قَضَى اللَّهُ خَرَابَهَا، وَلا تُوَاصِلُوهَا وَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ مِنْكُمُ اجْتِنَابَهَا، فَتَكُونُوا لِسَخَطِهِ مُتَعَرِّضِينَ وَلِعُقُوبَتِهِ مُسْتَحِقِّينَ).

[10] روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {(من نوقش الحساب عذب)، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: )فسوف يحاسب حساباً يسيراً) (8الإنشقاق)؟، قال: (ذلك العرض)}.

[11] روى الحاكم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة يقربهم ويجلسهم منه قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل تصافوا فى الله وتحابوا فيه فيضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم يخاف الناس ولا يخافون هم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). أخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (إن لله عبادا يجلسهم يوم القيامة على منابر من نور ويغشى وجوههم النور حتى يفرغ من حساب الخلائق).

[12] روى البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَال: قَال النبِيُّ صلَّى اللَّه عليه وَسَلَّم: (إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَال: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُول: سُحْقًا، سُحْقًا، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي).

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي