بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • أعمال الصحابة والمتقين

    المزيد
  • خطبة الجمعة_ثمرات الإيمان

    المزيد
  • فراسة المؤمن وجهاد النفس و الهوى

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

دعوة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله

عدد الزيارات:13 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
دعوة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بسم الله الرحمن الرحيم

رفع الله شأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل لهم فى الدنيا منازل كريمة، وفى الآخرة درجات عظيمة، لأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم عرفوا مقصد الحبيب صلى الله عليه وسل، فكان كلُّ همِّه ومبلغ علمه أن يبلِّغ دعوة الله عزَّ وجلَّ إلى خَلْقِه، لا يبغى من وراء ذلك ذِكراً ولا صيتاً، ولا شكراً ولا أجراً: } قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ { (47سبأ).

ورأوه صلى الله عليه وسلم - فى شدته - عرض عليه أعداؤه المال فأباه، وعرضوا عليه الملك والسلطان فلفظه، وعرضوا عليه الدنيا بطيباتها وشهواتها فزهد فى كل ذلك، وقال لقائلهم عندما قال له كما ورد فى الكثير من كتب السيرة: (إن كنت تريد بما آتيتنا به مالاً جمعنا لك أموالاً حتى تصير أغنانا وأكثرنا مالاً، وإن كنت تريد بما جئت به مُلكاً ملَّكناك علينا حتى لا نصنع أمراً إلا عن رأيك، وإن كان الذى يأتيك رئياً من الجنِّ طلبنا لك الكهنة والسحرة ومهرة الأطباء حتى تشفى وتعافى. قال: هل انتهيت يا هذا من قولك؟ قال: نعم. قال: اسمع منى، وتلا عليه آيات من سورة " حم")[1].  

فقام الرجل منبهراً بما رآه، وعلم أن هذا الرجل صلوات ربى وتسليماته عليه لا يريد بدعوته إلا وجه الله، وتبليغ رسالة الله إلى خلق الله، لا يريد منهم أن يعظِّمُوه لأنه بلَّغهم، أو يكرِّمُوه لأنه أول من أخذ بأيديهم إلى طريق الله، وإنما يريد أن يكرموا أنفسهم وأن يعظموا مكانتهم عند الله بالعمل بالشرع الشريف الذى جاء به من عند مولاه عزَّ وجلَّ.

عرف أصحاب الحبيب هذه الحقيقة فقاموا بأثره على هذه الطريقة: } قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي { (108يوسف)، فكان كل رجل منهم همُّه الأعظم أن يأخذ بأيدى الخلق ليدلَّهم على الله.

التاجر فى تجارته -  وإمام التجار والأخيار الأبرار أبوبكر الصديق رضي الله عنه - كان يدعو الخلق إلى الله وهو فى تجارته، ووثق فيه السامعون لصدقه فى بيعه وشرائه وأمانته. لم يكن خطيباً يخطب فيهم، ولا مؤلف كتب يقرأوا فيها، وإنما عَلِمُوه وعرفوه وخبروه ووثقوا فيه بما رأوه فيه من الصدق والأمانة وحسن التعامل فى التجارة، فكان الذى يدعوه إلى الإسلام لا يجد عند نفسه كبوة بل يدخل فوراً!!

ولذلك يذكر التاريخ أن الذى دخل الإسلام على يد الصديق من الأكابر: سيدنا عبدالرحمن بن عوف، وسيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا سعد بن أبى وقاص، وسيدنا طلحة بن عبيد الله، وسيدنا الزبير بن العوام.

ناهيك بهؤلاء الأكابر ولم يَمُن على واحد من هؤلاء بأنه هو السبب فى دخوله الإسلام، ولم يطالبه يوماً بأن يعظِّمه أو يبجِّله أو يكرمه لأنه الباب الذى دخل منه الإسلام!! لم يطلب منهم ذلك، ولم يخطر على باله ذلك!! لأنه يدعوهم لله، ولا ينتظر عطاءاً ولا تكريماً إلا من حضرة الله جل فى علاه، ويعلم علم اليقين أن خير تجارة هى التى يقول فيها الله: } وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً دعا إلى الله بلسانه، وعمله الصالح يؤيد بيانه وحاله بين المسلمين، لا يرى لنفسه شأواً ولا شأناً ولا رفعة: } وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ { (33فصلت)،لم يقل حتى من المؤمنين، أو المحسنين، أو المكاشفين، أو الصالحين، أو الموقنين!! وإنما جعل نفسه فى أقل الدرجات، لأنه علم أن كل ذلك فضل من الله عزَّ وجلَّ ونعمة، والله عزيز حكيم.

ومنهم من ترك العزَّ والثراء والغنى الدنيوى، وطلب من الحبيب أن يوظفه فى الدعوة لينال الذكر الحسن عند ربِّه والغناء الأخروى، كمصعب بن عمير رضي الله عنه، جهَّز نفسه فحفظ كتاب الله، وأتقن ما تعلمه من العلوم من سيدنا رسول الله، وأخذ أسلوب الدعوة الذى تعلمه من الحكمة والموعظة الحسنة من سيِّد الدعاة صلى الله عليه وسلم، وعرض نفسه عليه وقال: أنا طوع أمرك، أرسلنى بما شئت إلى من شئت.

فأرسله إلى المدينة المنورة، فهدى الله الناس على يديه ببركة صدقه فى دعوته إلى الله عزَّ وجلَّ ، ولم يطلب بعد ذلك من الحبيب مقابل ذلك بأن يعيِّنه فى منصب دنيوى لأنه أدى رسالة، أو يكرمه بسعة مادية لأنه بلغ الرسالة، وإنما يعلم علم اليقين أن الله عزَّ وجلَّ أعدَّ لهؤلاء الأقوام ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ومنهم بمجرد أن بُلغ بالدعوة وجاء إلى حضرة النبىِّ، وأعلن أمامه دخوله فى دين الله، كلَّفه فوراً بدعوة قومه، كسيدنا أبى ذر الغفارى رضي الله عنه، فعندما سمع عن حضرة النبى صلى الله عليه وسلم ، أرسل أخاه ليتقصى حقيقة هذا الرجل، فدخل مكة وسأل عنه ونقل إليه أخباره، فعلم أنه صادق. فجاء بنفسه - وكان أخوه واسمه أنس قد أخبره أن أهل مكة يتعرضون بسوء لكل من يطلب مقابلته، أو الإيمان به وبرسالته وبدعوته - فتَخَفى حول الكعبة، فكان يتَخَفى بين أستار الكعبة وجدارها نهاراً ولا يظهر إلا ليلاً، فيقول رضي الله عنه: مكثت شهراً ليس لى مطعم ولا مشرب إلا ماء زمزم – شهر كامل ليس له زاد إلا ماء زمزم، منه طعامه وشرابه، وكل ذلك فى سبيل أن يلتقى بالحبيب صلى الله عليه وسلم .

حتى أكرمه الله عزَّ وجلَّ لصدقه فمرَّ به الإمام علىٌّ رضي الله عنه وكرم الله وجهه فقال: الرجل ضيف؟ قال: نعم، قال: اتبعنى، ولم يسأله لأنهم كانوا يكرمون الضيف لله، لم يسأله لماذا جئت؟ أو من أين؟ أو ما إسمك وعائلتك؟ فضيفه وأطعمه وبات عنده، وفى الصباح توجه إلى الكعبة، وفى المساء إذا بالإمام علىٌّ يلقاه مرة أخرى وقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله، ومكث ثلاثة أيام لا يسأله عن شيء، حتى قال أبوذر لما استأنس به: يا أخى إنى جئت لأتقصى عن هذا الرجل القرشى الذى هو من بنى هاشم والذى يدَّعى النبوة، فقال الإمام على: لقد سقطت على الخبير!!

فحدثه عنه حتى اطمئن قلبه وقال: إنى أريد أن أذهب إليه، قال حتى تستكنَّ الرِجْل، وكانت الدعوة سرًّا، فأخذه فى جنح الظلام إلى رسول الله، وورد فى صحيح مسلم والبخارى أن رسول الله لقاه ومعه أبو بكر وهو الذى ضيَّفه وأطعمه.

وحتى نعلم أن رجال الله لهم إلهام يلهمهم الله به فى قلوبهم - حتى قبل أن يتصل بالوصلة الظاهرية بأولياء الله أو بأنبياء الله ورسل الله - دخل أبو ذر على حضرة النبىِّ وقال: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فكان أول من سلَّم بتحية الإسلام - لم يعلمه ذلك أحد،- لكن علمه العليم عزَّ وجلَّ - وجلس وأعلن إسلامه، ثم قال: يارسول الله مُرنى بأمرك: { فقال: ارجع إلى قومك حتى يأتيك خبري أي: هجرتي للمدينة، كما ورد فى رواية أخرى- فقال: والله لا رجعت حتى أصرح بالإسلام، فغدا إلى المسجد فقام يصرخ بأعلى صوته: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله)، فقال المشركون: صبأ الرجل ثم قاموا إليه فضربوه حتى سقط، فمرَّ به العباس بن عبد المطلب فأكب عليه وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش!! أنتم تجار وطريقكم على غفار!! أفتريدون أن يقطع الطريق؟!! فكفُّوا عنه. فلما كان الغد عاد لقالته، فوثبوا عليه فضربوه حتى سقط، فمر به العباس فأكب عليه وقال لهم مثل ما قال بالأمس، فكفُّوا عنه}[2].

فهذا كان بدءُ إسلام أبي ذر رضي الله عنه، فذهب إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فآمنوا جميعاً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: { غِفَارُ غَفَرَ اللّهُ لَهَا }[3]، لما استجابوا لهذا الرجل لِمَا رأوا فيه من الأحوال التقية، والأخلاق المُرضية، والسلوكيات السوية.

فإن الناس فى أى زمان ومكان لا ينظرون إلى ما يخرج من اللسان إلا ويزنونه بالأحوال التى تظهر على هذا الإنسان، فإذا ما كان يخرج من لسانه كلام يطابق فعله صدَّقوا به واتبعوه، وإذا ما كان يخرج من لسانه لا يطابق فعله استخفوا به وازدروه واستهزءوا به لأنه دخل فى قول ربِّه: } لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ.  كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ { (2، 3الصف).

فقاموا جميعاً دعاة إلى الله عزَّ وجلَّ على هدى رسول الله، لا يطلبون شهرة ولا سمعة ولا ظهوراً، ولا يطلبون مقابلاً من الذين استجابوا لهم إن كان مالاً أو تعظيماً أو تبجيلاً أو تفخيماً أو إكراماً أو حتى كلمة شكر، بل يرددون ما استحبه الله من الدعاة: } إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً { (9الإنسان)، لأن الأجر على الله: }إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ{  (47سبأ).

وهذا حال الصالحين والمتقين والحكماء الربانيين فى كل زمان ومكان، يدعون إلى الله طلباً لمرضاة الله جل وعلا، ولذلك تجد لقولهم تأثيراً فى القلوب!! ولحالهم نوراً يزكى النفوس!! ولأفعالهم نبراساً يتأسى به الخلق رغبة فى رضا الملك القدوس عزَّ وجلَّ.

والله عزَّ وجلَّ بعد ذلك - لأنهم يدعون إليه - يغطى كل حاجاتهم فى عالم الدنيا، ويعليهم ويظهرهم بين خلقه تأييداً لهم، حتى يعلم الخلق أن مَنْ أخلص مع الله لابد أن يؤيده مولاه جلَّ فى علاه. وهذه سيرة الصالحين فى كل زمان ومكان، تأسيًّا بسيِّد الأنبياء والمرسلين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فيا هناء من أنزل نفسه فى هذا المقام، ونذر نفسه لله، وجعل وقته وماله وما ملكت يداه فى خدمة الله ورسوله!! لا نستطيع نحن ولا غيرنا ولا المجتمع بأكمله أن يكافئه على كلمة واحدة هَدَى بها القلوب إلى الله، وإنما الذي يستطيع أن يكافئه هو مولاه جلَّ فى علاه، هذا ما ينعقد عليه قلب الداعى من البدء إلى الختام.

لو تغيرت هذه النية فقد فسخ عهده مع الله!! فيُكله الله إلى نفسه تنهشه الدنيا لأنه يريد أن ينال منها، ولا ينال منها إلا ما كُتب له!! وعندها لا يجعل سبحانه فى كلامه - ولو كان أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء - قبولاً فى قلوب الخلق!! لماذا؟ لأنه أصبح ولا يريد بكلامه وجه الله، ولا رضا الله جلَّ وعلا، وإنما يريد إقبال الخلق، أو يريد الظهور والشهرة بين الخلق، فلا يبلغه الله عزَّ وجلَّ ذلك، لأنه حاد عن المنهج الذى رسمه الله عزَّ وجلَّ لحبيبه، وكان عليه كل من تبعه فى ذلك: } قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي { (108يوسف).

هذه يا أحباب أهم مهمات الداعى إلى الله عزَّ وجلَّ التى يجب أن ينعقد عليها قلبه، ولا تفارقه نفساً ولا أقل، ولذلك يقول الإمام ابوالعزائم رضي الله عنه فى ذلك:

 (الداعى إلى الله إذا أخذته صولة الحق، وأنطق الله لسانه بالحقائق العالية والعلوم الراقية، يعلم علم اليقين أن ذلك من الله، فإذا انتهى من الكلام رجع إلى مقام العبودية ووقف عند أصله وحقيقته الطينية، لينسب هذا الفضل كلَّه إلى ربِّ البرية سبحانه وتعالى، فيرى البيان والكمال والجمال من الله عزَّ وجلَّ). وتكفينا هذه الحكمة لو عملنا بها إن شاء الله.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

***********
1العدوة، المنيا، منزل الحاج أحمد زكى، بعد صلاة الظهر، الأربعاء 19نوفمبر 2008 م


[1] أخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم 182، 185 عن جابر وابن عمر، وهو عند ابن أبي شيبة في "المصنف" 18409، عن جابر، وكذلك هو عند البيهقي وابن إسحاق 1/ 217 عن محمد بن كعب القرظي، فالقصة قوية باجتماع هذه الوجوه. وانظر "مجمع الزوائد" 6/ 20 وقد عزاه لأبي يعلى، و"الخصائص" 1/ 284.

[2] الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضى الله عنهما.

[3] البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي