بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • أعمال الصحابة والمتقين

    المزيد
  • خطبة الجمعة_ثمرات الإيمان

    المزيد
  • فراسة المؤمن وجهاد النفس و الهوى

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • Why do we choose Islam from amongst all religions?

    المزيد
  • What is Koran? And who wrote it?

    المزيد
  • 🌹🌹Why do Muslims go around Ka’ba, kiss stones and throw them? Aren’t these pagan rituals?🌹

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

دعوة الرجل لأهله وذويه

عدد الزيارات:39 مرات التحميل:3
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
دعوة الرجل لأهله وذويه
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



أول منْ آمن بالنبىِّ صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة خديجة، ومِنْ الصبيان الإمام علىّ - الذى كان يعيش فى كنفه - ومِنْ الخدم زَيْدٌ - الذى كان يعيش فى كنفه أيضاً - وبلغ به الاقتناع بالدعوة أن جاء أهله - أبوه وأخوته - ليحرِّروه من العبودية، ولكنه رفض أن يذهب معهم متأثراً بعيشة الحبيب وأخلاق الحبيب، وكان ذلك قبل الدعوة المحمدية. فأول مَنْ يؤمن بالرجل أهله وذووه، لماذا؟ ليعينوه على طاعة الله وعلى أداء رسالة الله.

كثير من الدعاة فى بداية الدعوة يأخذون أسلوب الشدة، والشدة تكون أشد على من حوله -كزوجته وأولاده - فينفروا من الدعوة!! وهو يرى أن هذا منفعة!! وهو ليس كذلك. لأنهم حتى لو هادنوه وجاملوه، فإنهم فى الحقيقة غير مقتنعين، وهذه مصيبة نراها فى كثير ممن يدَّعون الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ.

لكن رسول الله صلى الله علي وسلم على سنَّة أبيه إبراهيم، إبراهيم عليه السلام أسَّس حياة عائلته على تقوى الله وعلى طاعة الله، حتى أن زوجته - التى كانت ابنة عمه وكانت محببة لديه - لما وجدت أنها لا تنجب، وأنه يشتاق إلى الولد، هى التى حبَّبتْ إليه الزواج من جاريتها. البعض يأخذ الرواية اليهودية أنها غارت منها وأمرته أن يذهب بها إلى مكة، من التى تأمر إبراهيم؟!!! إبراهيم لا يأتمر إلاَّ بأمر الله، والحديث واضح، وفيه روايات كثيرة صحيحة، ونحن لا نرويها هنا بالنص - ولكن نروى القصة مجمَّعة للبيان:

فعندما ذهب بزوجته وابنها ووضعهما هناك، قالت له: يا إبراهيم لمن تتركنا ههنا؟ فلم يجبها! قالت: أالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا – وانظر إلى التربية الإيمانية، فهى قد عرفت أنه أَمْرٌ من الله، لأن كلامهم ليس فيه تدليس ولا خداع ولا نفاق، ولكن كلامهم صدقٌ عن صدق – ولما نفد الماء والزاد وجاء المَلَك، ونبعت عين زمزم قال: يا أَمة الله لا تخشى الضَّيْعَةَ، فإنَّ لله بيتاً فى هذا الموضع سيبنيه هذا الغلام وأبوه. فعرفت هنا الحكمة من مجيئها!! وليس غِيرةً كما يدَّعى اليهود.

أما الإبن فعندما قال له أبوه: }فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{ (102الصافات)، بل هو الذى أشار عليه بكيفية تنفيذ الذبح، حتى أن أباه امتدحه وقال له: نِعم العون أنت لأبيك لتنفيذ أمر الله يا بُنى.

الدعوة بالرفق واللين

هذه هى التى نريدها!! نريد أن يكون الإبن نِعم العون لأبيه على تبليغ دعوة الله، والإبنة نِعم العون لأبيها على تبليغ دعوة الله، والزوجة تكون نِعم الزوجة المعينة لزوجها على تبليغ دعوة الله. كيف؟ دعوة الله أساسها الرفق، قال صلى الله عليه وسلم: { ما دخل الرفق فى شئ إلا زانه وما نزع من شيىء لا شانه }[1]، وفى رواية: {وما دخل الخرق فى شئ إلا شانه}.

}وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ{ (159آل عمران). فَبِمَ كانت دعوته؟ بالرحمة: }فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ{ (159آل عمران).

 إذاً الداعى يحتاج قبل العلم إلى الرحمة بمن حوله أولاً، لابد أن يرحمهم حتى يحبُّوه ويقبلوا عليه ويطيعوه - عن اقتناع وعن برهان. لكن إذا كان الداعى فى الخارج فصيح اللسان، وينطق بكلام يعجب الحضور، ولكن تشتكى زوجته من معاملته، هل سيثقون فى كلامها أم  كلامه؟ بالطبع كلامها هى لأنها هي التي تعيش معه.

إذاً لابد أن نأخذ الأسوة الحسنة - من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ومن أبى الأنبياء - بأن نبدأ الدعوة بالرفق، واللين، والرحمة، للزوجة وللأبناء ليعاونونا على تبليغ رسالة الله، وعلى العمل الموصل إلى مراد الله عزَّ وجلَّ، وذلك حتى كما كان يقول لنا شيخنا الشيخ محمد على سلامة رضي الله عنه: لو جاء ضيف تخدمه بمحبة، فيكون لها نصيب فى الأجر والثواب. لكن لو خدمته خوفاً منك أو لإرضائك وفقط ، حرمتها أنت من جزيل ثواب العمل لله!

أنا أريدها عندما تعمل العمل تكون مقتنعة، حتى تأخذ الأجر والثواب. كيف؟ بالمحبة، والرفق، واللين. ومنهج الرفق واللين يجعل الداعى إلى الله مثل حبيب الله ومصطفاه.

موطن العزيمة الصحيح

بعض الإخوان حتى يجاهد نفسه، يأخذ نفسه بالشدة فى جهادها، بالزهد والتقشف فيشدِّد على أهل بيته. وما دخلهم فى ذلك؟!! أنت شدِّد على نفسك! ولكن لا تشدِّد على هؤلاء، قال صلى الله عليه وسلم وافقهوا الحديث وعوه: {المؤمن يأكل بشهوة عياله، والمنافق بشهوة نفسه}[2]، فيأكل ما يريده أولاده!! فإذا أمسكت عن ولدك فإنه سيكرهك ولن يقبل منك قليلاً ولا كثيراً، فلا تسيِّره على مسيرتك. إذا أردت أن تصلى القيام عليك أن تحبِّبه فى صلاة القيام، بأن تذكر له فوائدها ومنافعها.

هل يقبل الله عزَّ وجلَّ منهم صلاة القيام إذا قاموا لها وهم مكرهين ليرضوك؟! } أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ { (99يونس)، ولكن أنا أصلى القيام وكل واحد كما يريد. حضرة النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى القيام، وزوجاته كان يترك لهن مطلق الحرية، هل كان يجبر إحداهن على صلاة القيام؟ لا، لأنها نفل. بل أنه ورد أن عائشة لما صلت القيام وراءه ليلة خفَّف الصلاة، وأمرها أن تصلى طاقتها لا أكثر[3].

إذا أردت أن تصوم هل تجبرهم على صيام النوافل؟ لا، ولكن حبِّبهم، والذى يصوم له أجره وثوابه، والذى يفطر لا تحاربه ولا تعترض عليه، ولا تعنِّفه ولا تؤذيه. هل هذه فريضة؟ لا، إنها نافلة، وكل الذى علىَّ أن أحبِّب فيها فقط، لكن هل أسوق الناس عليها؟ لا!!، ولكن أسوق الناس على الفرائتض، فأوقظه ليصلى الفجر، وأوبخه إذا ترك صلاة الفجر حتى مطلع الشمس لأنها فريضة.

أنا قوىّ، وحكمت على نفسى أن أفطر على ماء، ثم أصلى المغرب فى المسجد - وربما أتقابل مع هذا أو ذاك وأتحدث معه - وأقول لهم: لا تأكلوا حتى أحضر، أيجوز ذلك؟! لا، لكن الواجب فى ذلك العمل: أن نرحم ضعفهم وطاقتهم، وأن نعلم أن فى ذلك الخير الكثير من الله لقوله صلى الله عليه وسلم: {ابْغُونِي في ضُعَفَائِكُمْ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ}[4].

فإذا كانوا هم ضعفاء لا يستطيعون أن يصلوا المغرب أولاً، علىَّ أن أفطر معهم، وأشجعهم، وأُعلمهم آداب الفطور، وآداب الطعام، ثم أصلى المغرب، ولىَّ فسحة ولىَّ مندوحة فى سُنة المصطفى لأنه فعل هذا وذاك.

فآفة الدعاة - والتى تجعل الأهل ينفرون منهم - أنه يريد أن يشدد عليهم مع تشديده على نفسه، ولم يكن هكذا صلى الله عليه وسلم، و لكن كان هديه أنه بأخذ نفسه بالعزائم، ولكن يأمر غيره بالرُخص، وهكذا جمع القلوب!!

فيا حبذا لو حرص الإنسان على رحمة أهله وذويه عندما يرى مشقتهم، فإنهم سيسعدوا بك. مثلاً إذا كان ابنك اعتاد على صيام يومى الإثنين والخميس، وحضر الإمتحان، فأمرته أن يفطر.. فإنه سيفرح بك لأنك تيسر له، إنها نافلة والنافلة له فيها الخيار، يقول فيها صلى الله عليه وسلم: { الصَّائِمُ المتطوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ}[5]. إنها ليست فريضة، إذا صمت ثم جاء سفرٌ عارضٌ فجأة وهذا السفر طويل! ليس علىَّ شئ إذا أفطرت.

وسطية الدعوة

فإذا أراد أن يشدِّد فليكن على نفسه! لا على أهله، وحتى على نفسه فقط، فليسمع قول الحبيب صلى الله عليه وسلم والذى دائماً مصيب وما ينطق عن الهوى: { روِّحُوا القُلُوبَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ فَإِنَّ القُلُوبَ إذَا كَلَّتْ عّمِيَتْ}[6]، فلو شددت على نفسك باستمرار فإن نفسك ستبعدك عن طريق الله عزَّ وجلَّ لأنك ستأخذ طريق التشدُّد، وطريق التشدُّد ليس بالمنهج الذى ارتضاه الله ورسوله، ارتضى لنا الله ورسوله المنهج الذى قال فيه عزَّ وجلَّ: }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا{ (143البقرة). فالوسطية فى كل أمر محمودة، والتشدد فى كل أمر مذموم، والتساهل فى كل أمر مذموم، فنحن نحتاج إلى الوسطية فى كل أحوالنا.

كان صلى الله عليه وسلم لا يحبُّ اللهو، لكنه كان يسمح لزوجاته باللهو، روت السيدة عائشة رضى الله عنها قَالَتْ: { دَخَلَ رَسُولِ اللّهِ وَعِنْدِي جَارِيتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِراشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَل أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولُ اللّهِ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ }[7].

وفى مرة سأل عائشة إن كانت تحب أن تشاهد الحبشة وهم يلعبون بالحراب والعصى فى المسجد، فأحبت ذلك ووقفت تتفرج من ورائه - مستندة على كتفه، وخدُّها على خدِّه - وهم يلعبون وقال: {لِتَعْلَمَ يهودُ أن في دِينِنا فُسْحَةً، إنّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفَيةٍ سَمْحَةٍ }[8].

ويبقى صلى الله عليه وسلم  ولا يتحرك حتى تقول له: كفاك يا رسول الله، يقول: زيدى يا عائشة، تقول: كفى يا رسول الله. وهكذا كانت الحضرة المحمدية!! ليس كما يفعل البعض بأن يحبس زوجته فى البيت، لماذا؟ لأن الله قال: } وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى { (33الأحزاب) فلا يُخرج زوجته من البيت!! أهذا يصح؟!!

يجب عليه أن يُرَوِّح عنها بتبادل الزيارات، أو زيارة الصالحين الأحياء أو المنتقلين، أو زيارة بعض الأماكن التى تُرَوِّح عنها، مثل شاطئ بحر، أو منتزه، ويجلسا جلسة شرعية عائلية تشاهد وجه الله فى الزرع، قال صلى الله عليه: { ثلاثة يجلين البصر الماء والخضرة والوجه الحسن}[9]. وهذا الحديث بالطبع له معانٍ ذوقية غير المعانى الظاهرة.

ومنها: فالماء هو ماء التوحيد : } وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ { (30الأنبياء)، عندما يشهد توحيد الله أو سرَّ الله السارى فى الكائنات يذهب عنه الحزن - كما ورد فى روايات أخرى، والخضرة خضرة الجنة، والوجه الحسن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه حقيقة معناه ولكن مغزاه الظاهر واضح، كلنا عندما نذهب إلى مكان فيه خضرة وزرع يذهب عنا الهم، ويفرج عنا الهم.

فلابد للإنسان أن يمشى على الحياة الوسطية التى كان عليها النبى العدنان صلى الله عليه وسلم، وكان ولا زال عليها الصالحون فى كل وقت وآن. أنت رجل زاهد فتح الله عليك باباً من أبواب الزهد ولا تريد أن تأكل شيئاً أبداً، هل الذين معك يتحملون ذلك؟! إذا كان فتحك فى هذا الباب يجب أن تتركهم يأكلون، قال الإمام علىّ رضي الله عنه: { لا تحملوا أولادكم على أخلاقكم، فإن لهم زمانٌ غير زمانكم }.

أنت زاهد وتريد أن تركب المواصلات، وترى أن ركوب السيارة من الكماليات ولا داعى لها!! ولكن معك المال، يجب عليك أن تأتى لهم بسيارة تحفظهم فيها من مشاكل المواصلات العامة التى يعيش فيها الناس فى كل وقت وحين، فلم تصبح السيارة كمالية لمن يملك اقتناءها بيسر، بل هى ضرورية، فلا تحكم عليهم أن يعيشوا مثلك!!

أنت ترى أن من كمال الزهد أن يكون عندك بدلة واحدة للشتاء! وبدلة واحدة للصيف! لكن مالإبنك ولهذا الزهد! إنه شباب!! ويريد أن ينوع، ويعلم أنك يمكنك أن تشترى!! هذا فى الحقيقة ليس زهد العارفين، ولكنه زهد الزاهدين!! لأن العارفين زهدهم يقولون فيه: { لو ملَّكك الله الدنيا من أولها إلى آخرها وزهدت فيها، فى أى شئ زهدت؟ فيما لا يساوى جناح بعوضة }!! كل متاع الدنيا من أوله إلى آخره ماذا قال فيه الجليل: } قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ { (77النساء)،  إذاً أنت زهدت فى قليل!!

ولكن ما حقيقة الزهد؟ أن يزهد قَلْبُكَ فيما سوى الله، فلا تُحَضر فيه إلا أنوار مولاك، ولا يخطر فيه إلا خاطرة تأتيك من الله أو من حبيب الله ومصطفاه. هذه هى حقيقة الزهد!! لكن الزهد فى الفانى! ماذا يعنى؟ الزهد فى التفاح مثلاً!! التفاح مثله مثل الخبز عندما يدخل البطن، هل هناك فرق بينه وبين غيره؟ لكن كل الموضوع هو النظرة التى وراءها تعلُّق القلب، إذا كان متعلقاً بهذا أو متعلقاً بذاك، علِّق بقلبك مولاك:

ولا تُعَلِّقْ بِالقَلْبِ غَيْرَ إِلهٍ               قَدْ تَجَلَّى فِى العَالَمِينَ عُلاه

فكُلْ ما شئت! والبس ما شئت! وافترش ما شئت! ما دام من حلال، تشكر الله عليه، وتؤدى حقَّه فيه. الذين يُحَرِّمون على أنفسهم الطيبات هم الزهاد!! وهؤلاء ليسوا من العارفين، فإنه يزهد فى الدنيا من أجل الآخرة!! لكن العارفين يزهدون فى الدنيا والآخرة، لأنهم يريدون خالق الدنيا والآخرة، لا يريدون إلا وجهه!! فالدنيا كون!! والآخرة كون!! فهل أزهد فى كون من أجل كون؟! ما الفائدة؟! لكنى أزهد فى الكونين رغبة فى مكون الأكوان عزَّ وجلَّ، فهذه هى حقيقة الزهد.

هذه الأشياء تنتاب كثيراً من الذين يتعرضون لدعوة الله عزَّ وجلَّ، ولذلك نجد كثيراً من المشاكل بينهم وبين ذويهم وأهليهم، وتجدهم لا يحبُّون وجوده بينهم، لأنه كاتم لأنفاسهم، وسجَّان عليهم، ومعه نعم الله ولا يريد أن يمتعهم بها، ويرضى بالدون فى الدنيا! والمؤمن لا يرضى بالدون فى الدنيا ويطلب الأعزَّ فى الآخرة، فالمؤمن لا يرضى إلا بأعز الأشياء فى الكون وفى الجنة وعند الله عزَّ وجلَّ، لقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً}[10].

ففى أمر السيارة مثلاً: إذا اقتنع بشرائها ومعه مال وفير ليشترى سيارة جديدة، تجده يبحث عن سيارة مستهلكة!! ويَعتَبر هذا إسرافاً وإتلافاً!! ما دام أعطاك الله! لماذا تحرم نفسك المتع الحلال التى أباحها لك الله!!  كلُّ الموضوع أن تجعل فى كل عمل تعمله نصيباً لله، بأن توجِد نيَّة طيِّبة قبل شرائها لاستخدامها لله عزَّ وجلَّ، واشترِ كما تريد.

لكن أنت الحاكم! عليك أنك تشترى لنفسك لأن الزاهد مهتم بنفسه، لكن العارف مشغول بربه، وكل الذى يعمله ويجهِّزه إنما لربِّه: } قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ö{ (32الأعراف).

فإذا جهَّز بيته فلضيوف الله، وإذا جهَّز طعاماً فلضيوف الله!! سيدنا إبراهيم لما جاءه ضيفان ذبح لهما عجلاً سميناً!! هل أسرف؟!! هل عاتبه الله على ذلك؟!! أبداً، ورد فى الأثر { لا سَرَفَ فى الْخَيْرِ }[11].

منهج الدعوة الحكيمة

فالداعى إلى الله على بصيرة.. أول استخدامه لحكمة وبصيرة الدعوة يجب أن تكون مع أهله!! ولذلك نحن نحكم على الداعى من تعامله مع أهله!! إذا كان أولاده نافرين وزوجته بعيدة عنه وعن طريقه بُعد المشرقين، نعرف أنه ليس معه حكمة الدعوة، ولا عنده بصيرة!!

إذا لم يستطع أن يؤلف من حوله كيف يؤلف غيره؟!! وهذا شأن مشهود، لكن سيؤلف من حوله ويجعلهم يحبون الله ورسوله أكثر من حبِّهم لأنفسهم، فمثل هذا لو بنى الدعوة سيبنيها على أساس متين، لأن الناس دائماً تُعلِّق نظرها على الداعى ومن حوله. فلو كان فصيحاً وبليغاً يقول البعض: ننظر إلى فعله، وننظر إلى زوجه، وننظر إلى أبنائه إذا كانوا ناهجين نهجه فهو صادق، وإن كانوا غير ذلك .. إذاً هو يقول كلام من اللسان!! والكلام من اللسان لا يتجاوز الآذان.

إذن أول أسوة نأخذها من خليل الله، ومن حبيبنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله للذى طلب منه إذناً بالدعوة: { إبْدَأْ بِنَفْسِكَ؛ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ }[12] ، وفى الأثر المشهور: { ادعُ نفسك، فإن استجابت فادعُ غيرك}.

هذه هى كيفية الدعوة السديدة، والطريقة الرشيدة، بالحجة والبرهان، أو بالمحبة وهى الأعظم فى النفع وفى التقرب إلى حضرة الرحمن عزَّ وجلَّ.

هذه وصية أوصى بها نفسى وإخوانى، لأن دعوة الله ورسوله تحتاج إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وقال الله فى الداعى الحكيم الذى أرسل إليه موسى نبيَّه الكليم للتعليم: } آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا { أولاً، ثم: } وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا { (65الكهف). إذاً الرحمة أولاً أم العلم؟ الرحمة أولاً ثم العلم بعد ذلك، لأن الرحمة يقول فيها إمام الرحمة: { جُبِلَتْ القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسنَ إليها }[13]. وأنت كأب فى مقام الإحسان لابد أن يشعروا بحنانك ورقتك، ورأفتك ورحمتك، وشفقتك وعطفك، لكن إذا كنت تريهم الوجه المتجهم، والعصا الغليظة، والكلام الشديد كيف يحبونك؟!! من الممكن أن يبقوا معك حتى تحين لهم الفرصة ليتخلصوا !!  ثم لا يعرفونك بعدها، ولذلك نرى كثيراً من إخواننا أولادهم ليسوا معنا، أين أولادهم؟ فى طريق آخر لأنه لا يريد الطريق الذى مشى فيه أبوه!! لأنه لم يتابع رسول الله، ولم يمشِ على المنهج الذى ارتضاه الله للحكماء والعرفاء والصالحين من عباد الله جلَّ فى علاه.

بل قد يكون البعض يعامل الخلق بالأدب الجمّ، والذوق الرفيع، والكلام البديع، فإذا ذهب إلى المنزل فكأنه وحشٌ كاسر!! فاللسان يخرج ألفاظاً لا تليق، ويصدر منه أفعالاً لا ينبغى أن تصدر منه!! فيسقط من عين أولاده وزوجه كداعٍ، فهو أب على علَّته، لكن كداعٍ فهو غير مقبول القول، وغير صالح للإقتداء.

مسئولية الداعى نحو أسرته

إذاً يجب على الإنسان أن يكون على المنهج الوسطى الذى كان عليه النبىُّ العدنان صلى الله عليه وسلم. البعض يمشى عكس ذلك تماماً!! فيترك لهم الحبل على الغارب!! ويتركهم على هواهم يفعلون ما يريدون بدون ضابط ولا رابط، ولا محاسبة!! هذا لا يصلح، أنا أتركهم يعملون ما دام على شرع الله، وعلى منهج حبيب الله: {كُلّكم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيّتهِ : فالإمامُ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيّته، والرجُلُ في أهلهِ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيّتِهِ، والمرأةُ في بيتِ زوجِها راعيةٌ وهيَ مسؤولَةٌ عن رعيّتِها، والخادِمُ في مالِ سيّدِه راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيّتِهِ. قال: فسمعتُ هؤلاءِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسِبُ النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: والرّجُلُ في مالِ أبيهِ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيّتِهِ، فكُلّكم راعٍ، وكلّكُم مسؤولٌ عن رَعيّتِهِ }[14].

فإذا حادوا عن الشرع، كأن تركت الزوجة الصلاة، هل أتركها على هواها؟ لا ، لابد أن يكون هناك موقف شرعى معها بالنصيحة أولاً بالطريقة الصحيحة ثم الهجر، وأحضر لها بعض العلماء ليَعِظُوها .

ابنى انحرف عن الطريق السوى إذاً لا توجد رعاية منى له، لأن عينى دائماً على ابنى، وإذا كنت من الحكماء فتكون عينى على أصدقاء ابنى، لأن الابن فى هذا الزمان مرهون بأصدقائه، لا يفعل إلا ما تأمره به الشلة، أنت تقول له ما تقول وهو ينفذ كلام الشلة. إذاً أنا أكون معه من البداية لأعينه على اختيار الصديق الصالح الوفى، ولا أترك له الحبل على الغارب إلا بعد الزواج، كما فى الأثر: {لاعبه سبعاً، وأدبه سبعا،ً وصاحبه سبعاً، ثم زوِّجه، وألق له الحبل على الغارب}، وفى الحديث: {زَوَّجَهُ أبُوهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: قَدْ أَدَّبْتُكَ وَعَلَّمْتُكَ وَأَنْكَحْتُكَ أَعُوذُ بِالله مِنْ فِتْنَتِكَ في الدُّنْيَا وَعَذَابِكَ في الآخِرَة}[15].

لكن هل ألقى له الحبل على الغارب وهو طفل صغير؟!! لا، وهو شاب فتىِّ؟ لا، كثير من الآباء فى هذا الزمان يظنون أن كل ما عليهم، وما هم مكلفون به، هو إحضار الطلبات التى يطلبها الغلام، وليس له دخل بسلوكه!!! ماذا أعمل إذن؟ قال صلى الله عليه وسلم: { أَدبُوا أَوْلاَدَكُمْ عَلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: حُبِّ نَبِيكُمْ، وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ} [16]، هذا هو الواجب علىَّ. كأن آخذه وأزور معه آل البيت، وأعرفه بهم سواءً أحياءً أو منتقلين، لكن إذا تركته فإنه سيذهب فى طريق وأنا فى طريق آخر.

إذاً يجب علىَّ أن أشده - مادام لى ولاية عليه - إلى حُبِّ الصالحين أحياءً ومنتقلين وحبِّ سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.

بعض الناس يفرح عندما يتفوق ابنه فى الدنيا فى دراسته مثلاً ويتركه وشأنه، لا يجب ذلك، فإذا كان متفوقاً فى دراسته أنا أريده أن يكون متفوقاً أيضاً فى فراسته، ليكون له فراسة يتخير بها الأمور - ولا يخضع فيها للمتشابهات - ويفرق بها بين الحلال والحرام، ويفرق بها بين الذنوب والمعاصى والآثام، ويفرق بها بين الخِلان والإخوان، كيف؟ بأن يكون معى فى حبِّ الصالحين وحبِّ آل بيت رسول الله أجمعين.

فالمسئولية تحتاج إلى الوسطية التى يقول فيها الإمام أبو العــــزائم رضي الله عنه: {وسطاً فكن يا طالب الإقبال}، فلا يكون الإنسان شحيحاً على أهله ولا مسرفاً فى الإنفاق على أهله:وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا { (67الفرقان). لا يكون الإنسان قاسياً جداً على أهله! ولا متساهلاً جداً مع أهله!  لكن يكون على الوسطية المحمدية فى كل أحواله، ويحرص - قبل ذلك وبعد ذلك وأثناء ذلك - أن تكون عينه ترعى أولاده الرعاية الإسلامية على الدوام.

*********
 المعادى، بعد صلاة الجمعة 14 ذى الحجة 1429 هـ، 12 ديسمبر 2008 م


[1] رواه الطبراني عن عائشة رضى الله عنها,

[2] رواه الديلمي في مسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا - المقاصد الحسنة للسخاوي.

[3] روى الطبراني في الأوسط عن عائشةَ رضي الله عنها قالت:{ رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَصَلَّيْتُ بِصَلاَتِهِ، فَلمَّا جَلَسَ خَفَّفَ في قِيَامِهِ، وصلَّى ركعتينِ خَفِيفَتَيْنِ، ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكعتينِ، ثمَّ سلَّمَ، فَيُسْمِعُنِي السَّلامَ، ثمَّ التَفَتَ إِليَّ فقالَ: «إِكْلَفِي مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقِينَ» يَقُولُها ثَلاثاً}.

[4] رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنهُ.

[5] أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن غير ابن ماجه والحاكم عن أم هانىء رضي الله عنها

[6] العقد الفريد لإبن عبد ربه الأندلسي

[7] صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها

[8] مسند الإمام أحمد، عن عائشة رضي الله عنها

[9] عن أبى سعيد الخدرى، إختلاف الحديث للشافعى.

[10] صحيح مسلم ، عن أبى هريرة

[11] تفسير تنوير الأذهان وتفسير حقى لإسماعيل البروسوى عن بعضهم.

[12] رواه الطبراني عن حكيم بن حزام، ورواه الشيخان عن أبي هريرة t.

[13] ابن مسعود (تهذيب الكمال)

[14] صحيح البخارى وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما.

[15] عن أنس t،تنقيح القول الحثيث بشرح لباب الحديث، وغيره

[16] عبد الكريم الشيرازي في فَوَائِدِه، وابنُ النَّجَّارِ عن عَلِيٍّ، جامع المسانيد والمراسيل

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي