Advanced search

دروس Related

  • خطبة الجمعة_ صلاح القلب و صلاح المجتمع

    More
  • الواجب علينا نحو الله

    More
  • خطبة الجمعة_مفهوم العبادات الصحيحة وقضاء حوائج المسلم

    More
View all

New الدروس

  • الواجب علينا نحو الله

    More
  • فقه الشهادتين_شهادة أن لا إله إلا الله

    More
  • الإمام أبو العزائم و العطايا المحمدية فى القرآن

    More
اعرض الكل

Most visited

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

رسول الله والرغد من العيش

Visits number:16 Downloads number:Not found
Download video Watch Download audio Listen
رسول الله والرغد من العيش
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

قولوا جميعاً:

اللهم يا ألله يا ألله يا ألله نسألك سبحانك علماً نافعاً، وعملاً رافعاً وقلباً خاشعاً ولساناً ضارعاً.

ونعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن لسانٍ لا يضرع، ومن دعاءٍ لا يُسمع، يا رب العالمين.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سنكمل الموضوع الذي بدأناه على المنبر حتى تكون صدرونا منشرحة، والمعلومة عندنا مستوفاه وكاملة.

كيف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقولون عنه أنه فقير، وقد كان في مكة وزوجته أغنى أغنياء مكة؟ وتبرعت له بكل أموالها ليُنفق منها في دعوة الله ورسوله، وهي السيدة خديجة رضي الله عنها.

كانت أغنى أغنياء مكة في التجارة، وكانت تؤجِّر من يقوم لها بتجارتها إلى الشام، وكان من جملة ذلك سيدنا رسول الله، وكان هذا سر الزواج بها، لما أرسلته في تجارة إلى الشام وبعثت معه خادمها ميسرة ورجع وحكى لها أنه بمجرد ما وصلنا إلى السوق بيعت التجارة بأغنى الأثمان، طاف عليها التجار واشتروها بأغلى الأثمان.

ونحن ماشيين كلما اشتد الحر وجدنا سحابةً تُظلله من الحر، وهذا ما جعلها هي التي طلبت يده وليس هو الذي طلب يدها، طلبت أن تتزوج منه صلى الله عليه وسلَّم لما رأت عليه من علامات تعلم علم اليقين أنها لا تكون إلا لمن اصطفاهم الله تبارك وتعالى، وأنه من المصطفين الأخيار.

لما هاجر إلى المدينة فالأنصار وسعوه بأموالهم وضيافاتهم، كان كل واحدٍ من الأنصار يلتمس البركة في إعطاء النبي المختار من عنده شيئاً، من يحلب يُرسل له شيئ من الحليب، ومن يذبح شاة يُرسل له جزءاً من هذه الشاه.

وكان واحد منهم واسمه سعد بن معاذ وكان من أغنى أغنياء الأنصار، وعرف أن حضرة النبي يأتيه ضيوف كثيرين ليدخلوا في دين الله، فخصَّص لحضرة النبي إطعام مائة ضيفٍ كل يومٍ على نفقته الشخصية.

يصنع الطعام ويسويه ويُرسله جاهزاً لآكليه، ما هذا؟ تسخير الله.

جاءت غزوة بدر، وكانت غزوة في سنة إثنين هجرية يعني في بداية عصره بالمدينة، ولا ننسى كلنا أنه وهو لا يزال في مكة نزل ملك من السماء وقال له: إن شئت جعلتُ لك جبال مكة ذهباً ـ يعني أجعلها لك كلها ذهباً ـ

وراودته الجبال الصمُّ من ذهب    عن نفســـــــــــــــــــــــــــــــــه فأراها أيَّما شممِ

قال:

(لا أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإن جعت صبرت فنلت أجر الصابرين، وإن طعمت شكرت فنلت أجر الشاكرين).

[رواه أحمد والترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه].

ورفض أن الجبال تتحول له إلى ذهباً، مع أن الذي عرض عليه هو أكرم الأكرمين تبارك وتعالى، وكون الله يعرض عليه أن تكون الجبال له ذهباً يعني لن يحاسبه على ذلك، لأن هذا عطاء من الله فلا عليه عتاب ولا حساب، لأنه يعلم أنه لا ينفق إلا فيما يحب الله ويرضاه.

سنة إثنين هجرية حدثت غزوة بدر وأغنى واحد في اليهود كان إسمه مُخيرق، ذهب لليهود وهم مجتمعين وقال لهم: تعلمون يا قوم أن هذا هو النبي الذي بشرنا به موسى، فهيا أخرجوا وانصروه فقالوا: لا، قال: فإذا أبيتم فأنا سأخرج إلى القتال معه، وأشهدكم أني إذا متُّ فكل أموالي لمحمد.

خرج وذهب للغزوة واستشهد فورث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كل أمواله، لأن الرجل وهبها له، والهبة أحل الحلال، فهل كان فقيراً أم غنياً الآن؟

مع أن الله فرض له في كل غنيمة:

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ (41الأنفال).

الخُمس للرسول ينفقه كيف يشاء لأن دعوة الله تحتاج إلى المال.

لما فُتحت خيبر كان سهمه وهو الخُمس، فكان يأخذ تمرهُ يوزعه على نسائه التسعة، وكل واحدة تأخذ تمراً يكيفها السنة كلها، وهذا كان خمس غنيمة خيبر فقط، غير خمس مخيرق وغيره، وطبعاً كان الخُمس الذي يكفي السنة لا يكفي لماذا؟ لأن الضيفان كانوا كثير، والضيفان كان صلى الله عليه وسلَّم يأمر بإكرامهم ويقول:

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).

[البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

لما ذهب إلى غزوة حُنين وكان أهل الطئف قد خرجوا بكل ما لهم، بنسائهم وأطفالهم وإبلهم وأغنامهم وأبقارهم، لماذا؟ إما قاتلين وإما مقتولين نحن وأموالنا أجمعين، فاستولى النبي صلى الله عليه وسلَّم في هذه الغزوة ـ وهذه إسمها غنيمة جاءته من عند الله في الحرب ـ ستين ألف جمل، وثمانين ألف شاة، وأربعين ألف بقرة، وزعهم جميعاً في ساعة من النهار، ولم يُبقي له ولا للصادقين ممن كان معه شيئ.

كان أُبيُّ بن خلف من أقسى الكفار على حضرته، ويريد يتألفه وربنا كان قد أمره بالمؤلفة قلوبهم أي يتألفهم، فبأي شيئٍ يتألفه؟ وهمه كله في الدنيا؟

فأعطاه غنماً بين جبلين، فجبل هنا وجبل هنا والوادي تحتهما كله غنم، فكيف يكون عددها؟ اللهم أعلم بعددها.

فذهب الرجل إلى قومه وقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يُعطي عطاءً من لا يخشى الفقر ـ يعني لا يخاف لأن ربنا أعطاه الخزائن كلها فلا يخاف على شيئ أبداً فعمال يُعطي.

وكان مع كثرة هذا العطاء أحياناً يُنفق كل ما عنده ويأتيه سائل، فيسأل أمهات المؤمنين: هل عندكم شيئ؟ فيقُلن: ليس عندنا إلا الماء، فيسأل الجماعة الصادقين كأبي بكر وعمر وغيرهم: هل عندكم شيئ؟ فيقولون: لا، فيقول للسائل: إذهب إلى الدكان وابتع عليَّ ـ يعني إشتري من هذا الحانوت شُكك وعلى حساب رسول الله.

فيقول له سيدنا عمر: يا رسول الله إن الله لم يكلفك بهذا؟ ـ ليس معك ـ فيظهر الحُزن والغضب على وجهه، فيقول له رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخشى من ذي العرش إقطاراً ـ يعني تقطير ـ فيتبسم ويقول: بهذا أُمرت ـ يعني أُمرت أن أُنفق بغير حساب، والله عز وجل يتولى ذلك كله.

فهل كان رسول الله يا أحباب الله ورسوله فقيراً؟ لا بل كان أغنى الأغنياء بالله، وأغنى الأغنياء لو رضي بتسخير الجبال له ذهباً حضرة الله، وأغنى الأغنياء بالسهم الذي فرضه له الله وهو الخُمس، وأغنى الأغنياء بما كان يعطيه له الخيِّرين من عباد الله، لكنه كان كما يقول الرجل الحكيم:

[تعود بسط الكف حتى لو أنه طواها لقبضٍ لم تطعه أنامله].

يعني يده تعودت على البسط على الدوام، فلو أراد أن يُثنيها هكذا فلن تطيعه، لأنها تعودت على البسط والعطاء، فقد قال الله تعالى:

(عبدي أنفق أُنفق عليك).

[[البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

فهذا موضوع رسول الله بالنسبة للغنى والفقر الذي يدعيه جماعة المستشرقين، وكان هذا بإيعاذ من المستعمرين عندما كانوا مستعمرين بلاد السملين: أن النبي عاش فقيراً وأنتم المفروض أن تعيشوا فقراء، ولا تبحثوا عن عملٍ يغنيكم، ولا تجارة تغنيكم ولا على أي شيئ يغنيكم، وتعيشوا فقراء كحضرة النبي، فكانت حُجة خبيثة لإضعاف المسلمين وإذلالهم لهؤلاء الكافرين لعنة الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين.

ومع ذلك أذلهم الله تبارك وتعالى للمؤمنين، فوجدوا أن بلاد المسلمين هي خزانة الأرض، كل الطاقة التي يحتاجونها في الوجود، موجودة في بلاد المسلمين، فلم نزرعها ولم نصنعها ولكن جاءت من عند من؟ من يقول للشيئ كن فيكون.

كل الخيرات التي تخطر على البال الخيرات العظيمة موجودة في بلاد المسلمين وهم يتحسرون عليها، هل يستطيعون أن يزرعوا شيئاً مما عندنا في بلادهم؟ هل يستطيعوا أن يزرعوا نخلة واحدة في أوروبا؟ مستحيل.

حتى الأشياء التي نأكلها في شهر رمضان ويأكلها السعداء والأغنياء في غير رمضان كالمكسرات، هل تُزرع في أوربا؟ لا كلها في بلاد المسلمين في بلاد الشام وفي أيران وفي العراق وفي بلاد المسلمين في الأفغان أفغانستان، كل الثمرات والثروات أين وجودها؟ موجودة في بلاد المسلمين، والجزء الأعظم من هذه الثروات موجود في أم الدنيا بلدنا مصر، ولذلك ربنا عرفنا وأسمعنا سيدنا يوسف ماذا قال؟ هل قال: إجعلني على خزائن مصر؟ لا بل:

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الارْضِ ﴾ (55يوسف).

يعني الأرض كلها، خزائن، الأرض كلها موجودة في مصر يا أحبة، ولكنها لا تزال كما هي محفوظة إلى أن يُخرجها لنا الله تبارك وتعالى ونتمتع بها، ويُزيح عنا الفقر الذي جلبه لنا الإستعمار بسببها إن شاء الله تبارك وتعالى.

فليس حضرة النبي هو الغني وحده، بل كل المسلمين الذي آمنوا به داخلين في قول الله تبارك وتعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97النحل).

ولماذا لم نلحق بالحياة الطيبة؟ لأن النوايا غير طيبة، نريد أن نغش أو نريد نسرق أو نريد أن نأخذ رشاوي، أو نريد أن نكذب ونريد أن نأخذ الأرزاق الحرام، وربنا نهانا عنها وقال لنا:

﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (100المائدة).

فالخبيث كثير ويُعجب، لكن الحلال فيه النفع في الدنيا وفيه الفوز والفلاح يوم لقاء الله تبارك وتعالى وأعطانا مثالاً بأصحاب رسول الله:

كانوا أفقر الفقراء في الأرض فلم يكن أفقر منهم في سكان الجزيرة العربية حُفاة وعُراة ولم يكن معهم شيئ نهائياً، وفي سنين قلائل أصبحوا ملوك الدنيا وهم الأمراء في العالم وهم الوجهاء في كل الوجود وساكنين في فلل كان يسكنها الملوك من قبلهم.

ولذلك سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما دخل قصور كسرى في المدائن في بلاد فارس قرأ قول الله:

﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) (الدخان).

من الذي ورثها؟ هؤلاء الجماعة الحفاة العراة، صاروا: الأمير فلان والقائد فلان والوجيه فلان، لماذا؟ لأنهم مشوا كما يحب الله ويرضى مشوا بالحلال الطيب، ولم يلجأوا إلى أي وسيلة يبغضها الله، فتولاهم الله بوعده الذي وعده لنا، وإن شاء الله نسأل الله أن يجعلنا من أهل هذا الوعد:

﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الارْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (55النور).

وهذا الوقت على وشك التحقيق، ولكنه يحتاج منا أن نمشي على نمط الفاروق وأبو عبيدة والصديق في الأمانة والصدق والمروءة وتحري الحلال الطيب، فلو مشى شعبنا على ذلك إن شاء الله ففي طرفة عين وأقل يمحو الله ما يشاء ويثبت، سيُملكنا خِزننا وخيراتنا التي في باطن أرضنا والتي في باطن بحرنا والتي في جونا وسمائنا، وكلها خيراتٌ لا عد لها ولا حد.

حتى الشمس التي تُشرق عندنا إذا كان الخير الذي يعود علينا منها عندما نحولها إلى طاقة كهربائية يساوي جميع سدود العالم الموجودة على المجاري المائية، فماذا ندفع للشمس؟ هل ندفع لها إيجار؟ أو نُعطي لها نصيباً؟ لا فهي موجودة ـ ومن الذي أوجدها؟ الواجد سبحانه وتعالى واجد الوجود تبارك وتعالى.

فالحبيب وأمته جعل الله لهم الغنى ولكن بطاعته، والإستقامة على شريعته والأخلاق الطيبة والنوايا الصادقة في قلوبهم نحو بعضهم.

فما بال من يقول بحاله وقاله غير ذلك؟

فهذا يخالف رسول الله وربنا يقول:

﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63النور).

ونشاهد بعض الناس يمشون في البلاد من يلبس خيش ومن يلف نفسه بالحديد ومن يمشي حافياً، ومن يقول لك: أنا آكل شطة دائماً ولا آكل غير الشطة، فهذه أعمال مخالفة ويقولون: هذه سنة الرسول وهذه سنة العباد والزهاد، فمن أين أتوا بذلك؟

نسأل الأئمة السابقين والمعاصرين:

واحد ذهب ليزور سيدنا الحسن رضي الله عنه وأرضاه فقدم له تفاح، فقال له: أنا محرم على نفسي أكل التفاح، فقال له: لماذا؟ فنعمة الله عليك في الماء البارد، أكبر من نعمتي عليك في التفاح، إذا كنت تريد أن تُحرِّم فحرِّم الماء البارد، لكن التفاح ممكن أن تستغني عنه:

﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (32الأعراف).

فما دمت قد أتيت بها من مالٍ حلال، وشكرت الله عليها بعد أكلها أو إستخدامها، فما المطلوب بعد ذلك؟ المطلوب شيئين إثنين فقط: أن تجلبها من مال حلال وتشكر الله عليها، ولا يكون فيه إسراف، يعني يكون على قدر قول الله:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67الفرقان).

ذهب واحد لسيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه وأرضاه، وسيدنا جعفر الصادق أبوه سيدنا محمد الباقر، وسيدنا محمد الباقر أبوه سيدنا علي زين العابدين إبن الإمام الحُسين يعني من آل البيت.

فوجده لابساً عباية فخمة ـ وهو جاعل نفسه من الزهاد أيضاً بالملابس الأخرى ـ فقال له: ما هذا الذي تلبسه؟ فقال له: هات يدك هكذا، أخذ يده ووضعها على الملابس الداخلية فوجدها خشنة وهي التي على الجسم مباشرةً، ثم قال له:

[ما كان لله أخفيناه ـ وهو الداخلي ـ وماكان لخلق الله أبديناه].

ليعرفوا قول حبيب الله ومصطفاه:

(إن الله يحب ان يرى أثر نعمته على عبده).

[صحيح حسن عن إبن مسعود رضي الله عنه].

ورأى رجلاً شعره منعكش وملابسه مهلهلة فقال له: يا هذا ألك مال؟ قال: نعم، فقال له: ما نوع هذا المال؟ فقال: كل أنواع المال، الإبل والبقر والغنم، فقال له: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فلم لا يظهر عليك شيئاً من هذا المال؟

الشكر لله: وأما بنعمة ربك فحدث ـ فكيف تُحدِّث؟ أي تُظهر على هيئتك من نعم الله تبارك وتعالى التي أعطاها لك، فهذا شكر لله على نعمه يظهر لخلق الله ويظهر لله تبارك وتعالى في عُلاه.

 الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه، كان في الصيف يجعلهم يبردوا له المياه، وسبحان الله الجضارة تقدمت، وكلما تقدمت تجد كل ما وصلت إليه الحضارة كان يصل إليه أجدادنا بطريقة بدائية، نحن الآن نبرد المياه في المبرد، الذي يعمل بالكهرباء، فكيف كانوا يبردوها؟

قريب كان يبردوها في الزير أو القُلة، كان من يسافر يحضر جركن ويلفه بخيش ويبلل الخيش بالمياه، فتكون المياه التي في الجركن كالمياه التي في الثلاجة تبردها.

واحد من الجماعة الذين يظنون أنهم زهاد، قال له: لم تُبرد المياه؟ فقال: يا أخي أنا لو شربتُ الماء البارد حمدتُ الله بكل جوارحي، أحمد الله وأنا مستريح وسعيد، ولو شربتُ الماء الساخن أحمد الله بكزازة ـ يعني وأنا متضايق ـ فما هو الأفضل لي؟

وهذا كان فقه الصالحين، فما فقه الصالحين يا إخوانا؟

أننا لا نحرم نعم الله سبحانه وتعالى التي أحلها لنا، بلنُظهرها.

لماذا كل المسلمين لا يذهبون يوم الجمعة ويجعلونه عيداً كما أمر ربنا، ويلبسون أحسن ما عندهم ويغسلوا أسنانهم ويغتسلون، ويضعون الطيب عليهم حتى يشعر من حولنا بأن هذا عيد المسلمين؟

لماذا لا نجعلها كالفرح؟ هل يوجد منكم من يذهب للفرح بملابسه العادية هذه؟ قد يكون، ولكن هذا يُتهم من الناس بقلة الذوق: لماذا أتيت إلى الفرح بهذه الهيئة؟ وبهذا الزي؟

لأنك ذاهب للفرح كالجمعة أو إحتفال عام مع جماعة المسلمين أو مناسبة لسيد الأولين والآخرين أو أي مناسبة لهذا الدين، لابد أن تكون ثيابك كمن ذهب على الأقل لفرح العامة لجموع المسلمين، لماذا؟

إظهاراً لجمال هذا الدين.

باقي أمر بسيط أقوله بسرعة وأنتهي منه حتى لا أطيل عليكم:

حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم كان في آخر حياته يمرض كثيراً، فقالوا له: يا رسول الله إنك تمرض كثيراً، قال:

(أوعك ـ يعني أتألم ـ كرجلين منكم).

[صحيح مسلم عن إبن مسعود رضي الله عنه].

ألم شديد السيدة عائشة رضي الله عنها لم تذهب إلى مدرسة، ولم تدخل مدرسة التمريض ولا المعهد العالي للتمريض، ولا كلية التمريض ولا كلية الطب، لكنها تعلمت الطب وأصبحت أستاذة في الطب، فسألوها: كيف تعلمت الطب؟ قالت:

[كان النبي صلى الله عليه وسلَّم يسقم كثيراً، وكانوا يدعون له حكماء العرب فيصفون له الدواء، فحفظت ذلك منهم].

فقد تعلمت الطب على عينة واحدة فقط، هي سيدنا النبي صلى الله عليه وسلَّم، مع تناوب الأطباء والحكماء على حضرته.

ظهرت ظاهرة مستجدة في هذه الأيام وأعجب ـ ويزيد عجبي ـ أن هذه الظاهرة تظهر على أناس مستويات عُليا في العلم الدنيوي، منهم من معه دكتوراه، ومنهم من معه بكالوريوس ومنهم من معه ليسانسن، يأتيه مرض تعالج يا فلان يقول: خليها على الله ـ وهذه الكلمة نسمعها كثيراً، وهل هذه الكلمة مضبوطة؟ لا.

لأن حضرة النبي عندما جاءه رجل والنبي كان في المسجد يُعطي الدرس، والرجل ترك الناقة لم يربطها، ورباط الناقة كان عقالاً، والعقال يعني تُثني الرجلين وتربطهما حتى لا تستطيع الناقة القيام ولا الحركة.

فلما أنهى النبي الدرس خرج الرجل فلم يجد الناقة، فقال: يا رسول الله أنا لم أجد الناقة، فقال له: وهل عقلتها؟ قال: لا ولكنني توكلت على الله، فقال له:

(لا إعقلها وتوكل).

[إبن حبان عن عمرو بن أمية رضي الله عنه].

أذهب للطبيب وآخذ الدواء وأدعو الله لأنه عز وجل هو السبب في الشفاء، فلو دعوت الله واعتمدتُ على الدعاء ولم أذهب إلى الطبيب، أهذا يوافق السنة؟ لا قال صلى الله عليه وسلَّم:

(تداووا عباد الله، فإن الله لم يخلق داء إلا وجعل له شفاء).

[الإمام النووي عن أسامة بن شريك رضي الله عنه].

موجود الشفاء في عالم الأرض علمه من علمه، وجهله من جهله، فلابد أن أبحث عن الشفاء.

ذهبت للطبيب والطبيب مشهور، وهل يوجد طبيب يشفي أحداً؟ إنه يكتب أسباب الشفاء في ورقة، من الذي يُشفَى؟ من يأخذ بهذه الأسباب ويستخدمها، فإذا أخذت بهذه الأسباب وألقيت الورقة، فمن أين يأتي الشفاء؟

فلماذا ألوم الطبيب؟ وأقول: أنا ذهبت للطبيب فلان ولم أُشفى، وما ذنب الطبيب؟ فقد وصف العلاج وكتبه لك.

آخذ العلاج يوم ويومين وأتركه وأقول لهم: أتركوها على الله، يقول له من حوله: خذ العلاج، يقول: أتركوها على الله، فلو ربنا أراد أن يشفيني فسيشفيني بغير دواء.

فهذه ليست سنة النبي المختار، ولا منهج الصالحين والأبرار، المنهج أنني أذهب إلى الطبيب وآخذ الدواء، وأحرص على استعماله بدقة، وأدعو الله لأني أعلم أن الله هو وحده الذي بيده الشفاء.

الثلاثة معاً، ولماذا أقول هذا الكلام؟

لأن كثير من الأحباب ويمكن بعضهم حاضرين، يكون عنده مثلاً مرض السكر، وهو مهمل في نفسه فبعد أن كان يأخذ حبوب الطبيب قال له: خذ أنسولين، ولا تأكل حلوى فيقول: أنا لا أستطيع أن أفطم نفسي عن الحلوى أبداً، فنحن في أيام المولد وكيف أحرم نفسي من الحلوى؟ فأنا آكل الحلوى ببركة رسول الله.

بركة رسول الله غير ذلك بأنك لا تأكل الحلوى، ويترك الأنسولين، فلم تترك العلاج يا فلان؟ يقول: لو أن ربنا قدر لي الشفاء سيشفيني بدون دواء.

وهذه ظاهرة إنتشرت وعيبٌ أن تنتشر بين المثقفين، وعيبٌ أعظم أن تنتشر بين المنتسبين للصالحين، لأن هؤلاء أكمل الناس بالتأسي بسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.

أنت طبيب نفسك ـ كيف؟

أنت تستخدم الروشتة، فإذا استخدمتها بدقة وبعناية ودعوت الله سيأتي الشفاء من الله تبارك وتعالى، وتكون هنا قد نلتَ الحُسنيين، لأنك اتبعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

لكن تترك الدواء وتتهم الطبيب لأنك ذهبت إلى أشهر طبيب في المدينة ولم يأتي الشفاء، فماذا يصنع الطبيب؟ وما ذنبه؟

واحدة تذهب لطبيب سمنة على سبيل المثال، وقالت له: أنا لي معك عدة سنوات ولم أخسُّ، فيقول لها: وماذا أفعل معك في البيت لأُطعمك، لأن السبب في الأكل، أنتي تذهبي للطبيب ولكن تأكلي ما تريدين، ولست ملتزمة بالورقة التي كتبها لك، فماذا يفعل الطبيب؟

هذه يا أحباب ظاهرة أراها قد إنتشرت في مجتمعنا ولا تليق بنا جماعة المسلمين أجمعين، ناهيك عن المنتسبين للصالحين، فنحن نعمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:

(تداووا عباد الله، فإن الله لم يخلق داء إلا وجعل له دواء).

[الإمام النووي عن أسامة بن شريك رضي الله عنه].

عرفه من عرفه وجهله من جهله.

أما ترك الأسباب في هذا الباب، فهو إختبار لحضرة الرحمن، ولا يجوز أن أختبر الله تبارك وتعالى، كمن يقول: أنا سآخذ هذا الدواء وأنظر هل سيشفيني الله أم لا؟

هل يجوز أن أمتحن الله تبارك وتعالى؟

إبليس ذهب لسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، وهو على أعلى جبل يعني فوق الجبل من أعلى، فقال له: ألست مؤمناً بالله وواثقاً في الله؟ قال: نعم، قال له: إلق نفسك من هذا الجبل، قال: يا عدو الله أأختبر الله تبارك وتعالى فأُلقي نفسي من فوق الجبل، وأقول له: إن كنت تحبني فاحمني من الكسور وغيرها، وإن كنت لا تحبني أُتركني؟

فهذا إختبار لله، لكن ما دام الأمر قرره شرع الله، ومشى على هُداه سيدنا رسول الله، فيكون أمراً منتهياً، وعليَّ أن أعمل بقول الله:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا (21الأحزاب).

وهذا في كل الأمور، وحالياً هل الشبع من الأكل؟ أم من الله؟ لكن ربنا أمرني أن آكل الطعام.

هل ينفع أن أمتحن الله وأضرب عن الطعام وأقول: أن ربنا يتكفَّل بي؟ فهذا إنتحار.

كما لا يجوز أنني أضرب عن الطعام وأترك الشبع لله، فكذلك لا يجوز أن أترك الدواء وأقول: الشفاء من الله عز وجل، لأن الشفاء من الله عن طريق الأسباب.

إذا كانت الأمراض نفسية:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (82الإسراء).

يشفي من الأمراض الفكرية والنفسية والعقائدية، إذا كان في الجسم كما ربنا قال:

﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ (69النحل).

لو قال: فيه الشفاء للناس، كان أي عسل يأكله الإنسان يشفى، لكن قال: فيه شفاء، وماذا يعني؟ يعني إذهبوا للأطباء، وانظروا ما الأمراض التي سيشفيها العسل؟ ومالجرعة المقررة؟ وما المرات التي آخذ فيها العسل؟ وليست شيئ غير منظم آخذها كما أريد، ففيه الشفاء نكرة، ومن الذي يكتشف هذا الأمر؟

الأطباء عن طريق التجربة والعلم التجريبي، فيقولون لنا: لا هذا تأخذ منه جرعة كذا، وهذا تشرب منه كذا، وهذا تأكل منه كذا، لأن هذه جرعات علمية تركها لنا رب البرية تبارك وتعالى لنجتهد في استخراج الدواء الذي يُذهب الله تبارك وتعالى به الداء.

قولوا جميعاً تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعلى ما قلنا، وعزمنا على أننا لا نعود إلى ذنبٍ أبداً، وبرئنا من كل شيئٍ يخالف دين الإسلام.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

**************************

الجمعة: 29/10/2021 موافق 23 ربيع الأول 1443 هـ درس بعد الخطبة بالزقازيق مسجد الجمعية

 

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up