News Ticker
Advanced search

دروس Related

  • مشاهد الحج

    More
  • ما أفضل عمل للمريض الذي لا يستطيع صيام العشر من ذي الحجة؟

    More
  • عمر بن الخطاب إمام أهل الحذب

    More
View all

New الدروس

  • مشاهد الحج

    More
  • عمر بن الخطاب إمام أهل الحذب

    More
  • ما عفة المريد عند الصالحين وما دورها في رقي المريد؟

    More
اعرض الكل

Most visited

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    More
View all

القلب السليم من الحظ والهوى

Visits number:2265 Downloads number:22
Download video Watch Download audio Listen
القلب السليم من الحظ والهوى
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بسم الله الرحمن الرحيم:

الحمد لله الذي أنعم علينا بهُداه، وأكرمنا بنور حبيبه ومصطفاه، وجعلنا من الثُلة المجتباه الذين كتب لهم الحياة الطيبة في الدنيا، ونرجوه أن يُتم ذلك علينا ويكتب لنا السعادة يوم لقاء حضرته.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمدٍ نور الله التام، الذي هدى الله عز وجل به وبنوره خيار الأنام، وجعله هو النور الأعظم الذي يلتَّف حوله الأنام يوم الزحام.

صلِّ اللهم وبارك على سيدنا محمد وآله الذين اقتدوا بهُداه، وأصحابه الذين أعانوه على إبلاغ رسالات الله، واجعلنا معهم ومنهم في الدنيا أجمعين وفي الآخرة يا ألله.

أيها الأحبة:

وصيِّة جامعة ـ فلا أريد أن أُكثِّر عليكم الكلام ـ تنفعنا في الدنيا، وترفعنا يوم الزحام، شيئ واحد إذا حافظ عليه الفرد المؤمن يكون في الدنيا في أرغد عيشٍ وأسعد حال وأهنأ بال، ويكون في الآخرة في جوار الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين الشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا.

وهذه الوصية لا تحتاج إلى تعبٍ ولا إلى مكابدات في العبادات والسنن والنوافل والأوراد، وإنما أمرها يسير لمن يسَّرها له العلي الكبير عز وجل.

فما هذه الوصية التي لو عملنا بها فلن يوجد شيئٌ في الدنيا كلها يعوقنا؟ ولن يوجد شيئٌ في الآخرة يمنعنا من معيِّة حبيبنا صلى الله عليه وسلَّم؟

ربنا قال فيها في كلمتين إثنتين:

"إِلا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (89الشعراء).

قلب سليم، أحرص ما يحرص عليه المؤمن أن يكون القلب سليماً من الحظِّ ومن الهوى ومن الشُحُّ ومن البخل ومن الكُره ومن البُغض ومن الأثرة ومن الأنانية، ومن كل شيئٍ لخلق الله أجمعين، وقد أشار إليها نبينا الكريم فقال صلى الله عليه وسلَّم مبيناً فضلها:

(لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحبُ لنفسه).

بالله عليكم لو أن المؤمنين عملوا بهذا الحديث فقط، فهل ستكون هُناك مشكلة بين إثنين أو بين عائلتين أو بين بلدين أو بين قطرين أو في أي مكان في العالم؟ لا ـ فتنتهي المشاكل كلها.

فما هو المرهم الذي يداوي كل المشكلات؟

الحب في الله والحب لرسول الله والحب للمؤمنين والمؤمنات، فنحن رفعنا الحب من القلوب ووضعنا بدلاً منه البُغض والكُره والحقد والحسد والغلُّ، فهل هذه يا رب صفات المؤمنين؟

قال: لا ليست هذه الصفات التي حددَّتُها، فما هي صفات المؤمنين يا رب؟

"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ" (47الحجر).

والغلُّ شجرة: يتفرَّع منها الحقد والحسد والكُره وكل هذه الصفات الذميمة.

فهذه الشجرة ليست موجودة أصلاً في أي مؤمن، وكيف يكون مؤمناً وفيه هذه الشجرة؟

"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ" (47الحجر).

فالمؤمنون يقابلون بعضهم على السرور ـ كيف؟

تبسمك في وجه أخيك صدقة والكلمة الطيبة صدقة، أليست هذه مقالبتنا مع بعضنا؟ فلماذا أكشَّر وأعبس وأحرم نفسي من هذه الصدقة؟ وأدخل في الطائفة الأُخرى، فالمؤمن للمؤمن كما قال صلى الله عليه وسلَّم وهو الأُسوة الحسنة لا يُرى إلا متبسِّماً، يتكلم فيبتسم وينظر وهو يبتسم، البسمة على وجهه على الدوام.

صحيح أنه لم يكن يضحك الضحكة العالية والتي نسميها القهقة، لأنه كان ذو ذوقٍ رفيع وأدبٍ ربانيٍّ بديع، لكن البسمة كانت دائمة على وجهه على الدوام.

فماذا تكلفني هذه البسمة؟ وكلما نظرتُ إلى مؤمن تكون بصدقة، وكلما نظر إليَّ تكون بصدقة، وكل كلمة أقولها له بصدقة، هل هناك عبادة أهون وأسهل وأعلى في الأجر والثواب من هذه يا أحباب؟ أبداً، فماذا هو أسهل منها؟ فلا تحتاج إلى وضوء ولا إلى مسجد ولا لشيئ، وكل ما تحتاجه هو أنني كلما رأيتُ مسلماً أتبسَّم.

والجماعة الأطباء العصريين ـ سبحان الله ـ يقولون:

عندما يتبسَّم الإنسان تتحرَّك أعضاء الوجه كلها فتحافظ على نضرة الوجه وبهجة الوجه، ولذلك المؤمن يظلُّ إلى أن يلقى الله وهو شبابٌ، دائماً على وجهه علامة الفُتوة والشباب، لماذا؟ لأنه دائم التبسُم.

ولكنك إذا حملت الهم، فالهم يأتي معه الغم، والغم يأتي معه الحُزن والكُره والبُغض، فما يفعل معك هذا الحال بالنسبة لمشاكل الدنيا؟ هل سيحُل كل مشكلة؟ أو يُنهي أي معضلة؟ أبداً.

فكان صلى الله عليه وسلَّم كما رُوي في شأنه:

[هاشَّاً باشَّاً] ـ دائماً يقابل الكل بالهشاشة والبشاشة، والسرور والمودة، ماهذا؟ الذي قال لنا ربنا فيه:

"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا" (21الأحزاب).

أُسوة حسنة في الصلاة، لا مانع فقد قال:

(صلوا كما رأيتموني أُصلي).

وكذلك في الصيام وفي الزكاة وفي الحج، لكن الباب الأعظم في الخُلق الطيب مع خلق الله، لأن هذا الذي أثنى عليه به ربنا ومدحه، فكان يصلي الليل كله حتى تتورَّم منه الأقدام، ويصوم صيام الوصال ويذكر الله على كل أحيانه، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:

[كان لا يقوم إلا على ذكر، ولا يجلس إلا على ذكر، ولا يدخل إلا على ذكر، ولا يخرج إلا على ذكر].

لكن عندما مدحه رب العزِّة ومدحه عليه لكي نسارع كلنا في الاقتداء به فيه، ماذا قال لنا؟

"وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" (4القلم).

ولم يقُل: أنت ذو خلق عظيم، ولكنك على يعني أعلى من الخُلق العظيم، فكان سيدنا أبو بكر يقول له:

يا رسول الله: لقد ذهبتُ إلى كِسرى في مُلكه، وإلى قيصر في مُلكه، وإلى النجاشي في مُلكه، وطُفتُ قبائل العرب فلم أرى مثل أدبك، فمن الذي أدبك؟ فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(أدبني ربي فأحسن تأديبي).

من الذي أدبَّه؟ رب العزة عز وجل:

وإنك لعلى خلقي عظيم ـ [أحد القراءات السبع].

فخُلق مضاف وعظيم مضاف إليه، أنت على خُلقٍ عظيم، ومن هو العظيم؟ الله ـ إذن فأنت على خُلق الله عز وجل.

فهو صلى الله عليه وسلَّم خلقَّه الله على أخلاقه الحُسنى، وجمله الله عز وجل بمكارمه العُليا، لماذا؟ لكي نقتدي بهديه ونمشي على دربه صلوات ربي وتسليماته عليه.

ولذلك عندما وجد المؤمنين: منهم من يتنافس في القيام ومن يتنافس في الصيام ومن يتنافس في تلاوة القرآن، ومن يتنافس في الأوراد ولكن التعاملات بينهم وبين بعضهم غير كاملة، قال لهم: الحكاية مش كدة:

(تجدون أثقل شيئٌ في موازينكم خُلقٌ حسن).

 هذا أثقل شيئٌ في الميزان، من الذي يريد أن يكون معه في الدار الآخرة ويكون قريباً منه؟ وضَّح وبين وقال صلى الله عليه وسلَّم:

(أقربكم مني منزلةً يوم القيام: أحاسنكم أخلاقاً ـ ولم يقُل: أكثركم ركوعاً وسجوداً؟ ولكن قال: أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً ـ وانتبه معي ـ الذين يألفون ويؤلفون).

جعل النبي صلى الله عليه وسلَّم من أبلغ صفات المؤمن قوله:

(المؤمن إلفٌ مألوف).

يألف الناس والناس تألفه، يحب أن يجالس الناس، والناس يحبون مجالسته ومحادثته، لماذا؟ لأن هذه هي أساس الإسلام أن نكون كلنا كما قال الله:

"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" (الحجرات).

فالحاجة الأساسية التي يتمسَّك بها المؤمن ليحييه الله الحياة الطيبة في الدنيا، ويكون في الدرجات العُلى في الآخرة مع الحبيب ـ ماهي؟

أهم شيئٌ تبحث عن سلامة صدرك، وصفاء قلبك وإخلاص نيتك في كل عملٍ لله عز وجل.

هذا أهم شيئ في الإسلام قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:

(إن هذا دينٌ ـ أي الإسلام ـ إرتضاه الله لنفسه لا يُصلحه إلا السخاء وسلامة الصدور).

مالذي يُتعب الناس ويكثر المشاكل بينهم؟ الصدور غير الصافية، ولما يكون الصدر غير صافي، فكيف أقف بين يدي الله وأُناجي الله والقلب متعكِّر من ناحية خلق الله جل في عُلاه، ولكي أشعر بطعم الإيمان وحلاوة الطاعة وأستشعر لذَّة المناجاة، يجب أنِّي عندما أقف بين يدي الله أن لا يكون في صدري شيئاً لأحدٍ من خلق الله أبداً.

وهذه هي التي قالها رسول الله لأصحابه وركَّز عليها، فقد قال لسيدنا أنس بن مالك:

(يا بني إن استطعتَ أن تبيت وليس في قلبك غلٌّ ولا غشٌ لأحدٍ من السلمين فافعل، فإن ذلك من سنتى ومن فعل سنتي كان معي في الجنة).

فيكون مع من؟ مع رسول الله.

لما أثنى الله عز وجل على أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم، مع أنه لم يتحمَّل أحدٌ كما تحمَّل سيدنا إبراهيم من الإبتلاء: جعل بدنه للنيران، وجعل ماله للضيفان، وجعل ولده للقربان، وجعل قلبه للرحمن، لكن عندما أثنى عليه ربنا في القرآن ماذا قال في شأنه؟

"إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (84الصافات).

دخل على الله بقلبٍ سليم ليس فيه إلا حضرة الله جل في عُلاه.

فإذا حافظ المؤمن على ذلك فكل أموره في الدنيا ستُيسَّر، وتُسهَّل، فالأرض التي يزرعها، الزرع فيها ينبُت على أي أساس؟ ليس الجد والإجتهاد فقط، ولكن على أساس النوايا والطوايا في قلوب الزارعين:

"وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا" (58الأعراف).

أليس هذا كلام ربنا؟ ما الذي يُطيِّب الزرع، وما الذي يسلِّم الضرع وما الذي ينزل البركات على الخيرات لكي تكفي آلاف ومئات؟ تقوى الله وسلامة الصدر وصفاء القلب في التعامل مع الله جل في عُلاه.

إذا حافظ الإنسان المؤمن على هذه الحالة فسيكون هذا هو الجهاد الأعظم، لأن النفس ما هو كل فتنها ودسائسها؟

النفس تعرف أننا كلنا والحمد لله نصلي، فلن تنهى أحداً منا عن الصلاة فلن يستجيب، ولكنها تريده أن يصلي وفي قلبه كُرهٌ لفلان ليكون ميزانه غير مرضيٍّ عنه عند حضرة الرحمن، يصلي وهو يُفكِّر في مكيدة أو مصيبة يدبِّرها لفلان، فيصلي أيضاً وأمره ليس مستتباً مع حضرة الرحمن عز وجل.

فجهادي الأعظم في أنني كيف أُحافظ على سلامة الصدر وصفاء القلب لله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلَّم في الحديث الجامع في هذه الناحية:

(إن في القلب لمضغة إذا صلُحت صلُح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ألا وهي القلب الا وهي القلب).

وسلامة الصدور هذه و صفاء القلوب هذا كيف نحافظ عليهما؟

أول شيئٌ لنحافظ عليهما:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"(119التوبة).

إختر الناس الصادقين وجالسهم فلا تسمع غيبة ولا نميمة ولا مسبَّة ولا شتم ولا لعن ولا شكاية في الله سبحانه وتعالى لخلق الله معهم لأنهم أهل رضا عن حضرة الله جل في عُلاه، فلن تسمع إلا كلمة خير وكلمة برٍّ وكلمة معروفٍ، أو وصيِّة طيبة أو هداية صالحة لأن هؤلاء يعملون بقول حضرة النبي: الدين النصيحة.

ولو رأوني ذهبتُ هنا أو هناك يقولون لي: تعالَ يا فلان إلى أين أنت ذاهب؟ نحن حريصون عليك كنفسك تماماً بتمام.

الأمر الأول:

فأول شيئٌ نفعله لنحافظ على الصفاء والنقاء هو الصُحبة الطيبة والجليس الطيب والجليس الصالح، ونمشي خلفهم لأن ربنا قال لنا كلنا:

 "اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ" (15لقمان).

إبحث عن الجماعة الذين رجعوا إليَّ وظهرت عليهم الفتوحات والإشراقات والأسرار والشفافية والنورانيات، وامشي في سكتهم لتصل إلى ما وصلوا إليه من مواهب الله ومن كوز فضل الله، ومن عطايا حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.

الأمر الثاني:

أننا نتدبَّر أحوال حضرة النبي والصحابة المباركين ومن على هديهم من العلماء العاملين والأولياء والصالحين.

"أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ" (90الأنعام).

فعدما يقرأ الواحد منا عن هؤلاء وهؤلاء ويسمع عنهم يزداد يقيناً، فيزيد إستمساك بمنهجه ويمشي على المنهج القويم المستقيم الذي كان عليه سيدنا رسول الله الرؤف الرحيم والصحابة الهادين المهديين والتابعين وتابع التابعين، والحكماء الروحانيين والمرشدين الربانيين إلى يومنا هذا، فلابد أن نمشي على أثرهم.

وننظر وعد الله في القرآن الذي وعده لهم ونُنفِّذه وأيضاً والحمد لله من مشى مثلهم في زماننا سينفذه، مثال واحد لذلك:

"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى" (97النحل).

والآية هنا مطلقة: فأي واحد قديماً أو حديثاً، ماذا له يا رب؟

"فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً" (97النحل).

لابد له في الدنيا أن يعيش حياةً طيبة، والناس تفهم أن الحياة الطيبة أن يكون له مالاً كثيراً وعنده سيارات وعنده عقارات وعنده عمارات، وهل هذه هي الحياة الطيبة؟ فيكون أهل أمريكا وأهل أوروبا يعيشون في الحياة الطيبة لأن هؤلاء أغنى في مثل هذه الأمور.

لكن الحياة الطيبة هي التي يكون فيها الإنسان مستريح البال يُعطيه الله عز وجل ما يريد، ولا يُعطيه ما يطغي ويتكبَّر به على العبيد، لأنه لو أعطاه بزيادة فمن الجائز أن يتكبَّر أو يتجبَّر، فيُعيطه على قدره، وحضرة النبي عندما دعا لأهله قال:

(اللهم اجعل قوت آل محمدٍ كفافاً).

يعني يوم بيوم، لماذا؟ حتى لا تشغلهم الدنيا عن الله عز وجل، فعندما يبيت الإنسان وليس عليه مظلمةٌ لأحد من أهل الدنيا، ولا في قلبه حقد ولا كُره ولا حسد ولا شيئ من هذا القبيل فهذه ولاية الله، وهذا هو الجمال الإلهي الذي اختاره الله لأحباب الله وأولياء الله وأصفياء الله في كل زمانٍ ومكان:

"فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (97النحل).

فهذا شيئٌ آخر في الآخرة.

فالصلاة يا أحبة فُرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة، فسيدنا رسول الله مكث يدعو في مكة ثلاثة عشرة سنة، فما بال الإثني عشرة سنة قبل فرض فريضة الصلاة؟ ماذا كان يفعل رسول الله مع صحبه الكرام؟

كان قد أدخلهم دورة إسمها دورة تزكية النفس، وماذا تعني تزكية النفس؟ تزكية النفس تعني تطهيرها وتزكيتها من الرواسب التي أشرنا إليها، حتى إذا فُرضت الصلاة ويدخل على الصلاة فلا يكون في القلب غير الخشوع والحضور والإخبات مع الله جل في عُلاه.

ولذلك ربنا قال لنا في القرآن: من منا الذي صلاته يحبها الله، وصلاته وصل بها إلى درجة الفوز والفلاح من الله؟ نسأل القرآن الذي أنزله الرحمن:

"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى" (15) (الأعلى).

فلابد قبل الصلاة من تزكية النفس، ففيه طهارة ظاهرة وهي الغُسل أو الوضوء والتيمم، لكن مع الطهارة الظاهرة لابد من الطهارة الباطنة، لأن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم.

فإذا صليتُ بين يدي الله، فأُطهِّر الظاهر الذي سأقف فيه في أي أرض من أرض الله:

(وجُعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهورا).

ومن أحادث هنا؟ ومن أُناجي؟ رب العالمين عز وجل، فلابد أن أُجهِّز موضع المناجاة وموضع المساررة والمحادثة والخضوع والخشوع بين يدي الله، وهذا ما قال لنا فيه ربنا في القرآن:

"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ" (2) (المؤمنون).

فالعبرة هنا بالخشوع وليس بالركوع، فلو كان ركوعاً وليس فيه خشوعاً فماذا يكون؟

رأى رسول الله رجلاً يركع ويسجد وليس فيه خشوع فقال:

(لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه).

المهم هنا هو خشوع القلب، ومتى يخشع القلب؟ بعد طُهرة النفس وسلامة النفس، وتزكية النفس ويكون ليس في قلب الإنسان إلا الإقبال على الواحد الأحد عز وجل في كل أوقات الصلاة، فعندما يسمع: الله أكبر يرفع يديه الإثنين، لماذا؟ لأن ربنا قال في القرآن:

"تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ" (1الملك).

وفي الآية الأُخرى:

"فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ" (83يس).

والملكوت يعني الآخرة، فعندما أرفع اليدين فمعناها أنني جعلتُ الدنيا والآخرة خلف ظهري وأتوجَّه بكلي إلى ربي عز وجل حتى أشعر بلذة الصلاة وحلاوة طاعة الله التي كان يشعر بها الحبيب ويقول له:

(أرحنا بها يا بلال).

ولا يقول له: أرحنا منها، ولكن يقول له: أرحنا بها لأن فيها الراحة، لماذا؟ لأنه يجد فيها القرب من القريب، والحب من الحبيب، والإجابة من المُجيب، والتواصل بلا كيفٍ وكمٍّ مع حضرة الله عز وجل في هذه الصلاة، فالصلاة صلة بين العبد ومولاه عز وجل.

إذن المؤمن يحتاج قبل أداء العبادات يأخذ دورة أولاً كما فعل سيدنا رسول الله:

فيُزكِّي نفسه، ويرفع كل المصائب التي أفسدت المجتمع في العلاقات وأساءت الأمور بين المسلمين والمسلمات كما نراها حالياً، ولكن الخلافات بدلاً من أن كانت خارج المساجد الآن دخلت المساجد، ألم يحدث الآن؟

فدخلت المساجد الآن فيقول البعض لأخيه: أنت لا تصلح للآذان، وأنا أُؤذن أفضل منك، ودخلت الخلافات داخل المساجد، فمن أين أتانا هذا الذي أصابنا؟

لأننا لم ندخل في الدورة التي قالها الله لحضرة النبي:

"يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ" (151البقرة).

فلابد أن يزكينا أولاً، وبعد التزكية:

"وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" (151البقرة).

وهي التشريعات التي جاءت في الكتاب وتأتي كلها بعد تزكية النفس وبعد طهارة وصفاء القلب.

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا صفاء نفوسنا، وطهارة قلوبنا وأن يُهيِّم في حضرته أرواحنا، وأن يرزقنا خشيته في كل وقتٍ وحين، وأن يجعلنا من عباده الخاشعين الحاضرين بين يدي حضرته في كل وقتٍ وحين. 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمّ

وأستغفر الله من كل قولٍ وعمل.

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up