Advanced search

دروس Related

  • خاتم النبين -سورة الاحزاب الآيات40-38

    More
  • إشارات العارفين فى خاتم النبين

    More
  • إشارات العارفين فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ

    More
View all

New الدروس

  • خاتم النبين -سورة الاحزاب الآيات40-38

    More
  • إشارات العارفين فى خاتم النبين

    More
  • إشارات العارفين فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ

    More
اعرض الكل

Most visited

  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

طهارة القلب ،أصحاب الجنة

Visits number:23 Downloads number:2
Download video Watch Download audio Listen
طهارة القلب ،أصحاب الجنة
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

خطبة الجمعة وإن كانت في ظاهرها للناس، إلا أن حقيقتها لكم أنتم، لأنكم أحباب رب الناس، أنتم يا أحباب ربنا سماكم أصحاب الجنة، أصحابها يعني لن تأجروا فيها، لا بل أنتم أصحابها:

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ ﴾ (55يس).

هل في شغل يعني في الزراعة والفلاحة وفي الدنيا؟ أم في شغلٍ بربهم ووليهم تبارك وتعالى؟ شغلهم بالله.

فشغلهم بالله والله عز وجل يتولى كل أمورهم في حياتهم ويوم لقائه تبارك وتعالى، فغير المعقول أن الإنسان ينشغل بالله ويتخلى عنه مولاه، مستحيل ما دام صادقاً فيكون:

﴿ وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ـ الناس يقولون هذا في الآخرة، لا هنا ـ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61الزمر).

فلا يأتيه شيئٌ يُحزنه ولا يصيبه همٌ ولا غمٌ، لماذا؟ لأنه مشغولٌ بالله.

ولو تتبعنا أحوال الصالحين في هذا الأمر نحتاج إلى وقتٍ طويل شهرين ثلاثة لنحكي في قصص الصالحين في هذا الأمر.

حتى أن السادة الصالحين كانوا يقولون: إذا أحد أحبابهم كلفوه بعمل، فيكفوه المشاغل التي تشغله وتجعله قد لا يؤدي هذا العمل، وهي هكذا.

فالمسكين عندما يكلفه أحد الصالحين بعمل يقول: أنا مشغول وعندي كذا وعندي كذا، فهذا مسكين خالص، فهو يرى بنور الله إذا كان صالح على قدره، أما إذا كان صالحاً حقيقياً فيرى بالله، فيراك أين تكون؟ ولن يتكلف بشيئ إلا رفع عنك الأحمال الأخرى، ويكون التكليف هذا تكريم لك أنت، لأنك ستتعب في الأمور الأخرى التي تمشي فيها.

سيدنا إبرهيم الدسوقي رضي الله عنه وأرضاه كلَّف مريداً له بعمل، وهذا المريد كان يعمل حلاج يحلج القطن ويخرج منه البذرة، وكانت المحالج على أيامه يدوي، ولم يكن هناك محالج حديثة.

فالرجل إنشغل وقال: إن الرجل الذي أعمل عنده يحملني كل يوم كم كذا حتى أحلجه في هذا اليوم، وإذا ذهبت لهذا المشوار ورجعت فمتى أحلج للرجل قطنه؟ لكن كان هناك أناس في هذه الأزمان الفاضلة كانوا يحسنون التوكل على الله:

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ (3الطلاق).

فذهب ليقضي المشوار، ثم عاد للمحل الذي يعمل فيه فوجد الكم الذي كلف بحلجه كله محلوج، كل الكمية محلوجة وجاهزة، ولم يتعب في الحلج ولا في العمل لأنه أدَّى المشوار لمن؟ لله.

فمن يؤدي العمل لله يكفيه الله تبارك وتعالى ما عداه، ولذلك كانوا فقهاء إذا كلفه شيخه أو أحد الصالحين بعمل يعمله ليرضي هذا الرجل الصالح؟ لا الذي يعمله ليرضي الله، وهذا الأساس الأول.

وإذا أحب أن يساهم بشئ ليس لأجل الرجل الصالح، ولكن لله لأنه وحده تعالى الذي بيده الأمور وبيده الأجر الموفور، وكل الناس:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ـ كل الناس ـ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15فاطر).

فيجعل التعامل مع الجهة الأعلى على الدوام، والجهة الأعلى هي حضرة الله تبارك وتعالى، فبداية الجهاد لأي مريد إذا كان يريد أن يكون سعيداً في الدنيا ويوم الوعيد أن يطهر القلب لله من جميع خلق الله.

أي شيئ يدخل القلب من جهة أخ من إخوانك في الله يكون حجاباً أو قاطعاً والعياذ بالله، ويكون حجاباً إذا شغلك شوية وخلصت منه، فإذا تمسكت به تكون قاطعاً، ولذلك الإمام أبو العزائم يقول لنا:

ألا من يكن في قلبه بعض ذرةٍ ـ وليست ذرة حتى ولكن بعض ذرة

من الكبر والأحقاد ما هو ذائق

لذلك نحن المفروض أن يكون بيننا الصراحة ـ والصراحة راحة ـ فأنا واخد على خاطري من فلان ـ فجائز أنني أسأت الفهم، أو لم أُحسن الظن فالمشاكل سببها سوء الظن، ولذلك حذرنا النبي تحذيراً شديداً وقال:

(إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).

[لراويأبو هريرة | المحدثمسلم | المصدرصحيح مسلم].

وماذا أفعل؟ أفاتحه وأقول له: والله يا فلان أنت كذا وكذا، فأستريح وهذا الكلام حدث حتى مع أكابر الأصحاب.

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في عصره وأوانه المبارك ـ مرَّ سيدنا عمر على سيدنا عثمان وقال له: السلام عليكم، فلم يرد السلام، فقال: كيف أُلقي عليه السلام ولم يرد السلام، وسيدنا عثمان كان من أهل الفناء في الله وبالله، وأهل الفناء تحدث لهم حالات ولا يكونوا هنا خالص وفي حالة غياب، وأنت تراه ينظر إليك ولكنه باطنياً في عالم آخر خالص.

تجذب الروح الهياكل     في الصفا أعلى المنازل

هو غير موجود هنا ولكن الجسم هنا، وأحياناً إذا كان من الجماعة الذين يسموهم الأبدال، فهذا ربما يكون صورة للجسم، لأنه يكون له أكثر من صورة، وهو في مكان آخر خالص وليس هنا.

فذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ـ ولم يتركها في صدره، لأنمه كانوا يجعلون الصدور منشرحة، ومنشرحة يعني لا يوجد شيئ بين الإخوة نهائياً:

﴿ إِلا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89الشعراء).

وهذا الأساس فلمكا شكا لسيدنا رسول الله سيدنا رسول الله، إستدعى عثمان فأقسم بالله أنه لم يسمعه ولم يره، لم يسمعه ولم يراه فأين كان؟ ولكنه مشغول بالله.

إذا المشغول بأمر ويستولي عليه، أنت أيضاً عندما تمر عليه فلن يراك ولن يسمعك، فما بالنا بالمشغول بالله أين يكون؟ فلابد أن ألتمس له العذر، ولذلك جعلوا في قوانين الصالحين:

[إلتمس لأخيك ولو سبعين عذرا ـ إنه جائز كذا أو جائز كذا، فتأخذ الأمور على أحسن محاملها ـ فإن لم تجد في عذراً من السبعين فاعف عنه] ـ أفلا أقدر أن ألتمس له عذراً من سبعين عذر؟

هذا الكلام قلناه كثير ولكننا نريده فعال لا أقوال حتى ينصلح الحال بيننا وبين الواحد المتعال تبارك وتعالى.

أحرص ما يحرص السالك عليه في طريق الله هو من لحظة ما يسلك في طريق الله يدخل الجنة، إما في جنة الطاعة وإما في جنة القرب، وإما في جنة النعيم.

جنة الطاعة:

ففي جنة الطاعة إذا جلس في مجلس ذكر يكون في روضة من رياض الجنة.

حتى ولو كان وحده وجلس يذكر وحده، فقد أصبح في روضة من رياض الجنة والملائكة معه، وإذا جلس في مجلس قرآن يكون أيضاً في روضة من رياض الجنة، في مجلس علم كالذي نحن فيه الآن، أين يكون؟ في روضة من رياض الجنة، في مجلس صُلح يكون في روضة من رياض الجنة، فهذه كلها إسمها جنة الطاعة، أليس كذلك؟

هذه الطاعات تجعل الإنسان في روضة من رياض الجنة، والمؤمن لا يتقلب إلا من طاعة إلى طاعة، ومن قربة إلى قربة ومن عملٍ صالح إلى عملٍ نافع، أليست هذه أحوال المؤمنين؟

لكن هل يدخل جهنم؟ هل يخرج من الجنة ويدخل جهنم؟ لا فلو خرج من هذه الجنة التي نحن فيها وجلس مع واحد وقال له: إن فلان صفته كذا وكذا وكذا والغيبة والنميمة، وأين هما الإثنان حالياً؟ في جهنم والعياذ بالله، هل يجوز لمؤمنأان يخرج من الجنة ويدخل في جهنم؟ لا المؤمن حريص على أن يكون في الجنة على الدوام، جنة الطاعة أولاً.

جنة القرب:

واظب على جنة الطاعات يترقى إلى جنة القرب من الله وحبيبه ومصطفاه والصالحين من عباد الله، يقربوه ويحبوه ويدنوه ويروه شيئ من أحوال الصالحين، حتى يزيد إنتعاشه في القرب من الله، وتزيد إشتعال جزوة قلبه في الشوق إلى مولاه، ويزيد حبه لحبيب الله ومصطفاه.

فيروه شيئ من حلاوة المحبة شيئ من صفو الأحبة، شيئ من علامة القرب من القريب سبحانه وتعالى يراها في نفسه أو في غيره، فيكون هنا في جنة القرب.

بعد أن يرتقي يدخل إلى جنة النعيم، فيتنعَّم بوجه الله الكريم، وبوجه الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلَّم على الدوام.

يسمع الإمام أبي العزائم وهو يقول:

فروحي لم تغب والروح نورٌ     تواجه من أُحب بنور نورِ

والإمام هنا يتكلم بلسان الحضرة المحمدية، فروح الحضرة المحمدية لا تغيب عنه أبداً طرفة عينٍ ولا أقل، إن كان نائماً أو قاعداً أو ذاهباً أو قادماً، فأنا المفروض أن أي عملٍ أعمله من أعمال العبادات أو حتى من أعمال العادات أتشبه فيه بسيد السادات، فتستحضر أنه كان يعمل هذا العمل، كيف؟

الأول أستحضره بخيالي وفكري، وبعدها ينقشع الخيال وينمكش الفكر وتظر الحقيقة ظاهرة بلا مثال، أتابعه على هيئته وهو في عالم الظلال، إذا توضأت أراه وهو يتوضأ وأقلده فيه.

(صلوا كما رأيتموني أُصلي).

[الراويمالك بن الحويرث | المحدثالألباني | المصدرصحيح الجامع]. 

فأُصلي بهذه الكيفية، فهنا ماذا يفعل؟ يتنعَّم، ويدخل في قول الله:

﴿ إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ (59الزخرف).

حتى ربنا أنعم عليه وهو عبد ليتنعم ويحظى بهذا المقام فلابد أن يكون عبداً.

سيدي أبو العباس المرسي مثله كمثل كثير من الصالحين، كان يسلم على الكبير والصغير والوجيه والحقير وهو جالس، فجاءه ذات مرة السلطان حسن سلطان مصر فسلم عليه وهو جالس، وجلس وأثناء ذلك جاءه تلميذ من تلاميذته وهو سيدي ياقوت العرش رضي الله عنه وأرضاه، وكان أصلاً كان قادماً عبداً من بلاد الحبشة، ولكن مكتوب ومسجل في ديوان المقربين والصالحين من قبل نشأته الكونية.

فعندما دخل سيدي ياقوت قام الشيخ وسلم عليه، قام الشيخ ـ وانتبه أن الشيخ لا يسلم على أحد إلا وهو جالس ـ فوقف لهذا الرجل، لأنهم لا يعظمون إلا ما عظمه العظيم، ولا يكرمون إلا من كرمه الكريم تبارك وتعالى.

وإذا كرموا واحد لا يستحق التكريم فيكون من باب إتقاء شره إن كان له شر، حتى ولو لم يكن سلطاناً أو صاحب منصب، وربما يكون من المنافقين الذين يملأون الدنيا بألسنتهم قدحاً في الصالحين، فيتقي شره ويملأ الدنيا حكايات وروايات كاذبة يختلقها وليس عنده مانع في ذلك.

فالملك تغير وجهه ـ السلطان حسن، كيف يقف لهذا العبد ولا يقف لي؟ فقال سيدي ياقوت العرش: يا ياقوت أنا صدري ضيق وأشعر بهمٍ وثقلٍ على قلبي، فسيدنا ياقوت بكى فهو يشعر بمشاعر الشيخ، وكانت السماء صحواً، فإذا بالسماء تتلبَّد بالغيوم وتنزل المطر، فلما بكى بكت السماء لبكائه.

فالسماء تبكي على جماعة لفراقهم، وهناك جماعة:

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ (29الدخان).

وتقول قد أسترحنا من شرهم وأراحونا، فقال له: يا ياقوت الحمد لله ذهب الهم عن قلبي وانشرح صدري وأصبحت في حالة رضية، ففرح وضحك وإذا السحاب ينقشع من السماء وتصحو وليس فيها شيئ.

فقال للملك ـ وهو يعطي درساً للملك ـ وقال: هذه ـ وأشار لهذا الرجل ـ هذه قلوب سماوية ـ ليست هنا، ولماذا إسمه ياقوت العرش؟ واسمه الحقيقي: ياقوت العرشي، لأن كان قلبه يطوف حول العرش على الدوام، ياقوت العرشي، ووصل إلى حال أن قلبه يطوف حول العرش على الدوام، فسموه ياقوت العرشي.

فقال له: هذه قلوبٌ سماوية ـ والسلطان الخاطر الذي عنده أن هذا عبد ـ فقال له: أن ربنا يقول فيه:

﴿ إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ (59الزخرف).

هو صحيح عبد ولكن أنعم عليه مولاه، فماذا بعد ذلك؟ فما دام قد فاز بالإنعام، فقد فاز بكل الإكرام، ومتى يفوز بالإنعام؟ إذا كان عبداً صادقاً للمولى تبارك وتعالى.

ونرجع مرةً أخرى لأمرنا:

فأحرص ما يحرص عليه السالك في طريقنا أن لايدخل في نفسه في نفسٍ أو أقل شيئٌ نحو أحبابه وإخوانه، أنا نفسي لا أستطيع أن أفعل له شيئ، ولا أحد غيري يستطيع عمل له شيئ، ما دام القلب تلوث، وماذا تريد يا رب؟

﴿ إِلا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89الشعراء).

نفرض أنه أساء إليَّ وجائز شنَّع عليَّ في أمر وجائز إستهزأ بي، فإن لم نكن أهل العفو والصفح والمسامحة، فمن يكون؟ أجيبوني، وكيف أتخلق بأخلاق سيد الأولين والآخرين إلا إذا تعرضت لهذه المزالق؟ حتى أعفو وحتى أصفح وحتى أسامح، وحتى أنال الكمال في المتابعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

لكن أغضب من هذا وآخذ منه موقف، وأغضب من الثاني وآخذ منه موقف، وأغضب من الثالث وآخذ منه موقف، فما شأني وشأن سكة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟

لا أحد منا يا أحبة يستطيع أن يتذوق أو يذوق بعض ما تعرض له سيدنا رسول الله، هل أحدٌ منا يتحمل؟ كل هذا من أي شيئ يا إخوانا؟

مرة يقول له:

﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85الحجر).

ومرة يقول له:

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ـ وأيضاً ـ وَشَاوِرْهُمْ فِي الامْرِ (159آل عمران)

والآيات القرآنية كثيرة في هذا الباب حتى يتخلقوا بهذه الأخلاق الكريمة التي كان عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

مع أننا لن نجد الإخوان كلهم على نمطٍ واحد في السير إلى الله، يعني هي قافلة، والقافلة فيها من كل الأصناف، ولنجعلها سفينة كسفينة نوح:

﴿ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (40هود).

لماذا حتى نترقى، يعني لو وجدنا المركب كلها من المخلصين، فنعفوا عن من؟ ونصفح عن من؟ هل ينفع هذا؟ فلابد أن يكون بيننا أحدٌ من المنافقين، وهو ليس منا، لكنه جاء في وسطنا لنعلوا عليه ونرتقي به بالتعامل معه، وهذه أحوال الصالحين.

وإن كان كما قيل ـ وهذه جزئية أريد أن أوضحها لجلائها:

بعض الأحباب عندما يروا أحداً غريباً زاد شوية عن حده، أو يريد أن يستزيد من الأسئلة أو غيره أو غيره، فالأحباب وأنا بينهم يهيجوا عليه، وهذا بكلمة وهذا بكلمة، ما هذا ياإخوانا؟ أفلا نرجع للأخلاق المحمدية وأصحاب خير البرية، صحيح سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه كان يقول:

[ينبغي أن يكون في حضرة كل وليٍّ سفيه يرد عن السفهاء].

لأنه لن يعاملهم بهذا، ولكن كيف يردوهم؟ لابد أن يستأذن أولاً، فعندما كان سيدنا عمر يرى شيئاً لا يعجبه فماذا يقول؟ إئذن لي يا رسول الله أن أضرب عنق هذا المنافق، أم يتصرف من نفسه؟ وهذا العيب الذي نقع فيه، أننا تأخذنا الغيرة فنتصرف من أنفسنا، فهذا لا ينفع ولا يجوز، إلا إذا كان أمراً غير واضح أمام الكل يعني أمر خفي هنا أو هنا ولا نراه، لكن ظهر وبان فلابد من الإستئذان.

فحكمة الله في وجود المنافقين لنعلوا بهم ونرتقي بسبب الصفح والعفو عنهم، لا لأنفسهم ولكن رغبةً في القرب من الله، والتشبه بحبيب الله ومصطفاه.

يعني نحن لا نعفوا عنهم لأنهم يستحقوا العفو؟ لا هم يستحقوا جهنم وبئس القرار، ولكننا لماذا نعفوا؟ لنقرب من العفو لله تبارك وتعالى، ولكي نتشبه بالحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلَّم في عفوه عمن آذاه، فيعفوا عمن؟ عمن آذاه صلوات ربي وتسليماته عليه.

المهم أن العبد يحفظ قلبه على الدوام من جميع الأنام، وهذه التي تحرص عليها حرصاً بالغاً، إياك أن يدخل عليك في نفسٍ من الأنفاس ميكروب الحقد أو فيروس الحسد، أو أي داءٍ من هذه الأدواء، فوراً تعالجه، فإن لم تستطع معالجته تذهب للطبيب الرباني النوراني الروحاني لربما تحتاج لأشعة نورانية فيعالجك بدون أن تشعر.

فبمجرد الجلوس في حضرته يعالجك الله عز وجل من هذه الأمراض الباطنية، أو يدلك على عملٍ إن كان يحتاج إلى عمل لتتخلص منه حتى لا تعود إليه مرةً ثانية، لأن الناس تستسهل العلاج بالأشعة، ولا يريد أن يشتغل ولا يعمل شيئ، لكن عندما يراك هكذا فيكلفك بالعمل لتشعر بالتعب والعناء في العمل، فلا ترجع لهذا الذنب مرةً ثانية، أليس كذلك؟

وهذه الأمور ذكرها الإمام أبو العزائم رضي الله عنه في مذكرة المرشدين والمسترشدين، وإن كان ونحن في هذا الزمن لا نستطيع أن نكلف أحداً بها، لأن الناس ليسوا بأيدينا، وكل واحد ملك نفسه، ولا أستطيع أن أطبقها.

يعني هو أعطى ألوان من الأحكام، أحكام بسيطة ممكن تكلفه أن يقف على الباب يرص أحذية الأحباب ويسلمها لهم عند الخروج، فمن من الجالسين كلهم يقبل هذا العمل؟ سيخرج من الباب ولن يعود لنا مرةً ثانية ويمشي وخلاص.

فكان في زمن الزمن الصالح كانوا يعرفون أن هذا باب للدخول على حضرة الكريم الوهاب.

أو يأمره بأي عملٍ من الأعمال بصيام أو بقيام بذكرٍ من الأذكار، بخدمة بعض المرضى، بخدمة بعض العجزة، بخدمة بعض الشيوخ، فهذه الأعمال التي كان يكلف بها الصالحون المريدين حتى يتخلصوا من آفات النفس فيرتقوا.

وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كانوا هم لشدة وعيهم ويقظتهم يتخلصوا منها بأنفسهم، فسيدنا عمر في ذات يومٍ من الأيام نادى الصلاة جامعة ثم صعد المنبر، وقال:

[أنا كنت أُدعى عُمير، وكنت أرعى الغنم لأهلي في مكة بقراريت ـ يعني ملاليم من الأجر ـ واليوم أُسمى عمر أمير المؤمنين] ـ ونزل.

ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن نفسي حدثتني أنني صرتُ شيئاً، فأحببت أن أُعرفها حقيقتها، وهذا كله من فضل الله، لكن ما حقيقتك؟ أنت راعي غنم، ولست حتى صاحب غنم، ولكن راعي غنم بملاليم.

سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه فوجئ الناس أنه قادم الغابة وحامل حمل من الحطب على ظهره ـ وسيدنا عثمان كان من الأثرياء ـ فسألوه: ما هذا يا أمير المؤمنين نحن نكفيك هذا؟ فقال: [إن نفسي حدثتني أني أصبحت شيئاً فأردت أن أعرفها حقيقتها].

فكانوا واعيين بلمم النفس، فيقضي عليها في الحال، حتى لا تتملكه وتتغلب عليه وتداوم الظهور عليه، لأنه يريد أن يكون دائماً تقي نقي صفي لله.

والحديث الذي نضعه نُصبر أعين القلب نحاول أن نمشي عليه:

(إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي).

تقي يعني يراقب الله ويخشاه ولا يخشى أحداً إلا الله، ونقي يعني ليس فيه أي ذرة لخلق الله، ولا أي ذرة في عدم الإستسلام لمولاه تبارك وتعالى.

وخفي يعني لا يحب الظهور، يريد أن يظهره هو تبارك وتعالى، ولا يظهر هو فيوجد من يريد أن يظهر وهؤلاء كثير، ويوجد من يُرد أن يُظهر المظهر الأكمل صلى الله عليه وسلَّم، فارق كبير، وشتان بين الإثنين.

ويوجد من يُرد أن يُظهر جمال الله في سيدنا رسول الله فهذه حالة أكمل وأجمل وأعلى، ففارق بين هذه وهذه وهذه، ولذلك قالوا: [خلقك ليُعرف، لا تُعرف].

تعرف الناس بالله فيك، ولا تتعرف أنت وأنا وأنت ماذا نعرف بالمعرفة؟ فلنفرض أن الناس في الكون كله عرفوني، فبعد إنتقالي إلى الرفيق الأعلى فماذا ينفعوني؟ وماذا يقدموا لي؟ مثلاً.

من الذي يتذكرني بعد مائة سنة من الإنتقال؟ الذي يتذكرك من كان عايش معك، أليس كذلك؟ لكن بعد مائة سنة من الذي يتذكرك، فيعملوا لي ضريح، وماذا يفعل لي الضريح؟ هل يزيد في قربي عند الله؟

موجود تكريم ويكرموني كما يحدث أحياناً ويقولوا: الدولة تكرم شخص فلان الفلاني، وفلان الفلاني هذا مات، والذي سيتسلم الجائزة إبنه فلان، فهل هذا تكرَّم فعلاً؟ وهل هذا تكريم؟ التكريم لا يكون إلا من الكريم سبحانه وتعالى، لكن الإنسان يكون دائماً:

[خلقك ليُعرف، لا لتُعرف].

فدائماً الإنسان يكون حريصاً ليعرف الناس بالله ولله، ستعرفوني وماذا معي؟ أنا أعرفك بالله سبحانه وتعالى لتتوجهوا إليه.

وهذا ما يجعلنا كلنا ليس عندنا عصبية، ولا نتقاتل ولا نتنافس على الجمع، أناس كثيرين يسألوني على الفيس ويسألوني شفوي، وقرأوا صفحاتي ويقولون لي: أنت تقول: لابد أن يكون للإنسان شيخ، فإلى من نذهب؟ ويسألني أنا وهذا كثير، فماذا أقول له؟

من أين أنت يا بني؟ فيقول لي: أنا من البلد الفلانية، فأقول له: حولك فلان وفلان وفلان، واذهب لمن تستريح له منهم بكل إنشراح صدر، وهل سأعمل حزب واترشح لمجلس النواب؟ فنحن نواب عند الله ، فما لنا ولهذا المجلس؟

فهذا المجلس عمره خمس سنوات، لكن الآخر لأبد الآبدين، وبالتزكية لا بانتخابات ولا دوشة ولا وجع دماغ ولا غيره، فما لنا وما لهذه الموضوعات.

واحد مشى معنا شوية وبعد فترة يقول لي: أنا اريد أن أذهب للشيخ فلان، فأقول له: لا مانع يا بني تفضل.

من أسبوعين واحد طلبني على الفيس وقال لي: أنا أُعجبت بكتاباتك وكتبك وأريد أن اتتلمذ على يديك، فقلت له: لا مانع تفضل، فجاء وحضر معنا يوم، وبعدها حضر إحتفال المولد الذي كنا نعمله ـ وهو طبيب ـ فقال لي: أنا أريد أن أذهب للدكتور يسري جبر حتى أستفيد منه، قلت له: لا مانع يا بني، فقال لي: كيف أذهب إليه؟ وما عنوانه؟ وما مواعيده؟

أريأيتم ماذا نحن فيه؟ فقلت له: يا بني تذهب لمسجد الأشراف في شارع 9 بالمقطم، والرجل مواعيده يعمل درس بعد صلاة العشاء، وليس فيها شيئ نهائياً.

فنحن لا نريد عددا، والإمام أبو العزائم يقول:

[ليس الرجل من كثُر إخوانه، ولكن الرجل من إنتقى إخوانه].

فماذا نفعل بالكثرة، فمن يبحث عن العدد والكثرة الجماعة أصحاب الساحات، لأن من يدخل الساحة لا يصح أن يدخل بدون نفحة أليس كذلك، فلابد أن يكون معه شيئ، فيريد أن يُكثر من الحمالين.

لكننا أغنانا الله من فضله وكرمه وجوده سبحانه وتعالى عمن سواه.

حتى أقام الله لنا هذا البناء ولم نسأل ولن نسأل أحداً إلا الله، وكما ترون فلا يهمنا هذا يبقى وهذا يمشي، فإذا كان يعرف أين مصلحته فيذهب لمصلحته، فما المطلوب؟

ولم هذا يا إخوانا؟ للقلوب فأهم شيئ للإنسان أن يحافظ على قلبه تقي نقي لحضرة علام الغيوب.

أما الآخرين لو تركهم واحد كان معهم وذهب لواحد آخر، يقولون له: كيف تترك الشيخ سيحدث لك كذا وينزل عليك كذا، والبلاء الذي سيصيبك صفته كذا وكذا وكذا.

فنقول لهم: يا جماعة هل الصالحين ينزلوا بلاء على أحد؟ ما لهم وما لهذ ا الموضوع؟

الصالحون قلوبهم مستريحة، سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه قال فيهم:

[أحوالهم علية، ومواهبهم نورانية، الناس منهم في راحة، وأنفسهم منهم في عناء].

فهو يجاهد مع نفسه ولا يلزمني سواء كثروا أو قلوا:

وإذا دعــــــــــاهم أن يدلوا غيرهم       قاموا بحولٍ منه لا بفخــــــــــــــــــــــار

يدعون والرهبوت ملؤ قلوبهـــــم       بالهدي هدي المصطفى المختار

والخلق فتنة من أردتُ صدوده       وشــــهود أهل البعد في الأدوار

فالخلق فتنة، وماذا يفعل مع هذه الفتنة كلها، أهم شيئ نحرص عليه بارك الله فيكم: الصفاء والنقاء والخفاء، وكيف الخفاء؟

كن عبداً لنا والعبد يرضى     بما تقضي الموالي من مراد

نحن سنجندك في جيش رسول الله، ولن نخيرك في السلاح الذي ستجند فيه، أليس كذلك؟ نضعك في السلاح الذي نرى أنك تسد فيه، ولا يجب أنك تعترض لأنك لا تعرف أين الخير لك.

وضعناك في مكان وقلنا لك لا تظهر، وما المانع أليس في الجيش فرق تسمى فرق إستطلاع؟ فهل يعرف أحدٌ مكانها أو عنوانها أو يعرف شيئ عنها، هي نفس الحكاية.

ولذلك سيدي أبو العباس المرسي قال:

[من أحب الظهور فهو عبدٌ للظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبدٌ للخفاء، ومن أحب الله سواءٌ عليه أظهره أو أخفاه].

ليس لي شأنٌ، سواء أظهرونا أو أخفونا فهذا موضوع لا يلزمنا.

كثير من إخوانا الذي يحرصون على الدعوة شوية، يقول: نبحث عن القناة الفلانية والقناة الفلانية والقناة العلانية، فأقول لهم: ومالي وما لهذه الموضوعات، فلم أعرض في حياتي على برنامج تلفزيوني ولا على مخرج ولا مذيع ولا على قناة، فإذا طلبونا نتعزز أيضاً ولا حاجة لنا بهذا، لأننا واثقين بأن الله سيُظهر هذا الفضل لأهل الخصوصية من عباد الله، أظهره أهلاً وسهلاً هناك، فإن لم يُظهره في أي زمان ومكان.

والحمد لله ربنا أكرمنا وأغنانا بعالم الإنترنت عن أي تلفزيون أو محطات أرضية أو صناعية أو غيره، لأن عالم الإنترنت في كل العالم الكوني، فسلم تسلم:

سلم الأمر تجدنا     نحن أولى بك منك

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ولَّسم

 

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up