Advanced search

دروس Related

  • حكمة تكرار الدعاء

    More
  • الطب الوقائي في القرآن والسنة الحكمة الطبية من الصيام

    More
  • الطب الوقائي في الكتاب والسنة سر الإفطار على التمر

    More
عرض الكل

New الدروس

  • حكمة تكرار الدعاء

    More
  • الطب الوقائي في القرآن والسنة الحكمة الطبية من الصيام

    More
  • الطب الوقائي في الكتاب والسنة سر الإفطار على التمر

    More
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    More
عرض الكل

فضل ليلة النصف من شعبان وكيفية احيائها

Visits number:38 Downloads number:1
Download video Watch Download audio Listen
فضل ليلة النصف من شعبان وكيفية احيائها
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أكرمنا بهُداه، وفتح لنا أبواب الخيرات والتفضلات وجعلنا من المتعرضين لفضل الله.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد كنز الهداية الإلهية، ورمز العناية لهذه الأمة المحمدية، والشفيع الأعظم يوم الدين لجميع الخلائق عند رب العالمين.

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وكل من تبع هُداه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين آمين آمين يا رب العالمين.

أيها الأحبة الحضور:

أدعُ الله عز وجل أن يُكرمكم بواسع الإكرام، فهذا هو الشكر الذي يتناسب مع المقام لتشريفكم بحضورنا هذا بأن ندعوا الله عز وجل أن يُجيب دعاءكم، ويُحقق رجاءكم ويُصلح جميع شئونكم.

وأشكر السادة الذين نظموا هذا الحفل الكريم، والذين استقبلونا السادة القائمين على هذا المركز جميعاً بدون إستثناء، والسادة المنظمين المشاركين معهم فضيلة الشيخ عمرو وفضيلة الشيخ أكرم سعد الدين، والإخوة المعاونين أجمعين، وأسأل الله عز وجل أن يُكرمهم أجمعين بأن يكونوا من عباده الأتقياء الأنقياء السُعداء في الدنيا ويوم العرض واللقاء.

وبعد أيها الأحبة:

لا أُريد أن أُطيل عليكم ولكن في عُجالة سريعة، فإن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلَّم أمرنا أن ننتهز الفُرص الإلهية والمواسم الربانية التي تُعتبر كأوكازيون رباني لمغفرة الذنوب وستر العيوب وإجابة الدعاء وتحقيق الرجاء، فإن الله جعل في أيام العام وفي ليالي العام أياماً وليالياً يُفرغ فيها الخير على الأمة لمن يتعرض لذلك، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها، فعسى أن تصيبكم نفحةٌ لن تشقوا بعدها أبدا). 

والتعرض لها يكون بإحيائها، أو بالقيام بالعمل الصالح الذي فعله النبي أو وصَّى به ونراه مناسباً لها، من هذه المواسم العظيمة شهر شعبان، فهو من الأشهر الكريمة عند الله، والعزيزة عند حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.

ففي هذا الشهر الكريم كثيرٌ من الخصوصيات، منها على سبيل المثال:

أن الله فرض فيه الصيام على هذه الأمة، فقد فُرض الصيام من العام الثاني من الهجرة في شهر شعبان.

وفيه فُرضت الزكاة أيضاً في العام الثاني من الهجرة فُرضت الزكاة في شهر شعبان.

وفيه أُنزل على النبي قول الله تعالى للأمة:

﴿ إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (56الحزاب).

وفيه تم إنشقاق القمر عندما طلبه أهل مكة في هذه الليلة المباركة التي نحييها الآن.

وفيه في صُبيحة اليوم يوم الغد وفي صلاة الظهر أو العصر تم تحويل القبلة من بيت الله المقدس إلى بيت الله الحرام، ونزل التحويل في الصلاة إستجابة لدعاء حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.

فهو شهرٌ من الأشهر العظيمة، ولذا كان لنبينا صلى الله عليه وسلَّم أعمالٌ خاصة يستكثر منها في هذا الشهر، فكان صلى الله عليه وسلَّم يُكثر من صيام هذا الشهر حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:

[ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إستكمل صيام شهرٍ قط إلا شهر رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شهر شعبان].

وأراد أصحابه الكرام أن يعرفوا السبب والعلة في الإكثار من صيامه لشهر شعبان، وكانوا يستحيون أن يسألونه من شدة هيبته وحيائهم من حضرته، فذهبوا إلى أُسامة بن زيد الذي ربَّاه النبي في بيته، وكان له دلالٌ على حبيب الله ومصطفاه.

ذهب إليه وقال: يا رسول الله ما رأيناك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(ذاك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى الله، وأُحب أن يُرفع عملي وأنا صائم).[1]

فكان صلى الله عليه وسلَّم يستكثر من صيام أيام هذا الشهر المبارك، وكان يُكثر من إحياء ليله بالقيام، وكان يُكثر فيه من الدعاء، وما أكثر الأدعية التي استجاب له فيها الله، وكان قد دعاها في هذا الشهر الكريم كما أخبرنا.

فقد استجاب الله له في هذه الليلة المباركة التي نحن فيها الآن، ليلة النصف من شهر شعبان، وكان أهل مكة كعادة المنكرين والجاحدين قد ذهبوا إليه وقالوا:

يا رسول الله نريد أن نرى آية تدلُ على أنك رسولٌ من عند الله عز وجل، وآية يعني أمرٌ خارقٌ للعادة لا يستطيع لأي إنسانٍ عادي أن يأتي به.

فسكت النبي صلى الله عليه وسلَّم، فنزل الأمين جبريل على حضرته في هذا اليوم ـ أو في مثل هذا اليوم وقال يا رسول الله: قُل لهم إن يجتمعوا في هذه الليلة يروا آية.

فاجتع أهل مكة بعد غروب الشمس، وكانت الحكمة في هذه الليلة بأن القمر فيها بدرٌ تام ويسطُع فيها من أول الليلة إلى ختامها، فلا يأخذ جزءاً من أول الليل فقط، أو جزءاً من آخره فقط، ولكن يسطع بنوره التام منذ غروب الشمس إلى مطلع الفجر.

فاجتمعوا حول الكعبة، وكان بجوار الكعبة كما هو الآن جبل الصفا وجبل المروة، وبينهما حوالي أربعمائة وعشرين متراً بين الجبلين.

فلما اجتمعوا والرسول صلى الله عليه وسلَّم لأنه مُرسلٌ من عند الله، يقول الله تعالى في شأنه وفي شأن كل أنبياء الله ورُسل الله:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ (64النساء).

أمر الله عز وجل الكائنات كلها أن تكون رهن إشارته وطوع أمره، فلما اجتمعوا أشار الرسول صلى الله عليه وسلَّم بإصبعه إلى القمر، فانشق القمر نصفين، نصفٌ على جبل الصفا، ونصفٌ على جبل المروة، وكانوا يظنون لجهلهم وشركهم أن النبي ساحر، فأخذوا يغلقون عيونهم ثم يفتحونها فيجدون الأمر على ما هو عليه.

فرجعوا إلى بيوتهم في مكة ثم عادوا، فوجدوا الأمر كذلك على ما هو عليه، فقالوا: ننتظر الأفاقين ـ أي المسافرين في الآفاق في الشام وفي العراق وفي اليمن وغيرها ـ ونسألهم إن كانوا قد شاهدوا هذه الآية في هذه الليلة.

فلما رجع الأفاقون سألوهم: هل رأيتم القمر ليلة الخامس عشر، قالوا: نعم رأيناه وقد انشق نصفين، ولكنهم كعادتهم ودأبهم لأنهم لم يسبق لهم السعادة من ربهم قال فيهم الله:

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ (3) (القمر).

 فما زادهم ذلك إلا عناداً، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلَّم: لقد كبُر سحرك يا محمد إلا أن الله عز وجل وهو العلي القدير أراد أن يُثبت لنا ذلك بالعلم الصحيح في زماننا هذا، وضرب لنا أمراً عظيماً ليُثبت حقيقة انشقاق القمر.

فقد كان الدكتور زغلول النجار وهو مشغولٌ بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة، كان يُلقي محاضرة في جامعة ويلز بانجلترا عن إعجاز النجوم والسُدم والأفلاك، وإذا برئيس الحزب الإسلامي في انجلترا يطلب المداخلة ـ أي يأذن له بالحديث ـ فأذن له بالحديث، فقال:

أنا قبل دخولي في الإسلام كنتُ شغوفاً بالبحث في الأديان، فجئتُ بالقرآن وفتحته فجأة فوقعت عيني على قول الله:

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ (2) (القمر).

فقلتُ: ما هذا الهُراء وغلقتُ المصحف، وقلتُ: كيف ينشق القمر، قال: وبعد حين كنتُ أشاهد التلفاز في قناة الــ bbc الإنجليزية، وإذا بمعُلق من المشهورين استضاف ثلاثة من رواد الفضاء الأمريكان الذين هبطوا بسفينتهم على سطح القمر ويقول لهم:

لم لم توفروا الأموال التي أنفقتموها في هذه الرحلة، وكم تكلفت؟ قالوا: مائة مليار دولار، قال: كان الأولى أن تنفقوها في إطعام الفقراء والمساكين وإسعاد الناس، قالوا: إن المعلومات التي استفدنا بها في هذه الرحلة أكبر من هذه الأمور المادية التي ذكرتها كلها، قال: وما هذه المعلومات؟ قالوا: رأينا شقَّاً يمتد في طول القمر كله بطول حوالي خمس مائة وعشرين متراً وبعرض خمسين متراً، ووجدنا الصخور على جانبي الشق كأنما كانت قد فُصلت ثم التحمت مرةً أُخرى.

قال: فكبَّرت وقلت: الله أكبر الله أكبر وقفزتُ من على الكرسي الذي أجلس عليه لأنني تحققتُ أن الله أثبت علمياً بعد ذلك أنه قد شُق القمر، وأن أثر هذا الشق باقٍ إلى الآن دلالةً على أن الرحمن عز وجل هو الذي أنزل القرآن، وأن القرآن كلام الله الذي لا ينطق عن الهوى وإنما وحيٌ يُوحى علمه لحبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.

هذه الليلة المباركة استشعر النبي صلى الله عليه وسلَّم ما فيها من النفحات الإلهية بعد أن هاجر من مكة إلى المدينة، وخاطب أصحابه طالباً منهم أن يتعرضوا لفضل الله عز وجل العظيم الذي ينزل في هذه الليلة، ومن جملة ذلك أن الله عز وجل في كل أيام العام كما قال الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام:

(إن الله يتنزَّل في كل ليلة في الثُلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مسترزق فأرزقه؟ هل من مُبتلى فأعافيه؟ هل من كذا؟ هل من كذا؟ حتى مطلع الفجر).[2]

وحتى لا نتوه فإن نزول الله عز وجل لا يعني أن الله ـ حاشا لله سبحانه ـ ينزل كنزولنا، وله جسمٌ وله حركات، وإنما يتنزل بفضله ويتنزل بجوده ويتنزل بكرمه ويتنزل بعطفه ويتنزل بحنانه ويتنزل بإجابة الدعاء والمغفرة لمن طلبها وتحقيق الدعاء وإجابته لمن يدعوه في الثُلث الأخير من كل ليلة، إلا هذه الليلة فقد صلى الله عليه وسلَّم:

(إن الله يتنزَّل لغروب الشمس في ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن).

والمشرك هو الكافر والمشاحن هو الذي في قلبه شحناء ـ أي بُغضٌ ـ أو كُرهٌ لنفرٍ أو لأحد المسلمين، لأن المسلم كما قال الله في شأنه:

﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ (47الحجر).

وكان صلى الله عليه وسلَّم في هذه الليلة قد ذهب إلى زوجته السيدة الفاضلة التقية النقية السيدة عائشة، وكانت ليلتها، فقالت جاء النبي حتى نام بجواري والتحف بلحافي، ثم قال لي:

(يا عائشة ـ وهنا يُعلمنا الأدب مع نسائنا ـ أتأذنين لي أن أتعبد لربي في تلك الليلة ـ لأنها حقها وليلتها ـ فقلتُ: يا رسول الله إني أُحبك، ولا أُحب فراقك، ولكني أوثر هواك على هوايا.

وأذنت له برضا نفس ـ قالت: فخرج النبي وأطال، فخرجتُ أبحث عنه، فوجدته في البقيع ـ مقابر أهل المدينة ـ ساجداً وقد أطال السجود وهو يقول:

(أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أُحصي ثناءاً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، عفَّرتُ وجهي بالتراب لسيدي، وحُق لوجه سيدي أن يُعفَّر).

قالت: فلما: همَّ بالسلام أسرعتُ راجعة إلى فراشي، فرجع النبي صلى الله عليه وسلَّم ووجد السيدة عائشة مازالت تلهث من شدة الجري، فقال: يا عائشة أظننتي أن يبخونك رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟ ـ يعني ظننتِ أنه تركك وذهب إلى إحدى الزوجات الأُخريات؟

يا عائشة أما تدرين هذه الليلة؟ هذه الليلة ليلة النصف من شعبان، وإن الله يتجلَّى في هذه الليلة فيغفقر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مشاحن).[3]

فجعل النبي صلى الله عليه وسلَّم هذه الليلة كما نبَّه عليه مولاه وأوعز إليه وأوحى إليه بأنها ليلة المغفرة، يتجلى الله عز وجل فيها بالمغفرة لجميع خلقه.

ولذا كان سلفنا الصالح رضوان الله تبارك عليهم أجمعين يحيونها في طاعة الله، ويقومون فيها بالأعمال التي تستوجب مغفرة الله عز وجل.

سمعوا النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:

(من قرأ سورة "يس" في ليلة ابتغاء وجه الله عز وجل غفر الله له).[4]

فكانوا يقرأون "يس" في هذه اللية طمعاً في مغفرة الغفار.

علمهم النبي صلى الله عليه وسلَّم التثليث أي العمل يعمله الإنسان لمولاه يُكرره ثلاث، إذا دعا يدعو ثلاث نفس الدعاء، وإذا عمل عملاً يكرره ثلاث، فكانوا يقرأون في تلك الليلة سورة يس ثلاث مرات طمعاً في مغفرة رفيع الدرجات عز وجل.

وكانوا يقرأونها في غالب الأحيان بين المغرب والعشاء، ليُدخلوا معها عبادة أُخرى تستوجب المغفرة، يقول فيها صلى الله عليه وسلَّم:

(من صلى بعد المغرب ست ركعات غُفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر).

فمن يصلي ست ركعات بعد صلاة المغرب ـ لأن سنة المغرب ركعتين أو ستٍ أو عشرة، فالركعتين فهذه السُنة المعتادة، والست ركعات لمن أراد أن يغفر الله له، والعشرة لمن أراد أن يدخل في قول الحبيب:

(من صلى بعد المغرب عشر ركعات، بُني له قصرٌ في الجنة).[5]

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ (26المطففين).

فجمعوا بين الحسنيين، فكانوا يصلون بعد المغرب ركعتين، يقرأون سورة "يس"، ثم يدعون الله عز وجل لأنها ليلة إجابة دعاء، فيقوم الواحد منهم أو الجماعة معاً بهذه الأعمال الجامعة النافعة طلباً لفضل الله، وتعرضاً لنفحات الله، وأملاً في مغفرة الله عز وجل.

وبعضهم كان يزيد على ذلك فيظل طوال هذه الليلة فيما بين ذلك يستغفر الله، لأنها ليلة المغفرة.

ومنهم من كان يكرر سيد الإستغفار الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلَّم فيما رواه الإمام البخاري ومسلم رضي الله عنهما:

(سيد الإستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).[6]

ثم قال:

(من قرأه في ليلة غفر الله له وأدخله الجنة، ومن قرأة في نهار غفر الله له وأدخله الجنة).

فكانوا يُكثرون من سيد الاستغفار في هذه الليلة طمعاً في مغفرة الغفار عز وجل.

وكان يكثرون أيضاً من الاستغفار الوارد عن النبي أو المذكور في آيات طتاب الله المتلوَّة، فإن الله عز وجل قال لنا أجمعين:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ (12) (نوح).

فمنهم من كان يستغفر بهذا الاستغفار ويقول:

أستغفر الله إن الله غفورٌ رحيم، ومنهم من كان يستغفر بالاستغفار الوارد عن النبي:

أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

ومنهم من كان يُحيي هذه الليلة بصلاةٍ خصَّ النبي بها عمَّه العباس، فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلَّم في خصوصية وجهها له لمعزته له:

(يا عباس يا عماه ألا أُعطيك ألا أمنحك ألا أدلك على شيئٍ إذا أنت فعلته غفر الله لك ذنبك كله، أوله وآخره صغيره وكبيره جليله وحقيره، صلِّ هذه الصلاة وشرحها له، ثم قال له:

إن استطعت أن تصليها في كل يومٍ فافعل، فإن لم تسطع ففي كل أسبوعٍ مرة، فإن لم تسطتع ففي كل شهرٍ مرة، فإن لم تستطع ففي كل سنة مرة، فإن لم تستطع ففي عمرك كله مرة وهي المسماة بصلاة التسابيح).[7]

وكان الصالحون ولا يزال بعضهم يجتمع ليلة الجمعة من كل أسبوع ويصلونها طلباً للأجر العظيم الذي جعله النبي لمن قام بها.

والبعض كان يُحييها في الليالي الفاضلة كليلة النصف من شعبان، وليلة بدر وليلة القدر، إما أن يصليها بمفرده أو يجتمعون معاً ويصلونها في جماعة، وتحوي كما قال النبي وأعد لعمه العباس ثلاثمائة تسبيحة، يقول المرء: نويت صلاة سنتة التسابيح لله تعالى: الله أكبر، ثم يقول:

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا أرادأن يُضيف لها: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم خمسة عشر مرة، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن، ثم يكررها وهو واقف عشر مرات:

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا أراد أن يُضيف لها: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذه كم مرة؟ خمسة وعشرين مرة، فإذا ركع يقول في ركوعه عشر فيكون: خمسة وثلاثين، وإذا قال سمع الله لمن حمده ووقف، يقولها في وقوفه عشر، فيكون خمسة وأربعين، وفي السجود عشر فيكون خمسة وخمسين، وبين السجدتين يقولها عشر، فيكون خمسة وستين وفي السجدة الثانية عشر فيكون خمسة وسبعين.

عدَّها النبي للعباس هكذا، ثم قال له في الأربع ركعات ثلاثمائة تسبيحة، رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهم من رجال الحديث رضوان الله الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين.

فكان الصالحون ولا يزالون يحرصون على هذه الصلاة في هذه الليلة المباركة فُرادى أو جماعات طمعاً في مغفرة الله عز وجل، ويكثرون فيها من الدعاء، على أن يكون الدعاء في خير لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم وجَّهنا أن لا ندعوا بإثمٍ ولا قطيعة رحم ولا بشرٍ لغيرنا من المسلمين، وإنما ندعوا لهم بالخير وبالسداد وبالتوفيق، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(يستجيب الله عز وجل لأحدكم مالم يدعو بإثمٍ أو قطيعة رحم).[8]

وماذا يعني إثم؟ يعني أن يدعو على إنسانٍ بأن يقع في معصية، وهذا لا ينبغي لمسلم، وإنما يدعو الله له أن يتوب عليه من معصية، أو يدعو بقطيعة رحم كأن يحدث مثلاً عتاب بين إمرأةٍ وإمرأة فتدعو عليها بأن يكون أولادها غير بررة بها، فهذا اسمه قطيعة رحم.

أو يدعو رجلٌ على رجل بأن يكون أولاده غير بررة به، فهذا لا ينبغي للسملم أن يدعو بإثمٍ لإنسان يفعله ولا بشيئٍ يقطع الرحم، وإنما يدعو بخيرٍ على الدوام.

فهي ليلة إجابة الدعاء وهي ليلة المغفرة من الله عز وجل، وهي ليلة النفحات الإلهية والتجليات الربانية التي يتجلى بها الله عز وجل لعباده في تلك الليلة من غروب الشمس إلى مطلع الفجر.

ومن محاسن الخير أن هذه الليلة في هذا العام وافقت ليلة الجمعة، فليلة الجمعة من الليالي المباركة فإذا تصادفت مع ليلة النصف من شعبان تضاعفت البركات وتكاثرت الخيرات وأصبحت الأمور فيها على ما ينبغي للمؤمنين والمؤمنات.

ولذلك نسأل الله عز وجل أجمعين في هذا الوقت المبارك الميمون أن لا يدع لنا ذنباً إلا غفره، ولا مريضاً إلا شفاه، ولا إقتار رزقٍ إلا وسعَّه، ولا ديناً إلا سدده، ولا طالباً إلا أصلحه، ولا جندياً إلا نصره، ولا غائباً إلا بالفضل ردَّه، ولا حسوداً إلا كبده، ولا عدواً إلا خيبه.

وأن لا يجعل لنا حاجةً من حوائج الدنيا أو الآخرة إلا وقضاها لنا ويسرها لنا بفضله وجوده إنه أرحم الراحمين.

كما ندعوا الله عز وجل لبلدنا مصر أن ينشر الله عليها لواء الأمن والأمان، وأن يُحقق فيها ما قاله في شأنها في القرآن: أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين، وأن يأخذ على أيدي القتلة والمروعين، ويريح منهم العباد والبلاد، وأن يُصلح أحوال هذه البلد حكاماً ومحكومين رؤساء ومرأوسين، وأن يملأ بلادنا بالخيرات وأن يجعلها مباركات، وأن يغنينا بها عن جميع المعونات والمساعدات.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

وأستغفر الله من قولٍ وعمل، وأشكركم على حُسن استماعكم.


[1] مسند الإمام أحمد وسنن الألباني عن أسامة بن زيد رضي الله عنه

[2] البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] البيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها.

[4] رواه أحمد وأبو داود والنسائي والقرطبي بلفظ آخر عن إبن عباس رضي الله عنهما.

[5] ابن ماجة والترمذي وابن حبان هن أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] عن شداد بن اوس الإمام البخري.

[7] ابو داود والترمذي عن إبن عباس رضي الله عنهما.

[8] عن أبي هريرة متفق عليه.

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي