بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • أعمال الصحابة والمتقين

    المزيد
  • خطبة الجمعة_ثمرات الإيمان

    المزيد
  • فراسة المؤمن وجهاد النفس و الهوى

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • أعمال الصحابة والمتقين

    المزيد
  • فراسة المؤمن وجهاد النفس و الهوى

    المزيد
  • نبذه عن العارف بالله سيدي أحمد الرفاعي (حياة – سلوكه في طريق الله- وصوله -وتربية للمريدين)

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

في رحاب الحبيب صلى الله عليه وسلم

عدد الزيارات:35 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
في رحاب الحبيب صلى الله عليه وسلم
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على كمال الاصطفاء لنا، حتى صرنا من أُمة حبيبه ومصطفاه: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [8الحجرات]. والصلاة والسلام على إمام المصطفين الأخيار، وسيِّد أهل الدنيا والإمام الأعظم لجميع الخلق يوم القرار، سيِّدنا محمد وآله الأخيار، وصحابته الأبرار، وكل مَنْ تابعه على هذا الهدى إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا ربِّ العالمين.

وصية بسيطة أوصى بها نفسي أولاً وإخواني أجمعين: يقول الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: {إن في القلب طاقة لا يسدها إلا حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم}.

جعل الله عزَّ وجلَّ في قلب كلِّ مؤمن طاقة لا تُسَدُّ إلا بِحُبِّ رسول الله، فمن بدَّدها في حُبِّ الدنيا، والأهواء والشهوات، والحظوظ والملذات، تَعِبَ في دنياه، وكان غير موفقٍ في أُخراه، لأنه يدخل في قول الله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [36الزخرف]. وذِكْر الرحمن في الحقيقة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [9الجمعة]. أي المذكِّر الذي يذكركم بالله، وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يقل الله: (فاسعوا إلى الصلاة)، وإنما قال: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾.

فذِكْرُ الله في الحقيقة هو سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المُذَكِّرُ الذي يُذَكِّرُنَا بالله وبأيام الله، ويذكرنا بما علينا نحو الله، وبالأيام التي نحن مقبلون عليها من أيام البرزخ والآخرة، والسعادة الأبدية في جوار الله جلَّ في علاه. هذا المُذكر لابد أن يكون له النصيب الأعظم في القلوب.

وقد حكم صلى الله عليه وسلم - وحُكْمُهُ نافذ – أنه لا يتمُّ الإيمان إلا إذا كان هذا الحب الموجود لحضرته في قلوبنا أغلى عندنا، وأنفس من نفوسنا ومالنا وأولادنا وكل شيء لنا أو حولنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم في ذلك: {لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه). ولا يؤمن - هنا معناها: لا يؤمن الإيمان الكامل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لسيدنا عمر وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِه: {أَتُحِبُّني يَا عُمَر؟ قَالَ: لأنْتَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كُل شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبيُّ: الآْنَ يَا عُمَرُ } (أخرجه البخاري عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام رضي الله عنه) – أي: الآن قد وصلتَ إلى تمام الإيمان.

وتمامُ الإيمان يصل إليه الإنسان إذا كان حبُّ النبيِّ العدنان صلى الله عليه وسلم - كما وصفنا - أغلى عليه من كل غالى في هذه الدنيا، وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ ما يشغل الإنسان في دنياه في آية عظيمة قال فيها: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ [24التوبة]. أي لابد وأن يكون حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبُّ الله عزَّ وجلَّ أغلى من كل ذلك، وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سرُّه قال فيه صلى الله عليه وسلم: {أَحِبُّوا اللّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللّهِ، وَأحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بحُبِّي} (سنن الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه).

فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزينة التي زيَّنه بها الله، والأخلاق الكريمة التي جمَّله بها مولاه، والمنن العظمى التي لا تُعدُّ ولا تحدُّ والتي أفاضها عليه مولاه جلَّ في علاه، فحبُّه في الحقيقة هو حبٌ لله، وذلك لأننا نحب الأوصاف التي جمَّله بها الله، والمنن التي أكرمه بها الله، والكمالات التي كمَّله بها مولاه، إذاً حبُّه في الحقيقة حبٌّ لله عزَّ وجلَّ، لأن لله المنَّة في الأولى وفي الآخرة.

هذا الحب يا أحبابي لابد أن ينمو ويزيد حتى يصل الإنسان إلى كمال الإيمان، فما الدليل على كمال الإيمان؟ الدليل يا إخواني أن يأتيه النبيُّ العدنان ليبشره بأنه قد استكمل الإيمان، فرؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم هي البرهان لأهل الإيمان على استكمال الإيمان، وعلى بلوغ الإنسان تمام الإيمان. إما إذا كانت رؤية رسول الله والإنسان على حال غير مَرْضِيَّة لله، فرؤية رسول الله في هذه الحالة هي رؤية هنا مُنبهة ومُذكِّرة للإنسان، لأنه في حالة معصية أو سهو أو غفلة، ولكن مثل هذا الإنسان يكون له نصيب من تمام الإيمان مادام أن الذي نبَّهه وأيقظه وأخذ بيده هو رسول الله، وهذا دليل على أنه سيبلغ كمال الإيمان إن شاء الله.

فإذا رأي الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلاً على كمال الإيمان، ولذلك كان من وظيفته التي ذكرها الله في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [45-47الأحزاب]. وتبشير المؤمنين لم يحدده الله بأنهم المؤمنون في زمانه، وفي عصره وأوانه، ولكن المؤمنين إلى يوم الدين، يبشِّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكمال الإيمان.

وقد يتحمل الرجل منا هذا المقام ويبشره حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو بيننا يمشى ويسعى على الأقدام. وقد يتحمل الرجل مقاماً أعظم من ذلك، فبعد أن يكرمه النبي صلى الله عليه وسلم برؤياه في المنام يلوح له في العيان، ولكن ذلك لصنف مخصوص خصَّهم الله عزَّ وجلَّ بالصفاء الكبير!!

وأذكر في هذا المقام سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه - وكان من أهل الجذب الشديد، وكانت أمه من الصالحات – وقد حكى لها ما رآه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام. فماذا قالت له؟!! اسمعوا .. قالت له: (يا بُني لا تَبْلُغُ مقام الرجولية حتى ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة وليس في المنام). فما زال يتعرض لفضل الله، حتى رآه صلى الله عليه وسلم في اليقظة عياناً بياناً، فقالت له أمه عندها: { الآن قد بلغت مقام الرجولية}، ولا أقول يجِدُّ ويكِدُّ ويسعى، لأن هذا مقام لا يُنال بالجِدِّ ولا بالسعي ولا بالكَدِّ، ولكنه فَضْلٌ من الله، والله ذو فضل عظيم، وإنما كل ما عليك أن تتعرض لفضل الله.

والتعرض لفضل الله يكون كما قلنا آنفاً - ونعيد بإيجاز: لأن هذا الأمر يَضِلُّ فيه الكثيرون، يقولون نوالها بالفضل وليس بالجد أو الكد فيتكاسلون، وينامون، وينتظرون فضل الله، والسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة - ولكن نوالها بالتعرَّض لسحائب الفضل الهاطلة من سماوات الكرم الربانيِّ، والفيض الإلهي:

فالتعرض لفضل الله يكون بوضوح: بتطهير السريرة وتنقية البصيرة، حتى تصلح لنزول هذه الأنوار المضيئة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحلُّ في قلب فيه عَيْبٌ، ولا يحلُّ في روح عَبْدٍ تعلَّقتْ بالفاني، ولكن يَحِلُّ في القلوب التي خَلَتْ من العيوب. ويحل في الأرواح التي تَعَلَّقتْ بطلعة المنعم الفتاح عزَّ وجلَّ.

هل هناك وضوح أكثر من ذلك! إذاً التعرض هو أن أطهِّر السريرة، وأُطَهِّرُ القلب وأجعله صالحاً لهذه الأنوار. ونوال الطّهَارة الكلية على الله، لكن الله عزَّ وجلَّ لا يرجو منا إلا النيَّة، والبداية: النيَّة، والبداية: النيَّة، والبداية: {إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات} (صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونص الحديث: إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى: فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها، أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه). المهم أن ينوى الإنسان نيَّة صادقة، وبعد النيَّة الصادقة عليه أن يبدأ، والباقي يكمله الله عزَّ وجلَّ، ويكفينا فرحاً وفخراً وتيهاً وشرفاً قول الله جلَّ في علاه في الحديث القدسي: {إذا تقرَّب العبدُ إليّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذِراعاً، وإذا تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقرَّبتُ منه باعاً، وإذا أتاني مشياً أتيتُهُ هَرْوَلَةً} (صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم).

كل ما في الأمر أن تنوى وتبدأ وتستمر وتداوم!! ولا تكسل فتفتر فتتوقف وربما أوشك الفضل أن يتنزل إليك! ولكن النَّفْسَ تثبط همتك وتقول: لم يأتك شيءٌ!! ولن يأتك، فتعود أدراجك من حيث بدأت!!! فالله عزَّ وجلَّ لا يباديء الكسالى!! ولا يباديء القاعدين، لكن يباديء المتذكرين والحاضرين والمتنبهين والمواصلين. البادئين بداية جِدٍّ وإيقان، رغبة في الوصول إلى رضاء الكريم الحنان وإلى كمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم - يا إخواني - هو بداية الولاية الخاصة، ولا أقول الولاية العامة. لماذا؟!! لأن المسلمين أجمعين في مقام الولاية العامة، فكل مسلم يقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) له نصيب في الولاية العامة، لكن الولاية الخاصة بدايتها أن يتعرف الإنسان المعرفة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذهب رجل إلى سيدي أبى الفتح الواسطي في العراق، وقال: يا سيدي، أريد أن أتربَّى على يديك. فنظر الشيخ إلى الأرض وأطال!! ثم رفع رأسه وقال: أنت لست تلميذي، وإنما تلميذ أخي عبد الرحيم القنائي في قنا في بلاد مصر. وكانوا صادقين، لا يريدون جمع مريدين!! وإنما يريدون القيام بالكشف الذي سلَّمه لهم سيِّد الأولين والآخرين، وهذا يكفيهم عند الله عزَّ وجلَّ لأن الله أقامهم في هذا المقام.

فسعى الرجل حتى جاء إلى قنا في صعيد مصر، ولما وصل إلى سيدي عبد الرحيم القنائي رضي الله عنه - وكان سيدي عبد الرحيم من أصحاب الأحوال الخاصة إذ كان يقول: {لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتان كلَّ أسبوع، يأتيني ليلة الاثنين وليلة الجمعة فأعرض عليه كلَّ ما استشكل علىَّ من الأسئلة، فيجيبني عنها جميعاً صلى الله عليه وسلم}. وقد ذكر رضي الله عنه هذه الأسئلة في كتاب مخطوط - نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُخرجه للنور قريباً إن شاء الله ربُّ العالمين – فلما وصل إليه مريده قال له: يا بُني هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية؟ قال: لا! قال: فاذهب إلى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية.

فرجع المريد - بلا تكاسل ولا تململ - وبعزيمة وإصرار إلى بيت المقدس – من قنا إلى القدس ولم يراجع شيخه بكلمة واحدة- ورجع متعرِّضاً لفضل مولاه، وفي ذات يوم، نام هناك تحت الصخرة – والموجودة الآن بأسفل القبة المعروفة بقبة الصخرة. (مسجد قبة الصخرة هي التي نشر اليهود صوره المشهورة من الخارج على أنها صور المسجد الأقصى ليلفتوا المسلمين عن المسجد الأقصى، وهذا خطأ بدأ الناس في تداركه مؤخراً، فمسجد بيت المقدس أو المسجد الأقصى يقع بجوار مسجد قبة الصخرة، والمنطقة كلها تسمى بيت المقدس وبها مئات الآثار). وهى الصخرة التي تعلقت بقدم النبيِّ عندما كان عارجاً إلى السماء فأشار إليها فوقفت بين السماء والأرض لا يسندها شيء حتى بنى تحتها اليهود الأعمدة ليخفوا تلك المعجزة عن الأبصار– قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نوراً وقد أخذ هذا النور يتسع حتى ملأ ما بين السماء والأرض، فلما أن كان ذلك - وبعد هذه الرؤيا - رجع إلى شيخه رضي الله عنه في قنا بصعيد مصر، فقال: يا بني هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية؟ قال: نعم، قال: إذاً نبدأ معاً السير إلى الله عزَّ وجلَّ.

إذاً فبداية السير والسلوك لخاصة الصالحين: هي رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن الطريق إلى الله عزَّ وجلَّ طريق باطني!، وإن شئت قلت طريق معنوي!، وإن شئت قلت طريق خفي! لا يطلع عليه إلاَّ كلُّ صفيّ!

إذ إلى أين تمشى؟ فإن الله عزَّ وجلَّ لا تحيزه جهات، ولا تشير إليه عبارات، ومن أين تمشى؟ وما محطة السفر؟ وما محطة الوصول؟ وما بين ذلك؟ وما العقبات التي تواجهك في خلال ذلك؟

لا يطلع على ذلك إلا من سلك هذا السبيل، والذي يقول فيه الله عزَّ وجلَّ وهو نِعم الدليل: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صلى الله عليه وسلم ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [153 الأنعام]. ولذلك لم يقل فامشوا عليه لو كان معناه الطريق المعروف!

وقد قال الله عزَّ وجلَّ في هذا الشأن: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ورحمة اسم مؤنث في اللغة، ولكن الله فاجأنا وأدهشنا فقال: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [56  الأعراف]. فَلَمْ يقل "قريبة" ولكن ﴿قَرِيبٌ صلى الله عليه وسلم ﴿مِّنَ الْمُحْسِنِينَ، الذين بلغوا مقام الإحسان. فقريب بالمذكر أي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قريب من المحسنين.

ولكي يمشى الإنسان إلى طريق الفتح الإلهي وطريق الغيب النوراني؛ لابد وأن يأتم بالنبيِّ، وأن يأخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده ليسلك به في هذه الغيوب، وإلاَّ فإنه سيتعثر من أول خطوة في الطريق، ولن يستطيع أن يصل إلى أي شيء، وإنما سيقف مع حظه وهواه، فكانت رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحققين هي بداية السير والسلوك إلى الفتح الإلهي النوراني من ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.

أما أهل الولاية العامة فإنهم ربما لا يستطيعون الوصول إلى هذا المقام، ولكنهم إذا أحبوا بإخلاص حضرة النبيِّ، فإن الله يوافيهم بالنبيِّ عند خروجهم من الدنيا ودخولهم إلى البرزخ فيشهدونه صلى الله عليه وسلم عند الختام، فيكون ختامهم مسك، ويختم الله عزَّ وجلَّ لهم بخير، ويكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو المَعْنِىُّ بقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [27 إبراهيم].

وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يا إخواني عند أهل التحقيق في الطريق يعنى الانشغال بكمالات حضرته وليس انشغال العوام عندما يتغنون هياماً بالمصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، ولا يستحضرون بقلوبهم أوصافه وجمالاته وكمالاته التي جمَّله بها الملك العلام، لكن حقيقة الحبِّ للنبيِّ يجعل الإنسان الصادق منا يستحضر الجمالات التي جمَّل الله بها النبيَّ، ويحاول جاهداً أن يتجمل بها في نفسه، وهذا هو سرُّ بلوغ مقام الولاية العظمى.

وبلوغ مقام الولاية العظمى ليس بالعبادات لأن ذلك مقام العُبَّاد، والعُبَّاد لهم أجرهم يوم القيامة عند الله، ويزيدهم الله أضعافاً مضاعفة في جنات النعيم، لكن بلوغ المراد أن يبلغ الإنسان مقام: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [32فاطر]. وراثة الكتاب، أو أن يبلغ الإنسان مقام يُعلِّمه فيه ملك الإلهام: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا [65الكهف]. أو يبلغ الإنسان مقاماً أعلى لا يصل إليه ملك الإلهام، بل يُعلِّمه الله فوراً: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [282البقرة].

أو يصل الإنسان إلى مقام البصيرة النورانية وراثةً للحضرة المحمدية، سِرَّ قوله: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [108يوسف]. ولم يقل "أنا ومن آمن بي"!! لماذا؟ لأن هناك فرق بين (من آمن بي) وبين ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي، فاتبعني مقام خاصة الخاصة، وآمن بي هو مقام العامة، ولذلك يقول الله عزَّ وجلَّ للخاصة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي [31آل عمران]. والمتابعة لابد أن تكون متابعة جامعة، فإن المتابعة في المظهر والشكل متابعة ناقصة لأنها في المظاهر، لكن المتابعة في المظهر العام تكون في العبادات والأخلاق والمعاملات، والمتابعة الخاصة تكون في تقلُّب القلب وفي حركات النفس، ولذلك يقول قائل من الصالحين عندما سُئل عن سهو رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: لِمَ سها في الصلاة؟! مع أنه قال في الحديث: {لَسْتُ أَنْسَىٰ ولكِنْ أُنَسَّىٰ لأَسُنَّ} (شرح الزرقانيوإلا كيف كنا نعلم هذه التشريعات العظيمة في السهو وغيره - فسُئل الرجل الصالح:كيف سها رسول الله في الصلاة! مع أننا نعلم أنه تنام عينه وقلبه لا ينام عن ذكر مولاه عزَّ وجلَّ؟ فقال الرجل:

يا سائلي عن رسول الله كيف سـها     والسهو من كل قلب غافل لاه

قد غاب عن كل شئ سره فسها               عما ســـــــــــــــــوى الله فالتنزيه لله

والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم قد استغرق في جلال الله، وكوشف بجمال مولاه، فَأُخِذَ في هذا الجمال عن نفسه وعن حسه ليحصل له السهو الذي نراه في الصلاة! لِيَسُنَّ لنا ويُشَرِّعَ لنا كيفية قضاء السهو إذا سهونا في الصلاة!! لكن شتان بين هذا وذاك، لأن هذا سهو نعلمه جميعاً، أما سهو رسول الله فهو سهو عن الدنيا والمشاغل والأكوان، شغلاً كليَّاً بحضرة الرحمن عزَّ وجلَّ.

المتابعة الرافعة

ولذلك فإن المتابعة الخاصة لخاصة الخاصة هي المتابعة القلبية في الخوف والرجاء، وفي الإقبال على الله وفي الإخبات لله، وفي التواضع بين يدي الله، وفي الخشوع لجلال الله وكمال الله. وهذه هي متابعة خاصة الصالحين، وهى متابعة لا يطلِّع عليها الخلق ولكن يراها وينظر إليها ويمنح بسببها الحقُّ عزَّ وجلَّ، فإن الحقَّ عزَّ وجلَّ عندما أعلى شأن الصلاة قال فيها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [1-2 المؤمنون].

إذاً المتابعة الأعظم لا تكون إلا في الخشوع والخضوع والحضور بين يدي من يقول للشيء كن فيكون، وفيها يقول صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يتبعها: {أنا أعلمكم بالله وأشدُّكم له خشية} (صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها). إذاً المتابعة في هذا الباب في الخشية - هذا واضح؟؟ في الخشية وليست في العبادات! وليست متابعة في العادات، وليست متابعة في السنن الظاهرات، ولكنها متابعة في خشية الله عزَّ وجلَّ في الغيب وفي الشهادة، وفيها يقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

ما غاب عنــى حبيبى   لكنــــــــــه كلَّفنـــــــــــــى

فصرت بعد يقينـــــــــى   بالفضل قد عرَّفنى

أنا بمــن في وجودى     من بالصفا أتحفنى

تلك التكاليف رمـــــز   لَمَّا بها شــــــــــــــرَّفنى

فيتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهره وفي باطنه. أما متابعته صلى الله عليه وسلم في سيره نحو ربه عزَّ وجلَّ فإن هذا أمر لا يكفيه بيان، ولا يستطيع أن يتحدث عنه لسان، وإنما يقول فيه أهل العيان: (ذق تعرف)! وهذا مقام ذوقي، لأن الأسرار لا يطلع عليها إلا من غاب عن سوى الله، وكان سرُّه باق بمولاه جلَّ في علاه.

وإجمالاً نقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال سيدي أبو الحسن البكري رضي الله عنه:

وأنت باب الله أي امرئ                أتاه من غيرك لا يدخل

ولا يستطيع الإنسان أن يدخل على حضرة الله إلا بعد كمال معرفته برسول الله.

جمال العبودية

وسأزيد الأمر وضوحاً فأقول: إن الله عزَّ وجلَّ لا يُدخل حضرته إلا من تجمَّل بجمال العبودية، كيف نتجمل بجمال العبودية؟ إذا أردنا ذلك علينا أن ننظر إلى من جمَّله الله بكمال العبودية، ونتأدب بآداب العبودية من حضرته، ونتابعه في مسيرته.

وهذا هو الباب!! أن يجد العبد المتجمل! ويتابعه بالذهاب والإياب، فإذا صار الإنسان منا عبداً لله، متابعاً في العبودية والآداب لحبيب الله ومصطفاه، فُتح له الباب، وأُذن له بدخول الرحاب، وصار من الأحباب، لأنه تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، بمتابعة ذلك العبد المُناب من النبيِّ الأواب: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [19 الجن]. مَنْ عَبْدُ الله هنا؟

هو رسول الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [1الإسراء]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [1الفرقان]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ[1الكهف].

إذاً فثياب العبودية هي التي يلبسها أهل الوصول لنيل الخصوصية عند دخولهم الحضرات القدسية. ولذلك يقول أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقلت: يا سيدي يا رسول الله، أريد الوصل بحضرة الله، فقال: يا على: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [4 المدثر]، طهِّرْ ثيابَك من الدَّنَس، تحظَّ بِمَدَدِ اللهِ في كل نَفَس. قال: قلت: يا رسول الله وما ثيابي؟ قال: طهِّر ثياب العبودية – وليست الثياب التي نلبسها – وتأدب بآداب أهل الخصوصية، تحظى بالوصل بالكلية بربِّ البرية عزَّ وجلَّ}.

وهذه هي مراتب الخاصة!! آداب خاصة يتابعون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحظوا بنَفَسِ! أو بعض نَفَس! أو بشميمٍ! أو بذرة! ممَّا حباه به مولاه، والذي قال له فيه في كتاب الله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [39ص].

فقال صلى الله عليه وسلم في خطابه لأولي الألباب كما ذكرنا سابقاً:{اللهُ المعطِي وأنا القاسمُ}. (صحيح البخاري عن معاوية رضي الله عنه، ونص الحديث: مَن يُردِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين، واللهُ المعطِي وأنا القاسمُ، ولا تزالُ هذهِ الأمَّة ظاهرينَ على مَن خالفَهم حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون)، فهو الذي يقَسِّم هذا العطاء من النور والضياء والصفاء، والمكاشفات والمشاهدات، والمؤانسات والملاطفات، وغيرها من أنواع الغيوب العليات، على حسب تأهيل العبد لنفسه في مقامات العبودية لمولاه عزَّ وجلَّ، ولذلك قال أحد الصالحين:

وكن عبداً لنا والعبد يرضى     بما تقضى الموالى من مراد

إذاً فالأساس كلُّه هو مقام العَبْدِيَّة، والإمام في مقام العبدية هو سيِّد البريَّة صلى الله عليه وسلم، فهناك عبدية! وهناك عبودية! وهناك عبودة!! وهى كلها مقامات جعلها الله عزَّ وجلَّ لأهل الوصل والاصطفاء ودرجات، منهم من يكون في مقام المعية: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [128النحل]، ومنهم من يكون في مقام العندية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [206الأعراف]، ومنهم من يكون في مقام اللدنية: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [6النمل]. أين جبريل هنا؟ ليس له في هذا المقام قبيل ولا مقيل!!

فكل هذه المقامات لابد وأن يتابع الإنسان فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه فاتح أبواب القرب، ومعه مفاتيح كنوز الغيب، وآتاه الله عزَّ وجلَّ واصطفاه وعلَّمه ليُعَلِّمنا ويأخذ بأيدينا، ولذلك قال له: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [88الحجر]، وذلك ليحملهم على جناحه فيصلوا بفضل الله إلى نور الوصل من حضرة الله.

وهنا لطيفة رائعة مفيدة أحب أن أضيفها، أو قل إشارة في معنى المعية، وكرم الحضرة المحمدية - مناسبة لهذا المقام، وقد جاءتنا في سؤال وجِّه إلينا، إذ قال السائل بارك الله فيه:

أن سيدنا رسول الله قال مطمئناً لسيدنا أبى بكر وهما في الغار أثناء الهجرة: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما وكان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه حزيناً!! بدليل أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: (لا تحزن إن الله معنا)!، فما السرُّ في ذلك اللبس! لأن المقام هنا مقام خوف وليس مقام حزن!!

وأجيب هنا :بأن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه لم يكن عندها خائفاً، وإنما كان حزيناً من أجل رسول الله، لأنه لا يستطيع أن يفعل من أجله شيئاً - والحزن لا يكون إلا على الغير – بدليل: أن الأولياء قال الله في شأنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [62يونس]. فلا يخاف الواحد منهم على نفسه، ولا يحزن على محبيه ومريديه الصادقين! لأن الله سبحانه وتعالى سيُشَفِّعُهُ فيهم، ويأخذ بأيديهم معه إلى المقام الكريم. إذاً سيدنا أبو بكر لم يكن يخشى على نفسه، وإنما كان يخشى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال له الحبيب: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا [40التوبة].

وهنا الإشارة الراقية التي أودُّ أن ألفت إليها قلوبكم - وفيها يظهر المقام الأعظم لرسول الله، وعطفه علينا، وتنزله لنا، وكيف يخفض جناحه للمؤمنين ليأخذهم معه إلى أعلى المقامات!

فسيدنا موسى عليه السلام قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [62الشعراء]. يقول: ﴿إِنَّ مَعِيَ من؟ أنا وحدي ﴿رَبِّي سَيَهْدِينِ معي مقام الربوبية! لكنه صلى الله عليه وسلم لما خاطب سيدنا أبا بكر رضي الله عنه أدخلنا جميعاً - أي أدخل كل الأمة المحمدية - في قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَنَا مقام الإلوهية، فنحن جميعاً في هذا المقام.

فهنا تتجلى رحمة الحبيب وشفقة الحبيب وحنانه بنا، لأن سيدنا موسى عندما قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي أسقط حتى أخاه هارون من حساباته، مع أنه كان وزيره! وكان نبيًّا أيضاً! أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾.  

وانظر إلى الفرق بين هذا وذاك!! فنحن أمة الحبيب في مقام المعية الإلهية: {ما ظنك باثنين الله ثالثهما} (صحيح البخارى). فكانت النتيجة: ﴿ فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [40التوبة]، فنزلت عليه هو بذاته سكينة الله وتأييده ونصرته، ثم منه صلى الله عليه وسلم توزَّعت تلك السكينة والعطايا والهبات إلى من معه في تلك المعية، وكل من هو في معيته، أو اندرج تحت لواء أمته، معرِّضاً نفسه لفضل الله وبركته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !!

وصلى الله على سيدنا محمد الشفوق الرءوف الرحيم بأمته، وعلى آله الأبرار، وصحبه الأطهار، وكل من تابعهم واقتفي أثرهم وسار على دَرْبِهِم في هذا المضمار، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم العرض والقرار.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على كمال الاصطفاء لنا، حتى صرنا من أُمة حبيبه ومصطفاه: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [8الحجرات]. والصلاة والسلام على إمام المصطفين الأخيار، وسيِّد أهل الدنيا والإمام الأعظم لجميع الخلق يوم القرار، سيِّدنا محمد وآله الأخيار، وصحابته الأبرار، وكل مَنْ تابعه على هذا الهدى إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا ربِّ العالمين.

وصية بسيطة أوصى بها نفسي أولاً وإخواني أجمعين: يقول الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: {إن في القلب طاقة لا يسدها إلا حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم}.

جعل الله عزَّ وجلَّ في قلب كلِّ مؤمن طاقة لا تُسَدُّ إلا بِحُبِّ رسول الله، فمن بدَّدها في حُبِّ الدنيا، والأهواء والشهوات، والحظوظ والملذات، تَعِبَ في دنياه، وكان غير موفقٍ في أُخراه، لأنه يدخل في قول الله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [36الزخرف]. وذِكْر الرحمن في الحقيقة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [9الجمعة]. أي المذكِّر الذي يذكركم بالله، وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يقل الله: (فاسعوا إلى الصلاة)، وإنما قال: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾.

فذِكْرُ الله في الحقيقة هو سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المُذَكِّرُ الذي يُذَكِّرُنَا بالله وبأيام الله، ويذكرنا بما علينا نحو الله، وبالأيام التي نحن مقبلون عليها من أيام البرزخ والآخرة، والسعادة الأبدية في جوار الله جلَّ في علاه. هذا المُذكر لابد أن يكون له النصيب الأعظم في القلوب.

وقد حكم صلى الله عليه وسلم - وحُكْمُهُ نافذ – أنه لا يتمُّ الإيمان إلا إذا كان هذا الحب الموجود لحضرته في قلوبنا أغلى عندنا، وأنفس من نفوسنا ومالنا وأولادنا وكل شيء لنا أو حولنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم في ذلك: {لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه). ولا يؤمن - هنا معناها: لا يؤمن الإيمان الكامل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لسيدنا عمر وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِه: {أَتُحِبُّني يَا عُمَر؟ قَالَ: لأنْتَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كُل شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبيُّ: الآْنَ يَا عُمَرُ } (أخرجه البخاري عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام رضي الله عنه) – أي: الآن قد وصلتَ إلى تمام الإيمان.

وتمامُ الإيمان يصل إليه الإنسان إذا كان حبُّ النبيِّ العدنان صلى الله عليه وسلم - كما وصفنا - أغلى عليه من كل غالى في هذه الدنيا، وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ ما يشغل الإنسان في دنياه في آية عظيمة قال فيها: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ [24التوبة]. أي لابد وأن يكون حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبُّ الله عزَّ وجلَّ أغلى من كل ذلك، وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سرُّه قال فيه صلى الله عليه وسلم: {أَحِبُّوا اللّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللّهِ، وَأحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بحُبِّي} (سنن الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه).

فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزينة التي زيَّنه بها الله، والأخلاق الكريمة التي جمَّله بها مولاه، والمنن العظمى التي لا تُعدُّ ولا تحدُّ والتي أفاضها عليه مولاه جلَّ في علاه، فحبُّه في الحقيقة هو حبٌ لله، وذلك لأننا نحب الأوصاف التي جمَّله بها الله، والمنن التي أكرمه بها الله، والكمالات التي كمَّله بها مولاه، إذاً حبُّه في الحقيقة حبٌّ لله عزَّ وجلَّ، لأن لله المنَّة في الأولى وفي الآخرة.

هذا الحب يا أحبابي لابد أن ينمو ويزيد حتى يصل الإنسان إلى كمال الإيمان، فما الدليل على كمال الإيمان؟ الدليل يا إخواني أن يأتيه النبيُّ العدنان ليبشره بأنه قد استكمل الإيمان، فرؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم هي البرهان لأهل الإيمان على استكمال الإيمان، وعلى بلوغ الإنسان تمام الإيمان. إما إذا كانت رؤية رسول الله والإنسان على حال غير مَرْضِيَّة لله، فرؤية رسول الله في هذه الحالة هي رؤية هنا مُنبهة ومُذكِّرة للإنسان، لأنه في حالة معصية أو سهو أو غفلة، ولكن مثل هذا الإنسان يكون له نصيب من تمام الإيمان مادام أن الذي نبَّهه وأيقظه وأخذ بيده هو رسول الله، وهذا دليل على أنه سيبلغ كمال الإيمان إن شاء الله.

فإذا رأي الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلاً على كمال الإيمان، ولذلك كان من وظيفته التي ذكرها الله في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [45-47الأحزاب]. وتبشير المؤمنين لم يحدده الله بأنهم المؤمنون في زمانه، وفي عصره وأوانه، ولكن المؤمنين إلى يوم الدين، يبشِّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكمال الإيمان.

وقد يتحمل الرجل منا هذا المقام ويبشره حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو بيننا يمشى ويسعى على الأقدام. وقد يتحمل الرجل مقاماً أعظم من ذلك، فبعد أن يكرمه النبي صلى الله عليه وسلم برؤياه في المنام يلوح له في العيان، ولكن ذلك لصنف مخصوص خصَّهم الله عزَّ وجلَّ بالصفاء الكبير!!

وأذكر في هذا المقام سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه - وكان من أهل الجذب الشديد، وكانت أمه من الصالحات – وقد حكى لها ما رآه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام. فماذا قالت له؟!! اسمعوا .. قالت له: (يا بُني لا تَبْلُغُ مقام الرجولية حتى ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة وليس في المنام). فما زال يتعرض لفضل الله، حتى رآه صلى الله عليه وسلم في اليقظة عياناً بياناً، فقالت له أمه عندها: { الآن قد بلغت مقام الرجولية}، ولا أقول يجِدُّ ويكِدُّ ويسعى، لأن هذا مقام لا يُنال بالجِدِّ ولا بالسعي ولا بالكَدِّ، ولكنه فَضْلٌ من الله، والله ذو فضل عظيم، وإنما كل ما عليك أن تتعرض لفضل الله.

والتعرض لفضل الله يكون كما قلنا آنفاً - ونعيد بإيجاز: لأن هذا الأمر يَضِلُّ فيه الكثيرون، يقولون نوالها بالفضل وليس بالجد أو الكد فيتكاسلون، وينامون، وينتظرون فضل الله، والسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة - ولكن نوالها بالتعرَّض لسحائب الفضل الهاطلة من سماوات الكرم الربانيِّ، والفيض الإلهي:

فالتعرض لفضل الله يكون بوضوح: بتطهير السريرة وتنقية البصيرة، حتى تصلح لنزول هذه الأنوار المضيئة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحلُّ في قلب فيه عَيْبٌ، ولا يحلُّ في روح عَبْدٍ تعلَّقتْ بالفاني، ولكن يَحِلُّ في القلوب التي خَلَتْ من العيوب. ويحل في الأرواح التي تَعَلَّقتْ بطلعة المنعم الفتاح عزَّ وجلَّ.

هل هناك وضوح أكثر من ذلك! إذاً التعرض هو أن أطهِّر السريرة، وأُطَهِّرُ القلب وأجعله صالحاً لهذه الأنوار. ونوال الطّهَارة الكلية على الله، لكن الله عزَّ وجلَّ لا يرجو منا إلا النيَّة، والبداية: النيَّة، والبداية: النيَّة، والبداية: {إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات} (صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونص الحديث: إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى: فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها، أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه). المهم أن ينوى الإنسان نيَّة صادقة، وبعد النيَّة الصادقة عليه أن يبدأ، والباقي يكمله الله عزَّ وجلَّ، ويكفينا فرحاً وفخراً وتيهاً وشرفاً قول الله جلَّ في علاه في الحديث القدسي: {إذا تقرَّب العبدُ إليّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذِراعاً، وإذا تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقرَّبتُ منه باعاً، وإذا أتاني مشياً أتيتُهُ هَرْوَلَةً} (صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم).

كل ما في الأمر أن تنوى وتبدأ وتستمر وتداوم!! ولا تكسل فتفتر فتتوقف وربما أوشك الفضل أن يتنزل إليك! ولكن النَّفْسَ تثبط همتك وتقول: لم يأتك شيءٌ!! ولن يأتك، فتعود أدراجك من حيث بدأت!!! فالله عزَّ وجلَّ لا يباديء الكسالى!! ولا يباديء القاعدين، لكن يباديء المتذكرين والحاضرين والمتنبهين والمواصلين. البادئين بداية جِدٍّ وإيقان، رغبة في الوصول إلى رضاء الكريم الحنان وإلى كمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم - يا إخواني - هو بداية الولاية الخاصة، ولا أقول الولاية العامة. لماذا؟!! لأن المسلمين أجمعين في مقام الولاية العامة، فكل مسلم يقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) له نصيب في الولاية العامة، لكن الولاية الخاصة بدايتها أن يتعرف الإنسان المعرفة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذهب رجل إلى سيدي أبى الفتح الواسطي في العراق، وقال: يا سيدي، أريد أن أتربَّى على يديك. فنظر الشيخ إلى الأرض وأطال!! ثم رفع رأسه وقال: أنت لست تلميذي، وإنما تلميذ أخي عبد الرحيم القنائي في قنا في بلاد مصر. وكانوا صادقين، لا يريدون جمع مريدين!! وإنما يريدون القيام بالكشف الذي سلَّمه لهم سيِّد الأولين والآخرين، وهذا يكفيهم عند الله عزَّ وجلَّ لأن الله أقامهم في هذا المقام.

فسعى الرجل حتى جاء إلى قنا في صعيد مصر، ولما وصل إلى سيدي عبد الرحيم القنائي رضي الله عنه - وكان سيدي عبد الرحيم من أصحاب الأحوال الخاصة إذ كان يقول: {لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتان كلَّ أسبوع، يأتيني ليلة الاثنين وليلة الجمعة فأعرض عليه كلَّ ما استشكل علىَّ من الأسئلة، فيجيبني عنها جميعاً صلى الله عليه وسلم}. وقد ذكر رضي الله عنه هذه الأسئلة في كتاب مخطوط - نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُخرجه للنور قريباً إن شاء الله ربُّ العالمين – فلما وصل إليه مريده قال له: يا بُني هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية؟ قال: لا! قال: فاذهب إلى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية.

فرجع المريد - بلا تكاسل ولا تململ - وبعزيمة وإصرار إلى بيت المقدس – من قنا إلى القدس ولم يراجع شيخه بكلمة واحدة- ورجع متعرِّضاً لفضل مولاه، وفي ذات يوم، نام هناك تحت الصخرة – والموجودة الآن بأسفل القبة المعروفة بقبة الصخرة. (مسجد قبة الصخرة هي التي نشر اليهود صوره المشهورة من الخارج على أنها صور المسجد الأقصى ليلفتوا المسلمين عن المسجد الأقصى، وهذا خطأ بدأ الناس في تداركه مؤخراً، فمسجد بيت المقدس أو المسجد الأقصى يقع بجوار مسجد قبة الصخرة، والمنطقة كلها تسمى بيت المقدس وبها مئات الآثار). وهى الصخرة التي تعلقت بقدم النبيِّ عندما كان عارجاً إلى السماء فأشار إليها فوقفت بين السماء والأرض لا يسندها شيء حتى بنى تحتها اليهود الأعمدة ليخفوا تلك المعجزة عن الأبصار– قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نوراً وقد أخذ هذا النور يتسع حتى ملأ ما بين السماء والأرض، فلما أن كان ذلك - وبعد هذه الرؤيا - رجع إلى شيخه رضي الله عنه في قنا بصعيد مصر، فقال: يا بني هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية؟ قال: نعم، قال: إذاً نبدأ معاً السير إلى الله عزَّ وجلَّ.

إذاً فبداية السير والسلوك لخاصة الصالحين: هي رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن الطريق إلى الله عزَّ وجلَّ طريق باطني!، وإن شئت قلت طريق معنوي!، وإن شئت قلت طريق خفي! لا يطلع عليه إلاَّ كلُّ صفيّ!

إذ إلى أين تمشى؟ فإن الله عزَّ وجلَّ لا تحيزه جهات، ولا تشير إليه عبارات، ومن أين تمشى؟ وما محطة السفر؟ وما محطة الوصول؟ وما بين ذلك؟ وما العقبات التي تواجهك في خلال ذلك؟

لا يطلع على ذلك إلا من سلك هذا السبيل، والذي يقول فيه الله عزَّ وجلَّ وهو نِعم الدليل: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صلى الله عليه وسلم ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [153 الأنعام]. ولذلك لم يقل فامشوا عليه لو كان معناه الطريق المعروف!

وقد قال الله عزَّ وجلَّ في هذا الشأن: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ورحمة اسم مؤنث في اللغة، ولكن الله فاجأنا وأدهشنا فقال: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [56  الأعراف]. فَلَمْ يقل "قريبة" ولكن ﴿قَرِيبٌ صلى الله عليه وسلم ﴿مِّنَ الْمُحْسِنِينَ، الذين بلغوا مقام الإحسان. فقريب بالمذكر أي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قريب من المحسنين.

ولكي يمشى الإنسان إلى طريق الفتح الإلهي وطريق الغيب النوراني؛ لابد وأن يأتم بالنبيِّ، وأن يأخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده ليسلك به في هذه الغيوب، وإلاَّ فإنه سيتعثر من أول خطوة في الطريق، ولن يستطيع أن يصل إلى أي شيء، وإنما سيقف مع حظه وهواه، فكانت رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحققين هي بداية السير والسلوك إلى الفتح الإلهي النوراني من ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.

أما أهل الولاية العامة فإنهم ربما لا يستطيعون الوصول إلى هذا المقام، ولكنهم إذا أحبوا بإخلاص حضرة النبيِّ، فإن الله يوافيهم بالنبيِّ عند خروجهم من الدنيا ودخولهم إلى البرزخ فيشهدونه صلى الله عليه وسلم عند الختام، فيكون ختامهم مسك، ويختم الله عزَّ وجلَّ لهم بخير، ويكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو المَعْنِىُّ بقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [27 إبراهيم].

وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يا إخواني عند أهل التحقيق في الطريق يعنى الانشغال بكمالات حضرته وليس انشغال العوام عندما يتغنون هياماً بالمصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، ولا يستحضرون بقلوبهم أوصافه وجمالاته وكمالاته التي جمَّله بها الملك العلام، لكن حقيقة الحبِّ للنبيِّ يجعل الإنسان الصادق منا يستحضر الجمالات التي جمَّل الله بها النبيَّ، ويحاول جاهداً أن يتجمل بها في نفسه، وهذا هو سرُّ بلوغ مقام الولاية العظمى.

وبلوغ مقام الولاية العظمى ليس بالعبادات لأن ذلك مقام العُبَّاد، والعُبَّاد لهم أجرهم يوم القيامة عند الله، ويزيدهم الله أضعافاً مضاعفة في جنات النعيم، لكن بلوغ المراد أن يبلغ الإنسان مقام: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [32فاطر]. وراثة الكتاب، أو أن يبلغ الإنسان مقام يُعلِّمه فيه ملك الإلهام: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا [65الكهف]. أو يبلغ الإنسان مقاماً أعلى لا يصل إليه ملك الإلهام، بل يُعلِّمه الله فوراً: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [282البقرة].

أو يصل الإنسان إلى مقام البصيرة النورانية وراثةً للحضرة المحمدية، سِرَّ قوله: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [108يوسف]. ولم يقل "أنا ومن آمن بي"!! لماذا؟ لأن هناك فرق بين (من آمن بي) وبين ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي، فاتبعني مقام خاصة الخاصة، وآمن بي هو مقام العامة، ولذلك يقول الله عزَّ وجلَّ للخاصة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي [31آل عمران]. والمتابعة لابد أن تكون متابعة جامعة، فإن المتابعة في المظهر والشكل متابعة ناقصة لأنها في المظاهر، لكن المتابعة في المظهر العام تكون في العبادات والأخلاق والمعاملات، والمتابعة الخاصة تكون في تقلُّب القلب وفي حركات النفس، ولذلك يقول قائل من الصالحين عندما سُئل عن سهو رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: لِمَ سها في الصلاة؟! مع أنه قال في الحديث: {لَسْتُ أَنْسَىٰ ولكِنْ أُنَسَّىٰ لأَسُنَّ} (شرح الزرقانيوإلا كيف كنا نعلم هذه التشريعات العظيمة في السهو وغيره - فسُئل الرجل الصالح:كيف سها رسول الله في الصلاة! مع أننا نعلم أنه تنام عينه وقلبه لا ينام عن ذكر مولاه عزَّ وجلَّ؟ فقال الرجل:

يا سائلي عن رسول الله كيف سـها     والسهو من كل قلب غافل لاه

قد غاب عن كل شئ سره فسها               عما ســـــــــــــــــوى الله فالتنزيه لله

والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم قد استغرق في جلال الله، وكوشف بجمال مولاه، فَأُخِذَ في هذا الجمال عن نفسه وعن حسه ليحصل له السهو الذي نراه في الصلاة! لِيَسُنَّ لنا ويُشَرِّعَ لنا كيفية قضاء السهو إذا سهونا في الصلاة!! لكن شتان بين هذا وذاك، لأن هذا سهو نعلمه جميعاً، أما سهو رسول الله فهو سهو عن الدنيا والمشاغل والأكوان، شغلاً كليَّاً بحضرة الرحمن عزَّ وجلَّ.

المتابعة الرافعة

ولذلك فإن المتابعة الخاصة لخاصة الخاصة هي المتابعة القلبية في الخوف والرجاء، وفي الإقبال على الله وفي الإخبات لله، وفي التواضع بين يدي الله، وفي الخشوع لجلال الله وكمال الله. وهذه هي متابعة خاصة الصالحين، وهى متابعة لا يطلِّع عليها الخلق ولكن يراها وينظر إليها ويمنح بسببها الحقُّ عزَّ وجلَّ، فإن الحقَّ عزَّ وجلَّ عندما أعلى شأن الصلاة قال فيها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [1-2 المؤمنون].

إذاً المتابعة الأعظم لا تكون إلا في الخشوع والخضوع والحضور بين يدي من يقول للشيء كن فيكون، وفيها يقول صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يتبعها: {أنا أعلمكم بالله وأشدُّكم له خشية} (صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها). إذاً المتابعة في هذا الباب في الخشية - هذا واضح؟؟ في الخشية وليست في العبادات! وليست متابعة في العادات، وليست متابعة في السنن الظاهرات، ولكنها متابعة في خشية الله عزَّ وجلَّ في الغيب وفي الشهادة، وفيها يقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

ما غاب عنــى حبيبى   لكنــــــــــه كلَّفنـــــــــــــى

فصرت بعد يقينـــــــــى   بالفضل قد عرَّفنى

أنا بمــن في وجودى     من بالصفا أتحفنى

تلك التكاليف رمـــــز   لَمَّا بها شــــــــــــــرَّفنى

فيتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهره وفي باطنه. أما متابعته صلى الله عليه وسلم في سيره نحو ربه عزَّ وجلَّ فإن هذا أمر لا يكفيه بيان، ولا يستطيع أن يتحدث عنه لسان، وإنما يقول فيه أهل العيان: (ذق تعرف)! وهذا مقام ذوقي، لأن الأسرار لا يطلع عليها إلا من غاب عن سوى الله، وكان سرُّه باق بمولاه جلَّ في علاه.

وإجمالاً نقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال سيدي أبو الحسن البكري رضي الله عنه:

وأنت باب الله أي امرئ                أتاه من غيرك لا يدخل

ولا يستطيع الإنسان أن يدخل على حضرة الله إلا بعد كمال معرفته برسول الله.

جمال العبودية

وسأزيد الأمر وضوحاً فأقول: إن الله عزَّ وجلَّ لا يُدخل حضرته إلا من تجمَّل بجمال العبودية، كيف نتجمل بجمال العبودية؟ إذا أردنا ذلك علينا أن ننظر إلى من جمَّله الله بكمال العبودية، ونتأدب بآداب العبودية من حضرته، ونتابعه في مسيرته.

وهذا هو الباب!! أن يجد العبد المتجمل! ويتابعه بالذهاب والإياب، فإذا صار الإنسان منا عبداً لله، متابعاً في العبودية والآداب لحبيب الله ومصطفاه، فُتح له الباب، وأُذن له بدخول الرحاب، وصار من الأحباب، لأنه تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، بمتابعة ذلك العبد المُناب من النبيِّ الأواب: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [19 الجن]. مَنْ عَبْدُ الله هنا؟

هو رسول الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [1الإسراء]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [1الفرقان]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ[1الكهف].

إذاً فثياب العبودية هي التي يلبسها أهل الوصول لنيل الخصوصية عند دخولهم الحضرات القدسية. ولذلك يقول أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقلت: يا سيدي يا رسول الله، أريد الوصل بحضرة الله، فقال: يا على: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [4 المدثر]، طهِّرْ ثيابَك من الدَّنَس، تحظَّ بِمَدَدِ اللهِ في كل نَفَس. قال: قلت: يا رسول الله وما ثيابي؟ قال: طهِّر ثياب العبودية – وليست الثياب التي نلبسها – وتأدب بآداب أهل الخصوصية، تحظى بالوصل بالكلية بربِّ البرية عزَّ وجلَّ}.

وهذه هي مراتب الخاصة!! آداب خاصة يتابعون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحظوا بنَفَسِ! أو بعض نَفَس! أو بشميمٍ! أو بذرة! ممَّا حباه به مولاه، والذي قال له فيه في كتاب الله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [39ص].

فقال صلى الله عليه وسلم في خطابه لأولي الألباب كما ذكرنا سابقاً:{اللهُ المعطِي وأنا القاسمُ}. (صحيح البخاري عن معاوية رضي الله عنه، ونص الحديث: مَن يُردِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين، واللهُ المعطِي وأنا القاسمُ، ولا تزالُ هذهِ الأمَّة ظاهرينَ على مَن خالفَهم حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون)، فهو الذي يقَسِّم هذا العطاء من النور والضياء والصفاء، والمكاشفات والمشاهدات، والمؤانسات والملاطفات، وغيرها من أنواع الغيوب العليات، على حسب تأهيل العبد لنفسه في مقامات العبودية لمولاه عزَّ وجلَّ، ولذلك قال أحد الصالحين:

وكن عبداً لنا والعبد يرضى     بما تقضى الموالى من مراد

إذاً فالأساس كلُّه هو مقام العَبْدِيَّة، والإمام في مقام العبدية هو سيِّد البريَّة صلى الله عليه وسلم، فهناك عبدية! وهناك عبودية! وهناك عبودة!! وهى كلها مقامات جعلها الله عزَّ وجلَّ لأهل الوصل والاصطفاء ودرجات، منهم من يكون في مقام المعية: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [128النحل]، ومنهم من يكون في مقام العندية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [206الأعراف]، ومنهم من يكون في مقام اللدنية: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [6النمل]. أين جبريل هنا؟ ليس له في هذا المقام قبيل ولا مقيل!!

فكل هذه المقامات لابد وأن يتابع الإنسان فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه فاتح أبواب القرب، ومعه مفاتيح كنوز الغيب، وآتاه الله عزَّ وجلَّ واصطفاه وعلَّمه ليُعَلِّمنا ويأخذ بأيدينا، ولذلك قال له: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [88الحجر]، وذلك ليحملهم على جناحه فيصلوا بفضل الله إلى نور الوصل من حضرة الله.

وهنا لطيفة رائعة مفيدة أحب أن أضيفها، أو قل إشارة في معنى المعية، وكرم الحضرة المحمدية - مناسبة لهذا المقام، وقد جاءتنا في سؤال وجِّه إلينا، إذ قال السائل بارك الله فيه:

أن سيدنا رسول الله قال مطمئناً لسيدنا أبى بكر وهما في الغار أثناء الهجرة: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما وكان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه حزيناً!! بدليل أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: (لا تحزن إن الله معنا)!، فما السرُّ في ذلك اللبس! لأن المقام هنا مقام خوف وليس مقام حزن!!

وأجيب هنا :بأن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه لم يكن عندها خائفاً، وإنما كان حزيناً من أجل رسول الله، لأنه لا يستطيع أن يفعل من أجله شيئاً - والحزن لا يكون إلا على الغير – بدليل: أن الأولياء قال الله في شأنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [62يونس]. فلا يخاف الواحد منهم على نفسه، ولا يحزن على محبيه ومريديه الصادقين! لأن الله سبحانه وتعالى سيُشَفِّعُهُ فيهم، ويأخذ بأيديهم معه إلى المقام الكريم. إذاً سيدنا أبو بكر لم يكن يخشى على نفسه، وإنما كان يخشى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال له الحبيب: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا [40التوبة].

وهنا الإشارة الراقية التي أودُّ أن ألفت إليها قلوبكم - وفيها يظهر المقام الأعظم لرسول الله، وعطفه علينا، وتنزله لنا، وكيف يخفض جناحه للمؤمنين ليأخذهم معه إلى أعلى المقامات!

فسيدنا موسى عليه السلام قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [62الشعراء]. يقول: ﴿إِنَّ مَعِيَ من؟ أنا وحدي ﴿رَبِّي سَيَهْدِينِ معي مقام الربوبية! لكنه صلى الله عليه وسلم لما خاطب سيدنا أبا بكر رضي الله عنه أدخلنا جميعاً - أي أدخل كل الأمة المحمدية - في قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَنَا مقام الإلوهية، فنحن جميعاً في هذا المقام.

فهنا تتجلى رحمة الحبيب وشفقة الحبيب وحنانه بنا، لأن سيدنا موسى عندما قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي أسقط حتى أخاه هارون من حساباته، مع أنه كان وزيره! وكان نبيًّا أيضاً! أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾.  

وانظر إلى الفرق بين هذا وذاك!! فنحن أمة الحبيب في مقام المعية الإلهية: {ما ظنك باثنين الله ثالثهما} (صحيح البخارى). فكانت النتيجة: ﴿ فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [40التوبة]، فنزلت عليه هو بذاته سكينة الله وتأييده ونصرته، ثم منه صلى الله عليه وسلم توزَّعت تلك السكينة والعطايا والهبات إلى من معه في تلك المعية، وكل من هو في معيته، أو اندرج تحت لواء أمته، معرِّضاً نفسه لفضل الله وبركته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !!

وصلى الله على سيدنا محمد الشفوق الرءوف الرحيم بأمته، وعلى آله الأبرار، وصحبه الأطهار، وكل من تابعهم واقتفي أثرهم وسار على دَرْبِهِم في هذا المضمار، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم العرض والقرار.

كانت هذه المحاضرة بالإسكندرية بتاريخ 25 من ربيع الأول 1431هـ الموافق 11 من مارس 2010م     . 

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي