Advanced search

إشراقات الإسراء (الجزء الأول)

إشراقات الإسراء (الجزء الأول)

إشراقات الإسراء (الجزء الأول)

Read book
  • Series title

    الحقيقة المحمدية

  • Publish date

    25 - يوليو - 2006

  • Pages number

    208

  • Edition number

    الطبعة الثانية

  • Downloads

    947

  • Download code

    Not found
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

إشراقات الإسراء (الجزء الأول)

مقدمة الطبعة الأولى والثانية

بســــــم الله الرحمن الرحـــــــيم
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾
(1-الإسراء)

حبيبٌ دعاه الله للقرب واللقـــــــــا
و منه دنا لطفا ثمَّ حيَّاه
وناداه يا محبوب ذاتي و نورها
تنعم بنور الوجه إني أنا الله
عليك لقد صلَّيت بالذات منَّة
و أوليتك الرؤيا و ما ترضاه
وجمَّلت بالأنوار ملكي تكرما
بمسراك حتى لاح نور سناه
من البيت للقدس المطهَّر للسما
إلى العرش من عال إلى أعلاه
إلى الرفرف الأعلى إلى النور والخفا
إلى حضرة التنزيه من مجلاه
إلى الحظوة الكبرى إلى الجلوة التي
تعالت عن التعبير جلَّ الله
إلى قاب قوسين التداني وفوقها
إلى حيث أو أدنى فواجه مولاه
رأى الآية الكبرى بغيب جمالها
ومولاه بعد شهوده ناجاه
الإمام محمد ماضي أبو العزائم
مُقَـدِّمَةُ الطــَّبْعَةِ الثــَّــانِيَة
بسم الله الرحمن الرحــــيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على حبيب الله ومصطفاه ؛ سيدنا محمد ؛ إمام أهل الهدى وباب القرب لحضرة الله ، وآله وصحبه وكل من والاه .... وبعد ...
طلب مني بعض الإخوة الصادقين ؛ إعادة طباعة كتاب "اشراقات الإسراء – الجزء الأول " ؛ نظراً لأنه دليل وافٍ للسالك إلى الله ، وتوضيح كافٍ للواصل إلى مولاه ، وبيان شافٍ للمتمكن في طريق الله ؛ فاستخرنا الله تعالى في ذلك ، وقمنا بمراجعته ، ثم عزمنا على أن نضيف إليه ما استجد ( الجزء الثانى ) في احتفالات الإسراء السنوية بمسجد الأنوار القدسية بالمهندسين بالجيزة ، حيث أننا اقتصرنا في جمع المادة العلمية لهذا الكتاب على السهرات المباركة التي تقام في هذا المسجد كل عام ، ولم نسجِّل فيه كل ما فُتح علينا به بشأن هذه الرحلة المباركة في كافة الإنحاء ؛ خوفاً من الإطالة والملل .
وقد قام الإخوة الصادقون الحاج مصطفى عبدالموجود والحاج محسن عبدالحي بتفريغ هذه الدروس من شرائط التسجيل وكتابتها، كما قد قام بذلك في الطبعة الأولى من الكتاب ( الجزء الأول ) الدكتور أحمد عبدالله القاضي، وقام الإستاذ أحمد سعيد الغنام بكتابتها على الكمبيوتر وتخريج الآيات والأحاديث، ثم قام أهل الإختصاص بمراجعتها لغوياً وإملائياً وإخراجها فنياً والإشراف على الطباعة، فجزاهم الله جميعاً عنا خير الجزاء، ورزقهم الله ببركة حبهم لحبيبه ومصطفاه البركة في أوقاتهم، والصحة والعافية في أجسادهم، والحفظ لجوارحهم وأعضائهم، والزيادة والنماء في أموالهم، والإخلاص والصدق في أعمالهم وأحوالهم، والله أسأل أن ينفع به من قرأه، ويجعله نوراً وفتحاً لمن عمل بما فيه، وصلى الله على معلِّم الناس الخير، وعلى آله وصحبه وسلم.
فَوْزي مُحَمَّد أبُوزيد

مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الأولى ( الجزء الأول )
بسم الله الرحمن الرحــــيم
الحمد لله العلي القدير، له وحده الإرادة النافذة، والقدرة الفاعلة، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. والصلاة والسلام على سرِّ تجلى حضرة الذات ، ومنتهى الكمالات ، المسربل بجميع الأسماء والصفات ، سيِّدنا محمد فاتح كنوز الفضل والهبات والمفاض منه النور والهداية لجميع الكائنـات ، وآله ورّاث هذه الحضرات ، والعامـلين بهديه إلى يوم الميقـات ، آمين .
يهتم السادة الصالحون بإحياء ليالي الفضل والإكرام، التي اختصَّها الله عزَّ وجلَّ بمزيد من الجود والإنعام، وذلك على مدار العام كليلة القدر، وليلة بدر، وليلة عاشوراء وغيرها وقد دعاهم إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلَّم:
(إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزّ وجلّ في أَيّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَها، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقى بَعْدَها أَبَداً )( )
وحثَّهم حثَّاً شديداً على ذلك قوله عزَّ وجلَّ فى معنى حديثه الشريف:
( إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً سَخَّرَهُ لأفْضَلِ الأعْمَالِ فِي أَفْضَلِ الأوْقَاتِ )
ومن الليالي التي أولاها شيخنا وإمامنا الأمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه عناية خاصة؛ ليلتا الإسراء والمولد النبوي الشريف؛ لما لهما من صلة بحبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم، وقد سار على هذا النهج في إحياء هذه الليالي الكريمة ؛ شيخنــا ، ومربِّى أرواحـنا مولانا الشيخ محمد علي سلامه، فقد كان يحييهما مع الأحباب في مسجد الأنوار القدسية بالمهندسين بالقاهرة - والذي أسَّسه رجل البر والإحسان المهنــدس علي عبد اللطيف -والذي قد كان له أيضاً - بارك الله فيه وأجرى الله الخير على يديه - شرف تحمل نفقات الحفلين من ماله الخاص رجاء ما عند الله عزَّ وجلَّ.
وبعد انتقال فضيلة مولانا الشيخ محمد علي سلامة رَضِيَ الله عنه إلى الرفيق الأعلى في مكة المكرمة يوم الأحد الموافق 4 من ذي الحجة 1411هـ 16 من يونية 1991م ، أصر الأحباب على استمرار هذه المآثر الكريمة في الاحتفال بهذه الليالي العظيمة .
وقد كان للعبيد الضعيف شرف تلقي النفحات الربانية، والإلهامات النورانية التي يفيضها الله عزَّ وجلَّ فضلا منه وكرما لعباده الصادقين، وأحبابه المخلصين، في هذه الليالي المباركة، فجاءت فيضاً من الله لا بسابق إعداد؛ وإنما بمحض إمداد من حضرة المنعم الجواد، فما كان فيها من فتح ومن فضل فمن الله عزَّ وجلَّ، وما كان فيها – إذا وجد – من خطأ ومن زلل فمن عجلتي وزللي ، وقد قام أخوان صدق بجمعها ونسخها، ثمَّ مراجعتها و نشرها؛ فجزاهم الله عنَّا خير الجزاء.
وقد ركَّزنا في موضوعات هذا الكتاب – وإن كانت كلها فتحاً من الله – على الجانب السلوكي الذي يحتاجه السالك في طريق الله ؛ ليتأسّى فيه بمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فيفتح الله عليه ببعض ما يخصُّ به عباده الصالحين من إشراقات نورانية ، وتوجيهات روحانية ، ومكاشفات ملكوتية ، وشفافية قلبية ، تجعله يتولاه بولايته ، ويخصُّه برعايته ، ويحفظه بكلاءته وصيانته ، ويجعله من أهل قربه ومودَّته ...
ومع ذلك ، فنحن نقول كما قال الإمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه:
لست أقوى أن أبيِّن بالمقال لا ولا أبدى الخفا منّى بحال
أخبر الله بآي أحكمت أنه أسرى بعبد للوصال
فقه عبد روحه جسم فدع قول من لم يفقهن سر الرجال
لفظ عبد يقتضى الجسم الذي فيه عقلٌ فيه روح و الخيال
جمّل الفرد بنور جماله صار نورا فوق أعلى فوق عال
والله اسأل أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بهذا الكتاب كل من قرأه بفتح في نفسه ونور في قلبه وتقريب إلى ربه عزَّ وجلَّ.
( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )
(286البقرة)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

السبت 26 من جمادى الآخرة 1419هـ ، 17 أكتوبر 1998م .
العبيد الساجد على أعتاب مولاه طالباً لفضله ورضاه
فوزي محمد أبوزيد

الباب الأول: لَطَائِفُ الْمُرَادِينَ فِي إِسْرَاءِ النَّـبِيِّ الأَمِيِنِ

لَطَائِفُ الْمُرَادِينَ فِي إِسْرَاءِ النَّـبِيِّ الأَمِيِنِ ( )
الحمد لله الذي أنعم علينا بإسراء ومعراج سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، والشكر لله لأنه فتح الباب للأحباب حتى ينال أفراد من هذه الأمة بعض ما ناله رسل الله السابقون وأنبياء الله أجمعون .
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد كنز عقد النبيين، والجوهرة الفريدة في جبين الخلائق أجمعين، والماسة العظمى التي تفتح أبواب الفضل للطالبين والراغبين، والجوهرة القرآنية التي تضئ دياجر الظلام للواصلين والعارفين، صلوات الله وسلامه عليه، صلاة نعيش فيها في أنواره، ونقتبس منها بعض أسراره، ونتحلى بها بقدر جماله، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين .
فبشرى بمعراج الحبيب وأسراه
وبشرى لنا نلنا مشاهد معناه
الحمد لله يا إخواني كلنا حفظنا القصة ... قصة الإسراء والمعراج، وما ظهر فيها وما حدث فيها، وبعضنا يحفظها عن ظهر قلب، ولكن جال في خاطري شئٌ من معاني هذه القصة؛ عبرة للسالكين، ونوراً للواصلين، وبهجة للمقربين، فأحببت أن أبين لإخواني بعض ما تفضَّل به الله عزَّ وجلَّ عليّ .
الإعْـدَادُ للإسْـرَاء
والقصة تبدأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان نائماً، بعض الروايات ذكرت أنه كان نائماَ في حجر سيدنا إسماعيل، وبعضها قالت أنه كان نائماَ بالقرب من زمزم، وبعضها قال أنه كان نائماً في دار بنت عمه السيدة أم هانئ رضى الله عنها وأرضاها - والكل يتفق أنه كان نائماَ - ثم جاء سيدنا جبريل عليه السلام ، و الكل يتفق أنه أيقظه من نومه ، ثم قال له كما روى بعض الصالحين: قم يا نائم! فقد هُيئّت لك الغنائم!!!.
قال: ماذا يا أخي يا جبريل؟ ... قال: الكريم يدعوك إليه!!!.
قال: وماذا يفعل بي؟ ... قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر .
قال: هذا لي ، فما لأبنائي ؟ و عيالي ؟ و أطفالي؟، ... قال:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [5الضحى].
قال : الآن طاب قلبي ، ها أنا ذاهب إلى ربي.
وبعد ذلك نزل جماعة من الملائكة مع جبريل - كما تذكر الروايات - وأضجعوه وأناموه بجوار الكعبة، وشقُّوا عن صدره، ثم أخرجوا قلبه، ووضعوه في طست، وغسلوه بماء زمزم ، ثم نزلت جماعة أخرى من الملائكة، ومعهم طست مملوءاً إيماناَ وحكمة ، وملؤا قلبه بالإيمان والحكمة من هذا الطست، ثم جاء بالبراق، وركب البراق، وشاهد الآيات التي في عالم الملك (عالم الدنيا) - و كلنا و الحمد لله نحفظها - وصلَّى بالأنبياء في بيت المقدس، ثم نزل المعراج، فعرج به في السماوات العلى، وصلى بأهل كل سماء ركعتين لله عزَّ وجلَّ ، حتى وصل إلى سدرة المنتهى ، إلي آخر القصة التي نعرفها .........
عِبْرَةُ الإسْرَاءِ للْحُكَمَاء
ما العبرة التي نأخذها من هذه الأحداث التي ذكرناها الآن ؟
قصة الإسراء و المعراج: هي قصة الوصول إلى الله ، و قصه معرفة الله ، وقصة إشراق الأنوار وظهور الأسرار بقلب اتصل بنور الله، وهي قصة الخروج من الظلمات إلي النور ، وأيضاَ قصة المسافرين الذين يسافرون - ليس من بلادهم أو محافظاتهم - و لكن يسافرون من أنفسهم وحظوظهم، وشهواتهم وأهوائهم؛ إلى ربهم عزَّ وجلَّ ، فكأنهم يقولون ما قاله الإمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه:
منى أسافر لا من كوني الداني
أفردت ربي لا حورٍ و ولدان
أي أسافر من نفسي، وليس ممن حولي، .... فالسفر الحقيقي إلى الله عزَّ وجلَّ كيف يبدأ؟، وكيف ينتهي؟، وما مكاشفاته؟، وأنواره ؟، و تجلياته ؟
كل هذا موجود في قصة الإسراء و المعراج !!!!! ...
بل إن شئت قلت: كل هذا موجود في آية واحدة من كتاب الله عزَّ وجلَّ:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾
[1الإسراء]
كل شئ موجود في هذه الآية!!، من بداية القصة إلي نهايتها، وإن كان يغيب عن الناس العاديين، لكن أنتم والحمد لله - بما آتاكم الله من نورانية وشفافية - تظهر لكم لمعات، وتظهر لكم قطفات من الأنوار في هذه الآيات، تعرفون بها بعض فضل الله علينا!!، وعليكم!!، وعلى الأمة المحمدية كلها!!.

يَقَـظَـةُ أَهْلِ الْعِنَـايَة
فالإنسان منا يكون نائماَ - في بداية شأنه - عن الواجب عليه نحو مولاه!، ولكنه يقظ لمطالب جسمه!، ونفسه!، وشهواته!، نائماً عن المطلب العالي للروح؛ والروح ليس لها مطلب منَّا، إلا مطلب واحد: أن تصلهـا بمبدعها ومنشئها عزَّ وجلَّ.
فهي لا تريد أكلاً!!، ولا شرباً!! ، ولا لفَّـاً!!، ولا دورانـاً!!! ....
بل كل ما تريده .... مطلبٌ واحدٌ:
أن تحظي بالفضل و الرضوان في معيَّة الحنَّـان المنَّـان عزَّ وجلَّ .
وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
تحنُّ الروح للعليا و تهوى منازل أنســـها بعــد البيــــان
وعند شرابها للراح صرفا تمزّق حجب أعراض الكيان
فالروح تحنُّ للمطالب العليا من الأنوار، والأذكار، والأسرار، والفتوحات، والمكاشفات، .... ولا تحن لأكل ... ولا شرب .... ولا نكاح، ... فهي لا تحنُّ إلا لجمال الله، أو أي شئ يتصل بكمال الله عزَّ وجلَّ، لأنها منبع الكمالات فيك.
لكن النفس لأن صفتها النقص دائماً، ترسلك إلي ما يشابهها.
فلما يتحقق مطلوب الروح ويأذن الله عزَّ وجلَّ بالفتوح، ... يرسل الله رسول الإلهام، ورسول الإلهام هذا ملك، فكل شخص معه ملك يرشـده، ويوجِّهه، ويلهمه، ومعه شيطانٌ يزيِّن له، ويوسوس له.
ولما يأذن الله بالقرب للعبد:
قد يكون نائماً في أودية الدنيا، سواء كان محجوراً عليه من النفس، حجرته في الملذات والشهوات والحظوظ، فهذا يكون مثل النائم في السجن، أو نائماَ في الطمأنينة وراحة البال ونعيم الدنيا، ونسى الآخرة ومطالب الروح ومطالب الله عزَّ وجلَّ، فيأتي ملك الإلهام ويوقظه، ويقول له:
........... قم يا نائم!!!! ... من نومة الغفلة، أو رقدة الجهالة، فقد هُيّئت لك الغنائم الإلهية من الإسراء، والفتوحات، والمكاشفات، والملاطفات.
بُـرَاقُ الأحِــبَّــة
فإذا استجاب: ... لابد أن يمسك مشرط المحبة، ولا يوجد شخص يمشى في طريق الله إلا على براق المحبَّة؛ لأن المحبَّة هي التي ستهوِّن عليه الطريق، وتسهِّل له كل صعب - وذلك حتى في الدنيا:
فعندما يحبُّ الإنسان المال، يتحمل في سبيله ويترك زوجته وأولاده، وينام في الغربة، ولا يأكل ما يحبُّ، وكل هذه الأشياء في سبيل الحصول على مطلوبه؛ لأنه يحب المال، ومع أن هذا مطلب دنىٌّ، فمن الممكن أن يتعرض للإساءة والهجر والقطيعة، ويتحمل هذا كله في سبيل الحصول على المال!! مثال آخر: .... شخص يحب امرأة، وجائز أهلها لا يريدونه، فتجده يلفُّ من هنا وهناك كي يحصل عليها.
ولكن حبَّ الله أرقى وأرفع، لأنه عزَّ وجلَّ قال: لا تصفوا حبَّ الله بشئ في الدنيا - مثل حبِّ المال أو الآباء أو الأولاد أو الأمهات، ولكن قولوا:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ﴾ [165البقرة]
فكلُّ الحبِّ للأشياء الأخرى لا يعادل ذرَّة من محبَّة المؤمنين لربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، هذا الحبُّ هو الذي يهوِّن الصعاب، ويسهِّل الطريق، ويعين الإنسان على بلوغ المراد، ويفتح بواسطة الحبِّ صدره ويخلع منه حظَّ الشيطان ، ويملأ القلب إيماناً وحكمة .
إشْرَاقَاتُ عَـالَمِ الْمَعَانِي
ولكن أين الإيمان والحكمة؟
أصحاب السنن يروون: أنهم أتوا للرسول بطست مملوءٍ إيمان وحكمة، ولكن هل الإيمان والحكمة شئ حسِّيٌّ أم معنوي؟، شئ معنويٌ طبعاً، وهل الشئ المعنوي يوضع في طست؟!!، لا ..!! ، ولكن الله يريد أن يعرّفنا حقيقة غالية: ... { أن المعاني في المعاني مباني }، فالأرواح معاني ولكن مع بعضها تكون مباني، وكل روح متميزة عن الأخرى، يكلمون بعضاً لأن هناك فوارق بينهم، فالملائكة عالم كله معاني، ولكن مع بعضهم يكونون مثلنا، ... يتحدثون مع بعض، ... وكل واحد مكلف بتكليف خاص به من الله عزَّ وجلَّ، ... أو من رئيسه المباشر من كبار الملائكة عليهم السلام.
لكن الإيمان والحكمة، فيهما إشارة عالية:
هي أن من يريد أن يسير إلى الله؛ لابد أن يأخذ علم الإيمان والحكمة من رجل أخذ هذه الأشياء من سماء فضل الله عزَّ وجلَّ، ولا يأخذهم من الكتب أو من الجماعة الذين ليس عندهم إشراقات روحانية ولا شفافية نورانية، فالكلام يحيي القلوب طالما أنه صادر من قلب حيٍّ، أما إذا صدر من قلب ميِّت، فلا يؤثر في المرء، وقد قال في ذلك الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه في حِكَمِهِ :
{ كما أن كل ماء لا ينزل من السماء لا ينفع - في سقي الزرع (الماء الراكد مثلاً)، كذلك كل علم لا ينزل من سماء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يرفع القلوب إلى مقام القرب من علام الغيوب عزَّ وجلَّ}.
إذن العلم الرافع: ... هو العلم النافع النازل من سماء فضل الله عزَّ وجلَّ في الحال على العباد الذين اجتباهم الله واختارهم الله عزَّ وجلَّ .
هذا هو العلم الذي اعترض عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان شيخ الإسلام في زمانه - ولما دخل وقابل سيدي أبا الحسن الشاذلي ، وكانوا جالسين في الخيمة في المنصورة في معركة لويس التاسع، والعلماء كل واحد منهم أخذ يدلي برأيه في مسألة من المسائل، والشيخ ساكت، وفي الآخر قالوا للشيخ: نريد أن نسمع رأيك في هذه المسألة؟ ...
فأفاض عليهم ما ألهمه به الله عزَّ وجلَّ ، فخرج ابن عبد السلام كطفل صغير!!، وأخذ ينادي على باب الخيمة: هلموا!! ... فاستمعوا إلى هذا العلم الحديث عهد بالله عزَّ وجلَّ ، أي استمعوا إلى هذا العلم النازل طازجاً من الله عزَّ وجلَّ .
هذا العلم الذي يحرِّك القلوب ويطهِّرها، ويصفِّيها ويقرِّبها إلى معاني حضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ.
يمحو الكيان بعاليه و سافله
علمٌ من الله بالإلهام في الوصل
فالذي يستطيع أن يمحو الكيان، ويجعله ينساق إلى الله عزَّ وجلَّ، هو علم الإلهام، لأن له جاذبيَّـة غريبة وعجيبة في قلوب المشتاقين والمحبين!!! ... بل وقلوب المؤمنين أجمعين. وما علامته؟ ... ، قالوا:
{ إذا كان الكلام عن النور يحدث لسامعيه السرور }
أي فذلك دليل على أنه وارد من عالم البرزخ.
ولو فتح الله للبعض عيون البصائر!!.. ، لرأوا القلوب الجالس أهلها في هذه المجالس، وكأنها مشدودة بخيط رفيع من النور لله عزَّ وجلَّ، فلا تستطيع أن تقوم!!، ولا أن تتحرك يميناً ولا يساراً!! ... لأنها مشدودة!!!، ومن الذي شدّها؟!!! ... هو الله!!، كي يضع فيها العلم النافع النازل من سماء الله عزَّ وجلَّ.
وإذا امتلأ القلب بهذا العلم الإلهامي ... تنفعل له الجوارح، ويصير الإنسان بعد ذلك في عالم الناس، وحاله كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾
[122الأنعام]
نُـــورُ الْبَصَـــائِرِ
هل من يسير بهذا النور يكون مثل أي شخص آخر؟
سأضرب لكم مثلاً لتعرفوا الفرق بين الاثنين؛ ... أحياناً نرى رجلاً أخذ الدكتوراة في العلوم الفقهية والشرعية والحديث، ومع ذلك نراه يرتكب المعاصي!!، إذن أين علمه؟ لماذا لم يمنعه؟
وتارة نرى رجلاً أميَّـاً لا يقرأ ولا يكتب!!، ولكن عنده وازع في باطنه يمنعه من المعاصي، حتى أنه قد يتعرض لأمور وفتن شديدة ، ومضايقات، بل واضطهاد، ولكنه يرفض أن يفعل المعصية، لأن النور الذي ينزل مع علوم العارفين، والذي يقولون فيه :
{ تسبق أنوارهم أقوالهم ؛ فتجذب القلوب وتهيأها لسماع الغيوب }
هذا النور: ... هو الذي يمنع الإنسان عن معصية الله عزَّ وجلَّ:
وعندما يأتي في دنيا الناس؛ يرى المعاصي مثلما رآها رسول الله، ويرى الطاعات مثلما رآها رسول الله - ولكن طبعاً صورة على قدره، وليس الصورة كلها - فيرى المعاصي لو تهيأت له على أنها جهنم، وعلى أنه سينزل فيها!!، إذن هل يفعلها؟ ... لا، وهذا ما يقول فيه الله سبحانه وتعالى:
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾
[5-6التكاثر]
فمن يتعلم علم اليقين؛ يرى جهنم في المعاصي، وقد يصل الأمر إلى أن بعض الناس يرون الخلائق على هيئتهم الباطنية، فنحن جميعاً مثل بعض ظاهرياً، ولكن الصورة الداخلية: يظهر فيها حقيقة الإنسان، ونيَّته، ولبُّه.
فهناك أناس يعيشون في الدنيا ، وكل همهم الإقبال على شهوة الطعام والشراب، وهؤلاء يقول عنهم الله:
﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [12محمد]
وهناك أناس ليس لهم همٌّ في الدنيا إلا شهوة الفرج، ويقول عنهم الله:
﴿أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. [179 الأعراف]
فالذي عنده يقين؛ يمنعه هذا اليقين عن معصية الله عزَّ وجلَّ .
إذن ما الذي يمنع الإنسان من المعاصي ؟ لا يوجد شئ إلا حجاب العلم الإلهي ، وحاجز النور الرباني الذي ينزل في القلب ، ويمنعه من هذه المعاصي ، ويريه هذه الطاعات ، ويعرِّفه أنها رياض الجنَّات ، فيرى المجلس الذي نحن فيه الآن ، ليس مجلس علم فقط ولكنه روضة من رياض الجنَّة، وهذه حقيقة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال:
( إذَا مَرَرْتُمْ برِيَاضِ الْجَنَّةِ فارْتَعُوا ، قالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قالَ حِلَقُ الذِّكْرِ)، وفى رواية: ( مجالِسُ العِلْمِ ) ( )
فالإنسان الذي يرى هذه المجالس روضة من رياض الجنة!! ماذا يفعل؟!! يجري ويسارع إلى هذه المجالس لطاعة الله عزَّ وجلَّ، ويرى هذه المشاهد - وهي كثيرة وكثيرة - يراها العارفون والواصلون والمتحققون بعد صفاء اليقين، وبعد عمارة قلوبهم بنور ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، حتى أنك تسمع أن بعضهم يرى الشخص ويعرف إن كان جُنُباً أو طاهراً؟، ويقول له: قم واغتسل!!، ويرى الشخص ويعرف إن كان عاقاً لوالديه؟، ... أو باراً بهما ؟، ... ويرى آخر ... ويعرف إن كان صادقاً؟، ... أو كذاباً ؟، ... أو مغتاباً .... الخ.
يعرف هذا كله عندما ينظر في وجه الشخص الذي أمامه؛ لقوله عزَّ وجلَّ:
﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [273البقرة]
وهذا في الأنبياء والمرسلين، وفي المقربين بعدهم إلي يوم الساعة:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [75الحجر]
فهم الذين يرون بنور الله الأشياء الخفيَّة الموجودة في صدور ورؤوس عباد الله.
وهذه الحالات إذا تمكن فيها المرء:
يرى في هذه اللحظات ... الصادقين والمرسلين والنبيين، لأنه قد بدأ يمشي على الطريق الصحيح الموصل إلي الله، يأتونه ليعلِّموه، ويوصِّلوه، ويبشِّروه؛ فكلما ينام، أو إذا قوى في عالم المثال!!!، يرى نفسه في حضن نبيِّ من أنبياء الله، يتكلم معه، ويأخذ منه شيئاَ مما أعطاه له الله عزَّ وجلَّ.
فدائماً عندما ينام يجد نفسه مع فرد من الأفـراد الوارثين، أو مع ولى من المقربين، أو مع صدِّيق من الصديقين، فهو إذن ينام مع الأرواح النورانية؛ فيساعدوه، ويغذُّوه، ويعضدوه، ويبشروه؛ لكي لا تفتر عزيمته، ولا يكلّ، ولا يملّ، ويظلّ في الإتجاه الصحيح إلي الله عزَّ وجلَّ.
فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ بالرؤية الصالحة: أصبح فيه قبساَ من نور القلوب، قال صلوات ربى و تسليماته عليه:
(الرُؤْيَا الْصَالِحِةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ.) ( )
عُـــــرُوجُ الأرْوَاحِ
فيكون فيه جزء من النبوَّة يدفعه إلي بقية الأجزاء، و بالتالي يعرج إلي الله، والمعارج إلي الله هي نفس المعارج التي عرج عليها رسول الله، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [1 الإسراء]
فلو قال بنبيِّه أو برسوله، لكان الباب بالنسبة لنا مغلقاً، ولكنه تعــالى قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ أي أن كل شخص أصبح فيه صفات العبودية الكاملة لله يعرج بروحه إلي الله عزَّ وجلَّ، والفارق بينه وبين رسول الله ... هو أن الشخص العادي يعرج بروحه، أمَّا النبي فكان معراجه بالروح والجسد معاً، وفي سبيل عروجه إلي الله يمرُّ بسبع طرائق، وهي التي أشار إليها رسول الله بالسموات السبع.
ففي السماء الأولى كان سيدنا آدم، وفي الثانية شاهد سيدنا عيسى، وفي الثالثة إدريس، وفي الرابعة شاهد سيدنا يوسف، وفي الخامسة سيدنا هارون، وفي السادسة سيدنا موسى، وفي السابعة شاهد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وبعد ذلك وجد البيت المعمور؛ وهي السبع مراحل التي يمرُّ بها السالك حتى يكون قلبه بيتاً معموراً بأنوار الله وبأسماء الله وبجمالاته عزَّ وجلَّ.
فلما يُمَتَّع بالرؤيا المنامية والتزكية الروحية من الأنبياء و المرسلين؛ يخرج من طور الآدمية وصفاتها التي تنازعه لكي يتجمَّل بالجمال الروحاني، فلا يحرمه الله من شئ، بل يقول له خذ ما تريده، ولكن كما أريد أنا وليس كما تريد لنفسك.
فإذا أخذ كلَّ ما أُمِرَ وفق شرع الله، ومتأسياَ فيه بفعل النبي؛ أصبح يمشي على الصراط المستقيم، وعلى النهج القويم، فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ واستطاع بنور البصيرة أن يخرج من صفاته الآدمية؛ مثل الغضب، الجهل، المنازعة .. الخ، ويتجمَّل بالصفات المحمَّدية، ويرقى عن رتبة الآدمية؛ فيحييه الله كما أحيى ( يحيى ) الحياة الإيمانية الروحانية، السليمة، ويُلْقى عليه روحاً من عنده، كما ألقى على عيسى عليه السلام:
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [15غافر]
يُلقى عليه الله روحاَ من عنده؛ فيجعل حياته كلها روحانية نورانية، ويبدأ في مقام المدارسة؛ ليس للكتب!! ولكن للإشراقات الإلهية والعلوم الربانية في الكائنات، لأن الله عزَّ وجلَّ أودع في الكائنات من العلوم والكنوز ما يحتار فيه العقلاء والعلماء؛ ولكنه لا يبيحه إلا لمن صفت قلوبهم، وطهرت نفوسهم، وأصبحت قلوبهم مشرقة بنور الله عزَّ وجلَّ .
وبعد أن يدرس الآثار الكونية، والأسرار الربانية، والعلوم الوهبية ؛ يتجلى الله عليه بجمال روحاني، كالجمال اليوسفي الذي متّع به يوسف، فكل من يراه يحبُّه، وكل من تقع عينه عليه يريد أن يجالسه ويأتنس به، ويكون معنياً بقول الرسول صلى الله عليه وسلَّم :
( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِني أُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ )( )
وأهل السماء هم الذين يريدون أن يسموا بإيمانهم، ويرتفعوا بأرواحهم؛ ليكونوا مقربين عند الله عزَّ وجلَّ.
يُحِبـُّــــهُ كلُّ قلبٍ مطهَّرٍ لِي صلَّى
له الملائكُ تَسْجُد سِجُودُهَا لِى قَبْلاً
فكل الناس تحبُّه من أجل السرابيل الروحانية التي جمَّله بها الله عزَّ وجلَّ، ويراه أهل الوداد نور الهدى يتجلَّى؛ فيرون أن هذا نور من عند الله، نزل ليكشف لهم مراتب القرب من الله عزَّ وجلَّ، فيجالسوه، ويتوددوا إليه، لأنهم يرونه نوراً نازلاً من الله عزَّ وجلَّ.
وجمال النور ليس جمالاً جسمانياً، ولكنه روحاني كالذي كان مجملاً به سيدنا يوسف عليه السلام، وبعد هذا الجمال الروحاني والتشريف الرباني؛ يتفضل الله عزَّ وجلَّ عليه بالحكمة الروحانية، وسيدنا هارون عليه السلام كان يسمى هارون الحكيم؛ لأنه كان حكيماً في تصرفاته، حكيماً في أقواله وأفعاله وخصاله، وفي كل منازلاته:
﴿ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[269البقرة]
وبعد أن يأخذ الحكمة، ويصبح رجلاً حكيماً في كل تصرفاته وسكناته وفعاله وخصاله، يقرِّبه الله إلي حضرته، ويناجيه، فيكون مفترشاً التراب، ولكنه يناجي الله عزَّ وجلَّ، مثل سيدنا موسى كليم الله:
فقد كان يتكلم مع الله، ولا يشعر به من يجاوره!!.
ولقد جعلتك في الفؤاد محدّثي
وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم منّى للخليل مؤانس
وحبيبي قلبي في الفؤاد أنيسى
وقد سألوا سيدنا عليًّا رضِيَ الله عنه وقالوا له: كيف حالك مع الله؟، فقال:
{ عبدٌ إذا سكتُّ ؛ إفتتحنى بالكلام، وإذا دعوت ؛ لبَّاني، وإذا سألت؛ أعطاني.}
حتى أنه وصل به الأمر ذات يوم أن قال لهم:
{ سلوني قبل أن تفقدوني!، فو الله لو سألتموني عن شئ في السموات أو في الأرض، لأخبرتكم به}.
وهذا مقامٌ يكون صاحبه مع الله .. ما نطق به لسانه، ... وتحركت به شفتاه، ... بسرِّ قوله عزَّ وجلَّ فى الحديث القدسى:
( أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ ) ( )
وفيه يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
يا لساني ذكرت من تهواه
ما تقول؟ فقال قلت الله
يا فؤادي شهدت من تهواه
ما رأيت؟ فقال نور سناه
وقد يسأل بعضنا: هل أمثال هؤلاء الناس موجودون؟
نعم!!!، موجودون في كل زمان ومكان!!، ... إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، .... لكن الناس الذين شغلتهم الأمور المادية لا يرون هؤلاء الناس.
فإذا أزاح الإنسان ستارة المادة، ورأى بعين البصيرة!!، ... يجدهم موجودين في كل زمان ومكان، ... إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولا تظنوا أن هؤلاء الناس موجودون في مصر فقط!!، ولكن هناك في أمريكا، وجنوب أفريقيا، والسنغال، والنيجر، وأوروبا، وروسيا، وفرنسا!!!، ... فكل مكان في العالم - وصله نور الإسلام - يوجد فيه هذه الأصناف؛ لأن هذه حكمة الله، ونور الله المنتشر في الأكوان، ولا ينطفئ مدى الزمان أو المكان، .... بل يزيد!!!!.
شمس الحبيب الهادي أنوارهــــا في ازدياد
فكلمَّا تزيد ظلمة الكفر؛ تزيد أنوار الهداية ... لتواجه ظلمة الكفر.
والآن نرى قوة الكفر، وحبائل المسيخ الدجال معهم، إلا أن نور الإيمان ساطع، ونور الإسلام ظاهر، لأن الأنوار الموجودة توسِّع القلوب، وتُمدُّها وتُهيِّئها، ولكنا لا نراهم، ... لأنهم يعملون من وراء حجاب الأسباب، وهم قائمون مدى الزمان والمكان، ... إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها!!!.
الْمُكَالَمَـــــــةُ وَالْخُـلَّــــــــــــة
وعندما يصل الإنسان إلي مقام المكالمة ...
يصل إلي حال يذكر الله فيه ليس باللسان فقط، ولكن بكل حقيقة من الحقائق الظاهرة والباطنة!! ... فالعين تذكر!!، ... والأذن تذكر!!، ... والأنف يذكر!!، ... وكل شعرة تذكر!!، ... وكل ظفر يذكر!!، ... وكل حقيقة من الحقائق الظاهرة والباطنة تذكر الله!!، ... وليس بلسان الحال!!، ولكن بلسان فصيح!!.
هنا تحولك محبة الله .... إلي مقام الخليل.
تخّللت موضع السّر منّى وبذا سُمِّي الخليل خليلاً
فالخليل ....
هو من أصبحت محبَّة الله في كل ذرة من ذراته، وفي كل حقيقة من حقائقه؛ حتى أن رجلاً منهم كان نازلاً بغداد ... وآخر قذفه بحجر فجاء في رأسه، ... فنزل الدم من رأسه، ... وكتب: الله ... الله ... !!
بعد أن يرقى إلي هذا المقام الكريم - مقام الخلَّة - يكون خليلاً لله عزَّ وجلَّ ؛ فيعمِّر الله عزَّ وجلَّ حقائقه العالية والدانية بأنواره العالية الروحانية، ويلقى عليه الله عزَّ وجلَّ نَفْسَاً قدسيَّة من لدنه، تكون بمثابة الرفرف الأعلى الذي يعرج به إلي قاب قوسين أو أدنى!!، ... ولذلك ... فالأفراد الروحانيون المجاذيب العيسويون، نهايتهم سدرة المنتهى.
ولكن يطلع بعد ذلك الأفراد - الذين أفردهم الله عزَّ وجلَّ لحضرته، ولم يكن في قلوبهم ذرَّة من غيره ذكره سبحانه وتعالى ومشافهته، وهؤلاء يعطيهم الله روحاً من عنده .... خاصة بهم!!، يعرجون عليها إلي مقامات السرِّ ... التي لا يطلع عليها ملك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، وإنما كما قال عزَّ وجلَّ :
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [10النجم]
هذه باختصار مراتب السير و السلوك إلي الله عزَّ وجلَّ .
والعبد الذي يرتقي في هذه المراتب ... تعرض عليه الجنة، ومنازل القرب، وخزائن فضل الله، وخزائن كرم الله، وجمالات الروحانيين من ملائكة الله، فإذا كان يريد شيئاً من هذه الأشياء!! .. يقف عندها، لكن الرجل المفرد لله بالقصد، كلما أراد أن يقف عند حقيقة ... نادته هواتف الحقيقة:
{{ لا تقف، إنما نحن فتنة، والمطلوب أمامك!! }}
مِعْـرَاجُ أبِي يَزِيـدٍ الْبِسْطَامِى
وفي هذا رُوىَ عن سيدي أبي اليزيد البسطامي ما رآه في المعراج، وقد روى ذلك أحد تلاميذه:
أنه خرج وراءه بعد صلاة العشاء - دون أن يدرى به - فدخل خلوته، ووقف على قدم واحدة يناجى الله عزَّ وجلَّ - حتى قرب مطلع الفجر - ثم صلَّى، وأكمـل ركعتين خفيفتين، فالتفت فرآه، ... فقال له: ... منذ متى أنت هنا؟
قال: ... منذ صلاة العشاء، قال: وماذا تريد؟!!.
قال : أريد أن تبين لي شيئاً مما رأيته في هذه الليلة!!، ... فقال له: لن تستطيع تحمل ذلك!!، ... فأخذ يتوسَّل إليه، فقال له: سأظهر لك شيئاً تستطيع تحمله ....
لمَّا وقفت بين يديه عزَّ وجلَّ:
أخذني وطاف بي عوالم الملك و الملكوت كلها، حتى وصلت إلي سدرة المنتهى، وكلما وصلت إلي عالم من العوالم، قلت له : مرادي غير هذا!!، ثم كاشفني بعوالم السماوات، وأنا أقول: مرادي غير هذا!!، ثم أدخلني الجنَّة وكاشفني بما أعدَّه فيها للمقربين والصديقين والشهداء والصالحين، وأنا أقول له: مرادي غير هذا، ثم كاشفني بعوالم اللوح والكرسي والعرش؛ كل هذا وأنا أقول له: مرادي غير هذا ... !!!
فأوقفني بين يديه، وقال لي: ماذا تريد؟، ... فقلت: أريد ألا أريد!!!، .... فقال: أنت عبدي حقاً، ... وأنت وليى صدقاً. ... لماذا؟!!! ......
لأنه لم يلفته شئ - من زهرة الدنيا، ولا من أنوار الآخرة، ولا من الجمالات الروحانية - عن مطلبه الأعلى، ... وهو الوصول والاتصال بالله عزَّ وجلَّ .
و الوصول ليس بالمفهوم الحسي، ولكن كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
بلا كمّ ولا كيف ولكن بأنوار تعالت معنوية
لأن هذه أشياء فوق العقول، وفوق الأرواح، بفيض من فضل الكريم الفتاح عزَّ وجلَّ على عباده المؤمنين.
وقد أحببت أن ألفت نظر إخواني إلي هذه الفصوص من الحكمة الإلهية؛ التي لو خرج منها فصٌ واحدٌ إلي هذه الدنيا!!؛ ... لكفى كلَّ العلماء والحكماء!! ... إلي ما شاء الله عزَّ وجلَّ!!!، ....
لكن لهذه الحكم الروحانية أنوار قدسيَّة، لا تفاض إلا لمن أخلوا قلوبهم عن الشهوات .. والحظوظ .. والأهواء، .. وكانوا خالصين لله عزَّ وجلَّ:
عبيد أخلصوا لله ذاتــــاً
وقاموا صــادقين بحُسن نيَّة
فلم تشغلهم دنيا وأخرى
عن الإخلاص للذات العليَّة
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

الباب الثاني: مُعْـجِزَةُ الإِسْـرَاء

مُعْـجِزَةُ الإِسْــرَاء( )
الحمد لله الوهَّاب العليم ... يفتح على عباده المؤمنين من علومه العليَّة، وأسراره الوهبية؛ ما لا يخطر على البال، ولا يمر بعقل ولا خيال، وإنما هي منح من فضل ووهب الواحد المتعال عزَّ وجلَّ.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، الذي جعله الله عزَّ وجلَّ نوراً ساطعاً لكل روح آمنت بالله؛ في مُلك الله أو ملكوته، فهو"صلى الله عليه وسلَّم" في كل حركة من حركاته، أو سكنة من سكناته، أو طرفة من طرفاته؛ كنوز من العلوم والأسرار، لا يدر بها إلا الأخيار، فصلوات الله وسلامه عليه، صلاة نقع بها جميعاً على كنز الكنوز، وسر الأسرار، سيدنا ومولانا محمد وأله الأخيار، وأصحابه الأبرار، وكل من تبعهم إلي يوم القرار، ... أمين.
إخواني وأحبابي: كل عام وأنتم بخير جميعاً.
رحلة الإسراء انفردت بصفات ونعوت غريبة وعجيبة، فهي معجزة .. والمعجزة هي الأمر الخارق للعادة الذي يأتي على غير السنن المرعية والقوانين الإلهية التي تنظم الحياة الكونية، والمعجزات تفضل الله عزَّ وجلَّ بها على كل الأنبياء والمرسلين، فما من نبي أو رسول إلا وأيده الله بمعجزات من عنده. وحكمة المعجزة؛ كأن الله يقول للمشاهد لها، والمبّلغين بها: هذا عبدي و رسولي، وصدق فيما بلغكم عني، فاتبعوه. ... أي أنها دليل على صـدقه، وتأييد من الذي أرسله عزَّ وجلَّ .
لكن لو نظرنا إلي معجزات السابقين، نجد أن المعجزة لمن هم حاضرون وقتها؛ يعني حتى الناس المعاصرون لهذا الزمن - ولكن في مكان آخر - لا يرونها!!.
أما معجزة الإسراء ... فنجدها تختلف عن كل المعجزات، فهي معجزة للسابقين، ومعجزة للاحقين، وفي كل زمان يظهر إعجازها لأهل هذا الزمان، مع أن الزمن الذي حدثت فيه انتهى، لكن في كل زمان تنكشف أسرار من هذه المعجزة الباقيـة، وليس هذا فقط!!، ... بل إنها معجزة للبشر جميعاً!!!.
فهي معجزة للمؤمنين، كما أنها معجزة للكافرين، ومعجزة للإنس، والجن، وللملائكة على كافة أصنافهم وأنواعهم وأشكالهم، وكل واحـد منهم له نصيب معلوم، وقدر صرفه له الحي القيوم - في هذه المعجزة الباقية الخالدة، وتظل بعد ذلك تلك المعجزة على هيئتها وعلى حالتها، وكل يبيِّن على قدره، ولكن قدر هذه المعجزة لا يعلمه إلا الذي قال في شأنها:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾
[1الإسراء]
وكلمة ﴿ سُبْحَانَ ﴾: تعني التنزيه الكامل لله عزَّ وجلَّ. فكل الأفكار التي وردت في عقول العلماء، وكل الأسرار التي أذاعها الحكماء عن رحلة الإسراء والمعراج، لم تصل إلي الغاية أو إلي القدر الذي شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فكل من رأى، أو بيّن، أو خطر على باله، أو ألهم من الله عزَّ وجلَّ بشئ في شأنها، عليه أن يعتقد - في نفسه وفي قلبه - أنه ما أوتى من العلم في هذه المعجزة إلا أقل القليل من الله عزَّ وجلَّ، وهذا حتى لا يأتي أحد ويقول: الذي عرفته في شأن هذه المعجزة لا يوجد غيره!!، أو يأتي أحد ويقول: تفسير فلان لهذه المعجزة لا يوجد غيره!!، أو الحكم التي اكتشفها ووضحها الشيخ فلان ... لا يوجد غيرها!!.
لأن فيها كنوز ليس لها حدّ، وأسرار ليس لها عدّ، وإمداد من الله عزَّ وجلَّ، والله عزَّ وجلَّ ... لا نفاذ لقدرته، ولا نهاية لكلماته عزَّ وجلَّ.
عَجَائِبُ الإِسْــرَاء
ومن العجب أن الإسراء - المعجزة الخالدة - تكشَّف بعض منها في هذا العصر، وما زالت البقية تأتي ، لأننا نعتقد أن هذا العصر هو عصر القرآن ؛ أي عصر بيان القرآن:
﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [19القيامة]
أي نحن نبيِّنه، فأنت تقوله وتردده، ونحن نبيِّنه. كيف نبيِّنه؟!!
كل زمان على حسب علماء الزمان، وأحوال الزمان، وعقول أهل هذا الزمان!!، فيبين الله عزَّ وجلَّ إلهاماً على لسان العلماء في هذا الزمان شيئاً من أسرار هذه المعجزة الكريمة، ولذلك فأنا أهمس في أذن إخواني من العلماء بارك الله فيهم؛ أننا يجب أن نمشي على روح هذا العصر.
فالعلماء السابقون لم يكن عندهم سوى الروايات التي سمعوها، وهذه الروايات - لأن العصر كان عصر قصص وحكايات وروايات - دخل فيها كثير من الإسرائيليات، وكثير من الخيالات، مثل قصة الإسراء والمعراج التي ينسبونها لعبد الله بن عباس رضِيَ الله عنه - وهو منها برئ - ولذا فعلينا أن نمحص هذه الروايات، ونتحقق من هدفها، وخاصة أننا نجد القصة الصحيحة مذكورة في البخاري ومسلم وكتب السنن، وقد جمع الإمام السيوطي رضِيَ الله عنه وأرضاه معظم هذه الروايات (67رواية) للإسراء والمعراج عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
سِرُّ تَعَدُّدِ رِوَايَاتِ الإِسْرَاء
لماذا تعددت الروايات؟!!!.
لأن القصة لما وقعت لم يكن القوم يستطيعون تحملها، والعقول ليست متشابهة في درجة الذكاء والإدراك، وكذلك القلوب تتفاوت في التسليم والإيمان.
ولذا فرسول الله صلى الله عليه وسلَّم عندما رجع من رحلته ، تحدث عن الإسراء فقط في مكة، أما المعراج فلم يروِ منه شيئاً في مكة، لكن لما ذهب إلي المدينة، وجلس مع المؤمنين في المدينة، كان يحدثهم عن المعراج، فكلما يجالس قوماً يحدثهم على قدرهم، وعلى قدر ما تستوعبه عقولهم، وعلى قدر ما تتحمله قلوبهم، فهذا سمع رواية، وهذا سمع رواية أخرى، وهذا سمع رواية ثالثة، والكل نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وبقى في صدره صلى الله عليه وسلَّم أكثر من هذا!!، وإليه الإشارة بقول الله:
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [10النجم]
إذاً تعدد الروايات ... كان لتعدد الحظوظ العقلية، وحظوظ السامعين في الفهم والإدراك، وهذه كانت بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلَّم:
( أُمِرْنَا أَنْ نْكَلمَ النَّاسَ عَلَى قَدَرِ عُقُولِهِمْ ) ( )
فلا يأتي في جلسة عامة .. ويتكلم عن المشاهد الخاصة في الإسراء والمعراج!؛ لأن هذا لا يجوز، ولا يأتي في جلسة خاصة .. ويتكلم عن نصيب العـوام في الإسراء والمعراج!، بل يؤتي كل روح حقها ونصيبها من رحلة الإسراء والمعراج الشاملة للجميع، والتي فيها معاني وأسرار للسابقين واللاحقين.
فالذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبين الأنبياء والمرسلين، ذكر عنه صلى الله عليه وسلَّم لمحات قليلة جداً!!، والذي دار بينه وبين أهل كل سماء في الروايات هو: { من؟. جبريل، ومن معك؟ محمد، مرحباً به فلنعم المجئ جاء }، وكل أهل سماء كانوا مستعدين لهذا اللقاء، وهذا اللقاء كان فيه أسئلة!! واستفسارات!!، وفيه علوم !! وفيه حقائق!!، أين هي؟!!، لم يذعها رسول الله!، وكان يحفظها كل أهل سماء لأنهم مؤمنين، وأمروا أن يتَّبعوا سيَّد الأولين و الآخرين.
حِكْمِـةُ الْمِعْــــرَاج
وكان الهدف الأسمى من الرحلة ... أن يعطى صلى الله عليه وسلَّم لكل طائفة نصيبها، وقد قال في ذلك الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
وحكمة إسراء الحبيب إغاثة
لعالمه الأعلى و رحمة حنّان
ولم يك رب العرش فوق سمائه
تنزّة عن كيف و عن برهان
ولكن لإظهار الجمال لأهله
من العالم الأعلى و نيل أمان
فكانت الرحلة لكي يعطى لكل طائفة نصيبها من رحمة الله عزَّ وجلَّ؛ لأنه رحمة الله للخلائق أجمعين، وما نصيب هؤلاء؟!!، ... لم يبح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لمن حوله، لأنهم لا يستطيعون تحمله!!، ماذا دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبين ملائكة الجنَّة حين زارهم؟!!، لم يذكره لأننا لا نستطيع تحمله!!.
فكل روحاني - من عوالم الله عزَّ وجلَّ - كان له نصيب في تلك الليلة من رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكل زمان له نصيب، فالذين كانوا مع الرسول في زمانه لا يعرفون إلا بيت المقدس!!، فلا يعرفون السماء؟ ولا النجوم؟ ولا الكواكب؟.
عَرْضُ الإِسْرَاء عَلَىَ أَهْلِ مَكَّةَ
ولذلك فقد حدَّث الذين في مكة عن بيت المقدس:
فطلبوا الدليل عليه، بأن يذكر لهم الأبواب والنوافذ؟، ... فذكرها ووصفها وبيَّنها لهم صلى الله عليه وسلَّم، فطلبوا دليلاً مادياً على سيره من مكة إلي بيت المقدس؟، فأخبرهم عن قافلتهم التي تاه منها جمل فدلَّهم عليه، وقد عرفوه بصوته، وأخبرهم عن القافلة الأخرى التي نزل عليها، وكشف سقاءها وشرب من مائها، وهذا دليل مادي للذين يقولون أن الإسراء بالروح! ، وهل الروح تشرب؟!، فأعطاهم دليلاً مادياً.
حتى أن أبا سفيان عندما ذهب عند هرقل وسأله عن رسول الله؟، فأحب أن يضع شيئاً عليه صلى الله عليه وسلَّم يفقدهم الثقة فيه، فقال: إنه يزعم ويدَّعى أنه جاء عندكم وزار بيت المقدس ورجع، وكان بالمجلس أحد الرهبان الذين يعملون في بيت المقدس، فقال أنا أعرف هذه الليلة – هو يريد أن يضعها ( أى أبو سفيان ) وشاية!! فجعلها الله عزَّ وجلَّ دليلاً!!- قال الراهب: أليست ليلة كذا؟
قال: نعم!، قال: وكيف عرفت؟!، قال: أنا كل ليلة لا أنام إلا عندما يطمأن الخدم على غلق أبواب المسجد، وفي هذه الليلة كان هناك بابٌ لم يستطيعوا إغلاقه، فأحضرت النجار، وحاول غلقه فلم يستطع!!، فقلت له: اتركه حتى الصباح. فبات هذا الباب مفتوحاً - وهو الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - فلما جاء الصباح! لم يحتج الباب إلي نجار!! .
فكان هذا الحديث على قدر عقول أهل مكة .
بَيَـــانُ الْمِعْرَاجِ للْمُؤْمِنِين
وعندما جاء إلي المؤمنين بالمدينة، وهم يعرفون الجنَّة والنَّار، وسدرة المنتهى، والعرش، والكرسي، والملائكة، .... فأخبرهم عن هذه الأشياء، ليبين الدلائل للذين يريدون أن يعرجوا بعده بأرواحهم إلى الله عزَّ وجلَّ!!، فقال لهم:
تعالوَا أعطِ لكم العلامات التي وضعها المرور النبوي على الطريق، حتى يأخذوا بالهم من المطبات، والعثرات، والأماكن التي تمنعهم من الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، فيبيَّن لهم العلامات الخاصة بهم. فالعلامة الأولى هي الدنيا، وهكذا ... وهذا للجماعة الثابتين الذين يريدون السير إلى الله عزَّ وجلَّ.
أما الواصلون؛ فقد وصف لهم كيفية اجتماعه بالأنبياء في بيت المقدس، ثم مشاهدتهم له في السماوات العلا، وعندما يذهب إلى النبي، والنبي يسأل سيدنا جبريل من؟، فيقول: جبريل، ومن معك؟، فيقول: محمد، فيقول: أو قد بعث؟!!، فالذي يسأل آدم وعيسى ويحي وهارون ويوسف، وكل واحد منهم يسأل بالكيفية التي أوردناها، وقد صلُّوا وراءه صلى الله عليه وسلَّم، بل أن سيدنا موسى سلَّم عليه في القبر، ورجع صلَّى وراءه، ثم قابله في السماء السادسة!!!.
إذن فهو هنا يعلِّمهم الأحوال العليَّة، والهيئات النورانيَّة التي تتشكل فيها العوالم الروحانيَّة، وهذه علوم خاصة وأسرار خاصة، لا تتكشف إلا لخاصة الخاصة، فكلُّ جماعة لهم علم، ولهم حال، ولهم أسرار في رسالة الإسراء والمعراج.
الإِسْـــرَاءُ وَالعَصْرُ الْحَدِيث
الذي أريد أن أقوله لإخواني: أننا الآن لسنا في عصر الرواية، فعصر الرواية قد انتهى، وعصر القصص والروايات قد انتهى، وماذا يلائم عصرنا من حديث الإسراء؟.
أن نبيَّن الحكم والأسرار التي أظهرها العصر، وأظهرتها علوم العصر في كتاب الله، وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأن الله وعد بهذا حيث قال:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [53 فصلت]
ولم يقل : " سنريكم "، لأنكم آمنتم والحمد لله وسلمتم، بل قال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، أي: الكافرين والمشركين والجاحدين، ولم يقل:" نريهم "، بل قال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، يعني في المستقبل!!، فالسين للمستقبل، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾، وفي الأنفس!، لماذا؟
حتى يتبين لهم أنه الحق، أي حتى يعرفوا أن هذا الكلام هو الحق، وأن الله هو الملك الحق، وأن سيدنا محمد هو النبي الحق صلى الله عليه وسلَّم.
فكيف بيَّنهــا لهم؟!! ... هم يرونها الآن، ولكني أريد أنا وأنت أن نربطها لهم بالآيات القرآنية والأحاديث المحمديَّة، لأنه لا يعرف آيات القرآن، ولكن من أين يعرفها؟ منك أنت!!.
فالرجل العالم الكندي "كينيث مور"، الذي ألفَّ أكبر مرجع في علم الأجنَّة (سبع مجلدات ) - وهذا هو المرجع المعتمد في كل كليات الطب في العالم - عندما تقابل مع عالم مسلم في يوم من الأيام، ودار بينهما حوار، وقال (العالم المسلم) له: هذا الكلام الذي قلته يوجد عندنا في آية واحدة!!، فقال له: أين؟، فتلى عليه قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [12-14 المؤمنون].
ترجم له معانيها بالإنجليزية - مع أن كلمات القرآن مستحيل أن تترجم، لكن الله يمنُّ على الناس الصادقين، ويضع في الترجمة ( ما دام فيها صدق ) شيئاً من إشراقات أنوار اليقين - وأول ما قرأ الآية، قال الرجل: هذا الكلام هو الذي أفنيت عمري أدرس فيه!!!، وقد ذكر كل هذه الحقائق بالتفصيل .
الرَّبْـطُ بَيْنَ الدِّيـنِ وَحَقَائِقِ الْعِلْم
فهؤلاء الناس يريدون منَّا أن نتابعهم، ونوجههم، ونربط بين الآيات القرآنية والأحاديث المحمدية وبين الأشياء العلمية، هذا هو البيان الملائم للعصر!!.
لا يحتاج مني أن أحكي القصة، لأن الناس حفظتها، ولكن استلهم العبر من الأشياء التي في القصة ... مثل:
لماذا بدأ الله الآية بـــ " سبحان ":
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [1الإسراء]؟
لأن هذا شئ فوق طاقة البشر، فالسابقون سمعوها هكذا وسلَّموا، لكن نحن الآن! وبهذه المعجزة نزيد إيمان ويقين البشر!! ... فالبشر الآن لما أراد الله عزَّ وجلَّ أن يبيَّن كتابه؛ ألهمهم صنع التليسكوبات الفلكية الهائلة!!، وألهمهم صنع مركبات الفضاء!!، وألهمهم صنع أنواع الوقود التي لا عدَّ لها ولا حصر لها، ... ومنها الوقود النووي!!، .... لينطلقوا في الأكوان!!، لماذا؟ ...
﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [101يونس]
لينظروا قدرة الله، فيخروا ساجدين لكلام الله عزَّ وجلَّ.
ولذلك أنتم جميعاً تذكرون أن أول رائد فضاء أمريكي أسلم في القاهرة عندما سمع الآذان، وقال: ما هذا؟، قالوا له: هذا آذان المسلمين، فقال: هذا الذي سمعته على القمر، مع أن العلم يقول أنه على سطح القمر لا يوجد هواء ينقل الصوت!! ولا يوجد شئ يشير إلى الحياة، كماء أو زرع!!!، إذن الله أرسله إلى القمر ليؤمن هنا في القاهرة!!، فكان هذا سبب الهداية!!، فالحمد لله ... العلم هو الذي هداه للإيمان.
إذا كنا الآن في العالم الذي نعرفه - حتى الآن - نرى قدرات مذهلة لله عزَّ وجلَّ، ولأنها فوق طاقات البشر، فلابد أن تكون هناك قوى عظمى لله عزَّ وجلَّ أوجدت هذه الطاقات، ... فعندما يأتي الإنسان الآن ويرى بالأجهزة الحديثة الكلام الذي قاله القرآن - وكان قد نزل على رجل أميّ، لم يكن عنده أجهزة ولا بحوث علمية ولا قوانين كونية - فإن ذلك يعطي مؤشراً أن هذا الكلام من الله!!، وأن هذا الرجل جاء به من عند الله!!، وأن هذا الدين هو الدين الحق!!.
هذه يا إخواني الأشياء التي يجب أن نلتفت إليها، ونبينها لإخواننا المسلمين، لأن الملحدين يشككون في هذه الأشياء، فمثلاً قصة الإسراء والمعراج:
كل المستشرقين في الفترة السابقة كانوا يشككون فيها، ولما جاء عصرنا أصبح العصر نفسه شاهداً على إسراء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلَّم، لأن العصر نفسه اكتشف أن هناك سرعة إسمها سرعة الضوء، وهي ثلاثمائة ألف كيلومتراً في الثانية، وعندما حسبها العلماء وجدوها السرعة المذكورة في كتاب الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [47 الحج].
ضَوَابِطُ الْرَّبْـطِ بَيْنَ الْدِّيـنِ وَالْعِلْم
فالحقائق العلمية تشرح وتوضح الآيات القرآنية، وعصرنا الآن هو عصر العلم، قال صلى الله عليه وسلَّم لأصحابه:
( إِنَّكمْ قَدْ أَصبَحْتُمْ في زمانٍ، كثيرٍ فقهاؤُهُ، قليلٍ خُطَباؤُهُ، كثيرٍ مُعْطُوهُ، قليلٍ سُؤَّالُهُ، العَملُ فيهِ خيرٌ مِنَ العِلْمِ، وسيأتي زمانٌ - وهو الذي نحن في الآن - قليلٌ فقهاؤُهُ، كثيرٌ خطباؤُهُ، وكثيرٌ سُؤَّالُهُ، قليلٌ مُعطوهُ، العلمُ فيهِ خَيرٌ مِنَ العَملِ ).( )
العلم فيه خير من العمل!!، لأنني عندما أرد مسلماً عن شكوكه التي في عقله نحو مسألة من مسائل الدين أو العقيدة، هل هذا أفضل للمسلمين أم صلاة النافلة التي قد أشعر فيها بنفسي فامتلأ غروراً وتكبراً؟!!، عندما أردُّ هذا المسلم إلى الحق، وأبيِّن له الطريق المستقيم؛ فهذا عمل أفضل، لأن نفعه تعدَّاني إلى غيري، وهذا العمل داخل في قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً
إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [8آل عمران]
فمن الذي يردُّ الناس من الزيغ ؟!!، العلماء العاملون والصالحون الذين كل همُّهم تثبيت اليقين في قلوب المؤمنين، وزيادة الإيمان في قلوب الموحدين، ونمو الإحسان في قلوب المحسنين، وصفاء القلوب لصفاء المشاهدة في أرواح المؤمنين .
فالجهاد الأعظم يا إخواني في هذا العصر هو جهاد العلم، ولكن هناك ضابطان:
الضابط الأول: ألا أحضر شيئاً علمياً ثم أضعه على كتاب الله أو سنة رسوله، أي أحضر نظرية لعالم افترضها، ولم تثبت علمياً بعد، وألوى الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية لتأكيدها، وإنما القوانين العلمية التي أصبحت ثابتة ويقينية ... هي التي لا تتعارض إطلاقاً مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا ما يجعل كل يوم علماء - لا حصر لهم ولا عدَّ لهم - من دول الشرق والغرب يدخلون في دين الله.
لأنه بعد أن يصل إلى العلم اليقيني ... يذكر له شخص مسلم آية قرآنية واحدة يكون هو قد وصل إلى نتائجها بعد التجارب العلمية والأبحاث والاكتشافات والمجاهدات، وقد ذكرها الله في القرآن في آية بسيطة!!، أو في كلمة واحدة!!، وهذه الكلمة لا يستطيع أن يغيِّرها، أو يبدلها، أو يجئ بكلمة أخرى تحل محلها!!! ... ، من أين هذا الكلام؟!!.
يعرف عندئذ أن هذا الكلام من عند الله عزَّ وجلَّ، وأنه تنزيل من الحميد المجيد، وأن هذا هو الصدق الذي جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم، وهكذا ... فالقوانين العلمية اليقينية هي التي قد نؤيد بها حقائقنا الدينية.
فلا يجوز الآن في عصرنا ... أن نركزَّ في حديثنا لشخص تارك للصلاة على عذاب القبر الذي يتعرض له فقط!!، ونعتقد أن هذا وحده هو الذي يجعله يلتزم بالصلاة!!، لكن لابد أن أوضح له: ... ماذا تفيد الصلاة بالنسبة للمخ؟ والجوارح؟، وكيف تفيده نفسه؟، لأنه يريد أن يعرف هذه الأشياء التي تفيده؟، والقرآن بيان لهذه الأشياء في هذا الزمان.
وهذا لا يعني أننا نلغي كلام السابقين، ولكن لكل زمان دولة ورجال، وهذا هو النهج الصحيح للعلماء الذين سبقونا، والذين كانوا على نهج الرسول صلى الله عليه وسلَّم. فالإمام الشافعي في بغداد عمل مذهباً فقهياً، ولما جاء إلى مصر وجد أن أهل مصر لهم أحوال وأعراف تختلف عن أهل بغداد، فترك مذهبه السابق ... وهو فقه مقنن ومقيد، وعمل مذهباً جديداً يتلاءم ويتواكب مع أهل مصر.
وغنى عن التعريف ما حدث له مع ابنة سيدي أحمد بن حنبل، عندما تركوا له الماء ووجدوا في الصباح الماء كما هو، وسألها أبوها: ما رأيك في الشافعي؟، فقالت له: فيه ثلاث خصال ليست في الصالحين!!؛ لم يقم الليل، وصلى الفجر بدون وضوء، وملأ بطنه من الطعام!! ..، قال لها والدها : إذا عُرف السبب بطل العجب، وعلينا أن نسأل الإمام الشافعي في ذلك، فقال لهم عندما سألوه:
في هذه الليلة أكرمني الله عزَّ وجلَّ وحللت مائة مسألة كلها- تهم المسلمين!، فهل حل المائة مسألة أفضل؟ أم صلاة ألف ركعة؟، قال: والفجر صليته بدون وضوء!، لأني منذ صليت العشاء وأنا متوضأ!، ولم أنم. فقيامه: أن يجلس بين يدي المتفضل يطلب العلم! والفضل من الله ويستمطر كنوز المعرفة من الله .. هذا قيامه!.
وهذا كان نظام الأئمة الأعلام رضِيَ الله عنه وأرضاهم ولكل زمان دولته ورجاله. فالثوب واحد ، ولكن حُلّة هذه السنة وموديلها ... غير السنة السابقة أو اللاحقة ، وإن كان هو نفس القماش!، ولكن على العالم أن يفصِّل القماش على قدر الزمان!، ولا يصح لعالم من أهل اليقين ... أن يقف على المنبر ويفصِّل للناس جلباباً كان موجوداً ... في القرن الثاني أو الثالث ..!!!.

تَنْقِيَّـةُ الْقَصَصِ الْدِّيِنِي مَنْ الْخُرَافَات
في عصور الجهل انتشرت الخرافات، وعلينا الآن أن ننقِّي تراثنا من هذه الخرافات، ومن ذلك الكتاب الذي سمُّوه " وفاة النبي "، لكي يكثر توزيعه بين أصحاب المكتبات، وكتبوا عليه" وفاة النبي لمعاذ بن جبل رضِيَ الله عنه وأرضاه ، وسيدنا معاذ لا يعرف الكتاب!، ولم يؤلفه!، ولكنهم يريدون المكاسب الباهظة من أي وجه ، وكتاب وفاة النبي نجد فيه أشياءاً لا يقبلها الإنسان العادي ، وليس الإنسان المتعلم عن الموت وشدته وضربات السيف ، ولكن العلم الحديث لم يقل هذا الكلام ولا النبي صلى الله عليه وسلَّم ولا القرآن ، فعندما يأتي شخص ويحكي هذا الكلام للناس ؟ ، هل ينشر الإسلام بذلك أم يحاربه ؟ ، عندما تكلم النبي عن الموت قال:
( لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلتُبْعثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ ) ( )
هذا كل شئ ، والمؤمنون عندما يموتون ... يقول فيهم الله عزَّ وجلَّ :
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [32 النحل]
لم يضربوهم ، بل حيَّوهم ، وقالوا لهم: سلام عليكم.
فالذي جاء من المطار إذا كان مجرماً أو مطلوبا يلقون القبض عليه، ... إذا كان معه ما يستلزم دفع جمارك أو غرامات يخرج من الخط الأحمر، ... وإذا كان رجلاً عادياً يخرج من الخط الأخضر، وإذا كان من الوجهاء والأعيان ... يستقبله الحرس الجمهوري ويخرج من قاعة كبار الزوار.
ونفس الشئ يحدث في الآخرة ، فأنا من هنا طالع على مطار الآخرة ... فإذا كنت من وجهاء المؤمنين؛ فالاستقبال رائع!! حرس من الجنة، وحرس في كل سماء من السماوات السبع، كما قال الحديث:
) يُشَيِّعَهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا) ( )
أين الضرب؟!! ... لأناس آخرين قال الله فيهم:
﴿الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [50 الأنفال]
إذن هذا ليس للمؤمنين، وإنما للكافرين والجاحدين ... لعنة الله عليهم أجمعين، وعلى هذا فأنا محتاج أن أظهر البيان القرآني الصحيح، وأنقي منه هذه الأشياء الغريبة. بعض الأخوة الأفاضل يقول: الناس تحب القصص، فنقول له: هذا شئ جميل، قصص القرآن موجود وفيه الكفاية، وقصص النبوة أيضاً فيها الكفاية، لكن لا ينبغي أن أردّد الروايات التي وضعها اليهود ليظهروا الدعوة الإسلامية بصورة لا تليق.
إِعْجَازُ الْقُـرْآنِ الْعِلْمِى
وهناك بند آخر هو الآيات الكونية الموجودة في القرآن ، فمعجزة القرآن التي كانت موجودة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كانت ملائمة للعصر ، فلأن العرب كانوا أناساً في قمة البلاغة والفصاحة، أظهر لهم الله عزَّ وجلَّ قمة البلاغة والفصاحة في الكلمات القرآنية والآيات الإلهية!!.
أما الآن فلم يعد مجال الإعجاز القرآني في الفصاحة والبلاغة فقط، ... بل هناك الإعجاز العلمي في الآيات الكونية التي في القرآن.
فلو تحدث أحد من العلماء عن تفسير الزلزال للقرطبي، عندما فسر ظاهرة الزلزال وقال: إن الأرض يحملها ثور على قرن واحد، فإذا تعب الثور نقلها على القرن الآخر فيحدث الزلزال: ... فمثل هذا لا يجوز!!.
وإنما يجب أن أدرس ظاهرة الزلزال وكيفية حدوثها، وأطبقها على كلام الله، وسأجد أن كلام الله هو القول الفصل، كما قال صلى الله عليه وسلَّم :
( هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ) ( )
وكذلك قول الله عزَّ وجلَّ فى كتابه الكريم :
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [32 الأنبياء].
فالنجوم ، والكواكب ، والشمس ، والقمر ، وهذه الأجرام كلها ، لها سقف غير سقف الأرض التي بها ماء وهواء ، فلماذا لا تنزل ؟ ...!!.. ، لأن لها جاذبية عملها الله!، وهي من سقفها ... في حدود مائتي كيلو متر تحفظها ، لأنه لو كان هناك ثقب صغير لتسرب الهواء .
وكذلك الطبقة التي تمنع الأشعة الشديدة من السقوط على الثلج الذي خزنه الله، لأنه مخزن الماء لنا .
فالماء جزء منه في الهواء، وجزء منه في البحر، وجزء منه في المناطق القطبية جمّده الله عزَّ وجلَّ، وعندما تنزل هذه المياه على هيئة ثلوج مجمدة ، تطفو ولا تهبط إلى القاع( )، حتى لا تجف البحار ويموت السمك من البرودة الشديدة ، ولكن تسير على وجه الماء لكي تذوب وتحفظ درجة حرارة الماء في المناطق السفلى ، كي يعيش السمك والحيوانات ...
فلو ذاب الثلج كله ؛ لصار طوفاناً مثل طوفان نوح عليه السلام .
فالسقف المحفوظ شئ آخر غير المعلومات التي عرفناها من قبل ، إذن لابد أن نجدِّد معلوماتنا ، ونعرّفها للناس في هذا الزمان ؛ لنبين لهم جمال القرآن ، وتبيان القرآن الذي يقول فيه الله عزَّ وجلَّ :
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾
[19القيامة]
وطبعاً لا يوجد رجل واحد يستطيع أن يبينه كله :....
ولكن كل عالم في تخصصه : ... فالمهندس يحاول أن يبين هندسته في كتاب الله عزَّ وجلَّ ، وعالم الطبيعة يبين الظواهر الموجودة في كتاب الله عزَّ وجلَّ ، والمحامي يبحث في القوانين الإلهية ويقارنها بالقوانين الوضعية .
لأن العالم كله في القريب العاجل راجع لكتاب الله ...
فالعالم كله يتخبَّط ... وفي النهاية سيجد الاقتصاديون أنه لا ينفع إلا القوانين الاقتصادية التي في كتاب الله ، وسيجد المشرّعون أنه لن ينفع أبداً إلا قوانين وأحكام القرآن وهكذا ....
فنحن نريد أن يوضح كل شخص من إخواننا الجمال الذي في القرآن الذي يتناسب مع العصر الذي نحن فيه ، ويطبق معاني القرآن الصالح لكل زمان ومكان على العصر الذي نحن فيه وقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
( كُونُوا كَالْطَّبِيبِ الْرَّفِيقِ يَضَعُ الدَّوَاءَ فِي مَوْضِعِ الْدَّاءِ ) ( )
وكذلك يراعي الإنسان مستوى السامعين : فعندما يقول بعض العلماء : .... من لا يخرج الزكاة يجئ له الشجاع الأقرع في قبره ..... إلى أخره ، أقول أنا له شيئاً آخر يلائمه : .......
عندما تخرج الزكاة تكون قد وقعت تأمين مع الشركة الإلهية ، وبمقتضى هذا العقد تخرج أنت العشر أو نصف العشر ، وهم يتولوا حفظك ، وحفظ أولادك ، ويعطوك بركة في أرزاقك ، ويعطوك بركة في عقول الأولاد ... وهكذا عندما توضح له هذه النواحي العلمية .... سيقبل على كتاب الله ، وعلى رسوله .
وليس معنى ذلك أن نترك تراثنا الماضي :
ولكن هذا ما أمرنا به الله عزَّ وجلَّ عن القرآن:
﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[49 العنكبوت].
ولذلك فأجدادنا السابقون الذين أخذت أوربا عنهم العلم، كانوا يربطون بين العلم والدين، فمثلاً :....
ابن سينا ... طبُّهُ مربوط ربطاً وثيقاً بآيات الله وأحاديث رسول الله .
والرازي ، وكذلك البيروني في علم الفلك ، والخوارزمي كذلك ، ...كلهم كانوا يربطون بين العلوم وبين القرآن .
وعندما ذهبت هذه الكتب إلى أوربا : ... وكان رجال الكنيسة يفرقون بين الدين والعلم ، طبقوا ذلك على اتصال الدين بالقرآن، أما نحن فعلينا أن نرجعها إلى عهدها السابق، وإلى ما كانت عليه في البداية :
فنربط آيات الله عزَّ وجلَّ بالعلوم الحديثة التي ثبتت مصداقيتها، وأصبحت علوماً ثابتة، وهذا هو الجهاد الأعظم في زماننا الآن ...
ومن فضل الله عزَّ وجلَّ علينا ... أنه هيأ كثيراً من المسلمين وغيرهم لإثبات هذه الحقائق، وعليك أنت أن تزيح الستار عما في هذه الكتب، وتبين جمالها لإخوانك المسلمين، وهذا جهاد العلماء في هذا الزمان.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا العلم النافع، والقلب الخاشع، والعمل الرافع، وأن يجعلنا قرآنيين في أخلاقنا، وفي تذكيرنا، وفي علمنا، وفي سلوكنا، إنه ربُّ الخير على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثالث: إِسْـرَاءَاتُ الْصَّالِحِين

إِسْــرَاءَاتُ الْصَّالِحِين ( )
بسم الله الرحمن الرحيم
ببركة بسم الله نستفتح كنوز فضل الله، وبسرِّ أسماء الله نستلهم كنوز فضـل الله، وبسرِّ القلب المحمدي نفتح كل باب عَلِيٍّ جعله الله عزَّ وجلَّ لكل قلب تقيٍّ، فالحمد لله على ما أولانا، والشكر لله على ما أعطانا، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يزيدنا تقى وهدى وعفافاً وغنى أجمعين.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله، سرِّ الأسرار العلوية، وكنز الهدايات الربانية، ورمز الاصطفاء والاصطناع للحضرة الأزليَّة، وعلى آله وصحبه، والوارثين لأمره، والداعين بإذنه، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، آمين. وبعد ...
إخواني وأحبابي: بارك الله فيكم جميعاً
نَصَيبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الإِسْرَاء
إسراء سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فيه لكل مسلم نصيب، ولكل مؤمن عطاء، ولكل محسن مشاهد، ولكل موقن تجليات!!.
فالأمة كلها مكرمة بإسراء ومعراج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وإن اختلفت الدرجات، وتفاوتت المقامات، لكن الكل مكرَّم بإسراء ومعراج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومن أجل ذلك فكلنا نقول ونردِّد الكلام الذي قاله الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
فبشرى بمعراج الحبيب وإسراه وبشرى لنا نلنا مشاهد معناه
فكلُّنا لنا البشرى بمعراج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، بعضنا يأخذ مشاهـد المعـنى، وبعضنا ينظر إلى الآيات في عالم المبنى، وبعضنا يُكرَم ويُكرَم من كنوز التقوى، ومن مخازن الإلهامات والفتوحات والتفضلات الإلهية، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!! ... والكل مكرم يا إخواني!!.
eمَقَــامُ الْعُبُــودِيَّة
ونحن- والحمد لله- الآن في جلسة خاصة، ونريد أن نأخذ عطايا نصل منها إلى بعض كرم الله في إسراء حبيب الله ومصطفاه، الذي يناله العباد الذين تجملوا بالعبودية لله عزَّ وجلَّ، لأن الإسراء خصّه الله عزَّ وجلَّ بنبيكم الكريم، ولكنه فتح الباب لجميع الأحباب، فقال عزَّ وجلَّ:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [1الإسراء]
لم يقل بنبيِّه، لأنه لو قال بنبيه أو برسوله كان هذا قاصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لكن كلمة (عبد) فتح بها الباب لكل من يصل إلى مقام العبودية الكاملة لله عزَّ وجلَّ، فكل من يصل - بالتخلق بالأخلاق المحمدية، والتعلق بالصفات الإلهية - إلى رتبة العبدية أو إلى مقام العبودية؛ فله نصيب من ميراث خير البرية في إسرائه ومعراجه إلى الله عزَّ وجلَّ.
فالحمد لله، فتح الله الباب لجميع الأحباب، لكن كل واحد يأخذ قسطاً من ميراث رسول الله في الإسراء، ولا يوجد في الأولين والآخرين أحد يستطيع يا أخواني أن يشاهد كل ما شاهده سيد الأولين والآخرين في وقت واحد، وقد أعطانا الله المثل، بالأنبياء السابقين وهم أعلى الرتب في القرب عند ربِّ العالمين، فمنهم من هو في السماء الأولى، ومن هو في الثانية، ومن هو في الثالثة، ومن هو في الرابعة، ومن هو في الخامسة، ومن هو في السادسة، ومن هو في السابعة. والملائكة أيضاً، منهم عمَّار السماوات، ومنهم سكان سدرة المنتهى، ومنهم حملة العرش، ومنهم خدم الجنان، ومنهم ملائكة وخزنة النيران، وكل جماعة منهم كما قال أميرهم جبريل عليه السلام:
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [164الصافات]
والذي هيمن على كل المقامات، والذي احتوى كل الدرجات، والذي مرّ بكل المنازلات، والذي أخذ كل كنوز الخيرات والبركات، ... واحد فقط:
هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.........
لكن الباقي ؛ كل على قدره ... ، كل واحد أخذ كنزاً يستطيع تحمله ، وعلى قدر ما له من منزلة كريمة عند الكريم عزَّ وجلَّ.

كُنُـوزُ الأَسْمَــاءِ وَالصِّفَـاتِ الْرَّبَانِيَّـة
فآدم عليه السلام أخذ كنز الأسماء والصفات:
﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء ﴾
[31البقرة].
وبعدما علَّمه الأسماء كلها - التي كانت معروفة في زمانه وأوانه - جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وقال: أن الأسماء أنواع وأصناف:
(أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أو اسْتٌّاثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ).( )
فهناك أسماء اختص بها الله في ذاته وفي نفسه، لا يُعلِّمُها ولا يُعرِّفها إلاّ لخاصة رجال الله، وهو سيدنا رسول الله!!، لكن آدم علم أية أسماء؟ ( بِكُلِّ اسْمٍ ... عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ)، الأسماء التي علَّمها للخلق علّمها لآدم عليه السلام، سواءٌ كان الخلق من الجن، أو الإنس، أو الملائكة، كل اسم عرفه الخلق في زمنه وعصره وأوانه، ... علَّمه له الله، ليعلمهم آدم ما تعلَّمه من مائدة الإكرام والإنعام من المولى عزَّ وجلَّ، لكن بعد ذلك الذي استأثر به في علم الغيب عنده، أمر آخر!!، ... كذلك ما سمَّى به نفسه، ولم يطّلع عليه أحد من خلقه، هذه كنوز!!، ... وما استأثر به في علم الغيب عنده، ... كنوز أخرى من الأسماء والصفات!!.
وما يعلِّمه الخلق؛ هي هذه الأسماء التي يتفضل الله بها الله على المقربين، والتي نزلت في الكتب السماوية هي الأسماء التي اختارها الله والتي تلائم جميع المستويات والتي نسمِّيها الأسماء التوقيفية مثل: الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد، الكريم، الوهاب، ... وهذه كلها موجودة في الكتب. وهناك أسماء خاصة يعطيها الله عزَّ وجلَّ لخاصة عباده، كل واحد يأخذ اسم على قدره، وهذا يكون اسماً خاصاً به، لا يوجد في الكتب - حتى القرآن الكريم - لكنها أسماء يستأثر الله بها، ولكنه يخص بها عباده عزَّ وجلَّ المكرمين، وهي أسماء خاصة أيضاً من الله عزَّ وجلَّ!!.
كل هذه الأسماء لم يطَّلع عليها كلَّها، ولا رآها كلَّها، إلاّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الْكِتَـابُ الْجَامِع
نأتي إلى سيدنا يحي في السماء الثانية:
﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [12مريم]
أي خذ الكتاب بشدة، وهذا الكتاب خصّه الله عزَّ وجلَّ به ، لكن كل الكتب السابقة هيمن الله عليها في كتاب الله ((القرآن الكريم)) وأطلع عليها سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ... فلا يوجد نبيٌّ تحدث بجميع ما في الكتب إلا هو، كل نبي كان مرتبطاً بكتابه:
سيدنا عيسى لا يتحدث إلا من الإنجيل، وسيدنا موسى لا يتحدث إلا من التوراة، وسيدنا داود لا يتحدث إلا من الزابور ، وسيدنا إبراهيم لا يتحدث إلا من الصحف ، لكن الذي تحدث عن الكلِّ ، واطلّع على الكلِّ ... هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، حتى عندما سألوه ذات مرة:
( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ صُحُفُ إبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالاً كُلُّهَا- قرأها كلها - ... وَعَلَى الْعَاقِل مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوباً عَلَى عَقْلِهِ، أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟ قَالَ: كَانَتْ عِبَراً كُلُّهَا ). ( )
فالذي اطلّع على الكل، وقرأ الكل هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
سِرُّ الْحَيَاةِ الْحَقَّـة
وإذا كان سيدنا عيسى خصّه الله عزَّ وجلَّ بأنه يُبرأ الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله، وينبِّئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خصّه الله بذلك في الناحية الروحانية.
سيدنا عيسى كان يبرأ الأكمه في عالم الأجسام، فالأخرس يشير إلى لسانه فيتكلم بإذن الله - بلسانه فقط، ولكن لا يستطيع أن يجعله يتكلم مع الحقائق، أو مع الملائكة ،أو مع العوالم العلوية، لأن هذه خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فكل من أراد أن يتكلم مع الحقائق التي أوجدها الله، أو مع ملائكة الله، أو عوالم الله، فشفاؤه عند سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وإذا كان يُحيي الموتى الذين يشير إليهم في زمانه، فقد كان يحييهـم للحظات ويرجعون إلى الموت مرة ثانية، لأنه لم يخلق لهم رزقاً، فكلما يُحيي الله الميت على يديه يكون للحظة ثم يرجع يموت ثانية، لأن الحياة الحقيقية يحتاج معها إلى رزق!!، وهذا ليس له رزق في الأنفاس، ولا رزق في الهواء، ولا رزق في الضياء، إنها لحظة فقط، ... يحييه ثم يرجع مرة أخرى إلى الموت.
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحيي النفوس بذكر الله، ويحيي القلوب بروح كتاب الله، فتحيا الحياة الباقية التي لا موت فيها، ولا موت بعدها، كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾
[56الدخان]
وليس في زمانه فقط :
ولكنه يحي موتى القلوب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، في كل زمان ومكان ، القلب الذي ينفخ فيه النبي العدنان يحييه الله الحياة الإيمانية ، قال تعالى:
﴿ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [24الأنفال]
ألسنا أحياءاً الآن؟!!! ... لا!!، نحن عايشين:
لأن هذه المعيشة مثل معيشة الأنعام، ومثل معيشة الكافرين - إذا كانت المعيشة أكل وشرب، ونكاح ولبس، وعلوٌ وجاه. فهي مثل هذه، لكن الحياة لا تكون إلاّ بالإيمان بالله ولا تكون إلاّ بكتاب اله عزَّ وجلَّ. من أين هذه الحياة؟!، ... لا تكون إلاّ من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهو الذي يتوقف عليه هذا الميزان:
﴿ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا ﴾ - والذي لا يحيى به: ﴿ وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
] 70يس [
إذن فلا حياة إيمانية إلا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

أَنْبَــاءُ الْغَيْـبِ
وإذا كان عيسى ينبئ الناس بما في بيوتهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان ينبئ الناس بما أدخره الله لهم في جنة المأوى، وبما أدخره الله لهم من المنازل العظيمة والمقامات الكريمة في يوم الدين، ... وأخبرهم صلى الله عليه وسلَّم بالسابقة، بما جهَّزه الله لهم وأعدَّه لهم في ديوان الأزل وفي ديوان الأبد - الأزل يعني: القدر السابق، والأبد يعني: القدر اللاحق - وكل ما يحدث للناس إلى: خالدين فيها أبداً. فلم يطّلع على الأزل، ... ولا على الأبد بما فيه، ... بأمر خالقه وباريه، إلاّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
الْجَمَالُ الْبَـاهِي
وإذا كان الله عزَّ وجلَّ أعطى يوسف الجمال الحسِّي، والذي لم ينتهِ النسوة عندما رأينه أن قطعن أيديهن من شدة حسنه وجماله!!، فقد أعطى الله حبيبه وصفيه الجمال الإلهي، الذي لا يطَّلع عليه ملك مقرب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا عَبْدٌ مؤمن إلاّ ويأخذه بكلِّه إلى الله عزَّ وجلَّ!!!.
وهو سرّ الجذبة الإلهية، فمن رآه أو تمتع بجمال محيّاه، أو نظر إليه بقلبه بعد فنائه عن حظّه وهواه، جذبه الله عزَّ وجلَّ إليه جذبة لا يرجع بعدها إلى عوالم الأكوان، إلاّ وهو في حصون الأمان:
﴿أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [82الأنعام]
وهكذا يا إخواني فالأمر يطول!!!، ... لو قارنّا بين عطاء الله لأنبياء الله ورسل الله، وبين عطاء الله الجامع والكامل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
ومن أجل ذلك كل واحد منا- وكما قلت- له نصيب في إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومعراجه، ... وهذا النصيب يتطلب أن يدخل الواحد إليه من الباب.
مَنَازِلُ الإِسْـرَاءِ
فإسراء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، منه إسراء في عالم الآيات، ومنه إسراء في عالم البرزخ، ومنه إسراء في عالم الأرواح، ومنه إسراء في عالم الملكوت، ومنه إسراء في عالم الجبروت، ومنه إسراء في عالم النعموت، ومنه إسراء في عالم الرحموت، ومنه إسراء في عالم الحي الذي لا يمـوت، وكل إسراء منها له باب يدخل منه الأحباب، فيمتعهم الله عزَّ وجلَّ ببعض ما رآه سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فِي عَالَمِ الآَيَـاتِ
فالإسراء الأول والذي عليه المعوَّل في عالم الآيات، وربنا فتحه للكلِّ، وقال لنا جميعاً:
﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [101يونس]
ليس هو بمفرده، بل كلنا جميعاً، ننظر للذي في السماوات والذي في الأرض، إذا تأهلنا!!. كيف هذا؟!!، كما شاهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فحتى يرى ما في السماوات وما في الأرض، ماذا فعل؟. اختلى بربِّه في غار حراء في غيبة عن الخلق، وفي غيبة عن الشهوات، وعن الحظوظ، وأخذ يتفكر في مخلوقات الله عزَّ وجلَّ، حتى وصل في هذا المجال إلى مقام مخاطبة الحقائق، فكان يقول صلى الله عليه وسلَّم فى معنى حديثه الشريف: كنت لا أمشي إلاّ وأسمـع كل شئ حولي يقول: يا محمد، كل شئ ينادي عليه، الحجر يقول له: يا محمد، ففى الحديث:
(إني لأعرفُ حَجَراً بِمكةَ كانَ يسلِّمُ عليّ قبلَ أنْ أُبعثَ، إني لأعرفُهُ الآنَ)( )
والشجر يقول له يا محمـد، والسماء تقول له يا محمـد، والأرض تقول لـه يا محمد. كل شئ ينادي عليه، وطبعاً لا ينادي عليه باللسان العربي وإنما بألسنتهم، وهو صلى الله عليه وسلَّم فتح الله عزَّ وجلَّ مسامع قلبه ليسمع أصوات الكائنات، وهذا السمع موجود عندنا!!، ولكنه يحتاج لما يفتحه!. ما الذي يفتحه؟، ... التفكر!!!.
خُـلْوَةُ الأَفْـرَاد
وكيف يتم التفكر؟ ... بعد أن يخلو الإنسان مع الله، ويخلو بنفسه!!
ليس معناه أن يبحث عن حجرة ويحددها كما كان في الزمن الماضي - تحت سلم أو باب عمارة ، ووضعوا لها شروطاَ: أن تكون على قدر واحد واقف، وقدر واحد جالس، وقدر واحد ينام - حتى لا يستطيع أن يدخل غيره معه فيها- وتكون مظلمة، ... هذه ليست هي الخلوة!!.
لأن الخلوة لا تنفع إذا دخلها الإنسان وما زالت الشرائط النفسية مملوءة بصور الأكوان، لأنه عندما يجلس فيها ستشتغل هذه الشرائط، وتكون في قلبه لأنه ما زال بعين عقله يرى من في العمل!!، ومن في الشارع!!، ومن في البيت!!. فما معنى الخلوة إذن؟!!، .... أن يخلو قلب الإنسان مما سوى حضرة الديان!!، وعند ذلك يكون وهو في السوق، أو في العمل، أو في الأتوبيس، أو في الشارع، يكون في خلوة!!، لأن خلوته بالله عزَّ وجلَّ. هذه - يا إخواني - هي الخلوة الحقيقية، أن يخلو القلب مما سوى الله عزَّ وجلَّ، وهي التي تقول فيها السيدة رابعة العدوية رضى الله عنها:
ولقد جعلتك في الفؤاد مُحدثّي و أبحت جسمي من أراد جلوسى
فالجسم مني للخليل مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسى
هذا هو الشأن!، وهذا هو المهم!. فالخلوة ليست خلو المكان، وإنما خلو القلب من مظاهر المكان، ومن علامات الزمان، وإلاّ: ( كيف يرحـل قلب إلى الله، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟!!!، أم كيف يرحل إلى الله وهو مُقيَّد ومكبَّل بشهواته؟!!)
فحتى يرحل إلى الله لابد أن يجلو المرآة!!، ولا ينفع التفكُّر - يا إخواني - إلاّ بعد ذلك. فنحن نتفكر الآن، ... ولكن في أمور المعاش، وأمور الأولاد، وأمور الزوجات، وأمور العمل، وأمور الدنيا.
وهذا كله فكر مطلوب، ولكن الفكر الغالب على أهل القلوب هو الفكر في الآيات الكونية التي تقرِّبهم إلى الله عزَّ وجلَّ، والذي يفتح باب الفكر ... فعلى الفور يعرج بروحه، كما عاتب الله أصحاب النبي - ونحن أيضاً - فيقول:
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾
[17-20الغاشية]
يعني هذه الأفلام معروضة ولكنا لا نراها، فنحن نريد أن نرى هذه الأفلام في عوالم الله، ونرى ما فيها من خصائص وقدرات؛ أودعها فيها الديان عزَّ وجلَّ.
خِطَابُ عَوَالِمِ الْحَقَائِقِ
ويقولون في هذا المجال: إن عوالم الحقائق تخاطب الإنسان بما فيها من خصائص أودعها فيها الله عزَّ وجلَّ فيتعلم منها؛ فالشمس تكلمهم عن المنافع والأسرار التي أودعها الله فيها، وكلفها الله بها، .... والقمر يعرّفهم في هذا المجال بلسان حاله، ... ولسان حاله المنافع التي أودعها الله عزَّ وجلَّ فيه، والنباتات والحيوانات وكل شئ من كائنات الله عزَّ وجلَّ يعلمهم هذه الحقائق.
والأولياء الذين ورثوا هذا المقام يا إخواني، هم الذين كتبوا لنا كتب الخصائص مثل: كتاب ]شمس المعارف الكبرى[ للشيخ البوني رضِيَ الله عنه وأرضــاه ، فقد شرح فيه خصائص النجوم، وكيف أن كل نجم له مهمة خاصة كلَّفه بها الله عزَّ وجلَّ ؟، ومما قال فيه:
{ لا تظنوا أن الطعوم، والألوان، والروائح من النبات، أو من المياه، أو من الهواء، لأن هذه الأشياء ليس فيها لون ولا طعم ولا رائحة - إذا فمن أين هذه الأشياء؟- قال: هذه نجوم خاصة، وكل نجم أعطاه الخاصية التي كلّفه بها الله عزَّ وجلَّ؛ فهناك نجم كلّفه الله باللون الأصفر، ونجم كلّفه الله باللون الأخضر، ونجم كلّفه الله بالطعم الحلو، ونجم كلّفه الله بالطعم المر، ونجم كلّفه الله بالطعم المزّ، وهذه النجوم هي التي خاطبتني وعرفتني هذه الحقائق!!، ... ونجم كلّفه الله بالحجوم، ونجم كلّفه الله بالأشكال }.
كل هذه لها خصائص معيَّنة، ولها نعوت معيَّنة موجودة في النجوم ، تكليف من الحي القيوم ، وقد عرَّفه الله مثل هذه الخصائص .
وهذا يا أخواني بابٌ واسعٌ- وليس باباً هيناً- يعلم به العارفون علوماً لا عدَّ لها ولا حصر لها ، لأنهم يعلمون فيها حكمة الأحكام ، وحكمة إيجاد الصنائع ، وحكمة إيجاد البدائع ، وحكمة خلق كل شئ في ملك الله أو ملكوته .
وهذا علم لا تسعه المجلدات!، فأي صنعة صنعها الله عزَّ وجلَّ حتى نبيَّن كل ما فيها من الحكم التي عرفناها تحتاج إلى مجلدات!، فكيف إذا عرف الإنسان سرَّ التخصيص فيها!، وسرَّ الحكم التي من أجلها أنشأها خالقها وباريها؟! ... إنه أمر يحتاج إلى شئ فوق الطاقة وفوق الإمكان!، ولكنه فضل يتفضل به الحنان والمنان على من يصل إلى هذا المقام في متابعته للنبي عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام. ومن أجل هذا عندما يروا هذه الأمور، ... ماذا يقولون؟!!:
﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ - يشهدون لله بالتَّنْزِيه وبكمال الوحدانية - ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [191آل عمران].
والنار هنا يعني الحجاب،... أي لا تحجبنا عن هذه المشاهد!، حتى نظـلَّ منعَّمين في هذا الهناء الكلِّي، ... هناء المشاهدات العالية التي يشاهدونها في آيات الله، وفي كون الله عزَّ وجلَّ.
هذا هو الإسراء الأول الذي رآه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الإِسْـرَاءُ إِلَى عَالَمِ الْبَرْزَخِ
أما الذي يريد الإسراء الثاني؛ وهو الإسراء إلى عالم البرزخ: ..... فهذا يتطلب من الإنسان أن يكون مثل أهل البرزخ، لأنه من الذي يستطيع أن يرى ويسمع من في القبور؟، ... الذي مات!، فهو الذي يستطيع أن يرى ويسمع ما في القبور!، ويعرف ماذا يجري في القبور!.
فكذلك الذي مات الموتة الإختيارية - فلم ينتظر الموتة العزرائيلية - فمات عن حظوظه، وعن شهواته، وعن أهوائه، ولم يعد له حظّ إلاّ في الله، ولا هوىً إلاَّ فيما يريده مولاه، ولا شهوة إلاّ في القرب والتقرِّب إلى حضرة الله؛ مثل هذا على الفور ... تكشف عنه الستائر، ويعرف ما في عالم البرزخ، كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾
]122الأنعام[
فليس نوراً في الآخرة، لأنه قال هنا: ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾
مَرْتَبَـةُ الْصِّدَّيقِيَّـةِ الْكُـبْرَى
والمثال له سيدنا أبو بكر رضِيَ الله عنه، فقد قال فيه صلى الله عليه وسلَّم فى معنى الحديث: ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَيَّتٍ يَمْشِي عَلَى وِجْهِ الأَرْضِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ). إنه ميت!!، لكنه يمشي في عالم الناس!!، لماذا هو ميت؟ ... لأنه انتهى عن الغيّ!، فلم يعد له حظ ولا هوى ولا شهوة إلاّ في الله ورسوله!!، ... فليس له شهوة في أكلة ولا شربة، ولا حظ في زي معين!، إلاَّ في ما يقيمه فيه الله، وما يتولاه به الله، وما يكرمه به الله عزَّ وجلَّ.
أما تلك الشهوات فلا تطرف منه عين!!، وفي نفس الوقت هو مثل الأموات ... فلا يغتاب أحداً، ولا يكذب على أحد، ولا ينهش عرض أحد، ولذلك ففي مرة سمعه رسول الله يلعن؛ فقال له:
( يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعَّانِينَ وَصِديقِينَ!!، كَلاَّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ).( )
انتبه إلي هذا الأمر جيداً، فالصدّيق لا يلعن أحداّ مهما كان!!، ... لماذا؟!! ... لأنه خُلق خاص به. وفي مرة أخرى- حتى يعّرفنا مقامه وحاله قال له:
(لا تَطْلُبْ شَيْئَاّ إِلاّ مِنَ الله)، أي هذه خصوصية لك وهذا حالك. ( فَذَاتَ مَرَّةٍ سَقَطَ حَبْلُ نَاقَتِهِ، فَنَزَلَ وَأَخَذَهَا ثُمَّ رَكِبَ ثَانِيَةً، فَقَالُوا لَهُ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ الله إِنَّا نَكْفِيكَ هَذَا الأَمْرَ. فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ رَسَولَ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم فِيمَا عَهِدَ إلَيَّ ... أَنْ لا أَسْألْ أَحَدَاً مِنَ الْخَلْقِ).
حتى في مثل هذه الأمور؟!!، ... نعم!!. إنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وهو يريد أن يحافظ على النهج.
ومن أجل ذلك كشف الله عزَّ وجلَّ له الستائر، وعلَّمه ما في عالم الغيب، حتى كان رضِيَ الله عنه عندما قال رسول الله فيما روى فى معنى الحديث:
( يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَعْلَمْ يَوْمَ يَوْم؟، قَاَلَ: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: أَتَدْرِي كَيْتَ كَيْتْ؟، قَالَ: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرٍ رضِيَ الله عنه:
فِيـمَا تَتَحَدَّثَانِ يَا رَسُولَ الله؟!!)
- أي أنه لا يفهم شيئاً مما يتكلمان فيه!، لماذا؟!!.
لأن الإجابة خاصة!, فهي رموز خاصة بالمشاهدات الروحانية النورانية التي أكرم الله بها أبا بكر الصديق رضِيَ الله عنه وأرضاه.
الإِطِّلاَعُ عَلَىَ أَحْوَالِ أَهْلِ الْبَرْزَخِ
إذن فيطّلع صاحب هذا الحال على عالم البرزخ : ... ويرى فيه كل مجالس السابقين ومجالس اللاحقين ، ويأخذ من العلم الذي فيها ، وينال من الأنوار التي فيها ، ويشرب من الأذواق التي فيها .
وكان أيضاً على هذا المقام - وله القدح المعلى فيه - الشيخ محي الدين بن العربي رضِيَ الله عنه وأرضاه، ... فعندما كان يتلو كتاب الله، ويقرأ قصة نبي من أنبياء الله، كان يستحضر روح هذا النبي في عالم البرزخ ويسأله عن حقيقة القصة، ويناقشه فيها، عمَّا عمله، وعما فعله فيها، ويسأله بنفسه!، فيأخذ الإجابة من هذا النبي بذاته الشريفة - عليه السلام.
وكذلك في الأحاديث!!، يقول: هناك أحاديث ضعَّفها الرواة: لأنهم وجدوا في السند رجلاً متهماً بالجرح - رجل كذب مرة، أو لم ير الذي سمع عنه الحديث -وعلماء الحديث تحروا الدقة البالغة فيه، ولا يوجد علم في الوجود كله أوثق من علم الحديث الشريف - ويقول عن نفسه :
{ لست كذلك، فإني أعرض الحديث على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فإن قال : قلته ، أعلم أنه حديث حق ولو كان موسوماً بالضعف عند المحدّثين أو الرواة، وإن قال: لم أقله، أعلم أنه حديث مدسوس ولو كان وثَّقه المحدثون والرواة }.
لأن من المتكلم هنا؟
رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهو يعرض الحديث على من؟، على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بنفسه .
تَحْصِيلُ الْعُلُومِ الْبَرْزَخِيَّة
وهذه يا إخواني فيها علوم الأولين والآخرين، لأنه يجالس أهل البرزخ!، ويأخذ منهم علومهم، ويأخذ منهم أفهامهم، ويأخذ منهم أحوالهم!!. و لا يتم حال رجل في السلوك إلي الله عزَّ وجلَّ إلاّ إذا اتصل بأهل البرزخ، وأرشدوه، ووجّهوه، وبيَّنوا له الطريقة الصحيحة إلي الله عزَّ وجلَّ .
وهذا أيضاً نوع آخر من الإسراء:
فقد جمع الله لحبيبه ومصطفاه في بيت المقدس المائة وأربع وعشرين ألف نبي ورسول، وصفَّهم الله عزَّ وجلَّ له سبعة صفوف، وصّلوا خلفه، وحصَّل كل ما عندهم صلوات الله وسلامه عليه.
والأمر الغريب جداً أنه حصَّل كل علوم النبيين في أقل من لمح البصر!!، كيف أخذ كل علوم هؤلاء الأنبياء والمرسلين؟!!، وعلوم الملائكة والمقربين وغيرها من العوالم العلوية - في أقل من لمح البصر؟!!.
هذا هو العجب العجاب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لكن كل واحد منا بالكاد، يستطيع أن يأخذ علماً واحداً من أهل البرزخ، ولذلك عندما زار الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه سيدي إبراهيم الدسوقي رضِيَ الله عنه وأرضاه ، وأراد أن يبين المقام الكريم الخاص به، والأسرار والعلوم التي تكلم فيها، قال في قصيدة طويلة:
أيا قطب أهل الحب في عصره الماضي
أتى يرجو فضل الله في عصره ماضي
وفي أخر قصيدة قال عن هذه العلوم كلها :
عليه أبو ذر الغفارى قد أملى
أي هذه العلوم التي قالها سيدنا إبراهيم الدسوقي، كلها ... من أين؟
إملاءً من سيدنا أبي ذر رضِيَ الله عنه !!، لأنه كان على شاكلته، فسيدنا أبو ذر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :
( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ زُهْداً وَسَمْتاً؛ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبي ذَرٍّ) ( )
لأنه كان قد طلق الدنيا كلها، وكان شديداً في هذه الناحية، فهو شبيه بعيسى بن مريم في الزهد والورع.
وقد كان سيدنا إبراهيم الدسوقي كذلك على هذه الشاكلة، فلم يتزوج، ولم يتبوأ مناصب دنيوية فانية، وكل هذا الفضل العظيم قد أخذه ... ثم انتقل إلي الله عزَّ وجلَّ وعمره واحد وأربعون سنة!!!، كل هذا الفضل، وكل هذه العلوم ... ومات وعمره واحد وأربعون سنة! ... لأنه من البداية سار على الطريق العيسوى، فسيدنا أبو ذر أملاه هذه العلوم العيسوية كلها!!، ... من عالم البرزخ .
تَأْوِيلُ الْرُؤْيَا
والأمثلة في هذا كثيرة: ... فمنهم من أخذ من صحابي من صحابة رسول الله، ومنهم من يأخذ من نبي من أنبياء الله.
فسيدنا ابن سيرين رضِيَ الله عنه وأرضاه - الذي أسس علم الرؤيا - من أين حصل عليه؟، ولم يكن له به علم ؟!!.
قد كان ابن سيرين رضِيَ الله عنه فقيهاً (يعني: عالماً بالفقه والشريعة)، وفي يوم من الأيام رأى سيدنا يوسف عليه السلام - فى الرؤيا - وقال له:
تعالَ يا ابن سيرين أعلِّمك علم الرؤيا، ووضع فمه على فمه، وأعطاه لسانه يمصُّ فيه، فعَلِمَ علم الرؤيا.
وهذه الكراسي العلمية ليست موجودة في الدنيا يا إخواني، ولا يستطيع أحد أن يتعلَّمها؛ إلاّ إذا التحق بجامعة عالم البرزخ، لكن جامعات الدنيا ليس فيها هذه العلوم!!!، من الذي يستطيع أن يعلم علم الرؤيا؟، ... وماذا تعني الرؤيا؟ .....
﴿ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [43يوسف]
وليس (تُعَبِّرُون)!!، ﴿تَعْبُرُونَ﴾ يعني: تَعْبُرُون إليها - يراها في عالم المثال، فيعرف حقيقتها، ويبيِّنها كما وضَّحها الله عزَّ وجلَّ.
هذا هو بيان الرؤيا، أمَّا من يؤوِّل!!، فإنه قد يخمِّن، قد يصدق .. وقد لا يصدق، لكن الذي يعبر الرؤيا كيف يعبر؟.
الرؤيا أصلها من عالم المثال، وتظهر في لوح الخيال، إذا صفى الإنسان من عالم الوهم والظلال في المنام، فتظهر فيه صورة من عالم المثال، فيرجع هو إلى الصورة في عالم المثال، فيعلم رموزها، ويدري حقائقها، ... فيبينها كما يراها.
ولذلك عندما أتى اثنان إلى ابن سيرين، وقد رأيا رؤيا واحدة:
الأول قال له : رأيت أنني أُأذِّن، وقال له الثاني: كذلك، فالرؤيا واحدة!!، نظر للأول وقال له : إنك سارق؛ وستعاقب بقطع اليد، ونظر للثاني وقال له : إنك ستحجُّ إلى بيت الله الحرام. فسُئل عن سبب ذلك؟، فقال: عندما أخبرني الأول عن رؤياه، ... مرَّ على قلبي قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ [70يوسف]
فعرفت أنه كذلك، ولما حدّثني الثاني عن رؤياه خطر على قلبي قوله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ﴾ [27الحج].
إذن كيف عرف ذلك؟، والرؤيا واحدة!! ....
..... من عالم المثال!! ....
وذلك مثل رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام؛ ماذا رأى المَلِكُ؟!! ... رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات!!.. ، وما تفسير ذلك ؟
تأتي سبع سنين قحطاً وبلاء، بعد أن تمرُّ سبع سنين خير ورخاء، ولكن ليس في الرؤيا قوله تعالى:
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
[49يوسف]
هذه ليست في عالم الرؤيا، فلا يوجد أي إشارة للعام الخامس عشر!!!
إذن من أين أتى به؟!!، أتى به من عالم المثال ( عليه السلام )، ...
لكن هل هناك أستاذ كرسي في أي جامعة من جامعات العالم يستطيع أن يعلم هذا العلم؟!!.
.... لا .... وهكذا يا إخواني!! فعلوم الأحباب كلها من جامعة البرزخ!!
وجامعة البرزخ لا يلتحق بها إلاً من يموت عن نفسه وحظه وهواه، ويأخذ فيها شهادة من النبي الكريم، أو الصحابي العظيم، أو أستاذ الكرسي الذي علَّمه هذا العلم العظيم بأمر الله عزَّ وجلَّ.
وهذا نوع من أنواع الإسراء .

الْعُرُوجُ إِلَى عَوَالِمِ الْنُّور
وهناك إسراء ثالث يا إخوان : ....
وهو إسراء قلبي ، وهذا لمن يريد أن يرى النور!!! .....
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [35النور]
وهذه حقيقة ليس فيها شك، ولكنا لا نراها!!!، نرى نور الشمس، أو نـور القمر، أو نور الكهرباء، لكن نور الله ... كيف نراه؟!!! ... هذا يتطلب تغيير المولّدات الإلهية!!، ... وتشغيلها بإشارة من خير البرية صلى الله عليه وسلَّم!!، ... حتى تبصر العيون التي فيك!!، ... والتي تتحمل أنوار خالقك وباريك عزَّ وجلَّ.
فالطفل المولود حديثاً ...
لو عرضّناه فجأة لنور الشمس؛ يصاب بالعمى، لأنه لم يتأهل بعد، لكنه يتأهل بالتدريج، ... فكذلك نور الله عزَّ وجلَّ، نور الله الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
(إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سَبَحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ ما أَدْرَكَ بَصَرُهُ)( )، وفى رواية: (سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَاب)
فكيف يستطيع المرء أن يراه ؟!! ... إلا بتجهيز خاص، وبتأهيل خاص، يؤهِّله الله عزَّ وجلَّ لعباده الخواص!!.
أين هذا النور؟، وأين يشرق؟، وأين المملكة التي يشرق فيها؟.
حتى أوصلها بالتوصيلات والكابلات النورانية!!، وأضع فيها المواتير التي تمدني بالشحنات النورانية الإلهية!! ... إنها مملكة القلب!!!، ... لأن نور الله لا يظهر إلاّ في قلوب استنارت بنور الله عزَّ وجلَّ.
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾
[36النور]
ما هذه البيوت؟!!، ... القلوب!!، وكيف نؤهلها؟؟!!.
نجري لها العملية التي أجريت لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، عندما أضجعوه، وشقوا صدره، وأخرجوا قلبه، ووضعوه في طست من ذهب، وألقوا حظ الشيطان منه، وأحضرواً طستاً آخر مملوءاً إيماناً وحكمة، ووضعوه فيه، وختموا عليه بخاتم من نور يحار فيه الناظرون!!.
فكذلك قلبك، ... يحتاج لمثل هذه التجهيزات.
فالذي يريد العروج القلبي إلى نور الله، ... حتى يرى نور الله في كل ما تقع عليه عيناه، كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
وإذا نظرت عيني إلى أي كائن
تغيب المباني والمعاني سواطع
والذي يقول فيه الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{{ أخذني الحال - "النوراني" - فرأيت كل شئ حولي نوراً، حتى رأيت ذرّات الرمال التي أمشي عليها نوراً، فأخذني حصر البول؛ فاحترت كيف أتبول؟ وكل ما حولي نور!!، فدعوت الله عزَّ وجلَّ أن يحجبني عن هذا المشهد؛ فنوديت: لو سألتنا بكل أنبيائنا ورسلنا، وبكل أسمائنا وصفاتنا، أن نحجبك ما حجبناك!!، ولكن سلنا أن نثبِّتك ونقوِّيك.
.... انظر إلى التوجيه الإلهي ...
( أَدَّبَنِي رَبي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي )( )
قال: فسألته أن يثبِّتني ويقوِّيني، فثبَّتني وقوَّاني، فرأيت كل شئ بالمشهدين، ... وبالعينين.}}
عين الأكوان ترى الأكوان، وعين القلب ترى في الأكوان نور الله عزَّ وجلَّ .
صَاحِبُ الْمَشْهَدَيْنِ
وهذا يا إخواني حال من يشهد بالعينين.
فماذا يفعل العبد ليصل إلى ذلك الحال؟!!، لابد أن يفتح صفحة قلبه بسيف محبَّة الله، ويطهِّرها من كل شئ يباعد بينه وبين حضرة الله، لأن الحضرة العليا كما قال أولياء الله:
{{ مكتوبٌ على حضرة القدوس: لا يدخلها أرباب النفوس }}
فيُخْرِج منها:
كل ما يمنع الإنسان - عن البهاء، والجمال، والكمال، والصفاء - من الأحقاد، والأحساد، والكُره، والبغض، والأثرة، والأنانية، وحب الذات، وما شاكل هذه الصفات...
فمثلاً: الذي منع إبليس من المشاهد العالية:
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ [76ص]
لذا فكل الصفات التي وراء كلمة أنا ...
لابد أن يتخلص منها، حتى يكون مع الله بالله!، ويسير بتوفيق الله إلى الله!، ويمشي بنور الله إلى الله عزَّ وجلَّ!، ... لأن المرء لا يستطيع أن يمشي بنفسه!!، ... ولا بذاته إلى الله عزَّ وجلَّ، قال صلى الله عليه وسلَّم:
( وَلَوْلاَ تَمْرِيجُ قُلُوبِكُمْ وَتَزَيُّدُكُمْ فِي الْحَدِيثِ لَسَمِعْتُمْ مَا أَسْمَعُ) ( )
وفى رواية – زيادة: ... ( لَرَأَيْتُمُ الَّذِي رَأَيْتُ)
نحن نتكلم عمّال على بطّال!!، لكن كيف كان تكلُّمه صلى الله عليه وسلَّم؟،
بالحكمة التي أشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلَّم:
( رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْرَاً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ )( )
فإذا أخرج من قلبه الرغبات الزائلة، والشهوات الفانية، واللّذات العارضة، وملأه بحبِّ الله وتقواه، والخوف من جلاله، والخشية من رهبوته وعظومته، والرغبة في جميل قربه وأثير ودِّه، وتجمَّل بجمال العبودية التي كان عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ... يمنُّ الله عزَّ وجلَّ عليه بغامر فضـله، وواسع كرمـه، فيفتح له أبواب قربه، ويرفعه على رفارف عنايته، ويخصه بمشاهدة جمال حضرته، ويتولاه في كل أنفاسه بحفظه وكلاءته، ورعايته وصيانته.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الرابع: مَعَـارِجُ الْوَاصِلِينَ

مَعَـارِجُ الْوَاصِلِينَ ( )
الحمد لله الذي أشرق على قلوبنا بنور رسولنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومنَّ علينا فواجه أرواحنا بنور ذاته قبل ظهورنا في هذه الحياة، وزاد علينا منًّا وتوفيقاً فهدانا إلى الإيمان وجعل قلوبنا وعاءً للقرآن، وأفئدتنا مشوَّقة للحبيب العدنان، وكل ذلك بلا حول منا ولا طول، وإنما بسابغ فضل الله، وبواسع كرم الله عزَّ وجلَّ.
اللهم لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فنسألك يا الله أن تنزِّل سكينة علينا، وأن تثبت الأقدام إن لاقينا، آمين يا ربَّ العالمين.
والصلاة والسلام على بحر العلوم الإلهية، وخزائن الأنوار القدسية، وسرِّ كلِّ التجليات الربانية لأهل الخصوصية، والكهف والملاذ لأهل الحوائج في هذه الدار الدنيَّة، والشفيع الأعظم للخلائق أجمعين في الأهوال الحشرية، ... سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، وآله وأصحابه وكل من اتبع هداه، آمين. أما بعد
فيا إخواني ويا أحبابي: بارك الله فيكم أجمعين.
سَــرَائِرُ الإِسْـــرَاء
في الإسراء والمعراج ... أسرار علميَّة وحديثها لأهل العقول، وفيه أسرار سلوكيَّة وحديثها لأهل النفوس الذكيَّة، وفيه أسرار نورانيَّة وإشارتها لأهل القلوب التقيَّة النقيَّة، وفيه بعد ذلك أسرار عرشيَّة، وأسرار لوحيَّة، وأسرار ربانيَّة، وهذا كله مما يبيحه صلى الله عليه وسلَّم لأهل الخصوصيَّة.
أما الأسرار الذاتيّة التي بينه وبين حضرة الذات الأحديَّة؛ فهذا سرٌّ بين الحبيب وحبيبه، لم يطلع عليه ملك ولا نبي ولا رسول، وإنما كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [10النجم].
فقد وضّح الله عزَّ وجلَّ كل هذه الأسرار في قوله تعالى:
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [1الإسراء]
وكلمة ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، يعني: آياتنا وأسرارنا، ومظاهر قدرتنا الذاتية. وعندما ألمح إلى بعض هذه الحقائق؛ فإن الله عزَّ وجلَّ أمره صلى الله عليه وسلَّم أن يحدث أولاً بالإسراء، لأنه يناسب العقول، فلم يكشف صلى الله عليه وسلَّم المعراج إلاّ بعد أن تأهلت النفوس، وطهرت القلوب، فأصبحت مستعدة لاستيعاب هذه الغيوب.
لكنه حدَّثهم بالإسراء، والبيان الذي ذكره الله ... يتواءم مع حبيبه ومصطفاه في البداية، وبيان الإسراء:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [1الإسراء].
أين المعراج في هذه الآية؟!!، ... لا يوجد!!. ولما ألمح الله عزَّ وجلَّ إلى المعراج، ألمح إلى ما تتقبله القلوب، وما تلحظه الأرواح من أسرار الربِّ عزَّ وجلَّ، ولذلك قال:
﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [18النجم]
آيات الربوبية، أما آيات الألوهية فلا ينكشف عليها حتى أهل الخصوصية إلاّ إذا خصّهم المصطفى بتلك المزيَّة، بعد أن يتأكد من فنائهم بالكليَّة في محبة الذات الإلهيَّة.
ولذلك يقول الله لحبيبه ومصطفاه:
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [11الضحى]
فعن نِعم مقام الربوبية حدّث ولا حرج، وفي باطن الآية ... أما نِعم الله وذات الله فلا تحدِّث. فإن ما أباح له ما يتعلق بالربوبية، والربوبية فيها السموات، وفيها الجنَّات، وفيها النَّار، وفيها العرش، وفيها الكرسي، وأخرها سدرة المنتهى.
فنحن - على قدرنا - في هذه الليلة المباركة سنتكلم في شئ ينفعنا جميعاً في سيرنا وسلوكنا إلى الله عزَّ وجلَّ، والأسرار العلمية ليس لها نهاية، وفي كل نَفَس من الأنفاس يفيض الله عزَّ وجلَّ على العلماء بالله من أسرار الإسراء والمعراج، ما لا تستطيع مطابع العالم أجمع أن تواكبه لو أرادت طبعه، لأن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يلهمهم؛ لكننا جميعاً نحتاج إلى الأسرار السلوكيَّة التي نستعين بها في سيرنا وسلوكنا إلى الله عزَّ وجلَّ، فنأخذ على قدرنا - لا على قدر المقام- بما يفتح الله عزَّ وجلَّ لنا من بحر الإلهام الوارد من المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام.
الدَّعْـــوَةُ وَالدَّاعِـي
ما الذي حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم قبل هذه الرحلة المباركة؟ كلّفه الله عزَّ وجلَّ برسالته، وأمره أن يبلغها للناس، ووجد في ذلك شدة وعناءً لا تتحملها الجبال، فلم يجد الطريق مفروشاً بالورود؛ بل لا يوجد أحد في الأولين والآخرين سيرى في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ ما لاقاه سيِّد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.
ففي البداية، كان الجفاء من الأهل والأحباب، ثم بعد ذلك زادوا على الجفاء بالسبِّ والشتم، والتعريض والتقبيح، والإيذاء، ثم زادوا على ذلك بأن حبسوه ومن معه، ومنعوا عنهم الطعام والشراب، حتى أنهم منعوهم عن شرائه من أموالهم، وحبسوهم في شعب أبي طالب كما تعلمون، ... لماذا؟
لعلهم يرجعون، لكن ذلك كله لم يزدهم إلاّ إصراراً وتمسكاً بهدى الله عزَّ وجلَّ، ثم زاد البلاء- لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
(أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ) ( )
وبالطبع نصيب سيِّد الأنبياء؛ قدر نصيب الأنبياء جميعاً من البلاء، لقول الله عزَّ وجلَّ له:
﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [35الأحقاف]
أي انظر إلى صبر أولي العزم جميعاً!، كيف كان صبرهم؟، وأنت بمفردك! لازم صبرك يعدل صبرهم جميعاً!!، لأن هذه هي منزلته، ومكانته صلى الله عليه وسلَّم التي اختارها له الله عزَّ وجلَّ.
فزاد البلاء .... ، فأخذ النصير ، وأخذ الوزيرة والمعينة التي تخفِّف عنه الآلام ، والتي تذهب عنه الروع، والتي تعينه عند الشدة.
لكن ليس كما قال بعض المفسرين والمؤرخين- قالوا أنه حزن عليهما وسموه عام الحزن- فلو حزن عليهم؟ ، ما كان دعا إلى الله عزَّ وجلَّ!!، لكنه لم يزدد إلاّ إصراراً على الدعوة إلى الله، ولما وجد أن أهل مكة لا يستجيبون ... انتقل إلى أهل الطائف.
يعني كل هذه المصائب ، وكل هذه الابتلاءات ... لم تُفّت في عضُده صلى الله عليه وسلَّم، بل زادته يقيناً، وزادته طمأنينة بأن الله عزَّ وجلَّ معه، لأنه علم أن الله عزَّ وجلَّ يريد منه أن لا يعتمد، ولا يتكلَّ، ولا يلجأ إلا إلى الله عزَّ وجلَّ. وهذا شأن الأنبياء، وشأن الدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ في كل زمان ومكان.
لا يعتمدون إلا على الله، فلا يعتمدون على أحد من خلق الله، لأنهم بقلوبهم وحَّدُوا الله عزَّ وجلَّ التوحيد الحقيقي الذي لا يرون غيره في الكون فاعلاً، ولا مريداً، ولا محركاً ومسكناً .
فهو وحده الذي بيده القلوب، وبيده تصاريف كل شئ في هذا الكون.
حِكْمَةُ الإِبْتِلاءَاتِ الإِلهِيَّة
فإذا أكرم الله عزَّ وجلَّ العبد المؤمن، وأراد أن يُنْظمه في عُقْد الأخيار، ويُدْخله في معية الأبرار؛ فإنه يبتليه!!
تارة في نفسه، وتارة في ماله، وتارة في أهل بيته، وتارة فيمن معه - كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - ففي ماله انتهى بعد فلم يعد له تجارة، وفي نفسه لم يعد له حبيب ولا قريب، الكل عدو!، حتى زوجته المعينة أخذها الله عزَّ وجلَّ إلى جواره، وعمه الناصر له أخذه سبحانه وتعالى إلى حيث لا يعلم مصيره إلاّ هو عزَّ وجلَّ، ولم يعد له ملجأ ولا منجى من الله إلاّ إليه.
وزاد البلاء بأنهم عرضوا عليه الدنيا، وبعثوا له الرسل: إن كنت تريد بما جئت به – هذه الدعوة - مالاً!! - وانظر إلى العبارة - جمعنا لك من أمولانا حتى تكون أغنى رجل في مكة، إذا كنت تريد بدعوتك المال. وإذا كنت تريد بها سلطاناً وجاهاً ملكناك علينا- جعلناك الملك علينا، وهذا امتحان في الإخلاص.
لكنه صلى الله عليه وسلَّم لا يريد إلاّ وجه الله، ولا يبغى إلاّ رضاه، ولا يطلب من الدنيا والآخرة سواه عزَّ وجلَّ، ... وهكذا الدعاة!!!:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ - ما هذا البلاء يا رب؟-
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ.
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾
[155، 156البقرة].
هؤلاء الذين أمرَّ الله النبيَّ أن يبشرهم،- الذين في زمانه فقط ؟ - لا، ... بل الذين في كل زمان ومكان، لأنه قال له بشر الصابرين الذين فيهم هذه الصفات من بعثتك إلى يوم الدين، ... فكل من انطبقت عليهم هذه الصفات، وظهرت فيهم هذه العلامات، بشَّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم- إما مناماً وإما عياناً - بهذا الفضل من الله عزَّ وجلَّ؛ أن من نجح في هذه الاختبارات:
يحفظه الله عزَّ وجلَّ من عوالم الدنيا، وأهل الدنيا، وما يعرض عليه من زخرفها وزينتها، فقد يعرضون عليه المال حتى يشغلوه عن دعوة الله، أو التجارة حتى يبعدوه عن طريق الله، أو يعرضوا عليه منصباً ينشغل به عن طريق الله. لكن المؤمن الذي يسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، سمع ربنا يقول له:
﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا ﴾
لماذا يا ربِّ متعتهم بها؟ ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ﴾ ،فما الذي ننظر إليه؟
﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[131طه]
خلِّ عينك على رزق الله، ... ما رزق الله؟!!!
الفتح ، الإلهام ، النور ، الكشف ، الفضل ، المنَّة ، العطاء ، وغيرها من أنواع النعم التي لا حدَّ لها، ولا نهاية لها، لأن رزق الله كما قال فيه الله عزَّ وجلَّ:
﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾ [54 ص]
ليس له نفاذ، لا ينفذ ولا ينتهي!!، فيضع نصب عينيه على رزق الله.
فالرجل هو الذي نجح في هذا الإختبار.
والطريق كله على هذه الشاكلة يا إخواني، كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه لأحد المريدين مثلى - تعرض لاختبار بسيط - فجلس يبكي ويولول ويقول: أنا لا أنفع في الطريق!!، فقال له رضِيَ الله عنه - على لسان الحق عزَّ وجلَّ :
تريد أن ترى حسني وترقى بلا حرب شديد لا يكون
فمن رام الوصال إلى جنابي أصــــفّيه وفي هذا فتون
وإلا فانظر إلى فيلم الأنبياء والمرسلين السابقين أجمعين:
﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا ﴾ [45الزخرف]
انظر إليهم!، هل نجا أحد منهم من البلاء؟، فلو كان البلاء غضباً من السماء، لما ابتلى الله الأنبياء؟!!. ... لكن البلاء باب للعطاء، فقد قيل:
{ لا منحة إلاّ بعد محنة، ولا عطيَّة إلا بعد بليَّة }
وإياك أن تظن أن البلاء قد انتهى بعد الإسراء والمعراج، بل إن البلاء كان مستمراً حتى في المدينة المنورة!!، أين؟ قال تعالى:
﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ﴾
[214البقرة]
أي أين هذا النصر الذي حدثتنا عنه؟!!. ...
بل هناك أكثر من ذلك!!!، بلاء لا يتحمله بشر؛ عندما أسمعوه ما يكره في زوجته الطاهرة الطيَّبة الحبيبة إلى قلبه!!!، أنواع وأصناف من البلاء لا عدَّ لها، ولا حدَّ لها. ... لماذا ؟ هذه هي الحكمة ...
من يرد أن يترقى في الجيش؛ لابد أن يحصل على فرقة أولاً؛ فإذا نجح يعطوه الترقية، وعندما يريد ترقية جديدة، لازم فرقة أخرى، وتدريب آخر، ... وتدريب الله للأنبياء والمرسلين والصالحين:
هو البلاء الذي يواجههم به الله عزَّ وجلَّ، أو الابتلاء .
الْبَـــلاءُ وَالابْتِـلاء
البلاء كما ذكرناه: في النفس، أو المال، أو الولد، هذا اسمه البلاء.
والابتلاء يعني: يفتح له باباً في الدنيا، أو باباً في الوظائف والمناصب، أو باباً في العلو في الأرض، أو حتى يفتح عليه باب إقبال الناس فيتجمعون عليه، ويقولون أنه شيخ ورجل عظيم، وله كرامات، وله كذا وكذا، ... وهذا هو الابتلاء.
فكلا الأمرين يصفّي بهما الله عزَّ وجلَّ عباده المقربين؛ فإذا وجد أنهم لم يلتفتوا إلاّ إليه، وأصبحوا كما قال الله في شأن الثّلة الأولى منهم:
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [52الأنعام]
قرّبهم ! ، وأدناهم ! ، وحباهم ! ، وأعطاهم ! ، وتولاّهم ! ، ووالاهم !.
كما قال الإمام الجنيد :
{ رأيت الله عزَّ وجلَّ في المنام فقال: يا جنيد، تعلم ما صنعت بأحبابي؟، قال: لا يا رب!، قال: إني لما خلقت الخلق قبل خلق الدنيا، فتحت لهم أبواب النعيم فهرب تسعة أعشارهم إليها، وبقى العشر. ففتحت لهم أبواب الدنيا، فهرب تسعة أعشار العشر إليها، وبقي عشر العشر ؛ فسلّطت عليهم جهنم، فهرب تسعة أعشار عشر العشر، وبقي عشر عشر العشر؛ فسلطت عليهم البلاء، فهرب تسعة أعشار عشر عشر عشر العشر، ولم يبق إلاّ عشر عشر عشر عشر العشر، فزدت عليهم أصناف البلاء، فقالوا: وعزتك وجلالك ، لو صببت علينا البلاء صبَّاً ، ما تحولنا عن وجهك!!. قال: فقلت لهم : أنتم عبادي حقاً!!، وأوليائي صدقاً!!}.
والإمام الشبلي رضِيَ الله عنه وأرضاه- وكان والياً - وعندما أكرمه الله عزَّ وجلَّ بسلوك طريق الله، ترك الولاية وأقبل على الله، وكان والياً عادلاً، حتى أنه عند الموت بكى بكاءً مرًّا، فقيل له: لم تبكِ؟ قال:
{{ بقى عليّ مظلمة واحدة، وقد رددت كل المظالم التي فعلتها في فترة ولايتي، وبقى عليّ مظلمة واحدة!!، بحثت عن صاحبها في كل الأرض فلم أجده، وتصدقت عنه بأضعاف مضاعفة، ولكني أخشى أن يطالبني الله عزَّ وجلَّ بها يوم القيامة }} .
والإمام الشبلى رضِيَ الله عنه قد استغرق في ذكر الله عزَّ وجلَّ حتى رماه الناس بالجنون، وانطبق عليه قول سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
( أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللّهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ ) ( )
فقيل عليه مجنون، وأخذوه ووضعوه بالمارستان، (وكان موضع مستشفى المجانين في زمانه) ، ولم يكن عنده جنون إلاّ في حب الله عزَّ وجلَّ ، كما قال سيدي أحمد البدوي رضي الله وأرضاه:
مجانين لكن سرّ جنونهم غريبٌ على أعتابه يسجد العقل
وكما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
مجانين مما بهم من حبّهم لحبيبهم
إنه من الحبَّ الذي فيهم لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم!!!
فذهب إليه إخوانه يزورونه، فذهب إليه البواب وقال له: إخوانك يطلبون مقابلتك، قال: أين هم ؟، فأشار إليهم، فأمسك بالطوب ... وأخذ يقذفهم بالحجارة، فولوا هاربين؛ فقال: أما تدعون محبتي؟!! لو كنت أحبابي فعلاً !، لصبرتم على بلائي.
فالمحب يصبر على بلاء المحبوب، والذي لم يصبر يدخل في قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ [19-22المعارج].
إلاّ هؤلاء القوم، ... ليس عندهم هلع ولا جزع، وإنما يرضون عن الله عزَّ وجلَّ؛ لأنهم يطلبون رضاءه سبحانه وتعالى.
ومن شروط الإيمان العامة: الرضا بمرِّ القضاء، وليس السخط، وهذا حتى مع عوام المؤمنين!! أن يرضى بمر القضاء، لماذا نفرح بالمعطي!، ونحزن من المبلي؟!!.
والمعطي والمبلي هو الله عزَّ وجلَّ .
لماذا نفرح من المحيي عندما يعطينا ولد ..!!.. ، ونحزن عندما المميت يأخذ منا ولد ..!!.. ؟ ، والمحيي والمميت هو الله عزَّ وجلَّ ، وله ما أعطى ! ، وله ما أخذ ! ، لأنه سبحانه وتعالى هو الفعَّال لما يريد .
لماذا نفرح بالباسط ، ونحزن عند القابض ؟
فالمؤمن يفرح بالله ، ويفرح بما يأتي من الله ، لأنه من الله عزَّ وجلَّ ، ويرضى عن الله سبحانه وتعالى ، وأهل الرضا هم أهل المقام الأكمل عند الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة .
الْعَبْـــدُ الرَّبَــانِيّ
فإذا أكرم الله عزَّ وجلَّ عبداً ونجح .... وصبر في الابتلاء ......
فإن الله عزَّ وجلَّ يُعطّف عليه قلب أحد السعداء من الأتقياء الذين جعلهم الله عزَّ وجلَّ أبواباً لحضرته ، وأسباباً للوصول إلى مقام القرب من عزته .
فإذا تعطف عليه صاحب هذا القلب - والحب هنا من الله كما قال الله عزَّ وجلَّ لموسى عليه السلام:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [39طه]
فيكرمه الله عزَّ وجلَّ بهذا العبد، فيعثر عليه ويتقابل به.
والعثور على العبد ... فضل من الله!!!!، وهبة من الله !!!!، لا بعمل ولا بأمل، ولا بحول ولا بطول، فإن الله عزَّ وجلَّ إذا أراد أمراً قضاه، وسبب الأسباب ليحدث ما يريد الله!
وإذا لم يرد الله عزَّ وجلَّ أمراً، ... وأخذت كل الوسائل والأسباب!!، ما تنفع الحيلة إذا كان القدر لا يريد ، ما ينفع الجهاد إذا كان أمر الله عجيب، لا حيلة لمخلوق مع الخالق؛ إلاّ إذا وافقت إرادة الخالق رغبة المخلوق، وهنا يكون أمر الله وقدر الله!!، أمراً مقدوراً كما أنبأ الله عزَّ وجلَّ.
فيكرم الله عزَّ وجلَّ العبد بالرجل التقي النقي، فيأخذه ، كما أكرم الله عزَّ وجلَّ حبيبه ومصطفاه بجبريل عليه السلام في ليلة القرب والمناجاة ، فهي رموز لكنوز ، يفكها الله عزَّ وجلَّ للطالبين والراغبين.
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يحدّث عن الملأ الأعلى وهو في الدنيا، وكان يقول:
(لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفاً فِي عُـرْضِ هَذَا الْحَائِطِ ) ( )
وكان ينظر إلى العرش وإلى الملكوت وهو في بطحاء مكة فلا يحتاج إلى سفر، ولا إلى رحلة، وإنما السفر لنا، لنتعلم كيفية السفر بقلوبنا وأرواحنا إلى الله عزَّ وجلَّ، فإن السفر لله ليس بالأجسام!!، وإنما بالقلوب والأرواح!! ... فيأتي هذا الرجل الذي يكرمنا الله عزَّ وجلَّ به ، بعدما يتحقق بصدقي في الطلب، وأنني ليس لي مأرب إلاّ وجه الله، كما يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{نحن قوم نكتم أسرارنا عن الطالب حتى لا تكون له شهوة إلا في الحق}
فإذا لم يكن له شهوة إلاّ في الحق ...
كشفنا السرّ للراجي و بحنا له بمشهدنا
طَهَـــارَةُ الْفُــؤَاد
يكشف له السرَّ، ويبيح له بما شهده، لأنه عرف أنه ليس له مراد إلاّ وجه الله عزَّ وجلَّ. ... فيأخذونه ويعملون له العملية التي عملها جبريل عليه السلام للمصطفى صلى الله عليه وسلَّم، فيطهرون فؤاده!!، ... وطهارة الفؤاد لا أستطيع أنا أن أفعلها، ولا يستطيع أحد أن يفعلها؛ إلاّ إذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ برجل من الصالحين.
ما الذي يطهر الفؤاد؟!!، ... العبادة؟، ... أبداً، بل قد تزيد الإنسان طغياناً وغروراً، ولو كانت العبادة تطهِّر لطَهُرَ إبليس، فإنه عَبَد الله اثنين وسبعين ألف سنة،!!! ... ولم يترك موضع قدم في السماوات إلاّ وسجد فيه سجدة لله عزَّ وجلَّ.
إذن فما الذي يطهِّر؟!! كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{ بالحال تزكية النفوس لا بالفلوس ولا بالدروس }
بالحال!!، من أين؟، من رجل أعطاه الله مفتاح الحال:
﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ [15غافر]
يوم الوصال مع الله عزَّ وجلَّ!!!:
يتحقق في نفسه، وفي عقله، وفي لسانه، وفي أذنه، وفي عينه؛ أنه لا يملك كثيراً ... ولا قليلاً، ... فيردد قول الله:
﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾
هذا مقام تحقق: ﴿ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ﴾
[16غافر]
كل الذي فيه مِلكُ الله، ولا يتحرك إلاّ بأمر الله عزَّ وجلَّ.
نَظَـــرَاتُ الْـوِدَادِ
فلابد من صاحب الحال!! ...
فقد كان سيدي أحمد البدوي رضِيَ الله عنه وأرضاه، يقف على السطح في طنطدا ( طنطا)، أياماً طويلة، وليالٍ طوال، تبلغ الأربعين، أحياناً يقف أربعين ليلة لا يجلس، ولا يأكل، ولا يشرب، وإنما تحمَّرُ عيناه من كثرة النظر إلى السماء!!، وهو لا يشعر بذلك، فيأتي إليه الرجل، فيناديه سيدي عبد العال (خادمه الذاتي): يا سيدي، انظر إلى فلان!!، فينظر إليه نظرة!!، فيملأه كله مدداً، ويقول له: يا عبد العال، أقمه في بلدة كذا يهدي إلى الله عزَّ وجلَّ على طريقتنا.
مِنْ نظرة؟!!! ... نعم!!! ...
من نظرة يرتقي المطلوب مرتقياً
قدس الجلالة في حلل المناجاة
من نظرة واحدة، ولكنها ليست من هذه العين، ولكن من عين الرضا، وبعين القلب، وهي التي من أجلها تعرضت الحقائق في الإسراء لرسول الله يطلبون النظرة!!.
فهذه إمرأة واقفة تقول له: انظرنا يا رسول الله!، فيسأل: من هذه يا جبريل؟، فيقول: هذه هي الدنيا.
وآخر يقول: انظرنا يا رسول الله!، فيقول: من هذا يا جبريل؟، فيقول: إنه الشيطان!. حتى الشيطان يريد نظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟!!.
وثالث يقول له: انظرنا يا رسول الله!!، من هذا يا جبريل؟، يقول: هذا داعي اليهود!، والآخر داعي النصارى.
الكل يريد نظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وهل رسول الله كان لا يعلم هذه الحقائق، ... فيحتاج إلى جبريل حتى يوضحها له ؟!!، لا!، ولكنه يعرفنا حقيقة سلوكية:
وهي أن السالك في طريق الله عزَّ وجلَّ لابد له أن يعرض كل مرائيه المنامية والقلبية على شيخه، حتى يخبره بتلك الحقيقة، حتى لا يضلَّ ولا يزيغ في الطريق، لأنه ربما تكون الرؤيا من الشيطان، وربما تفسرها له هواجس النفس، وربما يخيلها له الوهم والخيال، ... فمن الذي يخبره بالحقيقة؟
لابد وأن يعرض كل ما يدور بخلجات نفسه على شيخه، حتى يخبره بحقيقتها، فيطهِّر قلبه بالحال الربَّاني الذي يوجهنا إليه الإمام أبو العزائم فيقول:
وتجملوا بالحال من باب سما بالفضل ناولكم رحيق مدامى
عني خذوا ما أستطيع أبثه وتجمَّلوا بالحال لا بكلامي
فكان الناس يذهبون إلى العارفين ليبحثوا عن هذه الحال، والذي قال فيه سيدي ابن عطاء الله السكندري رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{حال رجل في ألف رجل؛ خير من كلام ألف رجل في رجل واحد}
عِلْــــمُ الإلهـام
فالمهم الحال !! ، ومتى يعطوا الحال ؟ .... كما قلت يا إخواني :
إذا نجح المريد فيما ذكرناه ، لأنه أصبح أميناً على أسرار الله عزَّ وجلَّ .
والحال في لحظة يطهِّر القلب لله عزَّ وجلَّ ، فإذا طهر القلب ؛ حشاه الله عزَّ وجلَّ من علوم الغيب ، قال تعالى فى ( سورة الكهف ) :
﴿ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ [65 الكهف].
يعطوه العلم اللدنِّي من الله عزَّ وجلَّ ، كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
ساعة ما يأخذ الحال ، يُجمَّل بعلم الإلهام - لأن علم الإلهام يوسع أفق القلب حتى تنطبع فيه آيات الله المنبلجة في الكائنات ، ليس هذا القلب الذي في الجسم ، لكنه القلب النوراني- كلما زاد الإنسان في الإلهام ؛ كلما زادت سعة القلب ، وكلما زادت أرجاء القلب ، حتى يصل إلى القلب الذي يقول في شأنه الله عزَّ وجلَّ فى الأثر:
( مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلاَ أَرْضِي ، وَلكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ ) ( )
والمؤمن هنا هو المؤمن الكامل صلى الله عليه وسلَّم ، وليس أي مؤمن .
بعد ذلك عندما ينظر سينظر بعين القلب، فيرى حقائق الأشياء، يرى حقائق الطاعات، وحقائق المعاصي، وحقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة ، وحقائق التشريع ، وحقائق الآيات القرآنية ، وحقائق الآيات الكونية ..... ، لأنه سينظر بعين القلب فيرى هذه الآيات الظاهرة لعين القلب ، وإن كان الناس حوله لا يرونها ، إلاّ أنه يراها بعين قلبه ، قال صلى الله عليه وسلَّم :
( لَوْلاَ أنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ ؛ لَنَظَرُوا إلَى مَلَكَوتِ السَّمَاءِ) ( )
جَمَـــالُ الْبَـاطِن
فيرى هذه الحقائق كلها ، ويكرمه الله عزَّ وجلَّ فيجمع له مقامات السابقين ، ومراتب العارفين ، وأحوال النبيين والمرسلين عليهم السلام أجمعين ، ويجمع الله عزَّ وجلَّ له كل الحقائق التي فيه !!!
بمعنى: نحن الآن فينا أكثر من حقيقة ، فعندما يقوم الواحد منا ليصلي يكون الجسم واقفا ، والقلب ساعات حاضر .. وساعات شارد ، والعقل ساعات يفكر فيما يتلوه ، وساعات يفكر في أمور دنيويَّة ، والنفس ساعات تذكِّر الإنسان بخـوف العاقبة ، أو بالدار الآخرة ، أو بالموت ، وساعات تذكِّره بالمعاصي ، أو بالمشاغل الكونية ...، كل هذه حقائق موجودة في نفس الإنسان .!!!!.....
ما الذي يجعلنا لا نعرف أن نخشع عندما نصلي ؟..!!... ، لأن كل حقيقة من هذه الحقائق في واد من الأودية ..!!..
فالأربع حقائق : الجسم ، النفس ، العقل ، والقلب؛ كل واحدة على جبل ! ، لو أنت دعوتهن إليك ! ، وجئن سعياً إليك ! ، وأصبحن جميعاً حقيقة واحدة !!! ، فعلى الفور ينطبق عليك القول الوارد فى الأثر المشهور :
(إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى الصَّفِ الأَعْوَج).
إياك أن تظن أن الصفَّ الأعوج هو صفنا هذا ، لأن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، فإذا كان صَفّي أمام الله صفاً واحداً ، والحقائق كلها تجمعت في المسجد الأقصى في قلبي ، وأصبح عقلي ، وقلبي ، وروحي ، ونفسي ، وجوارحي ؛ كلها منشغلة بالله عزَّ وجلَّ، فتكون هذه يا إخواني .. الجمعية الكبريائية للجوارح والحقائق على الله عزَّ وجلَّ !
في هذه اللحظة تسطع على مرآة القلب أنوار رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وأنوار الأنبياء والمرسلين السابقين ، وأنوار الملائكة المقربين ، وكل ما غاب عني من عالم الأرواح العالية ...، لا يظهر إلاّ إذا اتحدت الحقائق التي بي ، وصارت كلها على قلب رجل واحد ؛ كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
( ألا وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ؛ ألاَّ وَهِيَ الْقَلْبُ )( )
والجسد ليس هو الجسم ، لأن الله عزَّ وجلَّ عندما تكلم عن الجسد ... يحكي عن الملائكة فيقول :
﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ [8الأنبياء]
فالجسد لا يأكل الطعام ، إذن هو شئ آخر غير الجسم ، الجسد هو :
الحقيقة الروحانية التي أنت بها إنسان ، والتي أنت بها تواجه الحنَّان المنَّان ، والتي ستنعم به في الجنان ، والتي أنت بها تكون يوم القيامة إنساناً ؛ هذه هي الحقيقة النورانيَّة التي تطلُّ من هذا الجسم في هذه الحياة الدنيوية ......
فإذا اتحدت هذه الحقائق :
ولا يكون ذلك إلا على يد العبد التقيِّ النقيِّ الذي يكرمنا الله عزَّ وجلَّ بمصـاحبته ؛ فعلى الفور تلوح الحقائق ؛ حقائق الأنبياء والمرسلين فيكون كما نسمع من رجل مثل سيدي محي الدين بن العربيرضِيَ الله عنه وأرضاه حيث يقول :
{ قابلت روحي روح سليمان عليه السلام، فسألته عن قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [35ص]
وقلت له : لقد تجاوزت طورك في هذا الخطاب، ولم تترك شيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم. فقال لي: ألم تتدبر إلى كلام الله؟، لقد قلتُ: هب لي ملـكاً!، وتركت الملكوت لرسول الله، فلم أقل هب لي ملكاً وملكوتاً، فرضيت بالملك وهو الدون وتركت الملكوت وهو الأعلى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلَّم }.
ويخاطب كل حقيقة من حقائق الأنبياء السابقين؛ خطاب من يراهم ويحدثهم، ويسجِّل ذلك في كتاب، أو في كتب كثيرة، على قدر ما تتحمله العقول ..!!..
إذا قرأنا ذلك لا نتعجب ! ، لأن هذه معيَّة روحانيَّة ، وهذه المعيَّة الروحانيَّة ليست ممنوعة على أحد من البشر ...!!.. ؛ إذا أطلق الله عزَّ وجلَّ قواه الروحانية التي جعلها لنا وفينا أجمعين ..!!......
وَابِـــلُ الْفَضْـلِ
بعد ذلك يتفضل عليه الله عزَّ وجلَّ بروح منه - سبحانه وتعالى!! - هذه الروح من الله، تتنزل في هذا العبد ليشاهد بها غيوب الله عزَّ وجلَّ!!، ... فيكون كما قال القائل:
إذا تجلَّــــــــى حبيبــــي بأي عــــــــــين أراه
كيف يراه؟!!!.
بعينــــــه لا بعينــــــــي فما يـــــــراه ســــواه
كيف رأيته ؟!!، ... بعينه التي أعطانيها، لكن ما الذي معي حتى أراه به؟ أو أتمتع به؟!!، ... يتفضل الله عليه عزَّ وجلَّ بروح من عنده، يرى بها ما غاب عن العالمين من ملكوت ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.
قلوب العارفـــــــين لها عيــــــــونٌ ترى ما لا يــراه الناظــــرون
أيضاً هو في هذه الحالة لا يستطيع أن يستغنى عن المرشد :
فهو معه يستفتح له أبواب سماوات الرقي ، وأبواب المقامات العالية ، ويعرّفه بحقيقة كل مقام ، وكيف يقيم فيه بين الأنام ؟ ، وكيف يستخدمه على التمام ؟
حتى لا يقع فيما وقع فيه غيره من أخطاء ، كما حكى لنا كتاب الله عزَّ وجلَّ عن بلعام وغيره في كتابه المكنون سبحانه وتعالى .
فإذا وصل إلى سدرة المنتهى، ولم يعد له تعلق بالدنيا بالكلية، زجّه الشيخ بيده الإلهية النورانية، زجّه في الأنوار القدسية، وقال: ها أنت وربك!!.
هذا هو العبد الذي يمكِّنه الله عزَّ وجلَّ من الإسراء والمعراج، لأنه لم تشغله الدنيا بزينتها ولا زخارفها، ولا الآخرة بما فيها من نعيم مقيم وملكوت عظيم؛ عن الله عزَّ وجلَّ، وهم كما قال القائل في شأنهم:
وجنة الخلد لو ظهرت بطلعتها
لفارقت حسنها بالزهد همتهم
لا كفء لله يحجبـــهم فيمنعهم
أحد تعالى تعلمه ســـــريرتهمس
نسأل الله عزَّ وجلَّ إلاّ يجعل لنا وطراّ إلاّ إليه، ولا بغية إلاّ عليه، وأن يكشف عنا كل حجاب يمنعنا من الوصول إليه، وأن يفتح لنا الأبواب والستور المرخاة على حضرة عزته، حتى نتمتع بعيون أرواحنا بالنظر إليه.
ونسأله عزَّ وجلَّ أن لا يجعل الدنيا أكبر هّمنا، ولا مبلغ علمنا، وأن لا يفتتنا بزخرفها وزينتها، وأن لا يشغلنا بمطارفها وزخارفها، وأن لا يجعل الآخرة حجاباً لنا عن حضرته، بل يجعلنا من المفردين لحضرته بالقصد، وأن يواجهنا بوجهه الجميل، ويكرمنا بالنزل الجميل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وبارك الله فيكم أجمعين

الباب الخامس: مَقَامُ التَّدَانى فِى قَابِ قَوْسَين

مَقَامُ التَّدَانى فِى قَابِ قَوْسَين( )
الحمد لله فتَّاح القلوب لتنزل معاني أسرار الغيوب ، ومهيئ لطائف الأشباح لتناول الراح من حضرة الكريم الفتَّاح ، فسبحان من جعل الإنسان وهو من سلالة من طين ، يفك رموز أسرار التكوين ،ويفقه الحكمة العالية من ربِّ العالمين.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله ....
الذي رقَّـاه مولاه وأدناه ، وقرَّبه وحباه ، حتى جعل على يديه الخير لكل عبد مقرَّب لله ، من بدء البدء حتى نهاية النهايات ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه وكل من سار على هديه إلى يوم الدين ، آمين. أمَّـــا بعد .....
فيا إخواني ويا أحبابي: فنحن جميعاً والحمد لله ، تحيا قلوبنا بإسراء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ............
كنُوزُ الإِسْـــــرَاء
إسراؤه العالي يجدد صـــفونا نعطى به خيراً يدوم كل عـــام
بشرى لنا بشرى لقد نلنا المرام أسرى الإله بسيد الرسل الكرام
والإسراء والمعراج - يا إخواني - هما كنوز الغيب الإلهية للأرواح التقيَّة النقيَّة، فيتناول منها العارفون فصوص الحكم، ودرر المعاني، وغيوب الأسرار، ليناولونها في حضرة النبي المختار، للمقربين والأطهار والأبرار.
نسأل الله أن نكون جميعاً من الجالسين علي هذه المائدة، مائـدة الفضل الإلهي، والعلم الرباني، والشراب المحمدي، نحن وإخواننا أجمعين .
وهذا الكنز منه عامٌ لجميع أهل الإسلام - وهذا نذكره في خطب الجمع والمجالس العامة؛ وكلمة المجالس العامة بالنسبة لإخواني وأحبابي الدعاة، يقول فيها الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{{ لو كان في المجلس ألف رجل من أهل مقام الإحسان، ورجل واحد من أهل مقام الإسلام، فلا علي الداعي أن يضيِّع ليلة بأكملها حتى لا يكشف السرَّ لغير أهله }}.
يعنى عليه أن يقضي الليلة بأكملها في الحديث عن الإسلام ومقام الإسلام، لماذا؟، حتى لا يكشف الدرر!!، ... كما قال سيدنا عيسى عليه السلام:
{{ لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير }}
والحكمة أغلى من الجواهر، والذي لا يقبل الحكمة شرٌ من الخنازير.
فمنه عام لجميع أهل الإسلام، ومنه خاص لأهل الإخلاص، ومنه خاص الخاص للخواص وأهل الإختصاص، وفيه أنوار لا تلوح إلا لقلوب صفت من الحظ و الأكدار، وفيه أسرار لا تظهر إلا لقلب نقى من الأغيار، وفيه ما لا يستطيع أن يبيِّن عنه الإنسان بالعبارة، ولا أن يشير إليه بالإشارة، لأن هذا سرُّ الله مع حبيبه ومصطفاه.
والحقيقة يا إخواني أننا جميعاً عاجزون عن الخوض في هذا الميدان، وكلنا لسنا من فرسان الحديث في هذا الموضوع، إلا إذا عمَّنا فضل الله، وأتحفنا إسعاف رسول الله، ووالتنا الإغاثة من بحور الفضل الإلهي، فتعمُّــنا وتعمُّ إخواننا، والفضل في ذلك لله .... أولاً وآخراً.
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[58يونس]
فنحن كلنا ضعفاء في هذا الميدان !..
والكلام الذي قرأه مثلي، أو سمعه غيري من الكتب أو من العلماء، كلها قشور إذا لاح النور، وكلها رذاذ إذا شرب الإنسان شربة واحد من معين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فهو يريد من الإنسان ليفقه أسرار الإسراء والمعراج، أن يلقى نفسه على الأعتاب، خاضعاً للجناب، وقد فرَّغ القلب مما سوى الوهَّاب، ويقول كما يقول الصالحون:
أنا الضعيف ارتمى على أعتابكم
منُّوا بوصل وأسعدوني بفضلكم
هذا يا إخواني السبيل الوحيد، أو المفتاح الأكيد، الذي يفتح لك به أسرار الحميد المجيد عزَّ وجلَّ.
بَيْنَ حَبِيبِ اللهِ وَأنْبِيَاء الله
الإسراء قد يتحدث فيه بعض الدُّعاة عن الفرق بين حبيـب الله ، وصفيَّ الله ، وأنبيـاء الله، وما لنا وما لهذا المجال؟!!، ... لأن هؤلاء كما قال الله:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
[253البقرة]
فالذي فضَّل هو الله، ويكفينا في هذا المجال أن الله عزَّ وجلَّ الذي أسجد لآدم ملائكة السموات، أسجد لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم جميع أرواح الكائنات، من بدء البدء إلى نهاية النهايات، فما من روح ظهرت أو ستظهر في الوجود، إلا وسلَّمت لسيد الوجود في هذا اليوم المشهود!!.
وبعد ذلك لا كلام!!!!، ... لأن الكل انطوى في المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
لكني أريد أن أتحدث مع إخواني - وكلنا والحمد لله من أهل الصفا والوفا - عن لمحة من أحوال الإسراء، لعل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الإسراء والمعراج إن شاء الله. في الإسراء والمعراج : ....
ثبَّت الله عزَّ وجلَّ المقامات الروحانية، ووضح الطريق الموصل إليه، الذي يرغب فيه أهل الخصوصية، فالذي يريد أن يصل إلى الله وضح له الطريق، وبين مراحله ومراتبه، ومكافآته ومقامته، بأجلى بيان. .... لا يحتاج المرء بعد ذلك إلى بيان، لكن كل ما يحتاج إليه؛ أن يدعو نفسه للعيان، ... فليس بعد هذا البيان بيان.
الْمَقَـام المَحْمُود
فمن أراد الوصول إلى الله: .... فلتكن بدايته هي بداية رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
ينقِّى قلبه من الأغيار، ويغسله بالماء المعين، والعلم النافع المدار على قلوب الأطهار والأبرار، ثم يقيم بدنه وجسمه في مقام الأخيار، عاملاً بطاعة الله، وخاصة في الوقت الذي أسرى فيه الله بحبيبه ومصطفاه. ......
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴾ [79الإسراء]
فالذي يريد المقام الذي يحمد فيه!!، ويحمده عليه أهل السموات!!، ... وعمار الملكوت!!: ...
فلابد وأن يكون له سير إلى الله في الليل، لابد وأن يكون له قسط بين يدي الله في جنح الظلام ، والناس نيام، ولا يعلم به أحد إلا الواحد الأحد، ولو فحصنا دواوين الصالحين، وحكايات المقربين، لوجدنا العجب العجاب في هذا الباب، فما دارت عليهم الأكواب من طهور الشراب، إلا في الليل والناس نيام!!!!.
وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم عن هذا المقام:
سقونى الراح في ليل التدانى
بكأس النور من بحر المعانى
فالكأس من النور، ... والبحر ... بحر الحبيب، بحر معانى ، وليس بحر مبانى، كالتي نصطاف عليها هنا. متى يحدث هذا؟!! ... لابد وأن يكون له سير في الليل إلى الله عزَّ وجلَّ، ومن أجل هذا قالوا في حكمهم:
{{ من لم تكن له في بدايته قومة، لم تكن له في نهايته جلسة }}
وعندما سألوا الجنيد رضِيَ الله عنه وأرضاه؛ بعد أن عجبوا من الأسرار التي أفاضها على لسانه الله!!، أشار إلى حجرة صغيرة تحت سلم بيته، وقال لهم:
{{ هذه الأسرار من هذه الحجرة }}
يعنى من التجلى بين يدي الله في الأسحار والناس نيام، لأن هذا وقت الصفاء مع الواحد الأحد عزَّ وجلَّ. وكذا عندما سألوا الشيخ عبد العزيز الدباغ رضِيَ الله عنه وأرضـاه: لماذا خص ربنا وقت السحر باستجابة الدعاء؟!!!، فقال:
{{ لأن هذه هي اللحظة التي ولد فيها سيِّد الأنبياء صلى الله عليه وسلَّم }}
فهذه هي لحظة الإجابة.
فإذا سار الإنسان إلى الله ، فعليه أن يفعل كما فعل الصالحون، فيكون له وقت من الليل، ولا يحب أن يطلع عليه أحد بالنهار، حتى كانوا رَضِيَ الله عنهم وأرضاهم يقومون الليل كله، فإذا أصبح الصباح ، يضع أحدهم على شعره زيتاً، ... وفي عينيه كحلاً، ... حتى إذا مشى، ... لا يلاحظ عليه الناس أثر السهر!!، لماذا؟
﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [28الكهف]
لا يريدون أحداً من الناس، فالذي يلتفت للناس يكون يا إخواني قد وقع في اللبس والإلتباس، وضاعت مكانته عند ربِّ الناس عزَّ وجلَّ!!.
فخلِّ الخلق خلفك ثم عامل
بصدق ذات مولاك العلية
مَنَازلُ القُـرْب
ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم منازل القرب ومراتب الرجال :
وهي إلى يوم القيامة كما بيَّنها وذكرها في تلك الليلة المباركة ، فمنا من يلتفت إلى هذه المنزلة مرَّة وإلى غيرها تارة ..... قال تعالى ( U152 S آل عمران ) :
﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ [152آل عمران].
هؤلاء جماعة!، وهؤلاء جماعة!، ...
لكن يوجد جماعة فينا يريدون الإثنين معاً ؛ يلتفت إلى هذه وقتاً ، ويلتفت إلى الأخرى وقتاً آخر ، وهذا لن يترقى أبداً عن المرتبة الآدمية وسيظل واقفاً عند هذه المنزلة الآدمية ، وليس له في الحياة الروحانية ؛ لأن سيدنا آدم كان يلتفت مرة لأهل السعادة ، ومرة لأهل الشقاوة ، وهذا كذلك .... لأنه يلتفت حيناً لأهل الله يريد أن يسير معهم ، ويلتفت أخرى لأهل الدنيا يريد أن يصبح مثلهم ، وبذا يظل ثابتاً على هذا الحال ، ولن يرقى إلى مراتب الرجال.
الْحَيَاةُ الإيمَانِيَّـة
أما أولُّ مرتبة من مراتب الرجال : .....
فإذا أحيا في قلبه الحياة الإيمانية ، لكن لا يجعلها مثل الحياة العيسوية !! ؛ فلا
يولِّى وجهه نحو الدار الآخرة ! ، ويترك الدنيا بالكليِّة !!! ، من أجل هذا جاء لنا صلى الله عليه وسلَّم بالمزيَّة في هذه الحياة الإيمانيَّة المحمَّدية ؛ فقال صلى الله عليه وسلَّم :
( إِنَّ لِرَبكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقَ حَقَّهُ ).( )
يعطي لكل واحد حقَّه ، يعطي ما في قلبه لله ، ويعطي جسمه وجوارحه لخـلق الله، وهذه هي القسمة العادلة .، وغيرها ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [22النجم]، كما أخبر الله عزَّ وجلَّ.
فالذي يجعل قلبه وكلَّه للناس ، فقد ضيع مكانته عند ربِّ الناس عزَّ وجلَّ ، والذي يجعل قلبه وجوارحه للدار الآخرة ، يصبح وقد ترك المهام والتكاليف التي كلَّفه بها ربُّ العالمين عزَّ وجلَّ ، والتي منها : .....
﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [6التحريم]
والتي منها في قوله تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [132طه].
والتي منها في قوله تعالى:
﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [37النور].
هذه كلها تكليفات كلَّفنا بها الله عزَّ وجلَّ .
فالذي يحيا الحياة الإيمانية ويخرج هائماً في الجبال أو في الصحارى أو في البراري ، لا يشعر بليل أو نهار، ولا يعرف للذهب أو للمال مقدار!!!،
أهذه الحياة المطلوبة عن

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up