بحث متقدم

اشراقات الإسراء (الجزء الأول)

اشراقات الإسراء (الجزء الأول)

اشراقات الإسراء (الجزء الأول)

اقرأ الكتاب
  • عنوان السلسلة

    الحقيقة المحمدية

  • تاريخ النشر

    25 - يوليو - 2006

  • عدد الصفحات

    208

  • رقم الطبعة

    الطبعة الثانية

  • مرات التحميل

    630

  • كود التحميل

    غير موجود
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

اشراقات الإسراء (الجزء الأول)

مقدمة الطبعة الأولى والثانية

بســــــم الله الرحمن الرحـــــــيم
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾
(1-الإسراء)

حبيبٌ دعاه الله للقرب واللقـــــــــا
و منه دنا لطفا ثمَّ حيَّاه
وناداه يا محبوب ذاتي و نورها
تنعم بنور الوجه إني أنا الله
عليك لقد صلَّيت بالذات منَّة
و أوليتك الرؤيا و ما ترضاه
وجمَّلت بالأنوار ملكي تكرما
بمسراك حتى لاح نور سناه
من البيت للقدس المطهَّر للسما
إلى العرش من عال إلى أعلاه
إلى الرفرف الأعلى إلى النور والخفا
إلى حضرة التنزيه من مجلاه
إلى الحظوة الكبرى إلى الجلوة التي
تعالت عن التعبير جلَّ الله
إلى قاب قوسين التداني وفوقها
إلى حيث أو أدنى فواجه مولاه
رأى الآية الكبرى بغيب جمالها
ومولاه بعد شهوده ناجاه
الإمام محمد ماضي أبو العزائم
مُقَـدِّمَةُ الطــَّبْعَةِ الثــَّــانِيَة
بسم الله الرحمن الرحــــيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على حبيب الله ومصطفاه ؛ سيدنا محمد ؛ إمام أهل الهدى وباب القرب لحضرة الله ، وآله وصحبه وكل من والاه .... وبعد ...
طلب مني بعض الإخوة الصادقين ؛ إعادة طباعة كتاب "اشراقات الإسراء – الجزء الأول " ؛ نظراً لأنه دليل وافٍ للسالك إلى الله ، وتوضيح كافٍ للواصل إلى مولاه ، وبيان شافٍ للمتمكن في طريق الله ؛ فاستخرنا الله تعالى في ذلك ، وقمنا بمراجعته ، ثم عزمنا على أن نضيف إليه ما استجد ( الجزء الثانى ) في احتفالات الإسراء السنوية بمسجد الأنوار القدسية بالمهندسين بالجيزة ، حيث أننا اقتصرنا في جمع المادة العلمية لهذا الكتاب على السهرات المباركة التي تقام في هذا المسجد كل عام ، ولم نسجِّل فيه كل ما فُتح علينا به بشأن هذه الرحلة المباركة في كافة الإنحاء ؛ خوفاً من الإطالة والملل .
وقد قام الإخوة الصادقون الحاج مصطفى عبدالموجود والحاج محسن عبدالحي بتفريغ هذه الدروس من شرائط التسجيل وكتابتها، كما قد قام بذلك في الطبعة الأولى من الكتاب ( الجزء الأول ) الدكتور أحمد عبدالله القاضي، وقام الإستاذ أحمد سعيد الغنام بكتابتها على الكمبيوتر وتخريج الآيات والأحاديث، ثم قام أهل الإختصاص بمراجعتها لغوياً وإملائياً وإخراجها فنياً والإشراف على الطباعة، فجزاهم الله جميعاً عنا خير الجزاء، ورزقهم الله ببركة حبهم لحبيبه ومصطفاه البركة في أوقاتهم، والصحة والعافية في أجسادهم، والحفظ لجوارحهم وأعضائهم، والزيادة والنماء في أموالهم، والإخلاص والصدق في أعمالهم وأحوالهم، والله أسأل أن ينفع به من قرأه، ويجعله نوراً وفتحاً لمن عمل بما فيه، وصلى الله على معلِّم الناس الخير، وعلى آله وصحبه وسلم.
فَوْزي مُحَمَّد أبُوزيد

مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الأولى ( الجزء الأول )
بسم الله الرحمن الرحــــيم
الحمد لله العلي القدير، له وحده الإرادة النافذة، والقدرة الفاعلة، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. والصلاة والسلام على سرِّ تجلى حضرة الذات ، ومنتهى الكمالات ، المسربل بجميع الأسماء والصفات ، سيِّدنا محمد فاتح كنوز الفضل والهبات والمفاض منه النور والهداية لجميع الكائنـات ، وآله ورّاث هذه الحضرات ، والعامـلين بهديه إلى يوم الميقـات ، آمين .
يهتم السادة الصالحون بإحياء ليالي الفضل والإكرام، التي اختصَّها الله عزَّ وجلَّ بمزيد من الجود والإنعام، وذلك على مدار العام كليلة القدر، وليلة بدر، وليلة عاشوراء وغيرها وقد دعاهم إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلَّم:
(إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزّ وجلّ في أَيّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَها، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقى بَعْدَها أَبَداً )( )
وحثَّهم حثَّاً شديداً على ذلك قوله عزَّ وجلَّ فى معنى حديثه الشريف:
( إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً سَخَّرَهُ لأفْضَلِ الأعْمَالِ فِي أَفْضَلِ الأوْقَاتِ )
ومن الليالي التي أولاها شيخنا وإمامنا الأمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه عناية خاصة؛ ليلتا الإسراء والمولد النبوي الشريف؛ لما لهما من صلة بحبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم، وقد سار على هذا النهج في إحياء هذه الليالي الكريمة ؛ شيخنــا ، ومربِّى أرواحـنا مولانا الشيخ محمد علي سلامه، فقد كان يحييهما مع الأحباب في مسجد الأنوار القدسية بالمهندسين بالقاهرة - والذي أسَّسه رجل البر والإحسان المهنــدس علي عبد اللطيف -والذي قد كان له أيضاً - بارك الله فيه وأجرى الله الخير على يديه - شرف تحمل نفقات الحفلين من ماله الخاص رجاء ما عند الله عزَّ وجلَّ.
وبعد انتقال فضيلة مولانا الشيخ محمد علي سلامة رَضِيَ الله عنه إلى الرفيق الأعلى في مكة المكرمة يوم الأحد الموافق 4 من ذي الحجة 1411هـ 16 من يونية 1991م ، أصر الأحباب على استمرار هذه المآثر الكريمة في الاحتفال بهذه الليالي العظيمة .
وقد كان للعبيد الضعيف شرف تلقي النفحات الربانية، والإلهامات النورانية التي يفيضها الله عزَّ وجلَّ فضلا منه وكرما لعباده الصادقين، وأحبابه المخلصين، في هذه الليالي المباركة، فجاءت فيضاً من الله لا بسابق إعداد؛ وإنما بمحض إمداد من حضرة المنعم الجواد، فما كان فيها من فتح ومن فضل فمن الله عزَّ وجلَّ، وما كان فيها – إذا وجد – من خطأ ومن زلل فمن عجلتي وزللي ، وقد قام أخوان صدق بجمعها ونسخها، ثمَّ مراجعتها و نشرها؛ فجزاهم الله عنَّا خير الجزاء.
وقد ركَّزنا في موضوعات هذا الكتاب – وإن كانت كلها فتحاً من الله – على الجانب السلوكي الذي يحتاجه السالك في طريق الله ؛ ليتأسّى فيه بمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فيفتح الله عليه ببعض ما يخصُّ به عباده الصالحين من إشراقات نورانية ، وتوجيهات روحانية ، ومكاشفات ملكوتية ، وشفافية قلبية ، تجعله يتولاه بولايته ، ويخصُّه برعايته ، ويحفظه بكلاءته وصيانته ، ويجعله من أهل قربه ومودَّته ...
ومع ذلك ، فنحن نقول كما قال الإمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه:
لست أقوى أن أبيِّن بالمقال لا ولا أبدى الخفا منّى بحال
أخبر الله بآي أحكمت أنه أسرى بعبد للوصال
فقه عبد روحه جسم فدع قول من لم يفقهن سر الرجال
لفظ عبد يقتضى الجسم الذي فيه عقلٌ فيه روح و الخيال
جمّل الفرد بنور جماله صار نورا فوق أعلى فوق عال
والله اسأل أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بهذا الكتاب كل من قرأه بفتح في نفسه ونور في قلبه وتقريب إلى ربه عزَّ وجلَّ.
( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )
(286البقرة)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

السبت 26 من جمادى الآخرة 1419هـ ، 17 أكتوبر 1998م .
العبيد الساجد على أعتاب مولاه طالباً لفضله ورضاه
فوزي محمد أبوزيد

الباب الأول: لَطَائِفُ الْمُرَادِينَ فِي إِسْرَاءِ النَّـبِيِّ الأَمِيِنِ

لَطَائِفُ الْمُرَادِينَ فِي إِسْرَاءِ النَّـبِيِّ الأَمِيِنِ ( )
الحمد لله الذي أنعم علينا بإسراء ومعراج سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، والشكر لله لأنه فتح الباب للأحباب حتى ينال أفراد من هذه الأمة بعض ما ناله رسل الله السابقون وأنبياء الله أجمعون .
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد كنز عقد النبيين، والجوهرة الفريدة في جبين الخلائق أجمعين، والماسة العظمى التي تفتح أبواب الفضل للطالبين والراغبين، والجوهرة القرآنية التي تضئ دياجر الظلام للواصلين والعارفين، صلوات الله وسلامه عليه، صلاة نعيش فيها في أنواره، ونقتبس منها بعض أسراره، ونتحلى بها بقدر جماله، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين .
فبشرى بمعراج الحبيب وأسراه
وبشرى لنا نلنا مشاهد معناه
الحمد لله يا إخواني كلنا حفظنا القصة ... قصة الإسراء والمعراج، وما ظهر فيها وما حدث فيها، وبعضنا يحفظها عن ظهر قلب، ولكن جال في خاطري شئٌ من معاني هذه القصة؛ عبرة للسالكين، ونوراً للواصلين، وبهجة للمقربين، فأحببت أن أبين لإخواني بعض ما تفضَّل به الله عزَّ وجلَّ عليّ .
الإعْـدَادُ للإسْـرَاء
والقصة تبدأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان نائماً، بعض الروايات ذكرت أنه كان نائماَ في حجر سيدنا إسماعيل، وبعضها قالت أنه كان نائماَ بالقرب من زمزم، وبعضها قال أنه كان نائماً في دار بنت عمه السيدة أم هانئ رضى الله عنها وأرضاها - والكل يتفق أنه كان نائماَ - ثم جاء سيدنا جبريل عليه السلام ، و الكل يتفق أنه أيقظه من نومه ، ثم قال له كما روى بعض الصالحين: قم يا نائم! فقد هُيئّت لك الغنائم!!!.
قال: ماذا يا أخي يا جبريل؟ ... قال: الكريم يدعوك إليه!!!.
قال: وماذا يفعل بي؟ ... قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر .
قال: هذا لي ، فما لأبنائي ؟ و عيالي ؟ و أطفالي؟، ... قال:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [5الضحى].
قال : الآن طاب قلبي ، ها أنا ذاهب إلى ربي.
وبعد ذلك نزل جماعة من الملائكة مع جبريل - كما تذكر الروايات - وأضجعوه وأناموه بجوار الكعبة، وشقُّوا عن صدره، ثم أخرجوا قلبه، ووضعوه في طست، وغسلوه بماء زمزم ، ثم نزلت جماعة أخرى من الملائكة، ومعهم طست مملوءاً إيماناَ وحكمة ، وملؤا قلبه بالإيمان والحكمة من هذا الطست، ثم جاء بالبراق، وركب البراق، وشاهد الآيات التي في عالم الملك (عالم الدنيا) - و كلنا و الحمد لله نحفظها - وصلَّى بالأنبياء في بيت المقدس، ثم نزل المعراج، فعرج به في السماوات العلى، وصلى بأهل كل سماء ركعتين لله عزَّ وجلَّ ، حتى وصل إلى سدرة المنتهى ، إلي آخر القصة التي نعرفها .........
عِبْرَةُ الإسْرَاءِ للْحُكَمَاء
ما العبرة التي نأخذها من هذه الأحداث التي ذكرناها الآن ؟
قصة الإسراء و المعراج: هي قصة الوصول إلى الله ، و قصه معرفة الله ، وقصة إشراق الأنوار وظهور الأسرار بقلب اتصل بنور الله، وهي قصة الخروج من الظلمات إلي النور ، وأيضاَ قصة المسافرين الذين يسافرون - ليس من بلادهم أو محافظاتهم - و لكن يسافرون من أنفسهم وحظوظهم، وشهواتهم وأهوائهم؛ إلى ربهم عزَّ وجلَّ ، فكأنهم يقولون ما قاله الإمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه:
منى أسافر لا من كوني الداني
أفردت ربي لا حورٍ و ولدان
أي أسافر من نفسي، وليس ممن حولي، .... فالسفر الحقيقي إلى الله عزَّ وجلَّ كيف يبدأ؟، وكيف ينتهي؟، وما مكاشفاته؟، وأنواره ؟، و تجلياته ؟
كل هذا موجود في قصة الإسراء و المعراج !!!!! ...
بل إن شئت قلت: كل هذا موجود في آية واحدة من كتاب الله عزَّ وجلَّ:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾
[1الإسراء]
كل شئ موجود في هذه الآية!!، من بداية القصة إلي نهايتها، وإن كان يغيب عن الناس العاديين، لكن أنتم والحمد لله - بما آتاكم الله من نورانية وشفافية - تظهر لكم لمعات، وتظهر لكم قطفات من الأنوار في هذه الآيات، تعرفون بها بعض فضل الله علينا!!، وعليكم!!، وعلى الأمة المحمدية كلها!!.

يَقَـظَـةُ أَهْلِ الْعِنَـايَة
فالإنسان منا يكون نائماَ - في بداية شأنه - عن الواجب عليه نحو مولاه!، ولكنه يقظ لمطالب جسمه!، ونفسه!، وشهواته!، نائماً عن المطلب العالي للروح؛ والروح ليس لها مطلب منَّا، إلا مطلب واحد: أن تصلهـا بمبدعها ومنشئها عزَّ وجلَّ.
فهي لا تريد أكلاً!!، ولا شرباً!! ، ولا لفَّـاً!!، ولا دورانـاً!!! ....
بل كل ما تريده .... مطلبٌ واحدٌ:
أن تحظي بالفضل و الرضوان في معيَّة الحنَّـان المنَّـان عزَّ وجلَّ .
وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
تحنُّ الروح للعليا و تهوى منازل أنســـها بعــد البيــــان
وعند شرابها للراح صرفا تمزّق حجب أعراض الكيان
فالروح تحنُّ للمطالب العليا من الأنوار، والأذكار، والأسرار، والفتوحات، والمكاشفات، .... ولا تحن لأكل ... ولا شرب .... ولا نكاح، ... فهي لا تحنُّ إلا لجمال الله، أو أي شئ يتصل بكمال الله عزَّ وجلَّ، لأنها منبع الكمالات فيك.
لكن النفس لأن صفتها النقص دائماً، ترسلك إلي ما يشابهها.
فلما يتحقق مطلوب الروح ويأذن الله عزَّ وجلَّ بالفتوح، ... يرسل الله رسول الإلهام، ورسول الإلهام هذا ملك، فكل شخص معه ملك يرشـده، ويوجِّهه، ويلهمه، ومعه شيطانٌ يزيِّن له، ويوسوس له.
ولما يأذن الله بالقرب للعبد:
قد يكون نائماً في أودية الدنيا، سواء كان محجوراً عليه من النفس، حجرته في الملذات والشهوات والحظوظ، فهذا يكون مثل النائم في السجن، أو نائماَ في الطمأنينة وراحة البال ونعيم الدنيا، ونسى الآخرة ومطالب الروح ومطالب الله عزَّ وجلَّ، فيأتي ملك الإلهام ويوقظه، ويقول له:
........... قم يا نائم!!!! ... من نومة الغفلة، أو رقدة الجهالة، فقد هُيّئت لك الغنائم الإلهية من الإسراء، والفتوحات، والمكاشفات، والملاطفات.
بُـرَاقُ الأحِــبَّــة
فإذا استجاب: ... لابد أن يمسك مشرط المحبة، ولا يوجد شخص يمشى في طريق الله إلا على براق المحبَّة؛ لأن المحبَّة هي التي ستهوِّن عليه الطريق، وتسهِّل له كل صعب - وذلك حتى في الدنيا:
فعندما يحبُّ الإنسان المال، يتحمل في سبيله ويترك زوجته وأولاده، وينام في الغربة، ولا يأكل ما يحبُّ، وكل هذه الأشياء في سبيل الحصول على مطلوبه؛ لأنه يحب المال، ومع أن هذا مطلب دنىٌّ، فمن الممكن أن يتعرض للإساءة والهجر والقطيعة، ويتحمل هذا كله في سبيل الحصول على المال!! مثال آخر: .... شخص يحب امرأة، وجائز أهلها لا يريدونه، فتجده يلفُّ من هنا وهناك كي يحصل عليها.
ولكن حبَّ الله أرقى وأرفع، لأنه عزَّ وجلَّ قال: لا تصفوا حبَّ الله بشئ في الدنيا - مثل حبِّ المال أو الآباء أو الأولاد أو الأمهات، ولكن قولوا:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ﴾ [165البقرة]
فكلُّ الحبِّ للأشياء الأخرى لا يعادل ذرَّة من محبَّة المؤمنين لربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، هذا الحبُّ هو الذي يهوِّن الصعاب، ويسهِّل الطريق، ويعين الإنسان على بلوغ المراد، ويفتح بواسطة الحبِّ صدره ويخلع منه حظَّ الشيطان ، ويملأ القلب إيماناً وحكمة .
إشْرَاقَاتُ عَـالَمِ الْمَعَانِي
ولكن أين الإيمان والحكمة؟
أصحاب السنن يروون: أنهم أتوا للرسول بطست مملوءٍ إيمان وحكمة، ولكن هل الإيمان والحكمة شئ حسِّيٌّ أم معنوي؟، شئ معنويٌ طبعاً، وهل الشئ المعنوي يوضع في طست؟!!، لا ..!! ، ولكن الله يريد أن يعرّفنا حقيقة غالية: ... { أن المعاني في المعاني مباني }، فالأرواح معاني ولكن مع بعضها تكون مباني، وكل روح متميزة عن الأخرى، يكلمون بعضاً لأن هناك فوارق بينهم، فالملائكة عالم كله معاني، ولكن مع بعضهم يكونون مثلنا، ... يتحدثون مع بعض، ... وكل واحد مكلف بتكليف خاص به من الله عزَّ وجلَّ، ... أو من رئيسه المباشر من كبار الملائكة عليهم السلام.
لكن الإيمان والحكمة، فيهما إشارة عالية:
هي أن من يريد أن يسير إلى الله؛ لابد أن يأخذ علم الإيمان والحكمة من رجل أخذ هذه الأشياء من سماء فضل الله عزَّ وجلَّ، ولا يأخذهم من الكتب أو من الجماعة الذين ليس عندهم إشراقات روحانية ولا شفافية نورانية، فالكلام يحيي القلوب طالما أنه صادر من قلب حيٍّ، أما إذا صدر من قلب ميِّت، فلا يؤثر في المرء، وقد قال في ذلك الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه في حِكَمِهِ :
{ كما أن كل ماء لا ينزل من السماء لا ينفع - في سقي الزرع (الماء الراكد مثلاً)، كذلك كل علم لا ينزل من سماء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يرفع القلوب إلى مقام القرب من علام الغيوب عزَّ وجلَّ}.
إذن العلم الرافع: ... هو العلم النافع النازل من سماء فضل الله عزَّ وجلَّ في الحال على العباد الذين اجتباهم الله واختارهم الله عزَّ وجلَّ .
هذا هو العلم الذي اعترض عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان شيخ الإسلام في زمانه - ولما دخل وقابل سيدي أبا الحسن الشاذلي ، وكانوا جالسين في الخيمة في المنصورة في معركة لويس التاسع، والعلماء كل واحد منهم أخذ يدلي برأيه في مسألة من المسائل، والشيخ ساكت، وفي الآخر قالوا للشيخ: نريد أن نسمع رأيك في هذه المسألة؟ ...
فأفاض عليهم ما ألهمه به الله عزَّ وجلَّ ، فخرج ابن عبد السلام كطفل صغير!!، وأخذ ينادي على باب الخيمة: هلموا!! ... فاستمعوا إلى هذا العلم الحديث عهد بالله عزَّ وجلَّ ، أي استمعوا إلى هذا العلم النازل طازجاً من الله عزَّ وجلَّ .
هذا العلم الذي يحرِّك القلوب ويطهِّرها، ويصفِّيها ويقرِّبها إلى معاني حضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ.
يمحو الكيان بعاليه و سافله
علمٌ من الله بالإلهام في الوصل
فالذي يستطيع أن يمحو الكيان، ويجعله ينساق إلى الله عزَّ وجلَّ، هو علم الإلهام، لأن له جاذبيَّـة غريبة وعجيبة في قلوب المشتاقين والمحبين!!! ... بل وقلوب المؤمنين أجمعين. وما علامته؟ ... ، قالوا:
{ إذا كان الكلام عن النور يحدث لسامعيه السرور }
أي فذلك دليل على أنه وارد من عالم البرزخ.
ولو فتح الله للبعض عيون البصائر!!.. ، لرأوا القلوب الجالس أهلها في هذه المجالس، وكأنها مشدودة بخيط رفيع من النور لله عزَّ وجلَّ، فلا تستطيع أن تقوم!!، ولا أن تتحرك يميناً ولا يساراً!! ... لأنها مشدودة!!!، ومن الذي شدّها؟!!! ... هو الله!!، كي يضع فيها العلم النافع النازل من سماء الله عزَّ وجلَّ.
وإذا امتلأ القلب بهذا العلم الإلهامي ... تنفعل له الجوارح، ويصير الإنسان بعد ذلك في عالم الناس، وحاله كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾
[122الأنعام]
نُـــورُ الْبَصَـــائِرِ
هل من يسير بهذا النور يكون مثل أي شخص آخر؟
سأضرب لكم مثلاً لتعرفوا الفرق بين الاثنين؛ ... أحياناً نرى رجلاً أخذ الدكتوراة في العلوم الفقهية والشرعية والحديث، ومع ذلك نراه يرتكب المعاصي!!، إذن أين علمه؟ لماذا لم يمنعه؟
وتارة نرى رجلاً أميَّـاً لا يقرأ ولا يكتب!!، ولكن عنده وازع في باطنه يمنعه من المعاصي، حتى أنه قد يتعرض لأمور وفتن شديدة ، ومضايقات، بل واضطهاد، ولكنه يرفض أن يفعل المعصية، لأن النور الذي ينزل مع علوم العارفين، والذي يقولون فيه :
{ تسبق أنوارهم أقوالهم ؛ فتجذب القلوب وتهيأها لسماع الغيوب }
هذا النور: ... هو الذي يمنع الإنسان عن معصية الله عزَّ وجلَّ:
وعندما يأتي في دنيا الناس؛ يرى المعاصي مثلما رآها رسول الله، ويرى الطاعات مثلما رآها رسول الله - ولكن طبعاً صورة على قدره، وليس الصورة كلها - فيرى المعاصي لو تهيأت له على أنها جهنم، وعلى أنه سينزل فيها!!، إذن هل يفعلها؟ ... لا، وهذا ما يقول فيه الله سبحانه وتعالى:
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾
[5-6التكاثر]
فمن يتعلم علم اليقين؛ يرى جهنم في المعاصي، وقد يصل الأمر إلى أن بعض الناس يرون الخلائق على هيئتهم الباطنية، فنحن جميعاً مثل بعض ظاهرياً، ولكن الصورة الداخلية: يظهر فيها حقيقة الإنسان، ونيَّته، ولبُّه.
فهناك أناس يعيشون في الدنيا ، وكل همهم الإقبال على شهوة الطعام والشراب، وهؤلاء يقول عنهم الله:
﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [12محمد]
وهناك أناس ليس لهم همٌّ في الدنيا إلا شهوة الفرج، ويقول عنهم الله:
﴿أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. [179 الأعراف]
فالذي عنده يقين؛ يمنعه هذا اليقين عن معصية الله عزَّ وجلَّ .
إذن ما الذي يمنع الإنسان من المعاصي ؟ لا يوجد شئ إلا حجاب العلم الإلهي ، وحاجز النور الرباني الذي ينزل في القلب ، ويمنعه من هذه المعاصي ، ويريه هذه الطاعات ، ويعرِّفه أنها رياض الجنَّات ، فيرى المجلس الذي نحن فيه الآن ، ليس مجلس علم فقط ولكنه روضة من رياض الجنَّة، وهذه حقيقة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال:
( إذَا مَرَرْتُمْ برِيَاضِ الْجَنَّةِ فارْتَعُوا ، قالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قالَ حِلَقُ الذِّكْرِ)، وفى رواية: ( مجالِسُ العِلْمِ ) ( )
فالإنسان الذي يرى هذه المجالس روضة من رياض الجنة!! ماذا يفعل؟!! يجري ويسارع إلى هذه المجالس لطاعة الله عزَّ وجلَّ، ويرى هذه المشاهد - وهي كثيرة وكثيرة - يراها العارفون والواصلون والمتحققون بعد صفاء اليقين، وبعد عمارة قلوبهم بنور ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، حتى أنك تسمع أن بعضهم يرى الشخص ويعرف إن كان جُنُباً أو طاهراً؟، ويقول له: قم واغتسل!!، ويرى الشخص ويعرف إن كان عاقاً لوالديه؟، ... أو باراً بهما ؟، ... ويرى آخر ... ويعرف إن كان صادقاً؟، ... أو كذاباً ؟، ... أو مغتاباً .... الخ.
يعرف هذا كله عندما ينظر في وجه الشخص الذي أمامه؛ لقوله عزَّ وجلَّ:
﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [273البقرة]
وهذا في الأنبياء والمرسلين، وفي المقربين بعدهم إلي يوم الساعة:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [75الحجر]
فهم الذين يرون بنور الله الأشياء الخفيَّة الموجودة في صدور ورؤوس عباد الله.
وهذه الحالات إذا تمكن فيها المرء:
يرى في هذه اللحظات ... الصادقين والمرسلين والنبيين، لأنه قد بدأ يمشي على الطريق الصحيح الموصل إلي الله، يأتونه ليعلِّموه، ويوصِّلوه، ويبشِّروه؛ فكلما ينام، أو إذا قوى في عالم المثال!!!، يرى نفسه في حضن نبيِّ من أنبياء الله، يتكلم معه، ويأخذ منه شيئاَ مما أعطاه له الله عزَّ وجلَّ.
فدائماً عندما ينام يجد نفسه مع فرد من الأفـراد الوارثين، أو مع ولى من المقربين، أو مع صدِّيق من الصديقين، فهو إذن ينام مع الأرواح النورانية؛ فيساعدوه، ويغذُّوه، ويعضدوه، ويبشروه؛ لكي لا تفتر عزيمته، ولا يكلّ، ولا يملّ، ويظلّ في الإتجاه الصحيح إلي الله عزَّ وجلَّ.
فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ بالرؤية الصالحة: أصبح فيه قبساَ من نور القلوب، قال صلوات ربى و تسليماته عليه:
(الرُؤْيَا الْصَالِحِةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ.) ( )
عُـــــرُوجُ الأرْوَاحِ
فيكون فيه جزء من النبوَّة يدفعه إلي بقية الأجزاء، و بالتالي يعرج إلي الله، والمعارج إلي الله هي نفس المعارج التي عرج عليها رسول الله، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [1 الإسراء]
فلو قال بنبيِّه أو برسوله، لكان الباب بالنسبة لنا مغلقاً، ولكنه تعــالى قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ أي أن كل شخص أصبح فيه صفات العبودية الكاملة لله يعرج بروحه إلي الله عزَّ وجلَّ، والفارق بينه وبين رسول الله ... هو أن الشخص العادي يعرج بروحه، أمَّا النبي فكان معراجه بالروح والجسد معاً، وفي سبيل عروجه إلي الله يمرُّ بسبع طرائق، وهي التي أشار إليها رسول الله بالسموات السبع.
ففي السماء الأولى كان سيدنا آدم، وفي الثانية شاهد سيدنا عيسى، وفي الثالثة إدريس، وفي الرابعة شاهد سيدنا يوسف، وفي الخامسة سيدنا هارون، وفي السادسة سيدنا موسى، وفي السابعة شاهد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وبعد ذلك وجد البيت المعمور؛ وهي السبع مراحل التي يمرُّ بها السالك حتى يكون قلبه بيتاً معموراً بأنوار الله وبأسماء الله وبجمالاته عزَّ وجلَّ.
فلما يُمَتَّع بالرؤيا المنامية والتزكية الروحية من الأنبياء و المرسلين؛ يخرج من طور الآدمية وصفاتها التي تنازعه لكي يتجمَّل بالجمال الروحاني، فلا يحرمه الله من شئ، بل يقول له خذ ما تريده، ولكن كما أريد أنا وليس كما تريد لنفسك.
فإذا أخذ كلَّ ما أُمِرَ وفق شرع الله، ومتأسياَ فيه بفعل النبي؛ أصبح يمشي على الصراط المستقيم، وعلى النهج القويم، فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ واستطاع بنور البصيرة أن يخرج من صفاته الآدمية؛ مثل الغضب، الجهل، المنازعة .. الخ، ويتجمَّل بالصفات المحمَّدية، ويرقى عن رتبة الآدمية؛ فيحييه الله كما أحيى ( يحيى ) الحياة الإيمانية الروحانية، السليمة، ويُلْقى عليه روحاً من عنده، كما ألقى على عيسى عليه السلام:
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [15غافر]
يُلقى عليه الله روحاَ من عنده؛ فيجعل حياته كلها روحانية نورانية، ويبدأ في مقام المدارسة؛ ليس للكتب!! ولكن للإشراقات الإلهية والعلوم الربانية في الكائنات، لأن الله عزَّ وجلَّ أودع في الكائنات من العلوم والكنوز ما يحتار فيه العقلاء والعلماء؛ ولكنه لا يبيحه إلا لمن صفت قلوبهم، وطهرت نفوسهم، وأصبحت قلوبهم مشرقة بنور الله عزَّ وجلَّ .
وبعد أن يدرس الآثار الكونية، والأسرار الربانية، والعلوم الوهبية ؛ يتجلى الله عليه بجمال روحاني، كالجمال اليوسفي الذي متّع به يوسف، فكل من يراه يحبُّه، وكل من تقع عينه عليه يريد أن يجالسه ويأتنس به، ويكون معنياً بقول الرسول صلى الله عليه وسلَّم :
( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِني أُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ )( )
وأهل السماء هم الذين يريدون أن يسموا بإيمانهم، ويرتفعوا بأرواحهم؛ ليكونوا مقربين عند الله عزَّ وجلَّ.
يُحِبـُّــــهُ كلُّ قلبٍ مطهَّرٍ لِي صلَّى
له الملائكُ تَسْجُد سِجُودُهَا لِى قَبْلاً
فكل الناس تحبُّه من أجل السرابيل الروحانية التي جمَّله بها الله عزَّ وجلَّ، ويراه أهل الوداد نور الهدى يتجلَّى؛ فيرون أن هذا نور من عند الله، نزل ليكشف لهم مراتب القرب من الله عزَّ وجلَّ، فيجالسوه، ويتوددوا إليه، لأنهم يرونه نوراً نازلاً من الله عزَّ وجلَّ.
وجمال النور ليس جمالاً جسمانياً، ولكنه روحاني كالذي كان مجملاً به سيدنا يوسف عليه السلام، وبعد هذا الجمال الروحاني والتشريف الرباني؛ يتفضل الله عزَّ وجلَّ عليه بالحكمة الروحانية، وسيدنا هارون عليه السلام كان يسمى هارون الحكيم؛ لأنه كان حكيماً في تصرفاته، حكيماً في أقواله وأفعاله وخصاله، وفي كل منازلاته:
﴿ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[269البقرة]
وبعد أن يأخذ الحكمة، ويصبح رجلاً حكيماً في كل تصرفاته وسكناته وفعاله وخصاله، يقرِّبه الله إلي حضرته، ويناجيه، فيكون مفترشاً التراب، ولكنه يناجي الله عزَّ وجلَّ، مثل سيدنا موسى كليم الله:
فقد كان يتكلم مع الله، ولا يشعر به من يجاوره!!.
ولقد جعلتك في الفؤاد محدّثي
وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم منّى للخليل مؤانس
وحبيبي قلبي في الفؤاد أنيسى
وقد سألوا سيدنا عليًّا رضِيَ الله عنه وقالوا له: كيف حالك مع الله؟، فقال:
{ عبدٌ إذا سكتُّ ؛ إفتتحنى بالكلام، وإذا دعوت ؛ لبَّاني، وإذا سألت؛ أعطاني.}
حتى أنه وصل به الأمر ذات يوم أن قال لهم:
{ سلوني قبل أن تفقدوني!، فو الله لو سألتموني عن شئ في السموات أو في الأرض، لأخبرتكم به}.
وهذا مقامٌ يكون صاحبه مع الله .. ما نطق به لسانه، ... وتحركت به شفتاه، ... بسرِّ قوله عزَّ وجلَّ فى الحديث القدسى:
( أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ ) ( )
وفيه يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
يا لساني ذكرت من تهواه
ما تقول؟ فقال قلت الله
يا فؤادي شهدت من تهواه
ما رأيت؟ فقال نور سناه
وقد يسأل بعضنا: هل أمثال هؤلاء الناس موجودون؟
نعم!!!، موجودون في كل زمان ومكان!!، ... إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، .... لكن الناس الذين شغلتهم الأمور المادية لا يرون هؤلاء الناس.
فإذا أزاح الإنسان ستارة المادة، ورأى بعين البصيرة!!، ... يجدهم موجودين في كل زمان ومكان، ... إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولا تظنوا أن هؤلاء الناس موجودون في مصر فقط!!، ولكن هناك في أمريكا، وجنوب أفريقيا، والسنغال، والنيجر، وأوروبا، وروسيا، وفرنسا!!!، ... فكل مكان في العالم - وصله نور الإسلام - يوجد فيه هذه الأصناف؛ لأن هذه حكمة الله، ونور الله المنتشر في الأكوان، ولا ينطفئ مدى الزمان أو المكان، .... بل يزيد!!!!.
شمس الحبيب الهادي أنوارهــــا في ازدياد
فكلمَّا تزيد ظلمة الكفر؛ تزيد أنوار الهداية ... لتواجه ظلمة الكفر.
والآن نرى قوة الكفر، وحبائل المسيخ الدجال معهم، إلا أن نور الإيمان ساطع، ونور الإسلام ظاهر، لأن الأنوار الموجودة توسِّع القلوب، وتُمدُّها وتُهيِّئها، ولكنا لا نراهم، ... لأنهم يعملون من وراء حجاب الأسباب، وهم قائمون مدى الزمان والمكان، ... إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها!!!.
الْمُكَالَمَـــــــةُ وَالْخُـلَّــــــــــــة
وعندما يصل الإنسان إلي مقام المكالمة ...
يصل إلي حال يذكر الله فيه ليس باللسان فقط، ولكن بكل حقيقة من الحقائق الظاهرة والباطنة!! ... فالعين تذكر!!، ... والأذن تذكر!!، ... والأنف يذكر!!، ... وكل شعرة تذكر!!، ... وكل ظفر يذكر!!، ... وكل حقيقة من الحقائق الظاهرة والباطنة تذكر الله!!، ... وليس بلسان الحال!!، ولكن بلسان فصيح!!.
هنا تحولك محبة الله .... إلي مقام الخليل.
تخّللت موضع السّر منّى وبذا سُمِّي الخليل خليلاً
فالخليل ....
هو من أصبحت محبَّة الله في كل ذرة من ذراته، وفي كل حقيقة من حقائقه؛ حتى أن رجلاً منهم كان نازلاً بغداد ... وآخر قذفه بحجر فجاء في رأسه، ... فنزل الدم من رأسه، ... وكتب: الله ... الله ... !!
بعد أن يرقى إلي هذا المقام الكريم - مقام الخلَّة - يكون خليلاً لله عزَّ وجلَّ ؛ فيعمِّر الله عزَّ وجلَّ حقائقه العالية والدانية بأنواره العالية الروحانية، ويلقى عليه الله عزَّ وجلَّ نَفْسَاً قدسيَّة من لدنه، تكون بمثابة الرفرف الأعلى الذي يعرج به إلي قاب قوسين أو أدنى!!، ... ولذلك ... فالأفراد الروحانيون المجاذيب العيسويون، نهايتهم سدرة المنتهى.
ولكن يطلع بعد ذلك الأفراد - الذين أفردهم الله عزَّ وجلَّ لحضرته، ولم يكن في قلوبهم ذرَّة من غيره ذكره سبحانه وتعالى ومشافهته، وهؤلاء يعطيهم الله روحاً من عنده .... خاصة بهم!!، يعرجون عليها إلي مقامات السرِّ ... التي لا يطلع عليها ملك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، وإنما كما قال عزَّ وجلَّ :
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [10النجم]
هذه باختصار مراتب السير و السلوك إلي الله عزَّ وجلَّ .
والعبد الذي يرتقي في هذه المراتب ... تعرض عليه الجنة، ومنازل القرب، وخزائن فضل الله، وخزائن كرم الله، وجمالات الروحانيين من ملائكة الله، فإذا كان يريد شيئاً من هذه الأشياء!! .. يقف عندها، لكن الرجل المفرد لله بالقصد، كلما أراد أن يقف عند حقيقة ... نادته هواتف الحقيقة:
{{ لا تقف، إنما نحن فتنة، والمطلوب أمامك!! }}
مِعْـرَاجُ أبِي يَزِيـدٍ الْبِسْطَامِى
وفي هذا رُوىَ عن سيدي أبي اليزيد البسطامي ما رآه في المعراج، وقد روى ذلك أحد تلاميذه:
أنه خرج وراءه بعد صلاة العشاء - دون أن يدرى به - فدخل خلوته، ووقف على قدم واحدة يناجى الله عزَّ وجلَّ - حتى قرب مطلع الفجر - ثم صلَّى، وأكمـل ركعتين خفيفتين، فالتفت فرآه، ... فقال له: ... منذ متى أنت هنا؟
قال: ... منذ صلاة العشاء، قال: وماذا تريد؟!!.
قال : أريد أن تبين لي شيئاً مما رأيته في هذه الليلة!!، ... فقال له: لن تستطيع تحمل ذلك!!، ... فأخذ يتوسَّل إليه، فقال له: سأظهر لك شيئاً تستطيع تحمله ....
لمَّا وقفت بين يديه عزَّ وجلَّ:
أخذني وطاف بي عوالم الملك و الملكوت كلها، حتى وصلت إلي سدرة المنتهى، وكلما وصلت إلي عالم من العوالم، قلت له : مرادي غير هذا!!، ثم كاشفني بعوالم السماوات، وأنا أقول: مرادي غير هذا!!، ثم أدخلني الجنَّة وكاشفني بما أعدَّه فيها للمقربين والصديقين والشهداء والصالحين، وأنا أقول له: مرادي غير هذا، ثم كاشفني بعوالم اللوح والكرسي والعرش؛ كل هذا وأنا أقول له: مرادي غير هذا ... !!!
فأوقفني بين يديه، وقال لي: ماذا تريد؟، ... فقلت: أريد ألا أريد!!!، .... فقال: أنت عبدي حقاً، ... وأنت وليى صدقاً. ... لماذا؟!!! ......
لأنه لم يلفته شئ - من زهرة الدنيا، ولا من أنوار الآخرة، ولا من الجمالات الروحانية - عن مطلبه الأعلى، ... وهو الوصول والاتصال بالله عزَّ وجلَّ .
و الوصول ليس بالمفهوم الحسي، ولكن كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
بلا كمّ ولا كيف ولكن بأنوار تعالت معنوية
لأن هذه أشياء فوق العقول، وفوق الأرواح، بفيض من فضل الكريم الفتاح عزَّ وجلَّ على عباده المؤمنين.
وقد أحببت أن ألفت نظر إخواني إلي هذه الفصوص من الحكمة الإلهية؛ التي لو خرج منها فصٌ واحدٌ إلي هذه الدنيا!!؛ ... لكفى كلَّ العلماء والحكماء!! ... إلي ما شاء الله عزَّ وجلَّ!!!، ....
لكن لهذه الحكم الروحانية أنوار قدسيَّة، لا تفاض إلا لمن أخلوا قلوبهم عن الشهوات .. والحظوظ .. والأهواء، .. وكانوا خالصين لله عزَّ وجلَّ:
عبيد أخلصوا لله ذاتــــاً
وقاموا صــادقين بحُسن نيَّة
فلم تشغلهم دنيا وأخرى
عن الإخلاص للذات العليَّة
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

الباب الثاني: مُعْـجِزَةُ الإِسْـرَاء

مُعْـجِزَةُ الإِسْــرَاء( )
الحمد لله الوهَّاب العليم ... يفتح على عباده المؤمنين من علومه العليَّة، وأسراره الوهبية؛ ما لا يخطر على البال، ولا يمر بعقل ولا خيال، وإنما هي منح من فضل ووهب الواحد المتعال عزَّ وجلَّ.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، الذي جعله الله عزَّ وجلَّ نوراً ساطعاً لكل روح آمنت بالله؛ في مُلك الله أو ملكوته، فهو"صلى الله عليه وسلَّم" في كل حركة من حركاته، أو سكنة من سكناته، أو طرفة من طرفاته؛ كنوز من العلوم والأسرار، لا يدر بها إلا الأخيار، فصلوات الله وسلامه عليه، صلاة نقع بها جميعاً على كنز الكنوز، وسر الأسرار، سيدنا ومولانا محمد وأله الأخيار، وأصحابه الأبرار، وكل من تبعهم إلي يوم القرار، ... أمين.
إخواني وأحبابي: كل عام وأنتم بخير جميعاً.
رحلة الإسراء انفردت بصفات ونعوت غريبة وعجيبة، فهي معجزة .. والمعجزة هي الأمر الخارق للعادة الذي يأتي على غير السنن المرعية والقوانين الإلهية التي تنظم الحياة الكونية، والمعجزات تفضل الله عزَّ وجلَّ بها على كل الأنبياء والمرسلين، فما من نبي أو رسول إلا وأيده الله بمعجزات من عنده. وحكمة المعجزة؛ كأن الله يقول للمشاهد لها، والمبّلغين بها: هذا عبدي و رسولي، وصدق فيما بلغكم عني، فاتبعوه. ... أي أنها دليل على صـدقه، وتأييد من الذي أرسله عزَّ وجلَّ .
لكن لو نظرنا إلي معجزات السابقين، نجد أن المعجزة لمن هم حاضرون وقتها؛ يعني حتى الناس المعاصرون لهذا الزمن - ولكن في مكان آخر - لا يرونها!!.
أما معجزة الإسراء ... فنجدها تختلف عن كل المعجزات، فهي معجزة للسابقين، ومعجزة للاحقين، وفي كل زمان يظهر إعجازها لأهل هذا الزمان، مع أن الزمن الذي حدثت فيه انتهى، لكن في كل زمان تنكشف أسرار من هذه المعجزة الباقيـة، وليس هذا فقط!!، ... بل إنها معجزة للبشر جميعاً!!!.
فهي معجزة للمؤمنين، كما أنها معجزة للكافرين، ومعجزة للإنس، والجن، وللملائكة على كافة أصنافهم وأنواعهم وأشكالهم، وكل واحـد منهم له نصيب معلوم، وقدر صرفه له الحي القيوم - في هذه المعجزة الباقية الخالدة، وتظل بعد ذلك تلك المعجزة على هيئتها وعلى حالتها، وكل يبيِّن على قدره، ولكن قدر هذه المعجزة لا يعلمه إلا الذي قال في شأنها:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾
[1الإسراء]
وكلمة ﴿ سُبْحَانَ ﴾: تعني التنزيه الكامل لله عزَّ وجلَّ. فكل الأفكار التي وردت في عقول العلماء، وكل الأسرار التي أذاعها الحكماء عن رحلة الإسراء والمعراج، لم تصل إلي الغاية أو إلي القدر الذي شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فكل من رأى، أو بيّن، أو خطر على باله، أو ألهم من الله عزَّ وجلَّ بشئ في شأنها، عليه أن يعتقد - في نفسه وفي قلبه - أنه ما أوتى من العلم في هذه المعجزة إلا أقل القليل من الله عزَّ وجلَّ، وهذا حتى لا يأتي أحد ويقول: الذي عرفته في شأن هذه المعجزة لا يوجد غيره!!، أو يأتي أحد ويقول: تفسير فلان لهذه المعجزة لا يوجد غيره!!، أو الحكم التي اكتشفها ووضحها الشيخ فلان ... لا يوجد غيرها!!.
لأن فيها كنوز ليس لها حدّ، وأسرار ليس لها عدّ، وإمداد من الله عزَّ وجلَّ، والله عزَّ وجلَّ ... لا نفاذ لقدرته، ولا نهاية لكلماته عزَّ وجلَّ.
عَجَائِبُ الإِسْــرَاء
ومن العجب أن الإسراء - المعجزة الخالدة - تكشَّف بعض منها في هذا العصر، وما زالت البقية تأتي ، لأننا نعتقد أن هذا العصر هو عصر القرآن ؛ أي عصر بيان القرآن:
﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [19القيامة]
أي نحن نبيِّنه، فأنت تقوله وتردده، ونحن نبيِّنه. كيف نبيِّنه؟!!
كل زمان على حسب علماء الزمان، وأحوال الزمان، وعقول أهل هذا الزمان!!، فيبين الله عزَّ وجلَّ إلهاماً على لسان العلماء في هذا الزمان شيئاً من أسرار هذه المعجزة الكريمة، ولذلك فأنا أهمس في أذن إخواني من العلماء بارك الله فيهم؛ أننا يجب أن نمشي على روح هذا العصر.
فالعلماء السابقون لم يكن عندهم سوى الروايات التي سمعوها، وهذه الروايات - لأن العصر كان عصر قصص وحكايات وروايات - دخل فيها كثير من الإسرائيليات، وكثير من الخيالات، مثل قصة الإسراء والمعراج التي ينسبونها لعبد الله بن عباس رضِيَ الله عنه - وهو منها برئ - ولذا فعلينا أن نمحص هذه الروايات، ونتحقق من هدفها، وخاصة أننا نجد القصة الصحيحة مذكورة في البخاري ومسلم وكتب السنن، وقد جمع الإمام السيوطي رضِيَ الله عنه وأرضاه معظم هذه الروايات (67رواية) للإسراء والمعراج عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
سِرُّ تَعَدُّدِ رِوَايَاتِ الإِسْرَاء
لماذا تعددت الروايات؟!!!.
لأن القصة لما وقعت لم يكن القوم يستطيعون تحملها، والعقول ليست متشابهة في درجة الذكاء والإدراك، وكذلك القلوب تتفاوت في التسليم والإيمان.
ولذا فرسول الله صلى الله عليه وسلَّم عندما رجع من رحلته ، تحدث عن الإسراء فقط في مكة، أما المعراج فلم يروِ منه شيئاً في مكة، لكن لما ذهب إلي المدينة، وجلس مع المؤمنين في المدينة، كان يحدثهم عن المعراج، فكلما يجالس قوماً يحدثهم على قدرهم، وعلى قدر ما تستوعبه عقولهم، وعلى قدر ما تتحمله قلوبهم، فهذا سمع رواية، وهذا سمع رواية أخرى، وهذا سمع رواية ثالثة، والكل نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وبقى في صدره صلى الله عليه وسلَّم أكثر من هذا!!، وإليه الإشارة بقول الله:
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [10النجم]
إذاً تعدد الروايات ... كان لتعدد الحظوظ العقلية، وحظوظ السامعين في الفهم والإدراك، وهذه كانت بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلَّم:
( أُمِرْنَا أَنْ نْكَلمَ النَّاسَ عَلَى قَدَرِ عُقُولِهِمْ ) ( )
فلا يأتي في جلسة عامة .. ويتكلم عن المشاهد الخاصة في الإسراء والمعراج!؛ لأن هذا لا يجوز، ولا يأتي في جلسة خاصة .. ويتكلم عن نصيب العـوام في الإسراء والمعراج!، بل يؤتي كل روح حقها ونصيبها من رحلة الإسراء والمعراج الشاملة للجميع، والتي فيها معاني وأسرار للسابقين واللاحقين.
فالذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبين الأنبياء والمرسلين، ذكر عنه صلى الله عليه وسلَّم لمحات قليلة جداً!!، والذي دار بينه وبين أهل كل سماء في الروايات هو: { من؟. جبريل، ومن معك؟ محمد، مرحباً به فلنعم المجئ جاء }، وكل أهل سماء كانوا مستعدين لهذا اللقاء، وهذا اللقاء كان فيه أسئلة!! واستفسارات!!، وفيه علوم !! وفيه حقائق!!، أين هي؟!!، لم يذعها رسول الله!، وكان يحفظها كل أهل سماء لأنهم مؤمنين، وأمروا أن يتَّبعوا سيَّد الأولين و الآخرين.
حِكْمِـةُ الْمِعْــــرَاج
وكان الهدف الأسمى من الرحلة ... أن يعطى صلى الله عليه وسلَّم لكل طائفة نصيبها، وقد قال في ذلك الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
وحكمة إسراء الحبيب إغاثة
لعالمه الأعلى و رحمة حنّان
ولم يك رب العرش فوق سمائه
تنزّة عن كيف و عن برهان
ولكن لإظهار الجمال لأهله
من العالم الأعلى و نيل أمان
فكانت الرحلة لكي يعطى لكل طائفة نصيبها من رحمة الله عزَّ وجلَّ؛ لأنه رحمة الله للخلائق أجمعين، وما نصيب هؤلاء؟!!، ... لم يبح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لمن حوله، لأنهم لا يستطيعون تحمله!!، ماذا دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبين ملائكة الجنَّة حين زارهم؟!!، لم يذكره لأننا لا نستطيع تحمله!!.
فكل روحاني - من عوالم الله عزَّ وجلَّ - كان له نصيب في تلك الليلة من رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكل زمان له نصيب، فالذين كانوا مع الرسول في زمانه لا يعرفون إلا بيت المقدس!!، فلا يعرفون السماء؟ ولا النجوم؟ ولا الكواكب؟.
عَرْضُ الإِسْرَاء عَلَىَ أَهْلِ مَكَّةَ
ولذلك فقد حدَّث الذين في مكة عن بيت المقدس:
فطلبوا الدليل عليه، بأن يذكر لهم الأبواب والنوافذ؟، ... فذكرها ووصفها وبيَّنها لهم صلى الله عليه وسلَّم، فطلبوا دليلاً مادياً على سيره من مكة إلي بيت المقدس؟، فأخبرهم عن قافلتهم التي تاه منها جمل فدلَّهم عليه، وقد عرفوه بصوته، وأخبرهم عن القافلة الأخرى التي نزل عليها، وكشف سقاءها وشرب من مائها، وهذا دليل مادي للذين يقولون أن الإسراء بالروح! ، وهل الروح تشرب؟!، فأعطاهم دليلاً مادياً.
حتى أن أبا سفيان عندما ذهب عند هرقل وسأله عن رسول الله؟، فأحب أن يضع شيئاً عليه صلى الله عليه وسلَّم يفقدهم الثقة فيه، فقال: إنه يزعم ويدَّعى أنه جاء عندكم وزار بيت المقدس ورجع، وكان بالمجلس أحد الرهبان الذين يعملون في بيت المقدس، فقال أنا أعرف هذه الليلة – هو يريد أن يضعها ( أى أبو سفيان ) وشاية!! فجعلها الله عزَّ وجلَّ دليلاً!!- قال الراهب: أليست ليلة كذا؟
قال: نعم!، قال: وكيف عرفت؟!، قال: أنا كل ليلة لا أنام إلا عندما يطمأن الخدم على غلق أبواب المسجد، وفي هذه الليلة كان هناك بابٌ لم يستطيعوا إغلاقه، فأحضرت النجار، وحاول غلقه فلم يستطع!!، فقلت له: اتركه حتى الصباح. فبات هذا الباب مفتوحاً - وهو الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - فلما جاء الصباح! لم يحتج الباب إلي نجار!! .
فكان هذا الحديث على قدر عقول أهل مكة .
بَيَـــانُ الْمِعْرَاجِ للْمُؤْمِنِين
وعندما جاء إلي المؤمنين بالمدينة، وهم يعرفون الجنَّة والنَّار، وسدرة المنتهى، والعرش، والكرسي، والملائكة، .... فأخبرهم عن هذه الأشياء، ليبين الدلائل للذين يريدون أن يعرجوا بعده بأرواحهم إلى الله عزَّ وجلَّ!!، فقال لهم:
تعالوَا أعطِ لكم العلامات التي وضعها المرور النبوي على الطريق، حتى يأخذوا بالهم من المطبات، والعثرات، والأماكن التي تمنعهم من الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، فيبيَّن لهم العلامات الخاصة بهم. فالعلامة الأولى هي الدنيا، وهكذا ... وهذا للجماعة الثابتين الذين يريدون السير إلى الله عزَّ وجلَّ.
أما الواصلون؛ فقد وصف لهم كيفية اجتماعه بالأنبياء في بيت المقدس، ثم مشاهدتهم له في السماوات العلا، وعندما يذهب إلى النبي، والنبي يسأل سيدنا جبريل من؟، فيقول: جبريل، ومن معك؟، فيقول: محمد، فيقول: أو قد بعث؟!!، فالذي يسأل آدم وعيسى ويحي وهارون ويوسف، وكل واحد منهم يسأل بالكيفية التي أوردناها، وقد صلُّوا وراءه صلى الله عليه وسلَّم، بل أن سيدنا موسى سلَّم عليه في القبر، ورجع صلَّى وراءه، ثم قابله في السماء السادسة!!!.
إذن فهو هنا يعلِّمهم الأحوال العليَّة، والهيئات النورانيَّة التي تتشكل فيها العوالم الروحانيَّة، وهذه علوم خاصة وأسرار خاصة، لا تتكشف إلا لخاصة الخاصة، فكلُّ جماعة لهم علم، ولهم حال، ولهم أسرار في رسالة الإسراء والمعراج.
الإِسْـــرَاءُ وَالعَصْرُ الْحَدِيث
الذي أريد أن أقوله لإخواني: أننا الآن لسنا في عصر الرواية، فعصر الرواية قد انتهى، وعصر القصص والروايات قد انتهى، وماذا يلائم عصرنا من حديث الإسراء؟.
أن نبيَّن الحكم والأسرار التي أظهرها العصر، وأظهرتها علوم العصر في كتاب الله، وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأن الله وعد بهذا حيث قال:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [53 فصلت]
ولم يقل : " سنريكم "، لأنكم آمنتم والحمد لله وسلمتم، بل قال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، أي: الكافرين والمشركين والجاحدين، ولم يقل:" نريهم "، بل قال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، يعني في المستقبل!!، فالسين للمستقبل، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾، وفي الأنفس!، لماذا؟
حتى يتبين لهم أنه الحق، أي حتى يعرفوا أن هذا الكلام هو الحق، وأن الله هو الملك الحق، وأن سيدنا محمد هو النبي الحق صلى الله عليه وسلَّم.
فكيف بيَّنهــا لهم؟!! ... هم يرونها الآن، ولكني أريد أنا وأنت أن نربطها لهم بالآيات القرآنية والأحاديث المحمديَّة، لأنه لا يعرف آيات القرآن، ولكن من أين يعرفها؟ منك أنت!!.
فالرجل العالم الكندي "كينيث مور"، الذي ألفَّ أكبر مرجع في علم الأجنَّة (سبع مجلدات ) - وهذا هو المرجع المعتمد في كل كليات الطب في العالم - عندما تقابل مع عالم مسلم في يوم من الأيام، ودار بينهما حوار، وقال (العالم المسلم) له: هذا الكلام الذي قلته يوجد عندنا في آية واحدة!!، فقال له: أين؟، فتلى عليه قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [12-14 المؤمنون].
ترجم له معانيها بالإنجليزية - مع أن كلمات القرآن مستحيل أن تترجم، لكن الله يمنُّ على الناس الصادقين، ويضع في الترجمة ( ما دام فيها صدق ) شيئاً من إشراقات أنوار اليقين - وأول ما قرأ الآية، قال الرجل: هذا الكلام هو الذي أفنيت عمري أدرس فيه!!!، وقد ذكر كل هذه الحقائق بالتفصيل .
الرَّبْـطُ بَيْنَ الدِّيـنِ وَحَقَائِقِ الْعِلْم
فهؤلاء الناس يريدون منَّا أن نتابعهم، ونوجههم، ونربط بين الآيات القرآنية والأحاديث المحمدية وبين الأشياء العلمية، هذا هو البيان الملائم للعصر!!.
لا يحتاج مني أن أحكي القصة، لأن الناس حفظتها، ولكن استلهم العبر من الأشياء التي في القصة ... مثل:
لماذا بدأ الله الآية بـــ " سبحان ":
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [1الإسراء]؟
لأن هذا شئ فوق طاقة البشر، فالسابقون سمعوها هكذا وسلَّموا، لكن نحن الآن! وبهذه المعجزة نزيد إيمان ويقين البشر!! ... فالبشر الآن لما أراد الله عزَّ وجلَّ أن يبيَّن كتابه؛ ألهمهم صنع التليسكوبات الفلكية الهائلة!!، وألهمهم صنع مركبات الفضاء!!، وألهمهم صنع أنواع الوقود التي لا عدَّ لها ولا حصر لها، ... ومنها الوقود النووي!!، .... لينطلقوا في الأكوان!!، لماذا؟ ...
﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [101يونس]
لينظروا قدرة الله، فيخروا ساجدين لكلام الله عزَّ وجلَّ.
ولذلك أنتم جميعاً تذكرون أن أول رائد فضاء أمريكي أسلم في القاهرة عندما سمع الآذان، وقال: ما هذا؟، قالوا له: هذا آذان المسلمين، فقال: هذا الذي سمعته على القمر، مع أن العلم يقول أنه على سطح القمر لا يوجد هواء ينقل الصوت!! ولا يوجد شئ يشير إلى الحياة، كماء أو زرع!!!، إذن الله أرسله إلى القمر ليؤمن هنا في القاهرة!!، فكان هذا سبب الهداية!!، فالحمد لله ... العلم هو الذي هداه للإيمان.
إذا كنا الآن في العالم الذي نعرفه - حتى الآن - نرى قدرات مذهلة لله عزَّ وجلَّ، ولأنها فوق طاقات البشر، فلابد أن تكون هناك قوى عظمى لله عزَّ وجلَّ أوجدت هذه الطاقات، ... فعندما يأتي الإنسان الآن ويرى بالأجهزة الحديثة الكلام الذي قاله القرآن - وكان قد نزل على رجل أميّ، لم يكن عنده أجهزة ولا بحوث علمية ولا قوانين كونية - فإن ذلك يعطي مؤشراً أن هذا الكلام من الله!!، وأن هذا الرجل جاء به من عند الله!!، وأن هذا الدين هو الدين الحق!!.
هذه يا إخواني الأشياء التي يجب أن نلتفت إليها، ونبينها لإخواننا المسلمين، لأن الملحدين يشككون في هذه الأشياء، فمثلاً قصة الإسراء والمعراج:
كل المستشرقين في الفترة السابقة كانوا يشككون فيها، ولما جاء عصرنا أصبح العصر نفسه شاهداً على إسراء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلَّم، لأن العصر نفسه اكتشف أن هناك سرعة إسمها سرعة الضوء، وهي ثلاثمائة ألف كيلومتراً في الثانية، وعندما حسبها العلماء وجدوها السرعة المذكورة في كتاب الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [47 الحج].
ضَوَابِطُ الْرَّبْـطِ بَيْنَ الْدِّيـنِ وَالْعِلْم
فالحقائق العلمية تشرح وتوضح الآيات القرآنية، وعصرنا الآن هو عصر العلم، قال صلى الله عليه وسلَّم لأصحابه:
( إِنَّكمْ قَدْ أَصبَحْتُمْ في زمانٍ، كثيرٍ فقهاؤُهُ، قليلٍ خُطَباؤُهُ، كثيرٍ مُعْطُوهُ، قليلٍ سُؤَّالُهُ، العَملُ فيهِ خيرٌ مِنَ العِلْمِ، وسيأتي زمانٌ - وهو الذي نحن في الآن - قليلٌ فقهاؤُهُ، كثيرٌ خطباؤُهُ، وكثيرٌ سُؤَّالُهُ، قليلٌ مُعطوهُ، العلمُ فيهِ خَيرٌ مِنَ العَملِ ).( )
العلم فيه خير من العمل!!، لأنني عندما أرد مسلماً عن شكوكه التي في عقله نحو مسألة من مسائل الدين أو العقيدة، هل هذا أفضل للمسلمين أم صلاة النافلة التي قد أشعر فيها بنفسي فامتلأ غروراً وتكبراً؟!!، عندما أردُّ هذا المسلم إلى الحق، وأبيِّن له الطريق المستقيم؛ فهذا عمل أفضل، لأن نفعه تعدَّاني إلى غيري، وهذا العمل داخل في قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً
إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [8آل عمران]
فمن الذي يردُّ الناس من الزيغ ؟!!، العلماء العاملون والصالحون الذين كل همُّهم تثبيت اليقين في قلوب المؤمنين، وزيادة الإيمان في قلوب الموحدين، ونمو الإحسان في قلوب المحسنين، وصفاء القلوب لصفاء المشاهدة في أرواح المؤمنين .
فالجهاد الأعظم يا إخواني في هذا العصر هو جهاد العلم، ولكن هناك ضابطان:
الضابط الأول: ألا أحضر شيئاً علمياً ثم أضعه على كتاب الله أو سنة رسوله، أي أحضر نظرية لعالم افترضها، ولم تثبت علمياً بعد، وألوى الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية لتأكيدها، وإنما القوانين العلمية التي أصبحت ثابتة ويقينية ... هي التي لا تتعارض إطلاقاً مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا ما يجعل كل يوم علماء - لا حصر لهم ولا عدَّ لهم - من دول الشرق والغرب يدخلون في دين الله.
لأنه بعد أن يصل إلى العلم اليقيني ... يذكر له شخص مسلم آية قرآنية واحدة يكون هو قد وصل إلى نتائجها بعد التجارب العلمية والأبحاث والاكتشافات والمجاهدات، وقد ذكرها الله في القرآن في آية بسيطة!!، أو في كلمة واحدة!!، وهذه الكلمة لا يستطيع أن يغيِّرها، أو يبدلها، أو يجئ بكلمة أخرى تحل محلها!!! ... ، من أين هذا الكلام؟!!.
يعرف عندئذ أن هذا الكلام من عند الله عزَّ وجلَّ، وأنه تنزيل من الحميد المجيد، وأن هذا هو الصدق الذي جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم، وهكذا ... فالقوانين العلمية اليقينية هي التي قد نؤيد بها حقائقنا الدينية.
فلا يجوز الآن في عصرنا ... أن نركزَّ في حديثنا لشخص تارك للصلاة على عذاب القبر الذي يتعرض له فقط!!، ونعتقد أن هذا وحده هو الذي يجعله يلتزم بالصلاة!!، لكن لابد أن أوضح له: ... ماذا تفيد الصلاة بالنسبة للمخ؟ والجوارح؟، وكيف تفيده نفسه؟، لأنه يريد أن يعرف هذه الأشياء التي تفيده؟، والقرآن بيان لهذه الأشياء في هذا الزمان.
وهذا لا يعني أننا نلغي كلام السابقين، ولكن لكل زمان دولة ورجال، وهذا هو النهج الصحيح للعلماء الذين سبقونا، والذين كانوا على نهج الرسول صلى الله عليه وسلَّم. فالإمام الشافعي في بغداد عمل مذهباً فقهياً، ولما جاء إلى مصر وجد أن أهل مصر لهم أحوال وأعراف تختلف عن أهل بغداد، فترك مذهبه السابق ... وهو فقه مقنن ومقيد، وعمل مذهباً جديداً يتلاءم ويتواكب مع أهل مصر.
وغنى عن التعريف ما حدث له مع ابنة سيدي أحمد بن حنبل، عندما تركوا له الماء ووجدوا في الصباح الماء كما هو، وسألها أبوها: ما رأيك في الشافعي؟، فقالت له: فيه ثلاث خصال ليست في الصالحين!!؛ لم يقم الليل، وصلى الفجر بدون وضوء، وملأ بطنه من الطعام!! ..، قال لها والدها : إذا عُرف السبب بطل العجب، وعلينا أن نسأل الإمام الشافعي في ذلك، فقال لهم عندما سألوه:
في هذه الليلة أكرمني الله عزَّ وجلَّ وحللت مائة مسألة كلها- تهم المسلمين!، فهل حل المائة مسألة أفضل؟ أم صلاة ألف ركعة؟، قال: والفجر صليته بدون وضوء!، لأني منذ صليت العشاء وأنا متوضأ!، ولم أنم. فقيامه: أن يجلس بين يدي المتفضل يطلب العلم! والفضل من الله ويستمطر كنوز المعرفة من الله .. هذا قيامه!.
وهذا كان نظام الأئمة الأعلام رضِيَ الله عنه وأرضاهم ولكل زمان دولته ورجاله. فالثوب واحد ، ولكن حُلّة هذه السنة وموديلها ... غير السنة السابقة أو اللاحقة ، وإن كان هو نفس القماش!، ولكن على العالم أن يفصِّل القماش على قدر الزمان!، ولا يصح لعالم من أهل اليقين ... أن يقف على المنبر ويفصِّل للناس جلباباً كان موجوداً ... في القرن الثاني أو الثالث ..!!!.

تَنْقِيَّـةُ الْقَصَصِ الْدِّيِنِي مَنْ الْخُرَافَات
في عصور الجهل انتشرت الخرافات، وعلينا الآن أن ننقِّي تراثنا من هذه الخرافات، ومن ذلك الكتاب الذي سمُّوه " وفاة النبي "، لكي يكثر توزيعه بين أصحاب المكتبات، وكتبوا عليه" وفاة النبي لمعاذ بن جبل رضِيَ الله عنه وأرضاه ، وسيدنا معاذ لا يعرف الكتاب!، ولم يؤلفه!، ولكنهم يريدون المكاسب الباهظة من أي وجه ، وكتاب وفاة النبي نجد فيه أشياءاً لا يقبلها الإنسان العادي ، وليس الإنسان المتعلم عن الموت وشدته وضربات السيف ، ولكن العلم الحديث لم يقل هذا الكلام ولا النبي صلى الله عليه وسلَّم ولا القرآن ، فعندما يأتي شخص ويحكي هذا الكلام للناس ؟ ، هل ينشر الإسلام بذلك أم يحاربه ؟ ، عندما تكلم النبي عن الموت قال:
( لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلتُبْعثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ ) ( )
هذا كل شئ ، والمؤمنون عندما يموتون ... يقول فيهم الله عزَّ وجلَّ :
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [32 النحل]
لم يضربوهم ، بل حيَّوهم ، وقالوا لهم: سلام عليكم.
فالذي جاء من المطار إذا كان مجرماً أو مطلوبا يلقون القبض عليه، ... إذا كان معه ما يستلزم دفع جمارك أو غرامات يخرج من الخط الأحمر، ... وإذا كان رجلاً عادياً يخرج من الخط الأخضر، وإذا كان من الوجهاء والأعيان ... يستقبله الحرس الجمهوري ويخرج من قاعة كبار الزوار.
ونفس الشئ يحدث في الآخرة ، فأنا من هنا طالع على مطار الآخرة ... فإذا كنت من وجهاء المؤمنين؛ فالاستقبال رائع!! حرس من الجنة، وحرس في كل سماء من السماوات السبع، كما قال الحديث:
) يُشَيِّعَهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا) ( )
أين الضرب؟!! ... لأناس آخرين قال الله فيهم:
﴿الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [50 الأنفال]
إذن هذا ليس للمؤمنين، وإنما للكافرين والجاحدين ... لعنة الله عليهم أجمعين، وعلى هذا فأنا محتاج أن أظهر البيان القرآني الصحيح، وأنقي منه هذه الأشياء الغريبة. بعض الأخوة الأفاضل يقول: الناس تحب القصص، فنقول له: هذا شئ جميل، قصص القرآن موجود وفيه الكفاية، وقصص النبوة أيضاً فيها الكفاية، لكن لا ينبغي أن أردّد الروايات التي وضعها اليهود ليظهروا الدعوة الإسلامية بصورة لا تليق.
إِعْجَازُ الْقُـرْآنِ الْعِلْمِى
وهناك بند آخر هو الآيات الكونية الموجودة في القرآن ، فمعجزة القرآن التي كانت موجودة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كانت ملائمة للعصر ، فلأن العرب كانوا أناساً في قمة البلاغة والفصاحة، أظهر لهم الله عزَّ وجلَّ قمة البلاغة والفصاحة في الكلمات القرآنية والآيات الإلهية!!.
أما الآن فلم يعد مجال الإعجاز القرآني في الفصاحة والبلاغة فقط، ... بل هناك الإعجاز العلمي في الآيات الكونية التي في القرآن.
فلو تحدث أحد من العلماء عن تفسير الزلزال للقرطبي، عندما فسر ظاهرة الزلزال وقال: إن الأرض يحملها ثور على قرن واحد، فإذا تعب الثور نقلها على القرن الآخر فيحدث الزلزال: ... فمثل هذا لا يجوز!!.
وإنما يجب أن أدرس ظاهرة الزلزال وكيفية حدوثها، وأطبقها على كلام الله، وسأجد أن كلام الله هو القول الفصل، كما قال صلى الله عليه وسلَّم :
( هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ) ( )
وكذلك قول الله عزَّ وجلَّ فى كتابه الكريم :
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [32 الأنبياء].
فالنجوم ، والكواكب ، والشمس ، والقمر ، وهذه الأجرام كلها ، لها سقف غير سقف الأرض التي بها ماء وهواء ، فلماذا لا تنزل ؟ ...!!.. ، لأن لها جاذبية عملها الله!، وهي من سقفها ... في حدود مائتي كيلو متر تحفظها ، لأنه لو كان هناك ثقب صغير لتسرب الهواء .
وكذلك الطبقة التي تمنع الأشعة الشديدة من السقوط على الثلج الذي خزنه الله، لأنه مخزن الماء لنا .
فالماء جزء منه في الهواء، وجزء منه في البحر، وجزء منه في المناطق القطبية جمّده الله عزَّ وجلَّ، وعندما تنزل هذه المياه على هيئة ثلوج مجمدة ، تطفو ولا تهبط إلى القاع( )، حتى لا تجف البحار ويموت السمك من البرودة الشديدة ، ولكن تسير على وجه الماء لكي تذوب وتحفظ درجة حرارة الماء في المناطق السفلى ، كي يعيش السمك والحيوانات ...
فلو ذاب الثلج كله ؛ لصار طوفاناً مثل طوفان نوح عليه السلام .
فالسقف المحفوظ شئ آخر غير المعلومات التي عرفناها من قبل ، إذن لابد أن نجدِّد معلوماتنا ، ونعرّفها للناس في هذا الزمان ؛ لنبين لهم جمال القرآن ، وتبيان القرآن الذي يقول فيه الله عزَّ وجلَّ :
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾
[19القيامة]
وطبعاً لا يوجد رجل واحد يستطيع أن يبينه كله :....
ولكن كل عالم في تخصصه : ... فالمهندس يحاول أن يبين هندسته في كتاب الله عزَّ وجلَّ ، وعالم الطبيعة يبين الظواهر الموجودة في كتاب الله عزَّ وجلَّ ، والمحامي يبحث في القوانين الإلهية ويقارنها بالقوانين الوضعية .
لأن العالم كله في القريب العاجل راجع لكتاب الله ...
فالعالم كله يتخبَّط ... وفي النهاية سيجد الاقتصاديون أنه لا ينفع إلا القوانين الاقتصادية التي في كتاب الله ، وسيجد المشرّعون أنه لن ينفع أبداً إلا قوانين وأحكام القرآن وهكذا ....
فنحن نريد أن يوضح كل شخص من إخواننا الجمال الذي في القرآن الذي يتناسب مع العصر الذي نحن فيه ، ويطبق معاني القرآن الصالح لكل زمان ومكان على العصر الذي نحن فيه وقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
( كُونُوا كَالْطَّبِيبِ الْرَّفِيقِ يَضَعُ الدَّوَاءَ فِي مَوْضِعِ الْدَّاءِ ) ( )
وكذلك يراعي الإنسان مستوى السامعين : فعندما يقول بعض العلماء : .... من لا يخرج الزكاة يجئ له الشجاع الأقرع في قبره ..... إلى أخره ، أقول أنا له شيئاً آخر يلائمه : .......
عندما تخرج الزكاة تكون قد وقعت تأمين مع الشركة الإلهية ، وبمقتضى هذا العقد تخرج أنت العشر أو نصف العشر ، وهم يتولوا حفظك ، وحفظ أولادك ، ويعطوك بركة في أرزاقك ، ويعطوك بركة في عقول الأولاد ... وهكذا عندما توضح له هذه النواحي العلمية .... سيقبل على كتاب الله ، وعلى رسوله .
وليس معنى ذلك أن نترك تراثنا الماضي :
ولكن هذا ما أمرنا به الله عزَّ وجلَّ عن القرآن:
﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[49 العنكبوت].
ولذلك فأجدادنا السابقون الذين أخذت أوربا عنهم العلم، كانوا يربطون بين العلم والدين، فمثلاً :....
ابن سينا ... طبُّهُ مربوط ربطاً وثيقاً بآيات الله وأحاديث رسول الله .
والرازي ، وكذلك البيروني في علم الفلك ، والخوارزمي كذلك ، ...كلهم كانوا يربطون بين العلوم وبين القرآن .
وعندما ذهبت هذه الكتب إلى أوربا : ... وكان رجال الكنيسة يفرقون بين الدين والعلم ، طبقوا ذلك على اتصال الدين بالقرآن، أما نحن فعلينا أن نرجعها إلى عهدها السابق، وإلى ما كانت عليه في البداية :
فنربط آيات الله عزَّ وجلَّ بالعلوم الحديثة التي ثبتت مصداقيتها، وأصبحت علوماً ثابتة، وهذا هو الجهاد الأعظم في زماننا الآن ...
ومن فضل الله عزَّ وجلَّ علينا ... أنه هيأ كثيراً من المسلمين وغيرهم لإثبات هذه الحقائق، وعليك أنت أن تزيح الستار عما في هذه الكتب، وتبين جمالها لإخوانك المسلمين، وهذا جهاد العلماء في هذا الزمان.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا العلم النافع، والقلب الخاشع، والعمل الرافع، وأن يجعلنا قرآنيين في أخلاقنا، وفي تذكيرنا، وفي علمنا، وفي سلوكنا، إنه ربُّ الخير على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثالث: إِسْـرَاءَاتُ الْصَّالِحِين

إِسْــرَاءَاتُ الْصَّالِحِين ( )
بسم الله الرحمن الرحيم
ببركة بسم الله نستفتح كنوز فضل الله، وبسرِّ أسماء الله نستلهم كنوز فضـل الله، وبسرِّ القلب المحمدي نفتح كل باب عَلِيٍّ جعله الله عزَّ وجلَّ لكل قلب تقيٍّ، فالحمد لله على ما أولانا، والشكر لله على ما أعطانا، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يزيدنا تقى وهدى وعفافاً وغنى أجمعين.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله، سرِّ الأسرار العلوية، وكنز الهدايات الربانية، ورمز الاصطفاء والاصطناع للحضرة الأزليَّة، وعلى آله وصحبه، والوارثين لأمره، والداعين بإذنه، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، آمين. وبعد ...
إخواني وأحبابي: بارك الله فيكم جميعاً
نَصَيبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الإِسْرَاء
إسراء سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فيه لكل مسلم نصيب، ولكل مؤمن عطاء، ولكل محسن مشاهد، ولكل موقن تجليات!!.
فالأمة كلها مكرمة بإسراء ومعراج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وإن اختلفت الدرجات، وتفاوتت المقامات، لكن الكل مكرَّم بإسراء ومعراج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومن أجل ذلك فكلنا نقول ونردِّد الكلام الذي قاله الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
فبشرى بمعراج الحبيب وإسراه وبشرى لنا نلنا مشاهد معناه
فكلُّنا لنا البشرى بمعراج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، بعضنا يأخذ مشاهـد المعـنى، وبعضنا ينظر إلى الآيات في عالم المبنى، وبعضنا يُكرَم ويُكرَم من كنوز التقوى، ومن مخازن الإلهامات والفتوحات والتفضلات الإلهية، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!! ... والكل مكرم يا إخواني!!.
eمَقَــامُ الْعُبُــودِيَّة
ونحن- والحمد لله- الآن في جلسة خاصة، ونريد أن نأخذ عطايا نصل منها إلى بعض كرم الله في إسراء حبيب الله ومصطفاه، الذي يناله العباد الذين تجملوا بالعبودية لله عزَّ وجلَّ، لأن الإسراء خصّه الله عزَّ وجلَّ بنبيكم الكريم، ولكنه فتح الباب لجميع الأحباب، فقال عزَّ وجلَّ:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [1الإسراء]
لم يقل بنبيِّه، لأنه لو قال بنبيه أو برسوله كان هذا قاصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لكن كلمة (عبد) فتح بها الباب لكل من يصل إلى مقام العبودية الكاملة لله عزَّ وجلَّ، فكل من يصل - بالتخلق بالأخلاق المحمدية، والتعلق بالصفات الإلهية - إلى رتبة العبدية أو إلى مقام العبودية؛ فله نصيب من ميراث خير البرية في إسرائه ومعراجه إلى الله عزَّ وجلَّ.
فالحمد لله، فتح الله الباب لجميع الأحباب، لكن كل واحد يأخذ قسطاً من ميراث رسول الله في الإسراء، ولا يوجد في الأولين والآخرين أحد يستطيع يا أخواني أن يشاهد كل ما شاهده سيد الأولين والآخرين في وقت واحد، وقد أعطانا الله المثل، بالأنبياء السابقين وهم أعلى الرتب في القرب عند ربِّ العالمين، فمنهم من هو في السماء الأولى، ومن هو في الثانية، ومن هو في الثالثة، ومن هو في الرابعة، ومن هو في الخامسة، ومن هو في السادسة، ومن هو في السابعة. والملائكة أيضاً، منهم عمَّار السماوات، ومنهم سكان سدرة المنتهى، ومنهم حملة العرش، ومنهم خدم الجنان، ومنهم ملائكة وخزنة النيران، وكل جماعة منهم كما قال أميرهم جبريل عليه السلام:
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [164الصافات]
والذي هيمن على كل المقامات، والذي احتوى كل الدرجات، والذي مرّ بكل المنازلات، والذي أخذ كل كنوز الخيرات والبركات، ... واحد فقط:
هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.........
لكن الباقي ؛ كل على قدره ... ، كل واحد أخذ كنزاً يستطيع تحمله ، وعلى قدر ما له من منزلة كريمة عند الكريم عزَّ وجلَّ.

كُنُـوزُ الأَسْمَــاءِ وَالصِّفَـاتِ الْرَّبَانِيَّـة
فآدم عليه السلام أخذ كنز الأسماء والصفات:
﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء ﴾
[31البقرة].
وبعدما علَّمه الأسماء كلها - التي كانت معروفة في زمانه وأوانه - جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وقال: أن الأسماء أنواع وأصناف:
(أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أو اسْتٌّاثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ).( )
فهناك أسماء اختص بها الله في ذاته وفي نفسه، لا يُعلِّمُها ولا يُعرِّفها إلاّ لخاصة رجال الله، وهو سيدنا رسول الله!!، لكن آدم علم أية أسماء؟ ( بِكُلِّ اسْمٍ ... عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ)، الأسماء التي علَّمها للخلق علّمها لآدم عليه السلام، سواءٌ كان الخلق من الجن، أو الإنس، أو الملائكة، كل اسم عرفه الخلق في زمنه وعصره وأوانه، ... علَّمه له الله، ليعلمهم آدم ما تعلَّمه من مائدة الإكرام والإنعام من المولى عزَّ وجلَّ، لكن بعد ذلك الذي استأثر به في علم الغيب عنده، أمر آخر!!، ... كذلك ما سمَّى به نفسه، ولم يطّلع عليه أحد من خلقه، هذه كنوز!!، ... وما استأثر به في علم الغيب عنده، ... كنوز أخرى من الأسماء والصفات!!.
وما يعلِّمه الخلق؛ هي هذه الأسماء التي يتفضل الله بها الله على المقربين، والتي نزلت في الكتب السماوية هي الأسماء التي اختارها الله والتي تلائم جميع المستويات والتي نسمِّيها الأسماء التوقيفية مثل: الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد، الكريم، الوهاب، ... وهذه كلها موجودة في الكتب. وهناك أسماء خاصة يعطيها الله عزَّ وجلَّ لخاصة عباده، كل واحد يأخذ اسم على قدره، وهذا يكون اسماً خاصاً به، لا يوجد في الكتب - حتى القرآن الكريم - لكنها أسماء يستأثر الله بها، ولكنه يخص بها عباده عزَّ وجلَّ المكرمين، وهي أسماء خاصة أيضاً من الله عزَّ وجلَّ!!.
كل هذه الأسماء لم يطَّلع عليها كلَّها، ولا رآها كلَّها، إلاّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الْكِتَـابُ الْجَامِع
نأتي إلى سيدنا يحي في السماء الثانية:
﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [12مريم]
أي خذ الكتاب بشدة، وهذا الكتاب خصّه الله عزَّ وجلَّ به ، لكن كل الكتب السابقة هيمن الله عليها في كتاب الله ((القرآن الكريم)) وأطلع عليها سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ... فلا يوجد نبيٌّ تحدث بجميع ما في الكتب إلا هو، كل نبي كان مرتبطاً بكتابه:
سيدنا عيسى لا يتحدث إلا من الإنجيل، وسيدنا موسى لا يتحدث إلا من التوراة، وسيدنا داود لا يتحدث إلا من الزابور ، وسيدنا إبراهيم لا يتحدث إلا من الصحف ، لكن الذي تحدث عن الكلِّ ، واطلّع على الكلِّ ... هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، حتى عندما سألوه ذات مرة:
( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ صُحُفُ إبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالاً كُلُّهَا- قرأها كلها - ... وَعَلَى الْعَاقِل مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوباً عَلَى عَقْلِهِ، أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟ قَالَ: كَانَتْ عِبَراً كُلُّهَا ). ( )
فالذي اطلّع على الكل، وقرأ الكل هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
سِرُّ الْحَيَاةِ الْحَقَّـة
وإذا كان سيدنا عيسى خصّه الله عزَّ وجلَّ بأنه يُبرأ الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله، وينبِّئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خصّه الله بذلك في الناحية الروحانية.
سيدنا عيسى كان يبرأ الأكمه في عالم الأجسام، فالأخرس يشير إلى لسانه فيتكلم بإذن الله - بلسانه فقط، ولكن لا يستطيع أن يجعله يتكلم مع الحقائق، أو مع الملائكة ،أو مع العوالم العلوية، لأن هذه خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فكل من أراد أن يتكلم مع الحقائق التي أوجدها الله، أو مع ملائكة الله، أو عوالم الله، فشفاؤه عند سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وإذا كان يُحيي الموتى الذين يشير إليهم في زمانه، فقد كان يحييهـم للحظات ويرجعون إلى الموت مرة ثانية، لأنه لم يخلق لهم رزقاً، فكلما يُحيي الله الميت على يديه يكون للحظة ثم يرجع يموت ثانية، لأن الحياة الحقيقية يحتاج معها إلى رزق!!، وهذا ليس له رزق في الأنفاس، ولا رزق في الهواء، ولا رزق في الضياء، إنها لحظة فقط، ... يحييه ثم يرجع مرة أخرى إلى الموت.
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحيي النفوس بذكر الله، ويحيي القلوب بروح كتاب الله، فتحيا الحياة الباقية التي لا موت فيها، ولا موت بعدها، كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾
[56الدخان]
وليس في زمانه فقط :
ولكنه يحي موتى القلوب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، في كل زمان ومكان ، القلب الذي ينفخ فيه النبي العدنان يحييه الله الحياة الإيمانية ، قال تعالى:
﴿ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [24الأنفال]
ألسنا أحياءاً الآن؟!!! ... لا!!، نحن عايشين:
لأن هذه المعيشة مثل معيشة الأنعام، ومثل معيشة الكافرين - إذا كانت المعيشة أكل وشرب، ونكاح ولبس، وعلوٌ وجاه. فهي مثل هذه، لكن الحياة لا تكون إلاّ بالإيمان بالله ولا تكون إلاّ بكتاب اله عزَّ وجلَّ. من أين هذه الحياة؟!، ... لا تكون إلاّ من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهو الذي يتوقف عليه هذا الميزان:
﴿ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا ﴾ - والذي لا يحيى به: ﴿ وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
] 70يس [
إذن فلا حياة إيمانية إلا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

أَنْبَــاءُ الْغَيْـبِ
وإذا كان عيسى ينبئ الناس بما في بيوتهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان ينبئ الناس بما أدخره الله لهم في جنة المأوى، وبما أدخره الله لهم من المنازل العظيمة والمقامات الكريمة في يوم الدين، ... وأخبرهم صلى الله عليه وسلَّم بالسابقة، بما جهَّزه الله لهم وأعدَّه لهم في ديوان الأزل وفي ديوان الأبد - الأزل يعني: القدر السابق، والأبد يعني: القدر اللاحق - وكل ما يحدث للناس إلى: خالدين فيها أبداً. فلم يطّلع على الأزل، ... ولا على الأبد بما فيه، ... بأمر خالقه وباريه، إلاّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
الْجَمَالُ الْبَـاهِي
وإذا كان الله عزَّ وجلَّ أعطى يوسف الجمال الحسِّي، والذي لم ينتهِ النسوة عندما رأينه أن قطعن أيديهن من شدة حسنه وجماله!!، فقد أعطى الله حبيبه وصفيه الجمال الإلهي، الذي لا يطَّلع عليه ملك مقرب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا عَبْدٌ مؤمن إلاّ ويأخذه بكلِّه إلى الله عزَّ وجلَّ!!!.
وهو سرّ الجذبة الإلهية، فمن رآه أو تمتع بجمال محيّاه، أو نظر إليه بقلبه بعد فنائه عن حظّه وهواه، جذبه الله عزَّ وجلَّ إليه جذبة لا يرجع بعدها إلى عوالم الأكوان، إلاّ وهو في حصون الأمان:
﴿أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [82الأنعام]
وهكذا يا إخواني فالأمر يطول!!!، ... لو قارنّا بين عطاء الله لأنبياء الله ورسل الله، وبين عطاء الله الجامع والكامل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
ومن أجل ذلك كل واحد منا- وكما قلت- له نصيب في إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومعراجه، ... وهذا النصيب يتطلب أن يدخل الواحد إليه من الباب.
مَنَازِلُ الإِسْـرَاءِ
فإسراء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، منه إسراء في عالم الآيات، ومنه إسراء في عالم البرزخ، ومنه إسراء في عالم الأرواح، ومنه إسراء في عالم الملكوت، ومنه إسراء في عالم الجبروت، ومنه إسراء في عالم النعموت، ومنه إسراء في عالم الرحموت، ومنه إسراء في عالم الحي الذي لا يمـوت، وكل إسراء منها له باب يدخل منه الأحباب، فيمتعهم الله عزَّ وجلَّ ببعض ما رآه سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فِي عَالَمِ الآَيَـاتِ
فالإسراء الأول والذي عليه المعوَّل في عالم الآيات، وربنا فتحه للكلِّ، وقال لنا جميعاً:
﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [101يونس]
ليس هو بمفرده، بل كلنا جميعاً، ننظر للذي في السماوات والذي في الأرض، إذا تأهلنا!!. كيف هذا؟!!، كما شاهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فحتى يرى ما في السماوات وما في الأرض، ماذا فعل؟. اختلى بربِّه في غار حراء في غيبة عن الخلق، وفي غيبة عن الشهوات، وعن الحظوظ، وأخذ يتفكر في مخلوقات الله عزَّ وجلَّ، حتى وصل في هذا المجال إلى مقام مخاطبة الحقائق، فكان يقول صلى الله عليه وسلَّم فى معنى حديثه الشريف: كنت لا أمشي إلاّ وأسمـع كل شئ حولي يقول: يا محمد، كل شئ ينادي عليه، الحجر يقول له: يا محمد، ففى الحديث:
(إني لأعرفُ حَجَراً بِمكةَ كانَ يسلِّمُ عليّ قبلَ أنْ أُبعثَ، إني لأعرفُهُ الآنَ)( )
والشجر يقول له يا محمـد، والسماء تقول له يا محمـد، والأرض تقول لـه يا محمد. كل شئ ينادي عليه، وطبعاً لا ينادي عليه باللسان العربي وإنما بألسنتهم، وهو صلى الله عليه وسلَّم فتح الله عزَّ وجلَّ مسامع قلبه ليسمع أصوات الكائنات، وهذا السمع موجود عندنا!!، ولكنه يحتاج لما يفتحه!. ما الذي يفتحه؟، ... التفكر!!!.
خُـلْوَةُ الأَفْـرَاد
وكيف يتم التفكر؟ ... بعد أن يخلو الإنسان مع الله، ويخلو بنفسه!!
ليس معناه أن يبحث عن حجرة ويحددها كما كان في الزمن الماضي - تحت سلم أو باب عمارة ، ووضعوا لها شروطاَ: أن تكون على قدر واحد واقف، وقدر واحد جالس، وقدر واحد ينام - حتى لا يستطيع أن يدخل غيره معه فيها- وتكون مظلمة، ... هذه ليست هي الخلوة!!.
لأن الخلوة لا تنفع إذا دخلها الإنسان وما زالت الشرائط النفسية مملوءة بصور الأكوان، لأنه عندما يجلس فيها ستشتغل هذه الشرائط، وتكون في قلبه لأنه ما زال بعين عقله يرى من في العمل!!، ومن في الشارع!!، ومن في البيت!!. فما معنى الخلوة إذن؟!!، .... أن يخلو قلب الإنسان مما سوى حضرة الديان!!، وعند ذلك يكون وهو في السوق، أو في العمل، أو في الأتوبيس، أو في الشارع، يكون في خلوة!!، لأن خلوته بالله عزَّ وجلَّ. هذه - يا إخواني - هي الخلوة الحقيقية، أن يخلو القلب مما سوى الله عزَّ وجلَّ، وهي التي تقول فيها السيدة رابعة العدوية رضى الله عنها:
ولقد جعلتك في الفؤاد مُحدثّي و أبحت جسمي من أراد جلوسى
فالجسم مني للخليل مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسى
هذا هو الشأن!، وهذا هو المهم!. فالخلوة ليست خلو المكان، وإنما خلو القلب من مظاهر المكان، ومن علامات الزمان، وإلاّ: ( كيف يرحـل قلب إلى الله، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟!!!، أم كيف يرحل إلى الله وهو مُقيَّد ومكبَّل بشهواته؟!!)
فحتى يرحل إلى الله لابد أن يجلو المرآة!!، ولا ينفع التفكُّر - يا إخواني - إلاّ بعد ذلك. فنحن نتفكر الآن، ... ولكن في أمور المعاش، وأمور الأولاد، وأمور الزوجات، وأمور العمل، وأمور الدنيا.
وهذا كله فكر مطلوب، ولكن الفكر الغالب على أهل القلوب هو الفكر في الآيات الكونية التي تقرِّبهم إلى الله عزَّ وجلَّ، والذي يفتح باب الفكر ... فعلى الفور يعرج بروحه، كما عاتب الله أصحاب النبي - ونحن أيضاً - فيقول:
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾
[17-20الغاشية]
يعني هذه الأفلام معروضة ولكنا لا نراها، فنحن نريد أن نرى هذه الأفلام في عوالم الله، ونرى ما فيها من خصائص وقدرات؛ أودعها فيها الديان عزَّ وجلَّ.
خِطَابُ عَوَالِمِ الْحَقَائِقِ
ويقولون في هذا المجال: إن عوالم الحقائق تخاطب الإنسان بما فيها من خصائص أودعها فيها الله عزَّ وجلَّ فيتعلم منها؛ فالشمس تكلمهم عن المنافع والأسرار التي أودعها الله فيها، وكلفها الله بها، .... والقمر يعرّفهم في هذا المجال بلسان حاله، ... ولسان حاله المنافع التي أودعها الله عزَّ وجلَّ فيه، والنباتات والحيوانات وكل شئ من كائنات الله عزَّ وجلَّ يعلمهم هذه الحقائق.
والأولياء الذين ورثوا هذا المقام يا إخواني، هم الذين كتبوا لنا كتب الخصائص مثل: كتاب ]شمس المعارف الكبرى[ للشيخ البوني رضِيَ الله عنه وأرضــاه ، فقد شرح فيه خصائص النجوم، وكيف أن كل نجم له مهمة خاصة كلَّفه بها الله عزَّ وجلَّ ؟، ومما قال فيه:
{ لا تظنوا أن الطعوم، والألوان، والروائح من النبات، أو من المياه، أو من الهواء، لأن هذه الأشياء ليس فيها لون ولا طعم ولا رائحة - إذا فمن أين هذه الأشياء؟- قال: هذه نجوم خاصة، وكل نجم أعطاه الخاصية التي كلّفه بها الله عزَّ وجلَّ؛ فهناك نجم كلّفه الله باللون الأصفر، ونجم كلّفه الله باللون الأخضر، ونجم كلّفه الله بالطعم الحلو، ونجم كلّفه الله بالطعم المر، ونجم كلّفه الله بالطعم المزّ، وهذه النجوم هي التي خاطبتني وعرفتني هذه الحقائق!!، ... ونجم كلّفه الله بالحجوم، ونجم كلّفه الله بالأشكال }.
كل هذه لها خصائص معيَّنة، ولها نعوت معيَّنة موجودة في النجوم ، تكليف من الحي القيوم ، وقد عرَّفه الله مثل هذه الخصائص .
وهذا يا أخواني بابٌ واسعٌ- وليس باباً هيناً- يعلم به العارفون علوماً لا عدَّ لها ولا حصر لها ، لأنهم يعلمون فيها حكمة الأحكام ، وحكمة إيجاد الصنائع ، وحكمة إيجاد البدائع ، وحكمة خلق كل شئ في ملك الله أو ملكوته .
وهذا علم لا تسعه المجلدات!، فأي صنعة صنعها الله عزَّ وجلَّ حتى نبيَّن كل ما فيها من الحكم التي عرفناها تحتاج إلى مجلدات!، فكيف إذا عرف الإنسان سرَّ التخصيص فيها!، وسرَّ الحكم التي من أجلها أنشأها خالقها وباريها؟! ... إنه أمر يحتاج إلى شئ فوق الطاقة وفوق الإمكان!، ولكنه فضل يتفضل به الحنان والمنان على من يصل إلى هذا المقام في متابعته للنبي عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام. ومن أجل هذا عندما يروا هذه الأمور، ... ماذا يقولون؟!!:
﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ - يشهدون لله بالتَّنْزِيه وبكمال الوحدانية - ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [191آل عمران].
والنار هنا يعني الحجاب،... أي لا تحجبنا عن هذه المشاهد!، حتى نظـلَّ منعَّمين في هذا الهناء الكلِّي، ... هناء المشاهدات العالية التي يشاهدونها في آيات الله، وفي كون الله عزَّ وجلَّ.
هذا هو الإسراء الأول الذي رآه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الإِسْـرَاءُ إِلَى عَالَمِ الْبَرْزَخِ
أما الذي يريد الإسراء الثاني؛ وهو الإسراء إلى عالم البرزخ: ..... فهذا يتطلب من الإنسان أن يكون مثل أهل البرزخ، لأنه من الذي يستطيع أن يرى ويسمع من في القبور؟، ... الذي مات!، فهو الذي يستطيع أن يرى ويسمع ما في القبور!، ويعرف ماذا يجري في القبور!.
فكذلك الذي مات الموتة الإختيارية - فلم ينتظر الموتة العزرائيلية - فمات عن حظوظه، وعن شهواته، وعن أهوائه، ولم يعد له حظّ إلاّ في الله، ولا هوىً إلاَّ فيما يريده مولاه، ولا شهوة إلاّ في القرب والتقرِّب إلى حضرة الله؛ مثل هذا على الفور ... تكشف عنه الستائر، ويعرف ما في عالم البرزخ، كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾
]122الأنعام[
فليس نوراً في الآخرة، لأنه قال هنا: ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾
مَرْتَبَـةُ الْصِّدَّيقِيَّـةِ الْكُـبْرَى
والمثال له سيدنا أبو بكر رضِيَ الله عنه، فقد قال فيه صلى الله عليه وسلَّم فى معنى الحديث: ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَيَّتٍ يَمْشِي عَلَى وِجْهِ الأَرْضِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ). إنه ميت!!، لكنه يمشي في عالم الناس!!، لماذا هو ميت؟ ... لأنه انتهى عن الغيّ!، فلم يعد له حظ ولا هوى ولا شهوة إلاّ في الله ورسوله!!، ... فليس له شهوة في أكلة ولا شربة، ولا حظ في زي معين!، إلاَّ في ما يقيمه فيه الله، وما يتولاه به الله، وما يكرمه به الله عزَّ وجلَّ.
أما تلك الشهوات فلا تطرف منه عين!!، وفي نفس الوقت هو مثل الأموات ... فلا يغتاب أحداً، ولا يكذب على أحد، ولا ينهش عرض أحد، ولذلك ففي مرة سمعه رسول الله يلعن؛ فقال له:
( يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعَّانِينَ وَصِديقِينَ!!، كَلاَّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ).( )
انتبه إلي هذا الأمر جيداً، فالصدّيق لا يلعن أحداّ مهما كان!!، ... لماذا؟!! ... لأنه خُلق خاص به. وفي مرة أخرى- حتى يعّرفنا مقامه وحاله قال له:
(لا تَطْلُبْ شَيْئَاّ إِلاّ مِنَ الله)، أي هذه خصوصية لك وهذا حالك. ( فَذَاتَ مَرَّةٍ سَقَطَ حَبْلُ نَاقَتِهِ، فَنَزَلَ وَأَخَذَهَا ثُمَّ رَكِبَ ثَانِيَةً، فَقَالُوا لَهُ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ الله إِنَّا نَكْفِيكَ هَذَا الأَمْرَ. فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ رَسَولَ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم فِيمَا عَهِدَ إلَيَّ ... أَنْ لا أَسْألْ أَحَدَاً مِنَ الْخَلْقِ).
حتى في مثل هذه الأمور؟!!، ... نعم!!. إنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وهو يريد أن يحافظ على النهج.
ومن أجل ذلك كشف الله عزَّ وجلَّ له الستائر، وعلَّمه ما في عالم الغيب، حتى كان رضِيَ الله عنه عندما قال رسول الله فيما روى فى معنى الحديث:
( يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَعْلَمْ يَوْمَ يَوْم؟، قَاَلَ: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: أَتَدْرِي كَيْتَ كَيْتْ؟، قَالَ: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرٍ رضِيَ الله عنه:
فِيـمَا تَتَحَدَّثَانِ يَا رَسُولَ الله؟!!)
- أي أنه لا يفهم شيئاً مما يتكلمان فيه!، لماذا؟!!.
لأن الإجابة خاصة!, فهي رموز خاصة بالمشاهدات الروحانية النورانية التي أكرم الله بها أبا بكر الصديق رضِيَ الله عنه وأرضاه.
الإِطِّلاَعُ عَلَىَ أَحْوَالِ أَهْلِ الْبَرْزَخِ
إذن فيطّلع صاحب هذا الحال على عالم البرزخ : ... ويرى فيه كل مجالس السابقين ومجالس اللاحقين ، ويأخذ من العلم الذي فيها ، وينال من الأنوار التي فيها ، ويشرب من الأذواق التي فيها .
وكان أيضاً على هذا المقام - وله القدح المعلى فيه - الشيخ محي الدين بن العربي رضِيَ الله عنه وأرضاه، ... فعندما كان يتلو كتاب الله، ويقرأ قصة نبي من أنبياء الله، كان يستحضر روح هذا النبي في عالم البرزخ ويسأله عن حقيقة القصة، ويناقشه فيها، عمَّا عمله، وعما فعله فيها، ويسأله بنفسه!، فيأخذ الإجابة من هذا النبي بذاته الشريفة - عليه السلام.
وكذلك في الأحاديث!!، يقول: هناك أحاديث ضعَّفها الرواة: لأنهم وجدوا في السند رجلاً متهماً بالجرح - رجل كذب مرة، أو لم ير الذي سمع عنه الحديث -وعلماء الحديث تحروا الدقة البالغة فيه، ولا يوجد علم في الوجود كله أوثق من علم الحديث الشريف - ويقول عن نفسه :
{ لست كذلك، فإني أعرض الحديث على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فإن قال : قلته ، أعلم أنه حديث حق ولو كان موسوماً بالضعف عند المحدّثين أو الرواة، وإن قال: لم أقله، أعلم أنه حديث مدسوس ولو كان وثَّقه المحدثون والرواة }.
لأن من المتكلم هنا؟
رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهو يعرض الحديث على من؟، على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بنفسه .
تَحْصِيلُ الْعُلُومِ الْبَرْزَخِيَّة
وهذه يا إخواني فيها علوم الأولين والآخرين، لأنه يجالس أهل البرزخ!، ويأخذ منهم علومهم، ويأخذ منهم أفهامهم، ويأخذ منهم أحوالهم!!. و لا يتم حال رجل في السلوك إلي الله عزَّ وجلَّ إلاّ إذا اتصل بأهل البرزخ، وأرشدوه، ووجّهوه، وبيَّنوا له الطريقة الصحيحة إلي الله عزَّ وجلَّ .
وهذا أيضاً نوع آخر من الإسراء:
فقد جمع الله لحبيبه ومصطفاه في بيت المقدس المائة وأربع وعشرين ألف نبي ورسول، وصفَّهم الله عزَّ وجلَّ له سبعة صفوف، وصّلوا خلفه، وحصَّل كل ما عندهم صلوات الله وسلامه عليه.
والأمر الغريب جداً أنه حصَّل كل علوم النبيين في أقل من لمح البصر!!، كيف أخذ كل علوم هؤلاء الأنبياء والمرسلين؟!!، وعلوم الملائكة والمقربين وغيرها من العوالم العلوية - في أقل من لمح البصر؟!!.
هذا هو العجب العجاب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لكن كل واحد منا بالكاد، يستطيع أن يأخذ علماً واحداً من أهل البرزخ، ولذلك عندما زار الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه سيدي إبراهيم الدسوقي رضِيَ الله عنه وأرضاه ، وأراد أن يبين المقام الكريم الخاص به، والأسرار والعلوم التي تكلم فيها، قال في قصيدة طويلة:
أيا قطب أهل الحب في عصره الماضي
أتى يرجو فضل الله في عصره ماضي
وفي أخر قصيدة قال عن هذه العلوم كلها :
عليه أبو ذر الغفارى قد أملى
أي هذه العلوم التي قالها سيدنا إبراهيم الدسوقي، كلها ... من أين؟
إملاءً من سيدنا أبي ذر رضِيَ الله عنه !!، لأنه كان على شاكلته، فسيدنا أبو ذر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :
( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ زُهْداً وَسَمْتاً؛ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبي ذَرٍّ) ( )
لأنه كان قد طلق الدنيا كلها، وكان شديداً في هذه الناحية، فهو شبيه بعيسى بن مريم في الزهد والورع.
وقد كان سيدنا إبراهيم الدسوقي كذلك على هذه الشاكلة، فلم يتزوج، ولم يتبوأ مناصب دنيوية فانية، وكل هذا الفضل العظيم قد أخذه ... ثم انتقل إلي الله عزَّ وجلَّ وعمره واحد وأربعون سنة!!!، كل هذا الفضل، وكل هذه العلوم ... ومات وعمره واحد وأربعون سنة! ... لأنه من البداية سار على الطريق العيسوى، فسيدنا أبو ذر أملاه هذه العلوم العيسوية كلها!!، ... من عالم البرزخ .
تَأْوِيلُ الْرُؤْيَا
والأمثلة في هذا كثيرة: ... فمنهم من أخذ من صحابي من صحابة رسول الله، ومنهم من يأخذ من نبي من أنبياء الله.
فسيدنا ابن سيرين رضِيَ الله عنه وأرضاه - الذي أسس علم الرؤيا - من أين حصل عليه؟، ولم يكن له به علم ؟!!.
قد كان ابن سيرين رضِيَ الله عنه فقيهاً (يعني: عالماً بالفقه والشريعة)، وفي يوم من الأيام رأى سيدنا يوسف عليه السلام - فى الرؤيا - وقال له:
تعالَ يا ابن سيرين أعلِّمك علم الرؤيا، ووضع فمه على فمه، وأعطاه لسانه يمصُّ فيه، فعَلِمَ علم الرؤيا.
وهذه الكراسي العلمية ليست موجودة في الدنيا يا إخواني، ولا يستطيع أحد أن يتعلَّمها؛ إلاّ إذا التحق بجامعة عالم البرزخ، لكن جامعات الدنيا ليس فيها هذه العلوم!!!، من الذي يستطيع أن يعلم علم الرؤيا؟، ... وماذا تعني الرؤيا؟ .....
﴿ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [43يوسف]
وليس (تُعَبِّرُون)!!، ﴿تَعْبُرُونَ﴾ يعني: تَعْبُرُون إليها - يراها في عالم المثال، فيعرف حقيقتها، ويبيِّنها كما وضَّحها الله عزَّ وجلَّ.
هذا هو بيان الرؤيا، أمَّا من يؤوِّل!!، فإنه قد يخمِّن، قد يصدق .. وقد لا يصدق، لكن الذي يعبر الرؤيا كيف يعبر؟.
الرؤيا أصلها من عالم المثال، وتظهر في لوح الخيال، إذا صفى الإنسان من عالم الوهم والظلال في المنام، فتظهر فيه صورة من عالم المثال، فيرجع هو إلى الصورة في عالم المثال، فيعلم رموزها، ويدري حقائقها، ... فيبينها كما يراها.
ولذلك عندما أتى اثنان إلى ابن سيرين، وقد رأيا رؤيا واحدة:
الأول قال له : رأيت أنني أُأذِّن، وقال له الثاني: كذلك، فالرؤيا واحدة!!، نظر للأول وقال له : إنك سارق؛ وستعاقب بقطع اليد، ونظر للثاني وقال له : إنك ستحجُّ إلى بيت الله الحرام. فسُئل عن سبب ذلك؟، فقال: عندما أخبرني الأول عن رؤياه، ... مرَّ على قلبي قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ [70يوسف]
فعرفت أنه كذلك، ولما حدّثني الثاني عن رؤياه خطر على قلبي قوله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ﴾ [27الحج].
إذن كيف عرف ذلك؟، والرؤيا واحدة!! ....
..... من عالم المثال!! ....
وذلك مثل رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام؛ ماذا رأى المَلِكُ؟!! ... رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات!!.. ، وما تفسير ذلك ؟
تأتي سبع سنين قحطاً وبلاء، بعد أن تمرُّ سبع سنين خير ورخاء، ولكن ليس في الرؤيا قوله تعالى:
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
[49يوسف]
هذه ليست في عالم الرؤيا، فلا يوجد أي إشارة للعام الخامس عشر!!!
إذن من أين أتى به؟!!، أتى به من عالم المثال ( عليه السلام )، ...
لكن هل هناك أستاذ كرسي في أي جامعة من جامعات العالم يستطيع أن يعلم هذا العلم؟!!.
.... لا .... وهكذا يا إخواني!! فعلوم الأحباب كلها من جامعة البرزخ!!
وجامعة البرزخ لا يلتحق بها إلاً من يموت عن نفسه وحظه وهواه، ويأخذ فيها شهادة من النبي الكريم، أو الصحابي العظيم، أو أستاذ الكرسي الذي علَّمه هذا العلم العظيم بأمر الله عزَّ وجلَّ.
وهذا نوع من أنواع الإسراء .

الْعُرُوجُ إِلَى عَوَالِمِ الْنُّور
وهناك إسراء ثالث يا إخوان : ....
وهو إسراء قلبي ، وهذا لمن يريد أن يرى النور!!! .....
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [35النور]
وهذه حقيقة ليس فيها شك، ولكنا لا نراها!!!، نرى نور الشمس، أو نـور القمر، أو نور الكهرباء، لكن نور الله ... كيف نراه؟!!! ... هذا يتطلب تغيير المولّدات الإلهية!!، ... وتشغيلها بإشارة من خير البرية صلى الله عليه وسلَّم!!، ... حتى تبصر العيون التي فيك!!، ... والتي تتحمل أنوار خالقك وباريك عزَّ وجلَّ.
فالطفل المولود حديثاً ...
لو عرضّناه فجأة لنور الشمس؛ يصاب بالعمى، لأنه لم يتأهل بعد، لكنه يتأهل بالتدريج، ... فكذلك نور الله عزَّ وجلَّ، نور الله الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
(إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سَبَحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ ما أَدْرَكَ بَصَرُهُ)( )، وفى رواية: (سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَاب)
فكيف يستطيع المرء أن يراه ؟!! ... إلا بتجهيز خاص، وبتأهيل خاص، يؤهِّله الله عزَّ وجلَّ لعباده الخواص!!.
أين هذا النور؟، وأين يشرق؟، وأين المملكة التي يشرق فيها؟.
حتى أوصلها بالتوصيلات والكابلات النورانية!!، وأضع فيها المواتير التي تمدني بالشحنات النورانية الإلهية!! ... إنها مملكة القلب!!!، ... لأن نور الله لا يظهر إلاّ في قلوب استنارت بنور الله عزَّ وجلَّ.
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾
[36النور]
ما هذه البيوت؟!!، ... القلوب!!، وكيف نؤهلها؟؟!!.
نجري لها العملية التي أجريت لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، عندما أضجعوه، وشقوا صدره، وأخرجوا قلبه، ووضعوه في طست من ذهب، وألقوا حظ الشيطان منه، وأحضرواً طستاً آخر مملوءاً إيماناً وحكمة، ووضعوه فيه، وختموا عليه بخاتم من نور يحار فيه الناظرون!!.
فكذلك قلبك، ... يحتاج لمثل هذه التجهيزات.
فالذي يريد العروج القلبي إلى نور الله، ... حتى يرى نور الله في كل ما تقع عليه عيناه، كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
وإذا نظرت عيني إلى أي كائن
تغيب المباني والمعاني سواطع
والذي يقول فيه الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{{ أخذني الحال - "النوراني" - فرأيت كل شئ حولي نوراً، حتى رأيت ذرّات الرمال التي أمشي عليها نوراً، فأخذني حصر البول؛ فاحترت كيف أتبول؟ وكل ما حولي نور!!، فدعوت الله عزَّ وجلَّ أن يحجبني عن هذا المشهد؛ فنوديت: لو سألتنا بكل أنبيائنا ورسلنا، وبكل أسمائنا وصفاتنا، أن نحجبك ما حجبناك!!، ولكن سلنا أن نثبِّتك ونقوِّيك.
.... انظر إلى التوجيه الإلهي ...
( أَدَّبَنِي رَبي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي )( )
قال: فسألته أن يثبِّتني ويقوِّيني، فثبَّتني وقوَّاني، فرأيت كل شئ بالمشهدين، ... وبالعينين.}}
عين الأكوان ترى الأكوان، وعين القلب ترى في الأكوان نور الله عزَّ وجلَّ .
صَاحِبُ الْمَشْهَدَيْنِ
وهذا يا إخواني حال من يشهد بالعينين.
فماذا يفعل العبد ليصل إلى ذلك الحال؟!!، لابد أن يفتح صفحة قلبه بسيف محبَّة الله، ويطهِّرها من كل شئ يباعد بينه وبين حضرة الله، لأن الحضرة العليا كما قال أولياء الله:
{{ مكتوبٌ على حضرة القدوس: لا يدخلها أرباب النفوس }}
فيُخْرِج منها:
كل ما يمنع الإنسان - عن البهاء، والجمال، والكمال، والصفاء - من الأحقاد، والأحساد، والكُره، والبغض، والأثرة، والأنانية، وحب الذات، وما شاكل هذه الصفات...
فمثلاً: الذي منع إبليس من المشاهد العالية:
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ [76ص]
لذا فكل الصفات التي وراء كلمة أنا ...
لابد أن يتخلص منها، حتى يكون مع الله بالله!، ويسير بتوفيق الله إلى الله!، ويمشي بنور الله إلى الله عزَّ وجلَّ!، ... لأن المرء لا يستطيع أن يمشي بنفسه!!، ... ولا بذاته إلى الله عزَّ وجلَّ، قال صلى الله عليه وسلَّم:
( وَلَوْلاَ تَمْرِيجُ قُلُوبِكُمْ وَتَزَيُّدُكُمْ فِي الْحَدِيثِ لَسَمِعْتُمْ مَا أَسْمَعُ) ( )
وفى رواية – زيادة: ... ( لَرَأَيْتُمُ الَّذِي رَأَيْتُ)
نحن نتكلم عمّال على بطّال!!، لكن كيف كان تكلُّمه صلى الله عليه وسلَّم؟،
بالحكمة التي أشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلَّم:
( رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْرَاً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ )( )
فإذا أخرج من قلبه الرغبات الزائلة، والشهوات الفانية، واللّذات العارضة، وملأه بحبِّ الله وتقواه، والخوف من جلاله، والخشية من رهبوته وعظومته، والرغبة في جميل قربه وأثير ودِّه، وتجمَّل بجمال العبودية التي كان عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ... يمنُّ الله عزَّ وجلَّ عليه بغامر فضـله، وواسع كرمـه، فيفتح له أبواب قربه، ويرفعه على رفارف عنايته، ويخصه بمشاهدة جمال حضرته، ويتولاه في كل أنفاسه بحفظه وكلاءته، ورعايته وصيانته.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الرابع: مَعَـارِجُ الْوَاصِلِينَ

مَعَـارِجُ الْوَاصِلِينَ ( )
الحمد لله الذي أشرق على قلوبنا بنور رسولنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومنَّ علينا فواجه أرواحنا بنور ذاته قبل ظهورنا في هذه الحياة، وزاد علينا منًّا وتوفيقاً فهدانا إلى الإيمان وجعل قلوبنا وعاءً للقرآن، وأفئدتنا مشوَّقة للحبيب العدنان، وكل ذلك بلا حول منا ولا طول، وإنما بسابغ فضل الله، وبواسع كرم الله عزَّ وجلَّ.
اللهم لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فنسألك يا الله أن تنزِّل سكينة علينا، وأن تثبت الأقدام إن لاقينا، آمين يا ربَّ العالمين.
والصلاة والسلام على بحر العلوم الإلهية، وخزائن الأنوار القدسية، وسرِّ كلِّ التجليات الربانية لأهل الخصوصية، والكهف والملاذ لأهل الحوائج في هذه الدار الدنيَّة، والشفيع الأعظم للخلائق أجمعين في الأهوال الحشرية، ... سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، وآله وأصحابه وكل من اتبع هداه، آمين. أما بعد
فيا إخواني ويا أحبابي: بارك الله فيكم أجمعين.
سَــرَائِرُ الإِسْـــرَاء
في الإسراء والمعراج ... أسرار علميَّة وحديثها لأهل العقول، وفيه أسرار سلوكيَّة وحديثها لأهل النفوس الذكيَّة، وفيه أسرار نورانيَّة وإشارتها لأهل القلوب التقيَّة النقيَّة، وفيه بعد ذلك أسرار عرشيَّة، وأسرار لوحيَّة، وأسرار ربانيَّة، وهذا كله مما يبيحه صلى الله عليه وسلَّم لأهل الخصوصيَّة.
أما الأسرار الذاتيّة التي بينه وبين حضرة الذات الأحديَّة؛ فهذا سرٌّ بين الحبيب وحبيبه، لم يطلع عليه ملك ولا نبي ولا رسول، وإنما كما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [10النجم].
فقد وضّح الله عزَّ وجلَّ كل هذه الأسرار في قوله تعالى:
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [1الإسراء]
وكلمة ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، يعني: آياتنا وأسرارنا، ومظاهر قدرتنا الذاتية. وعندما ألمح إلى بعض هذه الحقائق؛ فإن الله عزَّ وجلَّ أمره صلى الله عليه وسلَّم أن يحدث أولاً بالإسراء، لأنه يناسب العقول، فلم يكشف صلى الله عليه وسلَّم المعراج إلاّ بعد أن تأهلت النفوس، وطهرت القلوب، فأصبحت مستعدة لاستيعاب هذه الغيوب.
لكنه حدَّثهم بالإسراء، والبيان الذي ذكره الله ... يتواءم مع حبيبه ومصطفاه في البداية، وبيان الإسراء:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [1الإسراء].
أين المعراج في هذه الآية؟!!، ... لا يوجد!!. ولما ألمح الله عزَّ وجلَّ إلى المعراج، ألمح إلى ما تتقبله القلوب، وما تلحظه الأرواح من أسرار الربِّ عزَّ وجلَّ، ولذلك قال:
﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [18النجم]
آيات الربوبية، أما آيات الألوهية فلا ينكشف عليها حتى أهل الخصوصية إلاّ إذا خصّهم المصطفى بتلك المزيَّة، بعد أن يتأكد من فنائهم بالكليَّة في محبة الذات الإلهيَّة.
ولذلك يقول الله لحبيبه ومصطفاه:
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [11الضحى]
فعن نِعم مقام الربوبية حدّث ولا حرج، وفي باطن الآية ... أما نِعم الله وذات الله فلا تحدِّث. فإن ما أباح له ما يتعلق بالربوبية، والربوبية فيها السموات، وفيها الجنَّات، وفيها النَّار، وفيها العرش، وفيها الكرسي، وأخرها سدرة المنتهى.
فنحن - على قدرنا - في هذه الليلة المباركة سنتكلم في شئ ينفعنا جميعاً في سيرنا وسلوكنا إلى الله عزَّ وجلَّ، والأسرار العلمية ليس لها نهاية، وفي كل نَفَس من الأنفاس يفيض الله عزَّ وجلَّ على العلماء بالله من أسرار الإسراء والمعراج، ما لا تستطيع مطابع العالم أجمع أن تواكبه لو أرادت طبعه، لأن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يلهمهم؛ لكننا جميعاً نحتاج إلى الأسرار السلوكيَّة التي نستعين بها في سيرنا وسلوكنا إلى الله عزَّ وجلَّ، فنأخذ على قدرنا - لا على قدر المقام- بما يفتح الله عزَّ وجلَّ لنا من بحر الإلهام الوارد من المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام.
الدَّعْـــوَةُ وَالدَّاعِـي
ما الذي حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم قبل هذه الرحلة المباركة؟ كلّفه الله عزَّ وجلَّ برسالته، وأمره أن يبلغها للناس، ووجد في ذلك شدة وعناءً لا تتحملها الجبال، فلم يجد الطريق مفروشاً بالورود؛ بل لا يوجد أحد في الأولين والآخرين سيرى في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ ما لاقاه سيِّد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.
ففي البداية، كان الجفاء من الأهل والأحباب، ثم بعد ذلك زادوا على الجفاء بالسبِّ والشتم، والتعريض والتقبيح، والإيذاء، ثم زادوا على ذلك بأن حبسوه ومن معه، ومنعوا عنهم الطعام والشراب، حتى أنهم منعوهم عن شرائه من أموالهم، وحبسوهم في شعب أبي طالب كما تعلمون، ... لماذا؟
لعلهم يرجعون، لكن ذلك كله لم يزدهم إلاّ إصراراً وتمسكاً بهدى الله عزَّ وجلَّ، ثم زاد البلاء- لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
(أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ) ( )
وبالطبع نصيب سيِّد الأنبياء؛ قدر نصيب الأنبياء جميعاً من البلاء، لقول الله عزَّ وجلَّ له:
﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [35الأحقاف]
أي انظر إلى صبر أولي العزم جميعاً!، كيف كان صبرهم؟، وأنت بمفردك! لازم صبرك يعدل صبرهم جميعاً!!، لأن هذه هي منزلته، ومكانته صلى الله عليه وسلَّم التي اختارها له الله عزَّ وجلَّ.
فزاد البلاء .... ، فأخذ النصير ، وأخذ الوزيرة والمعينة التي تخفِّف عنه الآلام ، والتي تذهب عنه الروع، والتي تعينه عند الشدة.
لكن ليس كما قال بعض المفسرين والمؤرخين- قالوا أنه حزن عليهما وسموه عام الحزن- فلو حزن عليهم؟ ، ما كان دعا إلى الله عزَّ وجلَّ!!، لكنه لم يزدد إلاّ إصراراً على الدعوة إلى الله، ولما وجد أن أهل مكة لا يستجيبون ... انتقل إلى أهل الطائف.
يعني كل هذه المصائب ، وكل هذه الابتلاءات ... لم تُفّت في عضُده صلى الله عليه وسلَّم، بل زادته يقيناً، وزادته طمأنينة بأن الله عزَّ وجلَّ معه، لأنه علم أن الله عزَّ وجلَّ يريد منه أن لا يعتمد، ولا يتكلَّ، ولا يلجأ إلا إلى الله عزَّ وجلَّ. وهذا شأن الأنبياء، وشأن الدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ في كل زمان ومكان.
لا يعتمدون إلا على الله، فلا يعتمدون على أحد من خلق الله، لأنهم بقلوبهم وحَّدُوا الله عزَّ وجلَّ التوحيد الحقيقي الذي لا يرون غيره في الكون فاعلاً، ولا مريداً، ولا محركاً ومسكناً .
فهو وحده الذي بيده القلوب، وبيده تصاريف كل شئ في هذا الكون.
حِكْمَةُ الإِبْتِلاءَاتِ الإِلهِيَّة
فإذا أكرم الله عزَّ وجلَّ العبد المؤمن، وأراد أن يُنْظمه في عُقْد الأخيار، ويُدْخله في معية الأبرار؛ فإنه يبتليه!!
تارة في نفسه، وتارة في ماله، وتارة في أهل بيته، وتارة فيمن معه - كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - ففي ماله انتهى بعد فلم يعد له تجارة، وفي نفسه لم يعد له حبيب ولا قريب، الكل عدو!، حتى زوجته المعينة أخذها الله عزَّ وجلَّ إلى جواره، وعمه الناصر له أخذه سبحانه وتعالى إلى حيث لا يعلم مصيره إلاّ هو عزَّ وجلَّ، ولم يعد له ملجأ ولا منجى من الله إلاّ إليه.
وزاد البلاء بأنهم عرضوا عليه الدنيا، وبعثوا له الرسل: إن كنت تريد بما جئت به – هذه الدعوة - مالاً!! - وانظر إلى العبارة - جمعنا لك من أمولانا حتى تكون أغنى رجل في مكة، إذا كنت تريد بدعوتك المال. وإذا كنت تريد بها سلطاناً وجاهاً ملكناك علينا- جعلناك الملك علينا، وهذا امتحان في الإخلاص.
لكنه صلى الله عليه وسلَّم لا يريد إلاّ وجه الله، ولا يبغى إلاّ رضاه، ولا يطلب من الدنيا والآخرة سواه عزَّ وجلَّ، ... وهكذا الدعاة!!!:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ - ما هذا البلاء يا رب؟-
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ.
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾
[155، 156البقرة].
هؤلاء الذين أمرَّ الله النبيَّ أن يبشرهم،- الذين في زمانه فقط ؟ - لا، ... بل الذين في كل زمان ومكان، لأنه قال له بشر الصابرين الذين فيهم هذه الصفات من بعثتك إلى يوم الدين، ... فكل من انطبقت عليهم هذه الصفات، وظهرت فيهم هذه العلامات، بشَّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم- إما مناماً وإما عياناً - بهذا الفضل من الله عزَّ وجلَّ؛ أن من نجح في هذه الاختبارات:
يحفظه الله عزَّ وجلَّ من عوالم الدنيا، وأهل الدنيا، وما يعرض عليه من زخرفها وزينتها، فقد يعرضون عليه المال حتى يشغلوه عن دعوة الله، أو التجارة حتى يبعدوه عن طريق الله، أو يعرضوا عليه منصباً ينشغل به عن طريق الله. لكن المؤمن الذي يسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، سمع ربنا يقول له:
﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا ﴾
لماذا يا ربِّ متعتهم بها؟ ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ﴾ ،فما الذي ننظر إليه؟
﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[131طه]
خلِّ عينك على رزق الله، ... ما رزق الله؟!!!
الفتح ، الإلهام ، النور ، الكشف ، الفضل ، المنَّة ، العطاء ، وغيرها من أنواع النعم التي لا حدَّ لها، ولا نهاية لها، لأن رزق الله كما قال فيه الله عزَّ وجلَّ:
﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾ [54 ص]
ليس له نفاذ، لا ينفذ ولا ينتهي!!، فيضع نصب عينيه على رزق الله.
فالرجل هو الذي نجح في هذا الإختبار.
والطريق كله على هذه الشاكلة يا إخواني، كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه لأحد المريدين مثلى - تعرض لاختبار بسيط - فجلس يبكي ويولول ويقول: أنا لا أنفع في الطريق!!، فقال له رضِيَ الله عنه - على لسان الحق عزَّ وجلَّ :
تريد أن ترى حسني وترقى بلا حرب شديد لا يكون
فمن رام الوصال إلى جنابي أصــــفّيه وفي هذا فتون
وإلا فانظر إلى فيلم الأنبياء والمرسلين السابقين أجمعين:
﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا ﴾ [45الزخرف]
انظر إليهم!، هل نجا أحد منهم من البلاء؟، فلو كان البلاء غضباً من السماء، لما ابتلى الله الأنبياء؟!!. ... لكن البلاء باب للعطاء، فقد قيل:
{ لا منحة إلاّ بعد محنة، ولا عطيَّة إلا بعد بليَّة }
وإياك أن تظن أن البلاء قد انتهى بعد الإسراء والمعراج، بل إن البلاء كان مستمراً حتى في المدينة المنورة!!، أين؟ قال تعالى:
﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ﴾
[214البقرة]
أي أين هذا النصر الذي حدثتنا عنه؟!!. ...
بل هناك أكثر من ذلك!!!، بلاء لا يتحمله بشر؛ عندما أسمعوه ما يكره في زوجته الطاهرة الطيَّبة الحبيبة إلى قلبه!!!، أنواع وأصناف من البلاء لا عدَّ لها، ولا حدَّ لها. ... لماذا ؟ هذه هي الحكمة ...
من يرد أن يترقى في الجيش؛ لابد أن يحصل على فرقة أولاً؛ فإذا نجح يعطوه الترقية، وعندما يريد ترقية جديدة، لازم فرقة أخرى، وتدريب آخر، ... وتدريب الله للأنبياء والمرسلين والصالحين:
هو البلاء الذي يواجههم به الله عزَّ وجلَّ، أو الابتلاء .
الْبَـــلاءُ وَالابْتِـلاء
البلاء كما ذكرناه: في النفس، أو المال، أو الولد، هذا اسمه البلاء.
والابتلاء يعني: يفتح له باباً في الدنيا، أو باباً في الوظائف والمناصب، أو باباً في العلو في الأرض، أو حتى يفتح عليه باب إقبال الناس فيتجمعون عليه، ويقولون أنه شيخ ورجل عظيم، وله كرامات، وله كذا وكذا، ... وهذا هو الابتلاء.
فكلا الأمرين يصفّي بهما الله عزَّ وجلَّ عباده المقربين؛ فإذا وجد أنهم لم يلتفتوا إلاّ إليه، وأصبحوا كما قال الله في شأن الثّلة الأولى منهم:
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [52الأنعام]
قرّبهم ! ، وأدناهم ! ، وحباهم ! ، وأعطاهم ! ، وتولاّهم ! ، ووالاهم !.
كما قال الإمام الجنيد :
{ رأيت الله عزَّ وجلَّ في المنام فقال: يا جنيد، تعلم ما صنعت بأحبابي؟، قال: لا يا رب!، قال: إني لما خلقت الخلق قبل خلق الدنيا، فتحت لهم أبواب النعيم فهرب تسعة أعشارهم إليها، وبقى العشر. ففتحت لهم أبواب الدنيا، فهرب تسعة أعشار العشر إليها، وبقي عشر العشر ؛ فسلّطت عليهم جهنم، فهرب تسعة أعشار عشر العشر، وبقي عشر عشر العشر؛ فسلطت عليهم البلاء، فهرب تسعة أعشار عشر عشر عشر العشر، ولم يبق إلاّ عشر عشر عشر عشر العشر، فزدت عليهم أصناف البلاء، فقالوا: وعزتك وجلالك ، لو صببت علينا البلاء صبَّاً ، ما تحولنا عن وجهك!!. قال: فقلت لهم : أنتم عبادي حقاً!!، وأوليائي صدقاً!!}.
والإمام الشبلي رضِيَ الله عنه وأرضاه- وكان والياً - وعندما أكرمه الله عزَّ وجلَّ بسلوك طريق الله، ترك الولاية وأقبل على الله، وكان والياً عادلاً، حتى أنه عند الموت بكى بكاءً مرًّا، فقيل له: لم تبكِ؟ قال:
{{ بقى عليّ مظلمة واحدة، وقد رددت كل المظالم التي فعلتها في فترة ولايتي، وبقى عليّ مظلمة واحدة!!، بحثت عن صاحبها في كل الأرض فلم أجده، وتصدقت عنه بأضعاف مضاعفة، ولكني أخشى أن يطالبني الله عزَّ وجلَّ بها يوم القيامة }} .
والإمام الشبلى رضِيَ الله عنه قد استغرق في ذكر الله عزَّ وجلَّ حتى رماه الناس بالجنون، وانطبق عليه قول سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
( أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللّهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ ) ( )
فقيل عليه مجنون، وأخذوه ووضعوه بالمارستان، (وكان موضع مستشفى المجانين في زمانه) ، ولم يكن عنده جنون إلاّ في حب الله عزَّ وجلَّ ، كما قال سيدي أحمد البدوي رضي الله وأرضاه:
مجانين لكن سرّ جنونهم غريبٌ على أعتابه يسجد العقل
وكما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
مجانين مما بهم من حبّهم لحبيبهم
إنه من الحبَّ الذي فيهم لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم!!!
فذهب إليه إخوانه يزورونه، فذهب إليه البواب وقال له: إخوانك يطلبون مقابلتك، قال: أين هم ؟، فأشار إليهم، فأمسك بالطوب ... وأخذ يقذفهم بالحجارة، فولوا هاربين؛ فقال: أما تدعون محبتي؟!! لو كنت أحبابي فعلاً !، لصبرتم على بلائي.
فالمحب يصبر على بلاء المحبوب، والذي لم يصبر يدخل في قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ [19-22المعارج].
إلاّ هؤلاء القوم، ... ليس عندهم هلع ولا جزع، وإنما يرضون عن الله عزَّ وجلَّ؛ لأنهم يطلبون رضاءه سبحانه وتعالى.
ومن شروط الإيمان العامة: الرضا بمرِّ القضاء، وليس السخط، وهذا حتى مع عوام المؤمنين!! أن يرضى بمر القضاء، لماذا نفرح بالمعطي!، ونحزن من المبلي؟!!.
والمعطي والمبلي هو الله عزَّ وجلَّ .
لماذا نفرح من المحيي عندما يعطينا ولد ..!!.. ، ونحزن عندما المميت يأخذ منا ولد ..!!.. ؟ ، والمحيي والمميت هو الله عزَّ وجلَّ ، وله ما أعطى ! ، وله ما أخذ ! ، لأنه سبحانه وتعالى هو الفعَّال لما يريد .
لماذا نفرح بالباسط ، ونحزن عند القابض ؟
فالمؤمن يفرح بالله ، ويفرح بما يأتي من الله ، لأنه من الله عزَّ وجلَّ ، ويرضى عن الله سبحانه وتعالى ، وأهل الرضا هم أهل المقام الأكمل عند الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة .
الْعَبْـــدُ الرَّبَــانِيّ
فإذا أكرم الله عزَّ وجلَّ عبداً ونجح .... وصبر في الابتلاء ......
فإن الله عزَّ وجلَّ يُعطّف عليه قلب أحد السعداء من الأتقياء الذين جعلهم الله عزَّ وجلَّ أبواباً لحضرته ، وأسباباً للوصول إلى مقام القرب من عزته .
فإذا تعطف عليه صاحب هذا القلب - والحب هنا من الله كما قال الله عزَّ وجلَّ لموسى عليه السلام:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [39طه]
فيكرمه الله عزَّ وجلَّ بهذا العبد، فيعثر عليه ويتقابل به.
والعثور على العبد ... فضل من الله!!!!، وهبة من الله !!!!، لا بعمل ولا بأمل، ولا بحول ولا بطول، فإن الله عزَّ وجلَّ إذا أراد أمراً قضاه، وسبب الأسباب ليحدث ما يريد الله!
وإذا لم يرد الله عزَّ وجلَّ أمراً، ... وأخذت كل الوسائل والأسباب!!، ما تنفع الحيلة إذا كان القدر لا يريد ، ما ينفع الجهاد إذا كان أمر الله عجيب، لا حيلة لمخلوق مع الخالق؛ إلاّ إذا وافقت إرادة الخالق رغبة المخلوق، وهنا يكون أمر الله وقدر الله!!، أمراً مقدوراً كما أنبأ الله عزَّ وجلَّ.
فيكرم الله عزَّ وجلَّ العبد بالرجل التقي النقي، فيأخذه ، كما أكرم الله عزَّ وجلَّ حبيبه ومصطفاه بجبريل عليه السلام في ليلة القرب والمناجاة ، فهي رموز لكنوز ، يفكها الله عزَّ وجلَّ للطالبين والراغبين.
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يحدّث عن الملأ الأعلى وهو في الدنيا، وكان يقول:
(لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفاً فِي عُـرْضِ هَذَا الْحَائِطِ ) ( )
وكان ينظر إلى العرش وإلى الملكوت وهو في بطحاء مكة فلا يحتاج إلى سفر، ولا إلى رحلة، وإنما السفر لنا، لنتعلم كيفية السفر بقلوبنا وأرواحنا إلى الله عزَّ وجلَّ، فإن السفر لله ليس بالأجسام!!، وإنما بالقلوب والأرواح!! ... فيأتي هذا الرجل الذي يكرمنا الله عزَّ وجلَّ به ، بعدما يتحقق بصدقي في الطلب، وأنني ليس لي مأرب إلاّ وجه الله، كما يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{نحن قوم نكتم أسرارنا عن الطالب حتى لا تكون له شهوة إلا في الحق}
فإذا لم يكن له شهوة إلاّ في الحق ...
كشفنا السرّ للراجي و بحنا له بمشهدنا
طَهَـــارَةُ الْفُــؤَاد
يكشف له السرَّ، ويبيح له بما شهده، لأنه عرف أنه ليس له مراد إلاّ وجه الله عزَّ وجلَّ. ... فيأخذونه ويعملون له العملية التي عملها جبريل عليه السلام للمصطفى صلى الله عليه وسلَّم، فيطهرون فؤاده!!، ... وطهارة الفؤاد لا أستطيع أنا أن أفعلها، ولا يستطيع أحد أن يفعلها؛ إلاّ إذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ برجل من الصالحين.
ما الذي يطهر الفؤاد؟!!، ... العبادة؟، ... أبداً، بل قد تزيد الإنسان طغياناً وغروراً، ولو كانت العبادة تطهِّر لطَهُرَ إبليس، فإنه عَبَد الله اثنين وسبعين ألف سنة،!!! ... ولم يترك موضع قدم في السماوات إلاّ وسجد فيه سجدة لله عزَّ وجلَّ.
إذن فما الذي يطهِّر؟!! كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{ بالحال تزكية النفوس لا بالفلوس ولا بالدروس }
بالحال!!، من أين؟، من رجل أعطاه الله مفتاح الحال:
﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ [15غافر]
يوم الوصال مع الله عزَّ وجلَّ!!!:
يتحقق في نفسه، وفي عقله، وفي لسانه، وفي أذنه، وفي عينه؛ أنه لا يملك كثيراً ... ولا قليلاً، ... فيردد قول الله:
﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾
هذا مقام تحقق: ﴿ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ﴾
[16غافر]
كل الذي فيه مِلكُ الله، ولا يتحرك إلاّ بأمر الله عزَّ وجلَّ.
نَظَـــرَاتُ الْـوِدَادِ
فلابد من صاحب الحال!! ...
فقد كان سيدي أحمد البدوي رضِيَ الله عنه وأرضاه، يقف على السطح في طنطدا ( طنطا)، أياماً طويلة، وليالٍ طوال، تبلغ الأربعين، أحياناً يقف أربعين ليلة لا يجلس، ولا يأكل، ولا يشرب، وإنما تحمَّرُ عيناه من كثرة النظر إلى السماء!!، وهو لا يشعر بذلك، فيأتي إليه الرجل، فيناديه سيدي عبد العال (خادمه الذاتي): يا سيدي، انظر إلى فلان!!، فينظر إليه نظرة!!، فيملأه كله مدداً، ويقول له: يا عبد العال، أقمه في بلدة كذا يهدي إلى الله عزَّ وجلَّ على طريقتنا.
مِنْ نظرة؟!!! ... نعم!!! ...
من نظرة يرتقي المطلوب مرتقياً
قدس الجلالة في حلل المناجاة
من نظرة واحدة، ولكنها ليست من هذه العين، ولكن من عين الرضا، وبعين القلب، وهي التي من أجلها تعرضت الحقائق في الإسراء لرسول الله يطلبون النظرة!!.
فهذه إمرأة واقفة تقول له: انظرنا يا رسول الله!، فيسأل: من هذه يا جبريل؟، فيقول: هذه هي الدنيا.
وآخر يقول: انظرنا يا رسول الله!، فيقول: من هذا يا جبريل؟، فيقول: إنه الشيطان!. حتى الشيطان يريد نظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟!!.
وثالث يقول له: انظرنا يا رسول الله!!، من هذا يا جبريل؟، يقول: هذا داعي اليهود!، والآخر داعي النصارى.
الكل يريد نظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وهل رسول الله كان لا يعلم هذه الحقائق، ... فيحتاج إلى جبريل حتى يوضحها له ؟!!، لا!، ولكنه يعرفنا حقيقة سلوكية:
وهي أن السالك في طريق الله عزَّ وجلَّ لابد له أن يعرض كل مرائيه المنامية والقلبية على شيخه، حتى يخبره بتلك الحقيقة، حتى لا يضلَّ ولا يزيغ في الطريق، لأنه ربما تكون الرؤيا من الشيطان، وربما تفسرها له هواجس النفس، وربما يخيلها له الوهم والخيال، ... فمن الذي يخبره بالحقيقة؟
لابد وأن يعرض كل ما يدور بخلجات نفسه على شيخه، حتى يخبره بحقيقتها، فيطهِّر قلبه بالحال الربَّاني الذي يوجهنا إليه الإمام أبو العزائم فيقول:
وتجملوا بالحال من باب سما بالفضل ناولكم رحيق مدامى
عني خذوا ما أستطيع أبثه وتجمَّلوا بالحال لا بكلامي
فكان الناس يذهبون إلى العارفين ليبحثوا عن هذه الحال، والذي قال فيه سيدي ابن عطاء الله السكندري رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{حال رجل في ألف رجل؛ خير من كلام ألف رجل في رجل واحد}
عِلْــــمُ الإلهـام
فالمهم الحال !! ، ومتى يعطوا الحال ؟ .... كما قلت يا إخواني :
إذا نجح المريد فيما ذكرناه ، لأنه أصبح أميناً على أسرار الله عزَّ وجلَّ .
والحال في لحظة يطهِّر القلب لله عزَّ وجلَّ ، فإذا طهر القلب ؛ حشاه الله عزَّ وجلَّ من علوم الغيب ، قال تعالى فى ( سورة الكهف ) :
﴿ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ [65 الكهف].
يعطوه العلم اللدنِّي من الله عزَّ وجلَّ ، كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
ساعة ما يأخذ الحال ، يُجمَّل بعلم الإلهام - لأن علم الإلهام يوسع أفق القلب حتى تنطبع فيه آيات الله المنبلجة في الكائنات ، ليس هذا القلب الذي في الجسم ، لكنه القلب النوراني- كلما زاد الإنسان في الإلهام ؛ كلما زادت سعة القلب ، وكلما زادت أرجاء القلب ، حتى يصل إلى القلب الذي يقول في شأنه الله عزَّ وجلَّ فى الأثر:
( مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلاَ أَرْضِي ، وَلكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ ) ( )
والمؤمن هنا هو المؤمن الكامل صلى الله عليه وسلَّم ، وليس أي مؤمن .
بعد ذلك عندما ينظر سينظر بعين القلب، فيرى حقائق الأشياء، يرى حقائق الطاعات، وحقائق المعاصي، وحقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة ، وحقائق التشريع ، وحقائق الآيات القرآنية ، وحقائق الآيات الكونية ..... ، لأنه سينظر بعين القلب فيرى هذه الآيات الظاهرة لعين القلب ، وإن كان الناس حوله لا يرونها ، إلاّ أنه يراها بعين قلبه ، قال صلى الله عليه وسلَّم :
( لَوْلاَ أنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ ؛ لَنَظَرُوا إلَى مَلَكَوتِ السَّمَاءِ) ( )
جَمَـــالُ الْبَـاطِن
فيرى هذه الحقائق كلها ، ويكرمه الله عزَّ وجلَّ فيجمع له مقامات السابقين ، ومراتب العارفين ، وأحوال النبيين والمرسلين عليهم السلام أجمعين ، ويجمع الله عزَّ وجلَّ له كل الحقائق التي فيه !!!
بمعنى: نحن الآن فينا أكثر من حقيقة ، فعندما يقوم الواحد منا ليصلي يكون الجسم واقفا ، والقلب ساعات حاضر .. وساعات شارد ، والعقل ساعات يفكر فيما يتلوه ، وساعات يفكر في أمور دنيويَّة ، والنفس ساعات تذكِّر الإنسان بخـوف العاقبة ، أو بالدار الآخرة ، أو بالموت ، وساعات تذكِّره بالمعاصي ، أو بالمشاغل الكونية ...، كل هذه حقائق موجودة في نفس الإنسان .!!!!.....
ما الذي يجعلنا لا نعرف أن نخشع عندما نصلي ؟..!!... ، لأن كل حقيقة من هذه الحقائق في واد من الأودية ..!!..
فالأربع حقائق : الجسم ، النفس ، العقل ، والقلب؛ كل واحدة على جبل ! ، لو أنت دعوتهن إليك ! ، وجئن سعياً إليك ! ، وأصبحن جميعاً حقيقة واحدة !!! ، فعلى الفور ينطبق عليك القول الوارد فى الأثر المشهور :
(إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى الصَّفِ الأَعْوَج).
إياك أن تظن أن الصفَّ الأعوج هو صفنا هذا ، لأن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، فإذا كان صَفّي أمام الله صفاً واحداً ، والحقائق كلها تجمعت في المسجد الأقصى في قلبي ، وأصبح عقلي ، وقلبي ، وروحي ، ونفسي ، وجوارحي ؛ كلها منشغلة بالله عزَّ وجلَّ، فتكون هذه يا إخواني .. الجمعية الكبريائية للجوارح والحقائق على الله عزَّ وجلَّ !
في هذه اللحظة تسطع على مرآة القلب أنوار رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وأنوار الأنبياء والمرسلين السابقين ، وأنوار الملائكة المقربين ، وكل ما غاب عني من عالم الأرواح العالية ...، لا يظهر إلاّ إذا اتحدت الحقائق التي بي ، وصارت كلها على قلب رجل واحد ؛ كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
( ألا وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ؛ ألاَّ وَهِيَ الْقَلْبُ )( )
والجسد ليس هو الجسم ، لأن الله عزَّ وجلَّ عندما تكلم عن الجسد ... يحكي عن الملائكة فيقول :
﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ [8الأنبياء]
فالجسد لا يأكل الطعام ، إذن هو شئ آخر غير الجسم ، الجسد هو :
الحقيقة الروحانية التي أنت بها إنسان ، والتي أنت بها تواجه الحنَّان المنَّان ، والتي ستنعم به في الجنان ، والتي أنت بها تكون يوم القيامة إنساناً ؛ هذه هي الحقيقة النورانيَّة التي تطلُّ من هذا الجسم في هذه الحياة الدنيوية ......
فإذا اتحدت هذه الحقائق :
ولا يكون ذلك إلا على يد العبد التقيِّ النقيِّ الذي يكرمنا الله عزَّ وجلَّ بمصـاحبته ؛ فعلى الفور تلوح الحقائق ؛ حقائق الأنبياء والمرسلين فيكون كما نسمع من رجل مثل سيدي محي الدين بن العربيرضِيَ الله عنه وأرضاه حيث يقول :
{ قابلت روحي روح سليمان عليه السلام، فسألته عن قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [35ص]
وقلت له : لقد تجاوزت طورك في هذا الخطاب، ولم تترك شيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم. فقال لي: ألم تتدبر إلى كلام الله؟، لقد قلتُ: هب لي ملـكاً!، وتركت الملكوت لرسول الله، فلم أقل هب لي ملكاً وملكوتاً، فرضيت بالملك وهو الدون وتركت الملكوت وهو الأعلى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلَّم }.
ويخاطب كل حقيقة من حقائق الأنبياء السابقين؛ خطاب من يراهم ويحدثهم، ويسجِّل ذلك في كتاب، أو في كتب كثيرة، على قدر ما تتحمله العقول ..!!..
إذا قرأنا ذلك لا نتعجب ! ، لأن هذه معيَّة روحانيَّة ، وهذه المعيَّة الروحانيَّة ليست ممنوعة على أحد من البشر ...!!.. ؛ إذا أطلق الله عزَّ وجلَّ قواه الروحانية التي جعلها لنا وفينا أجمعين ..!!......
وَابِـــلُ الْفَضْـلِ
بعد ذلك يتفضل عليه الله عزَّ وجلَّ بروح منه - سبحانه وتعالى!! - هذه الروح من الله، تتنزل في هذا العبد ليشاهد بها غيوب الله عزَّ وجلَّ!!، ... فيكون كما قال القائل:
إذا تجلَّــــــــى حبيبــــي بأي عــــــــــين أراه
كيف يراه؟!!!.
بعينــــــه لا بعينــــــــي فما يـــــــراه ســــواه
كيف رأيته ؟!!، ... بعينه التي أعطانيها، لكن ما الذي معي حتى أراه به؟ أو أتمتع به؟!!، ... يتفضل الله عليه عزَّ وجلَّ بروح من عنده، يرى بها ما غاب عن العالمين من ملكوت ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.
قلوب العارفـــــــين لها عيــــــــونٌ ترى ما لا يــراه الناظــــرون
أيضاً هو في هذه الحالة لا يستطيع أن يستغنى عن المرشد :
فهو معه يستفتح له أبواب سماوات الرقي ، وأبواب المقامات العالية ، ويعرّفه بحقيقة كل مقام ، وكيف يقيم فيه بين الأنام ؟ ، وكيف يستخدمه على التمام ؟
حتى لا يقع فيما وقع فيه غيره من أخطاء ، كما حكى لنا كتاب الله عزَّ وجلَّ عن بلعام وغيره في كتابه المكنون سبحانه وتعالى .
فإذا وصل إلى سدرة المنتهى، ولم يعد له تعلق بالدنيا بالكلية، زجّه الشيخ بيده الإلهية النورانية، زجّه في الأنوار القدسية، وقال: ها أنت وربك!!.
هذا هو العبد الذي يمكِّنه الله عزَّ وجلَّ من الإسراء والمعراج، لأنه لم تشغله الدنيا بزينتها ولا زخارفها، ولا الآخرة بما فيها من نعيم مقيم وملكوت عظيم؛ عن الله عزَّ وجلَّ، وهم كما قال القائل في شأنهم:
وجنة الخلد لو ظهرت بطلعتها
لفارقت حسنها بالزهد همتهم
لا كفء لله يحجبـــهم فيمنعهم
أحد تعالى تعلمه ســـــريرتهمس
نسأل الله عزَّ وجلَّ إلاّ يجعل لنا وطراّ إلاّ إليه، ولا بغية إلاّ عليه، وأن يكشف عنا كل حجاب يمنعنا من الوصول إليه، وأن يفتح لنا الأبواب والستور المرخاة على حضرة عزته، حتى نتمتع بعيون أرواحنا بالنظر إليه.
ونسأله عزَّ وجلَّ أن لا يجعل الدنيا أكبر هّمنا، ولا مبلغ علمنا، وأن لا يفتتنا بزخرفها وزينتها، وأن لا يشغلنا بمطارفها وزخارفها، وأن لا يجعل الآخرة حجاباً لنا عن حضرته، بل يجعلنا من المفردين لحضرته بالقصد، وأن يواجهنا بوجهه الجميل، ويكرمنا بالنزل الجميل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وبارك الله فيكم أجمعين

الباب الخامس: مَقَامُ التَّدَانى فِى قَابِ قَوْسَين

مَقَامُ التَّدَانى فِى قَابِ قَوْسَين( )
الحمد لله فتَّاح القلوب لتنزل معاني أسرار الغيوب ، ومهيئ لطائف الأشباح لتناول الراح من حضرة الكريم الفتَّاح ، فسبحان من جعل الإنسان وهو من سلالة من طين ، يفك رموز أسرار التكوين ،ويفقه الحكمة العالية من ربِّ العالمين.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله ....
الذي رقَّـاه مولاه وأدناه ، وقرَّبه وحباه ، حتى جعل على يديه الخير لكل عبد مقرَّب لله ، من بدء البدء حتى نهاية النهايات ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه وكل من سار على هديه إلى يوم الدين ، آمين. أمَّـــا بعد .....
فيا إخواني ويا أحبابي: فنحن جميعاً والحمد لله ، تحيا قلوبنا بإسراء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ............
كنُوزُ الإِسْـــــرَاء
إسراؤه العالي يجدد صـــفونا نعطى به خيراً يدوم كل عـــام
بشرى لنا بشرى لقد نلنا المرام أسرى الإله بسيد الرسل الكرام
والإسراء والمعراج - يا إخواني - هما كنوز الغيب الإلهية للأرواح التقيَّة النقيَّة، فيتناول منها العارفون فصوص الحكم، ودرر المعاني، وغيوب الأسرار، ليناولونها في حضرة النبي المختار، للمقربين والأطهار والأبرار.
نسأل الله أن نكون جميعاً من الجالسين علي هذه المائدة، مائـدة الفضل الإلهي، والعلم الرباني، والشراب المحمدي، نحن وإخواننا أجمعين .
وهذا الكنز منه عامٌ لجميع أهل الإسلام - وهذا نذكره في خطب الجمع والمجالس العامة؛ وكلمة المجالس العامة بالنسبة لإخواني وأحبابي الدعاة، يقول فيها الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
{{ لو كان في المجلس ألف رجل من أهل مقام الإحسان، ورجل واحد من أهل مقام الإسلام، فلا علي الداعي أن يضيِّع ليلة بأكملها حتى لا يكشف السرَّ لغير أهله }}.
يعنى عليه أن يقضي الليلة بأكملها في الحديث عن الإسلام ومقام الإسلام، لماذا؟، حتى لا يكشف الدرر!!، ... كما قال سيدنا عيسى عليه السلام:
{{ لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير }}
والحكمة أغلى من الجواهر، والذي لا يقبل الحكمة شرٌ من الخنازير.
فمنه عام لجميع أهل الإسلام، ومنه خاص لأهل الإخلاص، ومنه خاص الخاص للخواص وأهل الإختصاص، وفيه أنوار لا تلوح إلا لقلوب صفت من الحظ و الأكدار، وفيه أسرار لا تظهر إلا لقلب نقى من الأغيار، وفيه ما لا يستطيع أن يبيِّن عنه الإنسان بالعبارة، ولا أن يشير إليه بالإشارة، لأن هذا سرُّ الله مع حبيبه ومصطفاه.
والحقيقة يا إخواني أننا جميعاً عاجزون عن الخوض في هذا الميدان، وكلنا لسنا من فرسان الحديث في هذا الموضوع، إلا إذا عمَّنا فضل الله، وأتحفنا إسعاف رسول الله، ووالتنا الإغاثة من بحور الفضل الإلهي، فتعمُّــنا وتعمُّ إخواننا، والفضل في ذلك لله .... أولاً وآخراً.
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[58يونس]
فنحن كلنا ضعفاء في هذا الميدان !..
والكلام الذي قرأه مثلي، أو سمعه غيري من الكتب أو من العلماء، كلها قشور إذا لاح النور، وكلها رذاذ إذا شرب الإنسان شربة واحد من معين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فهو يريد من الإنسان ليفقه أسرار الإسراء والمعراج، أن يلقى نفسه على الأعتاب، خاضعاً للجناب، وقد فرَّغ القلب مما سوى الوهَّاب، ويقول كما يقول الصالحون:
أنا الضعيف ارتمى على أعتابكم
منُّوا بوصل وأسعدوني بفضلكم
هذا يا إخواني السبيل الوحيد، أو المفتاح الأكيد، الذي يفتح لك به أسرار الحميد المجيد عزَّ وجلَّ.
بَيْنَ حَبِيبِ اللهِ وَأنْبِيَاء الله
الإسراء قد يتحدث فيه بعض الدُّعاة عن الفرق بين حبيـب الله ، وصفيَّ الله ، وأنبيـاء الله، وما لنا وما لهذا المجال؟!!، ... لأن هؤلاء كما قال الله:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
[253البقرة]
فالذي فضَّل هو الله، ويكفينا في هذا المجال أن الله عزَّ وجلَّ الذي أسجد لآدم ملائكة السموات، أسجد لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم جميع أرواح الكائنات، من بدء البدء إلى نهاية النهايات، فما من روح ظهرت أو ستظهر في الوجود، إلا وسلَّمت لسيد الوجود في هذا اليوم المشهود!!.
وبعد ذلك لا كلام!!!!، ... لأن الكل انطوى في المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
لكني أريد أن أتحدث مع إخواني - وكلنا والحمد لله من أهل الصفا والوفا - عن لمحة من أحوال الإسراء، لعل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الإسراء والمعراج إن شاء الله. في الإسراء والمعراج : ....
ثبَّت الله عزَّ وجلَّ المقامات الروحانية، ووضح الطريق الموصل إليه، الذي يرغب فيه أهل الخصوصية، فالذي يريد أن يصل إلى الله وضح له الطريق، وبين مراحله ومراتبه، ومكافآته ومقامته، بأجلى بيان. .... لا يحتاج المرء بعد ذلك إلى بيان، لكن كل ما يحتاج إليه؛ أن يدعو نفسه للعيان، ... فليس بعد هذا البيان بيان.
الْمَقَـام المَحْمُود
فمن أراد الوصول إلى الله: .... فلتكن بدايته هي بداية رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
ينقِّى قلبه من الأغيار، ويغسله بالماء المعين، والعلم النافع المدار على قلوب الأطهار والأبرار، ثم يقيم بدنه وجسمه في مقام الأخيار، عاملاً بطاعة الله، وخاصة في الوقت الذي أسرى فيه الله بحبيبه ومصطفاه. ......
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴾ [79الإسراء]
فالذي يريد المقام الذي يحمد فيه!!، ويحمده عليه أهل السموات!!، ... وعمار الملكوت!!: ...
فلابد وأن يكون له سير إلى الله في الليل، لابد وأن يكون له قسط بين يدي الله في جنح الظلام ، والناس نيام، ولا يعلم به أحد إلا الواحد الأحد، ولو فحصنا دواوين الصالحين، وحكايات المقربين، لوجدنا العجب العجاب في هذا الباب، فما دارت عليهم الأكواب من طهور الشراب، إلا في الليل والناس نيام!!!!.
وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم عن هذا المقام:
سقونى الراح في ليل التدانى
بكأس النور من بحر المعانى
فالكأس من النور، ... والبحر ... بحر الحبيب، بحر معانى ، وليس بحر مبانى، كالتي نصطاف عليها هنا. متى يحدث هذا؟!! ... لابد وأن يكون له سير في الليل إلى الله عزَّ وجلَّ، ومن أجل هذا قالوا في حكمهم:
{{ من لم تكن له في بدايته قومة، لم تكن له في نهايته جلسة }}
وعندما سألوا الجنيد رضِيَ الله عنه وأرضاه؛ بعد أن عجبوا من الأسرار التي أفاضها على لسانه الله!!، أشار إلى حجرة صغيرة تحت سلم بيته، وقال لهم:
{{ هذه الأسرار من هذه الحجرة }}
يعنى من التجلى بين يدي الله في الأسحار والناس نيام، لأن هذا وقت الصفاء مع الواحد الأحد عزَّ وجلَّ. وكذا عندما سألوا الشيخ عبد العزيز الدباغ رضِيَ الله عنه وأرضـاه: لماذا خص ربنا وقت السحر باستجابة الدعاء؟!!!، فقال:
{{ لأن هذه هي اللحظة التي ولد فيها سيِّد الأنبياء صلى الله عليه وسلَّم }}
فهذه هي لحظة الإجابة.
فإذا سار الإنسان إلى الله ، فعليه أن يفعل كما فعل الصالحون، فيكون له وقت من الليل، ولا يحب أن يطلع عليه أحد بالنهار، حتى كانوا رَضِيَ الله عنهم وأرضاهم يقومون الليل كله، فإذا أصبح الصباح ، يضع أحدهم على شعره زيتاً، ... وفي عينيه كحلاً، ... حتى إذا مشى، ... لا يلاحظ عليه الناس أثر السهر!!، لماذا؟
﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [28الكهف]
لا يريدون أحداً من الناس، فالذي يلتفت للناس يكون يا إخواني قد وقع في اللبس والإلتباس، وضاعت مكانته عند ربِّ الناس عزَّ وجلَّ!!.
فخلِّ الخلق خلفك ثم عامل
بصدق ذات مولاك العلية
مَنَازلُ القُـرْب
ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم منازل القرب ومراتب الرجال :
وهي إلى يوم القيامة كما بيَّنها وذكرها في تلك الليلة المباركة ، فمنا من يلتفت إلى هذه المنزلة مرَّة وإلى غيرها تارة ..... قال تعالى ( U152 S آل عمران ) :
﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ [152آل عمران].
هؤلاء جماعة!، وهؤلاء جماعة!، ...
لكن يوجد جماعة فينا يريدون الإثنين معاً ؛ يلتفت إلى هذه وقتاً ، ويلتفت إلى الأخرى وقتاً آخر ، وهذا لن يترقى أبداً عن المرتبة الآدمية وسيظل واقفاً عند هذه المنزلة الآدمية ، وليس له في الحياة الروحانية ؛ لأن سيدنا آدم كان يلتفت مرة لأهل السعادة ، ومرة لأهل الشقاوة ، وهذا كذلك .... لأنه يلتفت حيناً لأهل الله يريد أن يسير معهم ، ويلتفت أخرى لأهل الدنيا يريد أن يصبح مثلهم ، وبذا يظل ثابتاً على هذا الحال ، ولن يرقى إلى مراتب الرجال.
الْحَيَاةُ الإيمَانِيَّـة
أما أولُّ مرتبة من مراتب الرجال : .....
فإذا أحيا في قلبه الحياة الإيمانية ، لكن لا يجعلها مثل الحياة العيسوية !! ؛ فلا
يولِّى وجهه نحو الدار الآخرة ! ، ويترك الدنيا بالكليِّة !!! ، من أجل هذا جاء لنا صلى الله عليه وسلَّم بالمزيَّة في هذه الحياة الإيمانيَّة المحمَّدية ؛ فقال صلى الله عليه وسلَّم :
( إِنَّ لِرَبكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقَ حَقَّهُ ).( )
يعطي لكل واحد حقَّه ، يعطي ما في قلبه لله ، ويعطي جسمه وجوارحه لخـلق الله، وهذه هي القسمة العادلة .، وغيرها ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [22النجم]، كما أخبر الله عزَّ وجلَّ.
فالذي يجعل قلبه وكلَّه للناس ، فقد ضيع مكانته عند ربِّ الناس عزَّ وجلَّ ، والذي يجعل قلبه وجوارحه للدار الآخرة ، يصبح وقد ترك المهام والتكاليف التي كلَّفه بها ربُّ العالمين عزَّ وجلَّ ، والتي منها : .....
﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [6التحريم]
والتي منها في قوله تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [132طه].
والتي منها في قوله تعالى:
﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [37النور].
هذه كلها تكليفات كلَّفنا بها الله عزَّ وجلَّ .
فالذي يحيا الحياة الإيمانية ويخرج هائماً في الجبال أو في الصحارى أو في البراري ، لا يشعر بليل أو نهار، ولا يعرف للذهب أو للمال مقدار!!!،
أهذه الحياة المطلوبة عند الواحد القهار؟!!، ... لا، ... هذه منزلة دنيِّة!!، ولذلك قال فيها صلى الله عليه وسلَّم : .....
( إنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ مَشَىَ عَلَىَ الْمَاءِ، وَلَوْ زَادَ يَقِينَاً لَمَشَىَ فِي الهَوَاءِ)( )
كأنه يوجد يقينٌ أعلى من هذا ، حتى لا نقف عند المقام العيسوى ، لأن المقام العيسوى يجذب كثيراً من السالكين ، فيريد أن يعرِّف الناس الذي في بيوتهم ، والذي في صدورهم، يريد أن يحيي الموتى بإذن الله ، يريد أن يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ، ومعتقداً أن هذا هو المقام العالي، النبي قال: لا! (وفى الرواية الأخرى) :
( لو أن أخى عيسَى َكانَ أَحْسَنَ يَقِينَاً مِمَّا كَانَ، لَمَشَىَ فِي الهَوَاءِ، وَصَلَّى عَلَىَ الْمَاءِ ) ( )
فلا تقف عند هذا المقام!.
مَقَامُ الْمُـدَارَسَة
ماذا نفعل؟!!، ... ندرس!!.
فالمدارسة تعلى الهمة للسالكين ، وحبذا لو كانت في مدرج سيد الأولين والآخرين ، وإذا كان المحاضر يتلقى مباشرة الإرسال المباشر من محطة سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم ، ليست مدارسة الكتب ..... ، لأنه كما قلت يا إخواني:
القوم لم يكتبوا في كتبهم إلا ما تتحمله العقول، والإنسان الذي يريد أن يمشي في طريق المقربين؛ لابد له أن يفتح عقله الوهبى للكلام العالي النازل من فيض فضل الله عزَّ وجلَّ، ويضع عقله الكسبى هنا لتسيير شئون الدنيا وتدبير أمور الحياة؛ للقيام بالمهام التي كلَّفه بها الله في شئون الأسرة والبيت.
لكن السير والوصول إلى الله، يحتاج إلى العقل الموهوب الذي وهبه لك الله عزَّ وجلَّ، فمقام الروحانيين الذين يقول فيهم أحد الصالحين:
{{لا تخلو الأرض من مائة ألف على قدم عيسى عليه السلام}}
الذين نراهم جميعاً، والذين تعجبنا أحوالهم، والذين نأنس بأخبارهم وأقوالهم، والذين نظن أنهم في الدرجة العلا، النبي قال : لا ! ، لازال يوجد يقين أعلى من هذا اليقين ، وهؤلاء جميعاً لن يصل واحد منهم إلى يقين سيدنا عيسى عليه السلام ، فكل الذي سيظهر في هذا المقام، أو ظهر، لن يصل أحد منهم إلى مقام سيدنا عيسى، ومع ذلك يقول صلى الله عليه وسلَّم ويخبر، أن هناك يقيناً فوق يقين سيدنا عيسى عليه السلام ! .
فإذا حيا الإنسان الحياة الإيمانية، التي جاءت في الشريعة المحمدية:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[143البقرة]
تفجَّرت في قلبه عيون العلوم الإلهية التي يحتاج إليها في سيره وسلوكه إلى الله، وكل واحد منا له علم خاص به، وعطاء الله لا نهاية له!، ولا حدَّ له!، ولا مدى لـه!، لأن:
{ لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق } .
والآفة التي تعطِّل أهل هذا العلم، أو أهل هذا المقام، منهم من يأخذ علوم باطن القرآن، ومنهم من يأخذ علوم نور الفرقان، ومنهم من يتصل بقلبه بالكائنات، فيحصل حكمة وجودها، وسبب إنشائها بسرٍّ من الله عزَّ وجلَّ، آفة هؤلاء - وعلومهم كثيرة وكثيرة - إذا قال أو ادَّعى كلُّ واحد منهم أنه حصَّل النهاية!، وأن ما عنده هو نهاية العلوم!، وغاية الفهوم !, وليس هناك علم مكنون غير ما عنده !...
هذه هي الآفة التي تحجبه في هذا المقام.
الْمَحَاسِنُ الرُّوحِيَّة
ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فوراً ، بيَّن أن نور هذا العلم ، والسبيل الذي يبين لك صواب هذا العلم ، إذا ظهرت عليك محاسن روحانية ، وجمالات ربانية ، يراها أهل الخصوصية ، مثلما ظهر في يوسف عليه السلام .
هذه المحاسن تجعل من يحبونك، ومن يأنسون بك، إذا جلسوا بين يديك؛ يستمعون إلى العلم المفاض على قلبك من الله عزَّ وجلَّ، ولا ينشغلون بشئ، ولا يحسون بشئ، حتى ولو كان هناك سكين، وقطع جزءاً منه أو عضواً منه لا يشعر!!.
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾
[31يوسف]
مَقَامَاتُ الْمُحِبِّين
وبعد هذا ... مقام أهل الحكمة:
﴿ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[269البقرة]
وبعد هذا مقام أهل المواجهات، وأهل المكاشفات، وأهل المكافحات؛ وإمامهم سيدنا موسى عليه السلام.
وبعد هذا مقام أهل الخلَّة الكرام، الذين باعوا كل شئ لله عزَّ وجلَّ، وجعلوا أجسامهم وأولادهم وأزواجهم، وأحوالهم وأنفاسهم كلها لله عزَّ وجلَّ.
ومع ذلك - يا إخواني - يبين رسولكم الكريم صلوات الله وسلامه عليه، في رسالة صغيرة من سيدنا إبراهيم لكم، ألا تركنوا إلى أي مقام من هذه المقامات، فهي منازل المريدين والمحبين والطالبين.
أُنْــسُ الأفْرَادِ الْمُرَادين
وهناك بعد ذلك: ... منازل المرادين، والمحبوبين، والمطلوبين، والمخلصين لله العظيم عزَّ وجلَّ، من أجل هذا قال سيدنا إبراهيم: ...
( أَقْرِيء أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ، وَأخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ المَاءِ، وَأنَّهَا قِيعَانٌ ) ( )
كل هذه المنازل منازل الجنَّة، وهناك بعد ذلك صاحب الجنَّة، وخالق الجنَّة، وربُّ الجنَّة، ونعيم الجنَّة، وسر قرب أهل القرب في الجنَّة، وهو الله عزَّ وجلَّ!! ...
{ فمن كان الله مراده فمقعد الصدق وراءه }
فهو لا يريد أي شئ من هذه المنازل كلها ، ولذلك سيدنا أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه ، يبين لنا منازل الأفراد وإمامهم سيد العباد صلى الله عليه وسلَّم يقول فيه :
مقام خليل الله بدء لسيره وقدس كليم الله مبدء إكرام
كل هذه المقامات والمنازل التي ذكرناها، تحدث عنها العارفون وذكروها وفصَّلوها، منهم الأوتاد، ومنهم الأبدال، ومنهم الأقطاب، ومنهم الأنجاب، وفصَّلوا علومهم، وفصَّلوا أحوالهم، وفصَّلوا أنورهم، وبيَّنوا كل شئ عنهم!!.
فماذا بعد هذا؟ ....
مقام الأفراد!!، ... الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلَّم: ...
سِيرُوا ! ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ- وفي رواية أخرى : سِيرُوا ! ، سَبَقَ الـمُفْرَدُونَ - الذين أفردهم الله عزَّ وجلَّ بالقصد!!، ما حال هؤلاء ؟ قال
-. يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافَاً ( )
هؤلاء، ما همُّهم يا إخواني؟!! ...هؤلاء همُّهم كله في ذكر الله !!
قلوبهم لا تغفل عن الله عزَّ وجلَّ طرفة عين ولا أقل، لا يبغون بذلك منازل، ولا درجات، ولا مقامات، ولا شهرة، ولا مظهراً ولا مخبراً، بل يريدون وجه الله عزَّ وجلَّ، لا يبغون بذلك بديلاً، وفي ذلك تقول رابعة العدوية رضى الله عنها : .....
كلهم يعبدون من خوف نار
و يرون النجاة حظاً جزيلا
أو بأن يدخلوا الجنان فيحظوا
بنعيم و يشربوا سلسبيلا
ليس لي في النار والجنان حظ
أنا لا أبغي بحبي بديلا
أين هؤلاء القوم ؟ ، وما أسرارهم ؟ ، وما أحوالهم ؟ ..... هؤلاء لا تباح أسرارهم إلا لمن ملكنا أرواحهم ، ووضعوا نفوسهم وراء ظهورهم ، لأنهم يقولون :
{ مكتوب على حضرة القدوس لا ينال سراً واحداً منها أرباب النفوس }
هؤلاء اسمهم الأفراد!!، وهؤلاء الجالسون على أرائك القرب والوداد !، وهؤلاء الذي في أيديهم كل كنوز المنعم الجواد!، وهؤلاء هم الحاملون لأعلام الهداية والإرشاد!، ومؤيدون في كل حركاتهم وسكناتهم من ربِّ العباد عزَّ وجلَّ!!.
هؤلاء القوم ... كما وضح النبي صلى الله عليه وسلَّم .....
المُجَـــاهَدَةُ للمُشَاهَدَة
فالذي يريد أن ينال المرتبة الروحانية : ... لابد أن يركب الصعب ، ويتحمل المكابدة والمجاهدة في الله عزَّ وجلَّ .
والمجاهدة في هذا المقام تكون للمشاهدة، وليس للأجر والثواب، فيتفضل عليه الله عزَّ وجلَّ وينزله في منازل النبيين والمرسلين، ويوضع في قائمة من القوائم التي جمعت لسيد الأولين والآخرين. لماذا جمعهم له ربنا؟!!
حتى يعرفنا أن كل مقاماتهم، وكل درجاتهم، وكل منازلهم وأممهم، جمعت في قبضته صلوات الله وسلامه عليه هو!!، بعد ذلك!!، ... وقبل ذلك!!، كما قال عن ذلك:
( إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي )
وفى رواية: ( اللَّهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمٌ )( )
﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء﴾، لماذا هؤلاء وهؤلاء ؟ هؤلاء الأولى للسابقين ، والثانية للاحقين ، لأن هؤلاء رعيته ! ، وهؤلاء رعيته ! ...
﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ﴾ - وهل هذا العطاء صعب؟ قال: لا، - ﴿وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [20الإسراء].
غير محظور أبداً يا إخواني!!!!، ... وماذا ثمنه؟!!، قالوا:
بيعوا النفوس لربكم وتقربوا
بنفيسكم من غير ما تمويه
سِرُّ جَمْعِيَّــــة الأنْبِيَاء
فالموضوع سهل جداً ! ...:
فجمعهم له، ... حتى يعرفنا أن الكلَّ عنده، ... كل كشوف المقامات!، والترقيات!، والدرجات!، من أين يا إخواني؟!!! ... من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، حتى الكشوف التي كتبت قبل ذلك ؟ ، ظلت موجودة ،، حتى صدَّق عليها هو ... :
﴿ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [46المائدة]
ماذا تعني بين يديه؟
تعنى الذين جاءوا قبله!، فهو الذي صدَّق عليهم، فجاءوا حتى يصدق على الكشوف السابقة، واعتمدت الدرجات في هذه الليلة، وحتى يعرفنا أن الذي سينزل في هذه المنازل - وكل ولى على قدم رسول أو نبى! - من الذين سينزلهم؟
الذي أنزل الأولين!، هو الذي سينزل الآخرين!، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه: ...
أبوهم أنت يا سرَّ الوجود ولا فخر
وسرُّهم قبل المعاينة
صفوا وراءك إذ أنت الإمام لهم
قد بايعوا على صدق المتابعة
فكان الاعتماد كله، حفل توقيع النسخ المعتمدة الذي كان في بيت المقدس، حفل توثيق الدرجات والمقامات التي نالوها من الله، كان هذا الحفل المنشود الذي حضره سيد الوجود صلوات الله وسلامه عليه.
وبعد هذا ثبتت الأحوال!!, ... وأصبح من يريد منازل الرجال، ... هذا هو الطريق المفتوح:
أنت باب الله أيُّ ما إمرئ أتاه من غيرك لا يدخل
فلا توجد سكة غير هذه!! ...
فالدرجات هذه يا إخواني كلها من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
وهو والحمد لله ، هنانا جميعاً ، وجمَّلنا جميعاً بمراتب خصوصيَّة ، وأسرار ذاتيَّة ، ومقومات روحانيَّة ، والحمد لله يا إخواني كلكم تلبسونها ، لكن من الفضل ... أنهم ستروها عنكم!!، ... لماذا؟
حفظاً للقلوب، حتى لا تقع في الذنوب والعيوب، فتحرم من هذا الوهب الذي ألبسه لها حبيب الله صلوات الله وسلامه عليه.
لأنه من طبيعة الإنسان إذا عرف من هو!!، من الممكن أن يغتر، وممكن أن يُعجب، وممكن أن يكسل أو يتراخى!!، فمن أجل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ستر عن أهل الخصوصية خصوصيتهم، ولم يكشف لهم عن مزيتهم، ما دامت بشريتهم موجودة!!.
متى يكشف لك الخصوصية؟!! ...
إذا استطعت - وأنت في الدنيا - أن تنسلخ من البشرية،سترى ما لك عند الله عزَّ وجلَّ، لكن في هذه الحالة ستكون قد مت، والذي مات بماذا يفتخر؟!!!، أو بماذا يزهو؟!!، أو بماذا يغتر؟!!، لقد ماتت نفسه فدخل في قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾
[122الأنعام]
فهذا ستر من الله عزَّ وجلَّ يا إخواني!!، فلا تطلب المنازل الدنيا، وأنت في المنازل العلوية، وأعلم علم اليقين أن المنازل العالية -كما بينها إسراء الحبيب - لا تنال إلا بفضل من الله، وبكرم من الله، وبمحض العطاء من حضرة الجود الإلهي.
الْمَقَـــــامُ الأكمَل
فإن أهل المجاهدات وقفوا عند البيت المعمور!!
أما أهل المحبة فقد تدلَّى لكل منهم رفرف العناية؛ يعني تدلَّى له فضل الله، ونزل له كرم الله، وأحاطه من كل جوانبه، ليدخل في قول الله:
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[105البقرة]
لأنه لم ير لنفسه عملاً ولا جهاداً ، ولم ير لنفسه شئ البتَّة ! ، بل رأى الأمور كلها من الله ، وبالله ، وإلى الله ، فحباه الله بفضله ! ، ورقاه ! ، وأدناه ! ، وأعطاه ! ، وهذا يا إخواني باب الأفراد !.
أما أهل المنازل التي ذكرناها، فلا زال في نفوسهم وجوداً، ولا تزال بقية من النفس موجودة، ولذلك تجد أن الحديث يذكر يوم القيامة، ويذهب الشفعاء فكل واحد منهم سيبين بقية من نفسه يقول: لست صاحب هذا المقام!، لماذا؟، ... كانت نفسي موجودة في المكان الفلاني، أليس كذلك يا إخواني؟، عملت كذا من نفسي، إذاً من الذي ليس له نفس ولا شئ أبداً؟
هو واحد، ويوجد واحد أيضاً نفسه لم تكن موجودة، لكن لم يكن المقام الأكمل من هو؟، سيدنا عيسى لكن ليس هذا الأكمل، لكن الأكمل الذي أدى كل ما عليه، حتى للجمادات، حتى للطيور، حتى للحشرات، حتى للحيوانات المتوحشات، لم يرك أمراً في الدنيا إلا ووضع أساسه، لم يخرج من الدنيا إلا وقد أرسى جميع الأسس.
جاء بالجنِّ ... وقال لهم : .... هذه حدودكم:
( تَسْكُنُونَ البِحَارَ، وَالقِفَارَ، وَالدُّورَ الْمَهْجُورَة، وَتأكُلُونَ العِظَامَ، وَالرَّوَثَ، وَفَقَطْ) ( )
ثم بعد ذلك، ... جاء بالذئاب: ...
فقد كان جالساً هو وأصحابه، وإذا بالذئاب مقبلون عليه، فقال لهم:
( وَهَذَا وَفْدُ الذِّئَابِ جَاءَ إليْكُمْ - أنا أرسلت إليهم فحضروا، ما هو رأيكم؟- إنْ شِئْتُمْ أَنْ تَقْسِمُوا لَهَا مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا يُصْلِحُهَا أَوْ تُخَلُّوهَا فَتُغِيرُ عَلَيْكُمْ – وفى رواية: إن شِئْتُمْ أَضَفْتُمُوهُمْ وَلَمْ يُؤْذوكُمْ ، قالوا: وكيف نُضَيَّفَهَمْ يا رَسُولَ الله؟، قَالَ: تَـذْبَحُونَ لَهُمْ فَيَطْعَمُون. قالوا يا رسول، نَـْذبَحُ لَهُمْ مِنْ أَنْفِسِنَا وَيَأكُلُون، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِمْ!!، قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: لا نَرْضَى بِذَلِك، فَأَوَمَأ إلىَ الذِّئَابِ أنْ اخْتَلِسُوا مِنْهُم )( )
أي خذوا سرقة، فوضع الحد!، ... حتى وضع الحدود القاطعة فقال للذئاب:
( إذا رَأيْتُمُوهُم أصْلَحَوا مَا بَيْنَهُم وَبَيْنَ اللهِ، فَإياكُمْ أنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ أُتْرُكُوهُمْ، وَإذَا رَأيْتُمُوهُم تَرَكُوا حُدَودَ اللهِ؛ فَافْعَلُوا فِيهِم مَا شِئْتمْ ).
فالذين كانوا عند النبي – أى من وفد الذئاب - حضروا هذه البيعة !..
فكيف وصل هذا الكلام إلى من كانوا في عصر سيدنا عمر بن عبد العزيز؟، ونفَّذوه!!، كيف؟!! ... فعندما رأى الرعاة أن الذئاب تعدوا على غنمهم!!، عرفوا أن الرجل قد مات!!!، كيف عرفوا؟!!( )
لأن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أتمَّ أساس كل شئ قبل مغادرته الحياة الدنيا، أعطى لكل حقيقة أمرها الذي حدده المولى عزَّ وجلَّ، وهذا موضوع لا نستطيع أن نفصله، لأنه لا تتحمله العقول!!.
كيف ألهم كل سماء بما فيها بأمرها؟
وأوحى في كل سماء أمرها!!، وكيف أودع في كل حقيقة ما يطلبه المولى عزَّ وجلَّ منها؟، ولها ؟، وكيف بين لكل حقيقة في الأكوان ... الطريقة الصحيحة التي تتعبد بها لله عزَّ وجلَّ؟!!، سرَّ قوله سبحانه:
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
[44الإسراء]
هذا أمر يا إخواني يطول!!.
نسأل الله أن يكرمنا بأسرار الإسراء، وأنوار المعراج، وأن يتفضل علينا بالمقامات الفردانية، وأن يجعل قلوبنا مصطلمة في الذات العلية، لا تميل إلى الدنيا بالكلية، وأن يجعل كل أنفاسنا في حضرته، وكل أوقاتنا في طاعته، وكل أعمالنا على وفق شريعته.
وأن يجعل أولادنا أولاداً بررة، وأن يوفقهم للسعي على طريق الأخيار، ويكرمهم بمعيِّة النبيِّ المختار، وأن يرزقنا وإياهم السلامة من الفجار والأشرار، وأن يجمعنا وإياهم يوم القرار على مائدة النبي المختار، ويجعلنا من الذين يتمتعون بالنظر إلى وجه الواحد القهار.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السادس: أَسْـرَارُ الْفُتُوحَاتِ الْوَهْبِيَّة

أَسْـرَارُ الْفُتُوحَاتِ الْوَهْبِيَّة ( )
الحمد لله واهب الفضل والكرم والجود، ومفيض الرحمة العظمى على رسوله صلى الله عليه وسلَّم ومنه لكل موجود، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله الذي خصَّه الله عزَّ وجلَّ بمواهبه القدسية، وجعل له هذه الحضرة خاصة له من بين أهل السابقية، فكلهم من نور الملكوت يقتبسون، وفي بحار أنوار الملكوت يسبحون، ومن علوم الملكوت يغترفون، وهو صلى الله عليه وسلَّم وحده صاحب الكنز المضنون، والسر المخزون، والعلم المكنون، الذي خصّه به الله عزَّ وجلَّ في مقام:
﴿ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ [9 النجم]
صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله التابعين لحضرته في هذه المجالات القدسية، والقابلة نفوسهم وأرواحهم لهذه العلوم العليَّة، والواصلة أنوارهم بنوره صلى الله عليه وسلَّم بلا لبس وهم في الحياة الدنيويَّة، وخُصنّا يا ربنا ببعض فضلهم، وامنحنا جزءً من عطاءهم، واجعلنا جميعاً من أهل معيَّة فضلهم. آمين ... آمين ... آمين، يا ربَّ العالمين. أما بعد ...
فيا إخواني ويا أحبابي: بارك الله فيكم أجمعين.
الحمد لله ... كلكم علماء فقهاء حكماء، وقد سمعتم وقرأتم عن الإسراء والمعراج من المعاني العامة، ومن الحكم الخاصة، ومن الأنوار التامة، ما لا طاقة لبشر غيركم لتحمُّله؛ فنحمد الله جميعاً على هذا الفضل، ونخصَّه سبحانه وتعالى بخالص الشكر، ونسأله عزَّ وجلَّ كما عوّدنا أن لا يحرمنا من المزيد تلو المزيد، فإنه لا نهاية لفضله، ولا منتهى لكرمه، ولا يحيط أحد بشئ من علمه إلاّ بما يشاء عزَّ وجلَّ.
وأريد أن ألفت نظر إخواني وأنا معهم إلي ناحية سلوكية، رأيناها في مسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلَّم الإسرائية، ... فإن الإسراء كان من مكَّة إلي بيت الله المقدس في عوالم الأرض، ليس في عوالم الملكوت كالمعراج، ولا في عوالم القدس الأعلى كحظوة القرب والتداني، ...
خُصُوصِيَّة الْمِعْرَاج
ولما كان الإسراء في عالم الأرض، عالم الملك، وعالم الحسِّ، وعالم الشهادة، فقد صار أمره ميسَّراً لنا جميعاً، وسهل علينا جميعاً؛ إذا حوَّلنا مؤشرات القلوب إلي مقام الذكرى والتذكرة الذي طلبه منَّا علاّم الغيوب عزَّ وجلَّ.
ولكن مقام العروج إلي الملكوت الأعلى:
خصوصية يتفضل الله عزَّ وجلَّ به على أهل الخصوصية، لا بعمل ولا بأمل، وإنما بمحض الفضل، وخالص الجود والكرم، من الله سبحانه وتعـــالى .......
علم غيب عن شهود لا بعلمي أو بعملي
بل بفضل الله ربي وبطه خير رسل
وأنا عبـــدٌ ظلــوم أعلموني بعد جهــل
كشفوا لي الحجب حتى أشهدوني نور أصلي
فالمعراج خصوصية من الله عزَّ وجلَّ.....
والخصوصية لا تقتضي السبق والأفضلية في العبادات البدنية، أو في الأذكار القلبية، أو في السياحات الروحانية، وإنما هي محض اجتباء من الله عزَّ وجلَّ لمن يشـاء:
﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [74 آل عمران].
فإذا كان المعراج إلي عالم الملكوت خصوصية، فما بالكم بالحظوة الكبرى في مقام:
﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾
[9 النجم]؟
هذه نعمة ربانيَّة، ومزيَّة إلهية، لمن يجتبيهم الله ويكرمهم من أهل الخصوصية، لكن الأمر الذي وسع الجميع هو الإسراء، ومشاهد الإسراء، وأحوال الإسراء؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قد بّين الله عزَّ وجلَّ لنا على يديه صلوات الله وسلامه عليه حقيقة سير السائرين، وسلوك السالكين، وبيان الصدق منهم للخلق أجمعين .
دَلِيلُ الْصَّـدْق
فنحن جميعاً – والحمد لله – سالكون في طريق الله، وسائرون إلي الله عزَّ وجلَّ، لكن ما الدليل الذي يكشفه الله عزَّ وجلَّ لي في نفسي!! لأعلم أني صادق في سلوكي؟، وفي سيري إلي ربي عزَّ وجلَّ؟!! ... أريد دليلاً حتى أطمئن!!! .....
الدليل هو نفس الدليل الذي كشفه ربُّنا سبحانه وتعالـى لسيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام:
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [75 الأنعام].
متى يطمئن السالك؟ ... إذا وصل إلي مقام الإيقان!!، كما قال ربنا في حق سيدنا إبراهيم: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، لأن معيَّة الموقنين معيَّة واسعة ... تسع أهل الفضل أجمـعين، وأهل الخصوصية من الأولين والمعاصرين والآخرين.
فالذي يُطَمْئِنُ قلبي إذا وصلت إلي هذا المقام!!!.
وهو أن يصل الإنسان السالك في طريق الله عزَّ وجلَّ إلي مقام لا تقع عين حسِّه على شئ في عالم الملك؛ إلاّ وظهر في أفق عقله حكمة بالغة في هذا المشهد، وفي هذا المنظر.
وإن لم يفقه هذه الحكمة في حينها!، فإنه يطلب من الروح في حال صفائها واتصالها بربّها أن تكشف له عن هذا السرّ ؟،
فتوضحه له في الحال!، إن كان من أهل القبول والإقبال على الله عزَّ وجلَّ، أو تكشفه له بعد حين!!، إن كان ما زال عنده لبس من عالم الدنيا، ... وما زال مشغولاً في عالم الحس.
فلا ينظر إلي منظر - في بيته، أو في عمله، أو في نفسه، أو في الكون، أو في عالم الدنيا بأسرها؛ إلاّ وتكون له مشاهدة عالية، وعلوم راقية خاصة به، لا يدرى بها من يجاوره وينظر كنظره، .....
وإن نظرت عينـي إلي أي كائن تغيب المباني والمعاني سواطع
لأن المعاني الشمس والكل أنجم إذا أشرقت فالنجم بالشمس طالع
كَشْـفُ الْخَفَـا
ونوضح هذا الأمر ليزيد بيانه، ويظهر جلاؤه واتضاحه:
إن الله عزَّ وجلَّ تسامت قدرته، وتعالت حكمته - جعل لكل شئ في الوجود من جبال ثابتات، وأفلاك سيارات، وبشر وحيوان وطيور وحشرات، وغيرها من جميع أنواع الكائنات، جعل لكل منها ظاهراً وباطـناً؛ فالظاهر هو ما نراه بعين الرأس، وما ندركه بما فينا من الحس .
والباطن لا يطلع عليه معيوب، ولا يكاشف به محجوب، ولا يراه إلاّ فردٌّ مطلوب، حفظ جوارحه من الذنوب، وطهّر نفسه من العيوب، وطهر قلبه من جميع الشواغل التي تحجبه عن نور علاّم الغيوب عزَّ وجلَّ.
فإذا حدَّق أعين البصيرة ، ونظر بعين السريرة ، رأى باطن الأشياء ظاهراً فيها قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [35 النور]
فيرى نور الله عزَّ وجلَّ في كل شئ!!! يرى حياة الحي في الجمادات قبل المتحركات، ويرى الحيطان فيها حياة قدسية، يسمع بها ومنها تسبيح الله عزَّ وجلَّ في كل ذرة، وفي كل حقيقة من حقائق هذا البنيان.
وقد كان هذا يحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومن معه:
فقد روى الإمام عليٍّ رضِيَ الله عنه وكرّم وجهه أنه يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في ابتداء أمره، عندما نزل عليه الوحي لأول وهلة، قال رضِيَ الله عنه وكرّم الله وجهه:
( فَرَأيْتُ كَلَ شَئٍ يَقُولُ: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد )( )
فلا يمّر صلى الله عليه وسلَّم – كما قال الإمام علي- على حجر ولا شجر ولا مدر (صحراء) إلاّ ونطق باسمه صلوات الله وسلامه عليه ؛ وهذا المقام هو الذي يقول فيه الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [44 الإسراء]
تَسْبِيحِ الْكَائِنَات
فالكائنات عندما تسبِّح؛ لا تسبح مثلنا فتقول ( سبحان الله ) :
وإنما كل كائن له تسبيح يشاكل حالته ، ويسامت هيئته ، ويجعله يؤدى وظيفته التي من أجلها خلقه الله عزَّ وجلَّ ، فلا يقولوا سبحان الله كما نقول نحن ، بل كل كائن له تسبيح خاص به .
فتسبيح الجبال : ..." سبحان القوى " ، فإذا غفل الجبل لحظة عن تسبيح حضرة القوى إندك في الحال ، لأن الذي يحفظه هو القوى عزَّ وجلَّ .
وتسبيح السماء : ..." سبحان الرافع " ، فإذا غفلت لحظة- وسيكون ذلك في آخر الزمان - تهاوت وانتهت الحياة الدنيوية .
وتسبيح الماء : ..." سبحان الحي " ، ولذلك لا يصل الماء إلي أي كائن إلاّ وسرت فيه الحياة التي استمدها الماء من واهب الحياة عزَّ وجلَّ .
فإذا نسى الماء تسبيح الحي أجدبت الأرض فلا تنبت نباتاً، ولا يحي بها حيوان، ويموت كل من عليها، لأنها تستمد سرّ الحياة من واهب الحياة عزَّ وجلَّ.
فكل كائن له تسبيح يلائم الوظيفة التي من أجلها خلق الله عزَّ وجلَّ هذا الكائن.
ولذلك لا يفقه تسبيحهم إلاّ من كشف الله عزَّ وجلَّ له بعين باطنه أمرهم ، ووضّح له بجلاء حالهم ، فيرى عوالم الله كلها تسبِّح الله بنغمات شجيَّة، وكلمات روحانيَّة، توضحّ المزية والخصوصية التي من أجلها أوجدهم الله في هذه العوالم الكونيَّة .

مُكَاشَفَـاتُ الْصَّـادِقِين
فالسالك الذي يسير في طريق الله عزَّ وجلَّ حتى يتحقق صدقه، ويتبين صفاء مقصده، ويعرف خالص طويته، ويتأكد من صدق نيَّـته، يكاشفه الله عزَّ وجلَّ - إما بعقله، وإما بعين نفسه، وإما بسريرة قلبه - بأي شئ تقع عليه عين حسِّه.
إذا كان من أهل اليمين، فعندما يرى أي منظر يجد في نفسه عبرة وعظة:
﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ (2الحشر)
وأهل العبرة هم الذين لم تشغلهم الدنيا - بزخارفها وزينتها وزهرتها - عن الدار الآخرة، فعندما يرى أي منظر يجد من الله عزَّ وجلَّ معيناً له على سلوكه، عظة وعبرة تظهر له في نفسه، ويعلمها بعقله - تهديه إلى سلوك الطريق المستقيم .
والحمد لله- يا إخواني- نحن جميعاً في هذا الحال، ... فأنتم جميعاً والحمد لله تشعرون في سيركم وسلوككم بالتنبيهات، والإشارات، والعبر، والعظات؛ ... في كل شئ تقع عليه أعين حسّكم، والدليل على ذلك عدم انشغالكم بالدنيا عن الآخرة، فإن الذي لا يمدُّه الله عزَّ وجلَّ بهذا الإمداد هو الذي - والعياذ بالله - في هاوية الصّدّ والبعاد؛ مشغول بشهواته، مفلس في قضاء أوقاته، ضائع في غفلاته.
مَوَاهِبُ الْفَضْـل ( )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لطاعته، ووفقنا بالعمل على مراضى حضرته، والصلاة والسلام على سيدنا مُحَمَّدٍ بن عبد الله، منتهى منَّته، وكمال نعمته، وخالص رحمته لأهل الفضل من بريَّته عزَّ وجلَّ.
نبيِّن كما قلت- يا إخواني- نظرة صغيرة على رحلة الإسراء والمعراج، توضح حقيقة حالنا، وصدق قصدنا في سيرنا وسلوكنا لله عزَّ وجلَّ:
فإن العبد المراد تأتيه الإتحافات والإسعافات من المنعم الجواد عزَّ وجلَّ؛ تارة وهو في وادي الغفلة، وآونة وهو في المعصية، فتخرجه من سجن الغفلة ومن أوحال المعصية، وتهديه إلى نور الله عزَّ وجلَّ:
﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ﴾
(257البقرة)
وإذا جاء الأوان فإياك أن تعترض على رحمة الحنان المنان عزَّ وجلَّ ؛ فسيدي إبراهيم بن أدهمرضِيَ الله عنه الذي وصل الغاية العليا في الزهد والورع والإقبال والتوكل على الله عزَّ وجلَّ ، كان أميراً وأبوه ملكاً ، وخرج في يوم ومعه بعض حرسه ليصطاد من الغابة ، وبينما هو يجري خلف ظبي في الغابة ، إذا بالسرج الذي يركب عليه على الفرس ينطق ويقول له : يا إبراهيم ألهذا خلقت ! ، أم بهذا أمرت ! ؟
سرج الفرس ينطق ! ، لأنه جاء أوان العناية ، وملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب ، فما كان منه إلا أن ذهب إلى راعي يرعى غنم أبيه ، وأعطه لبسه ، وأخذ لبس هذا الراعي ، ولبسه ، وخرج هائماً على وجهه في البلاد ، طالباً القرب من ربِّ العباد عزَّ وجلَّ .
دَلِيلُ الْعِنَايَــة
فعناية الله مع المؤمنين والحمد لله، ودليل العناية معي ومعك. ما علاماته؟
تجد المرء منا يميل إلى مجالس الطاعات، ويحب سماع العلم النافع، ويود أن يجلس في مجالس الذكر ليل نهار، ويخشع قلبه لسماع القرآن، وحتى لو وقع في المعصية تجد ضميره يؤنِّبه، ونفسه تلومه وتوبِّخه، فلا يرضى عن هذا العمل رغم أنه يقترفه!!، ما سرّ هذا الأمر؟
هذا هو الدليل على عناية الله عزَّ وجلَّ لنا وبنا.
فنحن- والحمد لله- جميعاً من أهل عناية الله، والدليل قد ذكرناه يا إخواني، لكن منَّا من يريد أن يرتفع عن هذه الدرجة!، ولا يكتفي بهذه المنزلة؛ ويخاف أن يكون ممن قال الله فيهم:
﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾
(102التوبة)
فهم لا يريدون ﴿ عَسَى ﴾، وإنما يريدون أن يتأكدوا أن عناية الله تشملهم، ويقولون لأنفسهم: ما الذي يجعلني تارة في الطاعة؟!، وتارة في المعصية؟!، ولا أدري ماذا تكون الآخرة؟!!، أريد يقيناً!!!.
هؤلاء القوم والحمد لله لهم عناية من الله، ولذلك يذِّكرهم الله بالرؤيات الصالحات، وبالأحداث التي تقع أمامهم وتشدهم إلى الله عزَّ وجلَّ شدًّا قويًّا؛ فإذا وقع أحدهم في إثم؛ فإن ربّنا سبحانه وتعالى يعاتبه في المنام، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
( إذا أرَادَ الله بِعَبْدٍ خَيْراً عاتَبَهُ فـي مَنامِهِ )( )
فيستيقظ من النوم وقد أيقن أنه أخطأ، فيتوب إلى الله ؛ فيتوب الله عزَّ وجلَّ عليه، أو يذكرِّه الله بشئ في الحياة، كما نرى كثيراً من الناس الذين مشوا في ركاب الصالحين، ... منهم من ردَّه إلى الله مرض خطير، ومنهم من ردَّه إلى الله حادثة رآها أمام عينيه ونجَّاه الله، ومنهم من يرجع إلى الله بفقد عزيز عليه، وهذا موجود منه كثير، والأمثلة كثيرة، وتحفظون منها ما لا عدَّ له ولا حدّ.
والغاية في النهاية هي أن يردَّهم عزَّ وجلَّ إليه بأي سبب، وبأي طريقة، يرجع إلى طريق الله ويلتحق بمعيِّة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
لكن أصحاب الدرجة الأعلى الذين يريدون أن يكونوا في الدنيا على يقين- وهذا اليقين سنراه لكن ساعة الموت - وقد قال الله للنبي صلى الله عليه وسلَّم:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ (99الحجر)
والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فسيدنا إبراهيم لما أراه الله أنوار ملكوت الله قال فيه:
﴿ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ (75الأنعام)
واليقين هنا معناه: أن يشاهد الإنسان حقائق الأشياء على ما أوجدها عليه الرحمن عزَّ وجلَّ، هذا هو معنى اليقين يا إخواني، فيرى بعين رأسه المظاهر، ويرى بعين قلبه الحقائق التي أودعها الله عزَّ وجلَّ واستودعها في هذه المظاهر، فيوقن ويتأكد ويعلم علم اليقين أن الله عزَّ وجلَّ لم يخلق شيئاً عبثاً، وما خلق شيئاً في كونه إلاّ لحكمة بالغة.

جِلاءُ الْقُــلُوب
هؤلاء كيف وصلوا إلى هذا اليقين؟
هذا كما وضَّحه لنا ربُّنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؛ عندما يستيقظ المرء من الغفلة، ويتنبه من الجهالة، فيسارع إلى مرآة قلبه يصفِّيها، ويجلوها بذكر الله، والتوبة النصوح لحضرة الله، ولا يزال بها ... حتى تصير مرآة ناصعة!!!، تظهر فيها الحقائق التي بثَّها الله في الأكوان!!!.
سيدنا يعقوب عليه السلام، رأى في مرآة قلبه قميص يوسف وهو خـارج من هنا - من مصر، وقال لأبنائه ... ومن حوله:
﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ ﴾ (94يوسف)
ومن عجيب صنع الله عزَّ وجلَّ أن التلسكوب الفلكي عبارة عن مرآة تظهر فيها الكائنات العلوية، وكلما كبرت كلما يظهر فيها من عوالم الله أكثر، وكلما تصفو كلما تبيّن مجرات ونجوم أكثر وأكثر!!.
وهكذا الأمر يا إخواني بالنسبة للسالكين في طريق الله عزَّ وجلَّ. فالذي يطهِّر مرآة نفسه، يكشف له الله سبحانه وتعالى اللبس، فلا يرى شيئاً في عالم الدنيا إلاّ ويكشف الله له عن حقيقته - كما كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم في الأكوان - فيرى الناس أهل الغفلة الدنيا في صورة إمرأة جميلة عليها من كل زينة خلقها الله، ويراها صاحب البصيرة بعين بصيرته كامرأة عجوز شوهاء، قد أوشكت على مفارقة الحياة.
هذا هو الفرق بين نظرة السالك ونظرة الهالك.
فالهالك يرى بهجة الدنيا وزخارفها، وزينتها ونضارتها، فتغرُّه وتضرُّه، والسالك يراها - بعد صفاء مرآة نفسه - فيرى أنها دار زوال لا دار إقبال، ودار فناء وعناء لا دار سعادة وهناء، فينزع عن زخارفها وزينتها طمعاً في المباهج الباقية وأملاً في رحمة الله عزَّ وجلَّ ونعيمه الذي لا ينفد في دار رضوانه وجناته!!.
وهذا الذي يجعلهم لا يركنون إلى الدنيا، ولا يميلون إليها ويزهدون فيها، وإلا فكيف يزهد في الدنيا من غير أن يرى حقيقتها، وكيف تنزع نفسه عن الركون إلى الدنيا؟!!، وهو يرى زينتها!، وبهجتها!، وزخارفها .... هي الهمُّ الأعظم والشأن الأكبر عنده؟!!.
فلابد أن يجلو مرآة نفسه، ويرى الدنيا بالعين التي رآها بها أنبياء الله ورسل الله، والصالحون من عباد الله عزَّ وجلَّ. لكن الذي يراها بعين الهالكين- فرعون وقارون وهامان ومن على أثـرهم - والعياذ بالله- فإنه هو الذي يتيه ويضلُّ سعيه في هذه الحياة، وفيهم يقول الله عزَّ وجلَّ :
﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ (72الإسراء)
ما معنى أعمى؟... عن الحقائق التي أوجدها الله عزَّ وجلَّ في الكائنات، والمصنوعات، والتي لا يطَّلع عليها ولا يراها إلاّ من سار على درب الصالحين، ونظر بالعين التي توهب من سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم، ... فمثل هذا فإنه يحتاج الحالة التي كان عليها الصالحون- ولا زالت إلى يوم الدين.
الْرِّيَاضَةُ الْرُّوحِيَّة
فالإنسان الذي تنبَّه، والذي تذكَّر، ويريد أن يرجع إلى الله ماذا يفعل؟!، يقولون له: عليك أن تأخذ فترة تصفِّي نفسك، وتطهِّر قلبك، حتى تلمع فيه الحقائق، ويظهر لك فيه نور الله عزَّ وجلَّ، وبعد ذلك تدخل في قول الله:
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ (42الحج)
فيعطوه الاستغفار، ويعطوه الصلاة على النبي المختار، ويعطوه أنواع الأذكار، ومع ذلك يأمرونه بالصيام والقيام، والنوافل والقربات وفعل الصالحات ، وكل هذه الرياضات لأهل البدايات .......
تلك الرياضة يا مسكين غايتها ذل ومسكنة إن صح أنت أولى
حتى يكشفوا له ما ران على قلبه مما كسبه من الذنوب والأوزار والغفلات:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ . كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ (14، 15المطففين)
فإذا لم يستطع المريد القيام بهذه المجاهدات، ... فحتى لو ظل ألف سنة؛ فلن يشرف على مقامات المقربين!!، بل سيظل كذلك من أهل اليمين، ومع ذلك ينبِّهه الله عند وحلته!!، ... ويوقظه الله عند غفلته!!، ...
ولكن لا يكشف الله عزَّ وجلَّ له عن أنوار السرائر، ولا سرائر الأنوار، لأنه لم يسر على قدم النبي المختار، فيطهر قلبه كما طهر الله قلب حبيبه ومصطفاه صلوات الله وسلامه عليه .
فإذا أردت - يا أخي - الفضل الكبير، والمنن العظام ...
فهذا هو جهادك، وهذه هي خدمتك، وهذا بيان صدق إرادتك، وهذا هو الدليل العام على إخلاصك في القصد!!، ... لأن المدعين كثيرون، فالذي يكشف صدق المريدين ... هو الجهاد!!، ... والجهاد للقرب والوداد لا يكون إلا بتطهير النفوس والقلوب لربِّ العباد عزَّ وجلَّ، فلا أجاهد حتى أكون شيخاً!!، ... أو أجاهد حتى أكون من أهل الكشف!!، ... أو أجاهد حتى أكون من أهل العلم الوهبي!!، ... لكن أجاهد حتى أتيقن وأكون من أهل اليقين؛ الذين فازوا باليقين في الدنيا قبل أن يخرجوا إلى ملكوت ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.
بعد هذا الجهاد مباشرة يجعل الله عزَّ وجلَّ لك مصباحاً في أفق قلبك؛ ينير لك ظلمات هذه الحياة ..... فتكون في سيرك كما يقول الله:
﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾
(122الأنعام)
فتستفيد من كل كائن!!!، ونأخذ الموعظة والحكمة!!، .... حتى من الأشياء التي لا يلقى لها الناس بالاً.

في رِحَابِ الْعَارِفِين
وانظر معي إلى رحاب العارفين رَضِيَ الله عنهم وأرضاهم: ... فقد سألوا سيدي ذا النون المصري رضِيَ الله عنه: ما الذي جعلك تُقْبل بالكلية على الله عزَّ وجلَّ؟، قال:
{{ كنت واقفاً على شاطئ النيل بالقرب من أخميم في بلاد الصعيد، فرأيت عقرباً تأتي مسرعة، حتى وصلت إلى شاطئ النه، وكان هناك ضفدعة في انتظارها، فركبتْ على ظهرها، فأسرعت الضفدعة إلى الشاطئ الآخر، فأخذني الفضول فعبرت النهر لأنظر الأمر؛ وعندما وصلتْ الضفدعة إلى شاطئ النهر، قفزتْ العقرب وأخذتْ تجري بأقصى سرعة وأنا وراءها ، فرأيت رجلاً نائماً مخموراً، وثعباناً أوشك أن يلدغه، وجاءت هذه العقرب ولدغت الثعبان؛ فمات في الحال. فأيقظته وقلت: يا هذا نمتَ سكراناً، ولم تتركك عناية الرحمن عزَّ وجلَّ ، وعلمت أن لله عزَّ وجلَّ في خلقه شئون يبديها ولا يبتديها.}}
فهؤلاء لا ينظرون إلى الأشياء نظرية عادية، لكنها نظرة هادية، يأخذون منها الهداية إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا الكلام لا ينفع فيه التمثيل!!.
لكن أخلص!!، ... ترَ ذلك، وتكون مع هؤلاء القبيل إن شاء الله.
فقد سُئل الشيخ أبو الحجاج الأقصري رضِيَ الله عنه: بم وصلت إلى الله؟، قال: {{بالجعران !!ْ}} - والجعران (أو الخنفساء ) حشرة تعيش في روث الحيوانات.
قيل: وكيف ذلك؟!!، قال: كنت جالساً في ليلة وقد أخذني الملل من طول العبادة، وبجواري مصباح، فأراد الجعران أن يصعد إلى الضوء الذي في قمة المصباح، وكلما صعد واقترب من النهاية!!، زلّت به القدم فهبط إلى أسفله، فعددت له مائة مرة!!، حتى وصل إلى فتيل المصباح. فقلت في نفسي: يا أبا الحجاج!!!، هذا لا يسأم ويجرب مائة مرة حتى يصل إلى مراده، وأنت من أول مرة!!!، أو ثاني مرة!!!، أو ثالث مرة!!!، تكسل عن طاعة الله وعن طريق الله عزَّ وجلَّ!!!.}}
صِـدْقُ الإِرَادَة
وهذه العقبة هي التي تنال كثيراً من المريدين:
فيعتقد أنه سيصل إلى الله عزَّ وجلَّ بعمله، فيختار عملاً - مثل قيام الليل - ويقوم سنة أو أكثر فلا يرى شيئاً، فيقول في نفسه: ظللت سنة أو أكثر ولم أر شيئاً، فيقول هذه الطريقة ليس فيها نفع، ويكسل فينام، أو يفتح الله عليه بتلاوة القرآن، فيقرأه لمدة سنتين!، أو ثلاثة!، ... فلا يرى شيئاً، فيقول في نفسه: هذا باب مسدود!!، ويكلُّ عن هذه العبادة!!.
لكن طالب الله!!، قلبه لا يكل ولا ينام، لا يكلُّ من عناد الجهاد في سبيل القرب من ربِّ العباد عزَّ وجلَّ.
إذا كان المرء الذي يريد تحقيق مصلحة دنيوية ويحرص على تحقيقها؛ يبذل كل المساعي ولا يسأم، ويردوه مرة واثنين، وعشرة وعشرين!!!!، ويسلك هذه الطريقة وغيرها ، حتى يصل إلى مراده!! ... فما بالك بطالب القرب من الله عزَّ وجلَّ؟!!.
أيها الطالب معنى حسننا
مهرنا غال لمن يطلبنا
بدن مضنى وفؤاد في عنا
وعيون لا تذوق طعم الوسن
فالذي يريد الله عزَّ وجلَّ لا يكلّ ولا يملّ!!.
إذن، لماذا رجع من رجع ؟!، إنه كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
{{ ما رجع من رجع إلاَّ من الطريق }}
يعني يريد حاجة، أو محطة صغيرة من الطريق: يريد أن يكون عالماً، لا يعطوه العلم!!، فينام!!، ... يريد أن يكون شيخـاً!!، لا يعطوه المشيخة!!، فينام!!!، ... يريد فتحاً في زهرة الدنيا، فخوفاً عليه منعوه!!، ولم يدرك هذا الأمر!!، فينام!!!.
لكن الذي يريد الله؛ انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم!! ... عرضت عليه المراتب في رحلة الإسراء، وجمع الله له الرسل والأنبياء، وعرج به سماءً تلو سماء، وكشف له عن عوالم الجنات، وكاشفه الله بأنوار جميع الكائنات، فلم يلتفت، فمدحه وقال في شأنه:
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ (17النجم)
لم يمل إلى هذه الناحية!!، ولا إلى تلك!!، بل جعل نصب عينيه مولاه، ويعبر عن هذه الحقيقة الرجل الصالح فيقول:
أنتم فروضي و نفلي أنتم حديثي وشغلي
يا قبلتي في صـلاتي إذا وقفت أصلي
جمالكم نصب عيني إليه وجهت كلي
أَحْــوَالُ أَهْــلِ الْكَمَـــال
فالذي يريد الله، أو طالب الله، ... لا يكلُّ ولا يملُّ، ولا يعتريه ضجر ولا سأم، لأن من طلب الحسناء لم يغله المهر، ومن صدق في العزم واستعان عليه بالإرادة والحزم!، لابد وأن يعطيه الله مناه، لكن لا ينال ذلك إلاَّ إذا تخلص من حظه وهواه. ... فالله عزَّ وجلَّ لا يعطي مواهبه العليا لأهل النفوس!!؛ خوفاً عليهم من حضرة القدوس عزَّ وجلَّ!!.
فإنك لا تعطي جوهرة لطفل لا يدري قيمتها، لأنه سينفقها يميناً وشمالاً، أو يضيعها، إنما تعطيها لمن أدرك قيمتها، وسعى جاداً في الحصول عليها، حتى إذا أعطيتها له بعد طول العناء والتعب!!، كان أحرص الناس عليها، فلا يظهرها!!، ولا يكشفها!!، إلاَّ لمن كان عزيزاً عليه، أو أسيراً لديه، وتأكد وتيقن أنه لن يكشف أمره، ولا يبيح بسرِّه، ... إلا لمن كان على مراده ووفق أمره.
فطريق الله عزَّ وجلَّ يا إخواني على هذا المنوال:
فإذا صدق السالك في جهاد نفسه، وظل يمحو ما بقلبه من الحظوظ والأهواء والشهوات، وجعل غايته كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه:
وغاية بغيتي يبدو حبيبي بعين الروح لا يبدو خفياً
غاية بغيته هو وجه الله عزَّ وجلَّ، فإذا صدق في طلبه، وقابلته العوائق فلم تثنه عن عزمه، بعد ذلك يعينه الله بكل الحقائق العالية والدانية، تأتيه أرواح الملائكة وأرواح الأنبياء والمرسلين، في يقظته أو في منامه ،على حسب حالته، تعلِّمه وتوجِّـهه، وترشده وتنصحه، حتى لا يزلُّ ولا يضلُّ في طريق الله عزَّ وجلَّ.
ويُفْتَح له الملكوت، ... أبواب القرب من حضرة الحي الذي لا يموت، وتنبِّهه الحقائق إلى الدقائق التي تنتاب السالك في طريق الله عزَّ وجلَّ لتثنيه عن عزماته، وتزيل عنه ران غفلاته، ... حتى لا يزلّ في مزالق الأقدام التي تنزلق إليها أقدام كثير من العارفين الذين لم يؤيدهم الله عزَّ وجلَّ بالحقائق العالية التي تأخذ بأيديهم إلى الله عزَّ وجلَّ؛ وفي ذلك يقول ابن عطاء الله السكندري رضِيَ الله عنه:
{{ السالك كلَّما همَّ أن يقف عند مقام من المقامات، نادته هواتف الحقائق: لا تقف!، إنما نحن فتنة؛ والمطلوب أمامك }}
لا تغتر بنا!!، ... ولا تنخدع بالزينة التي علينا!!، ... واجعل نصب عينيك وجه مكون الأكوان عزَّ وجلَّ .
أَطْوَارُ الْمُجَاهَدَةِ وَأَلْوَانُ الْمُشَاهَدَة
إذن يا إخواني: أعلام اليقين، ودلائل الصدق والتمكين، لا تلوح ولا تظهر للسالكين إلاَّ بعد طهارة النفوس، وتصفيَّة القلوب لله عزَّ وجلَّ.
وهذا دور السالك؛ فإن الطريق إلى الله عزَّ وجلَّ ينقسم- كما رأينا في حادث الإسراء والمعراج - إلى ثلاث مراحل:
مرحلة أولى في الأكوان: وهي كدح الإنسان وجهاده في عالم الأبدان، يجاهد نفسه الأمارة حتى تنتقل إلى لوامة، يجاهد نفسه الإبليسية، يجاهد نفسه النباتية، يجاهد نفسه الجمادية. حتى إذا خلص من عالم النفوس، لاحت له في أفق قلبه أنوار حضرة القدوس عزَّ وجلَّ، فيرى حقائق الأشياء، لا يغترُّ بزخارف الدنيا وزينتها وإن توالت عليه، لأن الله هو قصده ووجهته. ربما تحاول الشياطين إغراؤه - فلا يستطيعون لصدق يقينه - تارة بالمنامات، وتارة بالهواتف، وتارة في عالم اليقظة - وفي سِيَرِ العارفين كثير من مثل ذلك. حتى تقع عين قلبه على أنوار الصالحين، ولوامع أنوار الأنبياء والمرسلين، فيكرموه بما وهبهم الله عزَّ وجلَّ، فإن العبد إن رأى رجلاً صالحاً في المنام، فإنما هذا لعطاءٍ يتفضل الله به عزَّ وجلَّ عليه على يد هذا الرجل الصالح، ولا تزال العطاءات تتوالى عليه من الصالحين حتى يكرم بالهبات من الأنبياء والمرسلين.
ثم بعد ذلك تجتذبه يد القدرة فتأخذه من نفسه إلى عالم اللطف والكرم الإلهي، فيتولاه الله عزَّ وجلَّ بعنايته، ويحفظه بحفظه وكلاءته وصيانته، ويصير في الدنيا بجسمه، وروحه تتقلب بن يدي مقلب القلوب عزَّ وجلَّ، ويعرض له في هذا المجال أنوار عالم الملكوت بل قد يعطيه الله عزَّ وجلَّ في هذا المقام آونة عالم التصريف، وأحياناً يجلسه على أرائك التشريف، وأحياناً يطلعه على لوح الأقدار، أيضاً ليمتحنه!!، هل هو صادق في إرادته لله؟، أم أن تلك العوالم العلوية ستحجبه عن مقصده الأسمى؟!!، وهو توجهه بالكلية إلى وجه الله عزَّ وجلَّ.
فإذا رأى الله عزَّ وجلَّ منه صدق إرادته، ... وعدم ميله بالكلية إلى العوالم العلوية أو السفلية، ... اختصَّه الله عزَّ وجلَّ بأنسه، وأقبل الله عزَّ وجلَّ عليه بكل جمالاته وكمالاته، فيكون عبداً يقول الله عزَّ وجلَّ عن أمثاله في كتابه سبحانه:
﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾ (122الأنعام)
فنحن نحتاج في هذه الأيام- يا إخواني- إلى لحظة صدق مع أنفسنا، فإذا كنت لا أنظر إلى شئ إلاَّ وأرى ما في باطن هذا الشئ - من العبر، والهـدايات، والعظات - فأنا أطلب الكمالات!!، والجمالات من الله عزَّ وجلَّ!!، وإذا كنت ما زلت في طور لم أصل فيه إلى هذا المقام، أواصل الجهاد!!. والجهاد ليس له نهاية!، إلا إذا كُشفت الستائر عن نور الله عزَّ وجلَّ للبصائر .
هِمَـمُ الْعَـــــارِفِين
من لم تُرفع له الحجب والأستار!، ولم يُمتّع بحقائق الأنوار!، كيف ينام؟!!، أو يتمتع بما أباحه الله عزَّ وجلَّ في الدنيا من المتع للأنام؟!! ... وأنتم يا إخواني مقصدكم السلام!!، وليس دار السلام!!، ليس مقصدنا الجنات!!، ولكن مقصدنا وجه الله عزَّ وجلَّ المنزه عن الحيطات، وهذا الجهاد يا إخواني هو همُّنا، وهو قصدنا، ولا نلتمس لأنفسنا العذر في تركه طرفة عين!!، فإنما الذي يؤخرنا هو التسويف!!، والتماس الأعذار!، سوف أعمل كذا في المستقبل!، سوف أصنع كذا إذا اطمئننت على مستقبلي!، أو إذا اطمئننت على مستقبل أولادي!!، سوف أصنع كذا إذا انتهيت من السعي والكد في الدنيا! هذا التسويف هو الذي لا يرضى عنه العارفون.
فإن المؤمن يعلن الجهاد، ومتى أعلن الجهاد؛ ... إما النصر وإما الشهادة، ... إما النصر على النفوس، وفي ذلك الأنس بمعية المليك القدوس، وإما الشهادة بأن يشهد مع أهل الحسنى والزيادة، سر قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء ﴾ (19الحديد)
والشهادة في هذا المقام هي مقام يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلَّم:
( إِنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِى لأصْحابُ الفُرُشِ، ورُبَّ قَتِيْلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ الله أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ) ( )
لأنها مقام شهادة عال، قال تعالى فى سورة آل عمران :
﴿ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (18آل عمران)
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفقنا للجهاد الأعظم في ذات الله، ولا يشغلنا - بالدنيا وأهوائها، ولا بالنفس وحظوظها، ولا بفتن الدنيا وإغراءاتها - عن الجهاد في ذات الله طرفة عين ولا أقل، حتى ننال المنى، وننزل في روض الهنا، ونكون في معيِّة نبينا، مع الذين أنعم الله عليهم بشهود الوجه العلي، والتمتع بهذا الجمال الأزلي، نحن وإخواننا وأبناءنا، أين كانوا وكيف كانوا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسـلم

الباب السابع: مَنَـازِلُ سَـيْرِ الْرِّجَال

مَنَـازِلُ سَـيْرِ الْرِّجَال( )
الحمد لله الذي فتح قلوبنا لسماع كلامه وكلام حبيبه ومصطفاه، ومزج مهجة أفئدتنا بالحبِّ الخالص لوجه الله لكل من آمن بالله، وسار على هديه عزَّ وجلَّ وشرعه وعلى سنة حبيبه ومصطفاه.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، سرّ هدايتنا، وباب سعادتنا، والشفيع الأعظم لنا؛ في الدنيا عند التوبة من الذنوب، وفي الآخرة عند النشر والحشر والجمع على الله عزَّ وجلَّ. صلَّى الله عليه وعلى آله وخيار صحبه، وكل من اتبع هداه إلى يوم الدين، آمين. أما بعد ...
فيا إخواني ويا أحبابي في الله ورسوله: بارك الله فيكم أجمعين.
ونحن في ذكرى ليلة الإسراء والمعراج؛ فإنا نجد الناس يسارعون إلى مجالس الروحانيين والعارفين؛ لاقتباس أسرار وأنوار من صاحب الذكرى في التعبير عن هذه المعجزة الكبرى.
بَيْنَ الْعَارِفِ وَ الْعَابِد
بِمَ يصل العارفون إلى هذه الأسرار؟!! وبِمَ يرتقون إلى مشاهدة هذه الأنوار؟!!
في الحقيقة العارف من كان شغله بمولاه، عكس الزاهد الذي همُّه أن يفرَّ من الدنيا وشهواتها؛ ليدخله الله عزَّ وجلَّ الجنة يوم القيامة، والعابد الذي يكدّ في العبادات ويكدح في المجاهدات؛ لينال علىَّ الدرجات في الجنَّات جزاءً لعمله عند مولاه.
أما العارف فهمُّه هو الوصول إلى الله!!!
تجده في يقظته، أو في منامه، في أكله وشربه، ولبسه ومشيه، وسعيه وسكونه، لا يفكر ولا ينشغل إلاّ بالله عزَّ وجلَّ!!. ولذلك يرى في كل شئ عبرة!، وعظة!، يستنير ويستضئ بها للوصول إلى الله عزَّ وجلَّ.
فعندما يسمع الآيات القرآنية، يأخذ منها سبيلاً وطريقاً يوضح له كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك.
وعندما يرى مشاهد الأكوان؛ ينظر في باطنها بعين الإيمان، إلى ما يقرب إلى حضرة الرحمن عزَّ وجلَّ؛ ففي كل شئ له آية تدل على أنه لربه قاصد، حتى إنه عندما يطالع سير الأنبياء وقصص الصالحين، يتلمس فيها ما يعينه على بلوغ قصده، وما به يستعين على الوصول إلى مأربه وغرضه!!، ولا غرض!، ولا مأرب له!، ولا قصد له!، ... إلاّ وجه الله عزَّ وجلَّ.
فإذا تحدثوا عن الإسراء والمعراج:
فيتحدثون عما يخطر على بالهم، إلهاماً من ربهم عند تلاوة هذه الحادثة أو سماعها، وهم عند تلاوتها في الكتب أو سماعها لا يهمهم إلاّ الأمور التي تعينهم في سيرهم وسلوكهم إلى الله عزَّ وجلَّ، لا يهتمون بالعلم ليقولوا، أو للناس يُعْجِبُون، أو يسمعوا الثناء والطرب من المعجَبين، وإنما يطلبوا العلم ليعملوا به، ... فيصلون به إلى رضوان الله عزَّ وجلَّ.
فمثلاً عندما نقرأ أو نسمع جميعاً، عن سبب الإسراء والمعراج المتداول في الكتب، وعلى ألسنة العلماء، نسمع منهم أن السبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلَّم ماتت زوجته السيدة خديجة، وكانت أكبر معينة له على تبليغ الدعوة، ومات عمه أبو طالب، وكان أكبر مدافع عنه في تبليغ الدعوة، وسمُّوا من أنفسهم هذا العام بأنه عام الحزن- مع أنه لم يرد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بهذه التسمية، ولا على لسان أحد من أصحابه الكرام - وزعموا أن الله أراد أن يخفف عنه الحزن!!، فأخذه في هذه الرحلة المباركة تسرية عنه، وتخفيفاً لحزنه، وجعلوا هذه هي الحكمة العظمى، والآية الكبرى من الإسراء والمعراج!!.
لكــــن ...
إذا كان صغار العارفين لا يحزنون على شئ فاتهم من الدنيا، وإنما حزنهم إذا فاتهم الوصل بالله والقرب من الله، أو حرمهم الله عزَّ وجلَّ من لذة المناجاة والمشاهدة لوجه الله، فما بالكم بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟!!.
فالعارفون إنما يشهدون مشهداً أعظم!!!!.
وهو أن الله عزَّ وجلَّ إذا اصطفى عبداً لذاته، وأراد أن يفرده لحضرته، وينعِّمه بالنظر إلى بديع طلعته، ويكاشفه بأنواره عزَّ وجلَّ القدسية، وحضراته الرحمانية، يخلصه من جميع السوى، .... حتى يصير في حال لا يعتمد إلا على الله، ولا يرتكن إلا إلى مولاه، ولا يرى ضاراً ولا نافعاً إلاّ حضرة الله. وفي هذا الطور من السير والسلوك إلى الله عزَّ وجلَّ، فإن الله عزَّ وجلَّ يأخذ من العارف كل ما اعتمد عليه من مال أو جاه، أو ولد أو غيره، حتى يصير ليس له اعتماد إلاّ على الله عزَّ وجلَّ.
تَلْوِيِحَاتُ الْعَـارِفِين
وهكذا، ... فإن كل عارف يشرح كتاب الله، ويبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على حسب ما اشتغل به قلبه نحو مولاه.
ولذلك إذا كنت من أهل الصفا؛ تستطيع أن تعرف مقام الرجل من كلامه، فمثلاً تجد أناساً يفسرون رحلة الحج على أنها رحلة إلى الدار الآخرة، ... وأناساً يفكون إشارتها على أنها رحلة إلى الله، ... ولكل واحد منهم مقام.
وكذا في كل أمر من الأمور الشرعية، منهم من يتكلم عن المـوت العزرائيلي، ويخوف الناس منه - لأنه منشغل به في باطنه - ومنهم من لا يبالي بالموت العزرائيلي، وإذا أشار، ... فإلى الموت الإختياري الذي هو مشغول به، ويريد أن يموت فيه، ليحيا بالله عزَّ وجلَّ.
فحادثة الإسراء والمعراج، كُلٌّ يشرب منها على قدر ماعون قلبه، وعلى قدر صفاء روحه، والعارفون يبينون منها على قدر معارفهم، وانشغال قلوبهم، وتعلق أفئدتهم بالله عزَّ وجلَّ.
ولذلك لا تجد لرجل من العارفين أسراراً ثابتة في أي مادة قرآنيَّة، أو أحاديث نبويَّة، بل في كل نَفَس له جديد يأتيه من الحميد عزَّ وجلَّ: ... إما على قدر ما عنده إذا وافق أهل الصفا!!، وإما على قدر من يسمعونه!!، إذا كان لهم سعادة سابقة في عالم الإرادة الأزلية .
فتلويحات العارفين، وإشارات العلماء والحكماء الروحانيين، هي المفاتيح القلبية للسالكين، التي تضئ لهم قلوبهم، فتنفتح على أبواب ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ.
ولذلك إن شئت تسمع منهم في كل يوم جديد، فقد ورد عن سيدي أحمد بن إدريس رضِيَ الله عنه؛ أنه مكث ثلاثة أيام في اليمن يفسر آية من كتاب الله، من الصبح إلى الظهر، ثم يفسرها بعد الظهر إلى العصر بتفسير جديد، ومن العصر إلى المغرب بتفسير جديد، ومن المغرب إلى العشاء بتفسير جديد، وفي اليوم الثاني كذلك، والثالث كذلك، ثم قال لهم - رضِيَ الله عنه:
{{ والله لو مكثنا في مقامنا هذا إلى يوم القيامة ما كررت مما قلته أو سأقوله لكم شيئاً، لأن فضل الله عزَّ وجلَّ لا يعدّ ولا يحدّ.}}
فرغب الناس في سماع العارفين ...
لأنهم يسمعون أضواءً جديــدة، ومعاني رشـيدة، يلهمهم بها الله عزَّ وجلَّ في صدورهم، ويبثها الحبيب صلى الله عليه وسلَّم في قلوبهم، فلا يثبتون على معنى أن هذا العام- عام الإسراء- عام الحزن ؛ لكن يأخذون منـه معاني لا عدَّ لها، ولا حصر لها، نوجز بعضها باختصار ... حتى لا نطيل عليكم ...
تَصْحِيحُ الْوِجْــهَة
فإن السالك إلى الله لا يبدأ السلوك إلا إذا تعلَّق قلبه بصـدق بملك الملوك عزَّ وجلَّ، والدليل على ذلك:
أن لا يكون له حبل اعتماد، ولا لظهره استناد؛ إلاَّ على الله عزَّ وجلَّ.
فمن اعتمد على المال فقد مال عن طريق الرجال، ومن اعتمد على الجاه فليس له نصيب في الوجاهة عند مولاه، ومن اعتمد على العصبية العائلية والقبلية فليس له نصيب في العصبة المحمدية. فأعطانا الله النموذج الأكمل:
فإن الحبيب صلى الله عليه وسلَّم كان يظن في أهله الخير- لأنهم ذرية إبراهيم- وكان يعتقد أنهم سيعينونه على تبليغ دعوته، وأن ذلك سيكون مرادهم، حتى أنه صلى الله عليه وسلَّم كان عندما يموت رجلٌ منهم على غير الإسلام، يظل يبكي طوال ليله؛ شفقة على هذا الرجل الذي مات كافراً، حتى أن الله عزَّ وجلَّ لطّف به وقال له:
﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ ﴾ (6الكهف)
لماذا تحزن عليهم؟!!، ... ليس لك شأن بهم!!.
فاعتمد على عمه في الدفاع عنه؛ فأخذه الله واعتمد على زوجته في كفالته ونصرته؛ فأخذها إلى جواره الله، فذهب إلى غيرهم يطلب النجدة، فأعلمه الله أن:
﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (10الأنفال)
فعلم علم اليقين: ...
ألا ناصر له، ولا معين له؛ إلاّ مولاه عزَّ وجلَّ، فَسَدَّ جميع الوِجَه البشرية، ووجَّه وجهه وقلبه بالكليَّة إلى وجه الله، ولذا كان يقول في دعائه:
( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ. وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ. وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ. رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ. لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ )( )
يعني لم يعد له اعتماد ولا اعتداد، ولا استمطار فضل، ولا انتظار فرج، ولا طلب فتح؛ إلاّ من الفتاح العليم عزَّ وجلَّ. وهذه هي محطات البداية لأهل العناية.
مَشْهَـدُ الْتَّوْحِيـد
فمن أراد أن يسير في طريق الصالحين، وأن يسلك مسالك المتقين : فليوحِّد وجهته ، ويجعل نصب عينه ربَّه عزَّ وجلَّ. ليس معنى ذلك أن يمتنع عن السعي في الأسباب ، ولكن يكون يقينه في قلبه أن الأسباب لا تفعل إلاّ إذا أراد مسبِّب الأسباب ، فلا يركن إلى سبب ، ولكنه يتناول السبب ، وينظر بعين قلبه إلى كيفية إجراء الله له ... ما يرجوه في هذا السبب ، فينظر إلى أمر الله ، وغيره من الغافلين ينظر إلى الأسباب التي أجراها الله!!.
فإذا تحقق بهذا الحال، وعَلِمَ عِلْمَ اليقين أنه لا يحدث شئ في الكونين إلاّ بأمره، ولا يتحرك سبب إلاّ بإذنه، ولا يظهر فعل في الوجود إلاّ بإشارته، ولا يتغير مراد إلاّ بإرادته، وجَّه الوجه بالكليِّة إلى الله، ... ثم نظر إلى ما يطلبه منه مولاه؛ كي يتمتع بفضله
ورضاه، ويصير من الذين أنعم عليهم الله، وصار لهم نصيب في المجالسة، والمؤانسة، والمحادثة، والمشافهة، والمشاهدة لوجه الله عزَّ وجلَّ.
الْمَحَاسِن الْرُّوحَانِيَّة
والله عزَّ وجلَّ لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، أو إلى قلوبكم ونياتكم.( )
يعني أنه من أراده الله لحضرته يجمل صورته الروحانية - وليس صورته الظاهرية - يجمل صورته الروحانية، وأحواله القلبية بما يحبُّه الله عزَّ وجلَّ.
وأول هذا الجمال؛ أن يُفرِّغ الله عزَّ وجلَّ ما في قلب هذا العبد من مشـاغل كونية، وهي تنقسم إلى قسمين:
إما شهوات بداخله تتعلق بها النفس، ولابد من قطعها، حتى لا تكون لك شهوة إلاّ في الله عزَّ وجلَّ، وهي القواطع والعوائق التي حكى لنا بعضها سيدنا رسول الله في سيره إلى مولانا عزَّ وجلَّ، وإليها الإشارة بالأحداث والمشاهد التي رآها، والتي تعبِّر عن وقع المعاصي والذنوب على الروحانيين والسائرين إلى الله عزَّ وجلَّ.
وهناك الأعمال التي يحبها الله، وإليها الإشارة بما وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في أعمال البرِّ التي ذكرها، والتي تقرِّب الطريق للسالك، وتجعله ينال رضاء الله عزَّ وجلَّ.
وأعمال يبغضها الله؛ فالسالك يبتعد عنها بالكليِّة.
وأعمال يرضاها الله؛ فينشغل بها في كل أنفاسه في حياته الدنيوية، وأشياء تدعوه إليها النفس - حتى ولو كانت ملكوتية- وإليها الإشارة بالذين كانوا يرغِّبونه ويقولون له: انظرنا يا رسول الله!، فيطلبه مقام كريم، أو يطلبه مشهـد روحاني عظيم، أو يطلبه حال نبوي مستقيم.
لكن العبد الذي يريد وجه الله؛ لا يركن إلى حال ولا إلى منصب، ولو كان روحاني!، ولا إلى مقام ولو كان رباني!، بل إنه يفنى عن الكل في طلب الله عزَّ وجلَّ.
طَهَــارَةُ السِّـرِ
فالله عزَّ وجلَّ هو مقصد الصَّالحين، وبغيتهم، وطلبتهم .
وما يتعرض له السالك من إغراءات، إنما هي فتن وعوائق يختبر بها الله عزَّ وجلَّ صدقه في دعواه؛ لكن السالك لن ينتبه إلى هذه الأمور، ولا يستطيع أن يبصر هذه الأشياء؛ إلاّ إذا أقبل في البداية بالكلية على قلبه؛ فنقَّاه وصفَّاه وحشاه بالعلم النافع والعمل الرافع، وبما يحبُّه الله عزَّ وجلَّ.
فقد يكون السالك مجتهداً في العبادة، لا ينام الليل، ولا يكلُّ لسانه عن ذكر الله طرفة عين، لكنه يرى نفسه عابداً، ونفسه توسوس له بأنه خير من كثير من عباد الله، وفي هذا حجاب له غليظ؛ يقطعه عن السير في طريق الله عزَّ وجلَّ، فقد قال صلوات ربى وسلامه عليه:
( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) ( )
ولم يقل (من كان بين قومه)، يعني يتكبر عليهم ظاهراً أو في زيّه أو في جاهه، لكن أين الكبر؟، إنه هنا في صدره!!.
لأن الفقير ربما يكون لا يملك من الدنيا شيئاً!، لكن في نفسه كبر!، وربما يكون هناك رجل يملك كل متاع الدنيا وزخرفها؛ ولكنه في داخله متواضع لله.
فالعبرة ليست بالمقتنيات!!، ... وإنما بما في القلوب!!!.
لأن الله عزَّ وجلَّ نظره معلَّق بما في القلوب.
قد يتظاهر المرء بالتواضع بين إخوانه، ويسعى جاهداً لخدمتهم، وقد يصفُّ نعالهم، وقد يتصنع أمامهم بالتواضع، لكنه يريد في داخله أن يعظِّموه من أجل ذلك، فالعبرة بما في باطنه!، وهو محل نظر الله عزَّ وجلَّ، وليست العبرة بحركاته الظاهرة.
وقد يكون رجل يعظِّمه القوم!!، ولكنه يرى نفسه أنه تحت أرجل الجميع!!، والله عزَّ وجلَّ يرى ذلك منه، فيراه متواضعاً لحضرته، فيرفعه على أرائـك عظمته، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
( مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ) ( )
صَفَـــاءُ الْقَلْب
فالعبرة بجلاء القلب، وتصفيته من النجاسات المعنوية.
هل يقبل الله عزَّ وجلَّ صلاةً من رجل في ثوبه الظاهر نجاسة حسية؟، كلا!!، فكذلك لا يُقْبل الله على رجل في قلبه نجاسة معنوية .
ما النجاسات المعنوية؟!!
الحقد، الحسد، الطمع في الفاني، الرغبة فيما يزول، المسارعة في المناصب العاجلة، وحب الظهور، وطلب الرياسة، وما شابه ذلك من أخلاق، يقول فيها الله جامعاً هذه الحقيقة:
﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ (89الشعراء)
فإذا كنت تريد أن تجالس ملك الملوك!!:
فلابد من أن تطهِّر القلب من جميع النجاسات المعنوية، حتى يكون قلبك طاهراً لله عزَّ وجلَّ؛ ليس فيه إلاَّ بضاعة الله: الحبّ، الودّ، الأنس، المودَّة، الزهد، الورع، التُّقى، التوكل، التفويض، الرضا، ...
فيأخذ حظَّ الشيطان وبضـاعة الشيطان من قلبه، ويلقيها وراء ظهره، وإليها الإشارة بما قلناه من النجاسات المعنوية، فهي حظ الشيطان، ويملأ قلبه من معاني الإيمان، وما يطلبه منه الإيمان، مما ذكرنا من الحب الخالص الصادق لله، والمودَّة لله، والتباذل في الله، والرغبة في وجه الله، وكل ما يحبُّه الله من معاني كريمة، وخلال جميلة، ذكرها في كتاب الله، وظهرت واضحة للقلوب في صورة ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾- صلوات الله وسلامه عليه.
عِـــلاَجُ الْكِبْرِ
وهذه النجاسات المعنوية تستوجب من السالك حرصاً شديداً:
فقد يتخلى عنها سنين طوال، وتدخل عليه في لحظة!، وربما لا يشعر!، فتحجبه عن الله وهو لا يدري.
فقد صاحب رجل سيدي أبا اليزيد البسطامي رضِيَ الله عنه - وكان رجلاً من العلماء العابدين لله عزَّ وجلَّ، وبعد أن طالت المدة!، وبلغت عشرين سنة؛ قال له: يا سيدي، أريد أن أرى شيئاً من أحوال العارفين!، قال: لا تستطيع!، فألحَّ عليه؛ قال: تريد أن ترى شيئاً من أحوال العارفين؟، قال: نعم، قال: املأ جيبك بالجوز وقف على قارعة الطريق، وقل للصبيان: من يلطمني لطمة أعطه جوزتين، قال: كيف أكون من العلماء، وأفعل ذلك؟! قال: إذن ليس لك شيئاً عند الله!!.
فلما سألوه بعد أن انصرف: لماذا؟، قال:
{{ إن عنده شيئاً من الكبر يمنعه من الوصول إلى الله، ولا يذهب إلاّ بما ذكرناه }}.
فهو يرى نفسه أنه عالم، وأنه عامل، وأنه مجتهد في الطاعات، وهذه الأمور نفسها هي الحجاب الذي يحجبه عن الله عزَّ وجلَّ.
وهذه الأمور تحصل لكثير منا!!، بمجرد الأخ ما يقدمه أخوانه يفتتح الحضرة، ويمسك حلقة الذكر، ويلقي درس العلم، يرى نفسه أنه أصبح شيخاً، ويريد من إخوانه أن يعظِّموه، ولا يفعل أحد شيئاً إلاّ بأمره، ومن يفعل شيئاً بدون إذنه فسوف يحدث له شرّ، ويجرى له ضُرّ!!، ... لأن الشيخ غضب عليه.
هذا الأمر قد يحدث بيننا، فكيف يصل إلى ما يريد؟!!، وقد وجد في نفسه حب الظهور وحب الرياسة!، مع قول سيد العارفين سيدي أبي الحسن الشاذلي رضِيَ الله عنه :
{{ آخر داء يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة }}
إن الأمر يتطلب الانتباه، ولذلك لابد له في الرحلة إلى الله من رجل روحاني في صورة آدمية، كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه يخاطب الحضرة المحمدية:
أبرزته يد العناية كونا وهو نورٌ في صورة آدمية
رجل في صورة الأمين جبريل- صورة روحانية- يوضح له ما يحدث له في سيره وسلوكه إلى الله عزَّ وجلَّ، على أن يكون شديد الإنتباه!!.
لأن العارفين رَضِىَ الله عنهم ألبسهم الله عزَّ وجلَّ ثوب الحياء، فلا يجابهون رجلاً بعيبه!، وإنما يلمِّحون له في الملأ!، وهو يعرف ما عنده!، حتى لا يفضحونه بين أخوانه!، ولا يظهرون خبايا نفسه بين مريديه وأحبابه! - لأنه أصبح شيخاً عليهم - إذن فلابد وأن يلحظ هذه الأمور بأُذُن قلبه.
واحفظ إذا سمعت أذناك جوهرة
واحرص عليها تنل كل المبرات
فوارث النُّـــــــور بابٌ للنبي به
ينــــــال من أمَّهُ طيب الكمالات
ولكن لا تواجهه بنفسك!، لأن النفس هي سرُّ اللبس، وإنما واجهه بصفاء قلبك، وبنور روحك.
خُذْ ما صفا لك من نور الإشارة كن
حال الســـماع قوي العزم والدين
أحياناً يكون الواحد في المجلس في حالة الصفاء، فيسمع وينوي الطاعة وتقول نفسه سمعنا وأطعنا، فإذا غادر المجلس وانفرد بنفسه في بيته!، أخذت النفس توسوس له، وتؤول له، فيجتهد فيما ليس فيه اجتهاد، ويظن أن له حجة، وهذا من الأمور التي لا يحبُّها الله! وتقطع السالك عن طريق الله عزَّ وجلَّ!.
هذه الأمور تحتاج إلى وقفة طويلة!!.
حتى يتأكد السالك من أن النفس لم يعد لها رغبة ولا شهوة، ولا حرص ولا أمل، ولا حظ إلا في وجه الله عزَّ وجلَّ، وعند ذلك لا يكون لها حتى رغبة في شئ روحاني، فقد قال سيدي أبو العباس المرسي رضِيَ الله عنه:
{{ من أحب الظهور فهو عبد للظهو، ومن أحب الخفاء فهو عبد للخفاء، ومن كان عبداً لله؛ سواء عليه أظهره أو أخفاه }}
لأن النفس قد تأخذه في هذا الطور، لأنه يريد أن يتوارى ويبعد، وهذا أيضاً من حظ النفس، لكن العبد ... كما قال فيه سيد العارفين في عصرنا إمامنا ومرشدنا السيد محمد ماضى أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
فكن عبداً لنا والعبد يرضى
بما تقضي الموالي من مراد
لا يختار شيئاً:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
(36الأحزاب)
ما العمل ؟
يسلِّم كل الأمور لله، ويفوِّض كل الأحوال لله عزَّ وجلَّ، لأنه على يقين أن الله عزَّ وجلَّ يختار له ما فيه خيره، وما فيه رَفْعُهُ، وما فيه نفعه، وما فيه كماله، لأن الله عزَّ وجلَّ يحبُّه، ولذلك يريبه على عينه عزَّ وجلَّ.
فرسول الله صلى الله عليه وسلَّم سلَّم الأمر لله، ولذلك كان حزنه حقاً ... لما غاب عنه الوحي وانقطع، وأهل مكة قالوا: لقد قَلَى ربُّ محمدٍ محمدا - قلاه يعني: أبغضه - وانقطع الوحي في رواية خمسة عشر يوماً، وفي رواية ستة أشهر، فكان حزيناً ومهموماً.
لماذا؟!!
لأن الوحي انقطع عنه .
هذا هو الحزن الذي كان عنده، فلما نزل الوحي كبَّر، فقال: الله أكبر، فقد نزل الوحي بسورة الضحى، وقال فيها مولاه عزَّ وجلَّ له:
﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾
(3: 5الضحى)
ولذلك من السُّنة: أن الواحد يكبِّر من هذه السورة، إلى آخر القرآن ، فإذا انتهى من" الضحى " ؛ فقبل أن يبدأ في " ألم نشرح " يكبِّر ، وإذا انتهى من " ألم نشرح"؛ فقبل أن يبدأ في " التين والزيتون " يكبِّر ، إلى آخر القرآن .
الإِبْتِـلاَءُ للإِجْتِبَاء
وهذه الأمور يا إخواني هي التي تتعب السالكين، وتحيِّر العارفين، لماذا؟
السالك في طريق الله: ....
يريد ربُّنا عزَّ وجلَّ أن يصفِّيه، وينقِّيه؛ ليرقِّيه؛ فيبتليه، والنفس لا زالت موجودة، وهي لا تحبُّ الابتلاءات، ... تريد النعيم المقيم بدون ابتلاء من حضرة الكريم عزَّ وجلَّ!!، وهذا لا يكون:
تريد أن ترى حسني وترقى
بلا حرب شديد لا يكون
فمن رام الوصال إلى جنابي
أصفّيه وفي هذا فتون
( قال سيدنا داود عليه السلام: يا ربِّ بما تصفِّي قلوبَ أحبابِك؟، قال: بِالابْتِلاءَات وَالفِتَنِ يَا دَاود ).
فالمريد عندما يأتيه الابتلاء، يريد أن ينتهي منه في طرفة عين، مع أن هذا عين رقيِّه، ويحزن إذا اشتكى للشيخ ولم يتغير الأمر!!، مع أن هذا الأمر خير له إن صبر، وأفضل له إن رضى، لأن الله عزَّ وجلَّ كما قال الإمام البوصيري رضِيَ الله عنه:
لم يمتحنا بما تعي القلوب به
حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم
فقبل أن يبتلينا؛ يكون قد أرسل لنا لطفه، وتثبيته، وسكينته، وإلهامه، حتى ينزل البلاء علينا ونحن مطمأنين، ... ونفوز عند الله عزَّ وجلَّ، ونكون من الفائزين بمعونة الله، ولطف الله، وكرم الله، وعون الله عزَّ وجلَّ.
وقد نبهنا الله عزَّ وجلَّ إلى أن مجاهدات الصالحين؛ نهايتها كشف القناع، ورفع الحجاب، والتمتع بالجلوس بقلوبهم وأرواحهم في حضرة الكريم الوهاب عزَّ وجلَّ.
نَوَالُ الْوِصَــال
بم يتحقق السالك حتى يكون جليساً لله؟ لابد أولاً أن يدع بضاعة الشقاق كلها التي في نفسه، وبعد ذلك إذا غضب؛ يغضب لله، وإذا فرح؛ يفرح بالله، وليس بما فعله.
وقد أثنوا على الإمام أبي الحسن الشاذلي رضِيَ الله عنه، فأخذ يهتزُّ ويطرب، فظنَّ بعض العلماء - وكان حاضراً - أنه اهتزَّ وطرب فرحاً بهذا الثناء، فقال رضِيَ الله عنه وأرضاه - مُلمحاً إلى حقيقة فرحه:
{{ إنما فرحنا بفضل الله علينا، ثناء الناس علينا بما أولاه المولى عزَّ وجلَّ لنا }}
أي لماذا يثنون عليه؟، بما أعطاه الله عزَّ وجلَّ.
ثم يبدأ المريد بعد ذلك في تطهير جوارحه من الأعمال التي ذكرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ويحلِّيها بالأعمال التي نّبه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في رحلة الإسراء. فإذا جمّله الله بجمال أحبابه وأصفيائه، يبحث عن أدب الأنبياء والأصفياء، وقد كان إلى هذا الإشارة بجمعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم في بيت المقدس، فقد جمع الله له أخلاقهم، وكمالاتهم، وجمالهم، ونورهم، وبهاءهم، وبذلك دخل على حضرة ربه عزَّ وجلَّ، وكان صلى الله عليه وسلَّم الفاتح الخاتم لهذه الحضرة المقدسة الربانية.
فالعارف يرمز بهذه الرحلة المباركة للسير والسلوك إلى الله عزَّ وجلَّ.
ونحن يا إخوني- والحمد لله- قد أخذ الله عزَّ وجلَّ بأيدينا، وأوقفنا على أبواب فضل الله، لكن الذي يعيقنا، والذي يؤخر سيرنا وسلوكنا إلى الله؛ هو شغلنا بأشياء فانية، ضمنها وأمنّها لنا الله عزَّ وجلَّ.
فمن أراد وجه الله، ... عليه يا إخواني بالقلب!!.
والقلب جهاده جهاد معنوي، وليس بالعبادات، ولا بالأذكار باللسان والأوراد، ولكن كما قلت بتطهيره من النجاسات، وتحليته بالفضائل التي بيّنها لنا رسولنا عليه أفضل الصلوات وأتمُّ التسليمات.
فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يصفّي قلوبنا، وأن يطهر نفوسنا، وأن يجعل في طاعته جوارحنا وأجسامنا، وأن يحفظنا عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأن يجعلنا في الدنيا واقفين بالأدب بين يديه، لا نتّكل إلاّ عليه، ولا نفوض الأمور كلها إلاَّ إليه، ولا نوجِّه نيَّاتنا في كل عمل إلاَّ إليه، ولا نقصد بكل قول إلاَّ وجهه الجميل، ولا نتحرك ولا نسكن إلاَّ على موائد لطفه، وعلى موائد كرمه، حتى نكون في كل أنفاسنا لفضله متعرضين، ولهباته عزَّ وجلَّ آخذين، وبسنة حبيبه صلى الله عليه وسلَّم محفوظين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثامن: بَصَائِرُ فِي آيَاتِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاج

بَصَائِرُ فِي آيَاتِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاج( )
في آية الإسراء؛ بيَّن الله عزَّ وجلَّ الآداب التي يُنزل الطالب بها في مقام الإسراء الروحاني فقال عزَّ شأنه:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾
(1الإسراء)
رُتْبَـةُ الْعَبْدِيَّــة
أول لازم لرتبة الإسراء ... أن يتحقق المرء برتبة العبودية لله عزَّ وجلَّ، والعبد باختصار شديد: ... هو وما ملكت يداه ملك لسيده ومولاه - حالاً، وفعلاً، وقالاً - لأن المقال سهل!، لكن المهم أنه كيف يعيش هذا المقام؟، ويكون عبداً لله عزَّ وجلَّ!!.
ما معنى عبد؟ ... لا يهلع، ولا يجزع، ولا ييأس، إذا ألمَّ به كرب أو مصاب، لأنه يعلم أن الله معه أينما حلَّ وأينما صار، ولا يفرح إذا أفاء الله عليه شيئاً من متع الحياة؛ لأنها فتن يختبر بها الناس!! ليرى صدق إيمانهم في هذه الحياة:
﴿ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ (35الأنبياء)
بِمَ يفرح؟!! ... لا يفرح إلاّ بما يوفقه له مولاه من العمل الصالح، ولا يفرح بالعمل؛ بل يفرح بالله لأنه أحبَّه فأقامه في هذا العمل.
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
(85يونس)
إن كان من الدنيا وزينتها، أو من الصالحات والأعمال الفاضلة!!، حتى هذه لا تفرح بها!!، ولكن تفرح بمن؟، ... بالله ...
صِفَـاتُ الْعَبْـد
من العبد؟، وما الصفات التي يصير بها الإنسان عبداً؟!! ... صفات رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، حتى يدخل على حضرة الله، كما قال بعض الصالحين:
أَوْلى الملابس أن تلقى الحبيب به
يوم الزيارة بالثوب الذي خلع
الثوب الذي أعطاك إياه!!، الذلُّ إليه، والمسكنة بين يديه، والإحساس بالحاجة الماسة الشديدة في كل نَفَس لخيراته وبركاته ونعمائه.
انظر إلى سيدنا أيوب عليه السلام عندما أعطاه الله من كل ألوان النعيم في الدنيا والنعم، وفي يوم أمطرت السماء جراداً ذهباً، ففى الحديث الشريف:
) بَيْنَمَا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، خَرَّ عليهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ؛ فَجَعَلَ أيوبُ يَحْثِي في ثوبِهِ؛ فَنَاداهُ رَبُّهُ: يا أيُّوبُ!، أَلمْ أكُنْ أغْنِيكَ عَمَّا تَرَى؟، قال: بلى يا رَبّ، ولكنْ لا غِنَى بي عَنْ بَرَكَتِكَ!!). ( )
فالذي معه حتى علوم الأولين والآخرين، يمكن مجلس بسيط مثل هذا المجلس! يسمع فيه كلمة علم صغيرة! من أخ صغير من إخوانه!؛ يفتح الله عزَّ وجلَّ بها مغاليق الأمور!!؛ فالإنسان يجب عليه ألا يتأخر عنها أبداً.
﴿ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ﴾ (52المائدة)
فالعبد هو الذي يرى نفسه بآثامها!، وأوزارها!، وذنوبها!، وصفاتها التي بيَّنها الله في القرآن: العجلة، التسرُّع، الشح، والجهل، وهذه صفات وصفه بها الله:
﴿ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً ﴾ (11الإسراء)
﴿ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا ﴾ (100الإسراء)
﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾ (37الأنبياء)
﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ (72الأحزاب)
يرى نفسه هكذا، أما العلم الذي معه؛ فيرى أنه من الله، وليس له فيه نسـبة، ولسان حاله يقول: ( أنا آلةٌ والله جلَّ الفاعلُ ).
فإذا مدحه أحد ...
يقول: امدحوا فضله، فليس لي شئ؛ بل ليس معي إلاّ الجهل - لأنه يرى ظلوميته - فلو وفق لعمل يرى الموفق الذي وفَّقه لهذا العمل، ولا ينظر إلى العمل.
فإذا شكروه : .....
يخلع الشكر على الله الذي وفّقه لهذا العمل، وأقـامه فيه، ... ودائماً يحفظ صفاته!!، فينسب لله عزَّ وجلَّ كل توفيق وخير، ويضيف لنفسه كل ضرٍّ وشرّ.
﴿ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾
(79النساء)
فإذا فعل ذنباً فمن نفسه، وإذا وقع في خطأ فبسبب جهله. وكل فضل – يفعله بيديه، أو يراه بعينيه، أو يطلق الله به لسانه، أو يكون في زرعه، أو في تجارته، أو في عمله - ينسبه لله ربِّ العالمين.
فإذا شُكِرَ ؛ يوجِّه الشكر كله لله. أحد العارفين كان يربي أبناءه التربية السليمة ، فواحد منهم أجرى الله على يديه كرامة؛ ففرح بها، فقال له:
{{ لا تفرح بالكرامـة وانســــبها لصاحبها، فكل كرامة لوليٍّ ؛ إنما هي معجـــــــزة للنبيِّ الذي يتبعه ذلك الوليّ.}}
فهذه الكرامة في الحقيقة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم وليست لك!!، لأنك تابع له، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم ينسبها بحسن أدبه لله، وهكذا فالأمر في النهاية ... ينتهي لله .
حُلّـةُ الْعُبُـودِيَّة
هذه يا إخواني حُلّة العبد:
الذي يرى عيبه أمام عينه، ويرى الفضل كله من الله، وإلى الله، وببركة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وذلك حتى في أبسط الأمور.
فإذا جلس يأكل .... يرى أن الذي حرّك الأصابع هو الله، والذي حرّك الأضراس، ... والذوق حتى يتذوَّق الطعام، ... هو الله، والذي يحرِّك الطعام في هذا المجرى، ... هو الله، والذي يتولَّى هضمه، وتوصيله للأعضاء، ... هو الله .
وما دوره هو؟!!، ... يشاهد فعل الله في أعضائه التي صنعها له الله عزَّ وجلَّ:
﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ (24عبس)
وكذلك إذا سافر وجاء إلى هذا المكان، من الذي أركبه؟!!، ومن الذي أجلسه وهيّأ له الركوبة؟، وهيّأ له الأعضاء؟ ...
﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ (22يونس)
هو الله الذي يسيِّرُ الكل، حتى عندما يأتي أهله يقول له: إن لم تعطني القوة فلن أستطيع شيئاً، فالقوة من الله ..... ليست الشهوة هي التي تحركني!، ولكنَّ الله هو الذي يدفعني، فماذا أنت فاعل بدون قوة القويّ؟!!، فلا يرى لنفسه شيئاً!!، بل يرى نفسه عدماً، ... والله جَمَّله.
انظر إلى العبد الصالح!!، إمامنا ومرشدنا الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه، ... وماذا يقول في هذا الشأن:
علمتُ نفسي أنّي كنت لا شئ
فصرتُ لا شئ في نفسي وفي كلي
به تنزَّه صرتُ الآن موجوداً
به وجودي وإمدادي به حولي
ومن أنا ؟ عدمُ اللهُ جمَّلني
فصرتُ صورتهُ العليا بلا نيل
فجمَّل نفسه بجمال العبيد، فتجلَّى عليه الحميد المجيد فكساه بصفاته.
فإذا كنت ذليلاً؛ يكسوك ثوب العزيز، وإذا دخلت عليه جاهلاً؛ يكسوك ثوب العليم، ولو دخلت عليه عزَّ وجلَّ عبداً؛ يخلع عليك خلع الربوبية، وتصير كما قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:
( كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتـي يبطُشُ بِهَا، ورِجْلَهُ الَّتِـي يَـمْشِي عَلَـيْهَا ) ( )
لَوَامِـعُ الْمَعْرِفَـة
﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ (1الإسراء)
كيف رأى؟!!، وهل هذه العين تستطيع أن ترى شيئاً؟!!، لا !!، لكن أعطاه سمعه!!، وأعطاه بصره!!، كيف نأخذ السمع والبصر من الله؟
) ولا يَزَالَ يَتَقَرَّبُ إلَـيَّ بالنوافلِ )
بماذا؟!، بالنوافل، وقبلها ... بماذا؟، بالفرائض!! ما الفرائض؟، ( ) نحن فهمنا أن الفرائض هي الصلاة والصوم والزكاة والحج!!. هذه اسمها العبادات. لكن ما الفرائض؟!!.
سألوا الإمام بشر الحافي رضِيَ الله عنه - وكان لم يتزوج - فقالوا له: لِـمَ لَـمْ تتزوج!!، والزواج سنة؟!!، فالناس تسألنا عن ذلك، فماذا نقول لهم؟، فقال: قولوا لهم: {{ شُغلْنَا بالفرض عن السنَّة }}، فقالوا: ما الفرض الذي شُغلت به؟!!، قال:
{{ المعرفة أول فريضة ولا فريضة قبلها }}.
فأول فرض أنت مكلَّف به هو معرفة الله، أنت ستصلِّي، ... لمن؟!!، أو ستصوم، ... لمن؟!!، أو ستزكِّي، ... لمن؟!!، أو ستحجُّ، ... لمن؟!!
ألا تعرف أولاً وجهتك؟!!، وهذه هي المعرفة!!، وماذا تعني معرفة الله:
أن تعرف أن الله عزَّ وجلَّ كريمٌ، حليمٌ، عظيمٌ، لطيفٌ، ... تعرف صفاته - أما معرفة ذاته!!، فلا يستطيع أن يصل إليها أحد من خلقه - لكن نعرف صفاته عزَّ وجلَّ، فإذا عرفتُ صفاته، ... فإني في هذه الحالة سأتجمَّل بالخشية، والخشوع، والخوف، والخضوع، والإنكسار، والتذلل، والرغبة، والرهبة.
وهذه هي البراق الأول للوصول إلى الله عزَّ وجلَّ .
ستصلي مليون ركعة بغير خشوع!!، فما الذي ستصل إليه؟!!!!، ... أَتَعُدُّ على الله؟!!، ... لكن ركعتين فقط بخشوع!!؛ ... تصل إلى الله عزَّ وجلَّ في أقل من لمح البصر!!، ... فالعبرة هنا بالخشوع!!!.
فالذين فهموا من الحديث: ( وما تَقَرَّبَ إلـيَّ عَبْدِي بِشَىْءٍ أَحَبَّ إلَـيَّ مِـمَّا افْتَرَضْتُ علـيهِ )، ... الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ... لا نمانعهم في هذا الفهم، ولكن مع الإشارة إلى أن قبولها يتوقف على الخشية والخشوع.
مَنْ العلمــــــاء؟
ليس الذين معهم ماجستير، أو دكتوراة، أو ليسانس، ... بل الذين معهم "الخشية من الله عزَّ وجلَّ"، لقوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾ (28فاطر)
وفي القراءة الأخرى (إنما يخشى اللهُ – بالرفع إعراباً - وكلتاهما وارد ، فالذي يلبس ثوب الخشية، ... أو الذي يلبس جلباب الخوف، ...
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ (46الرحمن)
هو الذي يأخذ مقام العبوديَّة لله عزَّ وجلَّ.
مِعَرَاجُ الْوصُولِ إلى الله عزَّ وجلَّ
وهذا هو جهاد الصالحين!!
كيف يجاهد المرء نفسه ليخشى الله؟، وكيف يستحي من الله حقّ الحياء؟!!، وكيف يخاف الله؟!!، وكيف يرهب جناب الله؟، وكيف يتحصَّل المرء على هذه الأمور؟
هذه الأمور لا تتم إلاّ بمجالسة أهل الخشية!، ومجالسة أهل الخشية ... بالأدب.
فإذا جمَّل الله عزَّ وجلَّ بفضله السالك بالأدب، حفظه الأدب من العطب، فإذا رُزق الأدب في صحبة الصالحين؛ منَّ الله عليه فخلع عليه أحوالهم، وجمَّله بآداب قلوبهم، ... فضلاً من الله ونعمةَ.
وعلى ذلك يكون العمل بالحديث ( ولا يَزَالَ يَتَقَرَّبُ إلَـيَّ بالنوافلِ)، بعد الخشية، فبعدها تكون هذه الأمور!، ويباح لك كل شئ ( من العطاء )، لأنك دخلت في درجة المتقين. إذاً فالقرب يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
( أَنَا أَقْرَبُكُمْ إِلَى اللّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً )
وفي رواية: ( وَاللّهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ) ( )
فالقرب بالخشية، فكلما زادت الخشية زاد القرب من الله عزَّ وجلَّ، ... وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
لا تقل إن وصولي بالعمل
أو بقطع الوقت في طول الأمل
إن مولانا تنزَّه عن علل
إنه الربُّ المنزّه والكبير
فمعراج الوصول يا إخواني هو الخشية!، إذا خشى الإنسان الله أصبح عالماً ، ليس بأحكام الله!، لأن الأزهر هو الذي يخرّج عالماً بأحكام الله، أو عالماً بشرع الله، لكن العالم بالله!!. ... من أين يتخرج؟!!.
من مدارس العارفين!.
عالمٌ بالله يخشى الله، يخاف الله، يرهب جناب الله، لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من فضل الله، ولا توجد هذه الأحوال إلاَّ بمدارس العارفين بالله عزَّ وجلَّ.
وكيف يتحصَّل على هذه الأمور؟
كما قيل: ... (بالحال تزكية النفوس، لا بالفلوس ولا بالدروس)، بالحال!!،
ومن أين يأتي بالحال؟!، ... من مصاحبتهم!!!.
ليس معنى هذا أن يأتي المرء ليمضي حضور وانصراف!!، لأننا لسنا في مصالح حكومية!، فلا يليق بالسالك أن يذهب إلى مجالس العارفين ليثبت نفسه، وينصرف سريعاً!!، والعارفون لا يريدون هذا، ... وإنما يريدون إقبال القلوب وخالص الطلب لعلاّم الغيوب عزَّ وجلَّ.
فالمطلوب منا أن نجاهد أنفسنا في خشية الله عزَّ وجلَّ، فإذا جاهدنا في خشية الله، وفي الخوف والرغبة من الله، وتجمَّلنا بآداب العبودية التي كان عليها سيدنا رسـول الله، والتي عليها العارفون بالله:
يمنُّ علينا الله عزَّ وجلَّ ويعطينا مما عنده، قال تعالى:
﴿ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ (65الكهف)
يعطيه رحمة من مقام العنديَّة ، وعلماً من مقام اللدنيَّة، وليس شئ منها من العوالم الملكوتيَّة، وإنما من العوالم الذاتيَّة.
فإذا كان المرء الذي يأخذ قليلاً من الإلهام من عالم الملكوت، ... يحسب نفسه عارفاً من العارفين الكبار!!، ... فما بالك بالذي يأخذ من عوالم الله الذاتية؟!! ... من عوالم العنديَّة، ... وعوالم اللدنيَّة.
ما شأنه ؟!! ... وما وصفه؟!!
نَوَافِـلُ أَهْـلِ الْفَتْح
فضل من الله، ﴿ آتَيْنَاهُ ﴾: إيتاءاً!، ليس أجراً ولكنه فضل من الله عزَّ وجلَّ، مثل هذا ... بعد ذلك يتولاه الله عزَّ وجلَّ، ويعطيه النوافل وهي الزيادات.
والنوافل عند العارفين، لا يستطيع أن ينطق بها أحد منهم!!
لأنها عبادات خاصة يختصهم الله بها، كل واحد يعطيه إسماً من الأسماء يختصه به، أو يعطيه عملاً من الأعمال يقيمه فيه، ويصير باباً له يدخل إلى الله عزَّ وجلَّ به، وليست تلك النوافل التي نحن مشتركون فيها!!، وإنما هي نوافل خاصة أقام الله عزَّ وجلَّ فيها عباده الصالحين.
ما نوافل الخضر عليه السلام؟!! وماذا كان عمله؟!!
أكان يصلي ويقوم الليل فقط؟!!، ... أبداً!!.
كان ماشياً ينفذ مراد الله في خلق الله!!، ... فمثلاً الجماعة المساكين الذين كان الجدار سيسقط عليهم؛ يقيمه هو، ... والناس الصالحون الذي سيتعبهم إبنهم عندما يكبر؛ يريحهم منه، ... والمسـاكين الذين ليس لهم إلاّ هذا المركب يرزقون من وراءه، والملك يريد أخذها، عيَّبها!، حتى لا يأخذها الملك.
يعنى ماذا كان عمله؟ ...
قضاء حوائج الصالحين والمساكين، ... أليست هذه نوافل خاصة به؟ ... ما عبادته؟، سائح في البلاد!، ... ماذا كان يفعل؟
يقضي للناس الفقراء والصالحين والمساكين حاجتهم التي لم يعلموها، والله عزَّ وجلَّ أعلمها له، لأنهم لم يكونوا يعلمون عنها شيئاً.
من الذي عرَّفها له؟!!!، ... الله عزَّ وجلَّ!!!.
هل كان هذان الطفلان يعلمان أن لهما كنزاً؟!!، ... كلاّ!!، الرجل وامرأته هل كانا يعلمان أن هذا الولد سيرهقهم من الطغيان والكفر؟!!، ... أبداً!، المساكين الذين في البحر، هل كانوا يعلمون أن أحداً سيأخذ سفينتهم؟!!، ... أبداً!!.
وهذه عبادة الصالحين الذي هم على نهج الخضر عليه السلام.
عبادة سيدنا موسى الخاصة، ... ما هي؟!!
كان يحاول أن يرفع الظلم عن بني إسرائيل عندما أذلّهم فرعون وسخّرهم وجعلهم عبيداً، ... هذه هي النافلة التي أقامه الله فيها .
فالنافلة، ماذا تعني؟!! ... تعني زيادة يفتحها له الله، ليحْبوه بنعمه وفضله وعطاياه، ... كيف تأتي؟!!.
لا تأتي إلاّ على يد عبد صالح، يأمر الله عزَّ وجلَّ العبد عن طريق سرِّه؛ أن يتَّبعه، ويتأدب معه، فيفتح عليه الله عزَّ وجلَّ على يديه، قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (66الكهف).
لم يقل (علماً)، ... ﴿رُشْدًا﴾!!، ... وهو مقام المعرفة التامة - فلان بلغ الرشد
أي أصبح عاقلاً!، ويدري كل شئ حوله، ... وليس محتاجاً لأحد حتى يمشى معه.
فمقام الرشد في عالم الروحانيات: ....
يعني أن صاحبه أصبح يعرف الحقائق الروحـانية وخصائصها.
بَصِـيَرةٌ فِي النَّـجْم
هذه شذرة في آية الإسراء .
ونأخذ شذرة صغيرة في آية المعراج: ...
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (1-4 النجم).
الذي يريد المعراج، ... ماذا يعمل؟
يهوى فضل الله، وجمال الله وبهاه، ولا يتعلق قلبه بشئ سواه، قال سيدي أبو علي الدقاق رضِيَ الله عنه:
{{ اطلع الله على قلوب العباد؛ فلم يرَ قلباً أشوق إليه من قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم، ... فعرج به إليه }}
كيف يعرج به من غير شوق؟!!
حتى المعراج المنامي، ... لابد له من الشوق.
فالذي يريد أن يرى الكعبة في المنام!!، لابد أن يكون له شوق شديد للكعبة، وإلاّ كيف يراها؟!!، والذي يريد أن يرى إنساناً عزيزاً عليه في المنام!!، لابد أن يكون له شوق إليه!!، فما بالك بالذي يريد الله عزَّ وجلَّ؟!!.
بُــرَاقُ الشَّــوْقِ
لابدّ له من الشوق الشديد، حتى أن بعض العبيد - في هذا الحال- يلتبس عليه الأمر، فلا يسمع متكلماً!!؛ إلا ويسمع الكلام من الله، ولا ينظر إلى شئ، ... إلاَّ ويشهد فيه جمال الله، ولا يتناول شيئاً، ... إلاَّ ويشم فيه رائحة نعم الله عزَّ وجلَّ، لأنه متعلق بالكلية بالله عزَّ وجلَّ!!.
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلاَّ و حبّك مقرون بأنفاسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلاّ وأنت حديثي بين جلاسى
ولا شربت الماء من ظــمأ
إلاّ رأيت خيالاً منك في الكاس
فلا يكون مشغولاً إلا بالله عزَّ وجلَّ ....
ملك عليه حبُّ الله كل جوانحه، وسدَّ عليه حبُّ الله كل وُجَهه وجوارحه، فأصبح مشغولاً بالكلية بالله، حتى أنه عندما يسمع مغنياً!! ولو كان يغني غناءً عادياً، يسمعه بأذن قلبه غناءاً لمولاه، لأنه ليس عنده إلاّ هو!!.
فالروح تشهده والقلب يعشقه
شغلي بذكرك يا مولاي أفناني
فيُكمل الله عزَّ وجلَّ الأمر، عندما يطلع على قلبه ويرى أنه ليس لغير الله شيئاً في لُبّه، فيتولاه!! ... لأنه شُغل عن نفسه.
فيكون قائماً بالله عزَّ وجلَّ!!، ... فلا يضلّ!!، ولا يزل!!، ... ويحفظه الحفيظ، كما يعصم الله عزَّ وجلَّ رسله وأنبياءه، ... يحفظه بحفظه لأولياءه!!.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (2النجم)، لأنه معصوم، ... وهذا محفوظ.
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (3النجم)، لم يعد له ميل إلى فلان ولا إلى علان، ولا هذا قريبه ولا هذا حبيبه، ولا هذا طبيبه ولا هذا جليسه، لأنه أصبح لا يفعل ولا يتحرك ولا يسكن إلا بالله عزَّ وجلَّ.
حتى لو اطلع رجل منكم على قلب رجل من العارفين، يشم منهم رائحة الصحابة المباركين!!، ... عندما يقول الرجل منهم:
( ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريبًا لعمر - فأضرب عنقــه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقــه، وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرب عنقه، حتى يعلم اللهُ أنه ليس في قلوبنا هَوَادَةً للمشركين)( )
أي: ... حتى يعلم الله عزَّ وجلَّ أن قلوبنا ليس فيها هوادة لغيره عزَّ وجلَّ. كان هذا هو حالهم، فليس في قلوبهم إلاّ الله، ليس فيها هوى، ولا حكم بينهم، ... إلاّ حكم الله وكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ ) ( )
لأن الولي الذي يعطيه الله خزائن الفتح، وأسرار الكشف، ومفاتيح القلوب، ومعه هوى لشئ!!، سيعطيهم لابنه!، أو لبنته!، أو لمن أدَّى له خدمة!، أو لمن قدَّم له معروفاً!!، وهذا لا يصلح عند الله.
فقد روى أن رجلاً صالحاً أعطى لابنه الأوراد، وأدخله الخـلوة مـرة!، ... واثنين!، وثلاثة!، فلم يُفتح عليه!!؛ فقال له:
{{ يا بني لو كان الفتح بيدي، لكنت أول مريد عندي في الطريق }}
لكن الفتح بيد الله يؤتيه من يشاء:
﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (54المائدة).
فَقِسْ نفسك بهذا الميزان!!.
إذا كان مازال عندك ميل إلى ولد تحبه أكثر من غيره من الأولاد، أو أكثر من البنات، أو أخوك فلان الذي يعطف عليك أكثر من أخيك الصالح الذي لا يجد، فليس لك في هذا الميدان!!.
لأن ميدان الصالحين كيوم القيامة : ......
﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (101المؤمنون).
يعطي من؟ التقيّ!! ...
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (13الحجرات).
على حسب صفاء القلوب، وطهارة النفوس، وسكون الأسرار في كل أنفاسها إلى الواحد القهار عزَّ وجلَّ.
أنت عندك جاه في دنياك، ليس لنا شأن به، أفاء الله عليك مالاً في دنياك، ليس لنا شأن به، لكن الذي يعطي الصالحون عليه: ... صفاء القلوب، وطهارة النفس، وخلو البال مما سوى الواحد المتعال عزَّ وجلَّ.
مقاييسهم هذه؛ ... هنا ... وهناك!!!.
لأن يوم القيامة لهم الشفاعة، فيشفعون في من؟، ... فيمن أذن الله عزَّ وجلَّ لهم فيه، لا عن هوى، ولا عن غرض، ولا عن ميل، وإنما بما يشير الله به عزَّ وجلَّ، ويقذفه في قلوبهم سبحانه وتعالى.
ولذلك مثل هذا؛ ... عندما يعرض الله عزَّ وجلَّ عليه الجمالات والكمالات، يكون حاله كما قال عزَّ وجلَّ في سيد أهل الكمالات:
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ (17النجم).
لا يتغير!، ... ولا يتبدل!.
فالدخول على حضرة الله بالحبِّ، والذي يديم لك الأنس بالله هو كمال الأدب بين يدي الله عزَّ وجلَّ. فالبراق الذي سنركبه هو الحبُّ الخالص لله، سواء لنا، أو لإخواننا، أو لمن حولنا. فقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
( مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمَانَ) ( )
وفي الرواية الأخرى:
(لاَ يَجِدُ الْعَبْدَ صَرِيحَ الإيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإذَا أَحَبَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْوِلاَيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى).
يكون حبُّه لأي بشر لوجه الله .
وبغضه لأي إنسان ليس للإنسان، ... ولكن لعمله الذي يخالف فيه هدى الله عزَّ وجلَّ، فإذا ترك العمل فهو حبيبه في الله.
فعطاؤه لله، ومنعه لله، وحركاته وسكونه لله، وكل عمله لوجه الله عزَّ وجلَّ.
كَمَـالُ الأَدَبِ مَعَ الله
ثم بعد ذلك الأدب مع الله .
وبابه وكماله؛ أدب أنبياء الله ورسل الله مع الله عزَّ وجلَّ، وأدب أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم ورَضِيَ الله عنهم أجمعين مع رسوله صلى الله عليه وسلَّم، حتى كان الرجل منهم يخاف أن يترك أدباً ولو صغيراً!!، لأنه ربما يكون فيه سرُّ عطبه.
ونحن والحمد لله في هذا العصر؛ نجدد الآداب التي اندرست، آداب الصالحين في تعاملهم مع إخوانهم في الله ولله، لا لغرض، ولا لعرض، ولا لمرض.
فنحب إخواننا لله، ونعطيهم لله، ونبذل لهم لوجه الله، ونمنعهم - إذا كان هـذا المنع سيجعلهم يطيعون الله، والعطاء سيجعلهم يعصون الله عزَّ وجلَّ، ولا نخشى في الله لومة لائم، ونحاول قدر الاستطاعة أن نقوم بهدى المهاجرين والأنصار.
أَهْــلُ الْمَعِيَّـــة
ولذلك أهمس في أذن إخواني أجمعين:
بالأدب العالي الذي كان عليه المهاجرون والأنصار؛ فقد ظل الأنصار يترقبون زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لهم سبعة أيام، في كل يوم يخرجون في الصباح ويقفون على أبواب المدينة حتى المساء، ترقباً لمجيئه!! وسعياً في انتظاره!!، وعندما كان يأتيهم بعد ذلك أخ من المهاجرين كانوا يتقاتلون؛ حتى كان صلى الله عليه وسلَّم يجري القرعة بينهم فيمن يأخذه؛ فمدحهم الله وأثنى عليهم، وقال:
﴿َيُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (9الحشر).

فلا يصح أن يحضر المهاجرون ولا يجدوا الأنصار في انتظارهم!، ويأتوا متخلفين!، فهذه مخالفة لهدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ورَضِيَ الله عنهم!!
فلا يتخلفوا؛ لأن الذين تخلفوا عاتبهم الله عتاباً شديداً!!، ولكن عندما يأتي المهاجرون يجدون الأنصار جاهزين ومستعدين وفرحين لاستقبالهم، ... كما قال لهم الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه:
فابذلوا لهم بشرى اللقا وتعانقوا
فالأخ الأنصاري هو الذي نحن في بلده، فكلما يسلِّم على أحد ويحتضنه- إذا كان مستعداً له وفرحاً للقائه - يأخذ ثمرة الحديث الشريف:
) نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَـى أَخِيهِ عَلَـى شَوْقٍ، خَيْرٌ مِنَ إعْتِكَافِ سَنَةٍ فـي مَسْجِدِي هذَا)( )
لأنه ينفذ سنة المهاجرين والأنصار.
وهذا الكلام في كل بلد!، لأننا نعيد آداب السلف الصالح!!، فأهل البلد يكونون فرحين قبلها بأسبوع!، وقد جهزوا بيوتهم، وجهزوا أولادهم، فرحين بإخوانهم الذين يزورونهم في الله ولله عزَّ وجلَّ.
واليوم الذي سيحضر فيه الإخوان يوم عيد لهم!، فلا عمل ، ولا صيام فيه، وهكذا سنة السلف الصالح، إذا زار أحدَهم ضيفٌ وكان صائماً؛ يفطر ويقول لهم:
{{ اليوم يوم عيد!!، والعيد حرام فيه الصيام.}}
فيوم عيدهم هذا يكونون مفطرين، ومتفرغين من العمل، حتى ينفذوا سنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ويحصلوا على الوسام:
﴿ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ (9الحشر).
ما علامة هذا الحب؟!!
الترقب والانتظار، والسرور، والبشارة، والترحيب، لأنها سنَّة أحباب الله وأصفياء الله الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
هذه سنَّة ألفت نظر إخواني إليها:
لأن الإخوان إذا زاروا بلداً، وأخٌ من أهل البلد يتخلف من غير عذر شرعي، ولا يحضر، ولا يراه أحد، يمكن يا إخواني أنه لو أطاع الله عزَّ وجلَّ ألف سَنَةٍ طاعة متواصلة!، لا يستطيع أن يعوض سِنَةً واحدة في وصال إخوانه في هذه الليلة!!.
لقد رأى بعض الصالحين إخوانه على مائدة الطعام - وكان بعضهم من شدة الذكر، وتشوقه في الذكر، يطير فوق رؤوس الذاكرين - وبعد الذكر رآهم يؤثرون إخوانهم بهذه اللقيمات؛ هذا يوآكل هذا، وهذا يناول ذاك، فقال لهم رضِيَ الله عنه:
{{ لقد نلتم من فضل الله عزَّ وجلَّ بإيثاركم إخوانكم في طعامكم ، أكثر مما نلتموه في ذكركم لله عزَّ وجلَّ .}}
وربنا لما مدح الأنصار، ..بماذا مدحهم؟
أبالذكر ؟ ..!!.. ، ....... أبداً .....!!.....
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
الذي يأتي له عظيم، كيف يستقبله؟!!، وكيف يستعد له ؟!!، وكيف يجهز البيت له؟!!، فما بالكم بمن يزوره مَنْ عظّمه العظيم عزَّ وجلَّ؟!!.
فهذا أعظم!، وأكرم!، وأفخم!، ... لأنه يعظِّمه لله عزَّ وجلَّ.

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ (54المائدة).
هذه الأخلاق هي التي عليها الوفاق، وهي المعراج إلى الكريم الخلاق، ولذلك من يريد الإسراء والمعراج فعليه بما ذكرناه.
أصلحوا قلوبكم، واملؤوها بالحب الخالص لربكم، وجمِّلوا أحوالكم بآداب الصالحين في مجالسكم وخلواتكم واحتفاءاتكم، حتى تكونوا صورة كاملة لـــ:
﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ [29 الفتح]
وأدب الظاهر عنوان أدب الباطن!!، ولكن الله عزَّ وجلَّ العبرة عنده بالباطن.
نسأل الله أن يجملنا بالآداب العالية، والأخلاق الراقية، ويرزقنا الأحوال السامية، والعلوم الوهبية العالية، ويشرق على قلوبنا بأنوار حبِّه، ويملأ أفئدتنا بخالص ودِّه، ويكاشف سرائرنا بنور وجهه، ويجعلنا من الذين لا يغفلون عنه طرفة عين ولا أقل، ويمنّ علينا فيجعلنا نقول بكل حقائقنا الظاهرة والباطنة: ... الله ... الله.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.

الباب التاسع: مِنْ مَعَـانِي الإِسْـرَاء

مِنْ مَعَـانِي الإِسْـرَاء ( )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العلىّ في عزته وبهاه، الظاهر بنور طلعته وجمال محيّاه، ... لمن صفى وصوفي، واتصل بنور أسرار حضرة الله القريب من كل قريب صالح وغير معيب؛ الذي يتنزل في آفاق قلوب أحبابه بعلومه الوهبية، وأسراره الربانية، وتنزلاته القـرآنية، في كل وقت وحين .
سبحانه سبحانه .. حاضرٌ في قلوب أحبابه، لا يغيب عنهم طرفة عين، ولو غاب بنوره ووده وقربه عن قلوبهم طرفة عين لاحترقوا من ألم الفرقة والبين.
إذا رأوا جماله انتعشوا، وإذا طالعوا وجهه ربا الإيمان في قلوبهم، وزاد الحياء على ظواهر أعضائهم وأجسامهم، وإذا واجههم بقبس من أنواره أفناهم عن الحظوظ والأهواء والدنيا وكل ما فيها من جفاء، ليتكرعوا برحيق الصفاء من حضرة البقاء. فسبحان من أوجد أقواماً في دار الدنيا؛ عنه لا يحجبون، وعن ذكره لا يغفلون، ومن شراب وده لا يملّون، ومن صافي كأس محبته يكرعون.
أدناهم إلى حضرته بعد أن هذَّب نفوسهم بأنوار آياته وقرآنه، وجمَّلهم وحسَّن أخلاقهم الظاهرة والباطنة، وجعلهم على نهج سيد رسله وأنبيائه، فهم في الدنيا بين أهلها غرباء!، وهم من حضرة الحق المقربون القرباء!!.
﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا ﴾ (37النور).
وإن شئت: (يخافون نفساً) يبعد عنهم الحق فيه بأنوار حضرته ، أو أن يصيبهم لهيب البعد عن حظوة قربه ومودته، فنعيم أهل الصفاء بالتنعم بالنظر إلى الوجه العلي، وأنسهم وسرورهم بانبلاج أنوار حضرته في قلوبهم، وظهور أوصاف عزَّته بنفوسهم.
فهم به له يعيشون، وعنه لحضرته ينطقون ليقرِّبون، فهم به قائمون، وعنه مبلِّغون، وبين يديه بقلوبهم أبد الآباد ساجدون، وإمامهم وعظيمهم سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله صفوة كأس المحبة، وشافي قلوب الأحبة، ودرة مُهج المخلصين، ونور وداد المقربين، وشمس الأنس التى تسطع من حضرة الله على قلوب العاشقين؛ فتميت فيهم الجفاء، وتحيي فيهم الصفاء والنقاء والوفاء.
اللهم صلِّ وسلم وبارك، صلاة واصلة من ذاتك إلى ذاته صَلَّى الله عليه وسلَّم، وأوصلنا بحضرته، وأسعدنا جميعاً برؤيته، واجعلنا في الدنيا والآخرة من أهل حظوته، ومتِّعنا جميعاً بالقرب من أنوار طلعته، آمين .. آمين، يا رب العالمين. أما بعد ...
فيا إخواني في الله، ويا أحبابي في سيدنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم
أَسْرِارُ يَوْمِ الْمِيثَاق ( )
ونحن نحتفي بزمن الإسراء والمعراج ....
والحمد لله كلكم علماء، ... حكماء، ... فقهاء، ... فقد علمتم تعليم الله، وقد وعت قلوبكم في حضرة: " أو أدنى "، كل ما استودعه الله لكم، في عالم الطهر والصفاء، وما نحن إلا بمذكِّرين في دار الفناء!!، ... بما حدث لكم أجمعين، حيث كنتم في عالم الصفاء!!، ... وفي ذلك يقول الله عز شأنه لحبيبه المصطفى الأعظم صـــلوات الله وســـلاماته عليه:
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴾
(21الغاشية).
ولم يقل له: " فعلِّم "، بل قال: ﴿ ذَكِّرْ ﴾ ، أي ذكِّرهم - بما عرفوه!!، وشاهـدوه!!، وعلموه!!، ونالوه في حضرة الصفاء!!..
وكلنا بحمد الله كنَّا فيها، من ينكر " قاب قوسين أو أدنى " ؟!!.
ألم يعلم علم اليقين ، بما ورد في كتاب ربِّ العالمين!! ... بأننا جميعاً كنا قبل القبل في " قاب قوسين أو أدنى " ؟!!.
من ألست لم ننسى ما قد شهدنا
من جمال الجميل إذ خاطبنا
كيف أنســــــاك يا جميل وأنت
نور قلبي بل سرّ سرّ المعنى
كلُّنا كنَّا في هذا المقام:
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ﴾
ولم نقل: (سمعنا)!!
﴿ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾
(172الأعراف).
قالوا للإمام علي رضِيَ الله عنه وكرّم الله وجهه: أتذكر يوم الميثاق؟، قال:
{{ نعم، وأعلم من كان فيه عن يميني ومن كان فيه عن شمالي }}
وقال سيدي سهل التسترى رضِيَ الله عنه:
{{ إني لأعرف أولادي – ويقصد أولاده في التربيَّة الروحانيَّة – من يوم ألست بربكم، وأربِّيهم وهم في أصلاب آبائهم منذ ذلك اليوم }}.
فمن الناس من ينسى - بحكم شغل الدنيا الدنيَّة، والأهواء، والمشاكل، والجفـاء - ذاك الصفاء؟!!!، ... ومنهم - وهم السادة المتَّقون الأقوياء - يظلوا على عهدهم في هذا النقاء والصفاء!، وهم في وسط عالم الجفاء!!. وكان رجل منهم: ... ذِكْرُهُ بلسانه أينما تحرَّك أو سار ... " بلى، ... بلى، ... بلى"؛ ... فيقولون له: ما بلى؟، فقال:
{{ ألا تسمعون النداء!، إني أردُّ على النداء! }}
يعني عايش عيشة متصلة بهذا الصفاء، ولا زال وهو في عالم الجفاء!!؛ يشاهد بقلبه أنوار الحضرة!!، ويسمع بسرِّه كلام القدرة!!:
﴿ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ﴾
. فهو يردِّد: ... بلى .. بلى، وهو مشاهد ما يجد في قلبه.
فالذي ينكر " قاب قوسين أو أدنى"، ونحن جميعاً كنَّا فيه!!، المنكر: من كان أعمى في هذا اليوم!، ولم يشاهد جمال الله!، وإنما نطق بقهرمان وجبروت الله!.
وفي هذا اليوم قوم عاينوا ... وشاهدوا ، وعندما عاينوا وشاهدوا ... وسمعوا؛ أجابوا بما رأوا ، فقالوا : ... بلى شهدنا جمالك، وشهدنا بهاءك، وشهدنا كمالك، وشهدنا عظيم عظمتك، وشهدنا بديع حكمتك، وشهدنا أنوار طلعتك!!!. ... فشهدوا جمال الله، ونطقوا بالجمال الذي فيهم من الله، مجيبين لحضرة الله عزَّ وجلَّ.
وقوم أعماهم الله عن الجمال، وسلب الله عنهم أنوار البصيرة، فلم يطلّعوا على ما في حضرته من كمال!، ولكن أرهبهم عظيم الجلال!!، وأصعقهــم قدرة الربوبية، وعظمة الحضرة العلية؛ فنطقوا بما قال الله!!، لكنهم لم يشهدوا!!، لأنهم ليسوا أهلاً لذلك!!، الذي خصّ به الله عباده المؤمنين، وهؤلاء في الدنيا: هم المنكرون على الأنبياء والمرسلين، والعلماء العاملين والعارفين، وأهل الوصل أجمعين!!، سرّ قوله عزَّ شأنه:
﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
(72الإسراء)
والآية يفهمها بعضنا على أنها عن الآخرة - بعد البعث والنشور - لكن هناك معنى آخر؛ وهو من كان في هذه الدار: (دار الصفاء الأول ألست) أعمى!؛ فهو في هذه الدار الدنيا - مع بعثة الأنبياء، ومع نزول كتب السماء، ومع ظهور أنوار القدرة حتى للمخلوقات الصماء، إلا أنه لا يزيد إلا جفاءً وبُعداً عن حضرة الله، وهؤلاء ... هم الذين يضرب بهم الله المثل، ويقول عنهم في كتابه عزَّ وجلَّ:
﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾
(21 الحشر)
والعجيب أن هؤلاء لا يحسُّون بما تشعر به وتحسُّ به هذه الحجارة الجلاميد الصماء!!، وقلوبهم كما قال الله: هي أشد قسوة من الحجارة!!، فهم المنكرون.
لكن أهل الصفاء الموعودون رأوا!!، ووعوا!!، وعلموا!!، وشاهدوا!!، وعاينوا!!، كل ذلك في حضرة الأزل القديم!!!، وفيها يقول سيدي إبراهيم الدسوقي رضِيَ الله عنه فينا أجمعين، وفي أهل الصفاء من الأولين والآخرين:
على الدرة البيضاء كان اجتماعنا
وفي قاب قوسين اجتماع الأحبة
وكان الاجتماع في حضرة الصفاء الأول!، مع الله عزَّ وجلَّ، وجميع النبيين والمرسلين، والسابقين - من قدر الله الأول الذي كتبه القلم في ديوان الصالحين، إلى أن ينتهي مداد قلم القدرة!، ويكتب آخر رجل سيظهر في هذا الديوان في عالم الدنيا من العارفين - أي كل الذي مسجَّلٌ في الديوان! ... موجود في هذا الآوان!! ... الذي لا يعلمه إلا حضرة الرحمن عزَّ وجلَّ.
حُجَجُ اللهِ عَلَى خَلْقِه
فيا إخواني!! ....
نحن خاصة عباد الله، وكمل أحباب الله، ما أوجدنا الله في هذا الكون لننشغل بأحد سواه، ووعدنا إذا وفينا بما عاهدنا الله عليه في يوم ميثاق: أن يجعل كل شيء تحتاجه نفوسنا! ، ميسَّراً لنا في الدنيا!، ويوم لقاء الله، ولذلك عندما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ (34الزمر)
قال شيخنا رضِيَ الله عنه (الإمام محمد ماضى أبو العزائم) عندما سمع هذه الآية:
{{ وهل لهم مشيئة غيره !!، وهل يطلبون غير النظر إلى جمال وجهه!!}}
ولذلك أعطاهم الله عزَّ وجلَّ المشيئة، فخلق الله أناساً للجفاء، وخلق الله خلقاً وعجنهم بعجينة الصفاء، وهم أنتم والحمد لله، وقال فيهم سيد الأنبياء صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح:
( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأْهُ ضَلَّ، فَلِذلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ).
فنحن والحمد لله ، معجونون بخميرة الصفاء، التي هي نور سيد الأنبياء صلَّى الله عليه وسلَّم، وأوجدنا الله عزَّ وجلَّ في عالم الأكوان، وفرَّقنا في الأزمان، ليقيم الحجة بنا على أهل كل عصر وزمان!، أن هؤلاء رجال لم تلههم زينة الدنيا ولا زخرفها عن الجمال الباقي، ولم يلتفتوا نفساً - مع شدة البلاء - عن حضرة الخلاق، ويضرب بنا المثل!!، وقال في أهل هذا المقام:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
(28الكهف).
يقول لنا اجعلوا أنفسكم دائماً مع هؤلاء القوم، فيقيم بنا الحجة التي نسير بها على المحجَّة، ولم نغير النهج الذي عاهدنا عليه الله في يوم الحُجَّة.
ولذلك لما يجمعنا يوم الدين، ويجمع الأولين والآخرين، كل واحد يطلع له وسام، ويظهر للخلق نوره، وتضيء وجوههم من حبوره وسروره، ويقول الله فيه لخلقه أمام الجميع:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾
(23الأحزاب)
الْفُقَـــرَاءُ إِلَى الله
ما الذى يعكِّــــرُ هذا الصفاء؟!!.
وما الذي يرجِــــعُ العبد إلى النقاء؟!! ... سبحان الله!!.
فالذي يعكِّر هذا الصفاء: .... الدنيا ، وزينتها ، وزخارفها ، وبهجتها، ولذلك كانوا يقولون:
{{ إذا رأيت الفقر مقبلاً؛ فقل: مرحباً بشعار الصالحين!! }}
والفقر ليس معناه فقر الجيوب!، وإنما فقر الأسرار!!، والتجائها في كل نفس إلى حضرة علام الغيوب!!، فالفقير الصادق:
هو الذي يحسُّ - مهما أوتي، ومهما خلع عليه المولى من هبات، ومهما أعطاه من عطاء! - أنه فقير إلى ربه!، يحتاج إلى تأييده، وإلى إمداده، وإلى جوده، وإلى جميل ودِّه، وإلى لطيف نظراته، ... في كل طرفة عين!!.
لكن الذي يحسُّ أنه استغنى بالدنيا عن حضرة الله؛ فهذا ممن يقول يوم القيامة:
﴿ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ﴾ (56الزمر).
وأهل هذا المقام ....
مهما خلع عليهم الله من خلع - ظاهرة أو باطنة - عن حضرته لا يبرحون، وبسرِّهم يعلنون أنهم في كل أنفاسهم إليه محتاجون ومفتقرون، حتى أن سيدنا أيوب عليه السلام، عندما أغناه الله ورزقه بأصناف الأنعام - من الأبقار والأغنام، والخيول والإبل، والأموال والزروع، والحدائق والثمار والأولاد - .... فكان يغتسل ذات مرة، ....
فأنزل الله عزَّ وجلَّ مطراً فيه جرادٌ من ذهب، فسارع إلى جمع هذا الجراد في ثيابه( )، والأنبياء إذا اغتسلوا لا يتعرُّون، وإنما يغتسلون من فوق الثياب( )، وأخذ سيِّدنا أيوب يجمع الجراد النازل من ذهب، في حجره!!، فقال الله عزَّ وجلَّ: ( يا أيوب ألم نغنك عن هذا؟!، قال: نعم يا رب!، ولكن لا غنى لي عن بركاتك) .
وهذه إشارة إلى أنه:
لا ينبغي لأحد!!، أن يظن أنه استغنى عن مجالس الصالحين، أو علوم المتقين، أو أحوال المقربين ... مهما علا شأنه!، ومهما ارتفع أمره!، حتى ولو كان قطب الأقطاب!!، فهو في حاجة إلى أقل مريد من الأحباب، ليرقى بتقريبه إلى حضرة العلي الوهاب عزَّ وجلَّ.
فالشيخ من غير مريدين ... ماذا يفعل؟!! ... فهم الفقراء إلى الله عزَّ وجلَّ .
مع أن الله أغناهم بفضله عمَّا سواه، حتى لا نحسب - كما يحسب أهل الجهالة - أن الفقر هو الفقر الحسِّيُّ!، وينسبون إلى الصُّوفيَّة، الذي تتساقط قطرات ريقه على صدره!، والذين يمشون حفاة وعراة!، ويزعمون أنهم تركوا الدنيا!، وأنهم زهَّاد!، ويقولون عنهم أنهم أهل صفاء!، وأنهم هم الصُّوفيَّة!!!!.
بينما الصُّوفيَّة الصافية: بأسرارهم النيِّرة في قلوبهم، الفقراء إلى الله عزَّ وجلَّ بأسرارهم، وأنفاسهم، في كل أحوالهم لحضرته عزَّ وجلَّ. وقد كان يقول في ذلك الإمام الجنيد رضِيَ الله عنه:
{{ لو سار مريد إلى الله ألف سَنَةٍ، ثم التفت عن الله عزَّ وجلَّ سِنَةً؛ لكان ما فاته في تلك السِنَةِ أفضل وأعظم مما حصَّله في الألف سَنَةٍ }}
لأنه طالب المزيد، ولذلك يقول الله عن الجنِّة وأهل الجنِّة هنا وهناك:
﴿ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ (35ق).
واعقل الخطاب!! لم يقل (وفيها مزيد)!، ولو قال ذلك لكان المزيد من متعها، وزخارفها، ونعيمها!!،
ولكن: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾، إذن المزيد من أنوار، وأسرار، وتجليات، وملاطفات، ومؤانسات الحميد المجيد عزَّ وجلَّ. ﴿ لَدَيْنَا ﴾، فمتع الجنة يشبه يعضها بعضاً، لكن المزيد في: ﴿ لَدَيْنَا ﴾؛ نحن!!، وليس المزيد من الأكل والشرب، أو اللبس أو متع الحياة، وإن كانت متعاً باقية؛ إلا أنها ليست المتع الراقية، أو المتع السامية، لكن المتع الراقية من حضرة الرقيب عزَّ وجلَّ.
سِـرُّ ابْتِلاءِ الْمُجْتَبِـين
الإسراء والمعراج ليس دليل قرب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من حضرة الله!!!
فإنه صلَّى الله عليه وسلَّم قريب قرب القرابة منذ أن اصطفاه، وحباه وأدناه، ورقَّاه وجعله رسولاً بالنيابة عن حضرته للبشر أجمعين. اسمع إليه سبحانه وهو يقول:
﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ ﴾
(49- 50الحجر).
وهو يقول له مباشرة!!، خطاباً من الله ... إلى حبيب الله ومصطفاه، إياك أن تظن أن الخطاب المباشر في "قاب قوسين أو أدنى"!!، في زمان أو مكان!!، لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان منذ أن اجتباه الله، واختاره لرسالته فى: "قاب قوسين أو أدنى"، ولم يتحول أو يتغيَّر عن هذا المقام طرفة عين أو أقل.
ولذلك كان عندما تنزل به الأحداث العظام، كل الذين يحيطون به يتغيروا ، ولكنه هو لا يتغير!!، وكان يقول:
( إنّي رَسُولُ الله ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي أبَدا ) ( )
وإنما كانت هذه الرحلة ذكرى وعبرة لأولي الألباب!!، وقال الله عنهـا وعن قصص الأنبياء جميعاً في الكتاب:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾
(111يوسف).
وجعل الحادثة!!، وجعلها الله بعد متاعب ظاهرة، ... سمعناها من رواة السيرة رضي الله عزَّ وجلَّ عنهم، لماذا؟!!!، سيدنا داوود عليه السلام يقول:
( يا ربِّ كيْفَ تُصَفِّي قُلُوبَ أحْبَابِكَ؟، قَالَ: بِالْهُمُومِ وَالْغُمُومِ تُصَفَّىَ القُلُوبُ يا دَاوود ).
متى يجمع الإنسان كله مع الله ؟ ....
في حالة الشدة، وفي حالة الكَبَد، وفي حالة الهمَّ - وخاصة إذا لم يعد له فرج ولا تفريج إلا في حضرة الله، أما الإنسان الذي له عشم، أو عنده أمل في أحد من خلق الله، ... فقد تتخلى عنه عناية الله!، ولو كان هذا الركون قليلاً!!، ... ولذلك فإن الله عزَّ وجلَّ قال لحبيبه ومصطفاه: إياك أن تركن لهم!!، ولو ركنت لهم شيئاً قليلاً:
﴿ إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ﴾ (75الإسراء).
يعني ضعف الأحياء!!، وضعف الأموات كلهم!!، وربُّنا قال لنا:
﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ (113هود)،
ظلموا أنفسهم، ... فتمسَّكم نار القطيعة، ونار الصدِّ، ونار الهجران، ونار الغفلة، ونار البعد عن حضرة الله عزَّ وجلَّ.
فجعل الله عزَّ وجلَّ الصفاء والنقاء بعد الهموم!!، وجعل ذلك بعد غسل القلب
بماء زمزم!!، ليرشدنا ويعرفنا عزَّ وجلَّ ... أن الله عندما يبتلي أحبابه بهموم، أو بغموم، أو بمتاعب أو بمشاق؛ إنما يؤذنهم بذلك أنه يريد أن يسعدهم بحضرته، أو يخلصهم من عالم الشقاء، ويردهم إلى حال الصفاء والنقاء، ولا يكون ذلك إلا إذا اتجه القلب إلى الله عزَّ وجلَّ بالكليَّة.
ورسولكم الأعظم صلوات الله وسلامه عليه - في كل حركاته وسكناته - أسوة حسنة، وقدوة طيبة:
﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (21الأحزاب).
فلما وجد أنهم لم يستجيبوا له، ... لم ييأس، وإنما تحول إلى غيرهم، لأنه على يقين أن الله سيظهر أمره، وعندما ذهب إلى غيرهم ماشياً على قدميه ليبلغ دعوة الله:
كان يعلمنا جميعاً ألا نيأس من دعوة عباد الله، وأخذهم إلى طريق الله، ويتحمل المشاق ليرضي حضرة الله، لأن الله أوجدنا جميعاً في الكون دعاة لحضرته، وأمرنا جميعاً بالنيابة عن حضرة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم بتبليغ رسالته!!، وكلكم ذاك الفرد!!.
ندعو إلى الله بحالنا، ... وأعمالنا، ... وخصالنا، ... قبل أفواهنا، ... وقبل خطبنا وكتبنا، ونصبر لأمر الله!، ونحن على تمام اليقين أن دعوة الله عزَّ وجلَّ لابد أن تبلغ المراد، لكن .... مراد الله في العباد، لا مرادك أنت في العباد:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ﴾
(56القصص).
أنت تدعو!!!، لكن ليس لك شأن بتحديد المستجيبين من العباد!!، فالذي يريده الله!!، هو الذي يكلله على يديك بتاج الهداية بمشيئة الله، وإذا واجهتك في الدار ملمات!!، وشدائد!!، ومحن قاسيات!! فأعلم علم اليقين أن ذلك يرفعك الله به درجات بعد درجات.
كيف يرتفع شأنك؟!!
تريد أن ترى حسـنى وترقى
بلا حرب شديد لا يكون
فمن رام الوصول إلى جنابي
أصفيـــه وفي هذا فتون
تمسك إن أردت القرب مني
بسنة أحمد فهو الأمـــين
مَرَاحِلُ الدَّعَوَةِ إِلَى الله
ودعوة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، كيف بلغت مرادها؟!! ...
بثلاث مراحل - احفظوها ... وعوها!!، لأنها تمثل كل المراحل التي مرَّ بها كمل العارفين والصادقين، السابقين واللاحقين، عندما أمره الله بتبليغ رسالته، وطالبه بأن يبلغ المؤمنين للعمل بشريعته:
- عرضت عليه الدنيا، فعرضوا عليه المال، والملك، وكل ما تشتهيه الأنفس وتطلبه الأعين؛ فأباه!، وتمسك بأنه لا يريد إلا رضا مولاه عزَّ وجلَّ.
- فكان بعد ذلك الشدائد ... سنين عدة، ما بين حصار بين جبال، ومنع للطعام والشراب والتجارة، حتى كاد من حوله يتزلزلون!!، أما هو صلوات الله وسلامه عليه فلم يتزلزل في مقام قربه من مولاه طرفة عين ولا أقل، ... ومع ذلك صبر لأمر الله، ولم ييأس، ولم يتغير، ولم يتبدل، ولم يُبدَل صلوات الله وسلامه عليه.
- فكان بعد ذلك نوال الصفاء الكلِّي، والقرب الشهودي، ... وبعد ذلك كان الفتح الكلي لهجرته صلوات الله وسلامه عليه بالمدينة المنورة.
وهذه هي أحوال العارفين، وكمل الصالحين الصادقين، في بداية أحوالهم التي يكرمهم الله عزَّ وجلَّ فيها بالفتح الرباني، والكشف النوراني، والرؤيا الصادقة، والأحوال الخارقة، فتجمع عليه الخلق!؛ منهم من يعظمهم!، ومنهم من يبذل لهم من الأموال!، ومن زينة الدنيا!، ومنهم من يسعى في خدمتهم! - فإذا التفت إليهم طرفة عين ... سقط من عين الله عزَّ وجلَّ - فيرى ذلك فتناً يعرضها عليه الله!!؛ فيتمسك بأنه لا يريد إلا رضاه وحبه وهواه عزَّ وجلَّ .
فينقلب عليه أهل الأغراض، ويقبل عليه أهل النفاق والشقاق، ويعلنون عليه حرباً شعواء!! ... وكل الصالحين على ذلك:
فمنهم من اتهموه بالردَّة، ومنهم من اتهموه بالكفر، ومنهم .. ومنهم، وفتِّش في أحوال الصالحين أجمعين تجد ذلك، فسيدي أبي الحسن الشاذلي اتهمه قاضي القضاة في تونس بأنه يريد المُلك، وقلب عليه المَلِك، فأعزه الله بعد قهر!!، وسيدي أحمد البدوي اتهمه أهل الشقاق والنفاق في عصره أنه يريد الملك، وصاحب دعوة شيعية باطنية، ونصره الله وأعزَّه، وسيدي إبراهيم الدسوقي أيضاً نصره الله بعد شدة، وسيدي الإمام أبي العزائم رضِيَ الله عنه كذلك. ويطول الكلام في وصف أحوال الرجال في هذا المجال، فإذا توالت الشدّات، ... خلَّصت القلب من جميع الغفلات، والجهالات، والشهوات الظاهرات والخفيات، حتى يصير قلباً تقيَّاً نقيَّاً، ليس فيه إلا مولاه!، فيكون على أثر حبيب الله ومصطفاه، عندما قال فيه سيدنا علي الدقاق رضِيَ الله عنه:
{{ نظر الحق إلى قلوب خلقه ، فما وجد قلباً أشوق إليه من قلب حبيبه محمد صلَّى الله عليه وسلَّم فقربه إليه }}
﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ (32الفرقان).
كل هذا لكي يثبِّت به الفؤاد، وهذا مقام القرب من ربِّ العباد عزَّ وجلَّ، لتثبيته على حالة واحدة، وهي حالة القرب من الله عزَّ وجلَّ.
فإذا صدق حال الرجل الصالح قلبه على حضرة مولاه:
أغناه الله بنوره وتجليِّه وفيضه عما سواه، وأظهر به عنه داعياً إلى الحق بإذنه، وجعله رائداً على السراج المنير في عصره، بشيراً ونذيراً إلى الخلق في زمانه، ويكون على قدم الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه؛ فيرى بعين قلبه أشياء يحتاج إليها المتعلقون به من المحبين والسالكين، فيكشف لهم منازلهم، ويكاشفهم بأحوالهم، ويبين لهم المناهج الخفيَّة التي يسيرون عليها إلى حضرة الله عزَّ وجلَّ.
فإن الله عزَّ وجلَّ جعل الشريعة دليلاً لكل المسلمين للوصول إلى الجنة، وجعل منها مناهج خفيَّة للوصول إلى حضرته، وللاتصال بكمال عظمته؛ يقول فيها الله سبحانه عزَّ شأنه فى محكم التنزيل:
﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ (48المائدة).
ففيه منهاجه من الحضرة الآدمية، وفيه منهاجه من الحضرة العيسوية، وفيه منهاجه من الحضرة اليوسفية، وفيه منهاجه من الحضرة الهارونية، وفيه منهاجه من الحضرة الموسوية، وفيه منهاجه من الحضرة الإبراهيمية .
وفيه منهاجه من حضرات الألطاف الخفيَّة.
وفيه منهاجه من الحضرة المقدسة الصمدية.
من الذي يبين هذه المناهج!، ويكشفها للسالكين والمريدين؟
الرجل الذي اختاره الله إماماً - في عصره ووقته - للعارفين والسالكين والصـالحين، وأخذه على درب سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه .
ولذلك كان الإسراء والمعراج امتحاناً لقلوب المؤمنين؛ فأهل الصدِّ والوسواس، أصابهم الصدود والبعد، ... وأهل اليقين صدقوا ما رأوه بقلوبهم، عندما أخبرهم به حبيبهم صلوات ربي وسلامه عليه.
لماذا صدَّق سيدنا أبو بكر، وكلما أخبروه بشيء قال: صدق؟!!
لأنه صلوات الله وسلامه عليه قال فى معنى حديث الشريف( ):
( عِنْدَما كُنْتُ فِي الحَضْرَةِ أخَذَنِي شَيءٌ مِنَ الوَحْشَةِ ، فَسَمِعْتُ خَلْفِي صَوْتَ أبِى بَكْرٍ فَأتَنَسْتُ بِهِ، وَزَالَتْ عَنْي هَذِهِ الْوَحْشَة، وَقٍلْتُ: السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالحِين )
أي الذين يصلون لهذا المقام العظيم في القرب من حضرة القريب عزَّ وجلَّ.
مِنْ أَسْـرَارِ الإِسْـرَاء
إذن يا إخواني فالسرُّ في إسراء سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - كما قال الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه وأرضاه في شأن المعراج:
وحكمة إسراء الحبيب إغاثة
لعالمه الأعلى ورحمة حنان
ليس عالمه الأعلى الذي هو في السماء، ولكنه كل الذي نال المنازل العليَّة من بدء البدء إلى نهاية النهايات، لأنهم سكان العالم الأعلى:
وما كان رب العرش فوق سماءه
تنزه عن كيف وعن برهان
ولكن لإظهــار الجمــــــال لأهله
من العالم الأعلى ونيل أمان
فكان الإسراء ليقرِّب المقرَّبين!!، ... ويشرح المنازل للطالبين!!،
ولذلك كان سرُّ جمع الأنبياء والمرسلين له في بيت المقدس، ......
بعد أن قدَّسوا ذات الحق في قلوبهم عن النظير والوزير، والشريك والمعين، والضدِّ والندِّ، واستوت حضرة الأحدية في قلوبهم، .... اجتمع بهم الحبيب صلوات الله وسلامه عليه في بيت المقدس لأنهم جميعاً صلوات الله وسلامه عليهم ... لن يكمل مقامهم إلا بعد الاجتماع بحضرته!!، ولن ينالوا كل ما لهم عند الله إلا بأمر من سعادته!!، وبإشارة وإكرام من حضرته!!. فهو الرحيم ... الذي قال له الحميد المجيد:
﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
(39 ص)
عطاء من قبل القبل، إلى بعد البعد، ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾... لمن قبلك، ولمن بعدك، ولمن في عصرك وأوانك. ولم يقل "هذا خيرنا"، ولكن ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ ؛ لأن العطاء يخص بعطاء القلوب والأرواح، أما الخير فهو للنفوس والأشباح، والخير يتنزل به الله في كل زمان ومكان للأشباح وللنفوس!!، لكن العطاء كلُّه مع صفيِّ حضرة الله، وصفيِّ العندية، ومطلوب المعيَّة، والذي أوتي خالص العطاء من حضرة اللدنيَّة:
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾
(87الحجر)
أي خاص بك!!، ... ثم أعطاه له، ولجميع عباد الله السابقين واللاحقين!!
نعم أفرده بالإيتاء!!، وخصه بالعطاء!!، وجعل كل الأصفياء وأهل الإجتباء من النبيين والمرسلين والصالحين والصديقين والشهداء كلهم!!، يتناولون منه العطاء الذي خصَّه الله له بالفضل والهناء سبحانه عزَّ وجلَّ:
﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (39 ص).
فلا حساب عليك!، لأنك عظيم الأدب مع حضرة هذا الجناب، فلا يخطئ في تقدير العطاء لأحد، لأن مراده هو مراد الله، فلا يعطي لهواه، ولا يتفضل على أحد إلا إذا كان هذا الفضل قد برز له من تقدير حضرة الله عزَّ وجلَّ.
حدث هذا من قبل القبل، ومن قبل الخلق، ومن قبل رحلة الإسراء والمعراج، كل هذا لنا ولأبنائنا، وعطاء الله قد خصَّ به قبل الأزل، وهو في حضرة الفردانية، التي أشارت إليها الآية القرآنية، ... بقوله عزَّ شأنه:
﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾
(81 الزخرف).
قال عليه أفضل الصلاة و أتم التسليمات:
( إِنِّي عِنْدَ الله لَخَاتَمُ النَّبيينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ ) ( )
أي لم يعطَ النبوة، ولا ذاق طعم هذه الفتوة، وإنما الذي كلَّمهم، وأعلى شأنهم، ورقىَّ أحوالهم: سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم!!، ولذلك عندما اكتملت أحوالهم في ساحة بيت المقدس، أذن الله لهم بعد أن كساهم بالحلل المحمدية، والأنوار الأحمـدية، أن ينزلوا في منازلهم القرآنية، ليتمتعوا بالخصوصية من الحضرة المحمدية، عندما كانت توزع العطاءات الإلهية على الحضرات العليَّة، وكل رجل وقف في مقام، وتمنى بما شاء الله لهم من خالص إنعامه على المرسلين رحمة للعالمين، والذي عرفنا به الله عزَّ وجلَّ، ... لأنه عنده طمع شديد في مقام التطلع!!، فقال:
﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾
(143الأعراف).
الإشارة فيه إلى جبل التجلِّيات، وفيض المنازلات:
وهو قلب الصالحين الذي ثَبُتَ نظره على حضرة ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، إذا استقر على حالة واحدة في القرب والحبِّ والودِّ لحضرة الله!!، يكشف الله له عن جمال طلعته، ويمتعه بالنظر إلى جماله وبهائه، ... لأن القلب دائماً يتقلَّب!!، فلما ألحَّ في الطلب!، قال الله له: إن ذلك الطلب لن يتحقق، ... إلا إذا اجتمعت بالحضرة المحمَّديَّة!!، ولما زاد في الإلحاح وقال: متى يكون ذلك؟، طمأنه وقال:
﴿ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ﴾
(23السجدة).
إياك أن تشكَّ أنك تراه!!، فلا تشكَّ في هذا الأمر، فبعد أن رآه وتمتَّع بجمال محيَّاه، وأخذ منه شراب التَّثبيت الذي به يستطيع أن يتمتع بالنظر إلى جمال وجه الله، فكاشفه الله عزَّ وجلَّ بجميل محيَّاه، وقد ردَّد حبيب الله ومصطفاه!!!، ليستزيد من هذه الأنوار!!، وليتمتع بهذا الفضل والعطاء!!.
فكان كما قال الرجل الصالح :
وإنما السرُّ في موسى يردِّدهُ
ليجتلي حسن مولاه حين يشهدهُ
يتمتع بالنظر إلى وجه الله في هذا المقام العظيم، فتجمَّع الأنبياء لكي يكتملوا!!، لأنه لا كمال لهم إلا بمواجهة حضرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
وهذا ما قاله الله، ... وواثقهم وعاهدهم عليه:
﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾
(81 آل عمران).
فترآءى لأرواحهم، فكملت معرفتهم بربِّهم عزَّ وجلَّ بعد رؤية حبيب الله ومصطفاه!!!. وهكذا، أعلى درجات الإيمان، وأكمل درجات الإحسان، لا تكون إلا مع النبي العدنان صلَّى الله عليه وسلَّم.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يمتعنا جميعاً بجمال محيّاه، وأن يجعلنا من أهل البشرى بكمال الإيمان من حضرة رسول الله، وأن يفيض علينا من خالص جوده، وكمال عطائه ورياه، وأن يصرف لنا من كوثره المشهود كأساً ممدوداً، نشرب منه العلوم الوهبية، والأسرار القرآنية، وجمال سره من الحضرة الربانية. وأن ينكشف عن نفوسنا كل غطاء، وأن يمحى عن قلوبنا كلَّ رين، وكلَّ غـين، حتى تقع منا العين على العين، ونرى حضرة الله عزَّ وجلَّ ، في أفق جماله، وكماله، بلا رين، ولا غين، وصلى الله على سر كمالات حضرة الله عزَّ وجلَّ.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فهرس الكتاب

محتويات الكتاب الصفحة
مقـدمة الطبعة الثانية 5
مقدمـــة الطبعة الأولى 6
الباب الأول 9
لَطَـائِفُ الْمُـــرَادِينَ فِيْ إِسْرَاءِ النَّـبِيِّ الأَمِيِنِ 11
• الإعْـدَادُ للإسْـرَاء 11
• عِبْرَةُ الإسْرَاءِ للْحُكَمَاء 12
• يَقَـظَـةُ أَهْـلِ الْعِنَـايَة 13
• بُـــرَاقُ الأحِــبَّــة 15
• إشْرَاقَـــاتُ عَـالَمِ الْمَعَانِي 15
• نُـــــــورُ الْبَصَـــائِرِ 18
• عُــــــــــرُوجُ الأرْوَاحِ 21
• الْمُكَــــــالَـمَةُ وَ الْخُـــلَّة 25
• مِعْـرَاجُ أبِي يَزِيـدٍ الْبِسْــــــطَامِى 26
الباب الثاني 29
مُعْــجِزَةُ الإِسْــــــــــــرَاء 31
• عَجَائِبُ الإِسْــرَاء 33
• سِرُّ تَعَدُّدِ رِوَايَاتِ الإِسْرَاء 33
• حِكْمِـةُ الْمِعْــــرَاج 35
• عَرْضُ الإِسْرَاء عَلَىَ أَهْلِ مَكَّةَ 35
• بَيَـــانُ الْمِعْـرَاجِ للْمُؤْمِنِين 36
• الإِسْــــرَاءُ وَالعَصْرُ الْحَدِيث 37
• الرَّبْـطُ بَيْنَ الدِّيـنِ وَحَقَـائِقِ الْعِلْم 38
• ضَوَابِطُ الْرَّبْـطِ بَيْنَ الْدِّيــنِ وَالْعِلْـم 40
• تَنْقِيَّــةُ الْقَصَصِ الْدِّيِنِي مَنْ الْخُــرَافَات 43
• إِعْجَــــــازُ الْقُـــرْآنِ الْعِلْــمِى 44
الباب الثالث 49
إِسْـــرَاءَاتُ الْصَّـــــــــــالِحِين 51
• نَصَيبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الإِسْرَاء 51
• مَقَــــامُ الْعُبُــودِيَّــة 52
• كُنُوزُ الأَسْمَــاءِ وَالصِّفَاتِ الْرَّبَانِيَّة 53
• الْكِتَــــــــــابُ الْجَــامِع 54
• سِـرُّ الْحَيَـاةِ الْحَقَّة 55
• أَنْبَـــــاءُ الْغَيْبِ 57
• الْجَمَالُ الْبَـــــاهِي 57
• مَنَازِلُ الإِسْــــــرَاءِ 58
• فِي عَالَمِ الآَيَـــــــاتِ 58
• خُــــلْوَةُ الأَفْــــــرَاد 59
• خِطَـــــــابُ عَوَالِمِ الْحَقَائِقِ 60
• الإِسْـــــــرَاءُ إِلَى عَالَمِ الْبَرْزَخِ 62
• مَرْتَبَـــــــةُ الْصِّدَّيقِيَّـةِ الْكُـبْرَى 62
• الإِطِّـلاَعُ عَلَىَ أَحْـــــوَالِ أَهْـلِ الْبَرْزَخِ 64
• تَحْصِيلُ الْعُلُومِ الْبَرْزَخِيَّة 65
• تَأْوِيـــلُ الْرُؤْيَـــــا 66
• الْعُرُوجُ إِلى عَــوَالِمِ الْنُّـــور 69
• صَــاحِبُ الْمَشْــــــــهَدَيْنِ 71
الباب الرابع 73
مَعَـــــــــــارِجُ الْوَاصِــــلِينَ 75
• سَـرَائِرُ الإِسْــرَاء 75
• الدَّعْــوَةُ وَالدَّاعِـــي 77
• حِكْمَةُ الإِبْتِــــلاءَاتِ الإِلهِيَّة 79
• الْبَــــــــلاءُ وَالابْتِـــلاء 82
• الْعَبْدُ الرَّبَانِيّ 85
• طَهَــارَةُ الْفُؤَاد 86
• نَظَــرَاتُ الْـوِدَادِ 87
• عِلْــــمُ الإلهــام 89
• جَمَـــالُ الْبَــــاطِن 90
• وَابِــــــلُ الْفَضْــــلِ 93
الباب الخامس 95
مَقَامُ التَّــــــــدَانى فِى قَــابِ قَوْسَين 97
• كنُوزُ الإِسْـــرَاء 97
• بَيْنَ حَبِيبِ اللهِ وأنْبِيَاء الله 99
• الْمَقَـــــــام المَحْمُود 100
• مَنَـــــــــازلُ القُـرْب 102
• الْحَيَــاةُ الإيمَانِيَّـة 102
• مَقَامُ الْمُــــدَارَسَة 104
• الْمَحَــــاسِنُ الرُّوحِيَّـة 106
• مَقَــــامَاتُ الْمُحِبِّـــــين 106
• أُنْسُ الأفْرَادِ الْمُرَادين 107
• المُجَـــاهَدَةُ للمُشَاهَدَة 109
• سِـرُّ جَمْعِيَّــــة الأنْبِيَاء 110
• الْمَقَـــــــــامُ الأكمَـل 112
الباب السادس 115
أَسْـرَارُ الْفُتُوحَـــــــــاتِ الْوَهْبِيّــَة 117
• خُصُوصِيَّة الْمِعْرَاجِ 118
• دَلِيلُ الْصَّـــــدْق 119
• كَشْـــــفُ الْخَفَـــا 120
• تَسْـــــــبِيحُ الْكَائِنَــات 122
• مُكَاشَفَاتُ الْصَّادِقِين 123
• مَوَاهِبُ الْفَضْـــل 123
• دَلِيــــلُ الْعِنَايَــة 124
• جِـــــلاءُ الْقُـلُوب 126
• الْرِّيَاضَــــــةُ الْرُّوحِيَّة 128
• في رِحَابِ الْعَــــــارِفِين 130
• صِـــــــــدْقُ الإِرَادَة 131
• أَحْــــــوَالُ أَهْـلِ الْكَمَـال 132
• أَطْوَارُ الْمُجَـــاهَدَةِ وَأَلْوَانُ الْمُشَاهَدَة 134
• هِمَــــمُ الْعَـــــــــارِفِين 135
الباب السابع 137
مَنَـــــــــــازِلُ سَــــــــيْرِ الْرِّجَـــــــــــــال 139
• بَيْنَ الْعَارِفِ وَ الْعَابِد 139
• تَلْوِيِحَـاتُ الْعَـارِفِين 141
• تَصْحِيحُ الْوِجْـــهَة 143
• مَشْهَـدُ الْتَّوْحِيــــد 144
• الْمَحَاسِن الْرُّوحَــــانِيَّة 145
• طَهَــــارَةُ السِّـــــرِ 146
• صَفَـــــــــاءُ الْقَـلْب 147
• عِــــــــــــلاَجُ الْكِبْرِ 148
• الإِبْتِــــــلاَءُ للإِجْتِبَــــــاء 152
• نَـــــــــوَالُ الْوِصَــــــال 153
الباب الثامن 155
بَصَائِرُ فِي آيَاتِ الإِسْــــــرَاءِ وَالْمِعْــرَاج 157
• رُتْبَـةُ الْعَبْدِيَّــة 157
• صِفَــاتُ الْعَبْـــد 158
• حُلَّةُ الْعُبُودِيَّـة 160
• لَوَامِعُ الْمَعْرِفَــة 162
• مِعَرَاجُ الْوصُولِ إلى الله 164
• نَوَافِـــلُ أَهْـلِ الْفَتْح 166
• بَصِـيَرةٌ فِي النَّــــجْم 168
• بُــــــرَاقُ الشَّـــوْقِ 169
• كَمَــــالُ الأَدَبِ مَـــعَ الله 173
• أَهْـــــــلُ الْمَعِيَّــــــة 173
الباب التاسع 177
مِنْ مَعَـــــــــــانِي الإِسْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَاء 179
• أَسْرِارُ يَوْمِ الْمِيثَاق 180
• حُجَجُ اللهِ عَلَى خَلْقِه 184
• الْفُقَــــرَاءُ إِلَى الله 185
• سِــرُّ ابْتِلاءِ الْمُجْتَبِــين 188
• مَـــرَاحِلُ الدَّعَـوَةِ إِلَى الله 191
• مِنْ أَسْــــرَارِ الإِسْــــرَاء 194
الخاتمة 199
- ترجمة المؤلف: الأستاذ فـوزى محمد أبوزيد 200
- فهـــــــــرس المحتويـــــات 202

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي