Advanced search

الخطب الإلهامية الحج وعيد الأضحى

الخطب الإلهامية الحج وعيد الأضحى

الخطب الإلهامية الحج وعيد الأضحى

Read book
  • Series title

    الدين والحياة

  • Publish date

    12 - أكتوبر - 2009

  • Pages number

    138

  • Edition number

    الطبعة الثانية

  • Downloads

    556

  • Download code

    Not found
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

الخطب الإلهامية الحج وعيد الأضحى

مقدمة الطبعة الأولى

مقدمة الطبعة الثانية ( مقدمة المجلد الكامل)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، سيدنا محمد وآله وصحبه.
بعد أن قدمنا الطبعة الأولى من كتابنا " الخطب الإلهامية" ( المناسبات) فى ست كتب متتالية تشتمل على المناسبات الدينية طوال العام كما سيأتى تفصيله لاحقاً بهذه المقدمة؛ تهافت القراء على هذه الكتب وبخاصة المشتغلون بالدعوة والوعظ على مستوى الجمهورية، حتى نفدت الطبعة فى وقت قصير، وطالبنا الكثير من القراء ودور النشر بإعادة طباعتها.
فاستخرنا الله تعالى فى ذلك وآثرنا أن تطبع الأجزاء الستة فى مجلد واحد حتى تكون أيسر للقارىء، وأسهل للباحث والداعى فى الوصل إلى ما يريد، وقد ضبطنا فى هذه الطبعة الآيات برسم المصحف العثمانى، وشَكَّلْنَا الأحاديث النبوية الشريفة، كما حذفنا الأدعية فى الخطبة الثانية وتركناها لما تجود به قريحة الخطيب بحسب المناسبة وتوجه قلبه إلى الله، وارتأينا أن نطبع الكتاب طبعة ميسَّرة ليعم به النفع ويزيد به الفضل.
القارىء الكريم، كتابنا هذا الذى بين يديك مكون من تمهيد وستة أبواب، وقد تناولنا فى التمهيد أمرين أساسين يلزم معرفتهما جيداً، أولهما: هو "منهج الداعى الحكيم وأوصافه" وهى إضافة لم تكن بالطبعة الأولى، والأمر الثانى: هو أحكام الجمعة من يوم وخطبة وصلاة، وأما الأبواب فقد رتبناها وفق التسلسل الزمنى للمناسبات خلال العام فكانت كما يلى:
الباب الأول:"الهجرة ويوم عاشوراء": وقد تناولنا فيه أحداث الهجرة من مكة إلى المدينة بكل تفصيلاتها، وأفضنا في بيان الآيات القرآنية التي أشارت إليها بحسب ما فتح الله عزَّ وجلَّ، واستلهمنا منها العبر التي تنفع المؤمن في حياته - فرداً وجماعة - حيثما كان، وأخذنا من مجتمع المهاجرين والأنصار الأسس والقيم والمثل التي تصلح المجتمعات، وبيَّنا كيفية تحقيق ذلك في مجتمعاتنا المعاصرة، كما لم نغفل يوم عاشوراء وألمحنا إلى الكيفية الصحيحة للاحتفاء به.
ولا يفوتنا أن نذكر بأن أحداث الهجرة تمت في شهر ربيع الأول، فقد خرج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من مكة مهاجراً يوم الإثنين الأول من شهر ربيع الأول، ودخل المدينة المنورة يوم الإثنين التالي، فكانت فترة الهجرة أسبوعاً، أما السرُّ في جعلها في بداية العام الهجري فيرجع ذلك إلى عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَضِيَ الله عنه، حيث جاءته بعض رسائل من القاده والولاه مختومة بعبارة كُتب في رجب مثلاً؛ فقال رَضِيَ الله عنه: أيُّ رجب؟ هذا العام أم السابق؟، ثم جمع رضي الله عنهُ أصحابه واستشارهم فى إتخاذ تأريخ للمسلمين. وكان العرب يؤرخون من قبل بالأحداث العظيمة كحادثة الفيل، فاقترح البعض أن يؤرخ بميلاد النبي أو وفاته، واستحسن سيدنا عمر رَضِيَ الله عنه أن يبدأ التأريخ الإسلامى بهجرة النبي لأنها البداية الحقيقية للدولة الإسلامية، ولما كانت السنة الهجرية تبدأ بشهر المحرم جعله أول العام الهجري الأول وكان ذلك بداية التقويم الإسلامي العربي القمري والذي تنبني عليه الشهور العربية والأحكام الشرعية، ومن ثم جرى الإحتفال بذكرى الهجرة أول العام فى شهر المحرم، وإن كانت الهجرة ذاتها تمت فى شهر ربيع الأول.
أما الباب الثانى: ففى خطب المولد النبوى الشريف: فقد انتقينا من الخطب الكثيرة جداً التي سجَّلها الأحباب ثُّلة مباركة كنماذج لمعالجة مشاكل الأفراد والمجتمعات على ضوء هذه الذكرى العطرة، وآثرنا منها ما تحتوى على ما يُوحي به جلال المناسبة من توجيهات توقظ الأمة من غفلتها، وتثير عزائم نهضتها، وتجعلها تتجه لنبيِّها تستلهم منه الرُّشْد، وتستمد الهداية لما فيه خيرها وفلاحها في الدنيا ويوم لقاء الله.
والباب الثالث: يشتمل على مجموعة مباركة من الخطب التي فتح الله بها علينا في المناسبة الكريمة لذكرى الإسراء والمعراج، وقد سجلناها بحسب إلقائها وذكرنا الأماكن والمساجد التي ألقيناها بها، وقد بدأناها بخطبتين عن شهر رجب المبارك وفضله لأنه من الأشهر الحرم، ثم أتبعناها بعدد من الخطب ذات المعانى الجديدة فى تناول الموضوع المبارك والتى يشعر معها القارىء الكريم بحلاوة الذكرى المباركة، وبأنها معين لا ينضب من الإلهامات والأنوار والخيرات والبركات على الأمة بأسرها.
أما الباب الرابع: فقد خصصناه لشهر شعبان المبارك، فبيَّنا فيه خصائص الشهر، وما خصَّه بها الحبيب صلى الله عليه وسلَّم من التوجهات والعبادات والنوافل، وقسمنا الباب ثلاثة فصول: الأول للخطب، والثاني ذكرنا فيه فضائل ليلة النصف من شعبان وسردنا الأدلة اليقينية على الإحتفال بها، كما أوردنا بعض الأدلة فى ثبوت معجزة شق القمر لحاجة الخطباء والدعاة لذلك، وأما الفصل الثالث فقد أوضحنا فيه الكيفية الصحيحة لإحياء ليلة النصف، وإغتنام فضلها والتعرض لنفحاتها، وذلك من بيان وأحوال أئمة السلف الصالح والعلماء العاملين.
أما الباب الخامس: فكان لشهر رمضان وليلة القدر وعيد الفطر، وقد تناولنا فيه حكم الصيام الصحية والاجتماعية والشرعية والخلقية وغيرها، وتحدثنا فيه عن سنن الصيام وآدابه ومستحباته، وألمحنا إلى غزوة بدر والاعتكاف وليلة القدر، وذكرنا زكاة الفطر وحكمتها، ووضعنا نماذج لخطب عيد الفطر المبارك، وذلك كله بأسلوب سلس يلائم العصر.
والباب السادس والأخير: فهو عن الحجِّ وخطب عيد الأضحى، وقد ركزنا فيه على ثواب الحج ودرجات الحجاج ومنزلتهم عند الله، وفضائل البيت الحرام وآياته الظاهرة والباطنة، وألمحنا إلى قدر الرحمة الواسعة التي يُنزلها الله عزَّ وجلَّ على عباده في هذه الأماكن المباركة، والأزمنة الفاضلة، وخاصة في يوم عرفة، وذكرنا فيه قصة الخليل إبراهيم، والذبيح إسماعيل، واستخلصنا العبر وموطن القدوة التي يأخذها كل مسلم منها.
وذكرنا أيضاً فضائل الأعمال التي يجب أن يتحلى بها المؤمن في أيام عشر ذي الحجة، وفضل صيام يوم عرفة، وبيَّنا السنن التي ينبغي على المسلم مراعاتها في أيام التشريق، كالأضحية والتكبير وغيرها، وذلك بأسلوب سلس ممتع للعامة والخاصة.
وأحب أن أنوِّه فى ختام هذه المقدمة إلى أننا عرضنا في هذا الكتاب ما رأيناه أقرب إلى الصواب، وإن رأى البعض أننا ربما نستدل أحياناً ببعض الأحاديث الضعيفة سنداً؛ فذلك ما اتفق عليه أئمة الأصول في قاعدتهم المشهورة؛ من أنه يُعْمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وقد تأسَّينا في ذلك بقول إمامنا الشافعي رضي الله عنهُ: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد والهدى والرشاد، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وأن يجزى خير الجزاء كل من ساهم أو شارك فيه من البدء للختام حتى وصل للقارىء الكريم بهذه الصورة الطيبة، كما أسأله سبحانه أن يسامحنا فى كل قصور أو تقصير خالطه، وعذرنا فى ذلك كما قال الأولون: أن الله تعالى أبى أن يكون كتابٌ صحيحاً إلا كتابه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الجمعة 28 أغسطس 2009، الموافق 6 رمضان 1430 هـ

مقدمة الطبعة الثانية

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلَّمه البيان، وأهلَّه للعيان، وتوَّجه بتاج الخلافة عن الرحمن. والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على خير من بعثه الله لهداية خلقه، وحفظه ظاهراً وباطناً من أهواء النفس ومن شرار خلقه، سيدنا محمَّد فقيه الفقهاء، وحكيم الحكماء، وإمام الرسل والأنبياء، وآله البررة الأنقياء، وأصحابه الهداة الأتقياء، وكل من تبعهم على هذا الهدي المبارك إلى يوم العرض والجزاء، وعلينا معهم أجمعين، آمين يا ربَّ العالمين.
وبعد.
فقد خاطبني شيخي وقدوتي مولانا الشيخ محمد علي سلامة ذات مرة قائلاً في إحدى اللقاءات الطيبة مع حضرته: يا بني اكتب بعض الخطب الخاصة بالمناسبات الدينية في كتاب ويطبع لينتفع بها إخوانك، ولما كنت في هذا الوقت في حال محو تام مع حضرته، وأشعر دائماً بعجزي وقصوري في نفسي؛ فقد رأيت في ذلك الحين أن هذا مقام لا يصلح له مثلي، فاعتذرت عن ذلك باعتذار رقيق ونسيت ذلك الأمر، ولكن في السنوات الأخيرة ألحّ عليَّ كثير من الإخوان الصادقين الذين يتعرضون للدعوة ويعتلون المنابر في تنجيز ذلك.
وزاد هذا الأمر إلزاماً ما أنجزه بعض الأخوة والأخوات الأفاضل من تصنيف هذه الخطب ثم نسخها كتابة، بعد أن بذلوا الجهد الكبير في جمع الشرائط التي سجلها الإخوان في السياحات الروحانية في الموضوعات المتنوعة، وبقى لنا أن نراجعها ونخرجها ونطبعها. فاستخرنا الله تعالى في ذلك منذ عام أو يزيد وكان هذا هو أوان الإذن في ذلك من الله عزَّ شأنه، فما فيها من صواب فهو من الله عزَّ وجلَّ، فبه سبحانه وحده التوفيق، وعليه جلَّ شأنه مدد المعونة والتحقيق.
ولما كان كمّ الخطب كثيراً جداً، والواحدة تقع في صفحات كثيرة على غير المعتاد في الكتب المؤلّفة في هذا الفن، فكان يصعب علينا أن نجمع المناسبات المختلفة خلال العام في كتاب واحد لأنه سيكون كبير الحجم، فقد استخرنا الله تعالى أن نجعل لكل مناسبة دينية كالمولد النبوي، والإسراء والمعراج، والصوم وشهر رمضان، والحج، والهجرة النبوية وغيرها جزءاً خاصاً بها، ننتقي بعض الخطب مما سجله الإخوان في هذا الشأن ونراجعها، لتكون كنموذج يحتذيه الخطيب في معالجة مثل هذه الموضوعات، على أن تصدر هذه الأجزاء تباعاً.
ولما كان الهدى الذي احتذينا فيه حذو شيخنا الشيخ محمد علي سلامة رضي الله عنهُ في خطبنا، أن نأخذ آية مما يقرأه القارئ لكتاب الله تعالى قبل الصلاة، تناسب الوقت والحاضرين ونشرحها بما يفتح به الله عزَّ وجلَّ على قدر ما تتحمله وتستوعبه مدارك السامعين، دون إعداد سابق للخطبة، أو حتى تحديد لموضوعها، فقد سمينا هذا الكتاب (الخطب الإلهامية)، فهي كلها بحمد الله تعالى من كنز قوله سبحانه: ﴿ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ﴾ (65الكهف). وقد كان هدى شيخنا رضي الله عنهُ في خطبة الجمعة:
- أن يلقيها بلغة سهلة وواضحة لتصل مباشرة إلى أذهان الحاضرين، وكان يحرص رضي الله عنهُ ألا تكون الخطبة طويلة مملة أو قصيرة مخلّة؛ وكان من غرائب هذا أنّي كنت أتابعه رضي الله عنهُ في خطبة ممسكاً بساعتي فكان لا يزيد على 17 دقيقة إلا نادراً؛ ومع ذلك نخرج وقد استوعبنا الموضوع من جميع نواحيه، وكان يقول لنا دائماً في ذلك لأن نتركهم راغبين خيرٌ من أن يتركونا زاهدين!، المهم يا بني أن يقوم الناس من المسجد وقد عرفوا موضوعاً محدداً من أمور دينهم واستوعبوه ليعملوا به، وامتداداً لهذا النهج كان رضي الله عنهُ يتحرَّى دائماً أن تكون موضوعاته على المنبر أو في دروس المساجد فى موضوعاً واحداً، لا يخرج عنه الخطيب حتى لا يشتّت السامعين، وأن تكون من الموضوعات العامة التي يحتاجها كل مسلم، ويبتعد عن ذكر الأمور الخلافية أو الإشارة إليها، وعما يثير الفتن والمشاكل بين الناس.
- وكان رضي الله عنهُ يحرص على التبشير في كل خطبه ودروسه ولا يميل إلى التَشديد والتعسير، ويفتح للناس أبواب رحمة الله الواسعة ويمزج ذلك بتخويف لا يقنطهم من رحمته تعالى.
- وكان شديد الأدب في الحديث عن العلماء جميعاً فلا يجرِّح أحداً من المعاصرين حتى ولو أخطأ بل يلتمس له العذر ويبرر له موقفه، ومع ذلك يقرر الصواب بطريقة حكيمة، أما السابقين فيترضى عنهم أجمعين، كان يعيب على من يحفظ الخطب أو يستظهرها ثم يلقيها ويقول نحن لا نحب لأحد من إخواننا أن يحفظ الخطب ثم يكررها بالنص، ولكن يفهم المحتوى ثم يعبِّر عنه بأسلوبه. فنعم المربي رضي الله عنهُ كان لنا.
فجزاه الله عنَّا خير الجزاء بمغفرة ورضوان وخير في الدنيا والآخرة، إنه نعم المجيب.
والله تعالى أسأل أن يبارك في كل من ساهم في هذا العمل بتسجيله أو جمعه أو نسخه أو طبعه أو نشره وأن يمدهم بمدد توفيقه، ويلحظهم بعين عنايته، وأن يجعلهم في الدنيا من أهل ولايته وفي الآخرة من أهل سعادته، وأدعو الله عز وجل أن ينفع به من قرأه أو سمعه وأن يجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فوزى محمد أبوزيد

منهج الداعي الحكيم

منهج الداعي الحكيم
إن الداعي إلى الله عز وجلَ على حكمة من أمره وبصيرة من ربه، هو الذي يجمِّله الله بلسان البيان، وأخلاق القرآن، ورحمة النبي العدنان وعلوم أهل الأذواق والعرفان، وفي هؤلاء الدعاة الحكماء يقول أبو العزائم رضي الله عنه: { لهم حال مع الله يجذب الكافر والنافر، فما بالك بالمؤمن المطيع!! }
ويقول الإمام أحمد ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه في حكمه: { تسبق أنوارهم أقوالهم، فتجذب القلوب، وتؤهّلها للسماع المطلوب.}، ويقول أيضاً: {حالُ رجلٍ في ألف رجلٍ؛ خيرٌ من كلام ألف رجلٍ في رجلٍ واحد}، ويضيف أيضاً رضي الله عنه مبيناً سبب إقبال الخلق عليهم: { كُلُّ كلام يَبْرز وعليه كسوةٌ من نور القلب الذي خرج منه }
وفي هذا أيضاً يقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه: { إذا كان الكلام عن النور حدثَ لسامعيه السرور }.
والمنهج الذي يبنى عليه هذا الداعي الحكيم دعوته من بعد تحصيل العلوم الأساسية اللازمة له من علوم الشريعة، وعلوم القرآن الكريم ، وعلوم الحديث النبوى والسيرة النبوية ولغة العرب؛ يبنيها على أمور:
أولاً: أن يجعل الإخلاص لله رائده في كل قول أو حركة أو سكنة؛ فيطلب العلم أولاً ليعمل به في نفسه؛ رغبة فيما عند الله عز وجلَ، ويَجعل نَصب عينيه قوله صلى الله عليه وسلم : { مَنْ غَدَا يُرِيدُ الْعِلْمَ يَتَعَلَّمُهُ لِلَّهِ، فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَاباً إلَى الْجَنَّةِ، وَفَرَشَتْ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ أَكْنَافَهَا، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلاَئِكَةُ السَّموَاتِ، وَحِيتَانُ الْبَحْرِ، وَلِلْعَالِمِ مِنَ الْفَضْلِ عَلَى الْعَابِدِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى أَصْغَرِ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ، وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، وَلكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظِّهِ، وَمَوْتُ الْعَالِمِ مُصِيبَةٌ لاَ تُجْبَرُ وَثُلْمَةٌ لاَ تُسَدُّ وَهُوَ نَجْمٌ طُمِسَ، مَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ } .
وليحذر مما حذَّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله: { لا تَتَعَلَّمُوا العِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ العُلَمَاءَ وَلِتُهَادُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ }
ثانياً: أن يبدأ الداعى الحكيم البصير بنفسه أولاً ثم بأهله ثانياً، ثم الأقرب فالأقرب، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: { إبْدَأْ بِنَفْسِكَ؛ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } ، وأن يجعل الداعية الحكيم ديدنه دائماً وأبداً ، قول الإمام علىّ رضي الله عنه ، وقيل قول أبى الأسود الدؤلى تلميذه، ونسب بعضهم لإبن السماك وفى ذلك لطيفة وردت أن ابن السماك وعظ يوماً فأعجبه وعظه، ولما رجع إلى منزله ونام، سمع قائلاً يقول هذه الأبيات، فانتبه! وأقسم على نفسه أن لا يعظ شهراً، وهى:
يَأَيُّهَا الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ
هَلاَّ لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي الْسِّقَامِ وَذِي الْضَّنَى
كَيْمَا يَصِحُّ بِهِ وَأنْتَ سَقِيمُ

وَنَرَاكَ تُصْلِحُ بِالْرَّشَادِ عُقُولَنَا
أَبَدَاً وَأَنْتَ مِنَ الْرَّشَادِ عَدِيمُ

ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا
فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ يُسْمَعُ مَا تَقُولُ وَيُشْتَفَى
بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ

لاَ تَنْهُ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ
عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

ثالثاً: أن يقصد بتعليمه الخلق وجه الله تعالى عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبى ذرٍ رضي الله عنه: { يَا أَبَا ذَرٍّ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَاباً مِنَ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: { أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَرْءُ الْمُسْـــلِمُ عِلْماً، ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهُ الْمُسْـــلِمَ }
رابعاً: ألاَّ يطلب الدنيا بعلمه!، وذلك عملاً و حذراً مما ورد من حديثه صلى الله عليه وسلم أنه قال فى الحديث الشريف منبها ومحذراً: { مَنْ طَلَبَ عِلْماً مِمَّا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ }
ومما روى عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً قوله: { أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى بَعْضِ الأَنْبِـيَاءِ: قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ العَمَلِ وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ يَلْبَسُونِ لِلنَّاسِ مُسُوكَ الكِباشِ وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ. أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ وَبِـي يَسْتَهْزِئُونَ لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الحَلِيمَ حَيْرَانَ } .
فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا !وخستها! وكدورتها!! وزوالها!، وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها، ولذلك قال الحسن رحمه الله: { عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة }، وقال يحي بن معاذ رضي الله عنه أيضاً: { إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا }، وقال عمر رضي الله عنه: { إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يخوض فيما أحب } ، وقال مالك بن دينار رضي الله عنه: { قرأت في بعض الكتب السالفة أن الله تعالى يقول: إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه }.
وفي أخبار داود عليه السلام حكاية عن الله تعالى: { إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي. يا داود لا تسأل عني عالماً قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع الطريق على عبادي. يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً. يا داود من رد إلي هارباً كتبته عندي جهبذاً ومن كتبته جهبذاً لم أعذبه أبداً }
وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم: { عُلَمَاءُ هذِهِ الأُمَّةِ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَناً فَذلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ، وَدَوَابُّ الْبَرِّ، وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَشَرَى بِهِ ثَمَناً فَذلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: هذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَاشْتَرَى بِهِ ثَمَناً، وَكَذلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ الْحِسَابُ} .
وأشد من هذا ما روي فى الأثر: { أن رجلاً كان يخدم موسى عليه السلام، فجعل يقول: حدَّثني موسى صفي الله، حدَّثني موسى نجيِّ الله، حدَّثني موسى كليم الله، حتى أثرى وكثر ماله، ففقده موسى عليه السلام، فجعل يسأل عنه ولا يحسّ له خبراً، حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى عليه السلام: أتعرف فلاناً؟ قال: نعم، هو هذا الخنزير، فقال موسى: يا ربَّ أسألك أن تردَّه إلى حاله حتى أسأله بما أصابه هذا؟ .. فأوحى الله عز وجلَ إليه: لو دعوتني بالذي دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه!، ولكن أخبرك لم صنعت هذا به؟ لأنه كان يطلب الدنيا بالدين !}
خامساً: أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة، المرغِّب في الطاعات، مجتنباً للعلوم التي يقلُّ نفعها، أو التى يكثر فيه الجدال والقيل والقال!!. وخير مثال لذلك ما روى عن حاتم الأصمَّ تلميذ شقيق البلخي رضي الله عنهما، أن شقيق البلخى قال له: منذ كم صحبتني؟، قال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة، قال: فما تعلمت منّي في هذه المدّة؟، قال: ثماني مسائل، قال شقيق له: ( إنّا لله وإنا إليه راجعون )، ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل!، قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها، وإني لا أحب أن أكذب، فقال: هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها.
قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوباً فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل القبر فارقه، فجعلت الحسنات محبوبي، فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي، فقال: أحسنت يا حاتم. فما الثانية؟، فقال: نظرت في قول الله عزَّ وجلَّ: ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (40-41النازعات) فعلمت أن قوله سبحانه هو الحق، فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى. أما الثالثة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شئ له قيمة ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله عز وجلَ: ( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ ) (96 النحل) فكلما وقع معي شئ له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظاً.
والرابعة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب، فنظرت فيها فإذا هي لا شئ، ثم نظرت إلى قول الله تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (13 الحجرات) فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً. أما الخامسة: أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضاً وأصل هذا كله الحسد، ثم نظرت إلى قول الله عز وجل: ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (32 الزخرف) فتركت الحسد واجتنبت الخلق، وعلمت أن القسمة من عند الله سبحانه، فتركت عداوة الخلق عني.
السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضاً، فرجعت إلى قول الله عز وجل: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ) (6فاطر) فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه، لأن الله شهد عليه أنه عدو لي، فتركت عداوة الخلق غيره. أما السابعة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذلّ فيها نفسه، ويدخل فيما لا يحلّ له، ثم نظرت إلى قوله تعالى عز وجل: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) (6هود) فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها، فاشتغلت بما لله تعالى علي، وتركت ما لي عنده. والثامنة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق: هذا على ضيعته، وهذا على تجارته، وهذا على صناعته، وهذا على صحة بدنه، وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله، فرجعت إلى قوله تعالى: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (3الطلاق) فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي.
عندها قال شقيق رضي الله عنه: يا حاتم، وفقك الله تعالى، فإني نظرت في علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم، فوجدت جميع أنواع الخير والديانة وهي تدور على هذه الثمان مسائل، فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة ( إنتهى) .
سادساً: أن يحدِّث بالأحاديث الصحيحة، ويروي القصص القرآنية والنبوية الثابتة ويحذر من ذكر الروايات الإسرائيلية في قصص الأنبياء والتي امتلأ بها الكثير من الكتب، وخاصة كتاب قصص الأنبياء المسمى "بالعرائس للثعالبي"، ولذا عليه أن ينتقي من قصص السلف الصالح ما يقبله العقل ويوافق النقل، ويركز في سرده للقصص على ذكر العظة والعبرة منها عملاً بقوله عز وجل: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) (111يوسف).
سابعاً: أن يتبحر في علم الشريعة، ويلم بالفتاوي التي يحتاجها العصر، على أن يأخذها من العلماء أهل الخشية الذين بلغوا رتبة الاجتهاد في التشريع، وشهد لهم علماء العصر بذلك، ومن أبرز الكتب التي يرجع إليها في عصرنا في المسائل الفقية العصرية كتاب "فتاوي فقهية عصرية" للشيخ جاد الحق وقد طبع مجمع البحوث الإسلامية منه خمسة مجلدات، وكتاب "الفتاوي العصرية" للدكتور يوسف القرضاوي و"الفتاوي للشيخ الشعراوي"، و"الفتاوى" لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة، ومما يعين على الإحاطة بذلك أيضاً الاطلاع على الأسئلة الفقهية والشرعية والردود عليها ومن أبرز الكتب في هذا المجال كتاب "أحسن الكلام في الفتاوي والأحكام" للشيخ عطية صقر.
على أن يراعي في ذلك ألا يكون مسارعاً إلى الفتيا إذا سُئل، بل يكون متوقفاً ومتحرزاً ما وجد إلى الخلاص سبيلاً، فإن سئل عن ما يعلمه تحقيقاً بنص كتاب الله أو بنص حديث أو إجماع أو قياس جلي أفتى، وإن سئل عن ما يشك فيه قال: لا أدري، وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين احتاط ودفع عن نفسه وأحال إلى غيره إن كان في غيره غنْية. هذا هو الحزم لأن تقلد خطر الاجتهاد عظيم. وفي الخبر: { العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنَّة قائمة، ولا أدري } ، وقال الشعبي رضي الله عنه: { لا أدري نصف العلم }.
ثامناً: أن يراعي في تفسير الآيات الكونية ربطها بالنظريات العلمية الحديثة التي ثبتت مصداقيتها علمياً وتجريبياً على ألا يلوى الآيات القرآنية أو يتعسَّف في معانيها لتحقيق ذلك، ويطالع في سبيل ذلك كتب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ككتب جمال الدين الفندي والدكتور منصور حسب النبي والدكتور كارم غنيم وغيره ويمكن الاقتصار على كتاب تفسير الآيات الكونية للدكتور عبد الله شحاته، ولا ننسى بالطبع أن ننوه بقيمة مواقع الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة الموجودة على الإنترنت والتى أنشأها ثلة من العلماء المسلمين المتخصصين والثرية بالمادة العلمية القيمة والقائمة على المبادى للعلمية الصحيحة.
وننبه أيضا إلى وجوب ملاحظة الداعى عند مطالعته لكتب التفسير التراثية أن يتوقف عند تفسير السابقين للظواهر الكونية وأسبابها كالزلازل والمطر والرياح وغيرها فما وافق النظريات العصرية الثابتة قبله وتحدَّث به، وما كان غير ملائم للعصر أعرض عنها ولم يشر إليها، وذلك لأن السابقين اجتهدوا في تفسير تلك الظواهر بحسب ما وصل إليه العلم في عصرهم فهذه طاقتهم، وعلينا أن نكمل مسيرتهم فنلغي أو نعدِّل آراءهم بحسب ما وصل إليه العلم اليقيني في عصرنا الحديث.
كما يجب علينا أيضاً أن نتحرز من الأخذ بالفروض والملاحظات قبل كمال تحقيقها؛ لأنها تعدّ أثناء ذلك مجرد افتراضات وليست قوانيناً ولا نظريات، وألا تكون رغبة الداعى الحكيم فى الحديث عن إعجاز القرآن أو السنة العلمى دافعا للخوض فيما لم يثبت باليقين العلمى، وأن يتعود النقل فى ذلك عن المصادر الموثوقة وأن يفهم ويعى جيداً ما يتناوله باحديثه وإلا فلا.
تاسعاً: عليه أن يُضْفي على العبادات والأحكام الشرعية عند ترغيب الناس في القيام بها الحكم الطبية والعلمية التي تصاحب أداءها، لماذا؟ ... لأن ذلك يشدَّ الناس شدّاً شديداً للقيام بها، فيذكر مثلاً مع الصلاة الأمراض النفسية والجسدية التي يعالجها الانتظام في أداء الصلاة، وكذلك مع الصيام يوضح الحكم الطبية والنفسية والاجتماعية للصيام وهكذا، وقد ألمحنا إلى هذا المنهج في كتابنا "مائدة المسلم بين الدين والعلم".
عاشراً: أن يركز في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم على شمائله وأخلاقه وصفاته، ويستطيع تحصيل ذلك من كتاب "الشمائل المحمدية للترمذي" و"أخلاق النبي للأصفهاني" و"المواهب اللدنية للقسطلاني"، وأجمع كتاب في هذا الباب "سبيل الهدى والرشاد في هدى خير العباد" للحافظ الشامي وقد طبعه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ولنا في ذلك أيضاً كتب عدة وهى (حديث الحقائق عن قدر سيد الخلائق)، (الرحمة المهداة)، (الكمالات المحمدية)، و ( إشراقات الإسراء) جزءان، وكتاب (واجب المسلمين المعاصرين نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم).
حادى عشر: وإذا كانت الدعوة فى أوساط النساء تقوم بها إمرأة داعية حكيمة متفقهة وملتزمة، فيلزمها إضافة لكل ماتقدم من منهج الدعاة الحكماء:
ألا تقصِّر في حقِّ زوجها ولا بيتها ولا أولادها بحجة أنها مشغولة بتبليغ الدعوة، وأن تكون على دراية كاملة بفقه النساء وما يخصهنَّ من الكتاب والسنة، مع معرفة الحكم الشرعي المناسب لمقتضيات مستجدات العصر، وأن ترتكز في طريقتها في الدعوة إلى الله على التبشير لا التنفير، كما أمر البشير النذير، وعليه هذه الأيام أن تلم بالإجابات الشافية على الشبهات التى يثيرها أعداء الأسلام فى شأن علاقة الإسلام بالمرأة والميراث وغيرها.

أوصاف الداعي الحكيم

أوصاف الداعي الحكيم
للداعي الحكيم أوصاف وعلامات كثيرة يُعرف بها، أشار إلى بعضها الإمام الغزالي رضي الله عنه في إحياء علوم الدين فقال:
( وقيل خمس من الأخلاق هي من علامات علماء الآخرة مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عزَّ وجلَّ؛ "الخشية، والخشوع، والتواضع، وحسن الخلق، وإيثار الآخرة على الدنيا - وهو الزهد"، فأما الخشية فمن قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (28 فاطر)، وأما الخشوع فمن قوله: ( خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) (199 آل عمران)، وأما التواضع فمن قوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (88 الحجر)، وأما حسن الخلق فمن قوله تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ) (159 آل عمران)، وأما الزهد فمن قوله عزَّ وجلَّ: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) (80القصص)).
ويمكن إجمال أوصاف الداعي الحكيم فيما يلي:
أولاً: التواضع لله تعالى في كل حال، وخصوصاً عند رواية العلم أو بيانه بالكتابة أو الدراسة. فالتواضع أكمل علامة للعلماء، لأنها تدل على حقيقة الخشية من الله تعالى، وقد حصر الله تعالى خشيته في العلماء، لأن شأن العالم العارف لنفسه بنفسه الممتلئ من معرفة ربه، المتحلي بواردات قدسه ألا يرى لنفسه حالاً ولا مقالاً، بل يرى نفسه أقل من كل شئ، وهذا هو النظر التام، كما قيل:
إذا زاد علم المرء زاد تواضعاً

وإذا زاد جهل المرء زاد ترفُّعاً

وفي الغصن من حمل الثمار مثاله
فإن يعزُّ عن حمل الثمار تمنّعاً

ثانياً: الحلم والأناة: لأنهما خصلتان يحبهما الله تعالى، وإذا تجرد منهما العالم هلك، لأنه يتصف بالحماقة والعجلة، فالعجلة توقعه في الخطأ، والحماقة تنفر منه الخلق والحق، فيكون ضاراً، وقد يُبْتلى إذا لم يتصف بالحلم والأناة بالإعجاب برأيه والتعصب له، فيجادل من خالفه، ويؤيّد رأيه بالحجج ولو كان باطلاً.
ثالثاً: من أكمل صفات العلماء أن يُعلِّموا كل فريق من الناس ما لابد لهم منه، ويخفوا الحكمة إلا عن أهلها، كما قيل:{ لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تعلموها غير أهلها فتظلموها }، ومن علّم الحكمة لغير أهلها فتح على نفسه باباً من الشر، وعلى المسلمين باباً من الفتنة، فالعالم الرباني يُعلِّم الناس على قدر عقولهم ويداريهم كما قال صلى الله عليه وسلم: { كلَّموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟! } .
رابعاً: السكينة والرحمة: فإن السكينة دليل على التمكين، وبرهان على الرسوخ في العلم والرحمة من أخص صفات العلماء بحكم الوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمل صفاته صلوات الله وسلامه عليه ما أثبتها الله تعالى له بقوله: ( حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (128 التوبة)، وقدَّم الله عز شأنه الرحمة في الإيتاء على العلم للعالم الرباني فقال سبحانه وتعالى: ( آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ) (65 الكهف).
خامساً: من أجلّ علامة العلماء الربانيين: العمل بالعلم في السر والجهر؛ خشية من الله تعالى، والأخذ بالعزائم، ولو كان في ذلك ما تكرهه نفوسهم، أو تتألم منه أبدانهم إرضاء لله تعالى ولا يأخذون بالرخص من غير أسبابها، وذلك لكمال اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فيما يروى عنه صلوات الله وسلامه عليه يأخذ نفسه بالأشد ويأمر غيره بالأيسر ولذلك كان كُمَّل أصحابه رضوان الله عليهم يقتدون بفعاله قبل أقواله، لأن الإقتداء بأفعاله عزيمة.
سادساً: التحفظ من أن يرى رأياً فيحكم به من غير أن يتثبت من أنه حكم الله تعالى، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أنه مأخوذ بالاستنباط من الكتاب والسنة، أو من عمل أئمة السلف، أو له نظير أو شبيه من أعمال السلف رضوان الله عليهم.
سابعاً: الاجتهاد في سدّ باب الذرائع والفتن، وإراحة أفكار المسلمين من الاشتغال بما يضر ولا ينفع، الأمر الذي سبَّب فرقة المسلمين، ووقوع العداوة والشحناء بينهم، وجعل غير المسلمين يظنّون أن الدين الإسلامي مؤسس على تعصب لأشياء لا حقائق لها.
ومثال ذلك فتح باب التفاضل بين الصحابة والعلماء، أو في الآراء والمذاهب والاعتقادات، وكذلك فتح باب الفتن بالتكلم فيما سكت الله عنه، وسكت عنه رسوله رحمة بالمسلمين، فلم يحرّمها، فيقوم هؤلاء الذين تحصَّلوا على قشور من أحكام الشريعة المطهرة، وينصبّوا بكليتهم على فتح أبواب الشُّبَه، وشغل المسلمين بما يضر ولا ينفع ..!! ناهيك عن الفظاظة في الأخلاق والغلظة في الطباع، والسخف في القول عند الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر!، متذرعين بحجة أن هذا من الدين وأن هذه نصيحة، وأن هذه الطريقة الشرعية التي أمر الله بها.. ويجهلون أنهم بذلك وقعوا في كبائر لا تحصى؛ منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه، ومخالفة سنته في الدعوة ، وتنفير عباد الله، ووقوعهم في بغض الدين وبغض أهله، وظنوا أنهم أحسنوا! وربما كان الذي يدعون إليه من الأمور المرغّب فيها خلاف الأولى، أو كان الذي ينهون عنه أيضاً خلاف الأولى.. وذلك في مثل نهيهم عن الاجتماع على ذكر الله، أو قراءة سورة الكهف في المساجد يوم الجمعة، وما شابه ذلك.
ثامناً: أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال، وعما يفسدها ويشوش القلب، ويهيج الوسواس، ويثير الشر، فإن أصل الدين التوقي من الشر ولذلك قيل:
عرفت الشَّرَّ لا للشَّرِّ لكن لتوقِّيه ومن لا يعرف الشَّرَّ من الناس يقع فيه
ولأن الأعمال الفعلية قريبة، وأعلاها المواظبة على ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تفريعه، وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه، وتعم به البلوى في سلوك طريق الآخرة.
ولقد كان الحسن البصري رحمه الله أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأقربهم هدياً من الصحابة رضي الله عنهم، وكان أكثر كلامه في خواطر القلب، وفساد الأعمال ووساوس النفس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس.
وقد قيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك فمن أين أخذته؟ .. قال: { من حذيفة بن اليمان }.
وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته؟ قال: { خصَّني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني علمه}، وقال مرة: { فعلمت أن من لا يعرف الشَّر لا يعرف الخير }.
وفي لفظ آخر: { كان يقولون: يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا؟ يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول يا رسول الله ما يُفسد كذا وكذا؟ فلما رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم } .
وكان حذيفة رضي الله عنه أيضاً قد خُص بعلم المنافقين، وأفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه، ودقائق الفتن، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضي الله عنهم يسألونه عن الفتن العامة والخاصة. وكان عمر رضي الله عنه إذا دعى إلى جنازة ليصلي عليها نظر فإن حضر حذيفة صلَّى وإلا ترك،. وكان يُسمى صاحب السر.
فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة، لأن القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى، فيهتمون بمعرفة صفات القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة.
تاسعاً: أن يكون اعتماده في علومه بعد تحصيل ما يلزم كما أشرنا آنفاً على حكمته وبصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره..وكان سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يقول لأتباعه - مادحاً أهل علوم الإلهام رضى الله عنهم أجمعين:{ حدثونا بما فتح الله عليكم، لا بما نقلتموه عن غيركم }.
فإذا قلَّد صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم فيما أمر به وقاله، فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعله إلا لسرّ فيه، ولا يكون عالماً إلا إذا كان شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال، فإن اكتفى بحفظ ما يُقال كان وعاءاً للعلم، ولا يكون عالماً.
عاشراً: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور!، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنَّه إطباق الخلق على ما أحدث بعض الصحابة رضي الله عنهم، وليكن حريصاً على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، وما كان فيه أكثر همهم، فقد كان ذلك في الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة، ومراقبة الظاهر والباطن، واجتناب دقيق الإثم وجليله، والحرص على إدراك خفايا شهوات النفس ومكايد الشيطان إلى غير ذلك من علوم الباطن.
واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أُخذ الدين.
ولذلك قال الإمام علي رضي الله عنه لَمَّا قيل له: خالفت فلاناً!، قال كرم الله وجهه : { خيرنا أتبعنا لهذا الدين }.
وما أجمل حديث التستري رضي الله عنه عن العلماء العاملين والأولياء المحققين ومكانتهم حيث يقول: { قال الله لآدم: يا آدم، إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي وخاف غير عدلي لم يعرفني. يا آدم، إن لي صفوة وضنائن وخيرة من عبادي أسكنتهم صلبك، بعيني من بين خلقي، أعزُّهم بعزِّي، وأقربهم من وصلي، وأمنحهم كرامتي، وأبيح لهم فضلي، وأجعل قلوبهم خزائن كتبي، وأسترهم برحمتي، وأجعلهم أماناً بين ظهراني عبادي، فبهم أمطر السماء، وبهم أنبت الأرض، وبهم أصرف البلاء.
هم أوليائي وأحبائي، درجاتهم عالية، ومقاماتهم رفيعة، وهممهم بي متعلقة. صحّت عزائمهم، ودامت في ملكوت غيبي فكرتهم، فارتهنت قلوبهم بذكري، فسقيتهم بكأس الأنس صرف محبتي، فطال شوقهم إلى لقائي، وإنِّي إليهم أشد شوقاً. يا آدم: من طلبني من خلقي وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فطوبى يا آدم لهم ثم طوبى، ثم طوبى لهم وحسن مآب. يا آدم، هم الذين إذا نظرت إليهم هان عليَّ غفران ذنوب المذنبين لكرامتهم عليَّ }
وقال أيضاً: إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: { يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً، فكان داود يقول في مزاميره: وَاهَا لهم! يا ليتني عاينتهم!!، يا ليت خدّي موطأ نعلهم! }. قال سهل بن عبد الله ذلك ثم اصفرَّ لونه وجعل يقول: { جعل الله نبيه وخليفته خادماً لمن طلبه لو عقلت - وما أظنَّك تعقل - قدر أولياء الله وطلابه، ولو عرفت قدرهم لاستغنمت قربهم ومجالستهم، وبرَّهم وخدمتهم وتعاهدهم }

وصية

وصية
أخي الداعي، يا من وهبه الله تعالى: العلم والحكمة، وجمال الأخلاق وأعانه على صرف الأوقات في عمل القربات والطاعات.
أخي: أعلم - حفظني الله وإياك من حب الدنيا والرغبة فيما فيها - أن تلك الإقامة التي أنت مقيم فيها: هي وظيفة العلماء الربانيين، والأمناء الروحانيين ورثة رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - وأبدال الصديقين والشهداء؛ فمن أقامه الله تعالى مقام رسله؛ جعل له علامات، هي الحجج المؤيدة لصدق إقامته، والبراهين التي في قوة تصديق الله أنه سبحانه قد منَّس عليه بميراث الرسل عليهم الصلاة والسلام وتلك العلامات هي:
الحرص على عباد الله من أن يقع أحدهم فيما يُغضب الله بسببهم، والرأفة والرحمة بالمؤمنين، ولين الجانب، والخلق العظيم، والصبر على جفوة مَنْ يَدْعونهم، ودعوة الخلق كلُّ على قدر عقله، ومداراة الناس، والغضب في الله، والإحسان إلى المسئ، وصلة القاطع وتأليف النافر، وترك الجدل مرة واحدة إلا ما كان لبيان حكم من الأحكام الشرعية مختلف فيه ويكون بالتي هي أحسن، والتباعد بالكلية عن تنفير الخلق، أو عن نية السوء، أو قصد الشر، أو العزم عليه، أو التكلم بما لا يليق من قبيح الكلام قي غيبة الناس أو في مواجهتهم، والتباعد عن سماع الشر في حق الناس، والزهد فيما في أيديهم، وبذل ما في اليد لهم تألّفاً لهم، والمسارعة إلى فعل الواجبات والفضائل والمكرمات، ومنافستهم في ذلك حتى يقلِّدوا الداعي.
والشفقة عليهم، والاجتهاد في دفع المصائب عنهم، وتخفيف آلامهم، ومشاركتهم في مهماتهم؛ مشاركة عملية بالمال والنفس، وذكر محاسنهم، وستر عيوبهم في غيبتهم، والاجتهاد في تنبيههم لترك المعاصي التي يقع فيها بعضهم، وعمل الفضائل التي تركها بعضهم بطريق محفوظ من أن يتوهم أحدهم أنه مقصود بالذات خشية من التنفير، بل يكون بتنبيه عام يبين فيه قبح المعصية وسوء عاقبتها، ويبين حسن الفضيلة وجميل مآلها، فهذه الأخلاق هي التي يجب أن يكون عليها المتصف بصفات الداعي إلى الله، أو النائب عنه لأنها من أخص صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والخادم إذا ناب عن سيده يلزمه أن لا يخالفه، فإن خالفه هلك أو أهلك، فمن أقامه الله بدلاً عن الصديقين والشهداء، ونائباً عن العلماء الربانيين، ثم غلبته نفسه فغضب أو شتم آخر أو سبَّه، أو كرهه بقلبه، أو ظن في أخيه سوءاً!، أو قطع أخاً له لغرض من أغراض الدنيا!، أو لعلة من علل الحظوظ!، أو تهاون بواجب!، أو ترك المنافسة في عمل الخيرات!، ونافس في عمل الشرور، من كان هكذا فكأنه يريد أن لا يقبل فضل الله ونعمته، لأن هذا الفضل العظيم يمنح بالفضل من الله تعالى، ويدوم ذلك الفضل بمراعاة تلك المعاني، ونعوذ بالله من حال عبد يتفضل الله عليه فيأبى فضل الله، وينعم الله عليه فيرد نعمة الله.
أيها العالم الرباني: بم صرت عالماً؟ قل معي: ( هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ) (40 النمل). نعم! فعليك أن تشكر ربك جل جلاله: بمجاهدة نفسك، حتى تتصف بصفات أهل الفضل، أحذر أن تمنح الفضل بالفضل، وتنسى المتفضِّل وفضله، فيسلب - والعياذ بالله - الفضل بالعدل، واستعذ بالله - أيها الداعي - من السلب بعد العطاء.
توددّ إلى الأباعد، وأحسن إلى الأقارب، وغض بصرك عن عيوب إخوانك المؤمنين، واستر زلَلَهم، واعف عن مسيئهم، واصفح عن ظالمهم، واشكر الله الذي جعلك من أهل الفضل علماً وخُلقاً وحالاًوعملاً.
وتحقق أن أجمل نعمة ينعم الله بها على عبده، ويدوم بها الفضل العظيم، ويبقى في ذريته بعده: هي أن ينعم الله عليك بجميل الأخلاق، وأن يملكك نفسك فلا تخرج بك عن طاعة الله، ولا توقعك في معاصي الله.. وبذلك يحبك الله، وملائكة الله، ورسل الله، ويحبك الناس أجمعون، إلا من كرهك لأنك على الحق! وهو على الباطل في الاعتقاد والرأي والعمل، فلا يكرهك أحد من الخلق لحماقة لأنك حليم، ولا يكرهك لعمل سوء لأنك رحيم، ولا يكرهك لجفاء وقوة لأنك رءوف، ولا يكرهك لبخل لأنك كريم، ولا يكرهك لنفور منك لأنك صفوح عفو، ولا يكرهك لطمع منك لما في أيديهم لأن الله أغناك عن شرار خلقه، وجعل غناك في قلبك، ولا يكرهك لترك واجب لمسارعتك لعمل الواجب والمندوب، ولا يكرهك لسوء أدب لخشيتك من الله.
وتحقق أن بغض الناس خصوصاً الأقارب، وبالأخص الوالدين والأولاد دليل على أنك من أهل الكبائر القلبية أو البدنية!، فبادر بسرعة وتب إلى الله وجاهد نفسك متخلقاً بأخلاق العلماء الربانيين، والعارفين الروحانيين، ليدوم لك الفضل العظيم في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة، وتدبر قوله تعالى:  إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (11 الرعد). أسأل الله تعالى الحفظ والسلامة، والنعم والإحسان، والفضل العظيم، والمعونة على الشكر إنه مجيب الدعاء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
هذه الوصية نقلناها بتصرف من كتاب مذكرة المرشدين والمسترشدين للإمام أبي العزائم رضي الله عنه لشمولها وأهميتها

أحكام الجمعة

ثانياً: أحكام الجمعة
1- فضل يوم الجمعة
ورد أن يوم الجمعة خير أيام الأسبوع. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. فيه خُلِق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة} .
وعن أبي لُبَانة البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى، وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى وفيه خمس خِلال: خلق الله عز وجل فيه آدم عليه السلام، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله تعالى إياه ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هن يُشفقن من يوم الجمعة }
2- آداب الجمعة
للجمعة آداب كثيرة منهاالغسل والتجمل والسواك والتطيب، فيستحب لكل من أراد حضور صلاة الجمعة أو مجمع من مجامع الناس سواء كان رجلاً أو إمرأة، أو كان كبيراً أو صغيراً، مقيماً أو مسافراً، أن يكون على أحسن حال من النظافة والزينة: فيغتسل ويلبس أحسن الثياب ويتطيب بالطيب ويتنظف بالسواك.
وقد جاء في ذلك عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مسَّ منه } ، وعن ابن سلام رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر يوم الجمعة: {ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته} وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: { لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرِّق بين اثنين ثم يصلي ما كُتب له ثم يُنصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له من الجمعة إلى الجمعة الأخرى }
وكان أبو هريرة يقول: {وثلاثة أيام زيادة، إنَّ الله يجعل الحسنة بعشرة أمثالها}. وغفران الذنوب خاص بالصغائر لما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة {ما لم يغش الكبائر}، وعن أحمد بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة}، وعن الطبرانى في الأوسط والكبير بسند رجاله ثقاة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: { يا معشر المسلمين هذا يوم جعله الله لكم عيداً فاغتسلوا وعليكم بالسواك }.
استحباب كثرة الصلاة والسلام
على الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة ويومها
فعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ} قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرِمْتَ؟ فقال: {إن الله عز وجل حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} .
قال ابن القيم: يستحب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلته لقوله: {أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة}.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام ويوم الجمعة سيد الأيام فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنها نالته على يده.. فجمع الله لأمته بين خيري الدنيا والآخرة فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة. فإنه فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة. وهو عيد لهم في الدنيا، ويوم يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده فمن شكره وحمده، وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن يكثروا من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته.
استحباب قراءة سورة الكهف
يوم الجمعة وليلته
فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له نور ما بين الجمعتين } . وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ومن قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضئ له يوم القيامة، وغُفر له ما بين الجمعتين }
ومن آداب يوم الجمعة أيضاً
الدعاء فيه
ينبغي الاجتهاد في الدعاء عند آخر ساعة من يوم الجمعة فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قلت - ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس - إنا لنجد في كتاب الله تعالى في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل فيها شيئاً إلا قضي له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بعض ساعة. فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلت أيّ ساعة هي؟ قال "آخر ساعة من ساعات النهار" قلت إنها ليست ساعة صلاة. قال: "بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة" (رواه ابن ماجة). وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل فيها خيرا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر} .
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أتاه إياه، والتمسوها آخر ساعة بعد العصر} .
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه: أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة . وقال أحمد ابن حنبل: أكثر الأحاديث في الساعة التي يُرجى فيها إجابة الدعاء أنها بعد العصر ويرجى بعد زوال الشمس. وأما حديث مسلم وأبي داود عن أبي موسى رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ساعة الجمعة: {هي ما بين أن يجلس الإمام - يعني على المنبر - إلى أن تقضى الصلاة}، فقد أُعلَّ بالاضطراب والانقطاع.
والتبكير إلى الجمعة
يندب التبكير إلى صلاة الجمعة لغير الإمام. قال علقمة: خرجت مع عبد الله ابن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة من الله ببعيد، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد}
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذّكر}
وذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أن هذه الساعات هي ساعات النهار فندبوا إلى الرواح من أول النهار وذهب مالك إلى إنها أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده، وقال قوم هي أجزاء ساعة قبل الزوال وقال ابن رشد: وهو الأظهر لوجوب السعي بعد الزوال.
كراهية تخطي الرقاب
حكى الترمذي عن أهل العلم أنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة وشدَّدوا في ذلك، فعن عبد الله بن يُسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطر رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اجلس فقد آذيت وآنيت}
ويستثنى من ذلك الإمام أو مَنْ كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه لضرورة بشرط أن يتجنب أذى الناس. فعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال: {ذكرت شيئاً من تِبْر كان عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته}
مشروعية التَّنفُّل قبلها
يُسن التَّنفُّل قبل الجمعة ما لم يخرج الإمام فكيف عنه بعد خروجه إلا تحية المسجد فإنها تُصلى أثناء الخطبة مع تخفيفها إلا إذا دخل في أواخر الخطبة بحيث ضاق عنها الوقت فإنها لا تصلى، فعن ابن عمر رضي الله عنهم أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين ويحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. "رواه أبو داود"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام }
وعن جابر رضي الله عنه قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له صلى الله عليه وسلم: { صليت؟ قال: لا. قال: فصلِّ ركعتين } "رواه الجماعة". وفي رواية: { إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما } . وفي رواية: { إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين } "متفق عليه".
تحوّل من غلبه النعاس عن مكانه
يُندَب لمن بالمسجد أن يتحول عن مكانه إلى مكان آخر إذا غلبه النعاس: لأن الحركة قد تذهب بالنعاس وتكون باعثاً على اليقظة، ويستوي في ذلك يوم الجمعة وغيره. فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره }
3- صلاة الجمعة
حكمها ودليل مشروعيتها
صلاة الجمعة فرض عين، على من توفرت فيه شروط الوجوب، الآتي ذكرها، وهي بدل عن الظهر، ودليل فرضيتها: قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (9 الجمعة).
وما رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطبنا النبى صلى الله عليه وسلم فقال: { إن الله تعالى قد كتب عليكم الجمعة في مقامي هذا في ساعتي هذه في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة؛ من تركها من غير عذر مع إمام عادل أو جائر؛ فلا جمع الله شمله ولا بورك له في أمره، ألا ولا صلاة له ولا حج له، ألا ولا بِرّ له ولا صدقة له }.
وفى صحيح مسلم، وفي مسند أحمد عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن قوم يتخلفون عن صلاة الجمعة: { لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرّق على رجال يتخلفون عن يوم الجمعة بيوتهم }، وعن ابن عمر وابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال وهو على أعواد منبره: { لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة أو ليختمن الله على قلوبهم }
وهذه الأحاديث تفيد فرضية الجمعة على كل من استكمل شرائطها. وتحذر المسلم من التخلف عنها تحذيراً شديداً.
متى فرضت وأين فرضت؟
وقد فرضت صلاة الجمعة على الأصح، في ربيع الأول، السنة الأولى من الهجرة في المدينة المنورة، وأول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، كانت في مسجد بني سالم بن عوف، وفي السادس عشر من الشهر المذكور، وقيل أنها فرضت بمكة. ولكن لم يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من الجمع إليها في مكة. فأرسل إلى مصعب بن عمير وهو أول رسول يرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليعلم المسلمين أمور دينهم فأمره أن يجمع الناس يوم الجمعة ويصلي بهم ركعتين تقرباً إلى الله تعالى، ويدل على هذا قول ابن مسعود الأنصاري رضي الله عنه: { أول من قدم من المهاجرين إلى المدينة مصعب بن عمير. وهو أول من جمع بها يوم الجمعة جمعهم قبل أن يقدم رسول الله رضي الله عنه فصلى بهم. وهم اثنا عشر رجلاً }
وقيل صليت الجمعة بالمدينة قبل الهجرة على سبيل الجواز وفرضت بها بعد الهجرة، وهذا هو الظاهر لأن سورة الجمعة مدنية ولقول بن سيرين: (جمع أهل المدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة وقبل أن تنزل سورة الجمعة). أي قبل أن تفرض صلاة الجمعة.
حكمة مشروعيتها
ولقد شرع الله تعالى صلاة الجمعة لكي يجتمع المسلمون من أهل القرية أو المدينة في صعيد واحد فيتعارفون ويتآلفون ويتعاونون على البر والتقوى، وتتمكن في قلوبهم أواصر المودة والرحمة، وليستمعوا إلى شئ من النصح والإرشاد يلقيه على مسامعهم إمامهم ومعلمهم فتقوى به عزائمهم على فعل الخير، وتعلو هممهم إلى فعل ما أمروا به، وتصفوا نفوسهم من أكدارها وتطهر قلوبهم من كوامن الحقد، والحسد، والغل، والضغينة، وغير ذلك.
من تجب عليه الجمعة ومن لا تجب؟
تجب الجمعة على المسلم، العاقل، البالغ، الذكر، الحر، المقيم، القادر على الإتيان إلى المكان الذي تُقام في الجمعة، غير المعذور.، ولا تجب الجمعة على الكافر بناء على إنه غير مخاطب بفروع الشريعة. إذ الواجب عليه أولاً الإسلام فإن أسلم وجبت عليه جميع الفرائض. وقيل تجب عليه الجمعة، وسائر الصلوات، وجميع الفرائض، فهو مُطالب بأصول الشريعة وفروعها، ولا تجب الجمعة ولا سائر الفرائض على مجنون لقوله صلى الله عليه وسلم: { رفع القلم عن ثلاث: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ }
ولا تجب الجمعة على الصبي ولكنه لو أتاها تصح منه، لا تجب على المرأة ولكن لو أدتها مع الجماعة صحت منها، وسدّت مسدّ الظهر، ولا تجب على العبد ، ولكن لو أداها، صحت منه، ونابت عن الظهر.
ولا تجب صلاة الجمعة على المسافر سفراً قصيراً عند الحنفية والحنابلة، إلا إذا نوى الإقامة. ومسافة القصر، تُقدر بنحو تسعة وثمانين كيلو متراً. ويرى الشافعية والمالكية أن المسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة حتى ولو كان سفره قصيراً، إذا ابتعد عن البلد بنحو فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. وقد قال عبد الله بن قدامة: (أما المسافر، فأكثر أهل العلم أن لا جمعة عليه، وحكى الزهري والنخعي إنها تجب عليه لأن الجماعة تجب عليه، فالجمعة أولى).
ولا تجب الجمعة على العاجز عن الإتيان إلى المكان الذي تقام فيه؛ بأن كان مريضاً، أو مقعداً، أو أعمى لا يجد من يقوده، ولا يهتدي بنفسه إلى محل الجامع. ويلحق بالعاجز من كان له عذر يمنعه من الحضور إليها، بأن كان ممرضاً يحتاج إليه المريض، ولو تركه يزداد مرضه، أو يتأخر شفاؤه، أو كان طبيباً يجري عملية جراحية - مثلاً - أو كان محبوساً لا يستطيع الخروج من حبسه؛ ونحو ذلك من الأعذار الضرورية، والدين يسر، والطاعة على قدر الطاقة، قال تعالى: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (78الحج). وقال عز شأنه ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (185البقرة).
مكان الجمعة
قال المالكية والشافعية: لا تصح الجمعة إلا في المسجد الجامع، وقال الحنفية والحنابلة، وجمهور من الفقهاء على اختلاف مذاهبهم - تصح في أي مكان يجتمع فيه المسلمون. لما روى أن عمر بن الخطاب كتب لأهل البحرين: {أن جمَّعوا حيثما كنتم} .
آذان الجمعة
يسأل كثير من الناس، هل للجمعة أكثر من آذان؟ ونرى بعض المساجد في مصر يؤذن فيها للجمعة آذان واحد، وبعض المساجد يؤذن لها آذانان، فأي السبيلين أحق أن يتبع؟. وللجواب على ذلك أقول:
كلا الأمرين حسن؛ ولا داعي للنزاع، فمن أذَّن للجمعة أذاناً واحداً فهو على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أذن لها أذانين، فهو على ما كان عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومن جاء بعده. وعثمان هو الخليفة الثالث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعمل بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وقال صلى الله عليه وسلم: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ عضُّوا عليها بالنواجذ}
عن أبي يزيد رضي الله عنه قال: { النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذِّن غير واحد} . وفي رواية أخرى للبخاري وغيره: { فلما كانت خلافة عثمان، وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالآذان الثالث وأذّن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك}. أي أخذ الناس بسنة عثمان فجعلوا للجمعة أذانين.
العدد الذي تنعقد به الجمعة
أجمعت الأمة على أن الجماعة شرط في صحة الجمعة، ولكنهم اختلفوا في العدد الذي تنعقد به على أربعة عشر قولاً: فقال فقهاء الظاهر: تنعقد الجمعة بإثنين فأكثر لأنها صلاة كسائر الصلوات؛ ولم يرد ما يخصصها بعدد معين، وقد رجح الشوكاني هذا الرأي وقال في كتابه "نيل الأوطار" بعد أن سرد أقوال الفقهاء وقد بلغت خمسة عشر قولاً قال: (وأعلم أنه لا مستند لاشتراط ثمانين، أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة، أو سبعة كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد. وأما من قال: إنها تصح بإثنين، فاستدل بأن العدد واجب بالحديث والإجماع. ورأى أنه يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص. وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين. ولا فرق بينها وبين الجماعة. ولم يأت نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا. وهذا القول هو الراجح عندي).
وقال الحنيفة في المشهور عنهم تنعقد الجمعة بثلاثة غير الإمام، باعتبار أن أقل العدد ثلاثة غيرالإمام الذي يخطب ويعظ، وقد رجح السيوطي هذا الرأي في كتابه (الحاوي للفتاوي) بعد أن سرد أقوال الفقهاء وفند أدلتهم. وقال: هذا ما أدَّاني إليه اجتهادي.
وللمالكية في هذه المسألة قولان مشهوران: قول بأنها تنعقد بإثنى عشر رجلاً غير الإمام باقين من أول الخطبة إلى نهاية الصلاة. مستدلين بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا إثنا عشر رجلاً فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ )، والقول الثاني بأن العدد غير مقدر شرعاً، بل تنعقد الجمعة بأي عدد تتكون به قرية لكن لا تنعقد بالثلاثة، ولا بالأربعة لأنه عدد لا تتكون به قرية ورجح هذا القول الأخير الحافظ بن حجر في (فتح الباري).
وقالت الشافعية: تنعقد الجمعة بأربعين رجلاً غير الإمام، أخذاً بمذهب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قال الشافعي في الأمّ: "أخبرنا الثقة عن سليمان بن موسى أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل المياة (حيث الماء) فيما بين الشام إلى مكة: جَمِّعوا إذا بلغتم أربعين رجلاً".
وجوب السعي إلى الجمعة
اتفق جمهور الفقهاء على وجوب السعي إلى الجمعة، عند الآذان الأول، لقوله الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (9الجمعة). والمراد بالسعي، الذهاب إليها مشياً وسطاً، بين الإسراع والإبطاء. والمراد بذكر الله هنا الصلاة. لقوله سبحانه وتعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)" (45العنكبوت)، ولقوله: ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) (14طه)، وقال جماعة من المفسرين: المراد بذكر الله هنا: الخطبة لاشتمالها على حمد الله والثناء عليه والتذكير بآياته.
حرمة البيع عند سماع الآذان
وتفيد الآية أيضاً حرمة البيع والشراء عند سماع الآذان. وقد اختلف الفقهاء في فسخ البيع إذا وقع مع الآذان الأول أو بعده. فقال جماعة: يفسخ ولا ينعقد، وقال جماعة: لا يفسخ، بل يمضي، ويصح، والكل متفق على حرمته.
4- خطبة الجمعة
حكمها
يرى أكثر الفقهاء أن خطبة الجمعة واجبة؛ وهي شرط في صحة الجمعة، واستدلوا بقوله الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).(9الجمعة)، فالسعي إلى الخطبة واجب ولا يكون السعي واجباً إلا لشئ واجب، والخطبة واجبة. وهذا بناء على أن المراد بذكر الله في الآية الخطبة لاشتمالها على حمد الله، والثناء عليه، والتذكير بآياته، كما قدمنا.
واستدلوا - أيضاً - بفعله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يفعلها، ويداوم على فعلها، ولم يثبت أنه تركها، إلى أن لقى الله عز وجل، وقد قال صلى الله عليه وسلم : {صلوا كما رأيتموني أصلي }، وقد نقل الشيخ منصور بن إدريس وغيره عن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهما قالا: { قصرت الصلاة من أجل الخطبتين، فهما بدل ركعتين. فالإخلال بإحداهما إخلال بإحدى الركعتين }.
أركان خطبة الجمعة
قال الشافعية والحنابلة: أركانها: الحمد لله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية بالتقوى في كل من الخطبتين، وقراءة آية من القرآن في إحداهما، وكذا الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في آخر الخطبة الثانية. وقال المالكية، وكثير من الحنفية: ركنها الذكر الطويل، المشتمل على تحذير، وتبشير، المسمى بالخطبة عُرْفاً وأقله قدر التشهد أو ثلاث آيات.
شروط خطبة الجمعة
يشترط عند المالكية والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم، أن تكون الخطبة خطبتين، ليستريح بينهما الخطيب استراحة خفيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، قال ابن عمر رضي الله عنه: { كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن؛ ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب } . وقال الحنفية: الخطبة الأولى شرط في صحة الجمعة؛ والخطبة الثانية سنة ووافقهم في هذا أحمد بن حنبل، في رواية عنه.
ويشترط عند الجمهور أن تكون الخطبتان من قيام، إلا لعذر لحديث ابن عمر المتقدم. ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب جالساً ولا الخلفاء الراشدون من بعده. وقد روى ان أول من خطب جالساً هو معاوية بن أبي سفيان، لما أمتلأ جسمه وثقل لحمه.
ويشترط لها الطهارة؛ وقيل: لا يشترط في صحتها الطهارة فلو خطب وهو محدث صحت خطبته، مع الكراهة. والأصح إنها شرط في صحة الخطبة لأن الخطبة شرط في صحة الصلاة، فهي كالجزء منها. والله أعلم، ويشترط أيضاً الجلوس بين الخطبتين عند الشافعية والمالكية، وجمهور من الفقهاء، لحديث ابن عمر المتقدم.
سنن الخطبة
وللخطبة سنن كثيرة، نذكر بعضها فيما يلي:
يُسن للخطيب أن يُلْقي السلام على من بجوار المنبر، قبل أن يصعد عليه، إذا كان قد خرج عليهم من حجرته، أو كان قادماً من خارج المسجد، أما إذا كان جالساً بينهم، فلا يُسنَّ له إلقاء السلام عليهم، فيما أعلم.
ويُسنّ للخطيب أن يسلم على الناس، بعد صعود المنبر ويلتفت إليهم بوجهه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. فعن ابن عمر رضي الله عنهم فيما أخرجه البيهقى قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دنا من منبره يوم الجمعة، سلَّم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر، استقبل الناس بوجهه، ثم سلَّم قبل أن يجلس}.
ويُسن أن تكون الخطبة على مكان مرتفع حتى يراه الناس. وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم منبر من ثلاث درجات، كما يُسن للخطيب أن يرفع صوته بالخطبة، لإسماع الحاضرين، وإظهار الشهامة، وتفخيم أمر الخطبة، والإتيان فيها بجزيل الكلام، مع مراعاة مقتضى حال الحاضرين، وما يحتاجون إليه من المواعظ والإرشادات.
روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم }. أي كأنه ينذر الناس باقتراب العدو منهم فهو يصل إليهم في الصباح أو في المساء. وهذا كناية عن التخويف الذي يملأ القلوب. عند سماع خطبته عليه الصلاة والسلام.
ويُسن للخطيب أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، فلا يحدثهم حديثاً لا يفهمونه ولا يكون في كلامه متشدْقاً، ولا متقرعاً، فإن ذلك يفسد الخطبة، ويضيع حكمتها، ويجعل السامعين ينصرفون عنه ويملّون حديثه.
وقد كان علي كرم الله وجهه يقول فيما أخرجه البخاري: { حدّثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذّب الله ورسوله؟ }، كما يُسن تقصير الخطبة، تقصيراً معتدلاً، حتى لا يملّها الناس. لقول جابر بن سمرة رضي الله عنه: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات }
الكلام أثناء الخطبة
اتفق جمهور الفقهاء على أن الكلام أثناء الخطبة حرام، حتى ولو كان أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر. عن ابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من تكلم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول أنصت، لا جمعة له} .
وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يحضر الجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها يلغو، فهو حظّه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطَّ رقبة مسلم، ولم يؤذِ أحداً، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله عزَّ وجلَّ يقول: ( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) (169الأنعام)} .
وقد رخص بعض الفقهاء في رد السلام، وتشميت العاطس، فقالوا: لو ألقى رجل على رجل السلام، والخطيب يخطب، فردَّ عليه، فلا بأس في ذلك، وكذلك لو عطس أحد الحاضرين فقال الحمد لله فقال له من بجواره يرحمك الله، فلا بأس في ذلك أيضاً.
هذا والأولى على من دخل المسجد، والخطيب يخطب، أو كان الناس في مجلس علم، ألا يلقي السلام عليهم، ويجلس حيث انتهى به المجلس.
كيفية صلاة الجمعة
إذا فرغ الخطيب من الخطبة. وأقيمت الصلاة، صلى ركعتين يقرأ فيهما جهراً بفاتحة وسورة في كل ركعة. ويُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة وفى الركعة الثانية سورة المنافقين، أو يقرأ فى الركعة الأولى سبح اسم بك الأعلى. وفي الركعة الثانية هل آتاك حديث الغاشية، وذلك لما رواه الشيخان عن عن أبي هريرة رضي الله عنه : { أنه قرأ في الجمعة بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون، قال عبيد الله: فقلت لهم: قد قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ بهما في الجمعة! فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما }.
ولما رواه سمرة بن جندب فيما أخرجه الشافعي وأبو داود وأحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية.
هل يجوز أن يكون الإمام غير الخطيب؟
أجاز الحنابلة والشافعية في المشهور عنهم أن يكون الإمام الذي يصلي بالناس الجمعة غير الخطيب، وقال المالكية: لا يجوز أن يكون الإمام غير الخطيب، إلا إذا حدث له عذر كحدث أو رعاف، فإنه يجوز أن يستخلف غيره، بشرط أن يستغرق ذلك حدثه وقتاً يسع ركعتين، وإلا وجب عليهم انتظاره.
ما تدرك به الجمعة
تدرك الجمعة عند المالكية والشافعية والحنابلة، وجمهور من فقهاء الحنفية بإدراك ركعة مع الإمام، فإن أدرك المأموم الإمام وهو راكع، نوى الجمعة، وركع معه، وأتى بركعة أخرى، بعد سلام الإمام، واستدلوا على ذلك بما أخرجه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: { من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، فإن أدركهم جلوساً صلَّى أربعاً }.
لا ظهر بعد الجمعة ولا قبلها
كثير من الناس يصلون الظهر، بعد الجمعة ويعتقدون أن الشافعي رضي الله عنه أفتى بذلك، ويتعللون بأن الجمعة لمن سبق، إذا تعددت المساجد، وهم لا يعرفون من السابق، ومن المسبوق. لذا فهم يزعمون إنهم يصلون الظهر إحتياطاً، وهذا خلاف ما عليه جمهور الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وما نسبوه إلى الشافعي غير صحيح.
قال النووي وهو إمام من أئمة الشافعية من لزمته الجمعة لا يجوز أن يصلي الظهر قبل فوات الجمعة، بلا خلاف، لأنه مخاطب بالجمعة فإن صلى الظهر قبل فوات الجمعة، فقولان مشهوران: الصحيح بطلانها ويلزمه إعادتها، لأن الغرض هو الجمعة. انتهى.
أقول: وصلاتهم الظهر بعد الجمعة، تجعل الصلوات المفروضة في اليوم ستة، وهو مخالف لإجماع الأمة، وهي بدعة، ينبغي على الفقهاء المعاصرين أن يحاربوها. لم أجد فيما قرأت من كتب الفقه أحداً نصَّ على جواز صلاة الظهر، بعد الجمعة، ولا قبلها، والله أعلم.

منافع الحج خطبة جمعة

الحمد لله ربِّ العالمين يعز من ذكره، ويزيد من شكره، ويجعلهم جميعاً من السفرة الكرام البررة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلق جميعاً بنعماه، وأفاض عليهم ظاهراً وباطناً عطاياه وجدواه، وطلب منهم مقابل ذلك شيئاً واحداً زهيداً يسيراً على ألسنتهم وهو ذكر الله.
سبحانه .. سبحانه، يرضى بالقليل، ويثيب على الكثير. يرضى من عباده أن تتحرك شفاههم بذكره، ويعطيهم بذلك من الأجر والثواب ما لا تطلع عليه الأنفس ولا تدركه العقول ولا تتحمله القلوب، لأنه عطاء من الحبيب المحبوب لأهل الطاعة والإيمان.
وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، كان لا يجلس إلا على ذكر الله، ولا يقوم إلا على ذكر الله، ولا يفعل عملاً صغيراً أو كبيراً إلا على ذكر الله، حتى كان كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ( كان يذكر الله على كل أحيانه ).
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد سيِّد الذاكرين، وإمام الشاكرين، وخيرة خلق الله من النبيين والمرسلين، وآله وأصحابه وكل من اتبع هداه إلى يوم الدين، آمين. أما بعد
إخواني وأحبابي: استمعنا سوياً قبل الصلاة إلى آيات من كتاب الله عزَّ وجلَّ تتحدث عن الحج إلى بيت الله الحرام، وتبين هيئته وكيفيته، وتتحدث عن حكمة الحج التي فرضها الله علينا، ولأن حكم الحج كثيرة وكثيرة لا نستطيع أن نحيط بها في هذا الوقت القصير، فسنقف عند حكمة واحدة جامعة مانعة من أجلها أوجب الله علينا جميع الطاعات، وفرض علينا جميع القربات، وتجتمع فيها جميع العبادات.
فعندما فرض علينا الحج قال لخليله عليه السلام: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) - وما الحكمة؟ - (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم ) (27، 28الحج)، حكمتان اثنتان:
الحكمة الأولى: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )، أي: جهزها الله لهم في تلك الأماكن، وهي منافع عاجلة ومنافع آجلة، أما المنافع العاجلة: فهي أن يتوب عليهم ويغفر لهم ذنوبهم، ويردهم كما ولدتهم أمهاتهم خالصين من الذنوب والخطايا، مستورين ومجبورين من الآثام والعيوب، ويستجيب دعاءهم، ويصلح أحوالهم، ويجيبهم في أحبابهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {يُغْفَرُ لِلْحَاج وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ} والهدف المشترك بين جميع العبادات: ( لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم )، ولم يكتف بأن هذه هي الحكمة العالية والغاية السامية من تلك العبادات الراقية، ولم يكتف بالتنبيه عنها وكلها في تلك الآية، بل في كل خطوة من خطوات الحاج يذكرهم بتلك الحكمة.
فعندما ينزلوا من عرفات يقول الله لهم جميعاً: ( فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) (198البقرة)، فمرة يقول: ( وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ) (203البقرة)، ومرة يقول: ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ) (28الحج). أي: اجعلوا ذكر الله هو الغاية العظمى، فالغاية العظمى من الحج في كل خطواته وحركاته وسكناته هي ذكر الله.
وكذلك الصلاة فيقول فيها الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) (9الجمعة). فهو ذكر الله، وذكر الله هنا التذكير، فهو في هذا الموقف التذكير بالوعد والوعيد والجنة والنار في الطاعات والقربات بآيات من كتاب الله وبأحاديث رسول الله، من باب فضل الله عز وجل: ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين ) (55الذاريات)،. و ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) (14طه).
والصلاة فيها ذكر الله؛ فيها التحميد والتكبير والتهليل، وفيها تلاوة كتاب الله، وكلها في حركات الصلاة، وكل حركة من حركاتها لها ذكر مخصوص يحب أن يسمعه الله من عباده المؤمنين: ( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) (45العنكبوت)، فكلها أحوال ذكر.
وكذلك الصيام فالهدف منه: ( وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (185البقرة)، يعني: من العبادات الجسمانية، الهدف منها آية الذكر. وقد علَّمنا صلى الله عليه وسلم أنه: ( ما أقيمت الصلاة، وما فرض الصيام، ولا نُسك الحج، إلا لذكر الله عزَّ وجلَّ)، لماذا؟ ليعرفنا أن الدرجة الأولى في حياتنا هو ذكره سبحانه وتعالى،. وليس هناك نهاية لنعم الله عز وجل. فلو حاول الواحد فينا أن يعد نعم الله عليه في نفس واحد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً: ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) (18النحل).
نعمة واحدة إذا كانت ظاهرة أو باطنة، بل نعمة واحدة من نعم الواحد كنعمة البصر أو السمع أو الكلام، أو العقل أو الحركة، أو القدرة أوالإرادة أو الحياة، أو الرزق. نعم ليس لها نهاية، نعمة واحدة منها لا يستطيع الواحد أن يحدها أو يحصرها من معطيها عزَّ وجلَّ، ولكنه عزَّ وجلَّ طلب منا أن نذكره على ذلك، وطلب منا أن نشكره على ذلك، فإذا قمت من نومي وقد وهبني الحياة بعدما كنت في نومي كالأموات كما ذكر الله عزَّ وجلَّ:" اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (42الزمر)، عندما أقوم من نومي وقد وهب لي الحياة لابد أن أشكره وأذكره وأقول - كما علمني الرسول صلى الله عليه وسلم: { الْحَمْدُ لّلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } فأشكره على أن وهب لي الحياة.
وإذا نظرت إلى نعمة الأكل أذكره وأشكره وأقول { الـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنـي هذا ورَزَقَنِـيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ منِّـي ولا قُوَّة } ، وإذا أعطاني ماءاً أقول:
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْباً فُرَاتاً بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحاً أُجَاجاً بِذُنُوبِنَا} أي نعمة من النعم حتى نعمة الشهوة عندما انتهي منها أقول { الحمد لله الذي جعل من الماء نسباً وصهراً وكان ربك قديراً } لازم الإنسان يشكر الله على نعمائه. هي صحيح كلمات وليست شكراً وافراً ولا شكراً إيجابي لكن الله يقبلها منا ويدخرها لنا، ويعطينا عليها من الأجر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
إذاً كل العبادات يا إخواني تهدف إلى ذكر الله عزَّ وجلَّ وليس حلقات الذكر فقط هي الذكر. لكن ذكر الله حسب الحالة التي أوجدني عليها الله، وحسب النعمة التي ساقها إلي الله، حتى ولو نزل بي غمٌّ أو نزلت بي مصيبة - وهي في نظري مصيبة لكنها في الحقيقة نعمة من الله عز وجل، وبعدها تمر عليَّ أتحدث على أنها نعمة من الله- حتى هذه النعمة علمني رسول الله أن أشكر الله عليها، ماذا علمني؟ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إذَا أَتَاهُ الأَمْرُ يُعْجِبُهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ المُتَفَضِّلِ الَّذِي بِنِعْمَتِه تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإذَا أَتَاهُ الأَمْرُ مِمَّا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلىٰ كُلِّ حَالٍ } .
ساعة النعمة أقول الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وهذا يعني أن النعمة التي جاءت ليست بشطارتي أو بمهارتي، أو بذكائي أو بمالي أو بقوتي، لكنها تمت بنعمة الله ومعونة الله وتوفيق الله عزَّ وجلَّ، وإذا جاءت مصيبة في نظري فهي نعمة لكن لا أعلمها الآن لقوله عز وجل ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) (216البقرة).
فبنو إسرائيل لما اعتقدوا أن الموت نقمة وذهبوا إلى سيدنا موسى وألحوا عليه وقالوا له: يا كليم الله، اطلب من ربك عزَّ وجلَّ أن يرفع عنا الموت فلا يموت منا أحد، وكانوا قوماً شداداً في المكابرة والعناد. فلما ذهب موسى عليه السلام إلى ربه وطلب منه ذلك فرفع عنهم الموت، وابتلاهم بالأوجاع والأسقام والفقر وقلة الأقوات، فالمريض يشكو مُرَ الشكوى من الألم ولا يجد من يريحه، وليس هناك موت كما طلبوا، واشتد القحط وقلت الأقوات حتى أكلوا القطط والكلاب من قلة الأقوات، وبخلت السماء بالماء وبخلت الأرض بالنبات، وكانوا يأكلون بعضهم من قلة الأقوات والأرزاق، ولا يجدون مناصاً ولا مخلصاً لهم.
وبعد خمس سنوات ذهبوا إلى موسى وقالوا له: اطلب من الله عزَّ وجلَّ أن يأتينا بالموت، لقد اشتقنا إلى الموت. قال: يا قوم ألم تطلبوه؟، ألم أنهاكم عنه وأنتم أصررتم على ذلك؟، قالوا: ما كنا نعلم بالحكمة العالية التي من أجلها بعثه الله عزَّ وجلَّ، فدعا الله عزَّ وجلَّ فاستجاب الله له، ووجدوا أن الموت هو المصيبة فيما بينهم، ووصفه ربنا على قدرنا أنه مصيبة وقال: ( فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ) (106المائدة)، لأن الموت يريح من اشتكى من السَقم ولا يجد من يريحه من شدة الألم، ويفتح للناس الأبواب لكي يأخذ كل واحد منهم دوره في الحياة، فلا يتمتع الشيوخ الكبار على حساب الشباب، بل لكل واحد منهم قسط معلوم، ومصير من الأقوات والأرزاق ونعم الحيِّ القيوم، فعلينا أن نقول عند الموت: (الحمد لله على نعمه).
وحتى المرض فهو نقمة على الكافرين، لكنه نعمة للمؤمنين. كيف يكون المرض نعمة؟ لأن الله عزَّ وجلَّ يطهِّر به المسلم من خطاياه، ويغسله من ذنوبه وآثامه، حتى ورد فى الأثر أن: { مرض يوم يكفر ذنوب سنة }.
وهذا إنما هو للمريض الصابر الذي لا يجزع، ولا يشكو الله، ولا يقول: لِمَ خصصتني يا ربَّ بهذا الهمّ؟ ولِمَ ابتليتني بهذا الغم؟ وأنا أصلي وفلان لا يصلي، لأن هذا اختياره بعلم وحكمة، وهذا اختيار العليم الحكيم عزَّ وجلَّ. فالمريض الصابر - الذي لا يشكو من مثل هذا - كل يوم من أيامه يكفر عنه ذنوب سنة، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله في الحديث القدسي: { أَبْتَلِـي عَبْدِي الـمُؤْمِنَ، فإذَا لـم يَشْكُ إلـى عُوَّادِهِ ذلِكَ، حَلَلْتُ عنهُ عِقْدِي، وأَبْدَلْتُهُ دماً خيراً من دمِهِ، وَلَـحْمَا خيراً من لَـحْمِهِ، ثم قلتُ له: إيتَنِفِ العَمَلَ – استكمل العمل} . ومن فضل الله على هذه الأمة المحمدية أن يمرض الرجل منهم قبل موته، لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: ( أنه إذا أحب الله عبداً أمرضه قبل موته)، لماذا؟ ليرحمه ويمحو الذنوب التي عليه ويبدلها بحسنات، ومكان الحسنة بعشر حسنات، ويزيد الله ويضاعف لمن يشاء على حسب قوة إيمانه، وعلى حسب صبره وقدرته على تحمل المرض.
حتى المرض يا إخواني نعمة من نعم الله عزَّ وجلَّ، لكن ليس معنى ذلك أن نرضى به ونسلم به ونترك التداوي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَدَاوَوْا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالى لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلاَّ خَلَقَ لَهُ شِفَاءً} .علينا أن نأخذ بالأسباب التي أوجدها مسبب الأسباب عزَّ وجلَّ.
إن المؤمن - يا إخواني - عليه آناء الليل وأطراف النهار أن يذكر الله، وعليه أن يشكره، وعليه أن يستعين بنعمه، وعليه أن يؤدي ما عليه من واجبات ذكره وشكره، إذا واجهه ولو بالقليل من نعمه وفضله عزَّ وجلَّ، حتى يدخل في ساحة الرضوان، فيمن قال فيهم: ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ) (191آل عمران)، أويدخل في قول الله عزَّ وجلَّ: ( رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ) (37النور)، فيدخل في هؤلاء القوم الذين سيكرمهم الله، والذين لا يندمون لحظة الخروج من هذه الحياة، ولا يندمون يوم لقاء الله، ولا يندمون حتى بعد دخولهم في جنة المأوى وفي رحاب الله عزَّ وجلَّ.
والمؤمن لحظة خروج روحه يرى ما له من الثواب العظيم على العمل اليسير، فيكشف المولى ما له من الأجر العظيم على عمله في طاعة الله، وعلى ذكره في ذكر الله، وعلى صبره وعلى حكمته في هذه الحياة، فينادي ويقول كما قال الله ( يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) (26- 27يس).
والذكر ليس له شروط، فلا يحتاج إلى وضوء ولا إلى مكان معد ومحدد مثل هذا، بل يجوز في الشارع، ويجوز في السوق، ويجوز في العمل، ويصح في البيت، ويصح على وضوء وعلى غير وضوء، بل يجوز حتى على الجنابة!!!. فالجنب لا يصلي، ولا يقرأ كتاب الله، ولا يمس المصحف، ولكنه يجوز له أن يذكر الله عزَّ وجلَّ. فأين العذر عندما يسألني الله؟!!!، ماذا أقول له؟!!! كنت مشغولاً بالأرزاق، فيقول لي: وما شأنك بذلك؟ ألم أقل لك: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) (132:طه).
وكذلك في الآخرة، فالسابقون في هناء وسرور - من الطاعات والقربات والنوافل وعمل الصالحات - فقد سبق المفردون،. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله عزَّ وجلَّ. والمستهترون معناها: الذين لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين. قال صلى الله عليه وسلم: {كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَىٰ اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَىٰ الرَّحْمنِ. سُبْحَانَ اللّه وَبِحَمْدِهِ. سُبْحَانَ اللّهِ الْعَظِيمِ } ، وقال أيضاً { سيروا فقد سَبَقَ المُفْردُونَ، قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: المُفْرَدُونَ بِذِكْرِ الله وَضَعَ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ، فَيٌّاتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ خِفَافاً } ، وود عن ذى النون: { إذا أكرم الله عبداً ألهمه ذكره }.
وقد ورد أن رجلاً من العلماء العاملين هو الشيخ كمال الدين الأخميمي رضي الله عنه، ذهب إلى زيارة الشيخ عبد الرحيم القنائي في بلدته وهم من الصفاء يرون بعضهم ويتحادثون فقال له الشيخ كمال الدين: يا سيدي أوصني. فقال له: يا بني لا تغفل عن ذكر الله طرفة عين، فأنا كما ترى في عليين ومع ذلك أقول: (يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ)" (56الزمر).
وقال صلى الله عليه وسلم: { أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعُهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ تَعَاطِي الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومِنْ أَنْ تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ غَداً فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ويَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذِكْرُ الله عَزَّ وجلَّ } . ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين. وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، الصادق الوعد الأمين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، أستاذ السابقين، ومنار السائرين، وآله وصحبه أجمعين. أما بعد.
فيا إخواني وأحبابي: كل العبادات الإسلامية تهدف إلى ذكر الله، وذكر الله معناها استحضار عظمة الله، ومراقبة جلال الله، هذا الاستحضار وهذه المراقبة تملأ القلوب بالخوف من علام الغيوب عزَّ وجلَّ.
وفي هذا الشأن يقول المولى عزَّ وجلَّ: ( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ) (205الأعراف)، فيصير الإنسان عنده عقيدة في الله عزَّ وجلَّ يعلم أنه يطلع عليه ويعلم سرَّه وظاهره ونجواه، ويعلم أنه عزَّ وجلَّ يعلم كل حركة من الحركات الباطنة في داخله، فإذا سار الإنسان بهذه النيَّة - انظروا معي ماذا يكون حاله في أرض الله؟ هل ينصب على جاره وهو يعلم أن الله يعلم سرَّه ونجواه ويسمع كلامه؟ هل يغش أحداً من خلق الله وهو يعلم في الحقيقة أنه يتعامل مع حضرة الله، وهو الذي سيحاسبه بعد مفارقة هذه الحياة؟ هل يفعل شيئاً بجارحة من جوارحه يغضب الله وهو يعلم أن الله يقول في قرآنه: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (105التوبة). إذا فلا يستطيع أن يعصي الله، لأنه يعلم تمام العلم أن الله يراه في حركاته وفي سكناته، ويعلم سره ونجواه، ويعلم كل أنفاسه.
متى يسرق السارق؟ إذا نسى مراقبة الله، ومتى يغش الغاش؟ إذا نسى أن الله مطلع على عمله وسيحاسبه يوم لقائه، متى يغمز الغامز بعينه أو بلسانه أو بشفتيه أو يحرك يديه استهزاءاً برجل من رجال الله أو عبد من عبيد الله؟ إذا نسى أن الله يطلع على عمله ويراه وسيحاسبه على ذلك ونسى أنه قال: ( وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ) (11الحجرات).
لقد امتلأت قلوب المؤمنين بمراقبة الله عزَّ وجلَّ وأصبحوا على أمرين: إما رغبة في الله وثواب الله، أو خوفاً من عقابه وخشية من لقائه يوم لقاء الله، فأصبح مجتمعنا مجتمعاً إيمانياً يقول فيه عزَّ وجلَّ: ( أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (39الفتح).
والتسبيح ذكر، والتهليل ذكر، وتلاوة القرآن ذكر، والصلاة على حضرة النبي ذكر، واستحضار عظمة الله ذكر، وكل هذا يا إخواني ذكر الله ( اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ) (41الأحزاب) .
إخواني لا تصغروا أنفسكم، ولا تسودوا صحائف أعمالكم باللغو وضياع الوقت، فقد قال صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ لاَ إِلهَ إلا الله أَتَتْ إِلَى صَحِيفَتِهِ فَلاَ تَمُرُّ عَلَى خَطِيئَةٍ إِلاَّ مَحَتْهَا، حَتَّى تَجِدَ حَسَنَةً مِثْلَهَا فَتَجْلِسَ إِلَى جَنْبِهَا }
<< ثم الدعاء >>.

الشوق إلى البيت الحرام خطبة جمعة

الشوق إلى البيت الحرام
الحمد لله ربِّ العالمين، أنعم على عباده المؤمنين أجمعين من أول الدنيا إلى يوم الدين، فجعل لهم ساعة للفضل والمغفرة من رب العالمين. سبحانه .. سبحانه، وسعت رحمته كل شئ، وغمر فضله كل شئ، ومع ذلك خصَّ عباده المؤمنين بواسع المغفرة، وبواسع الرحمة، وبقبول التوبة، وبغفران الذنوب، وبستر العيوب، وباستجابة الدعاء - في المكان الذي اختاره سبحانه ساحة اللقاء في الأرض والسماء.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله لا تحدُّه جهات، ولا تلحقه الحركات، ولا تتناوله من قريب أو بعيد الإشارات. يحيط ولا يحاط به، ويسع كل شئ ولا يسعه من خلقه شئ، ويقدر على كل شئ ولا يقدر أحد على شئ دونه إلا بإذنه عزَّ وجلَّ. هذا الإله الكبير المتعالي تجلى على الأحجار فملأها بالأنوار، وجعلها مكاناً لهطول رحمات العزيز الغفار عزَّ وجلَّ. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، كشف الله عزَّ وجلَّ له البيان عن مناسك الحج، فأداها كما أنزلها الله على خليل الله، وأبطل ما أبدله أهل الجاهلية، وما جعلوه نسكاً وهو عن نسك الله بعيد، حتى قال صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ، فَإِني لاَ أَدْرِي لَعَلي لاَ أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا} .
اللهم صلِّ وسلم وبارك على مصدر الرحمات الإلهية، وسر التجليات الربانية، ومفيض العلوم القدسية، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، الشفيع لجميع خلق الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أما بعد.
فيا أيها الأخوة المؤمنون: تهيم القلوب والأرواح في هذه الأيام إلى مهبط الرحمات الذي جهزه لنا الملك العلام، فكلنا يود أن يذهب إلى تلك الأماكن، ويملأنا الشوق ويعاودنا الحنين، حتى أن بعضنا من شدة شوقهم إذا ناموا يرون أنفسهم في تلك البقاع يطوفون أو يسعون أو يقفون، لأن الجميع يشتاق إلى بيت الله عزَّ وجلَّ. وقد ذكرني ذلك بقول سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عندما كان يحج ذات مرة، وأخذ يزاحم على الحجر حتى دمى وجهه وحتى تورمت أصداغه، فقال له بعض من حوله: يا عبد الله لِمَ هذه المزاحمة وقد أغناك الله عن هذا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شدة المزاحمة؟!!، ماذا قال رضي الله عنه؟ قال: ( هويت إليه القلوب فأحببت أن يكون فؤادي معهم). أى هذا المكان اشتاقت إليه القلوب، فوددت أن يكون قلبي معهم بين يدي مقلب القلوب عزَّ وجلَّ.
هذا حال المؤمنين ممن اختارهم الله لزيارته!! كلهم شوق وحنين، وحب وأنين، خاصة من أسمعه الله نداءه على لسان الخليل، فقلبه مملوء بالشوق، وفؤاده لا يستقر في مكانه لأنه هائم هيام دائم في بيت الله عز وجل. لماذا هذا الحنين؟ ولماذا هذا الشوق؟ هذا لأن الله يقول: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) (96، 97آل عمران). إن أول بيت وضع للناس في الأرض هذا البيت. كيف تم ذلك؟
عندما أهبط الله آدم عليه السلام ونزل في سرنديب في بلاد الهند - ونزلت الجدة حواء في جدة وسميت بهذا الاسم لأنها هبطت بها - وأخذ يدعو الله ويستغيث بالله كما تقول إحدى الروايات ثلاثمائة عام وهو يبكي أسفاً على ما فرط في جنب الله، وعلى النعيم والمقام الكريم الذي حرم منه بعد أن أهبط إلى الأرض، وفي هذا الندم والأسف نزل عليه الأمين جبريل ووجهه إلى هذا البيت الكريم، وقال له: (يا آدم اذهب إلى البيت وطف حوله يغفر الله لك). فجاء آدم عليه السلام من بلاد الهند ماشياً - غير أن الله بقدرته كان يطوي له الأرض حتى وصل إلى البيت، وكان البيت ليس كهيئته هذه وإنما صخور مرتفعة بناها الملائكة عليهم السلام، فطاف حوله، وهو أول من طاف بالبيت من البشر، وإن كان البيت لا يخلو من طائف في لحظة من ليل أو نهار، فقد ورد في الأثر: {لا يخلو هذا البيت من ستمائة ألف يطوفون به كل يوم وليلة فإذا لم يتموا العدد من البشر أتمه الله من الملائكة} هذا المكان منذ أن خلقه الله وهو مكان للرحمات ومهبط للبركات، يذهب الخطايا ويأتي بالفضل من الله عز وجل للزائرين وللسائلين وللعاكفين وللركع السجود.
هذا البيت في أي بلد؟ ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ) (96آل عمران) ، لِمَ لَمْ يَقُلْ الله مكة؟!!، هي مكة، وبكة، وأم القرى، وهي البيت الحرام، وقال الله (بَكَّةَ) لأن الله آلى على نفسه أن يبك (يدق) أعناق الجبابرة الذين تسول لهم أنفسهم أن يعتدوا على حرمة البيت، فهي بكة لأنها تبك (تدق) أعناق الجبارين الذين يريدون أن يؤذوا الطائفين والعاكفين ببيت رب العالمين عزَّ وجلَّ.
وإذا كانت الحيوانات والطيور تتأدب مع بيت الله عزَّ وجلَّ كأنها فهمت قول الله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) (97آل عمران)، وأخذت على نفسها العهد ألا تؤذي أحد من أجناسها، فقبل الإسلام - ولم يكن للبيت سور يحيط به ولا أبواب تغلق - فكانت الحيوانات المتوحشة يجري بعضها إثر بعض ليقتنص فريسته، فإذا جرت الفريسة ودخلت حدود الحرم وقف الوحش بدون حراك كأنه يعلم أن هذا حرم وأن هذا مكان آمن!!. وأنتم تحفظون جميعاً قصة (فيل أبرهة) عندما كانوا يوجهوه جهة الشام فيمشي، وجهة اليمن يمشي، أما جهة البيت فيصرخ، فيحمو الأسياخ في النار وينخسونه بها فلا يتحرك!! لأنه يعلم شدة عقاب الله لمن يجترئ على ساحة فضل حرم الله عزَّ وجلَّ.
حتى أن الحيات - وهي العدو اللدود للإنسان - لا تؤذي إنساناً في الحرم، ولا تروع إنساناً في البلد الأمين. والطيور كذلك، تقف على المصلين، وتطير ذات اليمين وذات الشمال، ولكنها تطوف كما أمر الله عز وجل المؤمنين بالبيت لو نظرت إليها لا تجد طائراً يعلو البيت الحرام إلا إذا كان به مرض، فالحمامة التي تمرض يلهمها الله عزَّ وجلَّ أن شفاءها في الوقوف على ظهر البيت للحظات، فتصعد على ظهر البيت وتقف عليه للحظات فتشفى بأمر الشافي عزَّ وجلَّ. أما الحمامة السليمة فإنها تطوف حوله كما يفعل المؤمنون، وكما تفعل الملائكة، وكما فعل النبيون والمرسلون أجمعون، والكل ينفذ أمر رب العالمين: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (29الحج).لابد أن يطوفوا بهذا البيت.
ولذا عندما ذهب أسعد الحميري بثلاثمائة ألف من جنده إلى البيت - وقد كان سبق له الهداية من رب العالمين - صدَّه الله عز وجل عن البيت مع كثرة عدد جنده، فما كان منه إلا أن نطق بالإسلام وطاف بالبيت وكساه الديباج والحرير، فكان أول من كسا البيت بعد أن كان زاهداً في هذا البيت، لأن الله تعهد ببكة أن تبك كل جبار يحاول أن يعتدي على البيت، حتى أن الحجاج عندما حاصر ابن الزبير وأمر جنوده أن يقفوا على جبل أبي قبيس في مواجهة الكعبة ويضربوه بالمنجانيق - وهي آلة كالمدفع إلا إنها تقذف قذائف مصنوعة من القماش وفي وسطها البارود، وإذا نزلت تعمل حرائق كبيرة - فأطلق المنجانيق على البيت وأشتعلت النيران، وإذا بسحابة تأتي من جهة جدة على قدر البيت فتقف قبالة البيت وتنزل الماء فتطفئ النار التي أشتعلت في كسوة البيت، ثم تأتي صاعقة فتخطف الثلاثين رجلاً الذين قذفوا هذا البيت وتنهي حياتهم في لمحة.
ولكنه من شدة جبروته جاء بآخرين وقال لهم: لا يهولنكم الأمر أي لا تخافون فإنها أرض صواعق، فجاءت سحابة أخرى فاختطفتهم أجمعين، فرجع عن كيده للبيت بعد أن يئس منه، لأنه علم أن الله عزَّ وجلَّ يحفظه بحفظه ويكلؤه بكلاءته: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ) (96آل عمران)، ولكي نعرف الفرق بينه وبين المسجد الأقصى عندما تحدث الله عن الأقصى جعل البركة حوله: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) (1الإسراء)، والبركة حوله في الأنبياء الذين كانوا حوله، والصالحين الذين كانوا حوله، ولكنه عندما تحدث عن هذا البيت قال: ( مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ).
هو في ذاته مبارك، وهو في ذاته هدى للعالمين، لأنه لا يذهب إليه إنسان إلا وتحيطه بركة الحنان المنان عزَّ وجلَّ، فلو ذهب إليه تائب يتوب الله عليه، ولو أتاه سائل يجيب الله له كل المسائل، ولو ذهب إليه راج يحقق الله له كل رجاءه، ولو ذهب إليه عابد يرجع بعبادة لا عدَّ لها ولا حصر لها، يكفي أن كل صالحة فيه تعدل مائة ألف فيما سواه، الركعة فيه بمائة ألف ركعة فيما سواه، والتسبيحة فيه بمائة ألف تسبيحة فيما سواه، والصدقة فيه بمائة ألف صدقة فيما سواه، حتى قال العلماء: لو صلى رجل صلاة واحدة جماعة في بيت الله الحرام كانت أفضل في الأجر والثواب له من أنه لو عاش عمر نوح في بلده يعبد الله عز وجل، قيل له: وكيف ذلك؟، قال: الصلاة الواحدة بمائة ألف صلاة، وصلاة الجماعة تزيد على صلاة الفرد بسبعة وعشرين درجة، فحاصل ضرب المائة ألف في سبعة وعشرين يكون رقم كبير وعمل كثير لا يستطيع الإنسان أن يقضيه هنا ولو أعطاه الله عمر نوح عليه السلام.
هذا البيت يقول فيه صلى الله عليه وسلم: {يُنَزِّلُ اللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى حُجَّاجِ بَيْتِهِ الْحَرَامِ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ: سِتِّينَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعِينَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرِينَ لِلنَّاظِرِينَ} . وقال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَتَىٰ هَـٰذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ} .
وقال صلى الله عليه وسلم: {التائب حبيب الرحمن، والتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ} . أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا أخوة الإيمان: أما المقام الذي لا نستطيع إلا أن نشير إليه بأقل القليل، وهو قول الله: ( فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ) (97آل عمران)، علامات لا عدَّ لها ولا حصر لها.
آيات ظاهرة؛ كالحِجْر والحَجَر الأسعد الذي جعله الله يشهد لكل من استلمه. كيف لحجر أن يعرف كل الصالحين من أول آدم إلى يوم الدين، ويشهد لهم عند رب العالمين؟ يعرفهم بأسمائهم، ويصورهم ويردد الكلمات التي قالوها في مواجهته، شهادة لهم عند ربهم، وهو حجر لكنه مملوء بنور النور الأكبر عزَّ وجلَّ!!، هذا الحجر فيه قصة للعظة والتفهيم أقصها عليكم:
عن أَبي سعيدٍ الْخدري رضي الله عنه قَالَ: { حَجَجْنَا مَعَ عُمَرَ بْنَ الُخَطَّابِ، فَلَمَّا دَخَلَ الطَّوَافَ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ فَقَالَ: ( إِني لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَني رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ)، ثُمَّ قَبَّلَهُ. فَقَالَ عَليُّ رضي الله عنه: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، قَالَ: بِمَ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، قَالَ: وَأَيْنَ ذلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ) (172آل عمران).
خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَمَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ فَقَرَّرَهُمْ بِأَنَّهُ الرَّبُّ وَأَنَّهُمُ الْعَبيدُ، وَأَخَذَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ وَكَتَبَ ذلِكَ فِي رَقَ، وَكَانَ لِهذَا الْحَجَرِ عَيْنَانِ وَلِسَانَانِ، فَقَالَ: افْتَحْ فَاكَ، فَفَتَحَ فَاهُ، فَأَلْقَمَهُ ذلِكَ الرَّقَّ، فَقَالَ: اشْهَدْ لِمَنْ وَافَاكَ بِالمُوَافَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِني أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: ( يُؤْتى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَلَهُ لِسَانٌ ذَلِقٌ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بِالتَّوْحِيدِ )، فَهُوَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَعِيشَ فِي قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ}.
فما بالكم بالحِجْر وفيه باب للجنة مفتوح أبد الآبدين ودهر الداهرين، فعندما اشتكى إسماعيل إلى ربِّه من حرِّ مكة قال له: يا إسماعيل اجلس في الحِجْر فإنا سنفتح لك فيه باباً من الجنة يأتيك منه الروح والريحان إلى يوم القيامة.
فما بالكم بالميزاب؟ وهو مكتب استجابة الدعوات من حضرة الوهاب، فلا يدعو عنده داع إلا ويؤمن عليه الملائكة المكرمون، ووظيفتهم أن يقولوا: آمين آمين إلى يوم الدين. كل من يدعو يؤمنون عليه، ومن وافق دعاؤه دعاء الملائكة استجاب الله عزَّ وجلَّ له.
فما بالكم بمقام إبراهيم؟!!، وما بالكم بزمزم؟!!، وما بالكم بكذا .. وكذا. آيات وآيات .. تحتاج إلى أيام ودهور حتى نعرف منها بعض الحكم التي من أجلها أمرنا الله أن نتوجه إلى هذا البيت ..... << ثم الدعاء >>.

استجابة الله لدعاء الخليل خطبة جمعة

استجابة الله لدعاء الخليل
الحمد لله ربِّ العالمين، وفَّق عباده المؤمنين للخروج من بلدهم وأهليهم إلى البلد الأمين، طاعة لله، ورغبة فيما عند الله، وأملاً في تحقيق الثواب الذي أعدَّه وجهزه لهم الله.
سبحانه .. سبحانه، لا يحدُّه مكان، وليس لظهوره بتجلياته زمان أو أوان، لأنه عزَّ وجلَّ فوق حصر الطاقة والإمكان، وإنما جعل سبحانه وتعالى مكاناً للناس ليغفر لهم فيه ذنوبهم، ويستجيب لهم فيه دعاءهم، ويستر عليهم فيه عيوبهم، لأنه كما أخبر عن نفسه في قرآنه: ( يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (222البقرة).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قربه من العرش كقربه من الفرش، فكما أنه عزَ وجلَّ ما مسَّ العرش وما حسَّه فهو عزَّ وجلَّ ما مسَّ التراب ولا حسَّه، لأنه عزَّ وجلَّ تنزَّه عن التنزيه، وتعالى عن العلو، ليس له شبيه ولا نظير، ولا وزير ولا مشير: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (11الشورى).
وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أحيا به الله عز وجل الملة العوجاء، وأقام به الشريعة السمحاء، وأنار به كافة الأرجاء، حتى وضح للبشرية جميعاً حقيقة رسالة السماء.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد إمام الأنبياء، ورسول المرسلين، وخاتم النبيين، وقائدنا جميعاً يوم الدين إلى جنات النعيم، وآله وصحبه وكل من تبعه بخير إلى يوم الدين، آمين. أما بعد
فيا إخواني ويا أحبابي: آية من آيات ربنا عزَّ وجلَّ، كلنا نشهدها - إما بعين الرأس لمن وصل إلى هنالك، وإما في وسائل الإعلام لمن لم يقدم الاستطاعة ويوفقه الموفق للوصول إلى هنالك - يذهب الناس من فجاج الأرض؛ يفارقون الأهل وهم فرحون، ويفارقون المال والأوطان وهو مغتبطون ومسرورون، لا يبكي أحد لفراقهم بل كلنا نهنئهم ونتمنى أن نكون على أثرهم، ونلح عليهم أن يدعوا الله لنا هنالك، أن يكرمنا بالحج كما أكرمهم. هذه الآية ما سرُّها؟
سرُّها كلمة وقف أمامها الناس كثيراً، فقد سُئل الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: يا إمام، كم بين السماء والأرض؟ فقال: دعوة مستجابة. ليس الفرق بين السماء والأرض بالكيلومترات ولا بالأميال، ولا بسرعة الصوت أو الضوء أو غيرها، بل هناك ما هو أسرع من ذلك كله وهو الدعوة التي تخرج من قلب العبد المؤمن لله ربِّ العالمين. فإنه لا يكاد يحرك بها شفتيه إلا ويستجيب لها الله عزَّ وجلَّ: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) (9الأنفال)، بمجرد الاستغاثة أجاب!!.
لم ينظر في الأمر ولم يؤجله إلى ميعاد، بل استجابة فورية بفاء الفورية، لأن الله عزَّ وجلَّ وعد بذلك عباده المؤمنين، وخاصة إذا كانت الدعوة تتعلق بأمر من أمور الدين. إذا كان الإنسان في ضيق بسبب إتباعه وصدقه لأمر الله، أو يتعرض للإيذاء أو الشدات لتطبيقه لأمر الله، أو يصبر أمام أعاصير المادة التي تريد أن تقتلع جذور الإيمان من قلوب المؤمنين، فهذا هو المثل!!!!
عندما ضاق بإبراهيم عليه السلام الميدان وفرَّ بأهله وبولده وذهب إلى مكان لا يصدق أي إنسان بالحياة فيه، لا زرع ولا ضرع، ولا وحش ولا طير، ولا خير فيها على الإطلاق!!! لكن تجلت آية الكريم الخلاق لأنه هاجر بهم من أجل دين الله ولإحياء شعائر الله، دعا الله فقال - واسمعوا وعوا إلى ما سمعناه من آيات الله قبل الصلاة: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ) (37إبراهيم). هاجر بهم من أجل أن يقيموا الصلاة، ويحيوا شعائر الله، لأنهم لم يتمكنوا من إقامتها بين القوم الكافرين. ودعا ماذا دعا؟ وماذا كانت إجابة المولى له؟ ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (37إبراهيم) ، وهذا ما نراه منذ زمانه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أفئدة الناس وقلوب الناس وأشواق الناس تزداد إلى زيارة هذه الأماكن، وتتمنى أن تطأ هذه المواطن. لماذا؟ هل يحصلون هناك أرزاق؟!، هل يحصلون هناك على أوسمة أو نياشين؟!، نعم!!. لكن أرزاق ربانية وأوسمة ونياشين قرآنية وإلهية. لم يهاجروا طلباً للدنيا أو زينتها، وإنك ترى العجب عندما ترى الرجل الفقير يجمع القرش على القرش حتى يوفر نفقة الحج، فإذا توفرت لديه كانت هذه أكبر فرحة عنده في هذه الحياة، لا يضارعها فرحة بمنصب مهما كان عظمه، ولا بمولود مهما كان شأنه. كيف يفرحون وهم من أموالهم ينفقون؟!!، ولأهلهم وأوطانهم يفارقون؟!!، ولبلاد لا يعرفونها يذهبون؟!!. لأنها دعوة إبراهيم عليه السلام التي استجاب لها الله، وجعل هذا المكان قبلة لجميع خلق الله، من لم يذهب إليه للحج يتجه إليه وهو في مكانه في الصلاة، ولا تستوفى الصلاة إلا إذا اتجه إلى البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام استجابة لدعوته عزَّ وجلَّ.
والشق الثاني من الدعوة: ( وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (37إبراهيم)، وهذا أمر والحمد لله رأيناه جميعاً، فليس عندهم أنهار ولا أمطار ولا غابات ولا أشجار، لكن الله أنبع لهم من الأرض أرزاقاً بغير عمل منهم، فتأتي الشركات الأجنبية ويعمل فيها أهل أمريكا وأوروبا الذين لا يتحملون حرارة الصيف، يأتون وهم المترفون يعيشون في الصحراء متحملين حرارتها وشظف العيش، بها ليحفروا آبار البترول ويستخرجونها، وبنو إبراهيم والذين سكنوا في الأرض التي دعا فيها إبراهيم جلوس مستريحين لا يتعبون ولا يكدون، ولكنهم يقفون على المواني يحاسبون، فكل شحنة لهم منها نصيب بلا تعب ولا عناء.
ثم زاد الله عزَّ وجلَّ بعد ذلك في خير هذه الأرض فجعل خير أي بقعة في الكرة الأرضية من فواكهها ونباتها ومصنوعاتها ومشتهياتها يعرض في هذه الأماكن بأسعار أرخص من الأماكن التي تنتج فيها!!، لأن الله استجاب لإبراهيم عندما قال له ( وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (37إبراهيم)، وعندما خوفهم بعض الكافرين بأن البترول مآله إلى النفاذ إذا بهم يكتشفون جبالاً من الذهب في باطن الأرض، فتركوها كما هي للأيام الخالية، لأن الله عزَّ وجلَّ شملهم بدعوة إبراهيم فرزقهم من جميع أنواع الثمرات والخيرات، وتلك آية لنا جميعاً جماعة المؤمنين.
فيا أخي المؤمن يا من تشكو ضرِّك للمخلوقين، وتشكو مكابدة الحياة وعناء العمل لمن لا يملكون لك ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا نشوراً، ذلك هو الطريق؛ اصلح ما بينك وبين الله، ونفذ على نفسك وأهل بيتك ما يحبه الله ويرضاه، وخذ بهم وبأيديهم على كتاب الله وعلى سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اطلب بعد ذلك ما شئت من مولاك، يواليك بالعطاء بلا سبب، لأن الله يرزق أحبابه بغير حساب، كما استجاب لإبراهيم في ذريته وأهله عليهم السلام: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (2، 3الطلاق).
كيف تكون مستجاب الدعوة؟ وما الأمر الذي يطلب منك لتنال هذه المكرمة وتكون من أهل تلك المنة؟
إن رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم لخصَّ الأمر في كلمتين مجيباً لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عندما قال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. قال: { يا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَة } أي كُلْ من طريق حلال، ليس من غش ولا سرقة ولا خداع ولا ربا، ولا تطفيف في كيل، ولا غش في ميزان، ولا تضييع لوقت العمل فيما لا يفيد وإهمال لمصالح المترددين من العبيد - تحت دعوى على قدر فلوس الدولة نعطيها - لأنك تعاقدت على ذلك، و (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).
فإذا اتقنت العمل، وابتعدت عن مواطن الزلل، وحافظت على فرائض الله وكفى، فإنه يكون بينك وبين الله خطٌ مباشرٌ وهاتفٌ مستعجل، تدعوه في أي أمر ما لم يكن إثم أو قطيعة رحم. يعجِّل لك قضاءه في الحال!!. وقد كان على ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، والأمثلة في هذا المجال يضيق الوقت عن ذكرها.
قال صلى الله عليه وسلم: {الرجُل يَـمُدُّ يَدَيْهِ إلـى السماءِ يا ربَّ .. يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُه حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وقَدْ غُذِيَ بالـحَرَامِ، فأَنَّى يُسْتَـجَابُ لَهُ} . وقال عزَّ وجلَّ: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (60غافر)، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي هدانا للهدى والإيمان وجعلنا مسلمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجِّنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: بقى شئ مهم أحب أن ألفت نظر إخواني إليه الذين يدعون الله، ألا يستبطأ الإجابة ويقول: دعوت ودعوت ولم يستجب لي، فقد قال صلى الله عليه وسلم: { يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ } فالأمر يحتاج إلى يقين هاجر وإسماعيل عندما أودعها وطفلها بين الصفا والمروة وقالت له: لمن تتركنا ها هنا يا إبراهيم؟ فلم يجبها، فكررت القول ثلاثاً، فلما رأته لم يجبها قالت: أالله أمرك بذلك؟، قال: نعم، قالت: ( إذاً لا يضيعنا). ثقة بالله، ويقيناً وحسن ظن بالله عزَّ وجلَّ. وقال صلى الله عليه وسلم: { حُسْنُ الظّنِّ بِالله مِنْ حُسْنِ الْعِبادَةِ } فلما أحسنت بالله ظنها فرَّج الله أمرها!!.
فبينما هي تجري مسرعة بين الصفا والمروة - بعد نفاذ السقاء الذي كان معها من الماء، إذا بها تجد طيوراً عند صغيرها، فتسرع إليه خائفة، فإذا الماء قد نبع من تحت قدم رضيعها، وعلى هذا الماء أمرٌ عجيب في صحراء جرداء لا يرويها نهر، ولا يأتيها مطر، تروي الملايين والملايين في كل طرفة عين ولا ينفذ ماؤها، ولا يتغير طعمها، ولا يعطي منها ماءً في الأول يخالف الماء في آخر اليوم، فكأنها تنبع من الجنة، لا مقطوعة ولا ممنوعة!!!.
وإسماعيل عليه السلام عندما حكى له أبوه الرؤيا وقال: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (102الصافات)، ولم يعترض على أمر الله، ولم يهرب من أبيه، بل عاونه وكان نعم العون له، وقال له: يا أبت، لا تخبر أمي بخروجنا، وخرجا وتظاهرا أنهما خارجان للسير، فلما وصلا إلى منى قال: يا أبت اشحذ المدية (السكين) حتى تقطع بسرعة، وانزع قميصي من على جسدي حتى لا يقع عليه الدم فتعرف بذلك أمي فتحزن لأجلي، وألقني على وجهي حتى لا تنظر إلى قسمات وجهي فتأخذك رحمة في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ، فقال له: نعم الولد أنت عوناً لأبيك يا إسماعيل: ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (103: 105الصافات).
ونزل الملك بفدائه من الجنة؛بكبش سمين لتكون سنة عملية لمن يحج ولمن لا يحج إلى يوم القيامة تثبت للناس أجمعين أن المؤمنين الذين يسلِّمون لأمر الله، ولا يعترضون على قضاء الله الذي ليس في وسعهم دفعه ولا منعه، يحميهم الله بلطفه، وينقذهم الله عزَّ وجلَّ ببرِّه، لأنه نعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.
إخواني جماعة المؤمنين عليكم بباب الدعاء .. عليكم بباب الدعاء، تعلموا آدابه، وألزموا أنفسكم بشروطه، وادعوا الله عزَّ وجلَّ في ليلكم ونهاركم، في مساجدكم أو في أعمالكم، أو في بيوتكم أو في شوارعكم، تجدون الله عزَّ وجلَّ أقرب إليكم من كل شئ لكم أو حولكم، وأقرب إليك من مالك الذي في البنك، ومن زوجتك التي تنام إلى جوارك على الفراش، ومن فلذة كبدك الذي أنفقت عليه آلاف الجنيهات، وارحم بك من نفسك، وارحم عليك من كل هؤلاء. فاستغني بالله يغنيك الله عمن عداه.
<< ثم الدعاء >>.

عناية الخليل عليه السلام بأبنائه خطبة جمعة

عناية الخليل عليه السلام بأبنائه
الحمد لله ربِّ العالمين، يهب عباده المخلصين العمل الصالح المقرب لرب العالمين، ويوفق ألسنتهم لذكره، ويوفق جوارحهم لطاعته وحسن شكره، ويلهمهم الصوٍاب في كل حركة وسكنة في كل وقت وحين. سبحانه .. سبحانه، إذا أحب عبداً سخَّره لأفضل الأعمال في أفضل الأوقات، وإذا غضب على عبد خذله عن فعل الطاعات، وشغله بالدنيا وما فيها من مشاغل وهموم وقربات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المؤمنين، ومعزُّ المتقين، ومتولي عباده المخلصين بكل ما فيه سعادتهم في الدنيا وفلاحهم ونجاحهم في يوم الدين.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُهُ ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، ملأ الله عزَّ وجلَّ قلبه بمحبته، وهداه للعمل بأحكام شريعته، وجعل على الإيمان به مدار سعادته، ورفع به في الدنيا منار هدايته، وجعل تحت لوائه في الآخرة كل من اختاره للدخول في شفاعته.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وأدخلنا في زمرة أحبابه، واجعلنا يا ربنا في مثل هذه الأيام من الواقفين على أعتابه، ومتِّع عيوننا جميعاً بالنظر إلى جميل طلعته، واجعلنا جميعاً في الآخرة ممن يحظى بشفاعته ويُكرم بجواره مع خالص أحبته، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا إخواني ويا أحبابي: استمعنا قبل الصلاة إلى آيات من كتاب ربِّنا عزَّ وجلَّ من سورة إبراهيم - عليه السلام، وقد جعل الله سبحانه وتعالى في كل عام أوقاتاً عظيمة نُشرِّف فيها أسماعنا بسماع قصة سيدنا إبراهيم، ونُمتّع عقولنا بفهم الحكم العظيمة التي من أجلها أوجب الله عزَّ وجلَّ علينا أن نتذكر في هذه المواطن والأيام سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل وزوجه هاجر عليهم السلام أجمعين. لماذا؟ حكم كثيرة وعبر عظيمة ومنافع جمّة لا نستطيع أن نحيط بها في هذا الوقت القصير، وإنما الأمر كما يقول الإله العلي الكبير ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ ) (111يوسف(.
ليست روايات وحواديت نسمعها على سبيل التسلية، لكنها عظات عالية، وحكم غالية، وآنات آلهية راقية، علينا أن نتدبرها ونعيها ونفهمها في هذا الوقت - يا إخواني - حتى يكرمنا الله كما أكرمهم، وحتى يعمنا الله عزَّ وجلَّ بالفضل الكبير الذي عمَّهم به، وبالأجر العظيم الذي وعدهم به، وبالثواب الجزيل الذي أدخره لهم المولى عز وجل عنده.
عبرة واحدة أريد أن أفهمها وآخذها لنفسي ويفهمها معي إخوانين، نحن في هذه الأيام كل واحد فينا يحاول أن يعمل لأولاده ما ينفعهم في الدنيا؛ فالذي يسافر ليحضر لهم ريالات أو دولارات، والذي يتاجر ليعمل لهم بيوتاً وعمارات، والذي يجري هنا وهناك، كل هذا لماذا؟!!، هو لا يريد شيئاً لنفسه، لأنه تزوج وسكن وأدى ما عليه، ولكنه يريد أن يعمل لأولاده حاجة تنفعهم في الدنيا، والكل يعتقد تمام الاعتقاد أنَّ من يفعل ذلك هو الناصح في دنياه، الشفوق العطوف على أبنائه وولاياه، السعيد في نظر خلق الله.
وكلنا لا يشك في هذا الكلام، وهذا الكلام صحيح، لكن الأصح منه أن نتأسى بأنبياء الله ورسل الله وعلى رأسهم خليل الله عليه السلام. ماذا أفعل؟ عاش ثمانين عاماً لم يرزقه الله عزَّ وجلَّ فيها بغلام، فلم ييأس من فضل الله، ولم يقنط من رحمة مولاه، بل كان دائماً وأبداً منتظراً لفرج الله، و (انتظار الفرج عبادة) - كما أخبرنا سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني الذي أخرّ الله عنه الإنجاب والولد يترقب الفضل، وينتظر الكرم من الله عزَّ وجلَّ، وهذا الانتظار عبادة يثيبه عليها العزيز الغفار عزَّ وجلَّ، عبادة ليس فيها عمل ولا تعب ولا إنفاق، إلا أنه يحرك قلبه بالحنان والعطف والإشفاق إلى المليك الخلاق، يستمطره الرحمات، وينتظر منه المكرمات، لأنه وحده عزَّ وجلَّ الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وهو على كل شئ قدير.
أكرمه الله بالولد بعد ثمانين عاماً، ولم يتركه يفرح به لوقت طويل بل أمره على الفور بأن يلقي به في صحراء ليس فيها زرع ولا ضرع ولا ماء، ولا فيها حتى وحوش لأن الوحوش لا تسكن إلا المكان الذي فيه قوتهم وفيه شرابهم، وهذا مكان ليس فيه قوت لحي!!، ماذا يفعل؟، هل اعترض على أمر الله؟، هل شعر في نفسه بأن هذا الحكم الذي حكم به عليه الله قاس؟، هل ناوأ الله وقال - كما نسمع من عباد الله - لماذا تفعل معي هذا؟!!، ولماذا حكمت عليّ بهذا الحكم؟!، ولم خصصتني وأمرتني بهذا العمل؟!!، هل مثل هذا الكلام ينفع من العبد مع سيده ومولاه؟!!
( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ) (68القصص)، فإذا قضى أمراً فعلينا بقوله: ( مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) (36الأحزاب)، فكل أَمْرٍ أَمَرَ به الله لا يجوز للمؤمن أن يختار بعد أمر الله، ولا يجوز للمؤمن أن يعترض على ما قضاه الله، ولا يجوز للمؤمن أن يُظهر حتى بقلبه أو بنفسه الجزع أو الهلع أو الضيق في الأمر الذي أبرمه الله عزَّ وجلَّ، ولكن عليه أن يرضى بأمر الله، وأن يُسلِّم لقضاء الله، وأن يفوِّض كل أموره لله عزَّ وجلَّ. فإذا لم يرضَ ماذا يكون له؟ وإذا رضى ماذا يكون له؟.
قال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السُّخْطُ} الذي يرضى عن أمر الله وعن قضاء الله فسيرضيه الله في دنياه، ويرضيه الله عزَّ وجلَّ في أخراه. والذي يسخط لا يعبأ به الله؛ يمشي في أودية الهموم، أو تقتله الهموم والغموم، أو يهلك مع الهالكين في الأفكار والشواغل الدنيوية، أو تحرمه هذه الأشياء من المتع النورانية، ومن الهناءة الروحانية عندما يناجي معنا الحضرة العلية، كل هذه الأمور - يا إخواني - تحدث له وأكثر ولا يهتم به الله، لأنه لم يرضَ بأمر الله عزَّ وجلَّ. لكن المؤمنين: ( رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (8البينة)، لأنهم رضوا عن أمر الله وتقدير الله، فكان جزاؤهم أن رضى عنهم الله عزَّ وجلَّ.
هذا الرجل رضى وعلَّم زوجته الرضا، حتى أنه تركها وليس معها إلا جراب بسيط فيه بضع تمرات، وآخر بسيط فيه جرعة ماء، فنظرت إليه وقالت: يا إبراهيم، لمن تتركنا ها هنا؟ فلم يجبها وآثر الصمت والسكوت، فكررت القول: يا إبراهيم، لمن تتركنا ها هنا؟!!، فلم يلتفت ولم يرد، فقالت: أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. لأنها على يقين أن الرزاق هو الله عزَّ وجلَّ - فالمرأة التي قال لها جيرانها في وداع زوجها مسافراً: لمن يتركك؟، قالت لهم: زوجي مُذْ عرفته أكَّال، والرزاق هو الله، يذهب الأكَّال ويبقى الرزاق عزَّ وجلَّ - لما اطمأنت ورضيت، وسلمت لأمر الله عزَّ وجلَّ فرح إبراهيم ودعا لها الجليل وقال كما سمعنا جميعاً في محكم التنزيل: ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (37إبراهيم) .
دعا وهو راضٍ فلباه الله وأجابه الله، وزاده الله عزَّ وجلَّ من فضله وكرمه لأنه راضٍ عن أمر الله وعن حكم الله عزَّ وجلَّ. لم يَدع لهم في البداية بالأرزاق والأقوات والخيرات والأموال - لأنه يعرف أن هذه الأشياء مضمونة، ويعلم أن هذه الأشياء لو جاءت إلى قوم غير مسلمين فستكون وبالاً عليهم في الدنيا وطامة عظمى يوم لقاء رب العالمين -. ربما يدعو لهم بالأموال فتأتي الأموال لكن لا يوفقون في كيفية الإنفاق التي ترضي الله، ولا كيفية تحصيلها بحيث لا يتجنبون غضب وسخط الله، فيكون المال في هذا الوقت يميل بهم إلى غضب الله في الدنيا، ويميل بهم إلى جهنم وبئس القرار. لكن المرء العاقل يفعل كما فعل الخليل عليه السلام، يدعو الله عزَّ وجلَّ لهم بإقامة الصلاة ويركز عليها.
فأول ما بدأ هذا الدعاء قال فيه: ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ )، ثم عاد إلى تكراره في آخر الدعاء حيث قال: ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ) (40إبراهيم( ، فكرر مرة ثانية دعوة الإقامة، لماذا؟
لأنه قانون الله الذي حكم به في كتاب الله عزَّ وجلَّ، فالذي يخاف على أولاده من بعده، ويخشى عليهم أن يتعبوا أو يجوعوا أو لا يجدوا موضعاً يسكنون فيه، ولا أموالاً للزواج، ولا عمل يتكسبون منه، ماذا يفعل يا ربّ؟ لا يوجد هيئة تأمين ومعاشات والتأمين على الحياة، لكن واهب الحياة وصانع الحياة ومدبر أمور الحياة قال للمؤمنين الذين يحرصون على أبنائهم بعد انتقالهم من هذه الحياة: ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ ) - ماذا يفعلون يا رب؟ - ( فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ) (9النساء). أمرين اثنين: يتقوا الله عزَّ وجلَّ، ويقولوا الأقوال السديدة التي تسدد لهم في خانات حسناتهم وفي صحف إيمانهم، حتى تنتفع بها ذرياتهم بعد مماتهم
إذاً الأمر يا إخواني على عكس ما يقول الناس، .. فالذي ينفع الأبناء على التحقيق ليست وديعة البنوك، ولكن الوديعة التي ادخرتها عند ملك الملوك عزَّ وجلَّ، حتى أن الله سخر نبيًّا من أولي العزم، ووليًّا من كمل الأولياء، من أجل بناء الجدار، فالولي يبني ومعه المسطرين، والنبي يصنع المونة ويناولها له، ويناول معها الطوب لهذا الولي، مع أن هذه البلدة لم يَدْعهم أحد من أهلها حتى لشربة ماء أو فنجان قهوة أو كوب شاي!!، ولما قال سيدنا موسى: كيف نعمل لأناس لم يضيّفنا منهم أحد؟!! أجابه: نحن مكلفين بهذا العمل من الله لأجل هذين الغلامين!!، ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا ) (82الكهف)، أبوهم هذا كان الجد السابع وليس الأب المباشر ولا الذي بعده، ولكن الجد السابع كان صالحاً فنفع الله به ذريته من بعده، وسخر لهم رسولاً وولياً ليقيما الجدار وليحفظ هذا الكنز حتى يبلغ الصبيان، فضلاً من الله عزَّ وجلَّ ونعمة يا جماعة المؤمنين.
فسيدنا إبراهيم علّمنا هذا الدرس؛ بأننا ندعوا لهم بالصلاح، ونهتم في أمرهم بأمر الله ونسوقهم إلى الطاعات، ونعرفهم التشريعات، ونبيِّن لهم أحكام كتاب الله، ونوضح لهم سنة سيدنا ومولانا رسول الله، ثم نطمئن إلى أن عناية الله لن تتخلف عنهم طرفة عين. ولذا ضرب الله لنا مثلاً مع إبراهيم نتحدث عنه في الخطبة الثانية. فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، أكرمنا بالتقوى، وزيننا بالعلم، وجملنا بالحلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اختار لنا الإسلام ديناً، وفضلنا على جميع خلقه في هذه الدنيا، واجتبانا وجعلنا من المسلمين. وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة للخلائق أجمعين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجِّنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا إخواني ويا أحبابي جماعة المؤمنين: بعضنا يشككه القوم في هذه الأمور ويقولون له: كيف تأتي تقوى الله بالأرزاق؟!!، وكيف تأتي الحسنات بالخيرات؟!!، مع أن الله عزَّ وجلَّ أبرم هذا الأمر فقال: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) (2: 3الطلاق)،. حتى لا يفكر بأن الحسبة التي حسبها، أو الرصيد الذي تركه في البنك، أو في الأرض أو في التجارة هي التي تنفعه، فذلك كله يقول فيه القائل:
ما بين طرفة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حال
ولكي يزيدنا الله يقيناً ذكر لنا ما فعله مع الخليل ومع زوجة الخليل وابنها، فقد بعث لهم الماء، وأرسل لهم الناس، وهيئ لهم الجيران الذين يزورونهم ويودونهم من كل أنحاء العالم إلى يوم القيامة، وصدق الله عزَّ وجلَّ إذ يقول: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) (132طه).
<< ثم الدعاء >>

آيات البيت الحرام خطبة جمعة

آيات البيت الحرام
الحمد لله ربِّ العالمين، أسمع آذان عباده المؤمنين من بدء آذان سيدنا إبراهيم الخليل، فلبُّوا بالأنوار مسرعين طاعة لزيارة الرب المجيد، مضحِّين بالأنفس والأموال في سبيل الواحد المتعال. سبحانه .. سبحانه، جعل هذا البيت مثابة للمؤمنين، وأماناً للموحدين، وتبصرة وذكرى للمحسنين، وجعل فيه هدى ورحمة وآيات مباركة للخلائق أجمعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هدى من يشاء من عباده لزيارة هذا البيت الكريم، ووفقهم في الدنيا لطاعة الربِّ الرءوف الرحيم، ويسر لهم الأسباب وبلَّغهم هذه المواطن، وبيَّن السعادة في السفر والإياب سرَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم: { رَجُلٌ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍّ } .
وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، وضَّح مناسك الحج بعد أن دَرَست بعد إبراهيم الخليل، فكشف عنها تعاليم الجاهلية، وأظهر حقيقة الملَّة الحنيفية، وقال لأتباعه جميعاً: {خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ فَإِني لاَ أَدْرِي لَعَلي لاَ أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هذَا} .
فاللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد بن عبد الله، وارزقنا زيارة روضته الشريفة مع حج البيت يا الله، واجعلنا جميعاً ممن نقول مع حجاج بيت الله: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك). أما بعد.
فيا عباد الله جماعة المؤمنين:
العالم كله من حولنا - الكافرون والمشركون والجاحدون والملحدون - يتعجبون من الروح الغريبة التي تنتشر في المسلمين في هذه الأيام شوقاً إلى بيت الله الحرام، ينظرون إلى وسائل الإعلام فيرون المسلمين الفقراء يضحون بكل شئ، ويتبعون كل شئ في سبيل أن يذهبوا لهذه البقاع المباركة، ثم ينظرون إلى أحوالهم عند وصولهم إلى هذه الأماكن؛ منهم من يتوفى، ومنهم من يبكي، ومنهم من يصرخ، ومنهم من يفعل كذا وكذا، فيزداد عجبهم ويتساءلون: لم يفعل المسلمون هذه الأشياء؟!!!. لحجارة - في ظنهم وخيالهم وجهلهم - كأي حجارة في الأرض!!!.
لكن تعالوا معي يا عباد الله ننظر إلى المغناطيس الإلهي الذي أودعه الله في بيت الله، والذي يجذب المؤمنين - القاصين والدانين - جميعاً إلى بيت الله، ما هو؟!! إن الله عزَّ وجلَّ يتحدث عن ذلك فيقول: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) (96آل عمران) - ماذا فيه؟!! – ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ ) (96، 97آل عمران). فيه علامات واضحات، فيه مناهج ودلالات، فيه أنوار ساطعات، فيه إشراقات وفيوضات وتجليات .. لمن فتح الله عين قلبه ونظر بنظارة الإيمان، فيرى حول بيت الله أنوار مكون الأكوان عزَّ وجلَّ. أما هؤلاء الذين عمت بصائرهم فلا يرون هذه الآيات، ولا ينكشفون على تلك التجليات، لأن الله عزَّ وجلَّ لا يكشف أسراره للمجرمين والمشركين، وإنما يحفظها لعباده المؤمنين، ولا يكشفها إلا للصادقين من عباده المؤمنين.
تعالوا معي يا عباد الله جماعة المؤمنين، نجلس في بيت الله وننظر إلى الكعبة المشرفة التي أسسها الله على مائدة الله، والنظر إليها عبادة، فما بالكم بالطواف حولها والصلاة لها، إنها عبادات مباركات لها أجر ثابت حدده سيد السادات صلى الله عليه وسلم.
أول سؤال يواجهنا ونحن حول هذا البيت، لماذا بناه الله؟، ولماذا أمر برفعه الله؟، إن هذا له قصة عجيبة!!، فعندما اختار الله آدم عليه السلام ليكون خليفة في الأرض، وجمع الملائكة أجمعين وأمرهم بالسجود لمن اختاره خليفة عن رب العالمين، وقال لهم - موجهاً لهم الخطاب: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (30البقرة). فعلموا أنهم أخطأوا في الجواب على حضرة الوهاب، وأساءوا الأدب في الحديث مع حضرة الله، فخرجوا هائمين إلى البيت المعمور يطوفون حوله يعلنون توبتهم، ويقدمون ندمهم، لعل الله عزَّ وجلَّ يغفر لهم هذه الزلة!!!.
فلما طافوا حول البيت المعمور - وهو فوق السماء السابعة تجاه الكعبة تماماً - قال لهم الله: (اهبطوا إلى الأرض، فابنوا لعبادي بيتاً، إذا أخطأوا كما أخطأتم، وأذنبوا كما أذنبتم، يذهبون إليه فيطوفون حوله كما طفتم، فاغفر لهم كما غفرت لكم). ونزل آدم عليه السلام من الجنة بأرض الهند، وأخذ يبكي على ذنبه لله أربعين عاماً، حتى رق عليه الملائكة الكرام، فنزل أمين الوحي جبريل وقال: يا آدم، أين أنت من بيت الله؟!!، اذهب إليه فطف حوله يغفر لك ذنبك الله عز وجل. فجاء من أرض الهند إلى أرض الحجاز ماشياً على أقدامه، فطاف بالبيت وهو يقول كما أنبأنا حضرة الرسول: {اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر سويداء قلبي، حتى لا أحب تأخير ما عجلت، ولا تعجيل ما أخرت، إنك على كل شئ قدير}
طاف حوله وهو يردد هذه الكلمات، فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليه: { يا آدم، قد دعوتنا بدعوات فاستجبناها لك، وكل من جاء من بنيك وذريتك إلى هذا البيت ودعا بهذه الدعوات استجبنا له وغفرنا له ذنبه، ونزعنا الفقر من بين عينيه، وملأنا قلبه بالإيمان، وتجرنا له من وراء تجارة كل تاجر }.
فهو رمز المغفرة من الغفار، وسر التوبة من التواب، ورمز القبول من العزيز الوهاب، لمن خرج من بيته لا يريد إلا وجه الله، ولا يبغى بحجة إلا اتباع سيدنا ومولانا رسول الله، وماله حلال، واجتهد في جمعه من طريق حلال، إذا ذهب إلى هناك وطاف بالبيت وانتهى من الطواف يضع الملائكة الموكلين بالبيت أيديهم على ظهره ويقولون - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قد كفيت ما مضى فاستأنف العمل فيما بقى}، {مَنْ أَتَىٰ هَـٰذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ} .
ولم يحدد الصغائر ولا الكبائر، السر ولا العلانية رب العباد، فإن الله عزَّ وجلَّ يغفر جميع الذنوب، لأنه يرده كالطفل المولود - والطفل المولود لا يكتب عليه الكرام الكاتبون سيئات أبداً، لا يكتبون له إلا خيرات وحسنات، لكن صحيفة سيئاته كما هي مطوية لا تفتح إلا إذا بلغ الحلم - فيرجع وليس عليه شاهد بذنب، لأن الله عزَّ وجلَّ غفر له جميع ذنبه.
هذا البيت المبارك يا إخواني فيه آيات ظاهرة جلية - يراها حتى الكافر والنافر - بل إن كفار مكة كانوا يعظمون البيت قبل الإسلام ومعهم العرب وهم يعبدون الأصنام!!، لماذا؟، للآيات الحسية التي رأوها في هذا البيت المبارك.
انظروا معي!! بيت بني بالأحجار، كيف تتأدب معه الحيوانات والأطيار؟ وهي كما نعلم جميعاً ليس معها عقول ولم تتأدب بآداب!!، إن الطيور التي حوله والتي حماها الله وحرم ذبحها لأدبها مع بيت الله ماذا تفعل؟ تطوف حوله كالطائفين، ولا تعلو ظاهره أبداً في طيرانها إلا الطائر المريض فإنه يعلو ظاهر البيت ويقف فوق ظهره للحظات فيشفى بإذن الله عزَّ وجلَّ، أما الجميع فيطوفون حوله كما يطوف الطائفون ولا يعلون ظهره أبداً أدباً مع بيت ربهم عزَّ وجلَّ .
بل إن الناقة التي ركبها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجة الوداع - وطاف راكباً لها حول البيت، وسعى عليها بين الصفا والمروة - أمسكت نفسها فلم تخرج بولاً ولا روثاً في بيت الله عزَّ وجلَّ تأدباً مع بيت الله عزَّ وجلَّ، مع أن بولها طاهر وروثها طاهر، لأن القاعدة الشرعية: كل ما أكل لحمه فبوله طاهر وروثه طاهر، بل إن الحيوانات المتوحشة - كالأسود والنمور والكلاب - رؤى عنها مراراً وتكراراً أنها كانت تجري وراء صيد لها، مثيل لها، فتجري وراء زرافة أو تجري وراء ماعزاً أوتجري وراء ضبٍّ فتدخل الفريسة الحرم، فيقف الوحش ويتأدب ولا يستبيح الصيد في داخل الحرم الذي جعله الله عزَّ وجلَّ (آمناً). فإذا كانت الحيوانات المتوحشة والطيور والحيوانات المستأنسة تتأدب مع هذا البيت، فلماذا؟!!. لأن فيه أسرار وأنوار لا يكشفها الواحد القهار إلا لعباده الأخيار والأطهار.
بل إن العرب عرفوا به أسرار الأمطار قبل تقدم علم الفلك في العالم أجمع، فيجلسون حول البيت في موسم الحج، فإذا نزل المطر شرق البيت كان شرق العالم كله في هذا العام في خير وبركة ومطر من الملك العلام، وإذا نزل الغيث غرب البيت كان غرب العالم كله في هذا العام مطر وخير من الله عزَّ وجلَّ، وإذا نزل المطر حوله من جميع الجهات كان هذا العام عام رخاء على الأرض كلها، فهو الميزان وهو المرصد الذي يحدد الخير النازل من الله إلى جميع عباد الله وشتى أرجاء المعمورة بإذن الله عزَّ وجلَّ .
هذا البيت - يا إخواني - لا يخلو من الملائكة، فحوله سبعون ألفاً من الملائكة الكرامن كل كلماتهم آناء الليل وأطراف النهار - آمين .. آمين .. آمين، يؤمنون على دعاء الطائفين والعاكفين والراكعين والساجدين في بيت رب العالمين عزَّ وجلَّ، ولذا كان الدعاء فيه مستجاب لا يرد أبداً، لأن الله عزَّ وجلَّ جعله موضع إجابة، وعندما دعا فيه الخليل إبراهيم رأينا أثر دعوته إلى يومنا هذا، فما فيه هؤلاء القوم من خيرات وثمرات وبركات إنما هو استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام.
هذه الآيات وغيرها كثيرات لضيق المقام عن ذكرها - جعلت المولى عزَّ وجلَّ لا يدخل بهذا البيت إلا من يحبَّه من عباده، وكل من أراد الله غفران ذنوبه، وكل من أراد الله ستر عيوبه، وكل من أراد الله تطهيره من الخطايا، وكل من أراد الله أن يجعله من التوابين والمتطهرين، اسمعه في البدء دعوة إبراهيم للزائرين، فإن إبراهيم عليه السلام هو الذي دعا جميع الزائرين بدون استثناء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فعندما كلَّفه الله بالبناء وأخذ يبني البيت وإسماعيل يجمع الأحجار ويحملها إليه، وبنى حتى وصل البناء إلى قامته ثم تحير كيف يبني بعد ذلك، فأنزل الله له حجراً!!!، ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ) (97آل عمران)، يقف عليه - ويحمله إسماعيل بالأحجار - ثم يشير إليه فيرتفع بأمر الواحد القهار حتى يصل إلى مستوى البناء، ويظل واقفاً في الهواء حتى ينتهي إبراهيم من البناء فيشير إليه فيرجع مرة أخرى إلى الأرض. ولما انتهى من البناء أجمع وقال هو وإسماعيل: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (127، 128البقرة).
قال الله يا إبراهيم: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (27الحج)، قال: يا ربِّ، وما يبلغ صوتي؟!!. قال: (عليك الأذان وعلينا البلاغ)، فوقف على الحجر وأوجد الله الآية في الحجر، فَلانَ الحجر تحت أقدامه حتى أثرت فيه أصابعه الشريفة عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ثم اتجه جهة الشام وقال: أيها الناس، إن الله قد بنى لكم بيتاً وكتب عليكم الحج فحجوا، ثم اتجه جهة اليمين وقال مثل ذلك، وجهة المشرق وقال مثل ذلك، وجهة المغرب وقال مثل ذلك. فأمر الله الجبال أن تهبط، والوديان أن ترتفع، وفتح أسماع الأرواح، وفتح أسماع الأجنة في بطون أمهاتها، وأنطق ألسنة الجميع بأمر ربِّها، فلبت الأرواح وقالت - ملبية نداء الخليل: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك )، والملائكة يسجلون.
فمن قالها مرة كان نصيبه الحج مرة، ومن ردَّدها مرتين كان نصيبه الحج مرتين، ومن زاد على ذلك فبحساب ذلك، وبقى حجر المقام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفيه أقدام الخليل عليه السلام، يراه كل من ذهب إلى هذه الأماكن فيعلم صدق رسول الله فيما قال عن الله، ويعلم صحة الخبر أن من بنى البيت هو خليل الله، وهذه آثار أقدامه، وهذا هو الحجر الذي نادى عليه، والذي كان يقف عليه، بقى إلى ما شاء الله كما هو وفيه آثار قدميه عليه السلام.
فإذا كان في ليلة النصف من شعبان فيكشف الله للملائكة الكرام في اللوح المحفوظ الذين وقع عليهم الاختيار للذهاب إلى زيارة الله في بيته، الذين يدعوهم لزيارته، والذين يؤهلهم للوقوف بين يدي حضرته، والذين كتب لهم الطواف حول بيت عظمته، والذين هيأ لهم الوقوف على عرفات معرفته، فينقلون أسماءهم ويرسلون لهم دعوة لربِّهم عن طريق الملك الذي وكِّل بقلوبهم - وهو ملك الإلهام، فقد قال صلى الله عليه وسلم فى حديث ما معناه : { لكل آدمي ملك على قلبه يلهمه بالخير ويحثه عليه وشيطان يوسوس له } فيرسلون له الدعوة عن طريق ملك الإلهام، فيلقى في روعة الشوق إلى بيت الله والحنين إلى هذه الرحاب التي باركها الله فيقول لمن حوله: إني عازم على الحج هذا العام.
ثم يُيسر المولى الكريم الزاد، وييسر الطريق، وييسر لمن يريد أن يكرمهم، قال صلى الله عليه وسلم: { الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإنِ ٱسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ، وإن شكروا شكرهم } وقال صلى الله عليه وسلم: {يُغْفَرُ لِلْحَاج وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ} . ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله العلي الكبير، اللطيف الخبير، القائم على كل نفس بما كسبت، والمجازي لها بما عملت، نحمده ونشكره، ونتوب إليه ونستغفره، ونسأله أن يهدينا جميعاً إلى صراطه المستقيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.وأشهد أن سيدنا وشفيعنا محمداً عبدُه ورسولُه، سيِّد مَنْ صلَّى وصام، وتهجد وقام، وأحيا الليل والناس نيام. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد
فيا إخواني ويا أحبابي: إن من آيات الله في البيت الحرام الحجر الأسعد الذي يستلمه الساعي من الله عزَّ وجلَّ، لما وقف أمامه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: (إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك). فقال له الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: (بل إنه ينفع ويضر بإذن الله يا أمير المؤمنين). قال: وكيف ذلك؟ قال: أما علمت أن الله عندما أخذ الميثاق على بني آدم وأشهدهم على أنفسهم (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين)، كتب هذا الأمر في رق، ثم ألقمه هذا الحجر، فهو يشهد لكل من استلمه يوم القيامة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {يُؤْتَىٰ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَلَهُ لِسَانٌ ذَلِقٌ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالتَّوْحِيدِ }
هذا الحجر يسجل كل الذي يمر حوله؛ كل الطائفين، وكل المصلين، وكل الراكعين والساجدين، وكل الناظرين. العدسة النورانية التي أودعها فيه ربُّ العالمين - تسجل هيئاتهم وأصواتهم وحركاتهم وسكناتهم، ثم تعيد هذا الفيلم أمام الخلائق أجمعين يوم الدين. كيف هذا؟!!! وهو في نظرنا حجر، لكنه فيه سرٌّ من فاطر البشر عزَّ وجلَّ، حجر ليس كالأحجار حتى في صفاته الحسية!!، وقد ورد أن أبا عبد الله القرمطي - والقرامطة كانوا من الخوارج الشاذين عن دين الله - نزل هو ورجاله إلى بيت الله الحرام في موسم الحج وقتلوا الحجيج، وخلعوا الحجر وحملوه معهم إلى الكوفة، وأرادوا أن يصرفوا المسلمين عن بيت الله إلى الحجر الذي وضعوه في مسجد لهم في الكوفة. واقص عليكم جزءاً من الرواية الواردة فيه:
{ فَمُدَّةُ إقَامَتِهِ عِنْدَ الْقَرَامِطَةِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً فَافْتَدَاهُ أَيْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ الْخَلِيفَةُ الْعَبَّاسِيُّ بِثَلاثِينَ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ - الْمُحَدِّثَ - وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ لِيَتَعَرَّفَهُ وَيَأْتِي بِهِ، فَذَهَبَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إلَى الْقَرَامِطَةِ فَأَحْضَرُوا لَهُمْ حَجَرًا, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَنَا فِي حَجَرِنَا عَلامَتَانِ؛ لا يَسْخُنُ بِالنَّارِ، وَلا يَغُوصُ فِي الْمَاءِ. فَأَحْضَرُوا نَارًا وَمَاءً فَأُلْقِيَ فِي الْمَاءِ فَغَاصَ، ثُمَّ فِي النَّارِ فَحَمِيَ وَكَادَ يَتَشَقَّقُ, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَيْسَ هَذَا بِحَجَرِنَا. ثُمَّ أُتِيَ بِحَجَرٍ مُضَمَّخٍ بِالطِّيبِ، فَفَعَلَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ فَجَرَى لَهُ مَا جَرَى لِذَلِكَ. فَأُحْضِرَ إلَيْهِمْ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ فَوُضِعَ فِي الْمَاءِ فَطَفَى وَلَمْ يَغُصْ، وَفِي النَّارِ فَلَمْ يَحْمِ، فَعَجِبَ أَبُو طَاهِرٍ وَسَأَلَهُ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ؟!!، فَأَسْنَدَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:
( الْحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ مِنْ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا اسْوَدَّ مِنْ ذُنُوبِ النَّاسِ، يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ، يَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ بِالإِيمَانِ، وَأَنَّهُ حَجَرٌ يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ وَلا يَسْخُنُ بِالنَّارِ إذَا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ ). قَالَ أَبُو طَاهِرٍ هَذَا دِينٌ مَضْبُوطٌ بِالنَّقْلِ!!. وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ تَفَسَّخَ تَحْتَهُ ( مات تحته) وَهُمْ ذَاهِبُونَ بِهِ قِيلَ: أَرْبَعُونَ جَمَلاً، وَقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ، وَقِيلَ: خَمْسُمِائَةٍ. وَلَمَّا أُعِيدَ لِمَكَّةَ أُعِيدَ عَلَى جَمَلٍ أَعْجَفَ هَزِيلٍ فَسَمِنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.}
هذا هو قدر الحجر الأسعد، فما بالكم بالمطاف الذي لا يسع أكثر من مائة ألف رجل يطوفون في وقت واحد، لكنه لو اجتمع فيه كل سكان المعمورة في وقت واحد يسعهم بإذن الله، وعلى هذا الحال أيضاً ( مِنَى )، فهي مكان ضيق بين جبلين لا تسع إلا بضع آلاف قليلة. سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كيف تسع منى الحجيج مع ضيقها؟، فقال صلى الله عليه وسلم: { إن منى تتسع بأهلها كما يتسع رحم الأم بالجنين الذي فيه } يتسع بطن الأم للجنين، فإذا خرج رجعت كحالتها، وهكذا ( مِنَى ). وسئل صلى الله عليه وسلم ما بالنا ومن قبلنا نرمي بالكثير والكثير عند الجمرات ولا نجد له أثراً إلا القليل عند انتهاء المناسك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: { ما تُقُبِّل منها رفع، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال } .
آيات وآيات كثيرات لا أستطيع أن أحصيها في موقفي هذا، ولكن عليكم عباد الله أن تجددوا شوقكم إلى بيت الله، فإن الله أمرنا أن نتجه إليه في كل صلاة حتى نحس بالشوق إليه وبالحنين إليه، نريد أن نصلي وليس بيننا وبينه جدار، وليس بيننا وبينه جبال، وليس بيننا وبينه وديان، نريد أن نصلي يوماً من الأيام وأمامنا بيت الله الحرام، فكلما وقف المصلي بين يدي الله يتحرك فيه الشوق إلى بيت الله الحرام ويريد أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم في هذا المقام.
<< ثم الدعاء >>.

أسرار بناء البيت الحرام خطبة جمعة

أسرار بناء البيت الحرام
الحمد لله ربِّ العالمين، يوفق عباده الطائعين لما يحبه ويرضاه، ويدلهم ويعينهم على تحقيق ما به رضاه. سبحانه .. سبحانه، هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، يحب التوابين ويحب المتطهرين. وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أكمل الله عزَّ وجلَّ به على المؤمنين منته، وأتم به عليهم نعمته، وجعله نبيًّا ورسولاً خاتماً لرسالات السماء، ووضَّح على يديه جميع المناسك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والناصر الحق بالحق، والشفيع الأعظم يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أما بعد..
فيا عباد الله جماعة المؤمنين: ونحن على مشارف شهر ذي الحجة الكريم، ويتوافد الحجيج على أرض الله تلبية لنداء سيدنا إبراهيم خليل الله، فإن الله عزَّ وجلَّ أمره أن يبني البيت، فقال: يا ربَّ، فكيف أعلم مكان البيت؟ فأنزل الله سيدنا جبريل عليه السلام وأعلمه بأن الله سيرسل سحابة ستقف أمامه على مكان البيت، وأمره أن يعلِّم على ظلها فإنه أساس البيت، فلما علَّم على أساس البيت وكشفه بأمر الله، أمره الله أن يبنيه وإسماعيل عليه السلام، ثم أرسل لهم الملائكة الكرام يقطعون الأحجار وينقلونها إلى حيث مكان البيت، ويضعها إسماعيل لإبراهيم إلى أن تم البناء بأمر الله عزَّ وجلَّ.
فلما تم البناء نادى الله عزَّ وجلَّ إبراهيم وقال - كما قال في محكم كلامه القدير: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً ) (27الحج). فقال: يا ربَّ وما يبلغ صوتي؟!!، قال: يا إبراهيم، عليك الآذان وعلينا البلاغ. فأمر الله الأرواح أن تخرج من مستقرها، وأمر الجبال أن تهبط من عليائها، والوديان أن ترتفع إلى مستوى سطح الأرض، وأسمع الجميع آذان إبراهيم عليه السلام. فوقف إبراهيم على الجبل المواجه للكعبة (جبل أبي قبيس)، واتجه مرة إلى اليمين، ومرة إلى الشمال، ومرة إلى الجنوب، ومرة إلى الشرق وأخرى إلى الغرب، وفي كل مرة يقول: (أيها الناس، إن الله قد بنى لكم بيتاً وكتب عليكم الحج فحجوا). فقلنا وقال من قبلنا ومن بعدنا - من كتب الله لهم زيارة هذا البيت - قلنا جميعاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لبيك اللهم لبيك. منا من قالها مرة، ومنا من قالها مرتين، ومنا من زاد على ذلك، وفي ذلك يقول نبيكم الكريم صلى الله عليه وسلم: {من لبَّى مرة حج مرة، ومن لبَّى مرتين حج مرتين، ومن زاد على ذلك فبحساب ذلك} .
فإذا كانت ليلة النصف من شهر شعبان ظهر في اللوح المحفوظ - بقلم القدرة من علوم فيض حضرة الديان - الحجاج الذين اختارهم الله لأداء هذا المنسك في هذا العام، فتنسخ الملائكة أسماءهم ويبلغونه دعوة ربِّهم، منهم من تبلغه الدعوة مناماً، ومنهم من تبلغه الدعوة في نفسه يقظة، ومنهم من يجد الشعور بالذهاب للزيارة، ومنهم من يتحرك فيه الباعث لأداء الفريضة، والذي حرَّك هذه البواعث، والذي ألهم تلك النفوس، والذي أجج غرام تلك القلوب، إنما هو علام الغيوب عزَّ وجلَّ.
فإذا دعاهم لزيارته يسَّر لهم الأسباب، وبسط لهم الأرزاق، وسهَّل لهم الأمور حتى يذهبوا لأداء المناسك ويتمون الحج لوجه الله عزَّ وجلَّ، مصداقاً لقوله سبحانه: ( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (196البقرة). يذهب ابتغاء مرضاة الله، لا من أجل السمعة ولا من أجل الرياء، ولا من أجل اكتساب لقب، فإن الله عزَّ وجلَّ غني عن تلك الألقاب، وغني عن تلكم الأعمال، وإنما: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (15الجاثية).
فإذا ذهبوا إلى هناك ذهبوا تطبيقاً لأمر الله وتنفيذاً لسنة رسول الله وهمهم أداء الفريضة ابتغاء وجه الله، رجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: { مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رجع كيوم ولدته أمه } ، خالياً من الذنوب والعيوب.
لماذا فرض الله تلك الفريضة؟
إن الله عزَّ وجلَّ لما أخبر ملائكته الكرام وقال لهم: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (30البقرة)، فعلموا أنهم أخطأوا لأنهم لم يحسنوا رد الجواب على ربهم، فطافوا حول البيت المعمور في السماء السابعة تائبين منيبين، فلما أتموا سبعة أشواط قال لهم: بشرى يا ملائكتي فقد غفرت لكم، اهبطوا إلى الأرض فابنوا لعبادي بيتاً، فإذا أخطأوا كما أخطأتم وأذنبوا كما أذنبتم يذهبون إليه فيطوفون حوله كما طفتم فاغفر لهم كما غفرت لكم.
فلما وقع آدم في الخطيئة ونزل ببلاد الهند وحواء بجدة بالأراضي الحجازية، ومكث ثمانين عاماً يبكي على خطيئته حتى فتح الله له أبواب توبته، فنزل جبريل وأمره أن يذهب إلى البيت ليطوف بالبيت حتى يتوب عليه ربُّ البيت عزَّ وجلَّ، فجاء من بلاد الهند ماشياً، حتى وصل إلى البيت وطاف حوله، وقد ورد فى ذلك: { طاف آدم عليه السلام سبعاً بالبيت حين نزل، ثم صلى تجاه باب الكعبة ركعتين، ثم أتى الملتزم، فقال: اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم ما في نفسي وما عندي فاغفر لي ذنوبي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي. اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً، حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، والرضا بما قضيت عليّ. قال: فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك، ولن يدعوني بها أحد من ولدك إلا كشفت غمومه وهمومه، وكففت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغناء بين عينيه، وتجرت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها. قال: فمذ طاف آدم عليه السلام كانت سنة الطواف } ( ورد فى أخبار مكة للأزرقي، رواية عن عبد الله بن أبي سليمان مولى بني مخزوم) }.
فمن يذهب بمال حلال - ابتغاء رضاء الواحد المتعال - فإنه يرجع من هناك كيوم ولدته أمه، خالياً من الذنوب والعيوب، بالإضافة إلى الثواب الذي لا نستطيع أن نحيط به في هذا الوقت القصير، ويكفي أن نلمح إليه في قول الرجل الصالح الذي يقول: (صلاة واحدة في جماعة في بيت الله الحرام خيرٌ وأعظم عند الله من عمر نوح في طاعة الله عزَّ وجلَّ) فقالوا له: وكيف ذلك؟، قال: الصلاة في البيت الحرام بمائة ألف صلاة، فإذا كانت في جماعة تزيد سبعاً وعشرين مرة فتصير مليونين وسبعمائة ألف صلاة، فإذا قسمناها على خمس صلوات في اليوم كان عمراً أكبر من عمر نوح عليه السلام في طاعة الله عزَّ وجلَّ.
وليست الصلاة فقط فالتسبيحة بمائة ألف تسبيحة، والصدقة بمائة ألف، والختمة للقرآن الكريم بمائة ألف ختمة، وصلاة الجمعة بمائة ألف صلاة جمعة، وكل عمل صالح هناك بمائة ألف عمل صالح هنا - فضلاً من الله عزَّ وجلَّ ونعمة.
قال صلى الله عليه وسلم: {الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإنِ ٱسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ وإن شفعوا شفعوا} . أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُهُ ورسولُه. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجِّنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد.
فيا أيها الأخوة المؤمنون: ما بال المؤمنون الذين لم يكتب الله لهم أداء هذه الفريضة يحرمون من هذا الأجر والثواب؟!! نقول لهم ولنا: إن الله عزَّ وجلَّ يعطي مَنْ هنا مثل أجر مَنْ هناك!! بشروط ومواصفات وضعها رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم.
يردد الناس - وهذا من جهلهم بدينهم - أن المقبول هو الذي فتح له الباب وسافر بالطائرة أو بالباخرة أو في الأتوبيس، ويعيرون من أخذ بالأسباب ولم يكتب له السفر ويقولون له: لو كنت مقبولاً لهيأ الله لك السفر. وكذبوا على الله عزَّ وجلَّ، فإن كثيراً ممن يسافر إذا قال: ( لبيك اللهم وسعديك، تقول له الملائكة: لا لبيك ولا سعديك، وحجك هذا مردود عليك). لماذا؟، لأنه حج من مال حرام، وبعضهم خرج للرياء والسمعة حتى إذا رجع يقولون الحاج فلان ذهب، والحاج فلان رجع، ومثل هذا ليس له من الأجر إلا سمعته، وإلا تشريفه بهذا اللقب. وإذا كان الأمر أمر السفر فإن نبيكم الكريم صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه ذهب لأداء الحج وبشر أصحابه وذهبوا وأحرموا وساقوا الهدى ومنعهم الكفار من دخول البيت، مع أن الله قال لهم: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ ) (27الفتح). الكفار والمشركون يطوفون بالبيت والرسول الكريم يمنع من دخول البلد الحرام، هل كان هذا دليلاً على قبول الكفار وعلى ردِّ الرسول المختار صلى الله عليه وسلم؟!! أم أن تلك الأقدار تفعل بإرادة الواحد القهار عزَّ وجلَّ: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) (30الإنسان).
أنت تريد والله يريد، ولا يكون إلا إرادة الحميد المجيد عزَّ وجلَّ. أما الذي نوى الحج وأخذ بالأسباب ولم تتيسر له أسباب السفر فقد كتب له حجة مقبولة، طوافها وسعيها ووقوفها ورميها ونفقاتها، وهي في ميزان حسناته عند الله يوم القيامة، وأنا ضمين بذلك عند الله، لأن الذي قال ذلك رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم. لكن الذي يريد الحج ولم تتيسر له النفقات وليس معه مال ولكنه مشتاق للزيارة، ويعيش هذه الأيام القادمة أيام العشر مع الحجيج - يعيش معهم في طوافهم ومعهم في سعيهم ومعهم في تلبيتهم، يكتب له أجر الحج بنيَّته وبصدق إرادته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: { إنَّـما الأعْمَالُ بالنِّـيَّاتِ وإنَّـما لكل امْرِىءٍ ما نَوَى } ولم يقل لكل امرىء ما عمل.
وقد سافر أصحابه إلى تبوك في بلاد الشام، وكان سفراً طويلاً وشاقاً، فلما وصلوا إلى هنالك قال صلى الله عليه وسلم لمن معه: { إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَقَوْماً، مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً، إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ. حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ } منعهم العذر - وهو ضيق ذات اليد، وقلة النفقة - من أن يكونوا معهم، والله يثيب المؤمنين على قدر نيَّاتهم، فالمؤمن ينوي كل عام حج بيت الله الحرام فإن تيسر له الأمر فبها ونعمت، وإن لم يتيسر له الأمر أخذ أجر الحجيج المقبولين وثوابهم عند الله على قدر نيَّته وعلى قدر صدق إرادته لأن الأعمال بالنيات عند الله عزَّ وجلَّ.
قال صلى الله عليه وسلم: { مَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ سَنَتَيْنِ: سَنَةً أَمَامَهُ، وَسَنَةً خَلْفَهُ } وهذا كما يحدث للحجيج، وقال صلى الله عليه وسلم: {يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلى أُضْحِيَتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّ لَكِ بِكُل قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ} . فالحاج هناك يطوف ويسعى، والذي هنا يصوم تلك الأيام الفاضلة التي يقول فيها رسولكم الكريم: { مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُل يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُل لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فإذا كان يوم عرفة فإن الله يغفر بصيامه ذنوب سنتين } .
وإذا كان الحاج يذبح الهدي فالذي هنا يذبح الأضحية وله نفس الأجر، وإذا كان الحاج يلبي فالذي هنا يكبر من يوم الوقفة ويوم العيد وأيام التشريق عقب كل صلاة ليكون الذي هنا يكبر والذي هناك يكبر ويلبي، والذي هناك في عرفات والذي هنا بروحه مع الله في استجابة الدعوات فيثيب الله الجميع ويوزع الأجر على الجميع
<< ثم الدعاء >>.

درجات الحج خطبة جمعة

درجات الحج
الحمد لله ربِّ العالمين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وجبار القلوب على فطرتها، فالشقي من أبعده وأشقاه، والسعيد من ملأ قلبه بالتقوى والعمل بما يرضي الله.
سبحانه .. سبحانه، عفوٌ كريم، يحب العفو عن عباده فيدعوهم إلى التوبة، ويكرر لهم النداء لطلب الغفران، يدعوهم مرة كل ليلة فينادي من ثلث الليل الآخر من السماء الدنيا فيقول: {هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟، حَتىٰ يَطْلُعَ الْفَجْرُ}
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحب التوابين ويحب المتطهرين. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، بعثه الله عزَّ وجلَّ رحمة للعالمين، ونوراً للأولين والآخرين، وجعل على يديه غفران الذنوب وستر العيوب، ودخول الجنة للمؤمنين والمؤمنات بغير تعب أو لغوب.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، صلاة تبلغنا بها مراضيك ومراضيه، وتوفقنا بها للعمل بما تحبه وتبتغيه، وترفعنا بها إلى درجة أتباعه الصادقين وذويه، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: في هذا اليوم الكريم اجتمعت من كل بقاع الأرض في حرم الله وفي بيت الله وفي أرض الله أفواج الحجيج، يرجون غفران الله ورحمة الله عزَّ وجلَّ. ذهبوا وقد أعطوا أعزَّ ما يملكون، فجمعوا أموالهم للنفقات، وتركوا أعزَّ ما يخلفون وهم الأهل والأولاد. لماذا ذهبوا إلى هناك؟!!
إن هذا أمر يطول شرحه، وسنتكلم فيه باختصار شديد على حسب المناسبة إن شاء الله، فإن هذا البيت لبنائه غاية من أجلها أمر الله عز وجل الملائكة ببنائه، ثم أمر بعد ذلك الخليل إبراهيم بتجديد بنائه، وهي أن الله عز وجل أوحى إلى الملائكة بعد أن تقبل توبتهم وغفر لهم زلتهم أن اهبطوا إلى الأرض فابنوا لعبادي هناك بيتاً، إذا أخطأوا كما أخطأتم يذهبون إليه فيطوفون حوله كما طفتم، فاغفر لهم كما غفرت لكم.
فإذا أراد الله عزَّ وجلَّ أن يكرم قوماً بالغفران أظهر لهم التبيان، ووفقهم للعمل بأركان الحج التي يحبها الديان، وإذا غضب الله عزَّ وجلَّ على قوم أخفاه عنهم أو أخفى عنهم تعاليم الحج وشعائر الحج، حتى يفعلونها على وفق أهوائهم، فلا تنالهم الرحمة ولا التوبة من ربهم عزَّ وجلَّ.
ولذلك عندما جاء طوفان نوح عليه السلام أغرق الله هذا البيت، وحملت الملائكة منه الحجر الأسعد وجعلوه أمانة ووديعة عند جبل أبي قبيس المطل على الكعبة حتى لا يعرف الناس مكانه، ولا يذهب الناس إليه طلباً للغفران، فلما جاءت إرادة السماء أن يعلن الله عزَّ وجلَّ برفع هذا البناء أذهب إليه إبراهيم وإسماعيل. فجاء جبريل ومعه البراق وقال يا إبراهيم: إن الله يأمرك أن تذهب إلى مكة لأنه سيخرج من صلب هذا الولد نبيٌّ يدعو الناس جميعاً إلى الله عزَّ وجلَّ. فأركبه البراق وأخذ إسماعيل بين يديه وأركب هاجر خلفه، وكلما مرَّ بأرض بها زرع وماء قال: أننزل هنا يا جبريل؟ يقول: لا. حتى وصل إلى مكان البيت فقال: انزل ها هنا فوجدها كما قال الله: ( بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) (37إبراهيم).
أي: لا زرع ولا ضرع فيها، فقال: يا جبريل لا زرع هنا ولا ماء!!، قال: هكذا أمر الله عز وجل، وذلك حتى يكون الذاهب إلى هذا المكان لا طالباً للمجد أو للمال أو للجاه أو للكساء، ولا طالباً للشهرة أو المنزلة بين الناس، وإنما يذهب وهمُّه الخالص رضاء الله عز وجل: ( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (196البقرة)، فيكون هدفه رضاء الله، وسفره طلباً لغفران الله، وهمه كله الإقبال على الله عزَّ وجلَّ.
فلو جعله في مكان هواؤه نظيف، وماؤه عذب غدير، وزرعه نضير، لكان الناس يذهبون إليه للسياحة، وبجانبها زيارة البيت، لكن الله جعل البيت في مكان قفر لا زرع فيه ولا ماء فيه، ولا جو تستحسنه الأجسام فيه، لكي يتحمل الناس كل هذه المشقات، فينالوا الغفران وارتفاع الدرجات عند الله عزَّ وجلَّ.
فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، ثم أمره الله عزَّ وجلَّ أن ينادي على الناس بالحج للبيت، فقال: يا ربَّ وما يبلغ صوتي؟!!. قال: عليك الآذان، وعلينا البلاغ: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) (27، 28الحج).
فوقف سيدنا إبراهيم عليه السلام على جبل أبي قبيس وأمر الله عز وجل الأرواح أن تخرج من مستقرها، وأمر الجبال أن تهبط، والوديان أن ترتفع، وأمر الهواء أن يوصل صوته إلى الناس جميعاً. فنادى إبراهيم مرة جهة المشرق ومرة جهة المغرب، ومرة جهة الشمال ومرة جهة الجنوب، وفي كل مرة يقول: ( أيها الناس إن الله قد بنى لكم بيتاً وأمركم بالحج فحجوا ). فلبَّى الناس في زمانه، ولبت الأرواح من عصره إلى يوم الدين، وقالوا جميعاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك.
منهم من رددها مرة، ومنهم من رددها مرتين، ومنهم من زاد على مرتين، والملائكة يسجلون، قال صلى الله عليه وسلم: {فمن لبى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين، ومن زاد على ذلك فبحساب ذلك} فإذا كانت ليلة النصف من شعبان يظهر في اللوح المحفوظ أسماء حجاج بيت الرحمن في هذا العام، فتحمل الملائكة النبأ إلى قلوبهم وإلى أرواحهم فيحسون بالشوق إلى بيت الله، وبالحنين إلى حج بيت الله، ويهيئ الله عزَّ وجلَّ الأسباب وهو سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب. منهم من يوفقه الله عزَّ وجلَّ ويأتيه ملك في المنام يبشره بحج بيت الله الحرام، ومنهم من يوفقه الموفق فيأتيه الحبيب المختار صلى الله عليه وسلم فيدعوه بذاته الشريفة للحج وللزيارة، وناهيك بهذا الشرف العظيم.
فعندما جاء صلى الله عليه وسلم إلى هارون الرشيد يدعوه، قام من نومه مستبشراً وأقسم أن يحج ماشياً على قدميه من بغداد، حتى يؤدي المناسك. لماذا؟ لأن الذي بشره ودعاه هو حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم.
وهذه امرأة من الجزائر جاءها صلى الله عليه وسلم فدعاها للحج وللزيارة، فقامت من نومها فرحة مستبشرة، وأقسمت أن تذهب إلى البيت على عينيها، وبعد القسم احتارت في كيفية التنفيذ؟!! فذهبت وأرسلت إلى العلماءلتستفتيهم، فأفتوها أن تصلي ركعتين عند كل خطوة تخطوها في طريقها إلى بيت الله عزَّ وجلَّ، فذهبت بهذه الطريقة في ثلاث سنوات حتى وصلت إلى بيت الله الحرام لتوفي بالوعد الذي أقسمت عليه لله عزَّ وجلَّ.
ومنهم من يرى في منامه أنه يطوف مع الطائفين ومنهم من يرى نفسه واقفاً على عرفات مع الحجيج، ومنهم من يرى أنه يسعى بين الصفا والمروة، ومنهم من يرى أنه في الروضة النبوية الشريفة، تأتيهم الدعوات بأي كيفية من الله عزَّ وجلَّ.
ومنهم من يخبره ملك الإلهام الموجود على قلبه فيهيئ له الشوق الحار لزيارة الله في بيته، والظمأ الشديد لأداء المناسك، فيعلن إلى من حوله أنه ذاهب إلى بيت الله. فلا يذهب إلى هناك على الحقيقة رجل ماله حلال إلا إذا سبق له التوفيق من الموفق عزَّ وجلَّ.
أما الذي يذهب وماله حرام فليس لنا شأن به، ومثلما راح سيعود ولن يناله إلا التعب والمشقة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في مثله: { مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ اللَّهُ عز وجل لَهُ: لاَ لَبَّيْكَ وَلاَ سَعْدَيْكَ، وَحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ } .
أما لماذا يذهبون؟ بعضهم ينال النصيب الأوفر فيأخذ حظه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : {مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَعَ كما ولَدَتْهُ أمُّه} .
وبعضهم ينال نصيب أكبر من هذا ويكون داخلاً في قوله صلى الله عليه وسلم: {الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجَنَّةِ} ، فالذي عليه ذنوب يرجع وقد طهَّره الله من الذنوب والعيوب، والذي يحج وليس عليه ذنوب ولا له ذنوب يأخذ كارت ضمان من علام الغيوب بدخوله الجنة والأمان يوم الموقف العظيم، ويدخل في قول الرحمن الرحيم: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (97آل عمران) . آمناً من عذاب الله، وآمناً من غضب الجبار، وآمناً من شرار الناس في هذه الحياة الدنيا، وآمناً من فزع يوم القيامة، لأنه يدخل في قول الله: ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (13الأحقاف)، ودرجات لا نستطيع عدَّها في هذا الوقت.
قال صلى الله عليه وسلم: { إن الله وعد من حج البيت أن يرده إلى بيته غانماً سالماً مغفوراً له ذنبه، وإن توفَّاه عنده أن يقيض له ملكاً يحج عنه ويلبِّي عنه إلى يوم القيامة } ، وقال صلى الله عليه وسلم: { التائب حبيب الرحمن، والتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ } . ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين الذي هدانا للإيمان وجعلنا مسلمين، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يثبتنا على هذا حتى يتوفانا مسلمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُهُ ورسوله. اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشرّ، ونجِّنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: ما هذه المغفرة التي ينالها حجاج بيت الله؟ ومن ينالونها هل يتبقى عليهم شئ بعدها أم يغفر الله عزَّ وجلَّ لهم جميع ذلك؟ إن الله عزَّ وجلَّ يغفر لهم مغفرة عامة شاملة لكل ما قالوه أو فعلوه أو اقترفوه أو جنوه، يقول فيها صلى الله عليه وسلم:
{ إِذَا أَفَاضَ الْقَوْمُ مِنْ عَرَفَاتٍ أَتَوْا جَمْعاً فَوَقَفُوا، قَالَ اللهُ تعالى: انْظُرُوا يَا مَلاَئِكَتِي إِلَى عِبَادِي عَاوَدُونِي فِي الْمَسْأَلَةِ، أُشْهِدُكُمْ أَني قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَهُمْ، وَشَفَعْتُ رَغْبَتَهُمْ، وَوَهَبْتُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَأَعْطَيْتُ مُحْسِنَهُمْ جَمِيع مَا سَأَلَ، وَتَحَمَّلْتُ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ }
. << ثم الدعاء >>.

الحج وغفران الذنوب خطبة جمعة

الحج وغفران الذنوب
الحمد لله ربِّ العالمين، أسمع آذان قلوب عباده المؤمنين أذان إبراهيم الخليل، فلبُّوا مسرعين مجيبين للتلبية بزيارته سبحانه وتعالى في بيته الجليل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزَّه عن الزمان والمكان والعلو والحيطة والإمكان، لا يشغله مكان ولا يحيط به مكان لأنه سبحانه وتعالى رب الزمان وخالق المكان. سبحانه .. سبحانه، كل ما سواه يفوت ويموت وهو سبحانه في عظمته وجلاله وكبريائه وحده الحي الذي لا يموت.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وحبيبُه، أنزله الله رحمة للعالمين، وهدية وبشرى للمؤمنين، وقال في حقه: ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (128التوبة).
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى صحابته المباركين، وعلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، آمين يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: ما أجمل وجود المؤمنين وقد استعدوا اليوم وبدأوا يتجهزون، يغتسلون ويتطيبون ويُحْرِمون ويخرجون للوقوف في ساحة الفضل والجود والكرم الإلهي، للمثول في ساحة الإكرام الرباني، الإكرام الذي ليس بعده إكرام، والإنعام الذي ليس بعده إنعام!!.
لو قيل للواحد منا بماذا تشترى المغفرة؟ لقال أشتريها بكل ما أملك من مال ومن ممتلكات ومن مقتنيات، فإن المغفرة إذا حصلها الإنسان وخرج للقاء الديان فقد فاز فوزاً مبيناً، ولو ملك الإنسان الدنيا بأكملها وكانت كلها في قبضة يده ولكنه خرج منها بدون الحصول على المغفرة ماذا أخذ؟ وماذا فعل؟ إنه يخرج منها بحسرة يموت منها الأولون والآخرون لو يعرفونها، لأنه ملكها كلها وتركها كلها ويحاسب عليها كلها ويبوء بخزيها والندامة عليها جميعها، ولم يحصل على ثمرة المغفرة التي هي كل ما يبغيه الإنسان في دنياه، وكل ما يطلبه لينال به السعادة في أخراه.
إخواني وأحبابي:
إن الأمر الصريح من رب العالمين لنا، هو أن نسارع ونتسارع ونجري ونتنافس .. في ماذا يا ربَّ العالمين؟ في الدنيا؟ كلَّا، في الأموال؟ كلَّا وألف كلا، في المناصب والدرجات الدنيوية؟ كلَّا، في ماذا نتنافس يا رب؟ ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) (26المطففين)، نتنافس في منابر الأبرار، ونتنافس في مقامات الصالحين، ونتنافس في منازل جنات النعيم، ونتنافس في النعيم المقيم، ونتنافس في البعد عن الجحيم - وما أدراك ما الجحيم؟، ونتنافس في البعد عن الخزى والندامة يوم الحسرة يوم القيامة، ونتنافس في الجلوس على الآرائك - وما أدراك ما الآرائك؟، ( عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ. خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) (23: 26المطففين).
نتنافس في الصالحات، ونتنافس في الطاعات، ونتنافس في القربات، ونتنافس في كل ما يوصلنا إلى الله ويقربنا إلى معية رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو تنافس المؤمنين، وهذا هو تسابق المؤمنين، وهذا هو صراع الموحدين، فليس صراعهم على شئ يبلى لأنهم علموا أن كل ما على الدنيا يفنى، ولا يبقى مع الإنسان إلا ما عبر عنه الديان وقال: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) (46الكهف).
عرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم :{ أيُّكُمْ مالُ وارثِهِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟، قالُوا: ما مِنَّا أَحَدٌ إلاَّ مالُهُ أَحَبُّ إليهِ مِنْ مَالِ وارِثِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: إعْلَمُوا أنهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلاَّ ومالُ وارثِهِ أحَبُّ إليهِ من مالِه، مالُكَ ما قَدَّمْتَ، ومالُ وارِثِكَ ما أَخَّرْتَ } . إن الذي خلفته إنما هو لورثتك، ولكن الذي قدمته هو العمل الذي فيه سعادتك، والخير الذي فيه رفع درجتك، والبر الذي فيه رفعة شأنك في الميعاد والوصول إلى مقام يقول فيه رب العزة سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (54، 55القمر).
فالمؤمن يتنافس في الحصول على المغفرة، شهادة محو الأمية أصبحت هي الأساس في التعيينات الحكومية وغير الحكومية - ولله المثل الأعلى - وشهادة المغفرة هي أدنى الدرجات التي لابد لك من الحصول عليها عند الخروج من هذه الحياة، حتى تدخل على الأقل في قوله: ( فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ) (185آل عمران)، حتى نتزحزح عن النار وندخل الجنة مع الأبرار، وإذا لم تخرج من هذه الحياة ومعك شهادة من العزيز الغفار بأنه قد غفر لك ذنوبك وستر عليك عيوبك فبماذا خرجت؟
لكنك إذا خرجت من الدنيا ومعك شهادة بالمغفرة وليس معك إلا حسنة واحدة فقد فزت وسعدت، لأنه ليس عليك أوزار، وليس عليك ذنوب تثقل كفة السيئات، وليس عليك ذنوب تجعلك تزل في المشي على الصراط، وليس معك ذنوب تجعلك تتناول كتابك بشمالك، وليس معك ذنوب تجعلك تمشي على وجهك، وليس معك ذنوب تجعلك تجلس في أرض القيامة والمؤمنون تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
شهادة المغفرة هي ذخيرة المؤمنين، وهي ركيزة الموحدين، لأنها هي السعادة العظمى مع رب العالمين سبحانه وتعالى، ولذلك يقيم المولى سبحانه وتعالى للمؤمنين مواسم للحصول على هذه الشهادة، والمواسم تلو المواسم، فإذا صاموا رمضان سلم للصائمين شهادة بالمغفرة، وإذا قاموا رمضان سلم القائمين شهادة بالمغفرة، وإذا حافظوا على الصلوات الخمس في جماعة من الجمعة إلى الجمعة سلم المحافظين على الفرائض في أوقاتها من الجمعة إلى الجمعة شهادة بالمغفرة، والمحافظ على صلاة الفجر أربعين يوماً في جماعة أعطاه الله شهادة بالمغفرة، ولو ترك الأهل والأموال والأولاد وخرج من بيته مهاجراً لزيارة رب العباد في بيته المحرم، في بيته المعظم، في بيته المكرم وقد حصل المال بطريق حلال - لأن هذا شرط القبول - فإذا كان المال من طريق حلال وقال: لبيك اللهم لبيك، قالت الملائكة له: لبيك وسعديك والخير كله لك وبين يديك، أما إذا كان المال من طريق حرام أو من طريق الشبهات وقال: لبيك اللهم لبيك، تقول الملائكة: لا لبيك ولا سعديك وحجك هذا مردود عليك.
فإذا حج من نفقة حلال، وخرج يبغي وجه الله، لا يريد شهرة بين الناس - أي لم يخرج حتى إذا رجع يقولون له: الحاج فلان، فإن عمر حج، وأبو بكر حج، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً حجوا، ولم نسمع من يقول الحاج أبو بكر، أو الحاج عمر، أو الحاج عثمان، وإلا فإن الصلاة أعظم من الحج، هل يجوز أن نقول المصلي فلان؟!، أو المزكي فلان؟!، أو الصائم فلان؟!، إن هي إلا ألقاب سميناها ما أنزل الله بها من سلطان - فإذا حج فليخلص النية، ولينوي بحجه هذا الحصول على مغفرة من الله ورضوان يوم الحصول على الفوائد التي أعدها الله لمن يقوم بأداء هذه الفريضة، وينوي مشاهدة البقاع المقدسة التي شاهدت نزول الوحي الإلهي، والتي شاهدت الأنبياء عليهم السلام وهم يمشون يبلغون رسالات السماء ويتعرضون للأذى من هنا ومن هناك لا يخافون في الله لومة لائم حتى أعزهم ونصرهم ونشر دينهم، وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
فإذا خرج الحاج بنفقة حلال، ويبغي رضاء ذي الجلال، لا يرفع قدماً ولا يضعها إلا وكتب له حسنة ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة، فإذا وصل إلى هناك وطاف حول البيت كان كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كمن يخوض في رحمة الله}، أي كمن يسبح أو يخوض في رحمة الله، وأنتم تعلمون أن من يسبح في المياه هل يخرج وعليه أوساخ؟، هل يخرج وعليه أوزار؟، فما بالك بمن يخوض في رحمة الله، هل يخرج وعليه ذنب أو خطيئة؟، هل يخرج وعليه عقوبة؟، إنه يخرج برحمة الله والملائكة يقولون لمن يدخلون جنة الله برحمة الله هم فيها خالدون، يدخلون في الجنة برحمة الله التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلٍ. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أَنا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ } .
فإذا وقفوا على عرفات، فهذا يوم المغفرة الأعظم، يوم الغفران، يوم تجلي الغفور، يوم تجلي التواب، يوم تجلي العفو عن المذنبين وعن المسيئين وعن الخطائين، لأنه يقول في حديثه القدسي: { يا عِبَادي إِنَّكُمُ الَّذِيْنَ تُـخْطِئونَ باللـيلِ والنهارِ وأَنَا الَّذِي أَغْفِرُ الذنوبَ ولا أُبَالِـي فاسْتَغْفِرُونـي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي لو لقيتموني بقراب الأرض خطايا - يعني بملء الأرض ذنوب - ثم لقيتموني لا تشركون بي شيئاً غفرت لكم ما كان منكم ولا أبالي }
إنه هو الغفور الرحيم، إنه يحب التوابين ويحب المتطهرين، فإذا وقفوا بين يديه ملبين وقد وضعوا ذنوبهم بين أيديهم وتضرعوا بألسنتهم وقلوبهم إلى خالقهم وبارئهم،، يرجون رحمته ويطلبون مغفرته، يقول الكريم لعباده الملائكة: { يا ملائكتي انظروا إلى عِبَادِي جَاءُونَا شُعْثَاً غُبْرَاً مِنْ كُل فَجَ عَمِيقٍ يَرْجُونَ جَنَّتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ عَدَدَ الرَّمْلِ أَوْ كَقَطْرِ المَطَرِ أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورَاً لَكُمْ وَلِمَنْ شَفِعْتُمْ لَهُ}
بل إن الله يتفضل عليهم فيستجيب لهم الدعاء، ويتحمل عنهم الحقوق، ويباعد بينهم وبين المعاصي، ويباعد بينهم وبين الشياطين، ولذلك يقول سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم: { مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمَاً هُوَ أَصْغَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ } . لماذا؟.
لما يرى من مغفرة الله لعباد الله، فيندم على ما فعل، لأنه وسوس لهم طول الأعوام، وزين لهم الأعمال السيئة طول الأعوام، ثم يغفرها الغفور سبحانه وتعالى في نفس وأقل، لأنهم وقفوا بين يديه خاشعين، ووقفوا بين يديه ضارعين، وقد عبروا عن ذلك في حالهم عندما لبسوا أكفانهم، وتجردوا من أفعالهم، وتجردوا من دنياهم، ووقفوا بين يديه كما يقفون بين يديه في أخراهم، ليس عليهم إلا الملابس البيضاء والكل يتساوى أمام رب الأرض والسماء، لا فرق بين غني ولا فقير، ولا رئيس ولا وضيع، الكل متساوون أمام الله، لا يظهر الفارق إلا بالتقوى - وتلك في صدورهم لا يراها إلا الله، ولا يطلع عليها إلا الله - فإذا وقفوا بين يديه هكذا خاشعين متذكرين لذنوبهم، تائبين من أوزارهم، غفر الله سبحانه وتعالى لهم، بل يقول صلى الله عليه وسلم: {يَغْفِرُ الله للحَاجِّ ولمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحَاجُّ} ، ويقول صلى الله عليه وسلم: {إِذَا أَفَاضَ الْقَوْمُ مِنْ عَرَفَاتٍ أَتَوْا جَمْعاً فَوَقَفُوا، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَلاَئِكَتِي إِلَى عِبَادِي عَاوَدُونِي فِي الْمَسْأَلَةِ، أُشْهِدُكُمْ أَني قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَهُمْ، وَشَفَعْتُ رَغْبَتَهُمْ، وَوَهَبْتُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَأَعْطَيْتُ مُحْسِنَهُمْ جَمِيع مَا سَأَلَ، وَتَحَمَّلْتُ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ}
ونحن أيضاً في هذه البلاد وإن كنا لم نوفق للمثول بين يدي الله في هذه الأماكن المباركة إلا أن الله لم يحرمنا من هذا الفضل، بل جعلنا شركاء لهم في الأجر إذا وفقنا للعمل بهدي رسول الله والمتابعة لسنته صلى الله عليه وسلم، فإذا دققنا في إتباع السنة في ذلك اليوم - والسنة هي صيام ذلك اليوم - وفيه يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: { صومِ يومِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والبَاقِيَةَ } .
ويقول صلى الله عليه وسلم: { مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُل يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُل لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ، ويقول صلى الله عليه وسلم: { مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هذِهِ الأَيَّامِ، قِيلَ: وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلاَ الْجَهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلاَّ مَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُهْرَاقَ دَمُهُ فلم يرجع من ذلك بشئ }
فإذا صمنا في هذا اليوم لله، وعشنا في هذا اليوم بأرواحنا وأجسادنا بين يدي الله مستقبلين عظمة الله، ومستحضرين توبة الله، ومستحضرين أن الله سبحانه وتعالى تنزه عن المكان، ورحمته وسعت كل شئ فستسع جميع بني الإنسان والذين يقفون بين يديه في هذا الزمان يلبُّون ويضرعون ويصرخون ويستجيرون لأنه سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعاً، إذا وقفنا بين يدي الله في هذا اليوم على هذه الشاكلة جبر الله كسر قلوبنا، وغفر ذنبنا، وكنا مشاركين لأهل عرفات في مغفرة الله سبحانه وتعالى وإن تفاوت الأجر والثواب، ولكن حسبنا المغفرة من العلي الوهاب سبحانه وتعالى.
عباد الله: اعلموا أن هذا اليوم يوم عرفة يوم بِرٍّ ويوم كرم، والله سبحانه وتعالى هو الرب الكريم الذي ليس لكرمه حدود، وهو الوهاب الذي ليس لهباته نهاية، وهو المنان الذي يعطي ولا يمن على عباده يعطي بلا حدود، ويشمل بعطائه الجميع بشرط أن يكون الجميع في مقام التضرع والخشوع، في مقام الإنابة والتوبة لله، في مقام السجود بين يدي الله في مقام الرجاء في كرم الله، في مقام الخوف من قهر الله وعظمة الله، فإذا كنا كذلك شملنا الله برحمته ووسعنا بمغفرته.
قال صلى الله عليه وسلم: {التائب حبيب الرحمن، والتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ} .ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم واعطنا الخير وادفع عنا الشر ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد.
فيا إخواني ويا أحبابي: علينا أيضاً في هذه الأيام المباركة عبادات خاصة سنَّها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذه العبادات التكبير لله عقب الصلوات منذ فجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد علينا أن نكبر عقب كل صلاة وألفاظ التكبير: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، إذا صلينا في جماعة نكبر جميعاً وإذا فاتتنا الجماعة فصلينا مفردين علينا أن نكبر أيضاً وإذا صلينا نافلة منفصلة عن الجماعات كبرنا أيضاً ونعلم ذلك لنسائنا ولصبياننا ولكن نعلم نسائنا أن يكبرن بصوت خافت لا يسمعن إلا أنفسهن. أما الرجال فيكبروا بصوت جهوري لأنها أيام تكبير يقول فيهاصلى الله عليه وسلم: {زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بالتَّكْبِيرِلله} .
فالتكبير هو زينة العيد ليست زينة العيد فيما نفعله من أضواءوفيما نفعله من زينات ولكن كما قال الله: ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (185البقرة).
أيضاً علينا في هذه الأيام بالأضحية لأنه فيها أجر لا يعلمه إلا الله بين بعضه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال لابنته فاطمة: {يَا فَاطِمَةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَتَكِ فَإنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ، أَمَا إنَّهُ يُجَاءُ بِلَحْمِهَا وَدَمِهَا تُوضَعُ فِي مِيزَانِكِ سَبْعِينَ ضِعْفاً. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هذَا لآِلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً، فَإنَّهُمْ أَهْلٌ لِمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: لآِلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً }
وقال صلى الله عليه وسلم: {مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً }
وفى رواية: { قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الأَضَاحِي؟ قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ، قَالُوا: مَا لَنَا مِنْهَا؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ، قَالُوا: فالصُّوفُ ؟ قَالَ: بِكِلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوَفِ حَسَنَةٌ } ، هذا الأجر والثواب لمن يضحي كما كان يضحي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشروط التي وضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فما هي؟
أن يضحي بعد صلاة العيد لقول الحميد المجيد ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (2الكوثر)، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أَوَّل ما نبدأ يومنا هذا أنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ ننحر، فَمَنْ فَعَلَ ذٰلِكَ، فَقَدْ أَصابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ تَعَجَّلَ، فَإِنَّما هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ }
فلابد أن يكون الذبح بعد الصلاة لمن يريد أن ينال هذا الثواب من الله وأن تكون الأضحية مستوفية للشروط الشرعية لقول الله: ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) (92آل عمران)، ثم يخرج منها شيئاً للفقراء وشيئاً للأهل والأصحاب على هيئة هدية ويستحسن أن نقسمها إلى ثلاثة: (ثلث لأهلك وثلث للفقراء وثلث للأهل والأقارب)، وإذا كنت محتاجاً فلا عليك أن تأكلها كلها وأيضاً لك الأجر لأنك فقير ومحتاج.
هذه الأضحية هي سنة عن أبيكم إبراهيم عليه السلام عندما ضحى عن إسماعيل عليه السلام عندما رأى في رؤياه أنه يذبح فتاه ورؤيا الأنبياء وحي من الله ولذلك عندما قال لفتاه: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) وكان الابن يعلم أن رؤيا الأنبياء أمر ووحي من الله فقال: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (102الصافات)، ثم أخذه بعيداً وقال يا أبتاه انزع قميصي حتى لا يقع عليه الدم فتراه أمي فتحزن على ذلك واجعل وجهي إلى الأرض حتى لا تنظر إلى وجهي فتأخذك الشفقة فتتردد في تنفيذ أمر الله واشحذ السكين حتى تذبح بسرعة حتى لا أتألم من آلام الذبح فأراد أن ينفذ قضاء الله ووضع ابنه ووحيده بين يديه وقد شحذ السكين وأراد أن يقطع فإذا بالسكين لا تقطع !! وعجب الخليل من ذلك!! وإذا بأمين الوحي جبريل ينزل من السماء بكبش من الجنة .. وبخطاب من ربِّ الأرض والسماء ... بتلغراف عاجل من الله، بعد أن بكت ملائكة الله وقالت: يا ربنا كيف تطلب من الخليل أن يذبح وحيده إسماعيل؟!!! وهو أعلم بما قدر فى سابق علمه!!، فقال تعالى: ( يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) (104الأنبياء)، وفداه الله بذبح عظيم، فتلك هي سنة إبراهيم ولذلك جعلها رسول الله سنة سارية إلى يوم الدين.
وقد ضحى صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين وذبحهما بيده، فقد ورد فى الحديث الشريف: { كَانَ إِذَا ضَحَّى اشْتَرى كَبْشَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَإِذَا صَلَّى وَخَطَبَ أَتى بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ فِي مَصَلاَّهُ فَذَبَحَهُ ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ هذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعَاً، مَنْ شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلاَغِ)، ثُمَّ يُؤْتى بِالآْخَرِ فَيَذْبَحَهُ وَيَقُولُ: ( اللَّهُمَّ هذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ)، فَيُطْعِمُهُمَا جَمِيعَاً المَسَاكِينَ، وَيَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْهُمَا } ، فهو صلى الله عليه وسلم قد ضحى عن فقراء الأمة حتى لا يحزنوا وحتى لا يجزعوا لقد ضحى عنهم النبي الشفيع صلى الله عليه وسلم.
ويسن أيضاً أن نجعل رأسها تجاه القبلة، وأن نسقيها قبل الذبح، وأن نريحها، وأن نشحذ السكين، ولا تشحذها أمامها، وأن تقول عند الأضحية: (اللهم هذا عن فلان وأهل بيته.. ( إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (162، 163الأنعام) ).
تلك يا أخوة الإيمان بعض أحكام الهدي التي أوجبها الله على المستطيع، وعطف رسول الله بالفقراء والمساكين بذبحه عنهمـ سُنَّة أبينا إبراهيم عليه السلام، وما جعله الله إلا للمغفرة، أي: إلا لننال بها المغفرة والأجر الكريم من الله.
ولا يفوتنا في هذه الأيام المباركة أن نصل أرحامنا، وأن نزور أقاربنا، لقول رسولكم الكريم: {لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا} وحتى لا يتحجج أحد منا ويقول: أنا أحسن إلى أقربائى ولكنهم لا يقابلون الإحسان بمثله. فهل تحسن إليهم أولاً ليحسنوا إليك؟، أم تحسن إليهم إقتداء بسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ورغبة فى مرضاة الله؟، هذه واحدة، والثانية: فقد أَتَى رَجُلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالَ: {يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ: «لَئِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ} ، يعني كأنما تطعمهم الجمر الذي يتبقى بعد النار. فعلينا بصلة ذوي الأرحام، لأنها العبادة التي ترضي الملك العلام في هذا اليوم الكريم.
<< ثم الدعاء >>.

الحج ومشاهد القيامة خطبة جمعة

الحج ومشاهد القيامة
الحمد لله ربِّ العالمين، أكمل على عباده المسلمين المِنَّة، وأتم عليهم النعمة، وفرض عليهم الحج إلى بيته المكرم. سبحانه .. سبحانه، جعل هذه الأيام أيام المغفرة من الغفار لجميع المسلمين والمسلمات، ( فمن حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )، ومن لم يستطع الحج فليضحِى على حسب الشريعة المطهرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: { يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَٱشْهَدِي أُضْحِيَتَكِ، فَإنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ } ، فيغفر لمن سافر ويغفر لمن قام، ويعم بمغفرته جميع الأنام، فنسأله عزَّ وجلَّ أن نكون ممن تشملهم مغفرته في هذه الأيام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحكيم في فعاله، الكريم في خصاله، الذي لا يأمر عباده إلا بما فيه نفعهم في الدنيا وسعادتهم يوم لقائه عزَّ وجلَّ. وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أظهر الله عزَّ وجلَّ به مناسك الإسلام، وأتم به وعلى يديه نزول الأحكام، وجعله صلى الله عليه وسلم فارقاً بين الأنام، فمن اتبعه واهتدى بهداه سعد في الدنيا ويوم الزحام، ومن خالف أمره ولم يمشِ على هداه خسر في الدنيا وكان من التعساء يوم لقاء الله.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وارزقنا جميعاً العمل بشريعته، والموافقة في أعمالنا بسنته، واحفظنا جميعاً بلواء حضرته يوم الدين، حتى نكون أجمعين من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، نحن وإخواننا وأولادنا أجمعين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنين: نحن هنا والحمد لله بأجسامنا بينكم، وأرواحنا في هذا الوقت وهذا الحين في بلد الله الحرام مع حجاج بيت الله - نتابع خروجهم اليوم من مساكنهم في مكة إلى منى، ليُصَلُّوا هناك اليوم الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبعد صلاتهم الصبح في يوم الغد يتوجهون جميعاً إلى عرفات الله عزَّ وجلَّ - ماذا يستحضرون في أعمالهم؟، إن الشريعة المطهرة أمرت المؤمن والمؤمنة أن يستحضر في كل عمل يعمله بأعضائه وحركات جسمه مشهداً قلبيًّا، يشهد فيه سرًّا من أسرار حكمة ربِّه عزَّ وجلَّ. وسنسوق على حسب المقام بعض ما يشهده حجاج بيت الله الحرام في أداء مناسكهم، رغبة في رضا الرحمن عزَّ وجلَّ.
في صباح هذا اليوم يغتسلون ويتذكرون بهذا الغسل آخر غسل لهم بعد وفاتهم للقاء ربهم عزَّ وجلَّ، ثم يخلعون ملابسهم ويلبسون ملابس الإحرام ويتذكرون بها الأكفان التي يلبسونها يوم يدعوهم الديان عزَّ وجلَّ، فإذا خرجوا من ديارهم تذكروا صيحة الله عزَّ وجلَّ عندما ينادي: (يا أيتها العظام النخرة ويا أيتها الأعضاء المتقطعة ويا أيتها الشعور المتهالكة اجتمعوا واخرجوا ليوم الجمع)، فيتذكروا هذا النداء، فيقولون ملبين لله: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك).
وكلمة (لبيك): يعني جئت إليك مسرعاً طائعاً يا ربَّ العالمين، فهي تعني سرعة الإجابة وسرعة التلبية لله عزَّ وجلَّ. فإذا وصلوا إلى عرفات تذكروا يوم الميقات: ( فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ) (25آل عمران) ، وقد تسارع الجميع - لا شهرة لغني، ولا ظهور لفقير، ولا مكان مخصص لأمير أو وزير، بل الكلُّ سواسية أمام العلي الكبير عزَّ وجلَّ، ملابس واحدة، وفي مكان واحد، وألسنة مختلفة وأصوات متنوعة ووجوه متباينة كأنه يوم الحشر - فيضرع الإنسان إلى الله إذا تذكر يوم العرض على الله، وعلم أن هذا هو اليوم الذي سيحاسبه فيه مولاه على ما قدمت يداه، فيسارع إلى التوبة، ويبكي بدموع الندم على الذنوب، ويضرع إلى الله عزَّ وجلَّ أن يتغمده بغفرانه وأن يشمله بعفوه ورضوانه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: {أعظم الناس ذنباً من وقف بعرفة فظن أن الله لم يغفر له} .
ثم يدعوهم الله عزَّ وجلَّ بعد خروجهم - واعترافهم على عرفات بذنوبهم - للقاء حضرته، فيتذكر الحاج بالذي يقطعه على الله، والذي يباعد بينه وبين طريق الله، وهو إبليس اللعين فيرجم الجمرات، كأنه يعلن البراءة من وسوسة إبليس، ومن تلبيس إبليس، ويتذكر أن النفس تعوقه في مهمته فيسارع إلى إراقة الدماء، وكأنه يقول: يا ربَّ، إن لم يكن يرضيك إلا قتل نفسي في سبيل مرضاتك فها أنا ساعٍ في مرضاتك بكل ما أستطيع، ثم يذهبون إلى بيت الله الحرام والله عزَّ وجلَّ لايحدُّه بيت، ولا يحيط به مكان، ولكنه مثال جعله الله لنتذكر به يوم العرض على الله عزَّ وجلَّ، فيتذكر وقوفه بين يدي مولاه عندما يطوف ببيت الله عزَّ وجلَّ، وكيف يكون موقفه؟، وكيف يكون شأنه في يوم يقول فيه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم: {إن الوجوه لتتهدل حتى لا يكون عليها مزعة لحم من شدة الخجل والحياء من الله عزَّ وجلَّ}، هذا للمسرفين والعصاة والمذنبين، أما المؤمنون الصالحون ففيهم يقول ربُّ العالمين جلَّ وعلا فى محكم التنزيل: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (22، 23القيامة).
ثم يطوف ويمشي بين الصفا والمروة ويتذكر مشيه بين كفتي الميزان - فالصفا إشارة إلى كفة الحسنات والمروة إشارة إلى كفة السيئات - وهو يمشي بينهم يتهادى تارة، ويسرع أخرى، ويتعشم أن تثقل كفة حسناته ولو بحسنة واحدة حتى يكون فيمن قال فيهم الله: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ) (185آل عمران).
هذه - باختصار شديد - بعض المعاني التي يستحضرها الحجيج لكي يغفر الله لهم ويقول لهم: انصرفوا لقد غفرت لكم. وقد أكرم الله عزَّ وجلَّ المسلمين أجمعين في هذا اليوم ووعدهم بالمغفرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {خَيْرُ الدّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ} ، لم يقل دعاء المؤمن على أرض عرفة، لكنه جعل دعاء يوم عرفة لمن هناك ولمن هنا - على أن يشاركهم في حالهم، ويهيئ نفسه لاستحضار أحوالهم - ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين والمؤمنات إلى صيام هذا اليوم وقال في شأنه: { صومِ يومِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والبَاقِيَةَ }
لأن الصيام يقوي الاستحضار ويقوي الناحية الروحانية، فيعيش المؤمن في هذا اليوم - في أي زمان وفي أي مكان - وكأنه على عرفات الله عزَّ وجلَّ مع الحاج، يدعو الله أو يتلو كتاب الله أو يستغفر الله أو يبتهل ضارعاً إلى الله، المهم ألا يشغل نفسه في هذا اليوم إلا بطاعة الله عزَّ وجلَّ، فإذا أكرم الله الحجيج بإجابة الدعوات كان دعاؤه معهم، وإذا أكرمهم الله بغفران الذنوب غفر الله عزَّ وجلَّ له معهم، وإذا تفضل عليهم بشئ من الرحمات عمَّته الرحمة معهم، لأنه شاركهم بنفسه وبروحه وإن لم يستطع أن يشاركهم بجسمه.
ويشهد لذلك قول رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه الإمام البخاري - عندما توجه بجيشه إلى تبوك ببلاد الشام، ووقف هناك وقال لمن حوله: { إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَقَوْماً، مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً، إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ. حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ } ، ولأن العذر حبسهم فقد شاركوا إخوانهم في أجورهم وفي مكافآتهم وفي كل أحوالهم.
هكذا الأمر - يا جماعة المؤمنين - لمن حبسهم العذر عن الذهاب إلى بيت الله، لكنه عاش في هذه الأيام بروحه وبنفسه وبعقله وبقلبه وبكلِّه في هذه البقاع المباركة، حتى أنه عندما ينام من شدة شوقه لهذه الأماكن قد يجد نفسه يطوف بالبيت، أو يسعى بين الصفا والمروة، أو يقف على عرفات، لشدة شوقه إلى هذه الأماكن المباركات، فدعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن نصوم هذا اليوم، وإلى أن نكبر الله عزَّ وجلَّ من صبح الغد - وهو يوم عرفة - إلى عصر يوم الرابع من أيام العيد.
نكبر الله بعد كل صلاة، سواء صلَّينا في جماعة أو صلينا فرادى، الرجال والنساء، وإن كانت النساء تكبر بصوت خافت والرجال بصوت عالي، لكن الكلُّ يكبِّر الله عقب كل صلاة، سواء كانت فريضة أو سنة، فمن صلى ركعتي الضحى عليه أن يكبر في هذه الأيام، حتى لو حضرتنا جنازة في هذه الأيام علينا بعد الانتهاء من صلاة الجنازة أن نكبر الله عزَّ وجلَّ: ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (185البقرة).
قال صلى الله عليه وسلم: { مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمَاً هُوَ أَصْغَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم: { ما مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدَّنْيَا فِيُبَاهِي بِأَهْلِ الأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَلَمْ يُرَ يَوْمُ أَكْثَرُ عِتْقاً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: { صومِ يومِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والبَاقِيَةَ } .
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين الذي هدانا لهذا الفضل ولهذا البر وجعلنا من عباده المؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كرمه لا يحد ونعمه لا تعد، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله إمام الهدى ونبي المتقين وقائد الغر المحجلين يوم لقاء رب العالمين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم واعطنا الخير وادفع عنا الشر ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين.
أما بعد.. فيا ايها الأخوة المؤمنون.
يكرم الله عز وجل عباده المؤمنين في هذه الأيام بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فالمؤمن الذي يقتدي بنبي الله إبراهيم ونبي الله إسماعيل يشتري أضحية بشروطها الشرعية إن كانت من الماعز يشترط أن يكون مرّ عليها عامين وإن كانت من الأغنام يشترط أن يكون مرّ عليها ستة أشهر وإن كانت من الأبقار يشترط أن يكون قد مرّ عليها سنتين وإن كانت من الجمال يشترط أن يكون قد مر عليها خمس سنوات ... وألا تكون بها عيوب ... لا عوراء ..ولا جرباء .. ولا هزيلة .. ولا مريضة .. ولا مشقوقة الأذن ولا مكسورة القرن .. لأن المؤمن لا ينال البر حتى يعطي أفضل ما يحب لله عز وجل .....
وأن يكون ذلك بعد صلاة العيد وسماعه الخطبة لقوله عز وجل " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ " (2الكوثر)، ويجوز أن نذبحها في أول يوم أو ثاني يوم أو ثالث يوم على أن يذبح بالنهار ويكره الذبح بالليل وأيضاً لا يعطي الجزار شيئاً منها على سبيل الأجرة كما يفعل الكثير منا يحضر الجزار فيذبح الأضحية ثم يحمل الجلد على كتفه ويخرج على أنه أجرته ..هذا ممنوع.
فقد قال على رضى الله عنه وكرم الله وجهه: { أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ أَنْ أَقُومَ عَلَىٰ بُدْنِهِ. وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا. وَأَنْ لاَ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: (نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا) }
ماذا نفعل بالجلد؟ يمكن أن نبيعه ونتبرع بثمنه لأي مشروع من مشروعات الخير أو عمل من أعمال البر فإذا وفى المسلم بهذه الشروط خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وليس هذا فقط بل قال صلى الله عليه وسلم: {لصاحبها بكلِّ شعرةٍ حسنةٌ، ويُرْوَى بِقُرُونِها} . من يستطيع أن يعد؟!!، { ولكم بكل قطرة من دمها حسنة وإنها لتوضع في الميزان بقرونها وأظفارها ولحومها ودمائها فطيبوا بها نفساً وأبشروا }.
ثم ماذا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: { إِسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ فَإنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى الصرَاطِ } أى هي الركوبة التي تكربها على الصراط يوم القيامة إن شاء الله.
فالأضحية سنة على الموسر يفعلها في عمره كله ولو مرة، لكن لا يجب في سبيلها أن تحدث المشكلات في البيوت، كأن نريد أن نضحي حتى لا نكون أقل من الجيران!!! ولا يجب أن يستدين المرء ليضحي لله عزَّ وجلَّ!!، فالذي معه سعة عليه أن يضحي خوفاً من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { مَنْ وَجَدَ سَعَةً لأَنْ يُضَحيَ فَلَمْ يُضَح فَلاَ يَحْضُرْ مُصَلاَّنَا } ، لكن الذي ليس معه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لأن المؤمن لا يعمل العمل إلا لله، فإذا ضحى فإنما يضحي طمعاً في ثواب الله، ورغبة في رضاء الله، لا سمعةً بين جيرانه ولا شهرةً بين أقرانه.
وقد يحدث في البيوت ما لا تحمد عقباه؛ من هذا أن الزوجة قد تصرّ على الأضحية ولو شكى لها الزوج ألف عذر لا ترحمه، لأنها تقول له: كيف أقابل الجيران وأتحدث مع الإخوان وليس عندنا أضحية؟ وهذا لا يرضي الرحمن عزَّ وجلَّ، فالمؤمن لا يعمل إلا لله ولا يعمل إلا ابتغاء ثواب الله وطلباً لرضوان الله عزَّ وجلَّ.
لكن المؤمن الذي ليس معه سعة عليه أن يحاول أن يضحي ولو مرة واحدة في عمره كله، وهذا ليس بالصعب العسير ليحصل على هذا الثواب، يغفر الله له ولأهل بيته وتوضع بكل ما فيها في كفة حسناته، ويكون له ركوبة يركبها على الصراط يوم لقاء الله، هذا فضلاً عن متابعته لسنة سيد الأنبياء وإمام الأنبياء، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم عليه السلام.
فإذا ضحَّى فإن الأضحية يصلح شأنها ويرفع ثوابها أن يعطي المرء منها للفقراء والمساكين، وعليه أن يتحرى في ذلك فإن كثيراً منا يعطي السائلين وكثيراً منهم ليسوا محتاجين، وإنما يستكثرون من هذا الخير لعلمهم أن الناس يعطون من سألهم!!، لكن المؤمن يتحرى موضع صدقته، وخير موضع يضعها فيه الموظف الذي عنده أولاد ودخله لا يكفيه. كيف يعطيها له؟ إن هذا أمر لو هدى الله عزَّ وجلَّ العبد له لألهمه بالطريقة السليمة الرشيدة التي يستطيع بها أن يضع صدقته في موضعها، لقد قال صلى الله عليه وسلم: { لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ. وَلاَ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ. إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ أبا العيال } . وقال الله عزَّ وجلَّ واصفاً الفقراء الذين يبحث عنهم الأغنياء: ( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) (273البقرة). لا يشكو فقره إلا إلى ربِّه عزَّ وجلَّ، مثل هذا يجب علينا أن نغنيه في هذا اليوم. فإن السائل الذي يمد يده إليَّ وإليك تعلمون جميعاً أنه يملأ ثلاجات العمارة كلها بما تسوَّله من اللحوم!!. أما الفقير المتعفف فقد لا يستطيع إحضار كيلو واحداً من اللحم لأولاده في هذا الوقت، ولا يستطيع أن يمد يده ولا تطاوعه نفسه أن يسأل، لأنه رجل عفيف النفس، قوي الإيمان، وهذا الذي يجب علينا أن نبحث عنه جميعاً أيها المؤمنون.
وإياك أخى المسلم أن تقول أنه ليس بموجود، أو أنه أصبح مفقوداً، بل موجود وكثير، ولا يغرك المظهر، ولا يغرك الشأن العام، ولكن ابحث في جوهر الناس، وتحسس في طلبات الناس - بلا تجسس والتماس عورات، ولكن ابحث عن الفقير المتعفف ذو العيال الذى اغلق بابه وكفَّ لسانه، وسأل ربَّه، وليس الذين سدوا أبواب الطرقات، وغصت بهم باحات المساجد، وإن أغلبهم لتجار!!، كما نهر عمر رضي الله عنه أحدهم، لما رآه يسأل المرة تلو المرة فقال له: إنك لتاجر. فلنبحث عن المتعففين المحتاجين لنضع الصدقة في موضعها الحقيقي.
<< ثم الدعاء >>.

سرُّ خلَّةَ أبينا إبراهيم عليه السلام خطبة جمعة

ســـــرُّ خلَّةَ أبينا إبراهيم عليه السلام
الحمد لله ربِّ العالمين، يكرم عباده المتقين، ويعزُّ عباده الصالحين، ويمنحهم ما فيه عزُّهم في الدنيا والسعادة في يوم الدين. سبحانه .. سبحانه، قرن العطاء بالابتلاء، فيبتلي أحبابه ليعطيهم ويجزل لهم العطاء، ويمتحنهم ليرفع قدرهم ويظلهم تحت ظل عرشه يوم اللقاء، سرَّ قول خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم: {إِذا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلاَهُ، وَإِذَا أَحَبَّهُ الْحُبَّ الْبَالِغَ اقْتَنَاهُ} .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين والآخرة إلا لمن أحب. وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عَبْدُهُ ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، الذي صبَّ عليه مولاه البلاء صبًّا، ثم قال له - صلى الله عليه وسلم:( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ ) (127النحل)، ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) (35الأحقاف)، يعني لابد أن يكون صبرك وحدك مثل صبر أولي العزم جميعاً من الرسل والأنبياء.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، والشفيع الأعظم للخلائق أجمعين يوم الدين، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين، يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا إخواني ويا أحبابي: ونحن في يوم من أيام خليل الله عليه السلام، وقد كان هذا اليوم يوم استجابة من الله عزَّ وجلَّ لخليله إبراهيم، حيث طلب من الله عزَّ وجلَّ أن يجعل له لسان صدق في الآخرين، يعني: يذكرونه ويشرحون سيرته، ويتعظون بمسيرته، ويتأسون بسنته إلى يوم الدين، فما من نبي إلا ونذكره سنة وننساه سنين، أو نذكره وقتاً قد يطول وقد يقصر إلا نبي الله إبراهيم، فلابد أن نذكره كل عام، ولابد أن نحكي قصته كل عيد أضحى، لماذا؟!!، استجابة لقول الله عزَّ وجلَّ: ( وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) (84الشعراء).
هذا النبي الكريم اسمه خليل الله. لماذا سمي بهذا الاسم؟.
روى البخاري ومسلم أن خليل الله إبراهيم عليه السلام خرج كعادته يوماً يبحث عن الضيفان - وكان لا يأكل إلا مع ضيف، ويمكث يوماً بل أيام بدون أكل حتى يعثر على ضيف ليأكل معه، وكان يمشي الأميال باحثاً ذات اليمين وذات الشمال عن الضيف لما علمه من أجر إكرام الضيف عند الكريم عزَّ وجلَّ. فذهب يوماً وعاد ولم يجد أحداً، ثم دخل المنزل فوجد رجلاً جالساً في منزله، فقال له: لم دخلت المنزل بدون إذن سيده؟ قال: قد أذن لي ربُّ الدار. قال: من أنت؟ قال: أنا ملك أرسلني الله عزَّ وجلَّ ليبشر رجلاً من عباده بأنه خليل الله عزَّ وجلَّ. قال: دلني على هذا الرجل فوالله لو دللتني عليه ثم كان في أقصى بقاع الأرض لذهبت إليه وعشت معه حتى ألقى الله عزَّ وجلَّ. قال: إنه أنت، قال: أنا .. أنا!! وأخذ يكررها مبهوراً متعجباً، فرحاً مستبشراً. قال: ولم؟
قال: لأنك تعطي لله ولا تسأل الناس شيئاً، وانتهى الملك من بشارته. وإذا بملك الملوك عزَّ وجلَّ يفتح بابه لإبراهيم ويوحي إليه: يا إبراهيم، تعلم لم اتخذتك خليلاً؟، قال: لا يا ربّ. قال: لأنك جعلت جسدك للنيران، وولدك للقربان، ومالك للضيفان، وقلبك للرحمن عزَّ وجلَّ.
فلم يأخذها بالفهلوة، ولم يأخذها بالنصب والاحتيال، ولم يأخذها بطريق مفروش بالورود، ولكنه طريق صعب طويل في سبيل الدعوة إلى الملك الجليل عزَّ وجلَّ. بدأ هذا الطريق مع أبيه أولاً!! حيث كان أبوه هو الذي يصنع الآلهة ويبيعها للناس ليعبدوها من دون رب الناس عزَّ وجلَّ. فطلب منه أن يذهب إلى السوق ليبيع هذه الآلهة، فنفذ الأمر وذهب إلى السوق!! وأخذ ينادي عليها ساخراً متهكماً ويقول: (الإله الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر بكذا!!). فنقل الناس الخبر إلى أبيه، فجاء إليه مسرعاً وقال: ماذا تفعل؟ - لأنه يحارب دين أبيه - فقال: ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ) (42مريم)، فلما اعترض على موقفه طرده من بيته فخرج غير نادم على ما حدث لأنه نذر نفسه لله عزَّ وجلَّ وقال كما قال الله: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (162، 163الأنعام).
ثم أخذ يدعو قومه بالحكمة تارة، وباللين تارة، وبالجدال تارة، فيذهب إلى من يعبدون النجوم - وهم كثير في بلده الأولى العراق؛ ويسمون الصابئة - وجلس معهم ليلة طويلة عريضة، وقال لهم: ماذا تعبدون؟، قالوا: هذا - وأشاروا إلى نجم - فانتظر حتى أفل النجم، وقال: إني لا أحب الآفلين. ثم أشاروا إلى القمر فجلس معهم حتى طلع الصباح وكسف ضوء القمر، فقال أيضاً: إني لا أحب الآفلين، ثم طلعت الشمس فقال متهكماً: أظن أن هذا إله أكبر، فنورها أسطع وحجمها أكبر وإشراقها أوسع!!، ثم جاورهم حتى غابت الشمس وأقام عليهم الحجة بأن هذه الآلهة لا تنفع ولا تضر، وإنما الإله الحقُّ هو ربُّ العالمين عزَّ وجلَّ .
فما كان منهم إلا أن أخذوه إلى النمروذ ملكهم - وكان قد طغى وبغى وأدَّعى الألوهية - قال: يا إبراهيم، هل علمت لك من إله غيري؟، ألك ربٌّ سواي؟!!، قال: ربِّي الذي يحيي ويميت - ولم يعبأ بسلطانه، ولم يهتز لصولجانه، ولم يهب من كثرة جنوده، مع أنه من الملوك المعدودين الذين ملكوا أكثر البسيطة الأرضية!!، إلا أن الإيمان ثبَّت قلبه وقوى فؤاده - فقال النمروذ: أنا أحيي وأميت. قال: كيف؟ فجاء برجلين حكم عليهما بالقتل، وأشار إلى حاشيته وقال: اقتلوا هذا. ثم أشار إلى الآخر وقال: أنا عفوتُ عن هذا، أنا أحييته وأعطيته حياة جديدة.
وظن أنه كسب الجولة!!، فإذا بإبراهيم الذي علَّمه العليم الحكيم يأتيه بقاصمة الظهر ويقول له ( فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) (258البقرة)، واحتار في الأمر وتروى وتدبر ثم أطلق سراحه بعد أن أمر الجميع أن لا يكلموه ولا يحدثوه ولا يستمعوا إليه، ولكنه أصرَّ على أن يكمل رسالته مع الله عزَّ وجلَّ. فخرجوا في يوم عيدهم وأرادوا أن يخرج معهم، فقال: إني سقيم، أي: إني مريض من كفركم وشرككم بالله عزَّ وجلَّ، وصمَّم على أن يأتي لهم بمصيبة جديدة تلفت نظرهم إلى الله، فتجعلهم يتوجهون إلى حضرة الله، فخرجوا وتركوه وحيداً عند بيوتهم.
فخرج إلى الأصنام وحطمها جميعاً، ثم وضع الفأس على رأس كبيرهم. فلما رجعوا ووجدوا ما حدث ( قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) (59الأنبياء)، قالوا: ومن يكون إلا إبراهيم، لأنه الوحيد الذي يعيب علينا عبادة هذه الآلهة، ويسخر بها ويستهزأ بها، فجاءوا به وقالوا: ( قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) (62، 63الأنبياء)، وأشار إلى أصبعه الأكبر!!، (يعني أن يده هذه هي التي فعلت)، وأشار بيده إلى الصنم الأكبر، لأن الأنبياء لا يكذبون في مزاح ولا في لهو ولا في شئ، لأن الله عزَّ وجلَّ ثبَّتهم على الحقّ. فقال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وهو يقصد إصبعه الأكبر، وهم يظنون أنه يقصد الصنم الأكبر!! ثم أخذ يجادلهم، وبعد ذلك علموا أنه على الحقّ، وأنهم على الباطل، ومع ذلك أخذتهم العزة بالإثم!!، فدبَّر النمروذ أمره بأن يلقيه في النار!!.
وبدأوا التجهيزات لذلك، وأخذوا يجمعون الحطب، واستمروا في جمعها لمدة ستة أشهر - حتى أن المرأة التي كانت تتعسر في وضعها كانت تنذر أنها إذا وضعت تحضر حطباً لإحراق إبراهيم، والتي مرض ولدها تنذر أنه إذا شفى تجمع الحطب لحرق إبراهيم - حتى جمعوا حطباً يحرق مدينة من الناس وليس رجلاً!!، وإن كان سمَّاه الله أمة: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ) (120النحل).
ثم أوقدوا النار وأشعلوها، وبعد اشتعالها لم يستطيعوا أن يقتربوا من النار لشدة حرارتها، وقالوا: كيف نلقيه فيها ونحن لا نستطيع أن نقترب منها؟!!، وإذا بإبليس اللعين ينزل في صورة آدمية ويرشدهم لعمل المنجنيق، وهي آلة كالمقلاع؛ تقذف الأشياء لأماكن بعيدة، ووضَّح لهم كيف يضعوه فيها؛ بأن يصعدوا على قمة جبل ومعهم المنجنيق، ثم يضعوا فيه إبراهيم بعد تكتيفه بالحبال، ويقذفونه في وسط النيران.
وهنا ضجَّتْ ملائكة السموات يقولون: (يا ربنا عبدك إبراهيم!!، لا يعبدك في الأرض سواه، فما كان من الجليل إلا أن قال لهم: إذا كان قد استعان بكم فأعينوه، أي: فهل استغاث بكم؟، فقال سيدنا إسرافيل: يا ربَّ مرني أن أنزل الأمطار على النار لتطفأها على الخليل. فقال الجليل عزَّ وجلَّ: إذا استغاث بك فأغثه.
وقال الأمين جبريل: يا ربَّ عبدك إبراهيم!!. قال: انزل، فإذا سألك حاجة فأعطها له. فنزل جبريل على إبراهيم وقال: يا خليل الله، ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا. قال: إذا كانت إلى الله فاطلبها من الله، أبلغها إلى الله. فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي.
فوضع جبريل إصبعه في الأرض فنبعت عين ماء، ومدَّ يده في الجنة فجاء بشجرة تفاح ووضعها بجوار الماء، وجاء بأريكة من الجنة وفرشها بجوار الماء تحت الشجرة، وكان في النار كما قال لها الواحد القهار: ( يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (69الأنبياء).
فلم تحرق النار إلا أحباله وقيوده التى قيدوه بها، حرًّا فريداً يجلس على الأريكة في ظل الشجرة؛ يأكل التفاح ويشرب الماء ويذكر الله عزَّ وجلَّ لمدة شهرين كاملين في هذه النار، حتى اطفأت!! فقد استمرت موقدة لمدة شهرين كاملين.
ولكن القوم عندما رأوه تعجبوا وقال النمروذ في جبروته وعتوه: من تعبد يا إبراهيم؟ قال: أعبد الله عزَّ وجلَّ. قال: إنه إله كريم يستحق أن أذبح له مائة بدنة، فنحر مائة بقرة لله، ولكن الله لم يتقبلها منه لأنه لم يؤمن بالله عزَّ وجلَّ. قال الخليل: إن الله لا يريد بدناتك، ولكن يريد أن توحده، ويريد أن تعبده، ويريد أن تعرفه - وهو غني عنك وعن بدناتك جميعاً. واستمر يدعو الله ويدعو هؤلاء القوم إلى عبادة الله عزَّ وجلَّ، ولكنه في النهاية زاد غرورهم وعتوهم، بل إنهم في النهاية أصدروا أمراً بطرده من البلاد، فقال: ( إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (99الصافات).
هذا الخليل ألقى جسمه في النيران، وقدم ولده قرباناً لحضرة الرحمن، وكان ماله كله للضيفان، حتى أن الرحمن يحكي لنا أنه جاءه رجلان فماذا فعل؟ اثنان يكفيهما نصف دجاجة لكنه كما قال الله: ( جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) (69هود)، جاء بعجل سمين. جاء بعجل حنيذ، يعني: مشوي، شواه لهم لأنه كان كريماً مع الله عزَّ وجلَّ. فقالوا له: يا إبراهيم لا نأكل طعامك إلا إذا دفعنا الثمن. قال: الثمن الذي أطلبه منكم أن تذكروا الله أوله، وتحمدوه في آخره. فقالوا: صدق من سمَّاك الخليل.
بل أنه مشى ذات يوم - وقد تعجبت ملائكة الله من أحواله - فاختار الله منهم نفراً وأمرهم أن ينزلوا لاختباره بعد أن نما ماله، وكان كثيراً .. وكثيراً، فنزلوا وذكر واحدٌ منهم الله بصوت شجي يطرب السامعين، فقال الخليل: أعدْ عليَّ ذكر الله الذي ذكرته آنفاً، قال: لا أعيد حتى تعطيني ما أريد. قال: وماذا تريد؟، قال: تعطيني وادياً مملوءاً بالغنم من أغنامك - وكان له وديان كثيرة مليئة بالأغنام، لأنه أبو الضيفان كما سمَّاه الرحمن عزَّ وجلَّ. فماذا قال للملك؟ قال: أسمعني ذكر ربك ولك كل ما ملكت من أودية مملوءة بالجمال أو الأبقار أو الأغنام، فضجَّت الملائكة في السموات وقالوا: صدق الله إذ سمَّاك الخليل، لأنه مع أن الله أعطاه المال الكثير إلا إنه لم ينشغل به عن ذكر العلي الكبير عزَّ وجلَّ.
اختبره الله بعدم الإنجاب فلم ينجب إلا بعد ثمانين عاماً مضت من عمره، ولم يتغيَّر ولم يتبدل. اختبره الله في زوجه حيث سلط عليها فرعون مصر ولكنه لم يتغير قلبه. اختبره الله بعد أن أعطاه الولد بعد هذا العمر الطويل وأمره بأن يبعده ويضعه في مكان قفر لا زرع فيه ولا ضرع فيه، ولا ماء فيه، ولا أنيس فيه، وهو في كل ذلك لا يتغير قلبه طرفة عين عن خالقه وبارئه عزَّ وجلَّ، فما كان من الله بعد أن نجح في كل هذه الابتلاءات، ونجا من كل هذه الامتحانات، إلا أن جعله أباً لنا ولمن قبلنا ولمن بعدنا، ووفقه الله لأعمال الفطرة التي لم تظهر إلا على يديه.
كيف ذلك؟كان أول من اختتن من الرجال - واختتن وهو ابن مائة وعشرين عاماً بقادوم بعد أن أمره الله بالاختتان. والاختتان يعني الطهارة وكان أول من نظف فاه.
وكان أول من استنشق بالماء، وأول من لبس السراويل، يعني: ساتر العورة والبنطلونات حتى لا تظهر عورته، وأول من ظهر الشيب في رأسه فقال: ما هذا يا ربّ؟ قال: هذا وقار يا إبراهيم. قال: يا ربَّ زدني وقاراً. قال: يا إبراهيم إني استحي من رجل شَابَ في الإسلام أن أعذبه بالنار. وكان عليه السلام أول هذه الأمة في حجَّ بيت الله الحرام كما أمر الملك العلام، فهو الذي بنى البيت وهو الذى نسك مناسك البيت.
وكلما طاف الحجيج بالبيت، وكلما سعوا بين الصفا والمروة، وكلما وقفوا على عرفات، وكلما رموا الجمرات، وكلما شربوا من زمزم، تذكروا بذلك إبراهيم الخليل وولده إسماعيل وزوجته هاجر، وذلك كلُّه تكريماً لإبراهيم عليه السلام لأن الله عزَّ وجلَّ اختاره واصطفاه.
قال صلى الله عليه وسلم عندما قيل له أنت أكرم الخلق على الله - قال: { ذاك إبراهيم عليه السلام إنَّ الكَرِيمَ ابْنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بنِ إسْحاقَ بنِ إبراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمنِ عَزَّ وَجَلَّ } وقال صلى الله عليه وسلم: { أَوَّلُ مَنْ يُكْسَىٰ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قُبْطِيَّتَيْنِ، ثُمَّ يُكْسَىٰ مُحَمَّدٌ حُلَّةً حَبِرَةً وَهُوَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ } . وقال صلى الله عليه وسلم: {التائب حبيب الرحمن، والتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ} . ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُهُ ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشرَّ، ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد.
فيا أيها الأخوة المؤمنون: لقد كان لكم في إبراهيم خليل الله أسوة حسنة، وفي محمد صلى الله عليه وسلم أسوة كريمة، فإن الله عزَّ وجلَّ اختارنا للإسلام والإيمان، وجعلنا جميعاً عباد الرحمن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: { قال الله عزَّ وجلَّ للدنيا: يا دنيا، مري ولا تحلولي لعبادي الصالحين حتى لا ينشغلوا بك عني } فإن الله عزَّ وجلَّ عندما يغلي علينا الأسعار، أو يصيبنا ببعض الأمراض، أو يأتي لنا ببعض الهموم ويعفي من ذلك الفجار والكفار!!، فإن ذلك شأن عجيب؟
فهم كما ترون ينعمون بالمال وينعمون بالخيرات وينعمون بالحياة الدنيا، لأن الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: { الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ } ، أولئك عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ في حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا، أما أنتم معشر المؤمنين فإن الله يريد أن يرفع درجاتكم، ويريد أن يغفر زلاتكم، ويريد أن يستر عيوبكم، ويريد أن يطهر قلوبكم.
فكلما أسرف العبد منا على نفسه في الخطايا جاءه الله ببلاء قريب، ويعينه عليه، ليغفر له به هذه الذنوب، فإذا أصيب بمرض فصبر عليه ولم يشكو، ورد فى الأثر: { مرض يوم يكفر ذنوب سنة }، وقال الله عزَّ وجلَّ في حديثه القدسي: { أَبْتَلِـي عَبْدِي الـمُؤْمِنَ، فإذَا لـم يَشْكُ إلـى عُوَّادِهِ ذلِكَ، حَلَلْتُ عنهُ عِقْدِي، وأَبْدَلْتُهُ دماً خيراً من دمِهِ، وَلَـحْمَا خيراً من لَـحْمِهِ ثم قلتُ له: إئتنِفِ العَمَلَ } .
فإذا أصابه هذا المرض كان تكفيراً لخطاياه أو رفعة لدرجته عند الله فإن لم يصبه بالمرض أصابه بهم المعاش أو أصابه بهم الأولاد أو أصابه بنكد من الزوجة أو يصاب بأي شئ من أشياء الدنيا وكل هذه الأشياء يقول فيها نبيكم الكريم صلى الله عليه وسلم: { لا يُصيبُ المرءَ المؤمنَ مَنْ نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمَ ولا حُزْنٍ ولا غَمَ ولا أَذىً حتى الشوكةُ يُشَاكُها إلا كَفَّرَ اللَّهُ عنهُ بها خَطايَاهُ} كل هذه تكفير لنا يا عباد الله، ولذلك أمرنا الله أن نقول ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا ) (51التوبة).
لم يقل إلا ما كتب الله علينا، لأن الذي كتبه الله لنا: الأجر والثواب، والخير والفضل الكثير، لكن لو قال إلا ما كتبه الله علينا، فالذي يكتبه علينا الأوزار والذنوب والعيوب والمخالفات، فكل من ابتلاه الله فإنما يبتليه ليرفع شأنه، وليقيمه في مقام الصالحين وليلحقه بالنبيين، فقد ورد عن مُصْعَبِ بنِ سعد عن أبيه، قالَ: { يا رسولَ اللَّهِ، مَنْ أشدُّ الناسِ بَلاءً؟ قالَ: «الأنبياءُ، ثم الأَمْثَلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى العبدُ على حَسَبِ دينِهِ، فما يَبْرَحُ البَلاءُ بالعبدِ حتى يَدَعَهُ يَمْشي على الْأَرْضِ وما عليهِ خَطيئةٌ } .
وورد أيضاً أنه: { دَخَـلَ أبو سعيدٍ الـخُدْرِيَّ عَلَـى رسولِ الله وهو مَوْعُوْكٌ، علـيه قَطِيْفَةٌ، فَوَضَعَ يَدَهُ علـيهِ فَوَجَدَ حَرَارَتَهَا فوقَ القَطِيْفَةِ، فقالَ أبو سعيدٍ: ما أَشَدَّ حَرَّ حُمَّاكَ يا رسولَ الله، فقالَ رسولُ الله: إنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَـيْنَا البلاءُ، ويُضَاعَفُ لنا الأَجْرُ، ثم قالَ: يا رسولَ الله مَنْ أَشَدُّ الناسِ بلاءً؟، قالَ: الأنبـياءُ، قالَ ثم مَنْ؟، قالَ: ثم العُلَـمَاءُ، قالَ ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثم الصَّالِـحُونَ، كان أَحَدُهُمْ يُبْتَلَـى بالفَقْرِ حتَّـى ما يَجِدُ إلاَّ العباءَةَ يَلْبَسُهَا، ويُبْتَلَـى بالقَمْلِ حتَّـى يَقْتُلَهُ، ولأَحَدُهُمْ أَشَدُّ فرحاً بالبلاءِ من أَحَدِكُمْ بالعطاءِ }
لماذا؟ لأن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة لله عزَّ وجلَّ، والإنسان كما أخبر الديان: ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ) (6- 7العلق) ، عندما يرى جسمه صحيحاً وماله كثيراً وولده حوله يغتر، بل ربما يطغى، بل ربما يفسد في الأرض، فمن رحمة الله بعباده المؤمنين أن يكدرهم بهذه الآلام، ويفكرهم بهذه المصائب، حتى لا ينسوا فضل الله، وحتى لا يغفلوا عن طاعة الله، وحتى يظلوا طوال عمرهم معتمدين أولاً وآخراً على جميل فضل الله وعلى كريم صنع الله، ويعلموا بأن الأمر في الأولى والآخرة متوقف على جناب الله وعلى عطف الله فيشكرون الله عزَّ وجلَّ.
<< ثم الدعاء >>.

فضائل يوم عرفة خطبة جمعة

فضائل يوم عرفة
الحمد لله ربِّ العالمين، أكمل على عباده المؤمنين المِنَّة، وجعل لهم عيدين في يوم واحد ليشملهم جميعاً بكرمه ومعرفته وجوده وإكرامه. سبحانه .. سبحانه، يعطي لا من قلة، ويغفر وليس لعلة، وإنما يعطي عطاءاً لا ينفد، ويغفر للقريب وللمبعد، لأنه عزَّ وجلَّ غفَّار الذنوب وستَّار العيوب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهٌ بالجود معروف، وبالكرم موصوف، لو وقف الخلق جميعاً على حياض حضرته، فسألوه من خيره وبره وفضله وكرامته، فأعطى كل سائل مسألته، ما نقص ذلك من ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا وضع في البحر.
وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، اختاره الله عزَّ وجلَّ لكمال رسالته، ولإتمام شريعته، وجعل له عيدين لتحتفل العوالم كلها معه صلى الله عليه وسلم بتمام الدين، وأنزل عليه في هذا اليوم الأغر الميمون: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (3المائدة).
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي بلغ عن الله فأحسن البلاغ، وأدى عن الله فأحسن الأداء، واجزه يا الله عنا خير الجزاء، واحشرنا في زمرته يوم اللقاء، واجعلنا تحت لواء شفاعته أجمعين، آمين .. يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا إخواني ويا أحبابي في الله ورسوله: تفضل الله عزَّ وجلَّ على المؤمنين أجمعين - سواء الحجاج أو المعتمرين أو المقيمين في بلدانهم مثلنا - تفضل الله على الجميع بهذا اليوم، فجعل يوم عرفة يوافق يوم الجمعة، وقد قالت اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: لقد نزلت عليكم آيه لو نزلت علينا لجعلنا يومها عيداً. قال: وما تلك الآية؟ قالوا: قول الله عزَّ وجلَّ ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (3المائدة)، فقال رضي الله عنه وأرضاه: أشهد أنها نزلت في يوم عيدين اثنين. نزلت في يوم عرفة وكان يوم جمعة.
فيوم عرفة يوم عيد، ويوم الجمعة يوم عيد. يوم عرفة يوم عيد لحجاج بيت الله، فإن الله عزَّ وجلَّ يتنزل لصباح هذا اليوم إلى السماء الدنيا ويأمر الملائكة أجمعين أن يتنزلوا ليشاهدوا هذا الحفل العظيم، حتى أن الملائكة الموكلين بالأعمال يعطيهم إذناً أن ينتهوا ويتركوا الأعمال ليشهدوا حجاج بيت الله وهم واقفين ضارعين متبتلين مخبتين بين يدي الله عزَّ وجلَّ، فإذا شهدوهم أو رأوهم قال الله عزَّ وجلَّ لهم مباهياً بعباده المؤمنين للملائكة المقربين: { يَا مَلائِكَتِي انْظُرُوا إلى عِبَادِي شُعْثاً غُبْراً، أَقْبَلُوا يَضْرِبُونَ إليَّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَجَبْتُ دُعَاءَهُمْ، وَشَفَعْتُ رَعِيَّتَهُمْ، وَوَهَبْتُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَأَعْطَيْتُ مُحْسِنِيهِمْ جَميعَ مَا سألوني } .
فيتجلى عليهم الغفار فيغفر لهم جميع الذنوب والأوزار - ما داموا قد تحروا المال الحلال، والزاد الحلال، والنفقة الحلال، وهم متوجهين لله عزَّ وجلَّ - ولذا قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : { أعظم الناس ذنباً من وقف بعرفة فظن أنَّ الله لم يغفر له } .
وهل يغفر الله لهم ما بينه وبينهم فقط؟، أو يتجلى ويغفر لهم جميع الذنوب. إن الله عزَّ وجلَّ على الحقيقة يا إخواني يغفر لهم جميع الذنوب؛ ما ظهر منها وما بطن، ما صغر منها وما كبر، ما كان بينهم وبين الله وما كان بينهم وبين أحد من خلق الله، وإليكم الدليل على ذلك من حديث سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد عن عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
{ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا لاٌّمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأُجِيبَ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلاَ الْمَظَالِمَ، فَإنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، إنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ الْجَنَّةَ وَغَفَرْتُ لِلْظَّالِمِ، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ، فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَالَ: تَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهم: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إنَّ هذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ؟. قَالَ: إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لاٌّمَّتِي، أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رِأْسِهِ وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ} .
ومن أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم: { إِذَا أَفَاضَ الْقَوْمُ مِنْ عَرَفَاتٍ أَتَوْا جَمْعاً فَوَقَفُوا، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَلاَئِكَتِي إِلَى عِبَادِي عَاوَدُونِي فِي الْمَسْأَلَةِ، أُشْهِدُكُمْ أَني قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَهُمْ، وَشَفَعْتُ رَغْبَتَهُمْ، وَوَهَبْتُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَأَعْطَيْتُ مُحْسِنَهُمْ جَمِيع مَا سَأَلَ، وَتَحَمَّلْتُ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ }
وقال صلى الله عليه وسلم: {إن الله يتجلى لأهل عرفة فيغفر لهم الذنوب جميعاً} فقال سيدنا عمر: يا رسول الله أهذا لنا خاصة أم لنا ولمن بعدنا؟ فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن هذا لهم ولمن بعدهم إلى يوم القيامة، { إذا كان يوم عرفة نزل الله عزَّ وجلَّ إلى السماء الدنيا، ونظر إلى خلقه فغفر لهم جميعاً. فقالوا: يا رسول الله أهذا لنا خاصة فقال صلى الله عليه وسلم: بل هذا لكم وللناس من بعدي } فأخذ سيدنا عمر رضي الله عنهم يحجل من شدة الفرح ويقول: قد فاض خير ربنا وطاب، قد فاض وطاب.
فذلك اليوم يا إخواني يوم غفران الذنوب، وستر العيوب، بل إن الله عزَّ وجلَّ من فضله وكرمه لا يغفر للحاج في نفسه فقط بل كما يقول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: { يَغْفِرُ الله للحَاجِّ ولمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحَاجُّ } . فإذا استغفر الحاج لرجل هنا أو امرأة هنا فإن الله من فضله وجوده وكرمه يقبل هذه المغفرة، ويغفر لأهله وذويه الذين يستغفر لهم على بساط رب العالمين عزَّ وجلَّ، فإذا غفر لهم الذنوب وضمن لهم التبعات، وغفر لهم ذنوب ذويهم وأحبابهم قال لهم: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (60غافر)، فينظر إلى دعائهم فيستجيب لهم الدعاء، ويحقق لهم الرجاء، ويلبي لهم المطالب. لماذا ؟
لأنهم جاءوا إلى الله عزَّ وجلَّ وقد خرجوا من حولهم وطولهم، ولبسوا في إحرامهم أكفانهم عند موتهم، ووقفوا بين يدي ربهم وهم يستحضرون يوم الجمع على الله، فالجميع سواسية أمام الله، ليس هناك أمير أو حقير، ولا وزير ولا خفير، وليس هناك غني أو فقير، ولا ذا طول وضعيف، بل الكل بين يدي الله يلبسون الأكفان البيضاء، وقد تجردوا من الحول، وقد تجردوا من الطول، وقد تركوا خلفهم مناصبهم وعشائرهم وأولادهم وبلادهم وأموالهم وكل شئ يتباهون به في هذه الحياة، ووقفوا بين يدي الله وقدموا بين أيديهم ذنوبهم ومعاصيهم وقبائحهم، يرجون من الله أن يغفرها لهم، فالرحمن الرحيم يرحمهم ويرحم ضعفهم، ويرحم فقرهم ويرحم ذلَّهم، فيغفر لهم، ويستجيب لهم، ويردُّهم كما ولدتهم أمهاتهم، كما قال النبي الكريم: {مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَعَ كما ولَدَتْهُ أمُّه}
هذا اليوم الكريم يا إخواني في السنوات العادية، فما بالكم إذا وافق هذا اليوم يوم الجمعة؟!! وهو اليوم الذي احتفل به الله مع نبي الله ومع أصحاب رسول الله ومع ملائكة الله بتمام نزول شرع الله، وبإتمام دين الله، الذي اختاره الله عزَّ وجلَّ ديناً قيماً، يملأ حياة الناس بالإيمان والمحبة والسلام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فإذا وافق يوم الجمعة فقد وافق حجة النبي في حجة الوداع صلى الله عليه وسلم، ويوافق اليوم الذي سنقوم فيه للقيامة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: { خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ فِي يَوْمِ الْجُمعَةِ } .
فهؤلاء القوم في هذا اليوم كأنهم يستحضرون يوم القيامة، ويوم القيامة سيكون يوم جمعة، وسنخرج فيه جميعاً من قبورنا ومن لحودنا عرايا كما ولدتنا أمهاتنا، ليس لنا لباس يواري سوءاتنا، إلا من له تقى عند الله، وعمل صالح قدمه إلى الله، ومن هنا قال القائل:
إذا المرءُ لم يلبسْ ثياباً من التُّقَى
تقلّب عرياناً وإن كان كاسياً

وخيرُ لباسِ المرء طاعةُ ربه
ولا خيرَ فيمن كان لله عاصياً

نقوم جميعاً في هذا اليوم وليس معنا مدخراتنا، وليس معنا دفاتر شيكاتنا، وليس معنا ما نحتفظ به من صنوف أموالنا، لأننا نخرج إلى الله ويجول في آذاننا قول الله: ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ ) (94الأنعام). فلا يستطيع أن يباهي في ذلك اليوم ببنيه، ولا بأخيه، ولا بذويه، ولابفصيلته التي تأويه، بل إن الإنسان في هذا اليوم العظيم لا ينفعه إلا ما قدمت يداه.
فما أكرم هذا اليوم على الله!!، فلا تشغلوا أنفسكم يا عباد الله ولو من هذه اللحظة إلى غروب الشمس إلا بطاعة الله، أو بذكر الله، أو بالاستغفار لله، أو بالندم على ما ارتكبناه، حتى يتفضل علينا الله مع حجاج بيت الله، فيعمنا جميعاً بغفرانه، ويحفنا جميعاً برضوانه، ويغفر لنا معهم، ويستجيب لنا الدعاء معهم، لأننا نشاركهم في الإنابة، ونشاركهم في التوبة، ونشاركهم في الاستغفار، ونشاركهم في الدعاء.
قال صلى الله عليه وسلم: { صومِ يومِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والبَاقِيَةَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم: {التائب حبيب الرحمن، والتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ} . ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين. الحمد لله الذي هدانا لكتابه وجعلنا من أمة خير أحبابه، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يهدينا لطريق صوابه، وأن يحفظنا من المخالفة لجنابه، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهٌ غفار للذنوب، وستار للعيوب، وفراج للكروب، وكاشف لكل الهموم. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، هدانا للصراط المستقيم، وهدانا للحجة وأظهر لنا المحجة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشرَّ، ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا إخواني ويا أحبابي في الله ورسوله: نذكر في عجالة سريعة ما يجب علينا جميعاً أن نتبعه في هذا اليوم وفي هذه الأيام التالية إن شاء الله.
فأول ما يجب علينا في هذا اليوم وفيما بعده أن نكبر الله عزَّ وجلَّ عقب كل صلاة، وهذا التكبير سُنَّة يقول فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بالتَّكْبِيرِ} . ووقته يبدأ من صلاة الفجر في هذا اليوم في يوم عرفة إلى عصر اليوم الرابع من ايام العيد إن شاء الله.
نكبر جميعاً، ونحن نكبر إذا صلينا في بيت الله في جماعة، لكن يجب أن نعلم أن التكبير لكل مصلٍّ ولو صلَّى بمفرده، فلو جئت بعد الجماعة فعليك أن تكبر عقب الصلاة، حتى الذي يصلي نوافل زائدة، أو من يصلي الضحى، أو من يصلي قيام الليل، عليه بعد هذه النوافل أن يكبر لله عزَّ وجلَّ، حتى لو حضرنا جنازة في هذه الأيام فعلينا أن نكبر عقب صلاة الجنازة، تأسياً بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلينا أن نأمر نساءنا وبناتنا أن يكبرن في البيوت - وإن كن يكبرن بصوت خافت لكن عليهن أيضاً أن يكبرن عقب كل صلاة لله عزَّ وجلَّ في هذه الأيام المباركة.
ثم علينا بعد ذلك أن نشغل هذا الوقت كما يعمل حجاج بيت الله بطاعة الله إلى آذان المغرب، نقوم جميعاً بين يدي الله مخبتين منيبين، تائبين مسبحين، مهللين مكبرين، تالين لكتاب الله عزَّ وجلَّ إلى هذا الوقت والحين.
ثم علينا بعد ذلك أن نتجهز لصلاة العيد، فنقلم أظافرنا ونحلق شعورنا، إلا من كان عنده أضحية فالسنة في حقِّه هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَتْ أَيَّامُ الْعِشْرِ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ أَظْفَارِهِ حتى يذبح أضحيته } . يعني لا يحلق حتى لصلاة العيد، لأن الأضحية لا تنفع ولا يكون لها ثوابها إلا بعد أداء صلاة العيد، فالذي عنده أضحية لا يحلق شعره، ولا يقصر ظفره حتى يصلي العيد ويذبح أضحيته، وذلك لكمال تشبهه بحجاج بيت الله الحرام، فإنهم لا يقصرون ولا يقلمون إلا بعد أن يرمون جمرة العقبة ويذبحون الهدى لله، ثم يحلقون شعورهم ويقلمون أظافرهم.
فعلينا أن نحلق شعورنا لغير المضحي ونقلم أظافرنا، ثم نغتسل ليلة العيد أو صباح العيد ونقول: (نويت الاغتسال .. غسل العيد سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لله تعالى)، أو نستحضر هذه المعاني بقلوبنا، فالنية محلها القلب.
فإذا أصبح الغد وهو يوم العيد - نلبس خير ما عندنا، ويستحسن أن تكون الثياب جديدة، فإذا لم يكن عندنا جديد فنلبس خير ما عندنا، فإذا لم يوجد نلبس الثياب البيضاء، ونضع العطر ونخرج من البيت ومعنا أولادنا نكبر الله عزَّ وجلَّ من لحظة الخروج من البيت في بيتنا وفي شوارعنا بصوت عال حتى ندخل إلى بيت الله عزَّ وجلَّ لنكبر مع المكبرين. فعلينا أن نفرِّح بيوتنا، ونفرِّح طرقاتنا، ونفرح شوارعنا بالتكبير فيها ونحن سائرون فيها.
فإذا صلينا العيد جلسنا لسماع الخطبة من الإمام، ثم بعدها نصافح إخواننا المؤمنين، وننزع الغل والشح والحقد والكره من الصدور، ونرجع من طريق آخر حتى نكثر من السلام على المؤمنين، فنسلم على قوم آخرين في طريقنا غير الذين سلمنا عليهم في مجيئنا.
<< ثم الدعاء >>.

خطبة عيد الأضحى : اليوم يوم المغفرة

خطبة عيد الأضحى : اليوم يوم المغفرة
الله أكبر "تسع مرات". الله أكبر ما لبى ملبِّ على عرفات. الله أكبر ما تعرضوا فيه للرحمات. الله أكبر ما حفت بهم ملائكة السموات. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما غفر لهم كل ذنب فعلوه. الله أكبر ما تجاوز الله عزَّ وجلَّ عن سيئاتهم والعيوب. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر في يوم استجابة الدعاء. الله أكبر هذا يوم تحقيق الرجاء. الله أكبر هذا خير يوم في الأرض وفي السماء. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما نزلوا في ليلة العيد إلى المزدلفة. الله أكبر ما جمعوا من المزدلفة الجمرات. الله أكبر ما وقفوا في تلك الساعة يرمون الشياطين بالجمرات. الله أكبر ما حل عليهم رضوان الله والبركات. الله أكبر ما غمرهم الله بالرحمات. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما ضحى مضحٍ لله وكبر. الله أكبر ما قصر مؤمن لله عزَّ وجلَّ شعره وبالجنة بشر. الله أكبر ما رمى المسلمون في كل مكان وزمان أحجار الشيطان والذل والهوان. الله أكبر ما أعزهم الرحمن فجعلهم عباداً له بنص القرآن. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما وصل مؤمن إلى ساحة البيت. الله أكبر ما طاف مؤمن بالبيت إلا وغفر له رب البيت. الله أكبر من وصل إلى هذا الحمى فقد نال المنى. الله أكبر من خرج حاجاً أو معتمراً رجع كيوم ولدته أمه. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الحمد لله الذي مَنَّ على عباده المؤمنين بهذه الفريضة العظيمة، والغنيمة الكبيرة، التي ليس لها مثيل في الدنيا ولا الآخرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما طلبهم عند بيته إلا ليكرمهم، ويغفر لهم ذنوبهم، ويستجيب لهم دعاءهم، ويحقق لهم رجاءهم، ويردهم موفورين سالمين بالأجر والغنيمة. سبحانه .. سبحانه، يعطي بلا علة، ويمنح لا لسبب من الأسباب، لأنه سبحانه وتعالى هو الكريم المعطي الوهاب.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أكرمنا الله بنبوته، وجعلنا جميعاً في الدنيا من أهل نصرته، وفي الآخرة من أهل شفاعته، وأجلسنا وإياكم جميعاً على موائد فضله وبركته، وجعلنا وإياكم جميعاً من المحيطين به في جنته، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذه الرحمة العظمى، والمنة الكبرى لجميع الأنام، سيدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه وأتباعه، وكل من والاه إلى يوم لقاء الله، آمين. أما بعد.
أيها الأخوة المؤمنون: نحتفل في هذا اليوم جميعاً وأنتم والمسلمون جميعاً بخير منسك خصنا به الله عزَّ وجلَّ، هذا المنسك العظيم لو علمنا ما فيه من الخير والتكريم من المولى الكريم لباع كل واحد منا ما ملكت يداه، وسارع متجرداً لزيارة الله في بيت الله!!. فإن الذي يذهب إلى هذه الأماكن لا يذهب من قبل نفسه، وإنما بدعوة من ربِّه عزَّ وجلَّ، فإن الخليل لما أمره الجليل أن يبني هذا البيت فأعانه وبناه، قال يا إبراهيم: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (27: 29الحج). قال: يا ربَّ وما يبلغ صوتي؟ قال: يا إبراهيم عليك الآذان وعلينا البلاغ.
فأمر الله عزَّ وجلَّ الجبال أن تهبط، والسهول والوديان أن ترتفع، والأرواح التي لم يئن ميعاد خروجها إلى الدنيا أن تخرج، وأسمع الجميع نداء الخليل، فوقف الخليل على جبل أبي قبيس المواجه للكعبة، واتجه مرة جهة المشرق ومرة جهة المغرب، ومرة جهة الشمال ومرة جهة الجنوب، وفي كل مرة يقول: { أيها الناس إن الله قد بنى لكم بيتاً وأمركم بالحج فحجوا }.
فقال الناس فى أصلاب أبائهم وأرحام أمهاتهم - وقلنا نحن مع الناس: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك). منا من قالها مرة فقيد له الملائكة أن يزور البيت مرة، ومنا من وفقه الموفق فرددها مرتين فكتب له حجتين، ومنا من زاد على ذلك .. فقد ورد فى الأثر: { فَمَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً وَمَنْ أَجَابَ مَرَّتَيْنِ حَجَّ مَرَّتَيْنِ وَعَلَى هَذَا يَحُجُّونَ بِعَدَدِ مَا أَجَابُوا وَمَنْ لَمْ يُجِبْ لَمْ يَحُجَّ } .
فلا يذهب إلى هناك إلا من لبَّى نداء الخليل، ووفقه الجليل فذهب لزيارته عزَّ وجلَّ، لأنه لا يزار سبحانه وتعالى إلا بإذنه، ولا يذهب إليه ذاهب إلا بتوفيقه، ولا يبلغ هذا المراد إلا من أراد الله عزَّ وجلَّ سعادته في الدنيا والآخرة.
هؤلاء الذاهبون .. ماذا يطلبون؟!!، وماذا يبغون؟!!، وما لهم عند الله عزَّ وجلَّ؟!!
لم يسافروا رغبة في دنيا يريدونها، أو في رياسة يتنافسون في الحصول عليها، أو لأي متعة من متع الدنيا الفانية، وإنما ذهبوا يحدوهم داعي المغفرة، يطلبون غفران الذنوب، ويطلبون ستر العيوب، ويطلبون استجابة الدعاء، ويطلبون الأمان من النار، ويطلبون ضمان دخول الجنة مع الأبرار، ويطلبون أن يكتبوا في كشوف الشفاعة عند النبي المختار، ويطلبون أن يكونوا من الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه.
ما أعظم ما يطلبون!!، إن كل مطلب من هذه المطالب لو تدبرناه، لو أنفق الإنسان فيه كل ما ملكت يداه، كان قليلاً جداً جداً في جانب ما يحصل عليه من الله عزَّ وجلَّ. وبالله ربكم خبِّروني .. الذي يأخذ وسام المغفرة من الغفار، ويغفر الله له كل ما في صحيفته من الذنوب والأوزار - الصغار منها والكبار - ماذا يساوي ذلك في عالم اليوم؟
لو كان يملك الدنيا بأجمعها ما استطاع أن يدفعها في ثمن هذه المغفرة، لأن الله أنبأ عن قوم ملكهم الدنيا - ليغرهم ويضرهم بها - أنهم إذا كانوا يوم القيامة يود الواحد منهم: (لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ) (11: 13المعارج)، ولكن الله عزَّ وجلَّ لا ينجيه، لأنه خرج كافراً بالله عزَّ وجلَّ.
أما هؤلاء القوم فيتفضل عليهم الغفار بالمغفرة قال صلى الله عليه وسلم: {مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَعَ كما ولَدَتْهُ أمُّه}
وقد ورد: { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعَا لاٌّمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأُجِيبَ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلاَ الْمَظَالِمَ، فَإنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ. قَالَ: أَيْ رَبِّ إنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ الْجَنَّةَ، وَغَفَرْتُ لِلْظَّالِمِ، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ، فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ قَالَ تَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهم : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إنَّ هذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ. قَالَ: إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لاٌّمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رِأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ} . فرسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم عندما أصبح بالمزدلفة بشرنا جميعاً وقال: {قال الله تعالى: أَني قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَهُمْ، وَشَفَعْتُ رَغْبَتَهُمْ، وَوَهَبْتُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَأَعْطَيْتُ مُحْسِنَهُمْ جَمِيع مَا سَأَلَ، وَتَحَمَّلْتُ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ} .
هذا فى المغفرة، أما في الأمان من النار فقد وعد بذلك العزيز الغفار فقال في محكم القرآن: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ) (96، 97آل عمران).
من دخل هذا المكان وهذه الساحة من ساحات الفضل والرضوان كان آمناً من النيران، وكان آمناً من سوء الخاتمة لحظة لقائه بالديان - إذا قبل الله حجه - فعلامة قبول الحج أن يؤمن الله صاحبه من دخول النيران، ومن سوء الخاتمة لحظة مفارقته لهذه الأكوان وإقباله على حضرة الديان، ولعلكم تعجبون كيف يضمن الله له حسن الخاتمة ويضمن له الأمان من النار، مع إنه يرجع إلى أهله ويعيش سنين قد تطول وقد تقصر!!
إن من تقبل الله حجَّه - اتفق العلماء على أن الله عزَّ وجلَّ - يحفظه في بقية عمره من المعاصي والذنوب - وخاصة الكبائر - فعندما يريد أن يفعل ذنباً أو يهم بكبيرة تلحقه عناية الله، ويدركه توفيق الله، وينطبق عليه قول الله: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (201الأعراف). فلا يقع في الذنب ولا يفعل المنكر حتى إذا جاء ميعاده للقاء الله، وفقه الله في أوقاته الأخيرة لطاعة الله وللعمل الصالح المقرب إلى الله، فيخرج من الدنيا في أبهى حلل الشوق إلى الله، والرغبة في لقاء الله، فيتحقق فيه وله وعد الله: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) (97آل عمران).
أما الذي يرجع من الحج على غير الصراط المستقيم والهدى القويم فهذا والعياذ بالله ممن لم يتقبل الله عزَّ وجلَّ حجه، لأنه خرج للرياء أو للسمعة، أو ماله فيه شبهة، لأن العبد إذا خرج بمال فيه شبهة أو حرام فقال: {مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: لاَ لَبَّيْكَ وَلاَ سَعْدَيْكَ، وَحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ}
فمن حج بنفقة حلال، وطلب رضاء ذي الجلال، وكان عمله خالصاً للواحد المتعال، تقبل الله حجه، ووفقه في جميع عمره، حتى يلقى الله عزَّ وجلَّ وهو آمناً مطمئناً: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) (27إبراهيم).
وعلامات هذا الحج المقبول أن يخرج صاحبه من هنا وهو على يقين من أنه مسافر إلى الدار الآخرة، وعلى أنه خارج لا يعود، فعندما يخرج من بيته يودع أهله الوداع الأخير، ويتذكر بركوبه حمله في نعشه، وبوقوفه على عرفات وجوده في عرصات القيامة، وبسعيه بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان.
قال صلى الله عليه وسلم: {مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَعَ كما ولَدَتْهُ أمُّه} . أو كما قال: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الله أكبر "سبع مرات" الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
الحمد لله الذي أسبغ نعمه ظاهرة وباطنة على عباده المؤمنين أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واسع الفضل والجود، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله كنز العطاء وفاتح خزائن الفتح والكرم الرباني لمن يشاء. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد نور الله الدال على الله وشمس الحق المشرقة بنور هداه شفيع المذنبين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: ابشروا جميعاً بفضل الله، فإن الله عزَّ وجلَّ لن يحرم المشتاقين أمثالكم من هذا الفضل الذي تحدثنا عنه، فقد ورد فى الأثر: {إذا كان يوم القيامة تقول الكعبة - وقد حشرت كالعروس المزفوفة: يا رسول الله، أما من حجَّني وأما من اشتاق إليَّ فلم يستطع، وأما من مات في طريق زيارتي، فلا عليك بهم، فإني سأشفع لهم عند الله عزَّ وجلَّ، فابحث عن غيرهم لتشفع لهم }.
فصارت الكعبة بين الذي ذهب إلى هناك، والذي اشتاق للذهاب - ولم يسعفه المال، أو لم يهيئ له جسمه بسبب مرضه الذهاب، أو منعه مانع شديد فوق طاقته من الذهاب إلى هناك - وتشفع لهم، وأما من نوى وسافر ومات في الطريق فيقول عنه النبي الشفيق: { مَنْ خَرَجَ حَاجّاً أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ غَازِياً ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاج وَالْمُعْتَمِرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } . يبعث الله في كل عام ملكاً على هيئته وفي صورته، يلبِّي عنه، ويحج عنه، ويجعل ذلك كله في ثوابه يوم القيامة.
فأبشروا بهذا الفضل العظيم، والخير الكريم من المولى عزَّ وجلَّ، وجعل الله لنا هنا أعمالاً تساوينا بمن هناك!!، فمن كان عنده خير ويستطيع أن يشتري أضحية ليتأسى بالخليل عليه السلام، فإن الله عزَّ وجلَّ أمره أن يذبح ولده في المنام، ورأى ذلك في اليوم الثامن من ذي الحجة، فتروى في أمره، وظن أن ذلك حلم من الشيطان، فرأى الرؤيا مرة أخرى في ليلة التاسع، فاستخار الله عزَّ وجلَّ حتى عرف حقيقة الرؤيا، فسمى اليوم الثامن يوم التروية، واليوم التاسع يوم عرفة، لأنه عرف أنه فضل الله عزَّ وجلَّ عليه، وإن كان هناك أقوال أخرى لا داعي لسردها الآن في ذلك.
فلما كانت ليلة العيد رأى الرؤيا للمرة الثالثة، فدعا ولده في الصباح وقال: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى )، ماذا قال الغلام الذي تربَّى في حجر النبوة؟ ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (102الصافات)، فاحتضنه وقبله ودعا له وقال له: نعم الولد أنت يا ولدي، فقد كنت عوناً لأبيك، ثم أعطاه الحبل وأعطاه السكين وقال: تظاهر أمام أمك أنك خارج للصيد وسأتبعك بعد قليل والموعد شعاب منى، فخرج الغلام وجاء الشيطان يزين للغلام بأنه سوف يقتل لأنه قال كما قال الله: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ). وهنا أبين لكم لمحة صغيرة من كلام ربِّ العالمين:
موسى عليه السلام لما مشى مع العبد الصالح قال: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ) (69الكهف)، فما استطاع أن يصبر، ولكن إسماعيل تواضع لله وطلب أن يكون مع الصابرين فصبره الله عزَّ وجلَّ، وأعانه على هذا العمل. وكأن الله يضرب لنا المثل بأن من يتواضع لله ويدخل نفسه في عداد عباد الله يرفعه الله عزَّ وجلَّ، ولذا كان أنبياء الله يقولون: ( تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (101يوسف)، ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (83الشعراء)، يكون من الصالحين مع أنهم أنبياء ومع أنهم مرسلون؟!!، لكن هذا أدب مع ربِّ العالمين من الأنبياء والمرسلين والصالحين أجمعين.
وجاء الغلام وجاء أبوه فقال: يا أبت انزع عني قميصي حتى لا يقع عليه الدم فتراه أمي، وألقني على وجهي حتى لا تنظر إلى وجهي فتأخذك الرحمة في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ، واشحذ السكين لتكون أسرع في القطع حتى لا يصيبك وهن في تطبيق أمر الله عزَّ وجلَّ، فنزع عنه قميصه وألقاه على وجهه وشحذ السكين، وأخذ يمرُّ بها على رقبته بشدة وقوة وسرعة، ولكنها لم تقطع!! فقال لها: خيَّبك الله، وقبحك الله من سكين!!، لم لا تقطعين؟!!.
فانطقها الله عزَّ وجلَّ وقالت: يا خليل الله، أنا بين أمرين؛ الجليل يقول لي لا تقطعي، والخليل يقول لي اقطعي، وأنا من قبل الجليل ولست من قبل الخليل، وكيف يقطع عنق إسماعيل وفي وجهه نور محمد صلى الله عليه وسلم؟!! فقال: يا ربَّ اعن عبدك إبراهيم على تنفيذ أمرك. فنزل جبريل عليه السلام بالكبش الذي تقبله الملك العلام من هابيل بن آدم عليه السلام عندما قرَّب قربانه، فنزلت الملائكة وحملته ووضعته في ربوع الجنة وظل يرعى فيها، ثم نزل ليفدي به الله إسماعيل نبيَّ الله عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام.
وظلت تلك السنة إلى يوم القيامة على الموسرين وعلى أهل القدرة من المؤمنين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ وَجَدَ سَعَةً لأَنْ يُضَحيَ فَلَمْ يُضَح فَلاَ يَحْضُرْ مُصَلاَّنَا} من كان عنده سعة ولم يضحِ، منع رسول الله أن يصلي معهم، لأن الأضحية إحياء لذكرى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
ماذا في الأضحية؟!!، من ضحى بشروط الأضحية؛ وهي أن تكون بعد صلاة العيد، (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (2الكوثر)، وأن تكون كبشاً مرَّ عليه ستة أشهر، أو ماعزاً مرَّ عليه عام، عن واحد وعائلته، أو بقرة عن سبع بيوت، أو جمل عن سبع بيوت، على أن تكون ليس فيها عيب - لا عوراء، ولا عضباء، ولا منزوعة القرن، ولا جرباء، ولا مشقوقة الأذن، ولا مريضة - ماذا له من الأجر؟، اسمعوا إلى نبيِّكم الكريم يوصي ابنته فاطمة فيقول: {يَا فَاطِمَةُ قُومِي فا شْهَدِي أُضْحِيَتَكِ، فَإنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ } .
كأن الأضحية تشبه الحج، فالحاج يرجع كيوم ولدته أمه، والذي يضحي بهذه الطريقة يخرج من أضحيته كيوم ولدته أمه. ولذلك كانت هذه السُّنة قائمة بيننا مع أن أبائنا وأمهاتنا كانوا جهلاء ليسوا متعلمين مثلنا، وليس معهم من الخير كما معنا الآن، لماذا؟ لهذا الفضل الذي علموه!!، أضحية قليلة بثمن يسير تجعل الرجل وزوجته وأولاده جميعاً كأنهم حجوا بيت الله الحرام، لأن الله يغفر لهم كل ذنب فعلوه.
أما الثواب فقد قال صلى الله عليه وسلم عندما سأله أصحابه: مالنا في أضحياتنا يا رسول الله؟، قال صلى الله عليه وسلم: {مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً} من منا يستطيع أن يعد الصوف أو شعر الماعز؟!
ثم الثالثة قال صلى الله عليه وسلم: {إِسْتَفْرِهُوا "استسمنوا"ضَحَايَاكُمْ فَإنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى الصرَاطِ } الركائب التي نركبها على الصراط هي هذه الضحايا!!!. فمنا من يمر على أضحيته كالبرق الخاطف، ومنا من يمر كلمح البصر، ومنا من يمر كالريح المسرعة.
فعليكم معشر المؤمنين أن تضحوا - ولو مرة في العمر كله - تكتبوا في ديوان المضحين، ولا تحرموا من هذا الثواب العظيم عند رب العالمين عزَّ وجلَّ، والثمن كثير، ونحن نصرف الكثير والكثير، ولكن الشيطان يأتي عند الخير فيحضر للأنفس شحها، ويزين لها بخلها حتى يحرمها من ثواب ربها عزَّ وجلَّ.
والذبح يكون بعد العيد في يوم العيد مدة أيام العيد، يجوز في اليوم الأول والثاني والثالث والرابع، على أنه يستحسن أن يكون الذبح نهاراً، وكره الأئمة أن يذبح الإنسان ليلاً، ويوزع الإنسان جزءاً منها للفقراء، ويعطي جزءاً كهدايا للأقرباء، ويأكل منها كما أمر الله: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (28الحج).
فإذا أمرنا الله بهذا الفضل وأعطانا هذا الأجر فلا غرو أن نكبر نحن لله كما يكبر الحجيج لله، ونقول نحن هنا ويقولون هناك، ونقول جميعاً: الله أكبر .. الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. ولذا أمركم رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم بالتكبير، وقال صلى الله عليه وسلم: {زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بالتَّكْبِيرِ} .
والتكبير يبدأ من صبح يوم عرفة (يوم الوقفة) إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد على الكبير والصغير، وعلى الرجال والنساء، على المصلِّي في جماعة والمصلِّي بمفرده، فمن فاتته صلاة الجماعة وصلى بمفرده يجب عليه أن يكبر بعد الصلاة بصوت مرتفع كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل إنه يستحب دبر صلاة النوافل، فمن صلى الضحى فليكبر بعدها، ومن صلى التهجد فليكبر بعده، بل استحسن الإمام الشافعي إذا كانت هناك جنازة في أيام العيد وصلينا عليها صلاة الجنازة أن نكبر بعدها، لأن التكبير سُنَّة الله وهدى رسول الله، وفرحة ملائكة الله، وزينة العيد التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فعلينا أن نكبر عقب كل صلاة - فرادى أو جماعات - إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد، وعلينا أن نطلب من زوجاتنا وبناتنا أن يكبرن في بيوتهن بعد كل صلاة، لأن التكبير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (185البقرة). << ثم الدعاء >>.

حكم الحج خطبة جمعة

حكم الحج
الله أكبر "تسع مرات" ولله الحمد. الله أكبر ما وقف الحجيج على جبل عرفات، الله أكبر ما نظر الله عزَّ وجلَّ إليهم وأنزل عليهم الرحمات، الله أكبر ما غفر لهم الذنوب والسيئات، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما أفاضوا من عرفات إلى المزدلفة، الله أكبر ما جمعوا في المزدلفة حصى الجمرات، الله أكبر ما وصلوا في هذه الساعة إلى منى ليرموا الجمرات، الله أكبر ما طرح عنهم السيئات وملأ صحفهم بالمغفرة والحسنات، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما لبى ملبي نداء الله، الله أكبر ما سمع مؤمن نداء خليل الله فلباه، الله أكبر ما ذهب الحجيج للطواف ببيت الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، .
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي أتم على المسلمين أجمعين المنَّة، وأكمل عليهم النعمة، فجعل فريقاً منهم يذهبون إلى بيت الله الحرام ليؤدوا مناسك الحج كما فعلها المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، ثم جعل من يبقى في دياره ويعيش معهم بسره وروحه وحاله، يشاركهم في الأجر، ويكون له مثل ما لهم في الفضل، فضلاً من الله عزَّ وجلَّ ومنة، والله عزيز حكيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فضله لا يُعدّ، وجوده لا يُحدّ، ومدده لا ينفد، لأنه سبحانه وتعالى بيده الملك وبيده الملكوت، وبيده الخير كله، وهو على كل شئ قدير. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أظهر الله عزَّ وجلَّ به شرائع الإسلام، وأحيا به مناسك الحج بعد اندثارها بعد إبراهيم عليه السلام، وكان صلى الله عليه وسلم للناس في الدنيا الإمام، وفي الآخرة هو الشفيع الأعظم لجميع الأنام يوم الزحام.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، نور الله الدال على الله بالله، وشمس الحق المشرقة بنور هداه، وشفيع المذنبين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: إن الله عزَّ وجلَّ جلَّت حكمته، وتعالت مكانته، وتسامت عزَّته، لم يفرض علينا شيئاً إلا لحكمة عالية، ولأسرار راقية، يعرفها من وفَّقه الله لسلوك طريقه المستقيم، ولمن هداه عزَّ وجلَّ إلى نهج نبيِّه القويم. فأما فريضة الحج فقد فرضها الله عزَّ وجلَّ على المؤمنين والمؤمنات لحكم كثيرة، نكتفي بواحدة منها في موقفنا هذا، تكون لنا إن شاء الله عظة وعبرة:
فقد جعل الله عزَّ وجلَّ الحج للمؤمنين والمؤمنات تذكرة للسفرة إلى الدار الآخرة للعرض على الله عزَّ وجلَّ: ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ) (9آل عمران).
فإذا خرج الحاج من بيته فإنه يغتسل قبل لبس ملابس إحرامه، ويتذكر بهذا الغسل الغسل الذي يغسِّله به رفاقه، لكي يودعون دنياه، ويزفونه إلى مولاه إذا دعاه عزَّ وجلَّ. ثم يلبس ملابس الإحرام - وهي بيضاء، ولا يوجد بينها وبين الجسم أشياء، ليذكر نفسه ويتذكر من حوله لبس الأكفان، إذا دعى للقاء الواحد الديان عزَّ وجلَّ. فإذا أتم ملابس الأكفان بلبس ملابس الإحرام، تذكر نداء الله يوم ينادي منادي الله لجميع الخلائق في حضرة الله فيقول - كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { يا أيتها العظام النخرة، يا أيتها الأجساد البالية، يا أيتها الشعور المتقطعة، اجتمعوا وائتلفوا، فإن الله عزَّ وجلَّ يدعوكم ليوم عظيم } فيتذكر هذا النداء فيلبي قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك).
وكلمة (لبيك) تعني: نأتي إليك مسرعين، جئنا إليك طائعين، جئنا إليك بالتلبية يا أحكم الحاكمين، ولم نتوانى عن إجابة دعوتك طرفة عين ولا أقل.
فإذا وصل إلى ساحة عرفات تذكر ساحة العرض العظيم حيث يقف الخلائق أجمعين في مساواة كاملة في الظاهر بين يدي ربِّ العالمين: { لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيَ عَلَى أَعْجَمِيَ وَلاَ أَعْجَمِيَ عَلَى عَرَبِيَ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَىٰ والعمل الصالح } فالجميع يتساوى أمام الله؛ يلبسون ملابس واحدة، ويقفون في بقعة واحدة، لا فرق بين غني ولا فقير، ولا أمير ولا حقير، لأنه لا يسمح للوزير أن يعلق نيشاناً على صدره، أو يعلق شيئاً على كتفه، وإنما يتساوى الجميع ولا فرق بينهم إلا في الزفرات والحرقات والتسبيحات والدعوات التي تخرج من صدورهم وقلوبهم إلى ربهم.
فمنهم من يقال له: ( لا لبيك ولا سعديك، وحجك هذا مردود عليك )، ومنهم من يقال له: ( لبيك وسعديك، حجك مبرور، وذنبك مغفور وزادك موفور وسعيك مشكور )، فيقولون كما قال الله يوم يجمع الناس للقاء الله: ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) (7الشورى). أما من يقبل الله عليه ويتقبل دعواه، فهو من أهل الجنة إن شاء الله، وإما من ترد الملائكة دعواه وتعلم أن تلبيته مردودة من قبل الله، فهو من فريق السعير والعياذ بالله عزَّ وجلَّ.
فإذا وقفوا على عرفات، وأقروا لله بذنوبهم، واعترفوا بين يديه بمساويهم وأخطائهم، غفر الله عزَّ وجلَّ لهم ولا يبالي، ولذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: { أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أنَّ الله لم يَغْفِرْ له } ،
وقد ورد أن الإمام محمد بن المنكدر رضي الله عنه وأرضاه - وكان قد حجَّ خمسين مرة لله عزَّ وجلَّ - في يوم من أيام عرفة ألقى عليه النوم فرأى ملائكة تنزل من عند الله عزَّ وجلَّ ويتساءلون فيما بينهم، فقال بعضهم للبعض: يا عبد الله، تدري كم حجَّ بيت ربنا هذا العام؟ قال: لا. قال: ستمائة ألف. قال: تدري كم قبل الله عزَّ وجلَّ منهم؟ قال: لا. قال: ستة أنفس. قال: فقمت من نومي مهموماً مغموماً وقلت: إذا كان الله عزَّ وجلَّ لم يقبل من هؤلاء إلا ستة أنفس، فأين أكون منهم؟!!.
فلما وصلت إلى المزدلفة وصليت المغرب والعشاء قصراً وجمعاً فألقى الله عزَّ وجلَّ عليّ النوم، فإذا بهذا النفر من الملائكة وقد جاءوا وتساءلوا فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: يا عبد الله، تدري كم حج بيت ربنا هذا العام؟ قال: نعم ستمائة ألف. قال: تدري ماذا فعل الله عزَّ وجلَّ بهم؟ قال: نعم قبل منهم ستة أنفس وردَّ الباقين. قال: تدري ماذا حكم ربك في هذا اليوم؟ قال: لا. قال: وهب لكل واحد من الستة مائة ألف، فشفعهم جميعاً في بعضهم وانصرفوا جميعاً مغفوراً لهم.
قال صلى الله عليه وسلم: { إن الله ينظر إلى أهل عرفات ويباهي بِكُمُ المَلاَئِكَةَ يَقُولُ: عِبَادِي جَاءُونَا شُعْثَاً غُبْرَاً مِنْ كُل فَجَ عَمِيقٍ يَرْجُونَ جَنَّتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ عَدَدَ الرَّمْلِ أَوْ كَقَطْرِ المَطَرِ أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورَاً لَكُمْ وَلِمَنْ شَفِعْتُمْ لَهُ } . وقد قال صلى الله عليه وسلم: { إِذَا أَفَاضَ الْقَوْمُ مِنْ عَرَفَاتٍ أَتَوْا جَمْعاً فَوَقَفُوا، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَلاَئِكَتِي إِلَى عِبَادِي عَاوَدُونِي فِي الْمَسْأَلَةِ، أُشْهِدُكُمْ أَني قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَهُمْ، وَشَفَعْتُ رَغْبَتَهُمْ، وَوَهَبْتُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَأَعْطَيْتُ مُحْسِنَهُمْ جَمِيع مَا سَأَلَ، وَتَحَمَّلْتُ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ } .
وأقص عليكم قصة هذا الحديث ومناسبته بالمعنى ( أوردنا نص الحديث بالخطب السابقة):
فقد كان صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، وحوله أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فإذا به يضحك، فقال سيدنا أبو بكر: يا رسول الله ما أضحكك؟ أضحك الله سنك. قال صلى الله عليه وسلم: إني لما كنت على عرفات عشية عرفة دعوت الله عزَّ وجلَّ لأهل الموقف أن يغفر الله ذنوبهم، ويستجيب دعاءهم، ويضمن عنهم التبعات. فأجابني الله في اثنتين ولم يجبني في الآخرة - وهي أن يضمن عنهم التبعات، والتبعات هي حقوق العباد التي بينهم وبين غيرهم من العباد. قال صلى الله عليه وسلم: فلما جئت إلى هنا دعوت الله عزَّ وجلَّ بما دعوت به على عرفات، فقال الله عزَّ وجلَّ: قد استجبنا لك فيما دعوت. فلما رأى إبليس ذلك ولَّى وله ولولة وضراط، فهذا هو الذي أضحكني (صلوات الله وسلامه عليه).
فإذا نزلوا إلى منى وتذكروا ما يباعد بينهم وبين الله، والسبب الذي يجعلهم يقعون في عصيان الله - وهو إبليس اللعين، فيجمعون الأحجار ويرمونه ليعلنون البراءة منه قبل أن يتبرأ منهم يوم القيامة، فقد ورد في آيات القرآن أنه سيتبرأ ممن تبعه أمام الديان عزَّ وجلَّ، فيعلن المؤمن البراءة من إبليس ووسوسته، ويرجمه بالأحجار ويعلن بذلك أنه برئ من إبليس وقوله.
ثم يتذكر الذي يعين إبليس على الوسوسة، ويزين للمرء المعصية، وهي النفس الخبيثة التي يقول فيها الله: ( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ ) (53يوسف). فيذبح هديه ويقول: يا ربَّ إن لم ترض عني إلا بذبح نفسي ذبحتها لرضاك، فإني أطمع في عفوك، وأرجو مغفرتك، وكل شئ يباعد بيني وبينك قدمته إرضاء لحضرتك، فقد تركت الأهل والولد، وقد قربت المال وها أنا أقرب نفسي وأعلن البراءة من الشيطان وحزبه، لترضى عني يا ربَّ العالمين.
فليتك تحلـــــــــو والحياة مريــرة وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خـــــــراب
ثم يحلق شعره ويتذكر أخلاقه الذميمة التي تباعد بينه وبين الله، فإن الله كما ورد فى الأثر: {إن الله يحب من خلقه من كان على خلقه}، فيسارع في التخلص من الأخلاق التي لا يحبها الله؛ مثل الغيبة والنميمة، والشح والطمع، والجحود والعصيان، والعقوق وقطيعة الأرحام، وغيرها من الصفات التي يبغضها الله والتي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقوله عزَّ وجلَّ: (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (197البقرة).
ثم يزين نفسه بالأخلاق الكريمة؛ بسعة الأخلاق، والحلم والعفو والصفح، والأدب بين يدي الله، ليذهب إلى بيت الله وهو يتذكر عرضه على الله، وهو هناك إما أن يكون ممن يقول فيهم الله: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (22، 23القيامة)، وإما أن يكون والعياذ بالله ممن لا يؤذن لهم بالكلام مع الله، ولا بالنظر إلى بهاء الله - وهم الكافرون والجاحدون والعصاة من المؤمنين الذين لم يتوبوا قبل الموت وقبل لقاء رب العالمين عزَّ وجلَّ، فيتذكر هذه الساعة وكيف يقابل الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم في ذلك ما معناه: { إن من الناس من يضئ حسنه لأهل الموقف كما تضئ الشمس لأهل الدنيا }، وقال في الطائفة الأخرى ما معناه :{ إن من الناس لمن يتمزع وجهه ولحمه ويتهدل من شدة الخجل والحياء من الله عزَّ وجلَّ }
فيطوف حول بيت الله تائباً منيباً لله، يعاهد الله عند الحجر وهو يمين الله في الأرض أن لا يعود إلى المعاصي، وأن لا يرجع إلى ذنب أبداً. ثم يذهب إلى الصفا والمروة يسعى بينهما ويتذكر السعي في يوم الموقف العظيم بين كفة حسناته وكفة سيئاته، فهو يمشي بينهما تارة، ويهرول بينهما أخرى، لينظر أيهما هي التي تكون الراجحة، فيكون فيها الفلاح وهو يود أن يكون ممن قال فيهم الله: ( فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ) (185آل عمران).
ثم يتوجه إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يرجو شفاعته، ويطلب منه أن يكون في زمرته، لأنه لم يدخل أحد الجنة إلا بشفاعته وإلا ببركته صلى الله عليه وسلم.
هذه بعض مشاهد الحجيج، وقد أكرم الله عزَّ وجلَّ الأمة الإسلامية فجعل من المؤمنين والمؤمنات من إذا عاش بروحه في هذه الأماكن الطاهرات، في تلك الأيام المباركات، يكون له من الأجر مثل من وقف على عرفات تماماً بتمام، على أن يكون في هذه الأيام جسمه هنا وقلبه وروحه هناك، ولذا حبب النبي الكريم في صوم يوم عرفات وقال فيه صلى الله عليه وسلم: {صوم يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين} لأن الصيام يقوي الروحانية ويضعف الجسمانية ويجعل أحوال المرء قريبة من أحوال الملائكة الكرام.
فإذا وقف الإنسان في يوم عرفات، وفي صبيحة هذا اليوم يوم العيد بين يدي الله، يدعو الله، ويضرع إلى الله، ويتوب إلى الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: { خَيْرُ الدّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ } . ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه لم يقل خير الدعاء دعاء عرفة، فلو قال خير الدعاء دعاء عرفة، كان الفضل لمن وقف هناك فقط. أما قوله صلى الله عليه وسلم: {خَيْرُ الدّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ}، فهو يشمل كل من يدعو في هذا اليوم في أي فج من الأرض، وفي أي موقع من البسيطة، لأن الله عزَّ وجلَّ ينظر إلى عباده جميعاً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: { خير يوم في الأرض يوم عرفة، ومَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمَاً هُوَ أَصْغَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ } .
ودعا الإسلام في سبيل ذلك القائمين هنا إلى أعمال تشبه أعمال الحجيج؛ فالحجيج يلبون لله عزَّ وجلَّ، ونحن لنا التكبير لله عزَّ وجلَّ، قال صلى الله عليه وسلم: { زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بالتَّكْبِيرِ } . نكبر عقب كل صلاة، سواء فريضة أو سنة مؤكدة، فمن صلَّى صلاة الضحى يكبر بعدها لله عزَّ وجلَّ، ومن صلى صلاة التهجد يكبر بعدها لله عزَّ وجلَّ، وإذا حضرت جنازة في تلك الأيام وصلينا عليها نكبر لله عزَّ وجلَّ. من صلَّى في جماعة يكبر، ومن صلَّى مفرداً في المسجد أو في بيته يكبر، الرجل يكبر بصوت مرتفع والمرأة تكبر بصوت خافت، وإذا سرنا في الطرقات لا نستحي أن نكبر الله بصوت عال، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين يمشون في يوم العيد في طرقات المدينة وهم يكبرون بصوت مرتفع، ليخزوا الشيطان، ويعلنون التكبير للملك العلام عزَّ وجلَّ. فالحجاج يلبون ونحن نكبر لله عزَّ وجلَّ، وهم يقومون اليوم برجم إبليس، ونحن في هذا اليوم نصلي صلاة العيد لله عزَّ وجلَّ، وهم ليس عليهم صلاة عيد. والحجاج ينحرون هديهم ونحن نذبح أضحيتنا لله.
فإذا فعل المرء المؤمن بعض هذه الأمور، واستحضر هذه الشعائر والمناسك، أكرمه الله عزَّ وجلَّ بما أكرم به حجاج بيته الحرام، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري رضي الله عنه وأرضاه عندما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، نظر إلى من معه وقال: { إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَقَوْماً، مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً، إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ. حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ} فكل من حبسه العذر الشرعي - من مرض أو قلة ذات اليد - عن لذهاب إلى بيت الله، وفعل ما ذكرناه، جعل الله عزَّ وجلَّ له حجًّا مبروراً، وسعياً مشكوراً، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: { إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى } .
أما من كان معه الاستطاعة ولم يذهب لأداء هذا النسك، فهذا نحذره من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: { مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سُلْطانٌ جَائِرٌ فَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنَّ شَاءَ يَهُودِيَّاً وَإِنّ شَاءَ نَصْرَانِياً }
ومن يقل إني معي مال، إما أن أزوج به الولد وإما أن أحج، فقد افتى العلماء أجمعون أن زواج الولد ليس فرض عليَّ. إن عليَّ أن أربيه، وأن أنميه، وليس علي في شريعة الله أن أزوجه، ولكن عليَّ فرضاً لله أن أحج بيت الله عزَّ وجلَّ، فعلي أن أبدأ بالحج، ومال الحج مخلوف: ( وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (39سبأ).
قال صلى الله عليه وسلم: { الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإنِ ٱسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ وإن شفعوا شفعوا } . أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الله أكبر "سبع مرات" ولله الحمد. الله أكبر ما دعا داع للإيمان. الله أكبر على أن وفقنا الله عزَّ وجلَّ لطاعته في كل وقت وآن. الله أكبر ولله الحمد الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحنان المنان. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه سيد ولد عدنان. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد صاحب لواء الأمان، والشفيع الأعظم للخلائق يوم العرض على حضرة الديان، وعلى آله وصحبه وكل من والاه. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: ماذا علينا في هذا اليوم السعيد لله عزَّ وجلَّ؟.
علينا في هذا اليوم أول عمل نعمله بعد الصلاة هو قوله صلى الله عليه وسلم: { مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ } فأفضل عبادة لله عزَّ وجلَّ في هذا اليوم هي إراقة دماء الأضاحي، وليس إراقة دم المسلمين والمسلمات كما ظن بعض الجاهلين والجاهلات.
وهذه الأضاحي جعلها الله عزَّ وجلَّ لنا ثواباً معجلاً، ففيها لنا - باختصار شديد - فوائد شتى، نذكر بعضها على سبيل القصد:
أول فائدة منها أنها تغسل المرء من الذنوب هو وأهل بيته أجمعين، فيكون كمن حج بيت الله عزَّ وجلَّ، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: { يَا فَاطِمَةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَتَكِ، فَإنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ } ، فأول قطرة تنزل من دمها يغفر لصاحبها ولزوجه ولأهل منزله أجمعين، فيكون كما قال فيه صلى الله عليه وسلم: { مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَعَ كما ولَدَتْهُ أمُّه } ، وكذلك من ضحى لله لا يبغي رياء ولا سمعة ولا شهرة فإن الله يخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
أما الفضل الثاني فقوله صلى الله عليه وسلم: { إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً } .
من يستطيع منكم عدَّ صوفها؟!!، من أيها الحضور الكرام؟!!، ومن يستطيع حساب قطرات دمها؟!!. أنه أجر عظيم لا يعلمه إلا المولى الكريم عزَّ وجلَّ.
أما الأجر الثالث فقوله صلى الله عليه وسلم: { إِسْتَفْرِهُوا "استسمنوا" ضَحَايَاكُمْ فَإنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى الصرَاطِ } ، هذا الصراط الذي يمتد على جسور جهنم، وهي سبعة جسور كل جسر منها يقول - ورد فيها من الأثر: { ألف عام صعوداً وألف عام استواءاً وألف عام هبوطاً لمن يمشي عليه }. فهذه السبعة جسور ما الذي نركبه لنمر عليها؟ هي أضحيتنا التي نذبحها لله عزَّ وجلَّ، وهذا ما حدى بسلفنا الصالح أن يوطنوا أنفسهم على أن يذبحوا ولو في العمر مرة، ليكون له ركوبة يركبها على الصراط يوم لقاء الله عزَّ وجلَّ، على أن تتوافر فيها الشروط الشرعية.
وما الشروط الشرعية هذه؟ أن يكون ذبجها بعد صلاة العيد وخطبة العيد في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام العيد، على أن يكون الذبح بالنهار لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالليل، وعلى أن تكون إذا كانت من الماعز يكون مر عليها عام، وإذا كانت من الضأن يكون مر عليها ستة أشهر، وإذا كانت من البقر يكون مر عليها عامان، وإذا كانت من الجمال يكون قد مر عليها خمسة أعوام، وأن تكون غير معيبة؛ لا عوراء ولا مقطوعة القرن ولا مشقوقة الأذن، ولا عرجاء ولا مريضة ولا هزيلة، وإنما تكون صحيحة وسليمة وسمينة لأنه يقدمها لله عزَّ وجلَّ، وأن لا يبيع شيئاً منها ولو كان للجزار.
فقد ورد عَنْ الإمام عَلِيٍّ رَضِي الله عنه قَالَ: { أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ أَنْ أَقُومَ عَلَىٰ بُدْنِهِ. وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا. وَأَنْ لاَ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: ( نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا )} . هكذا أمره صلى الله عليه وسلم، ألا نعطه جلدها مقابل ثمن ذبحها، وإنما نعطيه الأجر من عندنا. ولا نبع شيئاً من لحومها، وإنما نوزع بعضها للفقراء، وبعضها للأهل والأصدقاء، وإذا كنا من بيت فقير نأكلها جميعاً، ويكفينا أننا فعلنا سنة أبينا إبراهيم ونسك نبينا صلى الله عليه وسلم.
فيا إخواني جماعة المؤمنين وطنوا أنفسكم على أن تصنعوا هذا العمل في عمركم كله ولو مرة واحدة نذبح فيها أضحية لله نرجو بها وجه الله ونطمع في ثواب الله ونحدد فيها الشروط التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم كي ننال هذا الثواب من الله عزَّ وجلَّ فإذا فعلنا ذلك كان علينا بعد ذلك في هذا اليوم أن نصل أرحامنا وأن نود أقاربنا وأصدقائنا وإخواننا المسلمين والمسلمات وأن نتصافى ونتصالح مع خصمائنا لوجه الله عزَّ وجلَّ في هذا اليوم وأن نكثر فيه من الصدقات على الفقراء والمساكين.
وليس الفقراء والمساكين الذين يمدون أيديهم ويمرون على الدور وإنما هم الذين يقول فيهم صلى الله عليه وسلم: { لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ. وَلاَ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ. إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ أبا العيال } .
فإن المسلم الذي يقول ليس علي شئ إذا أعطيت الصدقة لمن يطلبها نقول له: لا. إن الله عزَّ وجلَّ أمرك أن تتفقد إخوانك المسلمين، وتخص بصدقتك الفقراء والمساكين الذين يقول فيهم رب العالمين: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) (273البقرة)، علينا أن نبحث عنهم ونعطيهم حتى لا ندخل في قوله صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الّذي يَبيتُ شَبْعاناً وَجَارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ} .
كم بيت في المسلمين اليوم أهله في ظاهرهم مستورين، ويلبسون ملابس حسنة ولكنهم ليس عندهم لأولادهم قطعة لحم، لأنهم يستحيون من الطلب، ولا يمدون أيديهم إلى الناس، وهؤلاء هم المحتاجون الذين عناهم ربُّ الناس، والذين كان يخصُّهم سيِّد الناس صلى الله عليه وسلم بعطاءه وإنفاقه.
وعلينا أن نترك لأبنائنا في هذا اليوم بعض اللعب المباح، على أن لا يكون فيه مخالفة لتعاليم السماء، ولا يكون فيه لعب للقمار، فاللعب بالنقود بأي طريقة من الطرق "نوع من القمار"، ولا يكون فيه شرب البيرة أو المخدرات أو المسكرات بحجة أن هذا يوم يبيح الله عزَّ وجلَّ فيه للمؤمنين ما لا يبيحه في سواه. فالقوم الذين يجلسون في هذه الليالي على أنغام الموسيقى الشجية في الليل ويشربون المخدرات والمسكرات آثمون. وهم في فعلهم ذلك خارجون عن طاعة الله عزَّ وجلَّ، وواقعون في الإثم الصريح بقول الله تعالى: ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) (90المائدة).
فاللهو المباح في هذا اليوم ما لم يكن فيه إثم، وما لم يكن فيه مغرم، وما لم يكن فيه تعريض سلامة أولادنا لأي شئ كالمراجيح البلدية التي تعرضهم للكسور والتشوهات، فمثل هذه الأعمال يجب أن نتعاون جميعاً على إلغائها، لنكون ممن قال الله عزَّ وجلَّ فيهم: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ((2المائدة)، وكذلك من يخرجون بعد صلاة العصر بصورة منكرة من شبابنا ويدعون أن ذلك موكب للصوفية، فإن مواكب الصوفية فيها ذكر لله وفيها إنشاد القصائد بطريقة حسنة، أما الذين يرقصون ويحجلون ويفعلون تلك المنكرات ويتطلعون إلى الغاديات والرائحات في مقدمة هذا الموكب، يجب علينا أن نأخذ على أيديهم جميعاً، وإلا نلغي هذا الموكب حتى لا يكون وصمة عار على جبين الصوفية وفي جبين الإسلام، فإن هذا ليس من الإسلام في شئ يا جماعة المؤمنين والمؤمنات.
المباح في هذا اليوم الذي لا يخالف الدين ولا يخالف سنة سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، أما ما يفعله البعض في يومنا هذا من الجلوس في بيوتهم لتقبل العزاء في أقاربهم وإخوانهم وقد مضى على موتهم أيام وشهور فهذا مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن العزاء ثلاثة أيام، وقال صلى الله عليه وسلم: { لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ إلاَّ عَلَى زَوْجِهَا } . لا يجب أن نزيد على ذلك، فلا يجب أن نجدد الأحزان في عيدنا، ولا نفتح البيوت لتقبل العزاء، بل نعلن الفرحة بأن الله غفر لنا ذنوبنا، وشكر لنا سعينا، وأعاننا على طاعته
.<< ثم الدعاء >>.

اصطفاء الله للخليل وإسماعيل عليهما السلام خطبة جمعة

الله أكبر "تسع مرات" ولله الحمد.
الله أكبر ما لبى المؤمنون لله مرات ومرات، الله أكبر ما وقف الحجيج على جبل عرفات، الله أكبر ما لبوا الله العظيم سبحانه بالتسبيح والدعوات، الله أكبر ما أحاطت بهم ملائكة الأرض والسموات، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما تجلى إليهم الكريم عز وجل بالبركات والنفحات، الله أكبر ما فتح لهم أبواب القبول للعبادات والصلوات، الله أكبر ما تنزل لهم بالرحمات، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الحمد لله ربِّ العالمين الذي مدَّ في أعمارنا أجمعين حتى شهدنا بالأمس أعظم يوم في الدنيا فإن يوم عرفة إذا كان يوم جمعة كان أعظم أيام الدنيا كلها وهو اليوم الذي حج فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ونزل عليه فيه تمام الخير للأمة والدين وخطب فيه الخطبة الجامعة التي هي قاموس لكل ما يحتاجه المسلم في دنياه وفي آخرته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الزمان والمكان وهو عز شأنه منفرد بالربوبية ومتوحد بالألوهية قبل خلق كل زمان ومكان، وأشهد ان سيدنا محمداً عبد الله ورسوله أظهر الله به تعاليم الدين الحنيف وأسس به مناسك الحج على منهج إبراهيم خليل الرحمن وبين المناسك قائلاً لهم ولمن بعدهم إلى يوم الدين {خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ} . اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد واهدنا بهداه وارزقنا جميعاً رضاه واجعلنا جميعاً تحت لواء شفاعته يوم الدين يا الله. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: كان من فضل الله عزَّ وجلَّ علينا أجمعين هذا اليوم المبارك يوم عرفة. وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شأنه: { إذا كان يوم عرفة نزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا ونظر إلى خلقه فغفر لهم جميعاً. فقالوا: يا رسول الله أهذا لنا خاصة فقال صلى الله عليه وسلم: بل هذا لكم وللناس من بعدي } .
فمن وقف على عرفات غفر الله له الذنوب والزلات، واستجاب له الدعوات، وأحاطه بالرحمات، ومن صام هذا اليوم وهو هنا غفر الله عزَّ وجلَّ له ذنوب سنتين؛ سنة ماضية وسنة آتية. أما من أكرمه الله عزَّ وجلَّ فذبح أضحية، فإن الله عزَّ وجلَّ يجعله كالواقف على عرفات في المغفرة والستر، فإن الله يغفر له كل ذنب فعله عند أول قطرة تنزل من دمها، ولذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابنته السيدة فاطمة: { يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَتَكِ، فَإنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ }
فهو يوم المغفرة لنا وللمسلمين أجمعين، نحمد الله على عطاياه، ونشكره على نعمه وجدواه، ونسأله عزَّ وجلَّ المزيد من جوده وكرمه ونفحات رياه، حتى يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين.
إخوة الإيمان والإسلام: إن هذا اليوم الكريم جعله الله عزَّ وجلَّ عبرة لكل مسلم، وقدوة لكل مؤمن، ونبراساً لكل محسن، فإن بعض المؤمنين ينتابهم الشك إذا تواردت عليهم بعض كوارث الزمن، أو بعض نكبات الدنيا، وربما يتقزز من ذلك!! وربما يعلن السخط والتمرد على ذلك، فيرفع شكواه ، وربما - وهذا هو الأشر - يشكو إلى الملأ مولاه عزَّ وجلَّ، فيقول: لم يصنع الله بي كذا وأنا مسلم أصلي وأصوم لله؟ ولم يبتليني الله بكذا وأنا موحد ومؤمن بالله؟!!
ألا يعلم أن ذلك كله سنة الله على أنبيائه ورسله؟!! يبتليهم ليرفع درجاتهم وليعلي شأنهم عنده عزَّ وجلَّ. فكلنا أعلنا الإسلام، وكلنا أعلنا الإيمان، ولابد لذلك من دليل وبرهان يراه ويطلع عليه الرحمن عزَّ وجلَّ.
ومن هنا جاءت حكمة الابتلاء، فلو كان الابتلاء سخطاً وغضباً من الله - كما تصور بعض المسلمين - لما ابتلى الله عزَّ وجلَّ رسله وأنبياءه أجمعين، لكنه كما قال في شأنه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم: {عن مُصْعَبِ بنِ سعد عن أبيه، قالَ : يا رسولَ اللَّهِ، مَنْ أشدُّ الناسِ بَلاءً؟ قالَ: الأنبياءُ، ثم الأَمْثَلُ فالأمثلُ } .
ومن هنا كانت قصة الابتلاء لإبراهيم عليه السلام لزيادة الإيمان وقوة الإسلام لعباد الرحمن عزَّ وجلَّ. فانظروا معي إلى خليل الله عندما كان وحيداً في بلاد العراق وليس هناك مؤمن معه إلا ابن أخيه لوط وأخته سارة عليهم سلام الله أجمعين، والكل جاحد ومشرك بأنعم الله ويعبدون الأصنام، وفي ليلة العيد يتوجهون إليها بالعبادة، فأخذ فأسه وكسرها جميعاً، ثم وضع الفأس على كبيرها، فلما ذهبوا في صبيحة العيد إلى الأصنام وجدوها كلها منكسة على رؤوسها، وقد تهدمت أجزاؤها، فقالوا: من فعل هذا بألهتنا؟ لا يوجد إلا إبراهيم، وجاءوا به وسألوه، ولكن الله عزَّ وجلَّ جعل له من عنده مخرجاً.
فقصة إبراهيم تتلخص في قول مولانا العظيم: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (2- 3الطلاق). من يتق الله لو ضاقت به الحياة أو أحاط به جميع خلق الله يكيدون له كيداً فإن الله ينجيه بفضله من بينهم ويكشف عنه كل ضرر ينجيه من كل ضيق لأن الله تولى بعنايته ورحمته كل من يتقيه من خلقه وبريته.
فجمعوا قومهم أجمعين وعلى رأسهم النمروذ ملكهم، وقال له زعماؤهم جميعاً: من فعل هذا بآلهتنا؟ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فرد عليهم وقال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، ويقصد بقوله إصبعه الأكبر الذي أشار به إلى الأصنام، وظنوا أنه يقصد الصنم الأكبر - فلم يكذب صلى الله عليه وسلم - وإنما استخدم المعاريض التي يقول فيها صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً } ، يعني مخرجاً من كل ضيق ينجي به الله أسلافنا على خلق ودين، فقال لهم: إنما فعله كبيرهم، وهو يشير بيده إلى الأصنام ويقصد أصبعه الكبير، فلا يكذب فى قوله، وهم قد فهموا أنه يعنى كبير الأصنام الذى علق الفأس على كتفه!!
وهم طبعا يعلمون أن الأصنام لا تحرك ساكناً، فعلموا أن إبراهيم قد فعلها. فما كان منهم إلا أن جمعوا الحطب وأخذوا في جمعه مدة ستة أشهر، وبعد تلك المدة أضرموا فيه النار لإلقائه فيها بشدة وهجها، وقد كانت تحرق كل من يقرب منها لشدة لهيبها وسعيرها، فنزل إبليس اللعين ودلهم على صنع المنجانيق، وهو صورة مصغرة من المدفع بلغة عصرنا، فجعلوا خشبتين على أعلى جبل وبينهما خشبة متحركة وأجلسوه عليها بعد أن قيدوه بالحبال، ثم حركوه عدة مرات وفي النهاية قذفوا به في هذه النار.
ماذا كان المخرج؟ عندما كان في أعلى السماء وسينزل لا محالة في النار، ضجت الأرض والسماوات، وملائكة الأرض وملائكة السماوات، وقالوا: إلهنا وسيدنا خليلك يحرق بالنار وليس في الأرض من يعبدك سواه! فقال الله عزَّ وجلَّ: هو خليلي وأنا أعلم به، هل استغاث بكم؟ أو طلب النجدة منكم؟ إن كان قد استغاث بكم فأغيثوه، أو طلب النجدة منكم فانقذوه. فلما اشتد طلبهم واستغاثتهم لله، أمر جبريل عليه السلام أن ينزل عليه، فنزل عليه وهو محلق في السماء وقال له: ألك حاجة؟ فقال عليه السلام: أما إليك فلا. قال: فلله عزِّ وجلَّ؟ قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فنزل في النار ففوجئ الملائكة الأطهار بأن الله عزَّ وجلَّ يقول لها: ( يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (69الأنبياء)، فلم تحرق النار منه إلا حباله التي أوثقوه وقيدوه بها، ثم وجدوا بجواره عين ماء نبعت من جوف النار يشرب منها ويتوضأ منها، وشجرة بجواره يستظل بها ويأكل من ثمارها، وجلس يعبد الله في خلوة مع هؤلاء لمدة شهرين كاملين هما المدة التي لبثتا النار مشتعلة حتى أطفئت بأمر الواحد القهار عزَّ وجلَّ. وهذا أول دليل جعله الله عز وجل لكل مؤمن وثق في الله وتوكل على مولاه، ولم يفوض أمره إلا إلى الله عزَّ وجلَّ.
فهذا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيدنا أبو إدريس الخولاني أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأسود العنسي رجل أدعى النبوة وزعم أنه ينزل عليه القرآن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه فقال له بعد أن سمعه: أتؤمن أني نبي الله؟ قال: لا أسمع. قال: أتؤمن أن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فكررها عليه عدة مرات وكلما قال له أتؤمن بي؟ قال: لا أسمع. فإذا قال له أتؤمن بمحمد رسول الله كرر الشهادتين. فجمع له الحطب وألقوه في النار، ولكنه بفضل الله حدث له ما حدث مع إبراهيم الخليل، فقد خرج من النار ولم تضره بشئ، ولم تحرق إلا حباله حتى ثيابه لم تحرقها النار، فقال له قومه - قوم الأسود له - : إن أبقيت هذا الرجل بين ظهرانينا فتن به قومك فأخرجه من هنا، فخرج إلى المدينة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لحق بالرفيق الأعلى، لكنه كان قد أنبأ اصحابه بذلك، فخرج سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر لاستقباله وأحاطوا به واعتنقوه. وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: { الحمد لله الذي أحياني حتى شهدت شبيه الخليل إبراهيم عليه السلام في أمة محمد صلى الله عليه وسلم }.
فكل مؤمن يذكر الله ويتوكل على مولاه فله نصيب وافر من معونة الله وتوفيق الله في كل أمر ينتابه في هذه الحياة، لأن الله قال في كتابه عزَّ شأنه: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ )" (2- 3الطلاق)، أي: كافيه، يكفيه كل هم وكل عناء وكل بلاء، وكان بعد ذلك هذا الأمر مع كل بلاء.
فإن الله عزَّ وجلَّ ابتلاه بعدم الإنجاب - وهو خليل الله وصفي الله - حتى وصل سن الثمانين، وهنا هيأ الله له الإنجاب من السيدة هاجر عليها السلام، فأنجبت منه سيدنا إسماعيل فابتلاه الله عزَّ وجلَّ وأمره أن يأخذ هاجر وابنها إلى المكان الذي هيأه الله ليبني فيه بيتاً لله.
وهنا أوصى إخواني جميعاً بألا يستمعوا إلى الروايات اليهودية والإسرائيلية في هذه القصة، فقد قيل في ذلك ولا نزال نسمع ذلك أن السيدة سارة عليها السلام غارت من هاجر لما ولدت إسماعيل، فقطعت أذنها وأمرته أن يأخذها وابنها ويلقيها في الصحراء. كيف ذلك؟!! وقد بشرها الله على لسان ملائكة الله بأنها ستلد اسحق، وإنها ستعيش حتى تشاهد من اسحق يعقوب: ( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) (71هود).
وهي صديقة لله عزَّ وجلَّ، وقد أجرى الله على أيديها المعجزات، عندما دخلت مصر مع إبراهيم وأخذوها إلى قصر الملك - وكانت بارعة الجمال - وكلما أراد أن يمد يده إليها شلت يده في الحال، فيستعطفها ويعدُها ألا يعود إلى مسِّها، فتدعو له الله فيفك الله عزَّ وجلَّ يده في الحال، فإذا همَّ بمسها شلت يده مرة ثانية، وكرر هذا الأمر ثلاث مرات حتى قال فرعون: إنها شيطانة اخرجوها من أمامي، وأعطوها كذا وكذا من الجواري، وكذا وكذا من الأغنام، وكذا وكذا من المال. ومن جملة ما أعطاها كانت السيدة هاجر أم إسماعيل عليه السلام .
كيف لهذه المرأة التقية النقية أن تغار من زوجة زوجها وهي التي زوجتها؟!!، وإنما الأمر كما قال الله على لسان خليل الله عندما أخذ ابنه وولده ووضعه في هذه الصحراء ولم يكن فيها ماء ولا زرع ولا ضرع، ماذا قال في الدعاء؟: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ) (37إبراهيم)، ولم يكن هناك في هذا الوقت بيت لكنه يعلم علم اليقين أن إسماعيل هو الذي سيعاونه في بناء البيت.
وقد قالت السيدة هاجر: لمن تتركنا ها هنا يا إبراهيم؟ فسكت. قالت: أالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لن يضيعنا. إذاً هناك أمر من الله يتم تنفيذه على يد خليل الله إبراهيم وابنه وهو بناء بيت الله ودعوة الخلائق أجمعين للحج إلى بيت الله عز وجل إذا كان إبراهيم عندما أخذ إسماعيل إلى البيت ينفذ أمر الله وكان الله عز وجل هو الذي أمره ولذلك تولاه فكان هذا الغلام الرضيع يرقد على الأرض ولما نفد ما كان معه من الماء والزاد وأخذت تذهب مرات إلى الصفا مرة وتصعد وتتطلع هل من قادم .. وكذا على المروة مرة ... فإذا بها تجد طيوراً بجوار ابنها فذهبت إليهم مسرعة خائفة عليه !! فوجدت الماء قد نبع من تحت قدميه ... فأخذت تضم الماء ... وتقول زمي زمي ... لأن هذا الماء كان واسعاً وخافت أن يخرج منه طوفان المنطقة كلها، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيـلَ لَوْلاَ أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْناً مَعِيناً }
فأمرهم الله عز وجل بالسكن هناك وأرسل لهم الساكنين وهيأ لهم سبيلهم لأنهم ذهبوا طاعة لأمر الله وتنفيذاً لمشيئة الله، قال صلى الله عليه وسلم: { إِذا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلاَهُ، وَإِذَا أَحَبَّهُ الْحُبَّ الْبَالِغَ اقْتَنَاهُ } . أو كما قال، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الله أكبر "سبع مرات" ولله الحمد. الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: كانت في هذا اليوم المبارك الميمون قصة الفداء، فإسماعيل عندما بلغ أشده أمر الله عزَّ وجلَّ إبراهيم خليل الرحمن أن يذبحه، فأخذ بيد ابنه وقال له: يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى؟، فما كان من هذا الابن الذي ملأ الله قلبه بالإيمان إلا أن قال له: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (102الصافات). فقال له: لا تعلم أمي بهذا النبأ ونتوجه سوياً إلى حيث منى.
فقال له: يا أبت أوثقني بالحبال جيداً حتى لا تأخذني نفسي فاتحرك، وألقني على وجهي حتى لا تنظر إلي فتأخذك رأفة في تنفيذ أمر الله، واشحذ السكين حتى يقطع بسرعة، (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) - ثم جعل الله هذا الأمر لجميع المؤمنين إلى يوم الدين، فقال عزَّ شأنه: ( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) (103: 105الصافات). فكل محسن كريم له أسوة بــ (إبراهيم خليل الله)، ففداه الله عزَّ وجلَّ بذبح عظيم.
ومن هنا جعل لنا نبينا صلى الله عليه وسلم هذا النسك، وجعل فيه صلى الله عليه وسلم للمسلم فضائل كثيرة: فإذا ذبحه المؤمن على هدى شريعة الله بعد صلاة العيد والخطبة - لقوله صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فـي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّـيَ ثم نَرْجِعَ فَنَنْـحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذلكَ فقد أصابَ سُنَّتَنَا } .أى: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (2الكوثر).
فإذا كان الذبح بعد الصلاة - وكانت من الإبل أو البقر يشترك فيه عدد لا يزيد عن سبعة، والخروف أو الماعز عن رجل واحد، وشرطها أن يكون قد مرَّ عليها زمن استسمن فيه لحمها، وليس فيها عيب من العيوب التي تعيب الأضحية، وتجعل هذه الهدية غير مقبولة عند رب العالمين عزَّ وجلَّ، فلا يقبل الله الجرباء ولا العوراء ولا العمياء، ولا المريضة ولا الهزيلة، وإنما يقبل السليمة الصحيحة - غفر الله عز وجل لصاحب هذه الهدية، فإذا أشرك أهله معه كما قال صلى الله عليه وسلم في أضحيته: {اللهم هذه عن محمد وعن آل محمد} غفر الله لأهله جميعاً معه، وأهله هنا هم زوجه وولده الذي لم يتزوج. أما الذي تزوج فأصبح له بيت بمفرده فيجب أن يفعل هذا الصنيع عن نفسه، لأن هذا دين الله وشرع الله عزَّ وجلَّ.
ثم ماذا بعد ذلك؟ يزيد فضل الله في قول حبيب الله ومصطفاه - عندما سأله أصحابه بعدما ذبحوا - ما هذه الأضاحي؟ قال صلى الله عليه وسلم: {سنة أبيكم إبراهيم عليه السلام فقالوا: يا رسول الله ما لنا فيها؟ قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً } .
ثم زاد هذا الفضل .. فجعلها المطايا التي نركبها على الصراط يوم الدين، هذا الصراط الذي يمر على جسور جهنم، ونمر عليه أجمعون، وهذا ما قال في شأنه صلى الله عليه وسلم: { إِسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ فَإنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى الصرَاطِ} ومن هنا فقد أوجبها نبينا صلى الله عليه وسلم على الموسر والواجد سعة، وقال محذراً لهم: { مَنْ وَجَدَ سَعَةً لأَنْ يُضَحيَ فَلَمْ يُضَح فَلاَ يَحْضُرْ مُصَلاَّنَا } ، تحذيراً لهم من ترك هذه السُّنة.
أما الفقير فلم يكلفه الله عزَّ وجلَّ، ولكن علينا أن نعمل بقول الرجل الصالح ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه حيث يقول: { إذا علمت شيئاً من البر فاعمل به ولو مرة واحدة تكتب من أهله}. فعلى المسلم أن يضحي ولو مرة في حياته كلها لكي يكون له برهان على اتباعه لسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام.
ثم بعد ذلك فعلينا في هذا اليوم وبقية أيام العيد حتى عصر اليوم الرابع أن نكبر لله عقب كل صلاة، سواء صلينا في جماعة أو صلينا فرادى، فمن حضر الجماعة كبر معها، فإن لم يلحق الجماعة لتأخره في دخولها كبر بعد انتهاء الصلاة.
ومن فاتته الجماعة وصلى بمفرده عليه أن يكبر الله بصوت مسموع لا يكبر في سره، فإن الذي يكبر في سره ويسمع نفسه ولا يسمع من حوله إنما هن النساء، وعلينا أن نأمر النساء أن يكبرن في بيوتهن عقب كل صلاة سواءاً فريضة أو نافلة، فمن صلى ركعتي الضحى كبر بعدهما لله، ومن صلى قيام الليل كبر بعدها لله، وإن كانت هناك صلاة جنازة كبرنا بعدها لله، لأن صلاة النافلة نكبر بعدها، وهذا مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه، أما الإمام أبو حنيفة فقد أوجب التكبير بعد الفرائض ولم يوجبه بعد النوافل والسنن، قال صلى الله عليه وسلم: { زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بالتَّكْبِيرِ } .
وعلينا بعد ذلك أن نتجنب ما يفعله البعض من الجلوس في البيت لتجديد الأحزان وتلقي العزاء، لأن هذا ليس من دين الله في شئ، ولأن هذا يوم عيد ويوم فرح نفرح فيه الفقراء والمساكين ونفرح فيه الأطفال، لقوله صلى الله عليه وسلم: { للجنة باب يقال له: الفرح، لا يدخل منه إلاَّ مفرح الصبيان } (الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما).
ثم بعد ذلك نصل فيه أرحامنا ونود فيه إخواننا، ونجعل هذا الأمر - وهو المودة والصلة - عبادة هذا اليوم، فأعظم أعمالنا هي إدخال البر والسرور على المسلم، وصلة الأرحام، وتواصل الأنام.
<< ثم الدعاء >>.

قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام خطبة جمعة

قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام
الله أكبر "تسع مرات" ولله الحمد، الله أكبر ما وقف الحجيج على عرفات، الله أكبر ما توجهوا إلى المولى عزَّ وجلَّ بخالص الدعوات، الله أكبر ما تنزلت عليهم من الله الخالق الرحمات، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما فتح الرحمن لعباده أبواب السموات، الله أكبر ما قال في علو شأنه يا عبادي انصرفوا مغفوراً لكم، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما تبع الحجيج آذان خليل الله إبراهيم، الله أكبر ما يسر الميسر لهم كل عسير حتى وقفوا بين يديه فغفر لهم القليل والكثير. الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر ما طاف طائف حول البيت ولبى مولاه، الله أكبر ما دعا لسان فاستجاب له الله، الله أكبر ما حط الخطايا وتقبل الأعمال بفضله الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
الحمد لله ربِّ العالمين الذي أنعم علينا بصنوف المغفرة، وعمَّنا جميعاً بفيض فضله وكرمه وخالص رحمته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يغدق على عباده المؤمنين في هذا اليوم من الفضل الكبير، والخير الكثير، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أقام به الله تعالى الملة العوجاء، والشريعة السمحاء، وهدى به بعد ضلالة، وجمع به بعد فرقة، وأعزَّ به بعد ذلة، وجعلنا به حكماء وفقهاء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة العظمى لجميع العالم، والخير القائم أبد الآبدين لكل مؤمن ومحسن، والشفيع الأعظم للخلائق أجمعين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أما بعد.
فيا أيها الأخوة المؤمنون: هذا اليوم العظيم - يوم الحج الأكبر - هو يوم تفضل الله به على جميع المسلمين، من لدن آدم إلى ختام الأنبياء والمرسلين، فجعله الله يوماً للمغفرة، ويوماً للرحمة، ويوماً للعبادة، ويوماً لتنزل السكينة في قلوب المؤمنين، ويوماً يعرف فضله الأولون والآخرون والإنس والجن، وكلُّ من شهد بالوحدانية لله ربِّ العالمين.
وقد كان بدء هذا اليوم مع آدم عليه السلام عندما خرج بأمر ربه وهو في الجنة وأكل هو وزوجه من الشجرة التي نهاهما عنها الله، فبدت لهما سوآتهما، فعلم أن الله غضب على فعلتهما، فمشى آدم في الجنة كسيف البال، فقال الله تعالى له: أفراراً مني يا آدم؟، قال: بل حياءاً منك يا ربَّ. فهبط آدم بأمر الله: ( اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ) (123طه)، وكان نزوله على قمة جبل سرنديب جنوب الهند، وأهبطت حواء إلى جدة ببلاد الحجاز.
ومكث آدم يبكي على ذنبه ثلاثمائة عام، حتى كان أول شهر ذي الحجة فنزل عليه أمين الوحي جبريل، وقال: يا آدم، اذهب إلى بيت الله وطف حوله، واضرع لربك يغفر الله عزَّ وجلَّ ذنبك.
فجاء آدم من بلاد الهند ماشياً حتى وصل إلى بيت الله الحرام، فكان وصوله في صباح هذا اليوم الذي نحن فيه الآن - يوم العاشر من شهر ذي الحجة: {قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلى الأَرْضِ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعَاً، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِري وَعَلاَنِيَّتِي فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي، وَتَعْلَمُ حَاجَتِي فَأَعْطِي سُؤْلِي، وَتَعْلَمُ مَا عِنْدِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي. أَسْأَلُكَ إِيمانَاً يُبَاشِرُ قَلْبِي، وَيَقِينَاً صَادِقَاً، حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لاَ يُصِبُنِي إِلاَّ مَا كُتِبَ لِي، وَرَضنِي بِقَضَائِكَ. فَأَوْحى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا آدَمُ، إِنَّكَ قَدْ دَعَوْتَنِي بِدُعَاءٍ أَسْتَجِيبُ لَكَ بِهِ، وَغَفَرْتُ ذُنُوبَكَ، وَفَرَّجْتُ هُمُومَكَ وَغُمُومَكَ، وَلَنْ يَدْعُوَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ ذُريَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلاَّ فَعَلْتُ ذٰلِكَ بِهِ، وَنَزَعْتُ فَقْرَهُ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ، وَاتَّجَرْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ كُل تَاجِرٍ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا إِلاَّ رِزْقَاً } .
كان هذا اليوم يوم المغفرة، فما من عبد مؤمن يعينه الله ويمده بالأسباب التي توصله إلى بيت الله - من المال الحلال، والزاد الطيب - إلا دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: {مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَعَ كما ولَدَتْهُ أمُّه} ، فيرجع وقد طويت صحف سيئاته، وزاد الله فضلاً في حسناته، فإن الله عزَّ وجلَّ جعل هذا البيت العمل حوله مضاعفاً أضعافاً كثيرة، لا يستطيع أحد حصرها، ولكن بحسبنا أن نلمح ألى بعض فضلها.
فقد قال فيه رجل من الصالحين: صلاة واحدة في جماعة في بيت الله الحرام أكثر من عمر نوح في عبادة الله عزَّ وجلَّ، فقال له الحاضرون: كيف يكون ذلك؟، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديثه: {الصَّلاَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ} ، والصلاة التي فرضها علينا الله تكتبها الملائكة عشر صلوات، فإذا ضربنا المائة ألف في عشرة كانت مليون صلاة، وصلاة الجماعة تزيد عن صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة، فتصير سبعة وعشرين مليوناً لكل صلاة واحدة، فإذا قسمتها على خمس صلوات في اليوم كانت أعماراً طويلة وسنين كثيرة، هي في مجملها فوق قدر عمر نوح.
كثير وكثير من فضل الله الذي لا يعدُّ ولا يحدُّ، ولم يجعل الله الصلاة فقط بمائة ألف بل كل تسبيحة بمائة ألف، وكل صدقة بمائة ألف، وكل عمل صالح فيه بمائة ألف عمل صالح عند الله، لأنه بيت الله .. وزائره زائر لمولاه عزَّ وجلَّ، فأول ما يرجع به الحجيج أن يرجعوا وقد غفر لهم ذنوبهم، وقد ستر الله لهم عيوبهم، وقد محا الله عنهم أخطائهم، وقد جعل الله عزَّ وجلَّ هذا الفضل العظيم لعباده المؤمنين أجمعين - من لدن آدم إلى أن يرث الله عزَّ وجلَّ الأرض ومن عليها.
ولم يحرمنا الله عزَّ وجلَّ نحن جماعة المؤمنين المقيمين من هذا الفضل، فجعل لنا بعمل يسير إن عملناه أن يغفر لنا ذنوبنا، وذنوب أهل بيتنا - ما تقدم منها وما تأخر - إذا تأسينا بسنة الخليل إبراهيم عليه السلام.
الحج في مجمله خطوات الأنبياء!!، فالطواف عمل آدم عليه السلام، والسعي بين الصفا والمروة عمل هاجر أم إسماعيل عليهما السلام، عندما أمره الله أن يحمل ولده وأمه ويضعهما بجوار البيت، فالتفتت إليه وقالت: يا إبراهيم، لمن تتركنا في هذا المكان - الذي لا ماء فيه ولا إنس ولا حيوان؟، فلم يجبها. فقالت: يا إبراهيم، لمن تتركنا ها هنا؟!!، فلم يجبها. فقالت: أالله أمرك بذلك؟، قال: نعم. قالت: إذاً لن يضيعنا.
فلما نفذ الماء القليل الذي معها، وأحس ابنها بالجوع - وكان رضيعاً يرضع من ثديها اللبن - وفتشت عن اللبن في صدرها فلم تجد، فأخذت تبحث عن الماء لتشرب منه، فصعدت إلى جبل الصفا لتنظر خلفه هل تجد ماء؟، فلما لم تجد نزلت إلى بطن الوادي، ثم هرولت مسرعة - كما يفعل الحجيج بين الميلين الأخضرين - ثم نزلت حتى وصلت إلى جبل المروة تنظر خلفه هل تجد ماءاً؟، وكررت هذا العمل سبع مرات - وهو السعي بين الصفا والمروة لحجاج بيت الله الحرام - وبعد أن أتمت المرة السابعة، نظرت فوجدت طيوراً حول ابنها!!، فخافت عليه وأسرعت إليه فوجدت الماء وقد نبع من تحت قدميه!!، ماء كثير يفور، وأخذت تزمه بالتراب وتقول: زمي .. زمي، فسمى زمزم. قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: { يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيـلَ لَوْلاَ أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْناً مَعِيناً } .
فكان ماء زمزم من نبع قدم إسماعيل عليه السلام، وفيه الشفاء، وفيه الدواء، وفيه الخير ويكفي فيه قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: { مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ } . فيه طعام طعم، وفيه شفاء سقم ، فهو الماء الوحيد الذي يطعم الجائع، ويروي الظامئ، ويشفي المريض من أي داء - إذا صدق النية، وأخلص الطوية في شربه لربِّ البرية عزَّ وجلَّ.
فلما بلغ الولد ثلاثة عشر عاماً أمر الله عزَّ وجلَّ أباه إبراهيم - ليلة الثامن من ذي الحجة في المنام - أن يذبح ابنه إسماعيل، فلما أبطأ في اليوم الثامن وتروى في هذا الأمر وفكر فيه، وظن أنه ربما يكون من الشيطان، فسمي يوم التروية لأنه تروى في أمره، فلم يسارع في تنفيذ أمر ربِّه عزَّ وجلَّ. فلما جاءت ليلة التاسع رأى في المنام مرة أخرى أنه يذبح ابنه، فعرف أن ذلك وحيٌ من الله، وأن هذه الرؤيا رؤيا حقٍّ من الله، فسمى يوم عرفة، لأنه عرف أن رؤياه حق، ولأن آدم وحواء تعارفا فيه على جبل عرفات، فسمي المكان بعرفات لأنهما تعارفا عليه، وعرف إبراهيم فيه أن رؤياه حق من الله عزَّ وجلَّ، فعرض رؤياه على ابنه فقال: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (102الصافات).
فلما أصبح في هذا اليوم وفي هذا الصباح أمر ابنه أن يأخذ المدية – يعني: السكين - ويأخذ الحبل، ويذهب إلى منى، ليوهم أمه أنهما ذهبا ليحتطبا منها وليجمعا منها الحطب، فذهبا إلى منى في هذا اليوم، وفي مثل هذه الساعة، فظهر لهما الشيطان عند جمرة العقبة فقذفه بسبع حصيات، فصارت سُنَّة عنه إلى يوم الدين. ثم ذهب لهما الشيطان مرة أخرى عند الجمرة الوسطى فقذفه بسبع حصيات، فصارت سُنَّة إلى يوم الدين. فظهر له مرة ثالثة عند الجمرة الصغرى فقذفه بسبع حصيات، وتلك سنن اليوم كلها عن أبيكم إبراهيم ونبي الله إسماعيل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام.
فلما وصلا إلى المنحر بمنى - وهو مكان الذبح وموضع النحر - قال إسماعيل لأبيه يوصيه: يا أبتِ، أشدد وثاقي جيداً حتى لا اضطرب فتأخذك الرحمة في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ، وانزع قميصي حتى لا ينزل عليه دم فتراه أمي فتحزن، واجعل وجهي إلى الأرض حتى لا تنظر إلي فتأخذك الشفقة في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ، وأشحذ المدية (السكين) حتى تقطع بسرعة. فأوثقه بالحبال جيداً ثم ألقاه على وجهه، فلما همَّ بذبحه قال: يا أبتِ فُكْ يدي وقدمي حتى لا يقال بأنه كان يوجد رباط في يدي ورجلي خوفاً من تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ. فأطلق يديه وقدميه ووضع السكين على رقبته، وأمرَّها بسرعة فإذا هي لا تقطع!!، فخاطبها وقال لها: ما لكِ يا سكين لا تقطعي عنق إسماعيل؟!!، فأنطقها الله وقالت: ولماذا النار لَمْ تحرق جسمك يا إبراهيم؟!!
فإن الله - الذي أمر النار أن تكون برداً وسلاماً فلم تحرق إلا الحبال والقيود من إبراهيم، هو الذي أمر السكين أن لا تقطع رقبة إسماعيل!!!، فتدارك إبراهيم، وبينما يلتفت إلى وراءه وجد أمين الوحي جبريل ومعه ذبح عظيم!!. هذا الذبح هو الذي قدمه هابيل إلى الله عندما تنازع وأخوه قابيل على الزواج بأخت قابيل، فطلب منهما الله أن يقدما قرباناً، فقدم قابيل من عمله - وهو الزراعة - زروعاً رديئة، وقدم هابيل من عمله - وهو الرعي - كبشاً ثميناً فارعاً، فتقبله الله، ونزلت سحابة فحملته وظل يرعى في أرجاء الجنة حتى أنزله الله ليفدي به إسماعيل على يدي خليل الله عليه السلام.
قال صلى الله عليه وسلم: { مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عزَّ وجلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً وأبشروا } ، وقال صلى الله عليه وسلم: {إِسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ فَإنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى الصرَاطِ} ، وقال صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة { يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَتَكِ، فَإنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ } . أو كما قال، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الله أكبر "سبع مرات"، ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. الحمد لله الذي أنزل علينا الخير فضلاً ومنة، وسح علينا الرحمات سحاً، وجعلنا أهلاً لفضله وكرمه في هذا اليوم الكريم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُهُ ورسولُه. اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشرّ، ونجِّنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد.
فيا عباد الله جماعة المؤمنين: علينا في هذا اليوم الكريم أربعة أعمال كلفنا بها الله وسنَّها لنا حبيب الله ومصطفاهصلى الله عليه وسلم:
فأول عمل في يومنا هذا: هو صلاة العيد، وقد صليناها والحمد لله عزَّ وجلَّ.
ثم ثانى عمل: أن نذبح أضحياتنا، فمن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ومن ذبح بعد الصلاة فقد أصاب السُّنة. هذه الأضحية فيها ما فيها من الفضل العظيم، فإذا نزلت قطرات دمها غفر الله لأهل البيت أجمعين كل ذنب عملوه. وجعل الله بعدد قطرات دمها حسنات، وبكل شعر صوفها حسنات، وجعلها الله كلَّها - حتى بشعورها وأظافرها - توضع في ميزان حسناتهم يوم القيامة، ويجعلها الله وسيلة يركبونها على متن الصراط. والصراط - كما ورد فى الأثر - سبع جسور على متن جهنم، كل جسر منها ألف عام صعوداً، وألف عام استواءاً، وألف عام هبوطاً. فجملتها يمشيها المرء في إحدى وعشرين ألف عام!!!، يمر عليها المؤمن كالبرق الخاطف، أو كالريح الشديدة، أو كالخيل السريعة - كما ورد. هذا إذا كان له أضحية ضحَّى بها لله، فهي المركوب الذي يركبه ليمرَّ به من على الصراط، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه الأضحية شرطها لينال المرء هذا الثواب أن تذبح بعد صلاة العيد، وأن تذبح عن رجل واحد - إذا كانت ماعزاً مرَّ عليه سنة، أو خروفاً مر عليه ستة أشهر ويحمل لحماً، والذكر كالأنثى في هذين الصنفين كلاهما يجوز، أو كانت بقرة أو جملاً يشترك فيه سبعة، على أن تكون خالية من العيوب وسليمة من الأمراض، فلا تكون عوراء، ولا جلحاء، يعني: بغير قرون، إلا إذا كانت سلالتها كذلك فلا بأس بها، ولا تكون عرجاء ولا مريضة، ولا يأخذ الجزار منها شيئاً على سبيل الأجرة، وإنما يجوز أن يأخذ منها صدقة أو هدية، لقوله صلى الله عليه وسلم للإمام عليٍّ عندما كلَّفه أن يذبح هديه: { أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ أَنْ أَقُومَ عَلَىٰ بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لاَ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: ( نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا ) } . ثم بعد ذلك يجعل منها نصيباً للفقراء، ونصيباً للأصدقاء والأهل والأقرباء والأعزاء، ونصيباً لنفسه وأهله: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ) (28الحج).
أما العمل الثالث في هذا اليوم الذي أمرنا به الله وبينه لنا حبيب الله ومصطفاه: هو أن نحرص كل الحرص على أداء فرائض الله في بيت الله في وقتها وفي جماعة، وأن نكبِّر الله عقب كل صلاة - إن كانت سنة أو فريضةن، إن كنت في جماعة أو كنت بمفردك، إن صليت في بيت الله أو صليت في بيتك، أو في أي مكان - تكبر الله عقب كل صلاة حتى عصر اليوم الرابع من أيام العيد، فلو صليت سنة الضحى تكبر الله عزَّ وجلَّ، ولو حضرت صلاة الجنازة تكبر الله بعدها. ونعلم نساءنا وبناتنا أن يكبرن الله بعد كل صلاة، وإن صلين في المنزل، وأقل التكبير أن يقول المرء: ( الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد )، فإن زاد ما نقوله فقد أحسن، وإن اكتفى بذلك فقد أجزأ، المهم أن نكبر الله عقب كل صلاة.
أما العمل الرابع والهام في هذا اليوم العظيم - بعد أداء الفرائض - فيقول فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم: {تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ} ويقول فيه صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ اخَذَ بِيَدِهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُمَا ذُنُوبَهُمَا كَمَا يَتَحَاتُّ الوَرَقُ عَنِ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ فِيْ يَوْمِ رِيْحٍ عَاصِفٍ، وَإِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا، وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوْبَهُمَا مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ}
يأمر الله المسلمين أن تكون عبادتهم في هذا اليوم مصافحة المسلمين، والبسمة في وجوه المؤمنين، والشفقة والعطف على اليتامى والمحرومين،.وصلة الأرحام التي لا توصل إلا في هذه الأيام.
<< ثم الدعاء >>.

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up