Advanced search

الخطب الالهامية شهر شعبان وليلة الغفران

الخطب الالهامية شهر شعبان وليلة الغفران

الخطب الالهامية شهر شعبان وليلة الغفران

Read book
  • Series title

    الخطب الالهامية (المناسبات)

  • Publish date

    12 - أكتوبر - 2009

  • Pages number

    64

  • Edition number

    الطبعة الثانية

  • Downloads

    1954

  • Download code

    Not found
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

الخطب الالهامية شهر شعبان وليلة الغفران

نبذة عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، سيدنا محمد وآله وصحبه.
بعد أن قدمنا الطبعة الأولى من كتابنا " الخطب الإلهامية" ( المناسبات) فى ست كتب متتالية تشتمل على المناسبات الدينية طوال العام كما سيأتى تفصيله لاحقا بهذه المقدمة؛ تهافت القراء على هذه الكتب وبخاصة المشتغلون بالدعوة والوعظ على مستوى الجمهورية حتى نفدت الطبعة فى وقت قصير، وطالبنا الكثير من القراء ودور النشر بإعادة طباعتها.
فاستخرنا الله تعالى فى ذلك وآثرنا أن تطبع الأجزاء الستة فى مجلد واحد حتى تكون أيسر للقارىء وأسهل للباحث والداعى فى الوصل إلى مايريد، وقد ضبطنا فى هذه الطبعة الآيات برسم المصحف العثمانى، وشَكَّلْنَا الأحاديث النبوية الشريفة، كما حذفنا الأدعية فى الخطبة الثانية وتركناها لما تجود به قريحة الخطيب بحسب المناسبة وتوجه قلبه إلى الله، وارتأينا أن نطبع الكتاب طبعة ميسَّرة ليعم به النفع ويزيد به الفضل.
القارىء الكريم، كتابنا هذا الذى بين يديك مكون من تمهيد وستة أبواب، وقد تناولنا فى التمهيد أمرين أساسين يلزم معرفتهما جيداً، أولهما هو "منهج الداعى الحكيم و أوصافه" وهى إضافة لم تكن بالطبعة الأولى، والأمر الثانى هو أحكام الجمعة من يوم وخطبة وصلاة، وأما الأبواب فقد رتبناها وفق التسلسل الزمنى للمناسبات خلال العام فكانت كما يلى:
الباب الأول :"الهجرة ويوم عاشوراء" : وقد تناولنا فيه أحداث الهجرة من مكة إلى المدينة بكل تفصيلاتها، وأفضنا في بيان الآيات القرآنية التي أشارت إليها بحسب ما فتح الله عزّوجلّ واستلهمنا منها العبر التي تنفع المؤمن في حياته فرداً وجماعة، حيثما كان، وأخذنا من مجتمع المهاجرين والأنصار الأسس والقيم والمثل التي تصلح المجتمعات وبينا كيفية تحقيق ذلك في مجتمعاتنا المعاصرة، كما لم نغفل يوم عاشوراء وألمحنا إلى الكيفية الصحيحة للاحتفاء به.
ولا يفوتنا أن نذكر بأن أحداث الهجرة تمت في شهر ربيع الأول فقد خرج النبي صلّى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً يوم الإثنين الأول من شهر ربيع الأول ودخل المدينة المنورة يوم الإثنين التالي فكانت فترة الهجرة أسبوعاً، أما السر في جعلها في بداية العام الهجري فيرجع ذلك إلى عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَضِىَ الله عنه حيث جاءته بعض رسائل من القاده والولاه مختومة بعبارة كُتب في رجب مثلاً؛ فقال رَضِىَ الله عنه: أيُّ رجب؟ هذا العام أم السابق؟ ثم جمع رَضِىَ الله عنه أصحابه واستشارهم فى إتخاذ تأريخ للمسلمين، وكان العرب يؤرخون من قبل بالأحداث العظيمة كحادثة الفيل، فاقترح البعض أن يؤرخ بميلاد النبي أو وفاته، واستحسن سيدنا عمر رَضِىَ الله عنه أن يبدأ التأريخ الإسلامى بهجرة النبي لأنها البداية الحقيقية للدولة الإسلامية، ولما كانت السنة الهجرية تبدأ بشهر المحرم جعله أول العام الهجري الأول وكان ذلك بداية التقويم الإسلامي العربي القمري والذي تنبني عليه الشهور العربية والأحكام الشرعية، ومن ثم جرى الإحتفال بذكرى الهجرة أول العام فى شهر المحرم، وإن كانت الهجرة ذاتها تمت فى شهر ربيع الأول.
أما الباب الثانى ففى خطب المولد النبوى الشريف: فقد انتقينا من الخطب الكثيرة جداً التي سجَّلها الأحباب ثُّلة مباركة كنماذج لمعالجة مشاكل الأفراد والمجتمعات على ضوء هذه الذكرى العطرة، وآثرنا منها ما تحتوى على ما يُوحي به جلال المناسبة من توجيهات توقظ الأمة من غفلتها، وتثير عزائم نهضتها، وتجعلها تتجه لنبيها تستلهم منه الرُّشْد، وتستمد الهداية لما فيه خيرها وفلاحها في الدنيا ويوم لقاء الله.
والباب الثالث يشتمل على مجموعة مباركة من الخطب التي فتح الله بها علينا في المناسبة الكريمة لذكرى الإسراء والمعراج: وقد سجلناها بحسب إلقائها، وذكرنا الأماكن والمساجد التي ألقيناها بها، وقد بدأناها بخطبتين عن شهر رجب المبارك وفضله لأنه من الأشهر الحرم، ثم أتبعناهما بعدد من الخطب ذات المعانى الجديدة فى تناول الموضوع المبارك والتى يشعر معها القارىء الكريم بحلاوة الذكرى المباركة، وبأنها معين لا ينضب من الإلهامات والأنوار والخيرات والبركات على الأمة بأسرها.
أما الباب الرابع: فقد خصصناه لشهر شعبان المبارك، فبينَّا فيه خصائص الشهر، وما خصه بها الحبيب صلّى الله عليه وسلَّم من التوجهات والعبادات والنوافل، وقسمنا الباب ثلاثة فصول: الأول للخطب، والثاني ذكرنا فيه فضائل ليلة النصف من شعبان وسردنا الأدلة اليقينية على الإحتفال بها، كما أوردنا بعض الأدلة فى ثبوت معجزة شق القمر لحاجة الخطباء والدعاة لذلك، وأما الفصل الثالث فقد أوضحنا فيه الكيفية الصحيحة لإحياء ليلة النصف، واغتنام فضلها والتعرض لنفحاتها، وذلك من بيان وأحوال أئمة السلف الصالح والعلماء العاملين.
أما الباب الخامس فكان لشهر رمضان وليلة القدر وعيد الفطر: وقد تناولنا فيه حكم الصيام الصحية والاجتماعية والشرعية والخلقية وغيرها، وتحدثنا فيه عن سنن الصيام وآدابه ومستحباته، وألمحنا إلى غزوة بدر والاعتكاف وليلة القدر، وذكرنا زكاة الفطر وحكمتها، ووضعنا نماذج لخطب عيد الفطر المبارك وذلك كله بأسلوب سلس يلائم العصر.
والباب السادس والأخير فهو عن الحج وخطب عيد الأضحى: وقد ركزنا فيه على ثواب الحج ودرجات الحجاج ومنزلتهم عند الله، وفضائل البيت الحرام وآياته الظاهرة والباطنة، وألمحنا إلى قدر الرحمة الواسعة التي يُنزلها الله عزّ وجلّ على عباده في هذه الأماكن المباركة، والأزمنة الفاضلة، وخاصة في يوم عرفة، وذكرنا فيه قصة الخليل إبراهيم، والذبيح إسماعيل، واستخلصنا العبر وموطن القدوة التي يأخذها كل مسلم منها.
وذكرنا أيضاً فضائل الأعمال التي يجب أن يتحلى بها المؤمن في أيام عشر ذي الحجة، وفضل صيام يوم عرفة، وبينا السنن التي ينبغي على المسلم مراعاتها في أيام التشريق كالأضحية، والتكبير وغيرها وذلك بأسلوب سلس ممتع للعامة والخاصة.
وأحب أن أنوه فى ختام هذه المقدمة إلى أننا عرضنا في هذا الكتاب ما رأيناه أقرب إلى الصواب وإن رأى البعض أننا ربما نستدل أحياناً ببعض الأحاديث الضعيفة سنداً؛ فذلك ما اتفق عليه أئمة الأصول في قاعدتهم المشهورة؛ من أنه يُعْمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وقد تأسّينا في ذلك بقول إمامنا الشافعي رَضِىَ الله عنه: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد والهدى والرشاد، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وأن يجزى خير الجزاء كل من ساهم أو شارك فيه من البدء للختام حتى وصل للقارىء الكريم بهذه الصورة الطيبة، كما أسأله سبحانه أن يسامحنا فى كل قصور أو تقصير خالطه، وعذرنا فى ذلك كما قال الأولون: أن الله تعالى أبى أن يكون كتابٌ صحيحاً إلا كتابه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الجمعة 28 أغسطس 2009، الموافق 6 رمضان 1430 هـ

مقدمة الطبعة الأولى

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلَّمه البيان، وأهلَّه للعيان، وتوَّجه بتاج الخلافة عن الرحمن. والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على خير من بعثه الله لهداية خلقه وحفظه ظاهراً وباطناً من أهواء النفس ومن شرار خلقه سيدنا محمد فقيه الفقهاء، وحكيم الحكماء، وإمام الرسل والأنبياء وآله البررة الأنقياء، وأصحابه الهداة الأتقياء وكل من تبعهم على هذا الهدي المبارك إلى يوم العرض والجزاء وعلينا معهم أجمعين آمين يا ربَّ العالمين. وبعد ...
فقد خاطبني شيخي وقدوتي مولانا الشيخ محمد علي سلامة ذات مرة قائلاً في إحدى اللقاءات الطيبة مع حضرته: يا بني اكتب بعض الخطب الخاصة بالمناسبات الدينية في كتاب ويطبع لينتفع بها إخوانك، ولما كنت في هذا الوقت في حال محو تام مع حضرته، وأشعر دائماً بعجزي وقصوري في نفسي؛ فقد رأيت في ذلك الحين أن هذا مقام لا يصلح له مثلي، فاعتذرت عن ذلك باعتذار رقيق ونسيت ذلك الأمر، ولكن في السنوات الأخيرة ألحّ عليَّ كثير من الإخوان الصادقين الذين يتعرضون للدعوة ويعتلون المنابر في تنجيز ذلك، وزاد هذا الأمر إلزاماً ما أنجزه بعض الأخوة والأخوات الأفاضل من تصنيف هذه الخطب ثم نسخها كتابة، بعد أن بذلوا الجهد الكبير في جمع الشرائط التي سجلها الإخوان في السياحات الروحانية في الموضوعات المتنوعة، وبقى لنا أن نراجعها ونخرجها ونطبعها. فاستخرنا الله تعالى في ذلك منذ عام أو يزيد، وكان هذا هو أوان الإذن في ذلك من الله عز شأنه، فما فيها من صواب فهو من الله عزّ وجلّ، فبه سبحانه وحده التوفيق، وعليه جلَّ شأنه مدد المعونة والتحقيق.
ولما كان كمّ الخطب كثيراً جداً، والواحدة تقع في صفحات كثيرة على غير المعتاد في الكتب المؤلّفة في هذا الفن، فكان يصعب علينا أن نجمع المناسبات المختلفة خلال العام في كتاب واحد لأنه سيكون كبير الحجم، فقد استخرنا الله تعالى أن نجعل لكل مناسبة دينية كالمولد النبوي، والإسراء والمعراج، والصوم وشهر رمضان، والحج، والهجرة النبوية وغيرها جزءاً خاصاً بها ننتقي بعض الخطب مما سجله الإخوان في هذا الشأن ونراجعها لتكون كنموذج يحتذيه الخطيب في معالجة مثل هذه الموضوعات على أن تصدر هذه الأجزاء تباعاً.
ولما كان الهدى الذي احتذينا فيه حذو شيخنا الشيخ محمد علي سلامة رَضِىَ الله عنه في خطبنا أن نأخذ آية مما يقرأه القارئ لكتاب الله تعالى قبل الصلاة تناسب الوقت والحاضرين ونشرحها بما يفتح به الله عزّ وجلّ على قدر ما تتحمله وتستوعبه مدارك السامعين دون إعداد سابق للخطبة أو حتى تحديد لموضوعها فقد سمينا هذا الكتاب (الخطب الإلهامية) فهي كلها بحمد الله تعالى من كنز قوله سبحانه: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا( (65الكهف).
وقد كان هدى شيخنا رَضِىَ الله عنه في خطبة الجمعة:
- أن يلقيها بلغة سهلة وواضحة لتصل مباشرة إلى أذهان الحاضرين، وكان يحرص رضّى الله عنه ألا تكون الخطبة طويلة مملة أو قصيرة مخلّة؛ وكان من غرائب هذا أنّي كنت أتابعه رضّى الله عنه في خطبة ممسكاً بساعتي فكان لا يزيد على 17 دقيقة إلا نادراً؛ ومع ذلك نخرج وقد استوعبنا الموضوع من جميع نواحيه، وكان يقول لنا دائماً في ذلك لأن نتركهم راغبين خيرٌ من أن يتركونا زاهدين!، المهم يا بني أن يقوم الناس من المسجد وقد عرفوا موضوعاً محدداً من أمور دينهم واستوعبوه ليعملوا به، وامتداداً لهذا النهج كان رَضِىَ الله عنه يتحرَّى دائماً أن تكون موضوعاته على المنبر أو في دروس المساجد فى موضوع واحد لا يخرج عنه الخطيب حتى لا يشتّت السامعين، وأن تكون من الموضوعات العامة التي يحتاجها كل مسلم، ويبتعد عن ذكر الأمور الخلافية أو الإشارة إليها، وعما يثير الفتن والمشاكل بين الناس.
- وكان رَضِىَ الله عنه يحرص على التبشير في كل خطبه ودروسه ولا يميل إلى التَشديد والتعسير، ويفتح للناس أبواب رحمة الله الواسعة ويمزج ذلك بتخويف لا يقنطهم من رحمته تعالى.
- وكان شديد الأدب في الحديث عن العلماء جميعاً فلا يجرِّح أحداً من المعاصرين حتى ولو أخطأ بل يلتمس له العذر ويبرر له موقفه، ومع ذلك يقرر الصواب بطريقة حكيمة، أما السابقين فيترضى عنهم أجمعين، كان يعيب على من يحفظ الخطب أو يستظهرها ثم يلقيها ويقول نحن لا نحب لأحد من إخواننا أن يحفظ الخطب ثم يكررها بالنص، ولكن يفهم المحتوى ثم يعبِّر عنه بأسلوبه.
فنعم المربي رَضِىَ الله عنه كان لنا، فجزاه الله عنَّا خير الجزاء بمغفرة ورضوان وخير في الدنيا والآخرة، إنه نعم المجيب، والله تعالى أسأل أن يبارك في كل من ساهم في هذا العمل بتسجيله أو جمعه أو نسخه أو طبعه أو نشره وأن يمدهم بمدد توفيقه، ويلحظهم بعين عنايته، وأن يجعلهم في الدنيا من أهل ولايته وفي الآخرة من أهل سعادته، وأدعو الله عزّ وجلّ أن ينفع به من قرأه أو سمعه وأن يجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فضائل شهر شعبان خطبة جمعة

الخطبة الأولى
فضائل شهر شعبان
الحمد لله ربِّ العالمين، الرحيم بعباده المؤمنين، والرءوف بالخلق أجمعين، والشفوق والعطوف على هذه الأمة المحمدية إكراماً لسيد الأولين والآخرين. سبحانه .. سبحانه، هو أولى بنا من أنفسنا، وأرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، وأشفق علينا من أرواحنا وقلوبنا، لأنه وحده هو الرءوف الرحيم الحنان المنان. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لاشريك له، إله جلَّ فى صفاته، وتعالى في كمالاته، نعصاه فيسترنا، ونسيئ فيغفر لنا، ونجهل فيحنو علينا، وننساه فيذكرنا، ولا يتخلف عن الذي تعهَّد به إلينا، لأنه ربُّ الخير على كل شئ قدير.
وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أرسله الله رحمة مهداة، ونعمة مسداة لجميع خلق الله، فما ترك رحمة في الأرض أو في السماء إلا وأخبرنا عنها، وبيَّن لنا شأنها، وفتح لنا أبواب دخولها صلَّى الله عليه وسلَّم. اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد، نبيِّ البرّ، ورسول الرحمة، وألحقنا به جميعاً في مستقر رحمته، وأجمعنا جميعاً وإياه جميعاً في دار جنته، واجعلنا وإياه من الذين ينظرون في الجنة إلى حضرته، يا رحمن يا حنان يا منان يا الله.
أما بعد .. فيا إخواني ويا أحبابى في الله ورسوله:
خصّ نبيكم الكريم هذا الشهر العظيم الذي نحن فيه وهو شهر شعبان بأمور لم يخص بها أي شهر آخر من الشهور فقد كان كما تقول السيدة عائشة رَضِيَ الله عنها وأرضاها: {مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ٱسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ}.
ولما رأوا منه ذلك الحال أرادوا أن يعرفوا السبب، فأرسلوا أسامة بن زيد حِبَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليسأله، فقال: {يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟، قَالَ: ذلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَـــــيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ }
فهو ترفع فيه الأعمال، ولنا وقفة قصيرة اختصاراً للوقت مع هذه الفضيلة. هل أعمالنا التي نعملها لا ترفع إلا في شهر شعبان؟. لا يا إخواني، أعمالنا يراها الله في نفس اللحظة التي نعمل فيها العمل، لأنه يطلع علينا ويشهد أعمالنا، ويرى حركاتنا وسكناتنا، لكنه وهو الحكم العدل أبى أن يقيم لنا قضية في المحكمة الإلهية إلا إذا شهد عليها شهود، وقد كلف بي وبك رقباء كرماء، يقول فيهم في كتابه عزّ وجلّ: (كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (11، 12الإنفطار)، ولم يقل يكتبون، بل قال: (يَعْلَمُونَ) علماً مسبقاً ما سيعمله الإنسان. وكثير منا سمع من البعض أن هؤلاء الكرام الذي عن اليمين يسمى (رقيب) والذي عن اليسار يسمى (عتيد)، ولا أعلم من أين جاءوا بهذه التسمية، إن كان من كلام الله فالله يقول- واسمعوا واعوا: )مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (18ق).
رقيب واحد هو الله، وهذا الرقيب عتيد، يعني: متين في مراقبته، فلو كان يقصد الحفظة لقال رقيب وعتيد، لكن عتيد صفة لكلمة رقيب، فهو رقيب عزَّ وجلَّ يعلم خفيات السرائر وما بين حنايا الضلوع ونيات القلوب، وهو عتيد وشديد، ومتين ومحيط في مراقبته عزَّ وجلَّ. أما الذين معنا فقال فيهم نبيكم صلَّى الله عليه وسلَّم: { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ. وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ } ، وليس اثنان فقط، فقد عدَّهم بعض العلماء إلى عشرين ملكاً يحيطون بكل رجل منا؛ منهم الحفظة كتبة الأعمال عن اليمين وعن الشمال؛ وهم أربعة اثنان منهم معك من الفجر إلى العصر، واثنان من العصر إلى طلوع الفجر، ثم هناك من يمشي أمامك، وهناك من يمشي خلفك، وهناك من يحفظك وأنت نائم، فيحفظ عينيك حتى لا تدخل حشرة تؤذيهما وأنت نائم، ويحفظ أذنيك وفمك حتى لا يدخل فيهما شئ مؤذي وأنت نائم، ولا تملك لنفسك أمراً ولا نفعاً ولا ضراً، وهناك الموكل بأرزاقك، وهناك الموكل بأنفاسك، وهناك الموكل بارتفاع وصعود أعمالك، وهناك الموكل بإلهامك يلهمك الخير ويحضك عليه. عشرون ملكاً يعملون مع كل إنسان وظفهم لهم ومن أجلهم الرحمن عزَّ وجلَّ.
فإذا انتهت حياتك وأتموا المهمة صعدوا إلى الله وقالوا: يا ربنا كلفتنا بالعمل مع فلان، وقد قبضتة إليك، فيقول الله لهم كما روى النبي الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم: { إِنَّ اللَّهَ تَعَالى وَكَّلَ بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَهُ، فَإِذَا مَاتَ قَالَ المَلَكَانِ اللَّذَانِ وُكلاَ بِهِ: قَدْ مَاتَ فَأَذَنْ لَنَا أَنْ نَصْعَدَ إِلى السَّمَاءِ فَيَقُولُ اللَّهُ : سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلاَئِكَتِي يُسَبحُوني فَيَقُولاَنِ: أَفَنُقِيمُ فِي الأَرْضِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: أَرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يُسَبحُونِي، فَيَقُولاَنِ: فَأَيْنَ؟ فَيَقُولُ: قُومَا عَلى قَبْرِ عَبْدِي فَسَبحَانِي وَاحْمِدَانِي وَكَبرَانِي وَهَللاَنِي وَاكْتُبَا ذٰلِكَ لِعَبْدِي إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، فيعملون لك وأنت في عالم الأموات بأمر الحي الذي لا يموت عزَّ وجلَّ.
هؤلاء الحفظة الذين يقول فيهم الله: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ ) (11الرعد). عندما تعمل العمل يكتبه صاحب اليمين إذا كان العمل خيراً يثبته في الحال قبل أن ترجع عنه أو تندم على فعله، لأنهم كما قال الله كرام، لا يتمنون لك الأخطاء ولا الذنوب والأوزار، بل يتمنون لك الخير والطيب والعمل الصالح، وكرام لأنهم يتنزهون عن أماكن الفجور والأماكن التي أوجب الله عليك الستر فيها وبها، فإذا دخلت إلى الخلاء لم يدخلاه معك، وإذا نمت مع زوجتك ذهبوا بعيداً عنك حتى لا يطلعوا على عوراتك، وإذا ذهبت إلى مكان قبيح دعوا الله لك أن يهديك ويرجعك عن هذا الغي وعن هذا القبيح، ثم يسجلان العمل بالصوت والصورة والكلمات، كتصوير الفيديو!! لا بل يزيد على ذلك بتكنولوجيا التصوير الربانى !!! يزيد على ذلك لأن صورة الفيديو لا تظهر حركات القلوب وإنما تظهر حركات الجوارح فقط!! لكن الصورة التي يلتقطونها بأمر الله معها نواياك، ومعها طواياك، ومعها خفاياك، لأن الله يقول في هذه الصورة يوم الدين: ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)، تبلى يعني تظهر السرائر التي في القلوب، (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ) (9،10الطارق).
هل هذا وفقط؟ لا!!، ولكن عندما يصورون ويلتقطون لك العمل يحولونه إلى جهات شتى، وكل جهة لها صورة على هيئة معينة. صورة ترفع في الحال إلى عرش الله. أنت تصلي الآن تخرج صورة الصلاة التي صليتها على هيئة ملكوتية، تتكلم وتسمع وتُبصر وتسبّح الله وتكبر الله عزَّ وجلَّ، وتحمل صورتك وهيئتك، حتى تعرج بها في عالم الملكوت، فإذا خرجت هذه الصورة وكانت الصلاة تقية نقية فتحت لها أبواب السماء - وكل رجل منّا لة بابان في السماء، باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه من الله عزَّ وجلَّ - فتفتح لها أبواب السماء وتخرج كما قال سيد الأنبياء صلَّى الله عليه وسلَّم: { إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ إِلَىٰ الصَّلاَةِ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا، قَالَتْ حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، ثُمَّ أُصْعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَلَهَا ضَوْءٌ وَنُورٌ وَفُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ}. - ثم تمشى سماءً تلو سماء حتى تصل الى مستقر عرش الله.
ماذا تفعل هناك؟ تدور حول العرش، وتطوف حوله، تردد ما قلته بين يدي الله في الصلاة؛ مِنْ ذكر وتسبيح وتلاوة للقرآن، وتظل على ذلك إلى يوم القيامة!!، ويكتب لك ذلك كله بأمر الله عزّ وجلّ !!! أين نجد ذلك؟
اسمعوا رسولكم الكريم وهو يقول: { إِنَّ الَّذِينَ تَذْكُرُونَ مِنْ جَلاَلِ اللَّهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وتحْمِيدِهِ وَتَهْلِيلِهِ يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِي النَّحْلِ يُذَكرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، أَفَلاَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ لاَ يَزَالَ لَهُ عِنْدَ الرَّحْمنِ شَيْءٌ يُذْكَرُ بِهِ } - كل صلاة صليتها تظل تصلى لك حول العرش إلى يوم القيامة - فإذا كانت على الهيئة الأخرى؛ { لِغَيْرِ وَقْتِها، ولم يُسْبِغْ لَها وضُوءَهَا، ولم يُتِمَّ لها خُشُوعَها ولا رُكُوعَهَا ولا سُجُودَها، خَرَجَتْ وهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمةٌ تَقولُ: ضَيَّعَكَ الله كما ضَيَّعْتَنِي، حَتَّى إِذا كانَتْ حَيْثُ شاءَ الله لُفَّتْ كما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ ثمَّ ضُرِبَ بِهَا وَجْهُهُ } . هذه صورة.
صورة ثانية تتحول إلى جنة النعيم بحسب تخصيص حضرة القدير عزَّ وجلَّ، لأن الجنة أعطاها لنا الله وجعلها كأرض، ولكل واحد منا فيها نصيب معلوم، غير أن بناء الأرض وتشكيلها وزرعها وبساتينها وحورها يترجم من عملك الصالح الذي ترسله إلى هناك، فالذي يريد أن يُبنى له قصر في الجنة ماذا يفعل؟، عليه أن يبني لله مسجداً، أو يشارك في بناء مسجد، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ بَنىٰ مَسْجِدَاً لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ- يعني: عش طائر - أَوْ أَصْغَرَ بَنىٰ اللَّهُ لَهُ قَصراً فِي الْجَنَّةِ مِنْ دُرَ وَيَاقُوتٍ} ، والذي لا يستطيع، يشارك في بناء المسجد وله هذا الأجر، والذي لا يستطيع يصلي عشر ركعات فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ رَكَعَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بُنِيَ لَهُ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ} . والذي يريد الحور يدفع الثمن يدفع المهر. ما مهرهن؟ قال فيهن صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِخْرَاجُ الْقُمَامَةِ مِن المساجد مُهُورُ الْحُورِ الْعِينِ} ، أي الذي يساعد على نظافة المساجد ولو بالمكنسة الكهربائية أو ولو أن يتصل بهيئة من الهيئات الإستشارية تأتي لتنظفه من الحشرات وتنظفه من الأوبئة وترشه رشاً جيداً ليكون صالحاً للمسلمين والمسلمات.
أما أشجار الجنة وحدائقها فكيفية زراعتها يقول فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم: {غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُو لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّه } ، كيف ذلك يا رسول الله؟ سألوه هذا السؤال فقال: { مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَ لَهُ بِهَا أَلْفُ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ، أَصْلُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَفَرْعُهَا دُرٌّ، وَطَلْعُهَا كَثَدْيِ الأَبْكَارِ، أَلْيَنُ مِنَ الزَّبَدِ، وَأَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ، كُلَّمَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ عَادَ كَمَا كَانَ}
ونخل الجنة وزرعها عندما رآه المختار في ليلة الإسراء والمعراج ليس كزرعنا ولكنه يؤتى ثماره في كل لحظة وتجنيه الملائكة في كل لحظة وكلما حصدوا عاد كما كان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكل هذا الخير يجعل لك في صحيفتك حتى أنه يقول صلّى الله عليه وسلم :
{ مَا تَصَدَقَّ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيبٍ ـ وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيبَ ـ إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَف الرَّحْمنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ} . ولذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم ما معناه :{ إذا مر رضوان على ملائكة الجنة فوجدهم قعوداً! يسألهم لم لا تعملون؟ فيقولون حتى يأتينا الزاد } والزاد هو الذي يقول فيه الله: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ((197البقرة)، فهم يعملون فى بناء القصور للذاكرين الله كثيرا والذاكرات.. ولبناتهم من ذكر الذاكرين !!!
ولكن إذا كان عملاً سيئاً والعياذ بالله حوِّل إلى النار، وجعل منه عذاب صاحبه فيها فقد ضرب النبي المختار صلّى الله عليه وسلم مثلاً لذلك فقال: { مَنْ آتاهُ اللَّهُ مالاً فلمْ يُؤَدِّ زَكاتَه، مُثّلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعاً أقرَعَ له زَبِيبَتانِ، يُطوِّقُه يومَ القيامةِ، ثمَّ يأخذُ بِلِهزِمتَيهِ، يعني شِدْقَيه، ثمَّ يقولُ: أنا مالُكَ، أنا كنزُكَ، ثمَّ تَلَى: وَلا يحْسَبَنَّ الذينَ يَبْخلونَ  (180 آل عمران)}.
فالقبور ليس فيها حيَّات ولكن الأعمال هي التي تتحول، ويقول لمن امتنع عن أداء زكاته واسمعوا: { مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ إِلاَّ جَعَلَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ - وفى رواية: كُلَّـمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ - حَتَّى يَقْضِيَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإمَّا النَّارِ.، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتُنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصاءُ وَلا جَلْحَاءُ كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ مقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ.، وَمَا صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُوْلاَهَا حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ } . ويقال لهم كما قال الله: (هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) (35التوبة).
إذاً العذاب الذي في الجحيم هو العمل الذي تعمله ويتحول لك في صورة عمل يلدغك أو يعاقبك أو يؤذيك في نار جهنم والعياذ بالله عزَّ وجلَّ، ومنه صورة تتوجه إلى عالم البرزخ وهذه الصورة تأتي إليك عندما تكون وحيداً بعد أن ينفض عنك أهلك فإذا كان عملك صالحاً أتاك { رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثيَابِ، طَيبُ الرَّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكِ، هَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَب أَقِمِ السَّاعَةَ، رَب أَقِمِ السَّاعَةَ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي}. وإذا كان من العمل الآخر : { يَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثيَابِ، مُنْتِنُ الريحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّر فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَب لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ، رَب لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ }
أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي هدانا للإسلام وجعلنا مسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، الشفيع الأعظم لجميع الخلق أجمعين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، اللهم صلِّى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير، وادفع عنا الشر ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين.
أما بعد.. فيا إخواني ويا أحبابى ...
كما قلت وكما وضحت الملائكة الكرام يسجلون عملنا ثم ينسخون منه صوراً، هذا ما قال فيه الله: ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (29الجاثية)، نسخة تذهب إلى الله، ونسخة إلى سيدنا ومولانا رسول الله لأنه المدافع الأعظم لجميع المؤمنين، ولابد أن يطلع على ملفات الجميع حتى يدافع صلّى الله عليه وسلم كما قال: { تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُ خَيْراً حَمِدْتُ اللَّهَ، وَإِنْ رَأَيْتُ شَرًّا اسْتَغْفَتُ لَكُمْ } ، ونسخة تذهب إلى العرش وتطوف حوله كما قلت، ونسخة مع الكرام الكاتبين، ونسخة تبقى في الأرض في الموضع الذي عملت فيه العمل، حتى إذا كان يوم القيامة: ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا. وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا. يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (سورة الزلزلة).
ونسخة أخرى تظل مع جوارحك وإن كنا لا نراها إلا أن الله وعالم الغيب يراها، وستشهد عليك بذلك يوم الدين: ( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) (21فصلت)، نسخ كثيرة للأعمال، ومن فضل الله علينا أنه جعل أوقاتاً لعرض هذه الأعمال. كل الذي ذكرناه في رفع الأعمال وهناك فرق بين الرفع والعرض لقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { تُعْرَضُ الاعْمَالُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ إلاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْجُمعَة } ، وقال في الحديث الذي ذكرناه (ذاك شهر تعرض فيه الأعمال على الله عزَّ وجلَّ) هناك عرض في ليلة الاثنين، وهناك عرض في ليلة الجمعة، وهناك عرض في ليلة النصف من شعبان تعرض فيه الأعمال على الله.
ما معنى {تُعْرَضُ}؟. الكرام الكاتبون يرجعون إلى الله مرة أخرى يستشفعون لي ولك، ويقدمون عملي وعملك إلى الله وهم يطلبون من الله أن يعفو عني وعنك عن السيئات والقبائح، وأن يزيد الله عزَّ وجلَّ لي ولك في الخيرات والصالحات والطيبات، فكأن الله يعطينا الفرصة تلو الفرصة ليمحو ما فات من الذنوب والمعاصي والسيئات، وليزيد الخيرات والبركات إذا شكرنا الله عزَّ وجلَّ على أن وفقنا فيها للطاعات.
ولذا كان سلفنا الصالح يتحرون هذه الليالي ليلة الاثنين وليلة الجمعة ويقطعونها في طاعة الله وفي ذكر الله وفي الاستغفار لله، لأنهم يعلمون أن الملف يعرض في تلك الآونة على الله عزَّ وجلَّ، فيرجون من الله في هذا العرض أن يمحو الذنوب وأن يستر العيوب، ومن أجل ذلك كانوا يحيون ليلة النصف من شعبان، يحيونها من بعد غروب الشمس في طاعة الله، وفي تلاوة كلام الله، وفي الاستغفار لله، وفي ذكر الله وفي التسبيح لله وفي التهليل لله، ويستعدون قبل إحيائها بصلة الأرحام، ومهادنة ما بينهم وبينهم خصام، وإخراج حقوق العباد .
لماذا؟ ... لأن الله كما أنبأ رسولكم الكريم يتجلى في تلك الليلة بعد أن يطلع على ملفات خلقه فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن - يعني بينه وبين أخيه خصام - أو قاطع رحم أو زان أو شارب خمر أو عاق لوالديه أو مصر على معصية هؤلاء لا يكتبون في كشوف العفو الإلهي التي يقول فيها حضرة النبي: { إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا. فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ أَلاَ مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ أَلاَ كَذَا أَلاَ كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ } .
فالعرض يعني أن العمل يعرض مرة أخرى على الله ومعه شفاعة ملائكة الله، وعلى الأقل يكون صاحب العمل يقدم إلى الله الاعتذار ويقدم إلى الله الاستغفار ويقدم إلى الله الإنابة. فقد ورد أن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وأرضاه أحيا تلك الليلة تائباً بين يدى الله وفي وقت السحر: { لما رفع رأسه من صلاته ليلة النصف من شعبان وجد رقعة خضرآء قد اتصل نورها بالسماء مكتوب فيها هذه برآءة من النار من الملك العزيز لعبده عمر بن عبد العزيز } ويروى أنه أمسك بهذه الرقعة وجعلها في خزانته ووصى بنيه أن يجعلونها بين جلده وكفنه حتى تكون له شفاعة عند الله عزَّ وجلَّ. ......... << ثم الدعاء >>.

فضل الصلاة على النبي خطبة جمعة

فضل الصلاة على النبي
الحمد لله ربِّ العالمين، خيره لا يحد بأوقات، وفضله لا تحيزه الجهات، وكرمه وخيراته وبركاته تعم جميع البريات، لأنه سبحانه وتعالى واجب الجود، ومفيض الكرم للخلق أجمعين. سبحانه .. سبحانه، لا تنفد خزائنه، ولا تنضب خيراته، وإنما ينُزّل بمقدار لأنه أعلم بمصالح العباد والبلاد.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويقبض ويبسط، لأنه وحده له التصرف في الدنيا والآخرة، وله الحكم في الملك والملكوت وإليه ترجعون. وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أكرمه الله عزَّ وجلَّ برسالته، وجعله رحمته بين خليقته، وجعل الفضل كله والكرم كله في إتباع شريعته، فمن اتبعه سعد في الدنيا، وفاز ونجا في الدار الآخرة، ومن خالف أمره كانت معيشته ضنكاَ، وناله الخزى والبوار يوم لقاء الله في يوم الدين.
اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد، إمام النبيين والمرسلين، والرحمة العظمى للخلائق أجمعين، والشفيع الأعظم عند الهول لجميع المسلمين. اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ عليه صلاة تنفعنا بها يوم الدين، ونكون بها من الآمنين تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، نحن وإخواننا وأبنائنا والمسلمين أجمعين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: من فضل الله علينا في هذا اليوم المبارك الميمون، أن جمع الله عزَّ وجلَّ الخير في هذا اليوم؛ فهو يوم جمعة، ويوم الجمعة يقول فيه صلَّى الله عليه وسلَّم: { في كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ ساعَةٌ، لا يُوافِقُها مُؤْمِنٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ الله شَيْئاً إِلا أَعْطاهُ إِيّاهُ } .
ثم هو أيضاً يوم الإجابة، وكذلك هو يوم من أيام شهر شعبان المبارك، الذي هو شهر الصلاة على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأن آية الصلاة عليه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (56الأحزاب)، نزلت في هذا الشهر المبارك. فقد ذكر الحافظ ابن حجر عن أبي ذر الهروى أن الأمر في الصلاة على النبي يعني بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، كان في السنة الثانية من الهجرة.
فأقصر طريق يوصّل الإنسان إلى معية النبي العدنان هو الصلاة عليه صلَّى الله عليه وسلَّم، والسابقون أجمعون - وهم الأدلاء والمرشدون الذين هيأهم سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليأخذوا بيد السالكين ويوصلوهم إلى محطة الأمان، وإلى جودى الفضل على شاطئ سيد الأولين والآخرين - أجمعوا على أنه ليس هناك طريق على التحقيق للدخول في معية النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أقصر من الصلاة والتسليم عليه صلّى الله عليه وسلم، وهذه المعية شاملة من: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}الأحزاب56، فالله والملائكة!!، ... من فينا لا يريد أن يكون في معية الله عزَّ وجلَّ؟ وفي معية ملائكته عليهم السلام أجمعين؟ ومعية الله، أي: المعية الجامعة لكل كمالات وجمالات الله عزَّ وجلَّ، لأن اسم الله هو الاسم الجامع لجميع الكمالات والجمالات الإلهية. إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ)، لم يقل صلوا، بل قال: (يُصَلُّونَ)، بل دائماً (يُصَلُّونَ)، كيف؟ هذا شيءليس لنا شأن به، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ)، كم مرة؟ لم يحدد.
عندما ذهب الصحابى الجليل سيدنا أبي بن كعب - عندما نزلت هذه الآية - إلى رسول الله وقال له: { يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُكْثِرُ الصَّلاَةَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي. قَالَ: مَا شِئْتَ قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ. قَالَ: مَا شِئْتَ، وَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: فَثُلُثَيْنِ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، وَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ: أَجْعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إذاً يُكْفَى هَمُّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ } وفى الرواية الثانية: { قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ جَعَلْتُ صَلاَتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ؟ قَالَ: إذاً يَكْفِيكَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ }. حديث يفسر الآخر، أي لو شئت جعلت كل وقتك للصلاة عليه بعد الفرائض المكتوبة يقول: يكفيك الله همك ويغفر لك كل ذنبك.
أما كيف يصلي الله؟، وكيف تصلي الملائكة؟، ليس لك شأن بهذا (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، سلم الأمر إليه وليس لك شأن أنت، وأنت عندما تصلِّي عليه هل تعرف كيفية الصلاة عليه؟. واستمع للحديث الذى يروى ...
{ يا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا السَّلامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا في صَلاتِنَا، صلَّى اللَّهُ عليْكَ؟ قال: فَصَمَتَ حَتَّى أَحْبَبْنَا أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَسْأَلْهُ. قال: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَقُولُوا: اللَّهُمْ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبيِّ الأُمِّيِّ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَعَلى آلِ إبْرَاهِيمَ، ... } يعنى ماذا؟ ... يعنى قولوا: اللهم صلِّ، لماذا؟
لأنك لا تعرف أن تصلي فماذا أفعل؟ اعمل توكيل لله عزَّ وجلَّ وهو يصلي، قل: اللهم صلِّ، كيف؟ ليس لك شأن! أنت عليك أن تقول: اللهم صلِّ، وهو يصلي بما شاء وكيف شاء عزَّ وجلَّ، يعني أنني لا أصلي بل أطلب من الله أن يصلي، (اللهم) يعني: (يا الله) صلِّى على سيدنا محمد، كيف تشاء وبما تشاء لأن هذا أمر غيبي، لا يعلمه إلا هو: (وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، كأنني عندما أصلي على النبي الآن، لا تصبح صلاة فقط، بل صلاة وذكر لله، لأنني قبل أن أصلي أقول: (اللهم)، وهذا ذكر، ثم ماذا؟ صلِّ، فأصبحت ذكر الله وصلاة على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصبحت الدليل العملي على حبي لهذا النبي. قال صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث: { مَنْ أَحَبَّ شَيْئَاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ } ، ولذلك لما ذهب رجل إلى السيدة رابعة العدوية رضي الله عنهَا وأرضاها وظل يتكلم عن الدنيا ويطيل فيها فقالت رضي الله عنهَا وأرضاها: لو لا أنك تحب الدنيا لما ذكرتها قال لماذا؟، قالت: لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
قال سفيان الثوري رضِىَ الله عنه" بينما أنا في الطواف إذ رأيت رجلاً لا يرفع قدماً ولا يضع قدماً، إلا وهو يصلِّي على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. فقلت: يا هذا إن هذا الموضع للدعاء والذكر والتسبيح، وأنت تركت ذلك وتشتغل بالصلاة على النبي!! فهل عندك في هذا شئ؟. فقال: من أنت عافاك الله؟، فقلت: أنا سفيان الثوري. فقال: لو لا أنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي، ولا أطلعتك على سري. ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت الله الحرام، حتى إذا كنا في بعض المنازل مرض والدي فقمت لأعالجه، فبينما أنا عند رأسه إذ مات والدي، وأسود وجهه، فجذبت الإزار على وجهه، فغلبتني عيناي فنمت، فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه وجهاً، ولا أنظف ثوباً، ولا أطيب ريحاً، يرفع قدماً ويضع أخرى حتى دنا من والدي، فكشف الإزار عن وجهه ومر بيده على وجهه فعاد وجهه أبيض. ثم ولى راجعاً فتعلقت بثوبه وقلت: من أنت يرحمك الله؟ فقد منَّ الله بك على والدي في دار الغربة. قال: {أو ما تعرفني؟، أنا محمد بن عبد الله صاحب القرآن، أما إن والدك كان مسرفاً على نفسه، ولكنه كان يكثر الصلاة عليَّ، فلما نزل به ما نزل استغاث بي، وأنا غياث من أكثر الصلاة عليَّ}، قال فانتبهت- أى تيقظت من نومى أو غفوتى- فإذا وجهه أبيض.
يا من يجيب دعا المضطر في الظلم
يا كاشف الضر والبلوى مع السقم

شفع نبيك في ذلي ومسكنتي
واستر فإنك ذو فضل وذو كرم

واغفر ذنوبي وسامحني بها كرما
تفضلا منك يا ذا الفضل والنعم

إن لم تغثني بعفو منك يا أملي
وا خجلتي وحيائي منك وا ندمي

وقد وعدت بأن ندعو تجيب لنا
وقد دعونا فجد بالعفو والكرم



إخواني اكثروا من الصلاة على هذا النبي الكريم، فإن الصلاة عليه تكفر الذنب العظيم وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتقي قائلها من عذاب الجحيم، ويحظى في الجنة بالنعيم المقيم.
وقد قيل في بعض الروايات وورد فى الأثر: إن للمصلين على سيد المرسلين عشر كرامات: إحداهن صلاة الملك الغفار، الثانية شفاعة النبي المختار، الثالثة الاقتداء بالملائكة الأبرار، الرابعة مخالفة المنافقين والكفار، الخامسة محو الخطايا والأوزار، السادسة قضاء الحوائج والأوطار، السابعة تنوير الظواهر والأسرار، الثامنة النجاة من النار، التاسعة دخول دار القرار، العاشرة سلام العزيز الجبار.
وروى أبو طلحة رَضِىَ الله عنه قال: { أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ مُسْتَبْشِراً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ إِنَّكَ لَعَلى حَالٍ مَا رَأَيْتُكَ عَلى مِثْلِهَا، قَالَ: وَمَا يمنَعُني؟ أَتَاني جِبْرِيلُ آنِفاً، فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ، أنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلاَةً، كُتِبَتْ لَهُ بها عَشْرُ حَسَنَات، وَكُفِّرَ عَنْهُ بها عَشْرُ سَيئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ بها عَشْرُ دَرَجَات، وَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . أو كما قال: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، مقيل العثرات، وغافر الزلات، ومبدّل السيئات بحسنات لمن وفقه عزَّ وجلَّ للتوبة النصوح. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله برٌّ تواب، لطيف رءوف رحيم بخلقه كما أخبر عن نفسه في كتابه: (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (222البقرة). وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، الرحمة المهداة والنعمة المسداة لجميع خلق الله. اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّمْ، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا، وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد.. فيا أيها الأخوة المؤمنون: روى الإمام ابن ماجة في صحيحه عن الإمام علي رَضِىَ الله عنه وكرم الله وجهه أنه قال: قال صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا} ، فعلى المؤمن الذي يريد فضل الله، ويطمع في رحمة الله، ويستمطر عفو الله، أن يحيي هذه الليلة من الآن، أو من العصر، أو من غروب الشمس مع الله عزَّ وجلَّ، إما بمفرده وإما مع أهل بيته، وإما مع إخوانه المؤمنين، لقول الله عزَّ وجلَّ: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (2المائدة)،
فيجلسون لتلاوة القرآن أو الاستغفار للواحد الحنان المنان، أو للدعاء لأن دعاء الجماعة أقرب للإجابة، فقد يكون فيهم رجلٌ صالحٌ يستجيب له الله، فيستجيب للجميع من أجله، ولا نضيّع في هذا اليوم ولا في هذه الليلة نَفَساً في غير طاعة الله، ثم ننوي الصيام للغد تنفيذاً لأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وطمعاً في رحمة الله عزَّ وجلَّ، فإنه سبحانه وتعالى مقبل على المقبلين، ومعرض عن المعرضين.
ولا يفوتكم في هذه الليلة أن تأخذوا بأسباب الإجابة، فمن كان قاطعاً لرحمه فليصلهم، لأنه لا يُستجاب دعاء من قاطع الرحم، ومَنْ كان عاقاً لوالديه فليبرهما، لأنه لا إجابة لعاق لوالديه، ومن كان مصرًّا على معصية فليتب إلى الله توبة نصوحاً، يندم على ما فعل، ويستشعر في قلبه من الله الخوف والخجل، ويعزم عزماً أكيداً على أن لا يعود إلى هذا الذنب، ويصمم على فعل الطاعات. ولذلك كما قال الله:( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (31النور)، نتوب إلى الله جميعاً فنقول الآن، قولوا وكرروا بعدى:
(تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعلى ما قلنا، وعزمنا على أننا لا نعود إلى ذنب أبداً، وبرئنا من شــرور أنفسنا، وســـــيئات أقوالنا، وقبائـــــح أعمالنا، وكل شئ يخالف دين الإسلام، ونعاهد الله عزَّ وجلَّ على طاعته، وتنفيذ شريعته، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، والله على ما نقول شـهيد، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم). << ثم الدعاء >>.

شهر شعبان والليلة المباركة خطبة جمعة

شهر شعبان والليلة المباركة
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي خلق الليل والنهار، فتتابعت الأيام إثر الأيام، كلها متشابهة، تطلع شمسها وتغيب، ولكن الله اصطفى منها مواسم لرحمته واختار منها أياماً وليالي لنعمه وأفضاله مصداقاً لقوله تعالى: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ ) (68القصص).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مَنْ توكل عليه كفاه، ومن رجع إليه في أمر من الأمور تولاه سبحانه سبحانه هو وحده الذي يشرح الصدور وييسر الأمور فسبحان اللطيف الخبير الذي أنزل لخلقه كل ما فيه نفعهم وشفائهم. وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاة تشرح بها صدورنا، وتزيل بها عنّا غمومنا، وتقضي بها حوائجنا، وتحصننا بها من كل شر، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين. أما بعد ..
فيا عباد الله جماعة المؤمنين: كان العرب يعظمون رجب تعظيماً حتى كان الرجل منهم يلقى قاتل أبيه وقاتل ابنه، فيخشى أن ينظر إليه نظرة غضب فيهتك حرمة الشهر، وكانوا يسمونه رجب الأصم لأنه كان لا يُسمع فيه قعقعة السلاح، ويسمون شعبان العازل لأنه كان بعد رجب مباشرة، وفيه كانت العرب تعود إلى ما كانت عليه من جاهليتها، ولكن الله جلَّ جلاله جعل رجب شهراً حراماً، وجعل شعبان بين رجب ورمضان - الذي عظمه الله بما لا يخفى على مسلم بصريح القرآن - فكان شعبان بين شهرين عظيمين.
ومن فضائل شهر شعبان أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يتقرب إلى الله فيه بما لا يتقرب في غيره من الشهور، حتى ورد أنه صامه إلا أقلَّه، فعن أسامة بن زيد رضِىَ الله عنه أنه قال: { قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ: ذلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَـــــيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } ، وورد عن السيدة عائشة رضِىَ الله عنها قالت:{كَانَ رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَصُومُ حَتى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتى نَقُولَ لاَ يَصُومُ، وَمَا رَأيْتُ رَسُولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم اسْتَكْمَلَ صِيَامُ شَهْرٍ قَطُّ إلاَّ رَمَضَانَ وَمَا رأيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ في شَعْبَان}
وقد فسر بعض العلماء قول الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ) (3الدخان) ، بأنها ليلة النصف من شعبان، وقالوا: إن السفرة الكرام استنسخوا القرآن من أم الكتاب في أربعين يوماً، ابتدءوا في ليلة النصف من شعبان، ثم بعد الأربعين يوماً نزل إلى سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نجوماً بحسب الأحداث على ثلاث وعشرين سنة، وكان نزوله إلى سماء الدنيا من أم الكتاب - بعد نسخه في الألواح - ليلة القدر بعد مضي الأربعين ليلة وبذلك نجمع بين قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وبين (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ) ، فإنزاله الأول إنزاله من أم الكتاب لينسخه السفرة الكرام وهو في ليلة مباركة، التي هي النصف من شعبان، وإنزاله الثاني إلى سماء الدنيا في ليلة القدر كما أخبر الله تعالى.
وقد أجمع المسلمون جميعاً أن الله خص بفضله أفراداً من عباده الصالحين، وأمكنة خاصة وأزمنة خاصة، فجعل في الأسبوع يوماً وهو يوم الجمعة وفي السنة شهراً للصيام وأربعة أشهر حرم، وخص ليلة الإسراء بحبيبه، فلا حرج على فضله أن يخص ليلة النصف من شعبان في كل عام بفضيلة استجابة الدعاء وقبول التوبة ممن يتوب والعفو عن كثير من المذنبين، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. لا يمنع هذا الفضل العظيم إنكار من أنكر فقد ذكر فضلها الإمام أبو طالب المكي - وهو من أئمة السلف الصالح الصادقين في الفضل والرواية - في كتابه (قوت القلوب): أن ليلة النصف من شعبان كان يعتني بها أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويجتمعون لصلاة النوافل جماعة، إحياءً لها والتماساً لخيرها، فقد ورد أن فيها تُرفع الأعمال، وتقدر الأرزاق والآجال، وقد ورد فيها الدعاء المأثور الذي يلتمس فيه الداعي خفى اللطف في قدر الله، ولله تعالى فيها نظرات إلى خلقه: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (39الرعد).
كما أورد الإمام أبو طالب المكي أن السلف الصالح رضِىَ الله عنه كانوا يحيون ليلة النصف من شعبان، وكانوا يصلون فيها مائة ركعة يأملون فيها الخير، أما اجتماع الناس في ليلة النصف من شعبان في المساجد وقت صلاة المغرب، وما يقومون به من الصلاة وقراءة (يس) والأدعية، فبدعة محدثة لا بأس بها، لأن الدعاء سنة، والاجتماع للصلاة والدعاء مشروع عند المقتضيات كالاستسقاء والخسوف والكسوف.
فإذا اعتقد الناس أن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان كما بيّن ذلك بعض المفسرين، فالاجتماع حسن مرغوب فيه، وعلى قول من يقول أن الليلة هي ليلة القدر، فالاجتماع في هذه الليلة يكون لذكر الله. وصيام يوم النصف من شعبان لغير معتاده، إن قصد به التقرب إلى الله تعالى، أو التشبه ببعض الصالحين فهو مباح، وإن نوى به السنة فهو مكروه، اللهم إلا إذا ثبت بطريق صحيح أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صامه. وللمسلم الخيار في صيام أي يوم إلا يوم الشك ويوم العيدين.
من هذا استحسن للمسلمين عامة في كل أنحاء البلاد، أن يجعلوا لليلة النصف من شعبان قسطاً وافراً من الإقبال على الله والمسارعة لإحيائها، فيصومون نهارها ويقومون ليلها اقتداءً بهدى السلف الصالح، ويكثرون فيه التبتل والتضرع والقنوت لله تعالى.
وعندي أنّ من الخير في هذه الليلة صلة الرحم وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران والعفو عمن آذى، وطلب العفو من المظلوم، والتقرب إلى الله ببذل فضل المال إلى الفقراء، حتى يكون تقرب إلى الله بماله ونفسه، وبذل في سبيل الله ما يبخل به غيره، وبذلك أبشره أنه صار ممن يحبهم الله تعالى بدليل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: {لا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا. فَإِنْ سَأَلَنِي عَبْدِي، أعْطَيْتُهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي، أَعَذْتُهُ} . أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، المتوحد بجلال البهاء، المنفرد بدوام البقاء، المتعالي عن الزوال والفناء، المقدس عن الآباء والأبناء، المتردي برداء العظمة والكبرياء، العليم بجميع الأشياء، الذي جلَّ عن الابتداء والانتهاء، العليم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُعزُّ من أطاعه واتبع هداه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، النبي المفضَّل، والرسول المبجَّل، صاحب الوصف الأكمل، الذي أوتي جوامع الكلم، وخُصَّ بالفضل والعلم والعقل والأنفال صلوات الله وسلامه عليه. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: الأولى أن نحيي تلك الليلة، وأن نحسن الظن بحملة الحديث ورواته، ونطمع أن ننال الخير الذي ورد عن السيدة عائشة رَضِي الله عنهَا حيث قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ } ، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: { إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة، إلا الكاهن والساحر ومدمن الخمر وعاق والديه والمصر على الزنا}، وقال عليه الصلاة والسلام: {من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك، ثلاثين يبشرونه بالجنة، وثلاثين يؤمنوه من عذاب النار، وثَلاثين يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان } .
وعن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: {إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلاَ مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ، أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلاَ كَذَا أَلاَ كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ} .
وحكى عن عائشة رضِىَ الله عنهَا قَالَتْ: { قَامَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى فَأَطَالَ السُّجُودَ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ قُبِضَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذلِكَ قُمْتُ حَتَّى حَرَّكْتُ إبْهَامَهُ فَتَحَرَّكَ فَرَجَعْتُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخْطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ إلَيْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ". فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَفَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَوْ يَا حُمَيْرَاءُ أَظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيَّ قَدْ خَاسَ بِكِ؟» قُلْتُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ قُبِضْتَ لِطُولِ سُجُودِكَ، فَقَالَ: «أَتَدْرِينَ أَيُّ لَيْلَةٍ هذِهِ؟. قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «هذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَطَّلِـعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، وَيَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ، وَيُؤَخِّرُ أَهْلَ الْحِقْدِ كَمَا هُمْ}.
كما روى ابن ماجة في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رَضِىَ الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: { إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ. فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ. إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ } .... << ثم الدعاء >>.

ليلة الإجابة خطبة جمعة

ليلة الإجابة
الحمد لله ربِّ العالمين، جعل للخير أوقاتاً، وللبر آنات، وللفضل مناسبات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده وحده كنوز الخيرات، وبإذنه تفاض النفحات. سبحانه .. سبحانه، إله انفرد بالعزة والجبروت، والعظمة والنعموت، وكل ما سواه من خلقه يفنى ويموت، وهو سبحانه وتعالى الحي الذي لا يموت. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، هداه الله إلى أنوار حضرته، وبيَّن له طرق القرب الموصلة إلى بحار رحمته، ودلَّه على كل سبب يوصل إليه. صلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون: ونحن في هذا اليوم الكريم، وفي هذا الشهر العظيم، تلوح لنا إجابة الرحمن لسيد ولد عدنان في هذه الليلة التي نحن مقبلون عليها الآن، ولا غرو إذ سماها سلفنا الصالح ليلة الإجابة، فقد أجيب فيها رسولكم الكريم من الله مرتين: مرة في مكة المكرمة ومرة في المدينة المنورة.
أما المرة الأولى فعندما قال له أهل مكة: سَلْ ربَّك أن يُظهر لنا آية نراها بأعيننا حتى نؤمن بما جئت به، فتضرع إلى الله، وفوّض أمره كله إلى الله، فلما كانت ليلة النصف من شعبان نزل عليه أمين الوحي جبريل عليه السلام وقال له: قل لهم يا محمد لو اجتمعوا هذه الليلة يروا آية. فأعلن ذلك على الملأ للمشركين ودعاهم للاجتماع عند البيت الحرام بعد غروب الشمس وسطوع القمر، واجتمعوا عند الصفا وقد طلع القمر - والقمر كما تعلمون يكون في هذه الليلة بدراً كاملاً قد بلغ التمام، لأنها ليلة الرابع عشر أو الخامس عشر على بعض الأقوال - وعندما اجتمعوا قالوا: يا محمد أين الآية؟، فأشار إلى القمر بإصبعه الشريف فانشق نصفين، نصف على جبل الصفا ونصف على جبل المروة، فلما رأوا الآية بهتوا من شدة ما رأوا، ولم يصدقوا أنفسهم، فأغمضوا أعينهم ثم فتحوها فوجدوا الأمر كما هو عليه؛ القمر وقد انشق نصفين ظاهرين لكل ذي عينين، نصف على الصفا ونصف على المروة، فذهبوا إلى مكة ورجعوا مرة أخرى وهم يقولون ما هذا إلا سحر مستمر. فلما عادوا وجدوا الأمر على ما هو عليه، قال العقلاء منهم: إن كان الأمر كما يقول فانتظروا حتى يأتي أهل الآفاق، واسألوهم إن كانوا قد رأوا القمر منشقاً في جهتهم فتلك والله آية، وإن كانوا لم يروا القمر منشقاً ولم يظهر إلا في مكة فهذا هو السحر بعينه، ولبثوا قليلاً وجاء الأفاقون فسألوهم: فصدّقوا وقالوا لقد رأيناه في تلك الليلة منشقاً. وفي ذلك يقول أحكم الحاكمين: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ. وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ) (1- 3القمر).
هذه كانت إجابة الله لحبيب الله عندما تحدَّى هؤلاء القوم، ومع ذلك فإنهم لم تسبق لهم من الله العناية، ولم تكتب لهم - في سابقة الحسنى الأزلية - الهداية، بل ما زادوا إلا عناداً وإصراراً وخيلاء واستكباراً، وقالوا إن هذا إلا سحر يؤثر يا محمد، لقد شيبتنا بسحرك.
أما الآية الثانية من آيات الله لرسول الله - والتي تمت في هذه الليلة المباركة - فقد كانت بعد هجرته للمدينة المنورة صلوات الله وسلامه عليه، فعندما فُرضت عليه الصلاة وهو في مكة كان يتحرى أن يصلي وأمامه البيت الحرام في اتجاه بيت المقدس، فيستقبل القبلتين في وقت واحد، يقف وأمامه البيت الحرام في الاتجاه الذي يظهر خلف البيت فيه بيت المقدس، فلما هاجر للمدينة المنورة وتعذر عليه أن يجمع بين القبلتين - لأن الشام في اتجاه ومكة في اتجاه آخر، ولابد أن يتجه لقبلة واحدة منهما فقط - فاتجه إلى بيت المقدس قبلة الأنبياء، ولكنه كان في قلبه يحنُّ إلى قبلة الخليل عليه السلام، وأخذ يتضرع إلى الله، ويقلب قلبه بين يدي الله، ويوجه لسانه مستمطراً رحمة الله، يرجو من الله أن يوجهه إلى قبلة أبيه الخليل.
فلما كان هذا اليوم - وهو ما يوافق اليوم الذي نحن فيه الآن، ويوافق الوقت الذي نحن فيه الآن، لكنه لم يكن يوم الجمعة - وكان في صلاة الظهر وكان يصلي في بني سالم بن عوف لانشغاله في بعض أمورهم، وعندما حان وقت الصلاة صلَّى بهم وكان صلَّى الله عليه وسلَّم أينما أدركته الصلاة يصلِّي، حتى أنه كان في سفر وحان الوقت وليس معه ماء فتيمم، وأمر بالآذان للصلاة، فقال بعض الحاضرين وكان عالماً بالطريق: يا رسول الله، بيننا وبين الماء ميل واحد فانتظر حتى نصل إلى الماء ثم نتوضأ ونصلي، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم معلِّماً له ولنا: {وما يدريك لعلَّني لا أبلغه؟!!}، أي لعلني لا أصل إليه!!، وهذا تعليم لنا جماعة المؤمنين. فإذا كنت في مصلحة أو في عمل وأذن الظهر ماذا نعمل؟ إن أغلبنا يقول انتظر حتى أرجع إلى المنزل واخلع ثيابي ثم أتوضأ وأصلي، لكن رسول الله يقول: { أينما أدركتكم الصلاة فصلوا } . إذا أدركتك الصلاة في العمل فصلِّ في العمل، وإذا أدركتك في الطريق فصلِّ في الطريق، فقد جعل الله لكم الأرض مسجداً وتربتها طهورا، فإذا أدركتك حتى ولو كنت في السوق فصلِّ لله سبحانه وتعالى، فإن ذاكر الله في السوق كالشجرة الخضراء في وسط حديقة جافة يابسة.
فلما كان في صلاة الظهر في بني سالم وصلى الركعتين الأوليتين متجهاً إلى بيت المقدس، وقام ليصلي الركعة الثالثة فنزل عليه أمر الله: )قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ) (144البقرة)، فغيَّر وجهته إلى البيت الحرام، وغيَّر أصحابه خلفه وجهتهم إلى البيت الحرام، وهذه هي الصلاة الوحيدة في الإسلام التي صلاها المسلمون نصفها إلى بيت المقدس ونصفها إلى البيت الحرام، إجابة لدعوة النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
وهذا ما حدا بالعلماء العاملين والأئمة المهتدين أن يحيوا هذه الليلة بالطاعة والدعاء والإلحاح في الدعاء والتوبة الصادقة لأنهم تفرسوا فيها الإجابة من هاتين الحادثتين، ومن الحادثة الأخرى التي روتها السيدة عائشة رضِىَ الله عنهَا، قالت: { كانت ليلة النصف من شعبان ليلتي، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عندي، فلما كان في جوف الليل، فقدته فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة، فتلفعت بمرطي، فطلبته في حجر نسائه فلم أجده، فانصرفت إلى حجرتي، فإذا أنا به كالثوب الساقط وهو يقول في سجوده: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، فهذه يدي وما جنيت بها على نفسي، يا عظيم يرجى لكل عظيم، يا عظيم اغفر الذنب العظيم. سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره، ثم رفع رأسه، ثم عاد ساجدا، فقال: أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك، أنت كما أثنيت على نفسك، أقول كما قال أخي داود: أعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق له أن يسجد. ثم رفع رأسه فقال: اللهم ارزقني قلباً تقيًّا، من الشر نقيًّا، لا جافيًّا ولا شقيًّا، ثم انصرف. فدخل معي في الخميلة ولي نفس عال، فقال: ما هذا النفس يا حميراء؟ فأخبرته، فطفق يمسح بيديه على ركبتي ويقول: ويح هاتين الركبتين ما لقيتا في هذه الليلة، هذه ليلة النصف من شعبان، ينزل الله فيها إلى السماء الدنيا، فيغفر لعباده إلا المشرك والمشاحن}.
ولذلك علينا جماعة المسلمين أن نغتنم هذه الفرصة لنتوب إلى الله مما ارتكبناه، ونتضرع إليه أن يمحو خطايانا وأن يبدل سيئاتنا بحسنات، ثم ندعوه سبحانه وتعالى بخير الدعاء، وهو التوفيق للأعمال الصالحة حتى الممات. فاستكثروا من الباقيات الصالحات في هذه الليلة، وناجوا ربكم بكلامه، وتملقوا إليه بإنعامه، وأقبلوا عليه بقلوبكم، وافعلوا من أنفسكم الخير لعله سبحانه وتعالى ينظر إلينا نظرة حب وحنان فيبدل ما نحن فيه، فهو سبحانه وتعالى على كل شئ قدير وبالإجابة جدير.
قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { يَسِحُّ اللَّهُ عزّوجلّ الْخَيْرَ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ سَحًّا: لَيْلَةَ الأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَلَيْلَةَ النصْفِ مِنْ شَعْبَانَ يُنْسَخُ فِيهَا الآْجَالُ وَالأَرْزَاقُ وَيُكْتَبُ فِيهَا الْحَجُّ، وَفِي لَيْلَةِ عَرَفَةَ إِلى الأَذَانِ } ، وقَالَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: { خَمْسُ لَيَالٍ لاَ تُرَدُّ فِيهِنَّ الدَّعْوَةُ: أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةُ النَّحْرِ } ، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: { إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلاَ مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ، أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلاَ كَذَا أَلاَ كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ، أو قاطع رحم أو عاق لوالديه، أو مصر على معصية، أو شارب خمر أو زان } ،
أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد.. فيا أيها الأخوة المؤمنون: عليكم بالإكثار من الأعمال الصالحة فإنها والله هي التجارة الرابحة.
ومن المصادفات العجيبة التي تمت في تلك الليلة ما روي في سند توبة مالك بن دينار التابعي الجليل رَضِىَ الله عنه وأرضاه، فقد كان مشتغلاً باللهو مقبلاً على الملذات، غافلاً عن الطاعات ناسياً لمولاه ولما سأل عن سبب توبته - كما روى ابن الجوزي في كتاب التوابين - قال: كنت شرطياً، ثم إني اشتريت جارية نفيسة ووقعت مني أحسن موقع وولدت مني بنتاً فشغلت بها، فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حباً، وألفتني وألفتها! فلما تمت سنتان ماتت فأكمدني حزنها. فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة جمعة رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت، ونفخ في الصور وبعثر من في القبور وحشر الخلائق وأنا معهم، فسمعت حساً فالتفت فإذا أنا (بتنين) عظيم أسود أزرق قد فتح فاه مسرعاً نحوي، فمررت بين يديه هارباً فزعاً مرعوباً، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فردَّ السلام، فقلت له: أيها الشيخ أجرني من هذا التنين أجارك الله عزَّ وجلَّ، فبكى وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني مرْ وأسرع فلعل الله أن يقيد لك ما ينجيك منه.
فوليت هارباً على وجهي، فصعدت على شرف من شرف القيامة، فأشرفت علي طبقات النيران فكدت أن أقع فيها من فزعي، فصاح صائح أن أرجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله ورجعت ورجع التنين في طلبي، فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل، فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف، ولكن سرْ إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع للمسلمين، فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك، فنظرت إلى جبل مستدير من فضة فيه طاقات مخرقة وستور معلقة، وعلى كل طاقة مصراعان من الذهب الأحمر، متصلة بالياقوت مكفوفة بالدر، وعلى كل مصراع ستر من الحرير، فلما نظرت إلى الجبل هرولت إليه والتنين من ورائي حتى إذا قربت منه، صاح بعض الملائكة الموكلين بالجبل، عليهم السلام: ارفعوا الستور، وافتحوا المصاريع واشرفوا، فلعل لهذا البائس بينكم وديعة تجيره من عدوه.
فلما فتحت المصاريع وأشرفوا عليَّ رأيت أطفالاً كالأقمار، وقرب التنين مني فحرت في أمري، فصاح بعض الأطفال ويحكم اشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه فأشرفوا، فوجاً بعد فوج، فإذا بابنتي التي قد ماتت نظرت إلي وبكت وقالت: أبي والله، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى صارت عندي، ومدت يدها الشمال إلى يدي اليمين فتعلقت بها، ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هارباً، ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى على لحيتي وقالت: يا أبت، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)؟، فبكيت وقلت: يا بنيتي وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت نحن أعرف به منكم، قلت أخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني، قالت: ذلك عملك السئ، قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم. قلت: والشيخ الذي رأيته، قالت: ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم تكن له طاقة بعملك السئ، فقلت: يا بنيتي ما تصنعون في هذا الجبل؟، قالت: أطفال المسلمين قد أسكنوا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم. قال مالك بن دينار: فانتبهت فزعاً مرعوباً فكسرت آلات المخالفة وتركت عنى جميع ذلك، وعقدت مع الله توبة نصوحاً فتاب عليَّ سبحانه وتعالى .
فعليكم جماعة المؤمنين بالإقبال على الصالحات، واغتنموا حياتكم قبل الممات، وشبابكم قبل هرمكم، وصحتكم قبل مرضكم، فإن الإنسان إذا خرج من الدنيا - كان كما قال الله: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (88-89الشعراء).
<< ثم الدعاء >>.

رفع الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى خطبة جمعة

رفع الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى
الحمد لله ربِّ العالمين، اللهم لك الحمد كما تحب وترضى، لا نحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، عزَّ جارك، وجلَّ سلطانك، ولا إله غيرك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أعطاه الله وقربه وأدناه، وما زال يعطيه حتى أنزل في حقه صلّى الله عليه وسلم: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (5الضحى). اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون.. ونحن في شهر الحبيب المختار صلَّى الله عليه وسلَّم؛ شهر شعبان الذي يتشعب ويتفرع فيه الخير لعباد الله المؤمنين، وقد أحياه رسولكم الكريم بصنوف الطاعات وأنواع القربات، وبيَّن أنه شهر كريم عظيم على الله عزَّ وجلَّ، فكان يحييه تارة بالصيام، ومرة بالقيام، ومرة بتلاوة القرآن، ومرة بزيارة البقيع والترحم على موتى المسلمين، ومرة بالتصدق على الفقراء من المسلمين، وعندما سئل صلَّى الله عليه وسلَّم عن سرِّ اهتمامه بهذا الشهر قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { ذلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } .
إذن فهو شهر رفع الأعمال، ورفع الأعمال على صحيح الأقوال يتم في هذه الليلة التي نحتفي بها اليوم في ليلة النصف من شعبان، فإن هذه الليلة يتجلى فيها الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم على اللوح المحفوظ - الذي حفظه الحفيظ من التبديل والتغيير - فيظهر فيه كل شئ يتعلق بالكائنات إلى مثل هذا الوقت من العام القادم إن شاء الله.
فتتسارع الملائكة، كل منهم ينسخ وينقل ما هو مكلف به، ملك الموت ينسخ الأموات وأعمارهم وأوقاتهم وآجالهم والهيئة التي يأخذهم بها ويقبضهم عليها كما حددها العزيز الحكيم عزَّ وجلَّ، ولذا يقول سيدنا عبد الله بن عباس رضِىَ الله عنه: { إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، نَسَخَ المَلَكُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ شَعْبَانَ إِلى شَعْبَانَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَظْلِمُ، وَيَتَّجِرُ وَيَنْكَحُ النسْوَانَ، وَقَدْ نُسِخَ اسْمُهُ مِنَ الأَحْيَاءِ إِلى الأَمْوَاتِ، مَا مِنْ لَيْلَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفْضَلُ مِنْهَا }
ملك الأرزاق يأخذ نسخ الأرزاق التي تجلى له بها حضرة الرزاق، ويأمر الملائكة الذين يرأسهم أن يوزعوا هذه التعليمات على أصحابها، فيمشي الإنسان، ويسعى الإنسان، ويجدُّ الإنسان ولا يحصل إلا على ما قدره له الرزاق الكريم عزَّ وجلَّ.
وروى فى الأثر أن ربَّ العزة قال : { يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً، وسلطاني لا ينفد أبداً. يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبداً. يا ابن آدم لا تأنس بغيري، وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني، وإن أنست بغيري فتك وفاتك الخير كله. يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وقسمت رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، ومن أقل منه فلا تجزع، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك فو عزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك، وكنت عندي مذموماً. يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع ولم أعي بخلقهن، أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب. يا ابن آدم أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محباً. يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد، فإني لم أنس من عصاني، فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط}.
فالقدير عزَّ وجلَّ يكشف ألوح التقدير في هذه الليلة حتى يحصل أهل الدواوين الإلهية على التكليفات التي يكلفهم بها ربُّ البرية عزَّ وجلَّ. ديوان الأرزاق رئيسه ميكائيل عليه السلام، وديوان الهواء والأنفاس والصحة رئيسه إسرافيل عليه السلام، وديوان الآجال والأعمار ورئيسه عزرائيل عليه السلام، وديوان الإيمان والتقى والإلهام والرؤيات الصالحة والمبشرات المنامية والإلهامات القدسية والعلوم اللدنية ورئيسه جبرائيل عليه السلام. دواوين ودواوين يقول فيها الحميد المجيد: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) (31المدثر).
كل واحد يسارع إلى نقل تكليفه الذي يكلف به خلال العام في هذه الليلة المباركة من العام، ولذا لو كُشف القناع عن عين قلبك لرأيت السموات تعج بالحركة الكثيفة الكثيرة في تلك الليلة، الملائكة من كل صنف ومن كل لون مشغولون في تلك الليلة بنقل أعمالهم وأحوالهم ومهماتهم التي كلفوا بها من العلي القدير عزَّ وجلَّ. وأيضاً الملائكة الذين يصحبوننا فإننا جميعاً يتعاقب فينا ملائكة بالليل وبالنهار، عن اليمين وعن الشمال قعيد: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (18ق). يتناوبون معنا؛ إثنان منهم معك من الفجر إلى العصر وإثنان آخران معك من العصر إلى العشاء، وإثنان آخران معك من العشاء إلى صلاة الفجر، فإذا نمت وقف أحدهم عند رأسك والآخر عند قدميك، وصاحب اليمين رئيس على صاحب الشمال، يحصون حركاتك، ويكتبون جميع إشاراتك، إذا كانت حركة بالعين، أو حركة باللسان، أو حركة باليدين، أو حركة بالرجلين، أو حركة بعضو الذكورة - كل حركاتك وسكناتك يكتبونها ويقيدونها، وإن كانوا يتلقونها ويعرفونها أيضاً في ليلة النصف من شعبان. ولذا يقول الله في شأنهم: (كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (11-12الانفطار).
يعلمون مقدماً - بتعليم الله لهم - الأفعال التي ستفعلونها في هذه الحياة قبل أن يكتبوها، فإذا نمت ختموا عمل هذا اليوم وأحصوا ما فيه من حسنات وما فيه من زلات وهفوات لم نتب منها، لأنهم من كرمهم كما وصفهم الله (كِرَاماً)، إذا عمل الإنسان الطاعة سارعوا في قيدها وتسجيلها قبل أن يندم عليها، وإذا فعل معصية أمهلوه لمدة ست ساعات لعله يتوب أو لعله يرجع أو لعله يندم أو لعله يأسف أو لعله يضرع إلى الله، فلا يقيدون عليه هذا الذنب إلا إذا أصر عليه ولم يقدم طلباً إلى الله يرجو فيه أن يتوب عليه من هذا الذنب، ثم يرفعون العمل ويكتبون منه عدة نسخ، نسخة تعرض على حضرة الله، ونسخة تعرض على سيدنا ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولذا يقول صلَّى الله عليه وسلَّم: {تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُ خَيْراً حَمِدْتُ اللَّهَ، وَإِنْ رَأَيْتُ شَرًّا اسْتَغْفرَتُ لَكُمْ } .
فلكل مسلم هناك صورة من ملف أعماله عند سيدنا رسول الله، وكل حركة وكل سكنة وكل طاعة وكل عمل تعمله يحرر منه نسخة فورية وتتجمع في ختام اليوم وتذهب إلى خير البرية صلوات الله وسلامه عليه، لأنه الشفيع والمحامي والمدافع الذي يدافع عنك يوم القيامة، والمحامي لابد أن يطلع على ملفات القضية كلها حتى يدافع بحق أمام محكمة ملك الملوك عزَّ وجلَّ عني وعنك. وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { شَفَاعَتِي لأهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أمَّتِي } .
ونسخة ثالثة تذهب إلى ديوان الأعمال، وديوان الأعمال تحت عرش ذي الجلال والإكرام في مكان يسمى سدرة المنتهى، لكل واحد منا قسم خاص به في ديوان الأعمال، ولكل واحد منا باب خاص به في السموات ينزل منه رزقه ويصعد منه عمله، ولا يغلق هذا الباب إلا إذا خرج النفس الأخير وغادر الدنيا وسافر إلى الدار الآخرة. وانظروا إلى عجائب قدرة الله لتعلموا عظم ملك الله، كيف أنه لكل مخلوق منذ آدم عليه السلام إلى يوم القيامة باب خاص به في السموات لا يُفتح إلا إذا وجد، ولا يغلق إلا إذا سافر، ولا يُفتح لغيره لأنه باب خصّه به ملك الملوك عزَّ وجلَّ، وهذا الباب خط بينك وبين ديوان الأرزاق والأعمال، كل ما لك عند الله يأتيك عن طريق هذا الخط، وكل ما تعمله يُرفع إلى الله عن طريق هذا الخط.
ونسخة رابعة من الصالحات فقط يحولونها لك إلى رصيدك في جنات النعيم، فإن كل واحد منا فتح له المولى الكريم حساباً عند الله عزَّ وجلَّ في دار النعيم يُحوّل إليه طاعاته وتُترجم فيه حسناته، وتتحول الطاعات والقربات إلى العملة الباقية في الآخرة وهي الحسنات، وتظل في هذا البند إلى يوم الميقات.
ونسخة خامسة بالمخالفات والزلات والمعاصي والكبائر والقبائح وتتحول إلى دار جهنم والعياذ بالله، إلى التحريات الإلهية وإلى النيابة العلوية في هذه الدار. فإذا تاب العبد حُفظ الملف وحُفظ المحضر الذي حُرر بهذا الذنب وبهذه السيئة، وإذا لم يتب يجمع الملك الموكل به - وكيل النيابة الإلهية الموكل به - يجمع محاضر مخالفاته وجرائمه وسيئاته حتى يعرضها على محكمة ملك الملوك يوم الدين، فإذا خرج وكانت سيئاته أكثر من حسناته، أمرت النيابة الإلهية ملائكة العذاب أن يقبضوا عليه ويضعوه في سجين في سجون البعد عن ربِّ العالمين إلى حين وقت المحكمة الإلهية، وإذا كانت حسناته أكثر من سيئاته أمر الحرس الجمهوري الإلهي في جنات النعيم أن تخرج إليه تشريفة من جنات النعيم تتلقاه بالتعظيم والتكريم وتجلسه في روضة من رياض النعيم إلى يوم أن يلقى الكريم ليكرمه في يوم التكريم والتعظيم.
يفعلون هذا بالسجلات كل ليلة، فإذا كان يوم الخميس من كل أسبوع جمعوا عمل اليوم وأعادوا الكرّة وكتبوا نسخاً بعدد الأسبوع، فإذا كان ليلة النصف من شعبان فالملائكة الذين معي والذين معك الآن يقومون بالجرد السنوي لأعمالك كلها منذ شعبان الماضي إلى هذا اليوم، يسجلون الطاعات والقربات بأحرف من نور خالق الأرض والسموات، ويسجلون المعاصي والزلات بأحرف ظلمانية من جهنم والعياذ بالله، ثم يرفعونها في هذه الليلة إلى الله عزَّ وجلَّ، ولذا وصانا النبي الكريم أن نقضي هذا اليوم وهذه الليلة في التوبة إلى الله وفي التضرع إلى الله وفي الاستغفار مما جنيناه حتى تُحفظ ملفات خطايانا وقضايانا ولا يكون لنا إلا ما ادخرناه في بنك مولانا عزَّ وجلَّ: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ) (96النحل).
يجلس الإنسان في هذا اليوم ينظر فيما عليه من الديون لله عزَّ وجلَّ وهو كريم وعفو ورحيم، إذا تاب العبد ماذا يفعل؟ يقول الله كما ورد بالأثر: {بشرى يا ملائكتي فقد اصطلح عبدي معي، افتحوا أبواب السموات لقبول توبته ولدخول أنفاس حضرته فلنفس العبد التائب عندي يا ملائكتي أعزُّ من السموات والأراضين ومن فيهن}. يفرح التواب على العبد إذا تاب، ويسارع العفو للعفو عمن رجع إلى الله بالتوبة وحسن المآب، ويسارع الغفور فيغفر لمن طلب منه المغفرة في هذا اليوم الكريم - يوم التوبة والمغفرة، بل إن كرمه يتجاوز الحدود فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ لاَ إِلهَ إلا الله أَتَتْ إِلَى صَحِيفَتِهِ فَلاَ تَمُرُّ عَلَى خَطِيئَةٍ إِلاَّ مَحَتْهَا حَتَّى تَجِدَ حَسَنَةً مِثْلَهَا فَتَجْلِسَ إِلَى جَنْبِهَا } ، تمحو كل الذنوب والعيوب حتى تصل إلى الحسنة السابقة، إكراماً من علام الغيوب عزَّ وجلَّ.
فسارعوا في هذا اليوم بالتوبة إلى الله والإقبال على الله حتى ترفع أعمالكم إلى الله وقد محيت سيئاتكم وقد تبدلت أوزاركم، وقد تضخمت ونمت وزادت أعمالكم وحسناتكم وقرباتكم، فإن الله إذا علم صدق توبة عبده لا يكتفي بغفران الذنوب بل يمحو الذنوب ويضع بفضله مكان كل ذنب حسنة: (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (70الفرقان). حسنة لم تعملها ولم تفعلها ولكن هي تفضل من الكريم لصدقك في التوبة لله عزَّ وجلَّ. قولوا جميعاً: تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا وعلى ما قلنا، وعزمنا على أننا لا نعود إلى ذنب أبداً، وبرئنا من سيئات نفوسنا، وقبائح أعمالنا، وزلات ألسنتا، وعزمنا على طاعة الله ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وعلى الله قصد السبيل، والله على ما نقول وكيل. (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (31النور)، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: {التائب حبيب الرحمن، والتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ} ، أو كما قال، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبد الله ورسوله. اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا، وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا أيها الأخوة المؤمنون:
كان من جلال قدرة الله، ومن رأفة الله بعباده المسلمين والمؤمنين في هذه الليلة المباركة التي فيها أكرم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فشق له القمر نصفين وهو في مكة، آية للكافرين ومعجزة للمبعدين، وكان من كرم الله عليه في المدينة أن حوَّل له القبلة في هذا اليوم من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة قبلة إبراهيم عليه السلام، فأرضاه وقال له: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ) (144البقرة). وأكرمه في هذه الليلة بقبول شفاعته في الأمة كلها صغيرها وكبيرها، صالحها وطالحها، برّها وفاجرها، لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم الرحمة المهداة والنعمة المسداة لجميع خلق الله، فلله دَرّ رجال تابوا إلى الله وأكثروا من أعمال التائبين، ومن أحوال المنيبين وحَلّوا أنفسهم بحلَّة الخاشين الخاشعين لله ربِّ العالمين.
فإذا أتت ليلة النصف من شعبان فهموا الإشارة من تحويل القبلة وهي أن الإنسان إذا كان طوال العام قبلته دنياه، أو قبلته حظه وهواه، أو قبلته شهواته ومطامعه، أو قبلته آماله الفانية الكاسدة، أو همُّه كله العلو في الأرض بغير الحق، فبعد نصف شعبان يتجه بالكلية إلى حضرة الديان استعداداً لشهر رمضان، لأنه شهر الكرم وشهر الجود وشهر الخيرات لمن استعد له قبله بقليل.
والرسول كان يستعد لرمضان من بداية شعبان، وأصحابه أيضاً كانوا كذلك، الخاصة منهم يقول فيهم أنس بن مالك رضِىَ الله عنه وأرضاه: { كان أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا نظروا إلى هلال شهر شعبان أخرجوا زكاة أموالهم ليتقوى بها الفقير والمسكين على صيام شهر رمضان، ونظر الولاة إلى أهل السجن فمن كان عليه حدّ أقاموه وإلا خلّوا سبيله، وأحضر التجار تجاراتهم ليتفرغوا في شهر رمضان لطاعة ربهم ولمتابعة نبيهم، وأقبل الآخرون على المصاحف يتلونها، فإذا نظروا إلى هلال شهر رمضان اغتسلوا واعتكفوا وأكبُّوا على العبادة }.
وقد كان الإمام الشافعي والإمام مالك رضِىَ الله عنهما يواصلان الدروس بالليل والنهار، فقد كان الإمام الشافعي يبدأ دروسه مع شروق الشمس فيعطي درساً للتفسير، ثم درساً لأصول الفقه، ثم درساً للحديث، ثم درساً للتجويد وعلوم القراءات، ويظل حتى صلاة الظهر في تدريسه لطوائف الدارسين والتلاميذ والسالكين والمريدين، والإمام مالك كان كذلك، فإذا جاء شهر رمضان غلقوا كتب العلم، وأنهوا حلقات الدرس، وأقبلوا على عبادة الله عزَّ وجلَّ. فكان الشافعي رضِىَ الله عنه وأرضاه يختم في شهر رمضان ستين ختمة لكتاب الله، ثلاثين ختمة بالنهار، وثلاثين ختمة بالليل، كل نهار يصعد منه لله ختمة، وكل ليلة يصعد منه لله عزَّ وجلَّ ختمة لكتاب الله عزَّ وجلَّ. كيف يقومون بذلك؟ يستعدون من قبل ذلك.
نحن نستعد بتجهيز التمر وتجهيز المأكولات وإحضار المشروبات، وجعلناه شهر المطعومات والمأكولات ونسينا أنه شهر العبادات والطاعات والقربات، فأخطأنا طريق سلفنا الصالح، فإذا جئنا إلى رمضان لا نستطيع أن نصلي القيام من التخمة التي حدثت لبطوننا عند الإفطار، بل إن أخلاقنا تتغير في نهار رمضان لأننا لم نتعود على الصيام في شهر شعبان، فنخرج عن أطوارنا ونفعل ما يغضب ربنا، وإذا عاتبنا أحد تعللنا بأننا صائمين. ما هكذا الحال يا جماعة المؤمنين؟ إن نبيكم الكريم كان يستعد لشهر رمضان بتدريب نفسه على الصيام في شعبان، وتدريب نفسه على القيام في شعبان، استعداداً لصيام وقيام شهر رمضان، وما فعل ذلك إلا ليعلمنا وينبهنا على كيفية الاستعداد لشهر رمضان.
فعلينا أن نمرِّن أنفسنا من الآن فيقوم الإنسان مثلاً بعد صلاة المغرب من الآن فيصلي ست ركعات لله بدلاً من ركعتين، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ غُفِرَ لَهُ بِهَا ذُنُوبِ خَمْسِينَ سَنَةً } ، فإذا جاء شهر رمضان كانت صلاة القيام بالنسبة لنا هيّنة لينة: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (45، 46البقرة). يصوم الإنسان بعض الأيام ويقلل الطعام في الأيام التي ليس فيها صيام ليتدرب على الصيام، فإذا كان شهر رمضان لم تتغير حالته، ولم تتبدل هيئته.
فإذا كان يأكل في الوجبة الآن رغيفين ينقصهم رويداً رويداً، ففي اليوم الأول ينقص ربع رغيف، وفي الثاني نصف رغيف، وفي الثالث ثلاثة أرباع رغيف، وفي اليوم الرابع يكتفى برغيف واحد، ويواظب على ذلك إلى بداية شهر رمضان، وإذا كان يشرب في اليوم خمس مرات مثلاً، فلا يشرب إلا مرتين لأن الشراب يتعلق بكمية الطعام التي تدخل في المعدة، وإذا كان يدخن السجائر أو الشيشة أو يشرب الشاي بكثرة أو غيرها يخفف منه من الآن استعداداً لشهر رمضان، إذا استطاع أن ينتهي منها فبها ونعمت وقد صار من عباد الله الصالحين، وإن لم يستطع، يخفف قدر استطاعته، إذا كان يدخن في اليوم علبة سجائر يجعلها نصف علبة ثم بعد ذلك في اليوم ثلاث مرات فقط، ثم مرة واحدة فقط، ثم يمنعها بالكلية فإنها شرّ وبلية على الجيوب وعلى الأجسام وعلى الإنسان في كل أحواله، ليس منها ولا فيها خير قط لبشر يشربها.
وهكذا يتدرب الإنسان على الاستعداد لشهر رمضان، بالإكثار من صلوات النوافل استعداداً لصلاة القيام، ويتدرب بالصيام والتقليل من الطعام استعداداً للصيام، ويتدرب على الكف عما ألفته النفس من الشهوات والحظوظ والملذات، ليعتاد الصيام والقيام، ويتدرب بعد ذلك على الأهم على تحسين أخلاقه فلا يخرج منه إلا القول المليح، وينهى نفسه عن الغي والقبيح، ذلك هو الاستعداد الحقيقي لشهر رمضان ... << ثم الدعاء >>.

الاستعداد لشهر رمضان المبارك خطبة جمعة

الاستعداد لشهر رمضان المبارك
الحمد لله ربِّ العالمين، الشكور العطوف، الحنان المنان الرءوف بعباده المؤمنين، وبكل فرد من بني الإنسان. سبحانه سبحانه هو أرحم بنا وأرفق بنا من آبائنا وأمهاتنا، وهو أولى بنا من أنفسنا، لأنه خالقنا وصانعنا وموفقنا عزَّ وجلَّ، فإذا فرض علينا أمراً فمن محض رحمته فرضه، وإذا نهانا عن شئ فمن محض حرصه علينا نهانا عنه، لا يريد إتعابنا ولا يشق علينا في أي أمر من أمورنا، بل الأمر كله كما قال سبحانه: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (185البقرة). وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لاشريك له، إله تجلَّى على عباده ببعض رحمته، وادخر الجملة الكبيرة الجمَّة ليوم لقائه في يوم البعث والنشور، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغمرنا برحماته المتوالية في الدنيا والآخرة.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أكمل الله به علينا النعمة، وأتم علينا به المنَّة، ووضح لنا به صلَّى الله عليه وسلَّم الطريقة الواضحة. اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد، صلاة تعيننا بها على حسن إتباعه، وتحشرنا بها يوم القيامة تحت لوائه، وتجمعنا بها عليه في مستقر رحمته، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين. أما بعد...
فيا إخواني ويا أحبابي..
استمعنا في هذا اليوم قبل الصلاة إلى البيان الإلهىّ، والتكليف الربانيّ، الذي نزل يحثُّ عباد الله المؤمنين على صيام شهر رمضان، وقد نزل هذا البيان في شهر شعبان في السنة الثانية من هجرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وفيه كل شئ يتعلق بهذه الفريضة، وما يجب أن يتعلمه كل مسلم ومسلمة، وكل مؤمن ومؤمنة، حتى أن هذا البيان - مع صغر حجمه، ومع قلة كلماته وآياته - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في شأن الصيام إلا ووعاها وأحصاها وبيَّنها. عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله. ونحن جميعاً ونحن نستعد لشهر رمضان فالواجب الأول علينا وعلى زوجاتنا وعلى أولادنا وعلى بناتنا أن يستعدوا لتلاوة هذه الآية، وفهمها واستيعابها - كما أمر الله عزَّ وجلَّ - قبل تجهيز المأكولات وقبل إعداد المشروبات. عليهم جميعاً أن يقرأوا هذه النصائح والتوجيهات التي أنزلها الله عزَّ وجلَّ على رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وعندما نزلت هذه الآيات جمع رسولكم الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه وتلاها عليهم، ثم بيَّن لهم الآداب الواجب عليهم إتباعها، فقال في خطبة جامعة: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ: قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى صِيَامَهُ فَرِيضَةً وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعاً، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ. وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ. مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِماً كَانَ لَهِ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ. يُعْطِي اللَّهُ تَعَالَى هذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً عَلَى مُذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِماً سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لاَ يَظْمَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ. وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ. فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ؛ خَصْلَتَانِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَانِ لاَ غِنَىً لَكُمْ عَنْهُمَا، فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا اللَّتَانِ لاَ غِنى بِكُمْ عَنْهُمَا: فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ } .
فالمؤمن استعداده وتجهيزه لشهر رمضان بما ذكرت، يطلب من الله التوبة ليتوب إلى الله مما جناه، ويدخل على هذا الشهر بارًّا تقيًّا لله عزَّ وجلَّ، يقرأ أبواب الصيام ليُحْكِمَ أمر الصيام فيتقبله الله عزَّ وجلَّ بقبول حسن، ينظر إلى المنهاج النبوي الذي وصفه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم للصائمين وهو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: {الصِّيامُ جُنَّةٌ فَاذَا كان أحَدُكُمْ يَوْماً صَائِماً}، ماذا عليه؟ {فَلا يَجْهَلْ وَلا يَرْفُثْ، فإنِ امْرُؤٌ قاتلهُ أَوْ شَتَمَهُ فَلْيَقُل: إِنِّي صائِمٌ .. إِنِّي صائمٌ} . هذا هو ما يقوله المسلم!!، وليس ماذا يوجد للإفطار؟ وماذا يعد للسحور؟، لأن هذا الشهر كما قال فيه الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183البقرة) ، حدَّد الهدف وهو التقوى، وجعل هذا الشهر معسكراً فرضه علينا الله لنحصل في نهايته على شهادة بأننا أنقياء لله، أتقياء لله، مغفوراً لنا ذنوبنا من عند الله، قمنا بالأوامر التي فرضها علينا الله، وأعطانا إجابة الدعاء التي ذكرها في آخر البيان القرآني. فمن صام كما أمر الله فأولئك يقول لهم وفيهم الله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (186البقرة). قريب منه في كل وقت، وفي كل زمن، وفي كل مكان، وأجيب دعوة الداع إذا دعان - بليل أو بنهار، في مسجد أو في عمل، أو في حقل أو في شارع - لأنه استجاب لداع الله وأمر بالصيام كما أمر الله عزَّ وجلَّ.
وإذا كان الإنسان يجد من رفاقه في المنزل تبرماً من الصيام، أو من زملائه في العمل تبرماً من الصيام، عليه أن يشرح لهم ما تيسر من الحكم التي من أجلها فرض الله الصيام حتى لا يحرموا من الأجر والثواب، فإن من صام وهو متضرر أو متبرم ليس له أجر عند الله عزَّ وجلَّ، مثل الذي يأتي في أول النهار أو في وسطه ويقول: لماذا طال هذا اليوم؟، لماذا لم يؤذن المغرب؟!، لماذا لم ينتهِ هذا الشهر؟!. هذا الكلام نسمعه كثيراً، وكل من يقول مثل هذا الكلام فقد نفص عمله وصيامه في شهر رمضان!! ومثل هذا علينا أن نشرح له الحكمة من الصيام.
إذاً فما الحكمة من الصيام؟، (الصوم جُنَّة)، يعني: وقاية. وقاية من ماذا يا رسول الله؟، العزيز الحكيم - الذي خلق فسوى - يعلم الذي يصلح هذا الجسد والذي يفسده، وجاء بهذا الكتالوج الإلهي؛ القرآن الكريم؛ ليعرفنا كيف نشغل هذا الجسم، فأخبرنا أن في الجسد أعضاء تعمل في الليل وفي النهار، وأعضاء تستريح بالليل كالعين والفم واليد والرجل والفكر والحس، هذه الأعضاء تستريح ليلاً، لكن المعدة والقلب تعملان بالليل وبالنهار، فالإنسان يكون نائماً والقلب يعمل والمعدة تتحرك، وهذه المعدة من غريب صنع الله أنها لا تهضم الطعام إلا في وجود بعض الطفيليات التي تعيش عليها، فهي من فضل الله تفرز إنزيمات خاصة تعمل على هضم الطعام، وكثرتها تتعب المعدة! وقلتها تؤذى المعدة! ولابد أن تكون بحساب معلوم قرَّره الحيُّ القيوم عزَّ وجلَّ، ولأن الإنسان يأكل طوال العام فيزيد معدل تكاثرها، فتحتاج إلى الحدِّ منها، فكانت فريضة الصيام، يجوع الإنسان فيها بالنهار فتكون فرصة للإقلال من هذه الفطريات والطفيليات التي تعيش فى معدة الإنسان، والتي هو محتاج إليها ولكن بقدر معلوم.
وأنتم جميعاً تعلمون أن أرضنا التي تكثر زراعتها يقل إنتاجها. ما علاجها؟، نريحها عاماً من الزمان ونحرثها ونقلبها ونتركها للشمس حتى تقتل الآفات التي تسكن بها، فإذا زرعناها في العام التالي جاءت بإنتاجها ومحصولها المعتاد، فأيضاً المعدة يتحسن جدارها وتنزوى طفيلياتها وتستريح أعضاءها لكي تستطيع أن تكمل لك المسيرة التي حددها لها الصانع الذي هو الله عزجلّ لّكل واحد منا قدر له الصانع زمن معلوم إذا انتهى زمانه رجع إلى ما خلق منه: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (55طه).
إذاً الصيام لراحة المعدة وليس لإتخامها آخر النهار بالأكل، فهي متخمة طوال العام، ولذلك عندما ننظر لأصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - الذين فقهوا الحكمة- عندما ذهب إليهم الطبيب هدية من المقوقس حاكم مصر ردُّوه، ولم يكن عندهم مستشفى ولا عيادة، لماذا؟. لأنهم مشوا على منهاج الله، ونفذوا الكتاب والكتالوج الذي أنزله عليهم الله، فعاشوا في أمن وعافية من الله في الدنيا: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (97النحل) ، وفي الآخرة حياتهم طيبة هنيئة.
فالمجاري التي يجرى فيها الدم؛ الشرايين والأوردة، توصل الغذاء وتوصل الدم وتوصل الماء وترجع ثانية الفضلات، هذه الأوردة والشرايين لأننا نأكل طوال العام قد تنسد بالدهون التي تترسب فيها وتجعل الإنسان عرضة لتصلب الشرايين، أو عرضة للضغط، أو عرضة للكوليسترول، أو غيرها من الأمراض التي سببها الرئيسي أن مجرى الدم ينسد، فلا بد من فترة راحة حتى يتطهر هذا المجرى...
فالصائم الذي ينام طوال النهار لا يحقق حكمة الصيام، لكن الذي يعمل كالمعتاد عند الظهر ينفذ الزاد فتتحول المعدة إلى المخزون الزائد لتتخلص منه من الخلايا الزائدة والدهون الزائدة فتذيبها وتقوم بتحويلها إلى مواد سهلة الامتصاص يتغذى الفرد عليها، إذاً هذه الفترة لتطهير الشرايين والأوردة والأعضاء كلها من السموم الزائدة، ومن المأكولات الزائدة الموجودة في المخازن التي أوجدها الله عزَّ وجلَّ ليحجز فيها ما زاد عن الإنسان وقت الحاجة، فهناك مخزن تحت الجلد يخزن فيه الدهن الزائد، ومخزن في الكبد يخزن فيه السكر الزائد عن حاجة الإنسان، وهذه المخازن تفرغ كل ما فيها في رمضان لأن الزيادة كما تعلمون جميعاً نتيجتها الأمراض التي نراها في عصرنا.
وعلى ذلك يمكننا أن نقول أن الغرض الأول من الصيام تصحيح جسمك وتصحيح بدنك، ووقاية معدتك ووقاية أعضائك من الأمراض ومن الأعراض التي يشكو منها بني الإنسان، ولذلك تنبه أهل الغرب أخيراً إلى هذه الحقيقة وإن لم يؤمنوا بالإسلام، فالمصحات الطبية عندهم اليوم أحسن من المستشفيات عندنا، والعلاج الأساسي في هذه المصحات الصيام كصيام المسلمين لمدة شهر في العام، تبدأ من شروق الشمس إلى غروبها، هناك مصحات في روسيا وفي المجر وفي السويد والنرويج كلها لعلاج الإنسان ليس بالأدوية ولا بالعقاقير وإنما بالصيام الذي تفضل به علينا وعليكم العلي القدير عزَّ وجلَّ، عندما يعلم المسلم هذه الحكمة سوف يقبل على الصيام وهو فرح ومسرور.
والحكمة الثانية للصيام أنه وقاية للمجتمع لأن الصيام هو الورشة التي تصلح الضمير، وما أحوجنا إلى هذا الضمير في عصرنا يا إخواني، فإن كل ما نعاني منه سببه أزمة الضمير، أو كما نقول بلسان الإسلام - لأن الضمير كلمة أجنبية – المراقبة؛ أو {الإحسَان أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاك} ، وهذه عبادة الصائم لأنه لا يراقبه في عمله إلا الله، فلو دخل في مكان وأغلق على نفسه وأخطأ فلا يحاسبه أحد إلا الواحد الأحد عزَّ وجلَّ.
فالصائم يتمرن على مراقبة الله عزَّ وجلَّ في صيامه، فإذا دام على هذه المراقبة راقب الله في صيامه وراقبه في الأكل والشراب، وراقبه كما قلت في الأخلاق، فلا يصخب ولا يسب ولا يشتم، ويراقب أعضاءه، وإذا أرادت أن تتحفز يقول لها: (إني امرؤ صائم)، يذكر نفسه ويذكر أخاه الذي أمامه، يذكر نفسه حتى لا تتحرك أعضاؤه بما يغضب الله، ويذكر زميله أو رفيقه الذي يتناقش معه حتى تخمد أعضاؤه وتبرد جوارحه فلا يفكر في إيذائه، فهي مسكن إلهي يسكن غضب النفوس البشرية، وصفه طبيب البشرية الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.
فإذا راقب الإنسان ربَّه، وعلم أنه لو أفطر على لقمة حرام فلا فائدة من صيامه، وتحرى المطعم الحلال فلم يغش ولم يقبل الرشوة، ولم ينافق ولم يداهن، ولم يفعل الأفعال التي يتسم بها أهل الشقاق والنفاق، بل يكون كما قال الله في شأن الملائكة الكرام: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (6التحريم)، فيخرج من هذا الشهر وقد استقام في مقام المراقبة.
وهذا هو العبد الذي نحتاجه، فإصلاح حال المجتمع الذي نحن فيه يتوقف على هذا، فلسنا محتاجين إلى أموال، ولسنا محتاجين إلى مبان، ولسنا محتاجين إلى مدارس ومستشفيات، وإنما نحن محتاجون إلى أفراد امتلأت قلوبهم بمراقبة الله في الغدو والرواح، مثل هؤلاء يكيفون الأشياء ولا تكيفهم الأشياء. فلو وجد الطبيب يا إخوانى الذي يراقب الله، يستطيع أن يجعل المسجد عيادة، ويستطيع أن يحول الشارع إلى عيادة، ويستطيع أن يكشف في أي مكان لأنه يراقب الرحمن عزَّ وجلَّ. أما إذا جهزنا المستشفى بالأجهزة الراقية، ودخلها من لا ضمير ولا دين له، فإنهم يعطلونها ليفتحوا عياداتهم، وهذا ما نعاني منه الآن.
إذا وجد المدرس الذي يراقب الله، فإنه يستطيع أن يدرس في هذا المكان، ويستطيع أن يدرس في الحديقة، ويستطيع أن يدرس علي حافة الطريق - كما كان يفعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. أما إذا عدم هذه المراقبة، ولم يكن عنده هذه المحاسبة، فإنه عنده الإمكانيات ولا يكلف نفسه ولا يجهد نفسه حتى يوفر صحته وجسمه للعمل الذي يعمله في المنازل، ولا يبارك الله في ماله ولا رزقه ولا في بيته ولا في أولاده، ولكنه لا يشعر بذلك!!.
إذا توفرت هذه المراقبة للتجار لم نحتج إلى مباحث للتموين، بل إننا كلما أعددنا لائحة أعدوا المخرج منها قبل صدورها، وكلما جئنا إليهم بمباحث احتاجت المباحث إلى مباحث آخرين، وهكذا فمن أين المخرج إذاً؟!!.
والله لا مخرج لنا إلا إذا دربنا أنفسنا، وأمرنا أولادنا، ودربنا أفراد مجتمعنا - على أن يراقبوا الله ويعملوا ابتغاء وجه الله عزَّ وجلَّ، وقلنا لهم أن قولوا كما قال الله تعالى، أو قولوا قول الله: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (105التوبة).
والسبيل إلى هذا المخرج والذي يقوم بكل هذا العمل - يا إخواننا - الصيام .. الصيام .. الصيام، فالصيام هو الذي يطهر المجتمعات من هذه المفاسد الأخلاقية، وهذه الرذائل الاجتماعية، التي عمَّت في مجتمعنا ولا نجد لها سبيلاً ولا نستطيع أن نفعل فيها قليلاً أو كثيراً، لأننا نبحث عن حلها في غير كتاب الله وفي غير سنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
ولذلك تذكرون أن أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عاشوا وليسوا بينهم محكمة واحدة جزئية أو كلية أو استئنافية أو غيرها، ولا نقط للشرطة، ولا مصلحة للضرائب، ولا مباحث للتموين، ولا مباحث لتهريب المخدرات!!. لماذا؟ لأن كل واحد منهم كان عنده شرطي في داخله يراقبه، ويؤنبه ويوبخه إذا أخطأ أو وقع في الخطأ؛ وأقسم الله بعزَّته وجلاله بهذا الجندي فقال: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (2القيامة)، فمعك النفس اللوامة التي تظهر عند أي شئ يغضب الله، أو أي حركة لا توافق شرع الله، أو أي أمر ليس على هدى سنة مولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
ولكن والذي ليس معه النفس اللوامة لو أحطته من جميع الجهات بالقوانين والتعليمات، واللوائح والتشريعات، والجنود والهيئات، فإنه بحيلته ومكره ودهائه يستطيع أن يفلت منهم!!. وقارن بين هذا وبين الذي في قلبه النفس اللوامة!!. كان يذهب بنفسه إلى رسول الله فيقول: زَنَيْتُ يا رسول الله، فيقول: لعلك فاخذت. يقول: زَنَيْتُ يا رسول الله، فيقول: لعلك قَبَّلْتَ. يقول: زَنَيْتُ يا رسول الله!!. يقول هذا وهو يعلم أنه بذلك سيقع تحت طائلة العقاب الذى يحكم به الله!!. ويذهب الآخر فيقول سرقت!! .. لماذا؟!! .. لماذا يا إخوانى؟!!. حتى يريح نفسه من وخز ضميره، ومن تأنيب نفسه اللوامة التي تؤلمه وتوبِّخه بالليل والنهار، ولا يستقر له قرار، إلا إذا علم أنه رجع عن هذا العمل وعن هذا الإصرار، وتاب لله الواحد القهار عزَّ وجلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (201الأعراف)،
ومن هنا يا إخواني فالصيام وقاية ليس لها نهاية، ولا نستطيع أن نتحدث عنها ولا عن بنودها في هذا الوقت القصير، ولكن نكتفي بهذا القدر. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { لَوْ أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِلسَّموَاتِ وَالأَرْضِ أَنْ يَتَكَلَّمَا، لَبَشَّرَتَا مَنْ صَامَ رَمَضَانَ بِالْجَنَّةِ } .
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: { أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرُ بَرَكَةٍ، فِيهِ خَيْرٌ، يُغَشيكُمُ اللَّهُ فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ، وَيَحُطُّ فِيهِ الْخَطَايَا، وَيَسْتَجِيبُ فِيهِ الدُّعَاءَ. يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلاَئِكَتَهُ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرَاً، فَإنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} .
أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي وفقنا لاتباع هذا الدين، ونشكره سبحانه وتعالى على أن اجتبانا وجعلنا مسلمين، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يزيدنا تقىًّ وغنىً وعفافاً وهدىً أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وصف نفسه بنفسه في كلامه العلي المجيد، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وتركنا على المحجَّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا الهالك. اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين. أما بعد..
فيا إخواني ويا أحبائي:
فالصوم وقاية لنا من عذاب النار، وإن الله عزَّ وجلَّ يتجلى لنا في هذا الشهر العظيم فيغفر لنا ذنوبنا، ونخرج منه وقد تطهرنا من الخطايا، وقد مسحت صحف سيئاتنا وأبدلها الله عزَّ وجلَّ بحسنات. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً واحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ، فالذنوب نوعان: ذنوب في حق الله عزَّ وجلَّ، وذنوب في حق الخلق - وهي تسمى حقوق العباد. فأما التي في حق الله فإن الله عزَّ وجلَّ يغفرها ويخرج الإنسان منها بعد شهر رمضان وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
وأما حقوق العباد فلابد فيها من الحساب ولابد فيها من المساءلة ولابد فيها من العفو من صاحب الشأن، ولذا نستعد ويستعد المؤمنون لشهر رمضان بالصفح عمن أساء إليهم، وإصلاح ما بينهم وبين إخوانهم، وما بينهم وبين جيرانهم، وما بينهم وبين ذوي رحمهم. فمن كان في صدره مشاحنة لأحد من المسلمين فليعفو عنه ويصفح عنه: (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (273البقرة)، ويسامحه حتى ولو كان مخطئاً في حقه، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله.
ومن كان قاطعاً لرحمه فليواصلهم قبل أن يواصل الله بالصيام، فإن الله يتجاوز عن الذنب في حقه، ولكنه أوكل ذنوب العباد وحقوق العباد إلى أنفسهم، وإذا كان يوم القيامة يتجلى بفضله ويقول -كما ورد فى الحديث الشريف: { إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، وَبَقِيَ اللَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْمَظَالِمُ، نَادَى مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، يَا أَهْلَ الْجَمْعِ تَتَارَكُوا الْمَظَالِمَ وَثَوَابُكُمْ عَلَيَّ } . وأخبر الصادق المصدوق فى رواية أخرى: { ينادي منادٍ من تحت العرش يومَ القيامة: يَا أُمَةَ مُحَمَّدٍ، أمَّا ما كان لي قِبَلَكم فقد وهبته لكم، وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ فتَوَاهَبوها وادْخلوا الجنة برحمتي } .
إذاً لابد من المصالحة والمسامحة بين عباد الله المؤمنين حتى ندخل على شهر رمضان ونحن كما قال الله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) (47الحجر) ، يعني لا يكونون إخواناً إلا إذا نزعوا ما في صدورهم لأنها في ترتيب الآية بعد النزع، أى: بعد نزع ما فى الصدور يصبحون إخوة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (10الحجرات). من هم؟!!. هم الذين نزعوا ما في صدورهم من الغل، ومن البغضاء، ومن الأحقاد لإخوانهم المؤمنين. ذلك هو الاستعداد الأمثل لشهر رمضان. << ثم الدعاء >>.

مشروعية الإحتفال بليلة النصف من شعبان

إحتفاء أهل الإيمان بليلة النصف من شعبان
الحمد لله الذي وفقنا لما يحبه ويرضاه، وجعلنا من أهل طاعته ورضاه، وأسأله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا دائماً و أبداً ممن يفتح لهم باب المناجاة، وينير قلوبهم لذكر الله, ويرزقهم الاستقامة في كل أنفاسهم إلى يوم لقاء الله. والصلاه والسلام على بدر التمام، ومصباح الظلام، ومسك الختام، وسيد جميع الأنام، والشفيع الأعظم لجميع الخلائق يوم الزحام، سيدنا محمد وآله الكرام، وأصحابه العظام، ووراث نوره في الدنيا إلى يوم الزحام. آمين.

مشروعية الإحتفال بليلة النصف من شعبان
هذه الليلة يا إخواني اختلف الناس في زماننا فقط في الاحتفال بها، وإن كان في الأزمنة الماضية الفاضلة لم يختلفوا أبداً في إحيائها، وظن البعض الذين منعوا إحيائها، و بعضهم كرّهوه، وبعضهم تجرأ على الله وحرَّم الاحتفال بها أن ذلك لأن الاحتفال ليس بسنة. ما السُّنة يا إخوانى؟!!. السنة هي بيان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله أو بفعله أو بإقراره. هذه هي السُّنة، إما أن يقول، وإما أن يفعل، وإما أن يقرّ من يفعل ،كل ذلك هو السُّنة، أليس كذلك!.
وهذه الليلة قد أمر الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله بإحيائها، وقام بنفسه فيما ثبت من الروايات الصحيحة بإحيائها، فأما بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: {إذا كانت ليلة النصف من شعبان، نزل الله عزَّ وجلَّ لغروب شمسها إلى السماء الدنيا، فيغفر لأهل الأرض جميعاً إلا لمشرك أو مشاحن، أو قاطع رحم أو مصرّ على معصية، أو شارب خمر أو زان, فإذا كانت هذه الليلة فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا} . هذه هي السُّنة القولية. وفى رواية أخرى: { إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا، وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي، فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلاَ مُسْتَرْزِقٌ، فَأَرْزُقَهُ، أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلاَ كَذَا، أَلاَ كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ } . فغير الموفقين قالوا: هذا الحديث ضعيف، ولا يجب أن نأخذ إلا بالحديث القوي، كيف ذلك؟.
دَأب العلماء الأجلاء جميعاً منذ عصر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عصرنا هذا ومن القواعد الأصولية في علم الأصول، أصول الفقه الذي هو مادة التشريع الإسلامي: يؤخذ بالحديث الصحيح المتفق على صحته في الأحكام الفقهية التشريعية التي تهم المسلمين في كل أمور حياتهم؛ في الزواج وفي الطلاق، وفي الميراث، وفي البيع وفي الشراء، ولا نأخذ إلا بالأحاديث المجمع على صحتها، لكن بالنسبة للاجتهاد في طاعة الله فمبدأهم في علم الحديث (يؤخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال). لماذا؟ لأنك لن تسيئ إلى أحد إذا عملت هذا العمل, ولن تضر أحداً باستزادتك من هذا الفعل، وإنما هذا فعل خاص لك وفي نفسك ولا يضر أن تعمله في أي وقت. وخذوا أمثلة على ذلك:
الاجتماع للدعاء!؛ هل هناك مانع شرعي من جمع المسلمين للدعاء في أي وقت وفي أي مكان؟ في أي زمان تنتاب المسلمين شدَّة، يجب عليهم أن يجتمعوا للدعاءن ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: { يَدُ الله مَعَ الجَمَاعَةِ } ، وفي أي زمان، لأن الدعاء ليس له وقت كراهة، بعد صلاة الصبح، بعد العصر، في أي وقت يدعون الله عزَّ وجلَّ، وعلى وضوء أو علي غير وضوء، لأن الدعاء لا يشترط له الطهارة الحسية بالوضوء، وإنما أساس قبوله الطهارة القلبية لتطهير السرِّ والقلب لله عزَّ وجلَّ. إذاً ما الذي يمنع من الدعاء في هذه الليلة؟!!!!.
قراءة سور من القرآن في أي ليلة ما الذي يمنعها؟!!، وإذا كان بعضهم يمنع قراءة القرآن للآخرين - لا أقول للأموات كما يقولون - ولكن أقول للأحياء والأموات، فإني يجوز لي أن أقرأ القرآن لرجل حيٍّ وأهبه له. ونفترض أن هذا القرآن ثوابه لم يصل إليه !! فهل لا يصل ثوابه إليّ وأنا الذي أتلوه؟!!!
يحرِّمون قراءة الفاتحة وتكرارها كما كررناها اليوم!! كررنا أم الكتاب، لو لم تكن تستجاب فأي شئ يستجاب ؟ فقد قيل للإمام أبي الحسن الشاذلي رضِىَ الله عنه أيقبل الله عزَّ وجلَّ منا قراءة الفاتحة؟، فقال رضِىَ الله عنه: (كيف لا يقبلها؟!! وهي كلامه منه خرج وإليه يعود). إن لم يقبل كلامه فأي كلام يقبل؟ فالذين يقولون أن هؤلاء يقرأون الفاتحه خمسين مرة، وما في هذا؟!! لو كررت الفاتحة خمسين مرة بمفردك أليست تلاوة لكتاب الله؟ ألم يكن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأخذ الليلة كلها من بدأها إلى ختامها في ترديد آية واحدة من كتاب الله؟، وكل مرة لك الثواب -كل حرف بعشر حسنات، (لا أقول الم حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف). فأنت طالما تتلوها فأنت تتعبد لله بخير عبادة يقبل عليها الله!!، قال فيها صلَّى الله عليه وسلَّم: {أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي تِلاَوَةُ الْقُرْآنِ } .
اجتماعنا هذا ماذا يقول فيه الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم؟!، { لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللَّهَ تعالـى - ولم يحدد زماناً ولا مكاناً - إلا حفَّتْهُمُ الـمَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزلَتْ عَلـيهِمُ السَّكِينَةُ، وذكَرَهمُ اللَّهُ تَعالـى فِـيـمَن عِنْدَهُ } .
من يتألى على الله فيزعم أن هذا الحديث لا ينطبق على مجلسنا أو المجالس المباركة في هذه الليلة؟!!. الحديث واضح وصريح.

اجتهاده صلَّى الله عليه وسلَّم في ليلة النصف من شعبان
أما عن احتفائه صلَّى الله عليه وسلَّم بنفسه بهذه الليلة ففيه عدة أمور:
الأمر الأول هو استجابة الله تعالى له صلَّى الله عليه وسلَّم فيها، فقد ورد فيه أن الله استجاب له فيها مرتين؛ المرة الأولى مرة بمكة قبل الهجرة، والمرة الثانية بالمدينة.
أما في مكة فعندما طلب منه أهل مكة آية، وقالوا يا محمد سل ربك أن ينزل لنا آية نراها ونؤمن بك أجمعين، فسأل الله تعالى فنزل في هذه الليلة الأمين جبريل وقال: يا محمد قل لهم إن يجتمعوا في هذه الليلة يروا آية، فاجتمعوا حول الكعبة، ولم يكن حول البيت بناءاً إلا الكعبة فكانوا يصلون ورءوسهم إلى السماء وموضع الصفا والمروة لم يكن إلا أحجار الجبلين، وكانت خارج البيت، فالبيت كان الجزء من الكعبة إلى زمزم ومكشوف فاجتمعوا والقمر في هذه الليلة بدر كامل فأشار صلَّى الله عليه وسلَّم إلى القمر بإصبعه فانشق نصفين ، نصف على الصفا، ونصف على المروة فأخذوا يغمضون عيونهم ويفتحونها فيجدونه وقد ظل على حالته، فذهبوا إلى بيوتهم وجلسوا ردحاً من الزمن ثم رجعوا فوجدوه على هيئته، ومع ذلك ما زادهم إلا تكذيباً وكانوا كما قال الله فيهم: (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) (2القمر).
وقالوا شيبتنا يا محمد بسحرك، فقال بعض عقلائهم ننتظر حتى يأتي مَنْ هم مسافرون، فجاءوا بعد حين فسألوهم، فقالوا: نعم رأينا في هذه الليلة أن القمر قد انشق نصفين، ومع ذلك كذبوا ولم يؤمنوا لأنهم لم تسبق لهم من الله عزَّ وجلَّ الهداية والعناية فتلك هى المرة الأولى.
أما المرة الثانية فكانت في المدينة عندما كان يتطلع إلى الله، ويرجو من الله أن يولِّه قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وفي هذا اليوم وعند صلاة الظهر وكان قد دعاه إلى وليمة غذاء قوم يسمون (بنو سالم بن عوف)، فقال: آتيكم بعد صلاة الظهر، قالوا لا، تأتي عندنا وتصلي في منازلنا حتى تحلَّ علينا البركة، وافترشوا في منازلهم في ساحة أمام المنازل فراشاً وأذن لصلاة الظهر وصلَّى بهم صلَّى الله عليه وسلَّم ركعتين تجاه بيت المقدس، وعندما كان في التشهد الأوسط نزل عليه الوحي بقول الله عزَّ وجلَّ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (البقرة)، وحتى لا نظن أنه خطاب خاص به، عمّنا ببقية الخطاب فقال: (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ) (144البقرة) ،
فالتفت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عندما قام إلى الركعة الثالثة تجاه الكعبة وصلَّى مَنْ خلفه بصلاته، فصلوا هذه الصلاة الفريدة ركعتين تجاه بيت المقدس والأخيرتين تجاه بيت الله الحرام، وروى فى الحديث: { بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ،فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ} ، فهم لم يكملوا الصلاة ولم ينتظروا حتى يستوثقوا منه بل اتجهوا بمجرد سماعهم إلى بيت الله الحرام. فانظر إلى تعظيم المسلمين لأمر إخوانهم!!!، بمجرد أن قال لهم هذا القول وهم في الصلاة لم يجادلوه! ولم ينتظروا حتى ينتهوا! بل فوراً اتجهوا وهم في الصلاة إلى بيت الله الحرام تصديقاً لأخيهم المؤمن الذي بلَّغهم عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
والأمر الثانى هو تعبده صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه الليلة المباركة، واجتهاده فى الصلاة والدعاء، وفى ذلك ورد فيما رواه الإمام ابن خزيمة في صحيحه أن السيدة عائشة رَضِيَ الله عنها وأرضاها وكانت ليلتها، إذ جاء النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إليها ونام بجوارها والتحفا معاً بلحاف واحد، ثم قال: يا عائشة أتأذنين لي أن أتعبد لربي في تلك الليلة؟، فقالت: يا رسول الله إني أحبك ولا أحب فراقك، ولكن أؤثر هواك على هواي، فاعبد ربك كما تريد، فخرج صلَّى الله عليه وسلَّم، واستبطأته فخرجت تبحث عنه فوجدته في البقيع ساجداً يقول في سجوده:
{أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخْطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ إلَيْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَفَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَوْ يَا حُمَيْرَاءُ أَظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيَّ قَدْ خَاسَ بِكِ؟ قُلْتُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ قُبِضْتَ لِطُولِ سُجُودِكَ، فَقَالَ: أَتَدْرِينَ أَيُّ لَيْلَةٍ هذِهِ؟. قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، إنَّ اللَّهَ عزّوجلّ يَطَّلِـعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، وَيَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ، وَيُؤَخِّرُ أَهْلَ الْحِقْدِ كَمَا هُمْ } . وفى رواية أخرى لعائشة رَضِىَ الله عنهَا فى هذه الليلة :{فَمَا زَالَ قَائِماً وَقَاعِداً حَتّى أَصْبَحْتُ، فَأَصْبَحَ وَقَدِ ٱضْطُّهِدَتْ قَدَمَاهُ وَإنِّي لأَعْمُرُهَا وَأَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَلَيْسَ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالى لَكَ مَا تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة! أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدَاً شَكُوراً } .
إذن هذه الليلة أخبر عنها المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمرنا بقوله أن نحييها ونصومها ونجتهد فيها فى الدعاء: {إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا، وَصُومُوا نَهَارَهَا} . وأحياها صلَّى الله عليه وسلَّم بفعله، مجتهداً بشدة فى الدعاء والقيام - كما أوردنا خبر السيدة التقية النقية السيدة عائشة رَضِىَ الله تعالى عنها وعن أبيها الصديق. كما استجاب الله عزَّ وجلَّ له فيها في مكة وفي المدينة، فخبرها محقق، وما جيئ فيها يقين لا يتذبذب عنده لأى مؤمن قوي الثقة بربه عزَّ وجلَّ، كل ما هنالك أن هذا الاجتماع الذي نحن فيه الآن لم يحدث في زمانه، ولم يجتمع صلَّى الله عليه وسلَّم مع إخوانه في هذه الليلة في هذا الاجتماع، لكن الاجتماع مشروع - ما دام لطاعة الله وعبادة الله - في أي ظرف وفي أي مكان.

صيام الأيام البيض

صيام الأيام البيض
أما الصيام فمن نوى الصيام فإن الليالي التي نصوم فيها هي الليالي البيض، والأيام هي الأيام البيض، والأيام البيض هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وصيامها مسنون عن أبينا آدم عليه السلام، فقد ورد فى فتاوى بن حجر: أنه لما خرج من الجنة اسوَّد جسمه، فصام يوم الثالث عشر فابيض ثلث جسمه، فصام يوم الرابع عشر فابيض ثلث جسمه، فصام يوم الخامس عشر فابيض جسمه كله، ولذلك تسمى الأيام البيض لأنها بيضت جسم آدم، أو لأن القمر بضوئه يبيض فيها وجه الأرض، ولذلك فمن صامها فإن الله يبيض قلبه من سواد الدنيا.
كل ما هنالك وما عليَّ أن ألاحظه إذا صمت يوم الخامس عشر، فإن كان يوم جمعة لابد أن يسبقه يوم أو يلحقه يوم، لكراهة إفراد الجمعة بمفرده بصيام، وأن لا أنوي فيه الاستنان برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنه لم يرد خبر صحيح بأنه صامه، أنوي الاقتداء به في صيام الاثنين والخميس لأنه صامهما، فالصيام المسنون هو الذي صامه، والصيام المستحب هو الذي أمر بصيامه ولم يصمه، فصيام عاشوراء مسنون لأن الرسول صامه صلَّى الله عليه وسلَّم، وصيام يوم تاسوعاء مستحب لأنه لم يصمه، وإنما قال: (لئن عشت إلى قابل، لأصومن التاسع والعاشر)، لكنه لم يصمه.
إذن صيام يوم الخامس عشر من شعبان مستحب فلا يجوز أن أنوي به الاقتداء برسول الله - لأنه لم يصمه - أو أن أنوي به صياماً مسنوناً، لكنه صوم مستحب. لكن هل هو من الأيام التي يحرم فيها الصيام؟!!، الأيام التي يحرم فيها الصيام: يوم العيدين، ويوم الشك على قول بعض الأئمة، و هل هو من الأيام التي يكره فيها الصيام؟!! أبداً!، إذاً ما الذي يمنعني أن أصوم أي يوم شئت لله عزَّ وجلَّ؟!!. ( ملاحظة تركنا تخريج أحاديث صيام الأيام البيض لإشتهارها).

حقيقة الدعاء الوارد في ليلة النصف من شعبان

حقيقة الدعاء الوارد في ليلة النصف
فمن هنا اتفق الأئمة العلماء الفقهاء على الاحتفال بهذه الليلة، وعلى قيام ليلها بالعبادات، بعضهم كان يتلو سورة يس ويدعو بما تيسر، والدعاء الذي يقرأ من هذه الكتب المنشورة ليس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإن كان وارداً عن سيدنا عبد الله بن مسعود رَضِىَ الله عنه، ونصه الوارد فى كتب الحديث هو: { كَانَ إِدْرِيسُ النَّبيُّ عَلَيْه السَّلام يَدْعو بِدَعْوَةٍ، كَانَ يَأْمُرُ أَنْ لاَ تُعَلمُوهَا السُّفَهَاءَ فَيَدْعُونَ بِهَا، فَكَانَ يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ، وَيَا ذَا الطُّولِ وَالإنْعَام، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، ظَهْرَ الاَّجِينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأُنْسَ الْخَائِفِينَ، إِني أَسْأَلُكَ، إِنْ كُنْتُ فِي أُم الْكِتَابِ شَقِيّاً، أَنْ تَمْحُوَ مِنْ أُم الْكِتَابِ شَقَائِي، وَتُثْبِتَنِي عِنْدَكَ سَعِيداً، وَإِنْ كُنْتُ فِي أُم الْكِتَابِ مَحْرُوماً، مُقَتَّراً عَلَيَّ فِي رِزْقِي، أَنْ تَمْحُوَ فِي أُم الْكِتَابِ حِرْمَانِي، وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَاثْبُتْنِي عِنْدَكَ سَعِيداً مُوَفَّقاً لِلْخَيْرِ كُلهِ } .
وما يعترضون عليه فيه هى الجملة التي تقول (اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً فامحو الله شقاوتي). والرد هنا: أن هذا ليس بشئ غريب ولا عجيب لأن الله قال في القرآن: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) (39الرعد)، لم يقل محا الله، وإلا كان انتهى المحو وانتهى الإثبات، ولكنه جاء بصيغة المضارع لأن المحو والإثبات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (39الرعد). يعني يغيِّر ويبدِّل كما يريد؛ (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (23الأنبياء).
ونحن نرى المحو والإثبات كل يوم وكل ليلة، فكنا هنا بالنهار محى الله النهار وجاء الآن بالليل، وسيمحو الآن الليل ويأتي النهار: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) (12الإسراء)، فالليل والنهار محو وإثبات مستمر. يمحو الله كل ليلة عباداً فيميتهم، ويثبت عباداً فيولدون، فالولادة إثبات والموت محو. يمحو الله المزروعات التي نحصدها، ويثبت المزروعات التي نبذرها. يمحو الله الذنوب التي نستغفر فيها - لو أنكرنا المحو والإثبات فكيف يغفر لنا الله يمحو الذنوب؟- ويثبت الحسنات: (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (70الفرقان). بل حتى في القضاء فهناك قضاء مبرم، والذي أبرمه لا يعلمه إلا هو، وهناك قضاء معلَّق لا يعرفه أيضاً إلا هو، فالتقدير بيدي العليِّ القدير، والمقادير الذي وضعها هو صاحب التقدير، وهو عزَّ وجلَّ، منه البدء وإليه المآب وإليه المصير.فهذا الدعاء وارد عن سيدنا عبد الله بن مسعود وليس فيه شئ يعترض عليه في دين الله عزَّ وجلَّ الصحيح والمعتدل .

صلاة التسابيح

صلاة التسابيح
ومنهم من كان يحييها بصلاة التسابيح، لأن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال - فيما رواه أبو داود والترمذي لعمه العباس رضّى الله عنه: { يَا عَبَّاسُ، يَاعَمَّاهُ، أَلاَ أُعْطِيكَ؟، أَلاَ أَمْنَحُكَ؟، أَلاَ أَحْبُوكَ؟، أَلاَ أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إذا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ الله لَكَ ذَنْبَكَ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطْأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلاَنِيَتَهُ؛ عَشْرَ خُصَالٍ: أَنْ تُصَلِّي أَربَعَ رَكَعَاتٍ ثم بين له كيفيتها وهيئتها وقال: فإنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيهَا في كلِّ يَوْمٍ فَافْعَلْ، فإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فإِنْ لَمْ تَفْعَل فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً } . ولذلك نجد بعض الصالحين يجتمعون لصلاتها كل أسبوع بعد عشاء الخميس باستمرار في جماعة، وبعضهم يصليها في الليالي الفاضلة: ليلة النصف، وليلة السابع عشر من رمضان (ليلة بدر) والليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان: {فَالْتَمِسُوها فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ} ، وليلتى العيدين لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ أَحْيَا ليلةَ الفِطرِ وليلةَ الأضحى لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يومَ تَمُوتُ القُلُوبُ } ، وليلة عرفة، وليلة عاشوراء، وليلة المولد. الليالي الفاضلة التي قال فيها الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ أَحْيَا اللَّـيَالِـيَ الأَرْبَعَ وَجَبَتْ لَهُ الـجَنَّةُ: لَـيْـلَةَ التَّرْوِيَةِ، وَلَـيْـلَةَ عَرَفَةَ، وَلَـيْـلَةَ النَّـحْرِ، وَلَـيْـلَةَ الْفِطْر}. والصلاة كلها تسابيح لله عزَّ وجلَّ ولها روايتان، ونحن نصلي كي نأخذ الحسنيين، فنصلي ركعتين على رواية، وركعتين على الرواية الثانية.
فالرواية الأولى بعد تكبيرة الإحرام يقول المرء: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) خمس عشرة مرة، ثم يقرأ الفاتحة وسورة أو ما تيسر من الآيات، ويكرر التسبيح عشر مرات وهو واقف، وفي الركوع عشر، وبعد سمع الله لمن حمده وهو واقف عشر، وفي السجود عشر، وبين السجدتين عشر، وفي السجدة الثانية عشر، فيكون في الركعة خمس وسبعون تسبيحة.
أما الرواية الثانية فبعد تكبيرة الإحرام يفتتح الصلاة بقراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم يقول (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) خمس عشرة مرة، ثم يركع فيقول عشراً ، ثم يرفع من الركوع فيقول عشراً وهو واقف، وعشراً في السجدة الأولى، وعشراً بين السجدتين ، وعشراً في السجدة الثانية فيتبقى عليه عشراً، يقولها قبل قيامه للإتيان بالركعة الثانية، وقبل قراءته للتشهد في الركعة الثانية. فنصلي ركعتين بالرواية الأولى وركعتين بالرواية الثانية لنجمع الحسنيين.
وأوصي الصالحون بالإكثار من الاستغفار في هذه الليلة وخاصة سيد الاستغفار: {اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِيِ وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ فَاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ} ، وأوصوا بأن يقضيها الإنسان في طاعة الله، لا يشغل أي جزئية من الوقت فيها بسهو أو غفلة، فلا يشاهد فيها تلفازاً، ولا يقضيها في قيل وقال، أو لهو أو لغو أو لعب، بل يجعل هذه الليلة كلها مع الله ومع أحباب الله ومع طاعة الله عزَّ وجلَّ.
أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفقنا لفعل الخيرات، وعمل الطاعات، والمحافظة على النوافل والقربات، وأن يجعل أوقاتنا كلها في رضاه، وأن يحفظنا من الغفلة والسهو النسيان، ويجعلنا من أهل الفكر والذكر والحضور. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المحرومون من عفو الله في ليلة النصف من شعبان

المحرومون من عفو الله في ليلة النصف من شعبان
الحمد لله الذي أضاء نور أحبابه، وخص عباده بأسمائه وصفاته، وكنز عطائه وهباته سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم باب فضل الله، وخير خلق الله، باب الاصطفاء لعباد الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى آله الهداة، وأصحابه الداعين إلى الله بالله، وكل من تبعهم على هذا النهج القويم من رجالات الله، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعلينا معهم أجمعين. أما بعد
فهذه الليلة ليلة النصف من شهر شعبان، يقول فيها صلَّى الله عليه وسلَّم: { يَسِحُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَيْرَ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ سَحًّا: لَيْلَةَ الأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَلَيْلَةَ النصْفِ مِنْ شَعْبَانَ يُنْسَخُ فِيهَا الآْجَالُ وَالأَرْزَاقُ وَيُكْتَبُ فِيهَا الْحَجُّ، وَفِي لَيْلَةِ عَرَفَةَ إِلى الأَذَانِ} .
ففضل الله ينزل في هذه الليلة من الوفرة والكثرة حتى أن الملائكة الكرام لتعجب من كثرة ووفرة ما ينزله الله في هذه الليلة من البركة والخير لجميع الأنام، وأعظم ما في هذا الخير - والخير الذي يحتاجه المسلم إما لدنياه وإما لأخراه، فأعظم الخير في الدنيا هو استجابة الدعاء، أي أن الله يستجيب لكل مؤمن بما يدعو به مولاه في تلك الليلة - ما لم يدعُ على أحد ظلماً وعدواناً، أو يدعو على أحد بأن يقطع رحمه، أو يدعو على أحد بأن يرتكب محرماً أو إثماً أو معصية، فهذه دعوة ظالمة - أما إذا دعا بالتوفيق لنفسه أو لأهله أو لأولاده أو لإخوانه أجابه الله على التحقيق، ولا شك في هذه الإجابة، وإذا دعا بخير في الدنيا أو الآخرة أيضاً لمن ذكرنا استجاب الله تعالى له.
أما بالنسبة للآخرة، فإن الله بفضله وكرمه ومنِّه وعفوه يعفو عن أهل الإستقامة وأهل التعرض لنفحات فضله، وإن لم يدعوه ويستغفروه، لأنه يتفضل بادئ ذي بدء في هذه الليلة فيغفر مغفرة تعم جميع خلقه، إلا ستة أصناف لم يشملهم قرار هذا العفو، ويقول في ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: {أَتَانِي جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: هذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلِلَّهِ فِيهَا عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ بِعَدَدِ شُعُورِ غَنَمِ كَلْبٍ، وَلاَ يَنْظُرُ اللَّهُ فِيهَا إلَى مُشْرِكٍ، وَلاَ إلَى مُشَاحِنٍ، وَلاَ إلَى قَاطِعِ رَحِمٍ، وَلاَ إلَى مُسْبِلٍ، وَلاَ إلَى عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ، وَلاَ إلَى مُدْمِنِ خَمْرٍ} .
هؤلاء القوم هم الذين يحرمون من هذا الفضل الإلهي في هذا الحديث، يضاف إليهم صنف آخر رواه حديث آخر - وبذلك استكمل الموانع في قرار التوبة والأوبة والعفو إلا لهؤلاء السبعة، وقد قال صلّى الله عليه وسلم: {يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمٍّومِنِينَ، وَيُمْهِلُ الْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحَقْدِ لِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوْهُ} .
أي أن الذي في باطنه حقد أو حسد على أحد من المسلمين لا يستجيب الله له، ولا يحقق رجاءه، ولا يغفر له في هذه الليلة، والحقد هو أن الإنسان يستكثر الخير على المؤمنين، ويرى أنه أولى به منهم، وإذا كثر الحقد تحول إلى الحسد، والحسد هو تمني زوال النعمة، فيتمنى من الله أن هذه النعمة تزول عن أخيه؛ إن كان صحيحاً بأن يمرض، وإن كان غنياً بأن يفتقر، وإن كان أولاده موفقين أن يخذلوا، وهذه الصفة لا توجد بالأحرى في أي مسلم عادي فضلاً عن المسلمين المستقيمين، فإن أي مسلم لا يتمنى من الله إلا الخير للمسلم، لأن هذا هو أساس قبول الأعمال عند الله عزَّ وجلَّ بالنسبة لأمة الإسلام أجمعين.

نسخ الآجال والمواليد والأرزاق

نسخ الآجال والمواليد والأرزاق
هذه الليلة ورد فيها حديث آخر يبيِّن ميزتها، قال فيه صلَّى الله عليه وسلَّم: { تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى شَعْبَانَ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي الْمَوْتَى} ، فملك الموت ومساعدوه ومعاونوه من ملائكة الموت يتلقون في هذه الليلة كل خطوط سيرهم طوال العام لمن يقبضون أرواحهم في هذا العام إلى الليلة الآتية من العام القادم، وفى ذلك الحديث الشريف، أيضاً رواية أخرى أنه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: { أنه شهر تنزل فيه الآجال، وأحب أن ينزل أجلي وأنا في عبادة ربي } ، وفى الحديث المعروف عن عائشة رَضِىَ الله عنها أنه صلَّى الله عليه وسلَّم قال لها:{ هَلْ تَدْرِين مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟- أى ليلة النصف من شعبان - قُلْتُ: وَمَا فِيهَا؟ قَالَ: فِيهَا يُكْتَبُ كُلُّ مَوْلُودٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا يُكْتَبُ كُلُّ مَيِّتٍ، وَفِيهَا تَنْزِلُ أَرْزَاقُهُمْ، وَفِيهَا تُرْفَعُ أَعْمَالُهُمْ } .
ولذلك عندما سئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن اختصاصه شهر شعبان بإكثاره من الصيام، قال صلَّى الله عليه وسلَّم مبيناً ذلك في رواية أنه: { وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } . فهو شهر ترفع فيه الأعمال، عمل العام كله يرفع في هذه الليلة، مع إننا نعلم أن العمل يرفع أو يعرض قبل ذلك على ثلاث مرات، العمل يرفع في وقت فعله إلى الله ورسوله، ثم يؤخره الله عزَّ وجلَّ بفضله ومنه وكرمه، ويؤخر قبوله إذا كان فيه سوء أو معصية لعل العبد يتوب إلى الليل ويأمر الحفظة الكرام أن ترفعه، أي: تعيد عرضه مرة أخرى عند النوم: { تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُ خَيْراً حَمِدْتُ اللَّهَ، وَإِنْ رَأَيْتُ شَرًّا اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ } . فإذا كان هناك سوء أو وزر، وصاحبه مصرٌ عليه أخرَّ الله هذا وأمر الملائكة أن ترفع إليه العمل وتعرضه يومى الاثنين والخميس، وأفهمنا ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم عندما نصح أصحابه بصيامه هذين اليومين فقال: { تُعْرَضُ الأعمالُ يَوْمَ الاْثَنيْنِ والخَميِسِ فأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلي وأنا صَائِمٌ } ، فمن تاب تاب الله عليه: { تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَمِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ، وَمِنْ تَائِبٍ فَيُتَابُ عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ أَهْلُ الضَّغَائِنِ بِضَغَائِنِهِمْ حَتَّى يَتُوبُوا } ، ثم يمهل الله المؤمنين مرة أخرى ويترك لهم الفرصة ليتوبوا ويرجعوا إلى الله وينيبوا إليه، فيأمر الملائكة أن ترفع العمل عمل العام كله في ليلة النصف من شعبان.
الإكثار من الاستغفار
وهذا ما جعل الأئمة الكرام يحيون هذه الليلة بالتوبة والاستغفار والأنين إلى الله، يتوبون ويستجيرون، فإن الله يغفر ذنوبهم، ولذلك استحسن الأئمة الكرام الاكثار من الاستغفار فيها وخاصة سيد الاستغفار، والذي يقول فيه صلَّى الله عليه وسلَّم سيد الاستغفار: {اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِيِ وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ} - ثم قال صلَّى الله عليه وسلَّم مبيناً فضله - {فَإنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ مُوقِنا بِهَا فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي مُوقِنا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ} .
ولذلك استحسن الأئمة الكرام أن يبدأ الإنسان به بعد صلاة الصبح وأن يبدأ به بعد صلاة المغرب، ليبدأ به أول النهار ويبدأ به أول الليل فيكون قد ضمن لنفسه دخول الجنة إن مات نهاراً، ودخول الجنة إن مات ليلاً فيكثر فيه من الاستغفار ويقرأ فيه سورة يس كما قرأنا لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يس فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ مَغْفُوراً لَهُ } - ونثلثها لأن التثليث سنة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وبعضهم كان يقضي الليلة في الصلاة، لأن الصلاة من أعظم أبواب الخير التي يدخل بها العبد على مولاه عزَّ وجلَّ.
عموماً فأقل الأعمال خفة على اللسان وثقلاً في الميزان هو الاستغفار، فما على المرء في هذه الليلة أن لا يجعل لسانه يبخل عليه بالاستغفار في تلك الليلة جملة، لا يسكن ولا يكل ولا يمل من ترداد الاستغفار حتى يعمنا الله بمغفرته، ويكتب لنا فضله وبره وخيره وجوده وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
معجزة إنشقاق القمر وثبوتها بالقرآن والسنة
أما ثبوتها بالكتاب فقد أجمع أهل العلم على ذلك من قول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ . وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (1، 2القمر)، وقد أخبر الله تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته، وأجمع المفسرون وأهل السنة على أن وقوعه قد تمَّ بالفعل وأنه لا خلاف فى ذلك. وأما ثبوتها بالسنة، فقد كثرت الروايات فى ذلك وهى أكثر من أن تحصى فى هذا المجال وسنورد القليل منها للتدليل، وعلى راغبى المزيد الرجوع للمراجع والمطولات:
أخرج البخارى عن ابن عباس: { إنَّ القمرَ انشقَّ على زمان رسولِ اللّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم}، وعن ابن مسعود رضِىَ الله عنه قوله: { انشق القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اشهدوا }، وقد كانت هذه الآية بطلب وتعيين من أهل مكة لما جاء فى الحديث: { أنَّ أهلَ مكةَ سألوا رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُريَهم آيةً، فأراهمُ القَمَر شِقَّتَين، حتى رأوا حِراءً بينهما } ، وفى الرواية الأخرى: { انشقَّ القمرُ ونحن مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمِنى فقال: اشهَدوا، وذَهبت فِرقة نحوَ الجبل } ، ولا تعارض بين الروايات بمنى أو بمكة لأن ذلك كان بمكة قبل الهجرة فمن رأها بمكة أخبر، ومن كان بمنى قد رآه وهو بها فأخبر، ومنى من جملة مكة على أية حال.
وأما الروايات التى وردت أنه انشق مرتين، فقد أجمع أهل العلم أن الإنشقاق وقع مرة واحدة قبل الهجرة، وحملوا مرتين تغلباً على أن الراوى رأى الآية أولاً ثم عادوا إلى بيوتهم فدخلوا وخرجوا ورأوه ثانية مازال منشقاً، أو رأوه بمنى ثم عاد إلى مكة فرآه فقالوا مرتين.
ورواه عنه مسروق وزاد: { فقال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشة ! فقال رجل منهم: إن محمداً إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر: هل رأوا هذا ؟، فأتوا، فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك }، وحكى السمرقندي عن الضحاك نحوه، وقال: { فقال أبو جهل: هذا سحر، فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا: أرأوا ذلك أم لا؟، فأخبرأهل الآفاق أنهم رأوه منشقاً، فقالوا ـ يعني الكفار: هذا سحر مستمر}.
وأخرج أبو نعيم الأصبهانى في دلائل النبوة بلفظ: { انشق القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال كفار قريش: هذا سحر سحركم ابن أبي كبشة، فانظروا إلى السفار، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، قال: فما قدم عليهم أحد إلا أخبرهم بذلك} لفظ هشيم. وعند أبي عوانة: { انشق القمر بمكة - نحوه وفيه - فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم }، وفى الدلائل أيضاً عن ابن عباس في قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) (1القمر)، قال: { اجتمعت المشركون إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم كثير، فقالوا للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: إن كنت صادقا فشق القمر لنا فرقتين نصفاً على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان، فقال لهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إن فعلت تؤمنوا؟، قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الله عزَّ وجلَّ أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر قد مثل نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينادي: يا أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا }.

كيفية إحياء ليلة النصف من شعبان

كيفية إحياء ليلة النصف من شعبان
آداب الاستعداد لليلة
1- التوبة، 2- العفو عمن ظلمك، 3- بر الوالدين وصلة الرحم.
4- الطهارة الظاهرة والباطنة. 5- التوسعة على الأهل والأولاد فيها. 6- الإكثار من قول : يا غفور يا رحيم .. يا تواب يا كريم .. يا الله.

إحياء ليلة النصف من شعبان
إذا غربت شمس ليلتها أسرع المسلمون إلى صلاة المغرب، وبعدها يصلون ست ركعات يسألون الله تعالى بين كل ركعتين بالدعاء الذي يرد على البال، وعقب كل دعاء يقرأون سورة يس لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: { مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يس فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ مَغْفُوراً لَهُ} .
إحياؤها عند السلف الصالح
- صيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، مع التضرع إلى الله عقب كل صلاة في الأيام الثلاثة بهذا الدعاء: { اللهم لك الحمد ولك الشكر كما تحب وترضى، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، أسألك أن تصلي وتسلم وتبارك على ذات حبيبك ومصطفاك سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم. لا إله إلا الله الحليم الكريم، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، لا تدع لي ولا لأحد من إخواني ذنباً إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين، (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (285-286البقرة) [10 مرات]، وفي كل مرة تكرر (أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (مائة مرة)، ثم يصلِّي على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم }.
- صلاة ست ركعات بعد كل مغرب في الأيام الثلاثة، والدعاء بين كل ركعتين بهذا الدعاء (لبيك وسعديك والخير كله بيديك، لا إله إلا أنت لك الحمد ولك الشكر حتى ترضى، أسألك يا منزل القرآن في ليلة الفرقان، يا قابل التوب وغافر الذنب، يا من سبقت رحمتك غضبك ووسعت كل شئ، أسألك أن تجعلني يا إلهي ممن سبقت لهم حسناك، وقدرت لهم عنايتك. إلهي. إلهي. إلهي، اجعلني ممن غفرت لهم ذنوبهم، وسترت عيوبهم، ووسعت لهم أرزاقهم. إلهي. إلهي. إلهي، اسعدني بإحسانك، وفرحني بفضلك ورحمتك، وأعزَّني بعنايتك. وفِّ يا إلهي ديني، واصلح لي ذريتي، واجعلني باراً بوالدي، وصالاً لرحمي، رحمة لإهلي وإخواني وأولادي وجيراني، واحفظني يا إلهي من المعصية وأسبابها، ومن الأمراض، ومن شر الأشرار ومن كيد الفجار، واهلك أعدائي وادفع عني شرورهم، وكن لي ومعي، (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (87الأنبياء)، يا حي يا قيوم، يا باسط يا ودود، يا معطي يا وهاب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
- صلاة التسابيح عقب صلاة العشاء ليلة النصف.
- صلاة مائة ركعة جماعة في جوف ليلة النصف، وقراءة سورة الإخلاص (10 مرات) في كل ركعة.
- الإكثار من ترديد سيد الإستفغار (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up