بحث متقدم

بنو إسرائيل ووعد الآخرة

بنو إسرائيل ووعد الآخرة

بنو إسرائيل ووعد الآخرة

اقرأ الكتاب
  • عنوان السلسلة

    الدين والحياة

  • تاريخ النشر

    05 - يونيو - 2011

  • عدد الصفحات

    192

  • رقم الطبعة

    الطبعة الأولى

  • مرات التحميل

    723

  • كود التحميل

    غير موجود
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

بنو إسرائيل ووعد الآخرة

مقدمة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الحكم العدل المعزِّ المذلِّ السميع البصير اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على منبع الإلهام, ومبيِّن الحلال والحرام، وكاشف أستار الظلام عمَّن شاء الله عزَّ وجلَّ لهم الهداية من الأنام، سيدنا محمد وآله الأعلام وأصحابه مصابيح الظلام، وكلِّ من تبعه على هذا الهدى إلى يوم الزحام، وعلينا معهم يا ملك يا علام. ...... وبعد!
يتساءل كثيرٌ من الفضلاء عن الحكمة الإلهية فى تكرار ذكر قصة سيِّدنا موسى مع قومه فى القرأن، ولعل نبيَّنا صلى الله عليه وسلم يكشف عن جانب من ذلك فى قوله:
{ حَدثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ فَإنَّهُ كَانَتْ فِيهِمُ الأَعَاجِيبُ }
لقد عرَّى الله عزَّ وجلَّ بنى إسرائيل، وكشف حقيقتهم، وأبان أوصافهم وطباعهم لنعلمهم يقيناً، ونستجليهم حقيقة، فنأخذ حذرنا منهم، ونتشكَّك دوماً فى نواياهم، ونتيقَّظ لدسائسهم ومؤامراتهم؛ لأنه لا يوجد أىُّ شرٍّ أو ضرٍّ فى العالم عامةً وللمسلمين بصفة خاصة؛ إلا واليهود وراءه تخطيطاً وتدبيراً وتجهيزاً وتنفيذاً! قاتلهم الله أنَّى يؤفكون.
وقد بيَّنَّا فى هذا الكتاب موجزاً لتاريخ بنى إسرائيل منذ يعقوب عليه السلام إلى عصرنا هذا، ثمَّ بيَّنَّا أوصافهم وطباعهم التى تحدَّث عنها القرآن الكريم، وذكرنا أساليبهم قديماً وحديثاً للوصول إلى أغراضهم وتحقيق أهدافهم، وتحدَّثنا أخيراً عن النهاية التى صورها القرآن الكريم والنبى صلى الله عليه وسلم لهم.
وإنِّى أرى لزاماً على كلِّ مسلم ومسلمة فى هذا الزمان؛ أن يطَّلع على هذه الحقائق التى ذكرناها فى هذا الكتاب، وأن يذكرها لكلِّ من حوله من أهله وذوى قرباه وإخوانه المسلمين؛ حتى يرينا الله عزَّ وجلَّ علانية تحقيق قوله سبحانه وتعالى:
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) - ويحقِّق لنا وبنا قوله عزَّ وجلَّ - (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (8، 9الصف).
أسأل الله عزَّ وجلَّ بسرِّ حبيبه ومصطفاه، وبسرِّ أسماءه الحسنى ما علمنا منها وما لم نعلم؛ أن يهلك الكافرين بالكافرين، وأن يوقع الظالمين فى الظالمين، وأن يخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين، وأن يطهِّر أرض بيت المقدس وفلسطين من اليهود الغاصبين ويجعلها مقبرة لهم أجمعين، وأن يحقِّق لنا وبنا النصر المبين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى وآله الغرِّ الميامين وصحابته المباركين، وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين، وسلامٌ على المرسلين والحمدُ لله ربِّ العالمين.
القاهرة، فى 27 جماد الثانى 1432هـ، الموافق 30 مايو 2011م

الباب الأول: تاريخ بني اسرائيل

الباب الأول
تاريخ بنى إســـــــرائيل
الفصل الأول: من النشأة حتى الخروج من مصر
أســـماء بنى إســـرائيل
قدوم بنى إســـرائيل إلى مصر
حياة أبناء يعقوب (بنو إسرائيل) بمصر
ملخص سيرة موسى عليه السلام حتى خروجه من مصر
خروج بنى إسرائيل من مصر
الفصل الثانى : من مصر إلى الشام
فى الطريق إلى الشام
الثورة على نبى الله موسى وأخيه هارون.
رغبة بنى إســــــرائيل فى العودة للوثنية
وعد الله موسى بالتوراة وأفعال بنى إسرائيل.
إعتذار الأخيار عن عبادة العجل والصــعق
التوبة من العجل بقتلهم أنفســــــهم
لم رفع الله الجبل فوق رؤوســهم؟
التيه فى صحراء سيناء أربعين سنة
الفصل الثالث: فى الأرض المقدسة
دخول بنى إسرائيل الأرض المقدسة
عهد القضاة
عهــــد الملــوك
نبى الله داود عليه السلام
ملك نبى الله سليمان عليه السلام
الفصل الرابع: بعد وفاة سليمان عليه السلام
تاريخ بنى إسرائيل بعد وفاة سليمان
اليهود فى ظلِّ المسيحية
يهود جزيرة العرب
الفصل الخامس: ديانة بنى إسرائيل؟
أحوال بنى إسرائيل الدينية وكتبهم المقدسة
التـــــوراة
أشهر فرق بنى إسرائيل

الفصل الأول (الباب الأول): من النشأة حتى الخروج من مصر

الفصل الأول
من النشأة حتى الخروج من مصر
أســـــــماء بنى إســـــــــرائيل
من أشهر أسماء بنى إسرائيل: العبريون، والإسرائيليون، ويهود أو اليهود.، فقد سموا بالعبريين نسبة الى سيدنا إبراهيم عليه السلام نفسه فقد ذكر فى سفر التكوين باسم ( إبراهيم العبرانى ) لأنه عبر نهر الفرات وأنهاراً أخرى.
أما سبب تسميتهم بالإسرائيليين أو بنى إسرائيل فقد سُمُّوا بذلك نسبة الى أبيهم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وإسرائيل كلمة عبرانية مركبة من ( إسرا) بمعنى: عبد، أو صفوة، و(إيل) وهو الله، فيكون معنى الكلمة: عبد الله، أو صفوة الله، وقال ابن عباس: (قولك إسرائيل كقولك عبدالله) .
ولم تخاطب اليهود في القرآن إلا بـ (يا بني إسرائيل) دون يا بني يعقوب لحكمة تستحق الذكر؛ وهي أنَّ الله خاطبهم وكأنه يقول لهم ويذكرهم دائماً بيا أبناء من كان عبداً لله! أي خاطبهم الله بنسبتهم لعبادته حثَّاً لهممهم وتذكيراً بدين أبائهم عظة لهم وتنبيهًا من غيِّهم! إثباتاً للحقيقة الواضحة أنهم أهل لجاج وعناد يحتاجون دائماً إلى تذكيرهم بعبادة الله لكى لا يحيدوا! وياليتهم يفعلون!
وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر ولدا، وقد جاء ذكر يعقوب عليه السلام فى آيات كثيرة من القرآن الكريم منها قوله تعالى:
(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) )133البقرة).
وذكر يعقوب عليه السلام والأسباط فى مواضع عدة من كتاب الله، مثل:
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) (163النساء).
والأسباط الذين تفرع منه وتناسل بنو إسرائيل جميعاً إنما هم ولَدُ يعقوبَ عليه السلام إبتداءاً، والمعانى اللغوية للكلمة متنوعة ولكنها مترابطة، قال الزمخشري: السِّبْط هو الحَافِدُ، واشتقاقهم من السبط وهو التتابع، وهم سُمُّوا بذلك لأنهم أمة متتابعون، وقيل: من " السَّبَط " جمع سَبَطَة، وهو الشجر الملتف، أو فى الكثرة كالشجر وواحدته سَبَطة (وسباطة الموز معروفة)، وقيل للحَسَنَيْنِ سِبْطا رسول اللـه صلى الله عليه وسلم لانتشار ذرّيتهما، ثم قيل لكل ابن بنت: سِبْط، وقال الإمام القرطبى: والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل.
وتجدر الإشارة إلى أن إبناء يعقوب أو الأسباط هم المعنيون بقوله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ) (7يوسف)، يعني فيهم الإثنا عشر فرداً دلائل إعجاز للسائلين؛ وسبب ذلك أن اليهود أرسلوا للنبى صلى الله عليه وسلم من يسأله فى مكة عن خبر نبى كان بالشام أُخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه حتى عمي؟ ولم يكن بمكة وقتها من يعرف الجواب!؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ سورة يوسف جملة واحدة؛ فيها خبر التوراة وأكثر؛ فأُفْحِمُوا وبُهتُوا! وقيل أنهم سألوه صلى الله عليه وسلم: لمَ نزل أبناء يعقوب مصر؟ فكانت هذه القصة دالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ الكتب المتقدمة ولم يجالس العلماء والأحبار, ولم يأخذ عن أحد منهم شيئاً البتة؛ فدلَّ ذلك على أن ما أتي به وحيٌّ سماويٌّ أوحاه الله إليه وأيده به.
أما عن سبب تسميتهم بيهود؛ فقد قيل إنهم سُمُّوا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل وقالوا لله: إنا هدنا إليك أى تبنا ورجعنا وأنبنا إليك يارب،
وفى لسان العرب: الهود: التوبة ، هاد يهود هودا: تاب ورجع الى الحق فهو هائد ، وفى التنزيل العزيز (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ) (156الأعراف) أى تبنا ورجعنا إليك ، ويهود اسم للقبيلة؛ وقالوا: ( اليهود ) فأدخلوا الألف واللام فيها على إرادة النسب يريدون اليهوديين.
وقد أورد الإمام إبن كثير أنهم سمُّوا باليهود لنسبتهم إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام، وأورده القرطبى، وأضاف قائلاً: فقلبت العرب الذال دالاً؛ لأن الأعجمية إذا عُرِّبت غُيّرت عن لفظها.
يقول الدكتور جواد على: (ولفظ يهود أعم من لفظة عبرانيين وبنى إسرائيل، ذلك أن لفظ يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخلوا فى دين يهود وهو ليس منهم، وقد أطلق الإسرائيليون وأهل يهوذا لفظة يهود على أنفسهم وعلى كل من دخل فى ديانتهم وتمييزا لهم عن غيرهم ممن لم يكن على هذا الدين).
قدوم بنى إسرائيل إلى مصر
متى حدث ذلك؟ ولماذا؟
بدأت علاقة بنى إسرائيل بمصر بقوة عندما هاجر يعقوب عليه السلام بأهله من فلسطين الى مصر حوالى القرن السادس عشر قبل الميلاد على أثر ما حاق بفلسطين من مجاعة وما أصاب مراعيها من جدب وقحط وجفاف
وبداية الأمر أن أبناء يعقوب عليه السلام كانوا فى هذه الفترة يترددون على مصر لقصد التجارة وطلب القوت كالكثير من الكنعانيين، فتعرفوا على أخيهم يوسف عليه السلام الذى كان فى ذلك الوقت أمينا على خزائن مصر فأكرمهم وطلب منهم أن يحضروا جميعاً ومعهم أبوهم يعقوب عليه السلام الى أرض مصر ليعيشوا فيها ويهجروا فلسطين، وقد لبَّى يعقوب طلب يوسف عليه السلام فحضروا الى مصر وكان عددهم ستا وستين أو سبعا وستين نفسا سوى نسوة أولاده.
وقد أكرم يوسف عليه السلام مثوى أبيه وأخوته ورقَّق عليهم قلب ملك مصر فى ذلك الوقت، وطلب بنو إسرائيل من ملك مصر أن يسكنهم فى أرض جاسان فاستجاب لهم وقال ليوسف: (( أبوك وأخوتك جاءوا إليك أرض مصر ففى أفضل أرضها أسكن أباك وأخوتك ليكونوا فى أرض جاسان، فأسكن يوسف أباه واخوته وأعطاهم ملكا فى أرض مصر وفى أفضل الأرض وعال يوسف أباه وإخوته وكل بيت أبيه بطعام على حسب الأولاد )).
ذكر السدى ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذى من أجله قدم إخوة يوسف بلاد مصر؛ أن يوسف عليه السلام لما باشر الوزارة بمصر ومضت السبع سنين المخصبة ثم تلتها السبع السنين المجدبة وعمَّ القحط بلاد مصر بأكملها ووصل الى بلاد كنعان وهى التى فيها يعقوب وأولاده؛ فحينئذ احتاط يوسف أكثر للناس فى غلاتهم، وجمعها أحسن جمع. وعليها فقد ورد عليه الناس من سائر الأقاليم يمتارون لأنفسهم وعيالهم؛ فكان لا يعطى الرجل أكثر من بعير، أما هو فكان عليه السلام لا يشبع نفسه.
وكان فى جملة من ورد للميرة أخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم فى ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطى الناس الطعام بثمنه فأخذوا معهم بضاعة يستبدلون بها طعاماً، وركبوا عشرة نفر واحتبس يعقوب عليه السلام عنده بنيامين شقيق يوسف، وكان أحبَّ ولده إليه بعد يوسف.
فلما وصلوا مصر ودخلوا على يوسف وهو جالس فى أبهته ورياسته؛ عرفهم حين نظر إليهم وهم له منكرون، أى لا يعرفونه لأنهم فارقوه وهو صغير وباعوه للسيارة (القافلة) ولم يعرفوا أين ذهبوا به؟ ولا كانوا يظنون فى أنفسهم أن يصير الى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم وشرع يخاطبهم فقال لهم كالمنكر عليهم : ما أقدمكم الى بلادى؟
فقالوا: أيها العزيز إنا قدمنا للميرة. قال: فلعلكم عيون؟ قالوا : معاذ الله، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبى الله، قال: وهل له أولاد غيركم؟ قالوا: نعم! كنا أثنى عشر فذهب أصغرنا فهلك فى البرية وكان أحبنا الى أبيه، وبقى شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه (أى لينشغل به أو يُذهب به الحزن عن نفسه ).
وروى ابن وكيع عن السديّ ما يشبهه، ونهايته قال يوسف: فكيف تـخبرونـي أن أبـاكم صدّيق وهو يحبُّ صغيركم دون الكبـير؟ ائتونـي بأخيكم هذا حتـى أنظر إلـيه فإنْ لَـمْ تَأَتُونِـي بِهِ فَلا كَيْـلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ! قالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أبـاهُ وإنَّا لَفـاعِلُونَ، قال: فضعوا بعضكم رهينة حتـى ترجعوا فوضعوا شمعون، وفى النهاية أمر يوسف عليه السلام بإنزالهم وإكرامهم.
وهنا سؤال هام له علاقة بسبب استمرار تواجد بنى إسرائيل بمصر من بعد يوسف وأبيه؟ ألا وهو: من الذى كان يحكم مصر عندما وصل إليها يعقوب وبنوه عندما استدعاهم يوسف عليه السلام؟
يقول المؤرخون: إن الذى كان يحكم مصر عندما هاجر إليها يعقوب وذريته فى حوالى القرن السادس عشر ق م هم الهكسوس.
والهكسوس كانوا مستعمرين أجانب! كانوا جماعات من الرعاة نشأوا فى آسيا ثم دخلوا مصر على أثر المجاعات التى حلت ببلادهم وانتهزوا فرصة انحلال الأسرة الثالثة عشرة الفرعونية وكثرة خلاف ونزاع الأمراء فاستولى الهكسوس على السلطة فى مصر السفلى (الدلتا) وحكموا مصر على إمتداد عهد أربع أسر من الأسر القديمة التى حكمت حوالى سنة.1675-1570 ق م
حياة أبناء يعقوب (بنو إسرائيل) بمصر
وعاش بنو إسرائيل بعد ذلك فى مصر مستوطنين أرض جاسان، ودفعهم الى المكث في مصر ما اكتسبوه من خيرات، وما نالوه من أمن واستقرار بعد طول ترحال ومجاعات حلَّت بهم قبل ذلك، وساعدهم فى ذلك تعاونهم مع الهكسوس حكام البلاد الأغراب عن مصر أيضاً.
وفاة يعقوب ويوسف عليهما السلام
ودارت الأيام ومرت السنون وكان يوسف قد تزوج زليخا بعد موت زوجها، فولدت له إفرايم أو إفراثيم ومنشا ورحمة، وإفرايم هو جد يوشع بن نون؛ فتى موسى فى سورة الكهف، وولي عهد نبى الله موسى عليه السلام من بعده على بنى إسرائيل، وهو من قادهم لدخول الأرض المقدسة بعد إنقضاء فترة التيه فيما بعد، ورحمة وكانت زوجة أيوب نبى الله - كما قيل.
وما زال بنو إسرائيل يتكاثرون ويتزايدون .. ثم قبض الله عزَّ وجلَّ يعقوب عليه السلام وهو ابن مائة وأربعين سنة - كما قيل، فحمله يوسف فدفنه ببلاد فلسطين، عند تربة إبراهيم وإسحاق كما أوصاه.
وبعد حوالى عشرين عاماً تقريباً قبض الله يوسف وعمره حوالى مائة وعشرون عاماً، واختلف الناس وتشاجروا أين يُدفن لما يرجون من بركته، حتى همّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث مفرق الماء بمصر فيمرُّ الماء عليه ثمّ يتفرع إلى جميع ربوع مصر، فيصيبون جميعاً من بركته، ففعلوا، وجعلوه في تابوت من الرخام، وسد بالرصاص وطلي بالأطلية، وطرح في النيل نحو مدينة مَنْفَ، إلتماساً لبركته على مصر ونيلها كما أسلفنا.
وقد نعم بنو إسرائيل بحياة آمنة رخيَّة طوال حكم الهكسوس الغرباء عن مصر، فلما تمكن (أحمس) من الانتصار على الهكسوس وطردهم من مصر وأسس الأسرة الثامنة عشرة فى القرن السادس عشر حوالى 1570 أو 1580 ق م، بدأت المخاوف تراود بنى إسرائيل من نظام الحكم الوطنى الجديد!
ثم لما قامت الأسرة التاسعة عشرة التى من بين ملوكها ( رمسيس الثانى) جاهر المصريون بعداوتهم لبنى إسرائيل وأخذوا ينزلون بهم أشد الضربات وألوان العقوبات، وذلك لأنهم شاهدوا منهم عزلة وغروراً واستلاباً لأموالهم بطرق خبيثة، ورأوا منهم أيضا تواطأ مع الهكسوس ضد أبناء الأمة الأصليين، ومحاولات لقلب نظام الحكم القائم .
ويصف المؤرخ الدكتور أحمد بدوى علاقة المصريين ببنى إسرائيل فى تلك الفترة فيقول: { من الثابت فى تاريخ مصر بناءً على ما جاء فى كتب السماء من ناحية وما شهدت به آثار الفراعنة من ناحية أخرى، أن: (العبرانيين) قد عرفوا مصر منذ أيام الدولة الوسطى على الأقل، يجيئوها أول الأمر لاجئين يطلبون الرزق فى أرضها، ويلتمسون فيها وسائل العيش الناعم، والحياة السهلة الرضية بين أهلها الكرام.
وكانوا أيضاً يجيئوها وهم أسارى فى ركاب فرعون، كلما عاد من حروبه فى أقاليم الشرق ظافراً منصوراً، فينزلهم حول دور العبادة يخدمون فى أعمال البناء، ويعبدون أربابهم أحراراً لم يكرههم أحد على قبول مذهب أو اعتناق دين، وتطيب لهم الإقامة فى مصر، وتستقيم لهم فيها أمور الحياة، ثم تنزل بالمصريين بعض الشدائد وتحل بديارهم بعض المحن والنوائب فيتنكر لهم بنو إسرائيل ويتربصون بهم الدوائر، ويعملون على إفقارهم وإضعاف الروح المعنوية بين طبقات الشعب، ابتغاء السيطرة على وسائل العيش فى هذا القطر، ليفرضوا عليه سلطانهم تارة عن طريق الضغط الاقتصادى، وأخرى عن طريق الدين والعقيدة.} إنتهى.
وهذا يشرح لك أيها القارىء السبب لماذا كان أهل مصر ينظرون لهم نظرة دنية؟ لأنهم كانوا يأتون إما للعمل بحثاً عن الرزق! أو أسارى تحت سيف الذل فيسخرهم المصريون فى أعمال الأسرى، والفترة القصيرة التى نعموا فيها بحياة كريمة كانت أيام يوسف ويعقوب وتحت حكم الهكسوس.المستعمرين!
قال صاحب ( تاريخ بنى إسرائيل من أسفارهم ):
والسراجح أن حالة بنى إسرائيل تبدلت بعد تقويض حكم الهكسوس فى القرن السادس عشر ق م وقيام الإمبراطورية المصرية ويستدل من أوراق البردى المذكورة أن تسخيرهم واضطهادهم قد بلغ الذروة فى عهد رمسيس الثانى أعظم ملوك الأسرة التاسعة عشر.
وفى هذه الحالة المضطربة من تاريخ بنى إسرائيل فى مصر وأثناء تلك الإضطهادات التى بلغت ذروتها .. وفى خضم تلك النكبات . وخلال تلك البلايا والمصائب التى كانت تنزل ببنى إسرائيل من فرعون وجنده أراد الله سبحانه أن يمن عليهم وأن ينقذهم مما هم فيه، فأرسل لإنقاذهم وهدايتهم موسى عليه السلام .. ولد نبى الله موسى عليه السلام.. والله أعلم حيث يجعل رسالته!


ملخص سيرة نبى الله موسى حتى خروجه من مصر
وقصة سيدنا موسى عليه السلام من أطول قصص القرآن الكريم، وسنلخصها تلخيصاً سريعاً مركزين على غرضين أساسين من صلب كتابنا:
أولهما: أن نرى كيف أعدَّ الله نبيه موسى عليه السلام لرسالته فى بنى إسرائيل إعداداً خاصاً ليناسب قومه! وكيف كانت كل لمحة فى قصته لحكمة تظهر لاحقا!! وهنا لطيفة: فبون بعيد بين أمتين أمة بنى إسرائيل أرسل الله لها الأنبياء يعقوب فموسى ثم أتبعه بأنبياء وأنبياء وهم لا يزيدون إلا غياً وبعداً، وأمة الحبيب المصطفى أرسل الله لها نبياً واحداً فكفى ووفى من لدن بعثته إلى قيام الساعة والله أعلم بمن أصطفى! فاعتبروا يا أولى العقول والنهى!
وثانياً: لنعرف كيف كانت طباع بنى إسرائيل وأخلاقهم مع نبيهم منذ بداياتهم! فمثلهم لا تتحسن أخلاقهم بعد أن يدور الزمان! بل هى تسوء أكثر فأكثر حتى يأتى وعد الله!! فيجزيهم الله بما كسبت أيديهم! وما ظلمهم الله ولكنهم كانوا أنفسهم يظلمون!
ونلتقط خيط قصة موسى عليه السلام من وقت أن طرد المصريون الهكسوس وبدأ المصريون يذيقون بنى إسرائيل الهوان والعذاب لما ذكرنا آنفاً، ومع ذلك استمر بل كثر شغلهم بالفتن وحبِّ المال والمؤامرات! وعاشوا فى مجتمع خاص بهم ويكاد يكون مغلقاً عليهم! وكان أمر حكام مصر قد استقرَّ على استعبادهم وإذلالهم للإسرائيليين واستخدامهم للخدمة والصناعات والأعمال الدنية، واستمر الطرفان على ذلك! هذا من الناحية الإجتماعية.
أما من الناحية الدينية! فكانت بنو إسرائيل ما تزال تعبد الله وتتوارث دين أبائهم من التوحيد، بينما كل من تأثر من المصريين بيوسف الحاكم المدبر المنقذ لمن كانوا فى ملكه وآمنوا معه؛ فبموت يوسف ومع الأيام اندثر من آمن من المصريين برسالته! وصارو المصريون جميعاً يعبدون الآلهة ويطيعون الفراعنة ويبجلون الكهنة والسحرة! على دين فرعون إلا أفراداً قلائل الله يعلمهم.
وكان أن استشرت نبؤة رؤيا رآها فرعون أن هلاكه على يد رجل من بنى إسرائيل! فأمر فرعون فقتلوا المواليد الصبيان لبنى إسرائيل، فلما كثر قتل المواليد الذكور خشى كهنة فرعون وعظماء حاشيته ألا يكون هناك لاحقاً من يخدم أو يصنع من بنى إسرائيل، فغيَّر فرعون أمره فجعل القتل سنة بعد سنة! فولد هارون فى سنة السماح فأمن! وولد موسى فى سنة القتل التى تليها!
أما عن نسب موسى، فاتفق على أن لاوى بن يعقوب وهو سبط أنجب قاهث، فأنجب بدوره يصهر وعمران، ويصهر هو أبو قارون، وعمران هو أبو موسى عليه السلام وأخيه هارون، ولذا فإن قارون كان ابن عم موسى عليه السلام.
وقد حكى القرآن الكريم فى كثير من آياته نماذج من العذاب الذى أنزله فرعون مصر وجنده ببنى إسرائيل من ذلك قوله تعالى: )وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) (6إبراهيم)، وقوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (4القصص4)، وقوله تعالى: ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) (49البقرة).
وفى خضم الليل البهيم من البلاء والخوف والرعب والذبح! جاء إذن الله ووُلِدَ نبيُّه موسى عليه السلام! والذبَّاحون والقتله يترصدون بكل مولود من قبل أن يولد! ... وولد موسى، وكان وحى الله لأمِّه وقصة التابوت وإلقاء موسى فى النيل وتتبع إخته له، إلى أن وصل زوجة فرعون والتى كانت أطفالها تموت فى المهد، فوقعت محبته فى قلبها- فأخذته وأسمته (مو-سا) بالمصرية القديمة أى (ماء وشجر) حيث وجدوه، واسترحمت فرعون فوافقها غير سعيد.
ثم قصة المراضع وردِّه إلى أمه لتتكامل تنشأته فى حضنها مع رعاية القصر وتربَّى موسى تربية أميرية! لم يكن لينالها فى أوساط الذل والقهر عند قومه! فكانت بداية التجهيز له بالعزَّة والرفعة! وقوة التنشئة التى يحتاجها كنَبِىٍّ من أولى العزم من الرسل! وقيل تربَّى فى بيت أمِّه كمرضعة له تحت رعاية قصر فرعون لهما كأبن تبنَّاه فرعون!
وكما يحكى التاريخ فقد ولد لفرعون بعد ذلك عشرات الأبناء، ولكنه حُرم أولاً منهم حتى تسترحمه زوجته فى موسى، فانظر لحكمة الله وفعله!
وكبر موسى فى القصر وعرف بالقوة العظيمة، ثم صار إلى قتل المصرى خطأً دفاعاً عن إسرائيلى فضح أمره لاحقاً؛ فوشى القوم به عند فرعون لقتله قصاصاً للمصرى؛ فقيضَّ الله له من يحذِّره لينجو! فهرب إلى مدين شمال خليج العقبة واستبدل حياة القصور والرفاهية بالخشونة والشظف والجلد، وليعدَّه الله لتبعات الرسالة من تحمل المشاق والصبر والحياة بين الناس!
ووصل مدين مجهداً، فقصد البئر ليشرب، فالتقى الفتاتين وسقى لهما، ثم قابل نبىَّ الله شعيباً وخطبه إبنته وأمهرها عشر سنوات من الرعى والسقيا والعمل المضنى؛ وكانت تلك التنشئة الثانية لموسى! فقضى السنين يكدُّ فى جو من الجدِّ والتأمل؛ غير منشغل بزوجة ولا ولد! ليتمَّ تجهيزه خلال تلك السنين الطوال محاطاً بعناية الله، وملاحظة نبىِّ الله شعيب له، ومصاحبته إياه.
وصدق الله تعالى إذ قال ملخصاً أسرار عنايته بكليمه فى كتابه الكريم: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (39طه)، وقوله تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (40، 41طه).
وبعد أن أتمَّ الله تجهيزه الظاهر الجسدى والعقلى اللازم لحمل الرسالة! آن أوان التكليف، فألقى الله فى نفسه العودة لمصر بعد تلك السنين. فسار موسى بأهله راجعاً لمصر فى سيناء، فضل الطريق فى البرد، وذهب يلتمس ناراً ليستدلَّ أو يتدفَّأ! فتوالت الأحداث ونزلت عليه الرسالة!! وأمره الله بدعوة فرعون للإيمان وأيده بالآيات، وأمره أن يطلب منه أن يكفَّ عن تعذيب بنى إسرائيل، وأن يرسلهم معه! وكان ذلك بعد حوالى أربعمائة سنة من قدومهم مع يعقوب! وشدَّ الله أزره بأخيه هارون، وجعله نبيَّا، كما أمنَّه من أن يناله أذى من فرعون!
وعاد موسى لمصر، فأتى فرعون وأبلغه مع هارون رسالة الله له، وحاوره فيمن خلق السموات والأرض وفى أخبار القرون الأولى، وطلب منه ان يرسل معهم بنى إسرائيل ويكف عن تسخيرهم وتعذيبهم! وحاججه بالآيات!
ولكن معاناة موسى فى الحقيقة لم تتوقف عند فرعون وجبروته وظلمه! بل هى تضاعفت بسبب قومه من بنى إسرائيل المطبوعين على الذلة والخسة والجدال والطباع الدنيئة! ولم يكونوا ليتخلوا عن ذلك - ولا حتى مع نبيِّهم الذى أرسل لتخليصهم من حياة الذل والقهر!
ففى الحقيقة كان موسى وهارون يحاربان على الجبهتبن؛ فمع فرعون وكهنته والمصريين؛ حدثت وقائع عديدة مما أخبر الله من دعوته فرعون للإيمان ومناظراتهم! وتهديد فرعون له بالسجن! فإظهار آيات اليد والعصا! فتحدى فرعون بسحرته فى يوم الزينة، وتأييد الله لموسى بآية العصا، ثم بإيمان السحرة مع موسى، ثم قتل فرعون لهم وصلبهم لترهيب الناس، ثم أمر فرعون لهامان ببناء الصرح الشاهق ليرى إله موسى، وقيل أن هذا استهلك عدداً من السنين!
وفى داخل بلاط فرعون ووراء جدران المعابد زاد قادة فرعون وكهنته من تأليبهم له على موسى وقومه خوفا على منافعهم ومناصبهم! واستغلالهم لبنى إسرائيل فى الخدمة والصناعات والأعمال الدنية! فزاد فرعون بدوره فى إيذاء بنى إسرائيل، واستمرفى تعذيبهم وعاد لتقتيلهم!!!
وليقيم الله الحجة على فرعون وملأه أكثر وأكثر ... توالى تأييده سبحانه لموسى وبنى إسرائيل بعجائب الآيات العديدة؛ من القحط والجدب ونقص الثمار، والطوفان والجراد والدم والقمل والضفادع، والمسخ وغيرها من الآيات البينات، علَّ فرعون يرعوى أو يتعظ!! وفى كل مرة يطلب المصريون من موسى رفع البلاء عنهم، وأنهم سيتركون له بنى إسرائيل يخرجون معه! ثم يعودون كما كانوا وأكثر!. واستمر ذلك سنوات عديدة أيضاَ .. وقال بعضهم بلغ ذلك عشرين عاماً من الدعوة والآيات والنكث! ولا حياة لمن تنادى!
والعجب الأشد لم يكن على جبهة فرعون وقومه ممن لم يؤمنوا!، بل كان العجب العجاب من بنى إسرائيل! فطوال هذه السنين المتعاقبة ومنذ أرسل الله موسى ومعه هارون! كانا يحاربان مع بنى إسرائيل أيضا!!
فكل ما دار بين موسى وفرعون وملأه وقومه من الأحداث والمعجزات والآيات التى كانت فى نفس الوقت آيات لبنى إسرائيل يشهدون بعيون رؤوسهم كيف يؤيدهم الله! وكيف يجيب سبحانه دعوة نبيِّهم! لعلهم يغيرون من طباعهم البائسة، ويبدلوا سىء عاداتهم التى أكتسبوها على مر السنين الطوال ولكنهم لم يكونوا ليساعدوا نبيهم فى مهمته، ولا حياة لمن تنادى!!
فقد دارت بينهم وبين نبيهم العشرات من الحكايات والعجائب التى تحكى تعسفهم وإلحاحهم وتخبطهم، وسوء نواياهم، وظنهم حتى فى أنبيائهم! وكثيراً ما قالوا لموسى: قد كنا نعيش مرتاحين قبل أن تأتينا من مدين برسالتك! وتؤلب علينا فرعون وكهنته أكثر وأكثر! نعم كنا فى ذلٍّ وخدمة وجرى علينا قتل وسلب؛ ولكنا كنا نجد الشرب والخبز واللحم! والآن فرعون وملؤه يعادوننا بسببك ولأنك تريد أن تخرجنا معك من مصر!
فأين وقع الآيات التى شهدوها، والعجائب التى حضروها!؟
والعشرات من القصص والحوادث والوقائع التى دارت رحاها خلال تلك السنين، ورد الكثير منها إما فى كتاب الله، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل طلبهم من موسى أن يرفع الله الموت عنهم! فينهاهم عن طلبهم فلا ينتهون! ويلحون! فيدعو موسى ويستجاب له ويُرْفَعُ الموت عنهم! فتسوء حياتهم ويسأم الزمنى والمرضى ويضجُّ الناس بالشكوى، ويطلبون عودة الموت لهم كما كانوا وكما خلقوا! فيحدث ولا يتعظون!!
ويطلبون منه مرة أخرى أن يرفع الله الفقر عنهم ويصيروا جميعاً من الأغنياء! فينهاهم فلا ينتهون ويصرُّون! فيسأل موسى الله ويستجاب له فتخرب حياتهم بذلك، ويعودوا يطلبون أن يرجعوا كما كانوا غنياً وفقير! فمرت السنون وموسى يعانى من قومه كما يعانى من فرعون وملأه!
وفى قلب الأحداث ! ومن ضمن إعداد الله تعالى لموسى وتجهيزه لتلك الرسالة المضنية مع بنى إسرائيل؛ جرت واقعة سيدنا موسى عليه السلام والخضر بما فيها من عجائب الآيات والتعليم الربانى لنبيه على يد عبد آتاه الله رحمة من عند وعلَّمه من لدنه علما، وجرت تلك الواقعة بالقرب من دمياط، كما حدثت أيضاً أحداث قصة بقرة بنى إسرائيل وضرب الميت ببعضها وإحيائه ليدل على قاتله، ومع تلك الغرائب والعجائب التى يشيب لهول وقعها وسرِّها الولدان؛ فإن بنو إسرائيل لم يزدادو معها إلا لجاجاً وعناداً ..!!
وفى وسط وقلب قصر فرعون المتأله! وفى داخل مخدعه يلقى الله الإيمان فى قلب زوجته آسية! وفى قلب ماشطة إبنته، فيذيقهم فرعون العذاب ويقتلهم بإيمانهم، وتشيع أخبارهم! وبالطبع لا يمكن تحديد توقيت تلك الحوادث وذلك لا يهم، المهم أنها حدثت فى وقت ما أثناء فترة الدعوة!
وتحدث أيضاً عجائب واقعة قارون وكان ابن عم موسى، وقيل: ولاه فرعون إقليماً من مصر، فجمع مالاً ليس له نظير! ورأى أن لا أحداً فوقه فيما كنز. وروى القرآن تلك القصة بما فيها العبر والعظات لبنى إسرائيل فى عاقبة من يجمع المال ولا يهمه سوى المال وتدبير المكائد وهى حالة بنى إسرائيل أنفسهم! وكأن الله تعالى يريهم أنفسهم وعاقبتهم فى قارون! الذى حسد موسى قريبه على رسالته! فأراد أن يفضحه فى قومه فدبَّر فرية المرأة البغى لتتهم موسى بالفاحشة فبرأه الله! ويَهْلَكُ قارونُ بكلمة موسى! فيعلم الله بنى إسرائيل أن الدسائس لا تفيد بل تهلك صاحبها! ولكنهم لا يعقلون!
وبلغ من غيِّ بنى إسرائيل وسوء ظنهم بأنبيائهم أنه لما خسف بقارون الأرض؛ قالوا: أن موسى أمر الأرض أن تأخذه ليستولى على أمواله! وأساؤا الظنَّ بنبىِّ الله ! فخسف الله بدار قارون وبماله الأرض، فضاع المال منهم أيضاً! ولو لم يفعلوا فلربما ورثوه! ولكن سوء طبعهم لم يبق لهم من قصة قارون إلا العظة والعبرة! ولكنهم لا يعتبرون! وقال بعض أهل العلم أن قصة قارون وقعت بعد الخروج من مصر والأقرب لصحة الوقائع أنها قبله.
واستمر فرعون وزاد وأفاض فى قتل الأبناء واستعباد النساء وهو وقومه يرون أن موسى وبنى إسرائيل سبب البلاءات المتعددة التى إبتلوا بها لأنهم شؤم عليهم! وصار فرعون وقد أصم أذنيه فصار لا يستمع لنصح ناصح من قومه إذا فعل مهما آتى من بينة أو حجة!! وارتفع بكبريائه واستعلائه وصار ولا يري قومه إلا مايرى ! ويستمر فى الإيذاء واستخفافة بعقول قومه الذين أطاعوه كالعميان .. وبدا أن المسلسل لا نهاية له!
بل إن قوم موسى ومع تلك الآيات العظيمة والمتتالية لم يزدادوا إلا حنقاً على موسى ولم يستمعوا لنصائح موسى أن اصبروا ووعد الله لهم أن يورثهم الأرض! وصار موسى وهارون بين شقى الرحى!! فالعذاب يزداد من فرعون لبنى إسرائيل، وبنو إسرائيل ضجُّوا بالشكوى وعدم الإحتمال وقلة المعونة وإنقطاع حبال الصبر والمزيد من سوء الأخلاق والطباع! والتبكيت لموسى!
فكان أن بلغ السيل الزبى ووصل الأمر لنهايته! وعلم موسى أن فرعون وقومه لن يؤمنوا إلا من آمن وهم قلة معدودة! وفى النهاية أدرك موسى بإلهامه النبوى أن الأمر وصل ذروته التى قدرها الله! فدعا الله علي فرعون وقومه÷ فاستجاب الله له وأخبره بذلك وأمره وقومه بالهرب والخروج من مصر وبأن الله حاميهم ومهلك عدوهم! قال تعالى:
(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ. قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (88، 89يونس)
وقيل فى بعض التفاسير أن بعضاً من الآيات التسع مثل الدم والطمس كان من استجابة الله لدعاء موسى كما حكت الآيات! ثم شدَّد الله على قلوبهم فاغلق باب استجابة فرعون وقومه وجاء الأمر بالخروج!
خروج بنى إسرائيل من مصر
هذا ويرى بعض المؤرخين أن بنى إسرائيل خرجوا من مصر بقيادة موسى عليه السلام فى عهد رمسيس الثانى ، وقيل فى عهد ( منفتاح بن رمسيس الثانى) حوالى سنة 1213 ق م بعد أن طالبه موسى عليه السلام أكثر من مرة بأن يرسل معه بنى إسرائيل ليخرجوا إلى أرض الشام. وقد وردت قصة خروج بنى إسرائيل من مصر إلى أرض الشام فى مواضع متعددة من القرآن الكريم ومن ذلك قولة تعالى - فى سورة طه (77: 80):
(وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ. وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)
قال الإمام ابن كثير :{ لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملإه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى عليه السلام أن يخرج ببنى إسرائيل ليلاً من مصر، وأن يمضى بهم حيث يؤمر، ففعل موسى عليه السلام ما أمره به ربه عزَّ وجلَّ، وخرج بهم وقت طلوع القمر. وعن مجاهد أنه كسف قمر تلك الليلة}.
وورد أنهم حملوا تابوت يوسف معهم عند خروجهم، وكان وقت طلوع القمر، وكانوا نسوا وصية يوسف لهم أن يحملوه معهم عند خروجهم من مصر، فكُسفَ القمرُ فأظلموا! فأخبر علماؤهم موسى ذلك: إن يوسف عليه السلام عاهدهم أن يحملوه معهم عند خروجهم من مصر، وقد نسوا ذلك!، فسأل موسى عليه السلام عن قبر يوسف، فدلَّته امرأة عجوز من بني إسرائيل، فاحتمل موسى تابوته معهم بنفسه كما أوصاهم، وهنا لطيفة من لطائف أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم إذ ورد فى الحديث الشريف:
{ أَتَى النَّبِيُّ أَعْرَابِياً فَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ لَهُ: ائْتِنَا، فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: سَلْ حَاجَتَكَ، قَالَ: نَاقَةٌ نَرْكَبُهَا، وَأَعْنُزٌ يَحْلِبُهَا أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه: أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَما عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: إنَّ مُوسَى عليه السلام لمَّا سَارَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ، ضَلُّوا الطَّرِيقَ، فَقَالَ: مَا هذَا؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ عليه السلام، لَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ أَنْ لا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا، قَالَ: فَمَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ؟ قَالَ: عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَأَتَتْهُ، فَقَالَ: دُلِّيني عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ، قالَتْ: حَتَّى تُعْطِيني حُكْمِي، قَالَ: وَمَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ: أَكُونُ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَكَرِهَ أَنْ يُعْطِيَهَا ذلِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ أَعْطِهَا حُكْمَهَا – وإختصاراً فدلتهم فحفروا وحملوه- وَإِذَا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ}.
فخرجوا فلما أصبح قوم فرعون وليس فى ناديهم داع ولا مجيب، غاظ فرعون ذلك وأشتد غضبه على بنى إسرائيل لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعاً فى بلاده من يحشر الجند ويجمعهم للإيقاع ببنى إسرائيل. وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حُلىّ وذهب جيرانهم ومعارفهم من المصريين قبل خروجهم، ولم يعيدوه لهم بل أخذوه وخرجوا!
ويعلق أحد المؤرخين على قصة استلاب بنى إسرائيل لحلى المصريين عند خروجهم فيقول: ( ويلفت النظر خاصة ما جاء فى التوراة من سلب رجال ونساء بنى إسرائيل أمتعة جيرانهم الذهبية والفضية بحيلة الاستعارة ونسبة ذلك الى الله تعالى!! ومهما كان من أمر فإن تسجيل هذا الخبر بهذا الأسلوب يدل على ما كان وظل يتحكم فى نفوس بنى إسرائيل من فكرة استحلال أموال الغير وسلبها بأية وسيلة، ولو لم تكن حالة حرب ودفاع عن النفس، كما أنه كان ذا أثر شديد بدون ريب فى رسوخ هذا الخُلق العجيب فى ذراريهم ممن دخل فى دينهم من غير جنسهم).
ووصل موسى وبنو إسرائيل للبحر وفرعون وجنده من ورائهم، وبنو إسرائيل يضجون بالشكوى أنهم مدركون! فأمر الله موسى فضرب بعصاه البحر فانفلق، وظهر فيه اثنا عشر طريقاً لكلّ سبط طريق، قيل كانوا ستمائة ألف فكل سبط خمسون ألفا.
وأرسل الله عزَّ وجلَّ الريح والشمس فى الحال على قاعه حتى صار يبساً . فخاضت بنو إسرائيل البحر، كل سبط في طريق، وعن جانبه الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضاً، فخافوا وقال كل سبط: قد غرق كل إخواننا. فأوحى الله إلى حال الماء أن تشبّكي، فصار الماء شبكات يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين.
ثم وصل فرعون إلى البحر فرآه منفلقاً، فمن كبره قال لقومه: انظروا قد انفلق لهيبتي حتى أدرك أعدائي! أدخلوا البحر فهابوا...
وكانت خيل فرعون كلها ذكوراً، فجاء جبرائيل على فرس أنثى وديق فتقدّمهم فخاض البحر، فشمّت الخيول ريحها فاقتحمت البحر في أثرها حتى خاضوا كلهم في الشق، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويقول لهم: إلحقوا بأصحابكم وهكذا اندفعوا فى إثر بعضهم!
حتى إذا خرج جبرائيل من البحر وقبل أن يخرج أولهم، أمر الله البحر أن يأخذهم والتطم عليهم فأغرقهم أجمعين؛ وذلك بمرأى من بني إسرائيل.
وبعد أن رأوا غرق فرعون بأعينهم سار بهم موسى الى أرض فلسطين بالشام مؤملا أن يصبحوا أمة قوية بإيمانها وصالح عملها، فقد ترتب على خروجهم من مصر وهلاك فرعون أن أصبحوا أحراراً فى شئونهم وأحوالهم بعد أن كانوا يذوقون فى مصر سوء العذاب على أيدى فرعون وجنده.

الفصل الثانى(الباب الأول): من مصر إلى الشام

الفصل الثانى: من مصر إلى الشام
فى الطريق إلى الشــــــــام
يقول صاحب تاريخ الإسرائيليين:
(( وقد كان تاريخهم الى وقت خروجهم من مصر تاريخ أسرة صغيرة أخذت تنمو وتزداد حتى صارت قبيلة كبيرة لا كيان لها ولا حكومة منها ولا شارع أو وازع فيها ينظر فى أمورها ويرد قويها عن ضعيفها متفرقة فى أرض مصر عرضة للعبودية والسخرة والاستبداد والإهانة.
أما بعد الخروج فإنهم تألفوا شعباً واحداً وأمة واحدة لها قائدها من بنيها، وجيش يقوم على حمايتها، وحاكم يتولى أمورها وشئونها، وأخذت تبدو فيها صفات الأمة المستقلة، فإنها لم تكد تغادر مصر حتى بدأ الشارع فى سن النواميس والقوانين والشرائع الدينية والأدبية والمدنية ! كما تكون فى الأمة المستقلة القائمة بنفسها، وعليه فتاريخ الإسرائيليين لا يبتدئ إلا بعد خروجهم من مصر وتاريخهم هذا يستغرق قرونا عديدة اتفق لهم فى خلالها كثير من الحوادث العادية من حروب وتقدم وانحطاط.))
ولكن بنو إسرائيل لم يقدروا نعمة الحرية ولم يشكروا الله على إنجائه لهم من عدوهم ولم يطيعوا نبيهم موسى عليه السلام الذى جاء لهدايتهم وإصلاحهم والدفاع عنهم بل آذوه إيذاءاً شديدا
وفى الطريق إلى الشام حدث العديد من الوقائع من بنى إسرائيل مع نبى الله موسى وأخيه هارون عليهما السلام، وكانت أفعال بنى إسرائيل كلها قبائح ونقائص تدل على خبث طبعهم وسوء فعالهم .
وهذا ملخص للحوادث التى حدثت فى طريقهم مع موسى وأخيه إلى الشام، وفيه تتضح قبائح أفعالهم وسوء طباعهم:
1- الثورة على نبى الله موسى وأخيه هارون
بعد أن سار بهم موسى عليه السلام فى أرض سيناء فترة من الوقت جاعلا وجهته أرض فلسطين من بلاد الشام ثاروا عليه وعلى أخيه هارون عليهما السلام وقالوا لموسى وهارون كما تحكى التوراة عنهم :
(( ليتنا متنا فى مصر إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزا للشبع! فإنكما أخرجتمانا الى هذا القفر لكى تميتا كل هذا الجمهور بالجوع ... لماذا أصعدتمانا من مصر ؟ أمن أجل أن نموت نحن و أولادنا ومواشينا بالعطش! ))
وتحكى التوراة أن موسى عليه السلام ضاق بهم ذرعا لكثرة جهالاتهم وسوء أعمالهم وأنه تضرَّع الى الله قائلا : (( ربِّ لم ابتليت عبدك ووضعت أثقال هذا الشعب علىَّ؟ وهل أنا الذى ولدتهم حتى تقول لى : احملهم فى حجرك كما تحمل الحاضن الرضيع! وإنى لست طائقا حمله وحدى لأنه ثقيلٌ علىَّ وإلا فاقتلنى ولا أرى بليتى)) .
2- رغبة بنى إسرائيل فى العودة للوثنية
بعد أن رأى بنو إسرائيل غرق فرعون بأعينهم وساروا مع موسى عليه السلام الى بلاد الشام شاهدوا قوماً يعبدون أصناماً لهم، فما لبث بنو إسرائيل بعد مشاهدتهم لهؤلاء الوثنيين إلا أن قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: اجعل لنا أصناماً نعبدها كما أن لهؤلاء أصناماً يعبدونها، وذلك لأن الوثنية التى عاشوا فيها فى مصر كانت مازالت بنفوسهم الضعيفة.
وقد حكى القرآن الكريم عنهم هذه الرذيلة فقال تعالى :
( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (138-140الأعراف)
3- وعد الله موسى بالتوراة وأفعال بنى إسرائيل
خلال سير موسى بقومه فى صحراء سيناء الى بلاد الشام واعد الله تعالى موسى أن يعطيه التوراة لتكون هدى لبنى إسرائيل، وأمره بصيام ثلاثين يوما، فلما حلَّ الموعد ترك موسى بنى إسرائيل مستخلفا عليهم أخاه هارون، وذهب الى الطور لتلقى التوراة، فزاده الله عشرة أيام، وقد حكى القرآن ذلك فقال:
(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (142الأعراف).
وأثناء غياب موسى عن قومه لتلقى التوراة وتركهم فى رعاية أخيه هارون، وضرب لهم ميعاداً إلى ثلاثين يوماً، فلما انقضت الثلاثون يوماً أولاً، ولم يعد موسى كما وعدهم! ماذا وقع من بنى إسرائيل؟
وكعادتهم فى إنتهازهم للفرص بقبيح الفعال؛ كان فيهم رجلٌ ذو شأن وذو حيلة ومكر يدعى السامرى، فدبر حيلة ومكر مكراً مستغلاً لين جانب هارون عليه السلام ، فصنع لهم عجلاً جسداً له خوار من ذهب وحلى نسائهم التى استعاروها من قبط مصر قبل خروجهم، وعبدوه! وحاول هارون أن يصدَّهم عما تردوا فيه من ضلال وكفر؛ ولكنهم أعرضوا عنه قائلين كما حكى القرآن الكريم عنهم فى سورة طه:
(قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) (91طه)
فلما اشتدَّ عليهم هارون عليه السلام فى النهى عن عبادة العجل تطاولوا عليه وكادوا يقتلونه - فصبر عليهم حتى لا يتفرقوا - حتى يرجع موسى.
وبعد أن تلقَّى موسى التوراة من ربِّه، أعلمه الله أن قومه قد فتنهم السامرى بعبادة العجل؛ فعاد إليهم مغضباً حزيناً وأخذ يوبِّخهم بقوارص الكلم، وينذرهم بسوء المصير، فاعتذروا إليه بأن السامرى هو الذى أضلهم، ولكن الحقيقة التى يعلمها الله أن الكثيرين منهم قد أشربوا حبَّ العجل فى قلوبهم! بدليل طلبهم من موسى أن يتخذوا آلهة عندما مرُّوا فى طريقهم على قومٍ وثنين يعبدون آلهة لهم!.
وظنَّ موسى عليه السلام أن أخاه هارون قد قصَّر معهم فعاتبه ولامه على ذلك، فأخبره هارون عليه السلام بأنه لم يقصر فى نصيحتهم وزجرهم عن عبادة غير الله، ولكنهم لم يستجيبوا له بل آذوه وكادوا يقتلونه، ثم صبَّ موسى عليه السلام جام غضبه على السامرى - رأس الفتنة ومدبرها – فقال له بعد أن سمع كلامه ودفاعه الواهى عن نفسه:
(قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا. إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (97، 98طه)
وعلى مشهد من بنى إسرائيل نفذ موسى عليه السلام ما توعَّدَ به السامرى، فأحرق العجل وألقى ترابه فى البحر، وأثبت للجميع أن المستحق للعباده إنما هو الله تعالى، وأن العجل الذى عبدوه - بجهلهم وغبائهم - لا يملك ضرَّا ولا نفعا.
4- إعتذار الأخيار عن عبادة العجل والصعق
ولكن هذا لا يكفى! فموسى يعلم أنَّ قومه قد ضلوا! ووقعوا فى ذلك الأمر المريع من عبادة العجل! وقد إنتهى أمر العجل وصدر الحكم على السامرى! وبقيت فعلة بنى إسرائيل المريعة؟ كيف تتوب بنو إسرائيل منها؟ إذ لابد من إعتذار خاص لله عن هذا، وتوبة مخصوصة من الله تعالى عليهم!
فوقَّت الله تعالى له ولقومه ميقاتاً للتوبة والدعاء، وقيل كانا ميقاتان: ميقات للتوبة والإعتذار، وميقات آخر للمناجاة؛ فأختار موسى منهم سبعين رجلاً من الأسباط الإثنى عشر وممن لم يشتركوا فى العجل، وأخذهم معه إلى الطور أو الجبل ليعتذروا إلى الله ويتوبوا، ويسألوه الصفح عن المذنبين منهم، فذهبوا ودعوا الله واعتذروا إليه! وهناك أخذتهم الرجفة فصعقوا، وتضرَّع موسى لربِّه فأحياهم، واختلف فى سبب الرجفة أو الصعق وقيل فى ذلك:
أنهم لما دعوا الله اعتدوا فى دعائهم بما لا يحق أو لا يليق!، أو عقاباً لأنهم لم ينهوا أصحاب العجل ولم يتجنبوهم، وأشهرها أنهم طلبوا من موسى أن يسمعوا خطاب الله له؛ فهو يذهب للمناجاة ويعود يخبرهم أنه كلَّم الله ولا دليل لديه!، فلما أخذهم موسى معه للجبل وأذن الله لهم وأسمعهم كلامه؛ قيل سمعوه يخبر موسى أن توبتهم بقتلهم أنفسهم! فطلبوا رؤية الله جهراً ليستوثقوا من أنه هو الله! أو أنهم لما سمعوا كلام الله - وطبعهم اللجاج والعناد - لم يكتفوا بالسماع؛ بل تمادوا وقالوا: لا نصدق حتى نرى الله جهرة! فأخذتهم الرجفة وصعقوا! قال الله تعالى فى سورة الأعراف الآية 155:
(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ )
5- التوبة من العجل بقتلهم أنفسهم
وهكذا كان خبر الله لهم، ووحيه لنبيِّه موسى ... أن توبة عابدى العجل من قومه لن تكون مقبولة منهم إلا بقتلهم لأنفسهم!!
وهنا يجدر بنا أن نبيِّن أنَّ الله تعالى لم يأمرهم بذلك إنتقاماً؛ وإنما الحقيقة أن حُبُّ العجل قد استقرَّ فى قلوب كثيرين منهم وأخفوا ذلك؛ فمنهم من أظهر ميله لهارون ولم يصرح بحبِّه للعجل، وآخرون أعلنوا التوبة لموسى والندم عند عودته ولكنهم كذبوا فى توبتهم؛ فأراد الله أن يطهرَّ بنى إسرائيل من هؤلاء المنافقين والكافرين! فلما نفذوا ما أُمِرُوا به من الله بقتلهم أنفسهم كان الكافر يتبدى للمؤمن أولاً فيقتله المؤمن، فلم يُقْتَلْ إلا كافرٌ أو منافق! فلما فشا القتل دعا موسى ربَّه أن يعفو عنهم لما أطاعوا الأمر! فقبل الله توبتهم وعفا عنهم أجمعين قاتلين ومقتولين! لعلهم يشكرونه على نعمه، قال تعالى:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (54البقرة)
وهنا إشارة وتنبيهٌ أن الحُلِىَّ التى استعارتها نسوة بنى إسرائيل من المصريين بحيلة انهم سيتزينون بها فى عيدهم، وهن يضمرن أخذها معهن عند الخروج مع موسى، كانت عليهم وبالاً وبليَّة لأنها مالٌ مغدورٌ ليس وراءه إلا الشرور! فصنع السامرى منه عجلاً من الذهب! وكان وقوعهم فى عبادته، ثم تحريقه على يد موسى وتذريته فى اليم! ثم التوبة عن عبادة العجل بقتلهم لأنفسهم! .. يا ألله إحمنا من شرور أنفسنا! فهل اعتبر أحدٌ يا إخوانى فيما يجلبه المال المغدور لمستحلِّيه من الآثام والشرور وعذاب يوم النشور!!.
6- لم يقبلوا التوراة إلا والجبلُ فوق رؤوسهم
والآن استقرَّ الأمر، وقبل الله توبتهم وطهرهم من أهل الكفر والنفاق وتاب على الجميع! والألواح فيها التوراة مع موسى، ولم يبق إلا أن يتَّبعوا أوامر الله لهم فيها ويطبقوا شرع ربِّهم وهم فى طريقهم للأرض المقدسة:
(وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ
لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) (154الأعراف)
ولكن بنو إسرائيل لم يتقبلوا الأمر هكذا! لأن الشرائع ثقلت عليهم؛ كالرجم والقطع والقصاص، ولم يقبلوا التكليف بطيب خاطرهم! وإنما قبلوه برفع الجبل فوقهم كأنه ظلَّة، وإلا سيسقط عليهم فيفنيهم! وقد ورد فى الحديث:
{ وَأَخَذَ الألْوَاحَ بَعْدَ مَا سَكَنَ عَنْهُ الغَضَبُ، وَأَمَرَهُمْ بِالَّذِي أُمِرَ بِهِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ مِنَ الوَظَائِفِ، فَثَقُلَ (ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) وَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِهَا، فَنَتَقَ الله عَلَيْهِمْ الجَبَلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ، وَدَنَا مِنْهُمْ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، أخَذُوا الكِتَابَ بأيْمَانِهِمْ وَهُمْ مُصْغُوْنَ إِلى الجَبَلِ وَالأرْضِ، وَالكِتَابُ بأيْدِيْهِمْ وَهُمْ يَنْظُرُوْنَ إِلى الجَبَلِ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ }
وحكى الله عن تلك الآية المعجزة الغريبة فى كتابه العزيز فقال:
(وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (171الأعراف)
فهؤلاء هم اليهود!!
رأوا وشاهدوا وعاينوا من الآيات مع موسى وفرعون ما شاء الله لهم من الآيات البينات المتتاليات، وكل واحدة أعجب من أختها!
وأثبت الله لهم مرة بعد مرة أن تشددهم ولجاجهم وعنادهم لا يعود عليهم إلا بكل جفاء وشدة وغلظة، ولا يعتبرون ولا يتعظون!! وقد كانت قصة البقرة التى أمروا بذبحها خير دليل لهم على عاقبة هذا السبيل!!
ثم معجزة شقِّ البحر، وعجيب نجاتهم من فرعون! ثم ما وقعوا فيه من العجل والصعق والقتل! وآيات بلا عدد!! ولكنهم بنو إسرائيل! فبعد كل ما شهدوه من العجائب لم يؤمنوا بما جاءهم به موسى إلا والجبل مرفوعاً فوق رؤوسهم، وهم سجودٌ على أنصاف وجوههم ينظرون إلى الجبل يكاد يطبق عليهم!!! وعندها فقط قبلوا ما جاء به موسى من التوراة!!
التيه فى صحراء سيناء أربعين سنة
وبعد كل هذه الأحداث المتواليات، والإساءات المتتاليات من بنى إسرائيل، واصل بهم موسى عليه السلام سيره الى أرض الشام، وتوالت الأيام!
وفى الطريق، وقبل أن يصل بهم موسى الى الأرض المقدسة التى كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة أمرهم أن يعدُّوا أنفسهم لدخولها، وأن يوطِّنوا أنفسهم على الجهاد فى سبيل الله ليحصل لهم ذلك.
وفى سبيل الإستعداد والإعداد لدخول الأرض المقدسة اختار موسى منهم اثنى عشر نقيباً أمرهم أن يتقدموه فى دخول الأرض المقدسة ليعرفوا أحوالها وأحوال سكانها، ونفذ النقباء ما كلَّفهم به موسى عليه السلام ، ثم عادوا بعد تعرفهم على أحوالها وأحوال سكانها ليقولوا له : إن الأرض المقدسة تدرُّ لبناً وعسلاً إلا أن سكانها من الجبارين.
وأخذ كلُّ نقيب يخذل ويثبط جماعته عن دخولها، إلا رجلان منهم فإنهما أمرا بنى إسرائيل بأن يطيعوا نبيهم موسى عليه السلام، وأن يصمموا على دخول الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم، وبشراهم بالنصر إذا اعتمدوا على الله تعالى وأخلصوا النية للجهاد، ولكن بنو إسرائيل عصوا نصيحة الرجلين الناصحين لهم كما عصوا نبيهم موسى عليه السلام ، فكانت نتيجة جبنهم وعصيانهم أن ابتلاهم الله تعالى بالتيه أربعين سنة. وقد حكى القرآن الكريم بأسلوبه البليغ المعجز هذه القصة ، فقال الله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (20: 25المائدة)
فسماهم موسى بالفاسقين، ودعا عليهم فصدق الله على كلامه وأسماهم بالفاسقين كذلك!! وهنا أكثر من إشارة سريعة أوجه لها أنظاركم:
أنه لما يئس موسى من فرعون وقومه دعا عليهم! فاستجاب الله له وشدَّ على قلوبهم وأهلك فرعون وجنوده بالعذاب الأليم كما دعا!، وبعد خروج بنى إسرائيل وبمرور الحوادث والأيام أيأسه قومه كما أيأسه فرعون من قبل؛ أيأسوه بعنادهم وترددهم ولجاجهم وجبنهم وتخاذلهم وسوء أخلاقهم، وقد أعلمه الله ببصيرته النبوية أنهم بعد أن تخلوا عنه صارت لا فائدة ترجى منهم، ولا يصلحون للعهد الجديد. ولما كان موسى من أولى العزم من الرسل، وممن لا يحابى فى الله تاقت نفسه للخلاص من الفاسقين منهم، حتى يبدلهم الله بمن يصلحون للمهمة المقدسة التى أمروا بها؛ فدعا الله أن يفصل بينه وبينهم، وشفع طلبه بوصفهم بالفاسقين! فوافق طلبه مراد مولاه، وأنزل له تفصيل قبول دعواه بالحكم عليهم بالتيه أربعين عاماً فيها، يهلك كلُّ مَنْ جبن عن أمر الله! وكان فاسقاً كما اسماه نبى الله! فحرَّم الله عليهم فيها دخول الأرض المقدسة يتيهون فى الصحراء متحيِّرين لا يرون طريقاً، وهذا جزاء كل من اتبع هواه وخالف أمر مولاه، فجزاؤه أن يتيه فى فيافى الزيغ ولا يبلغ أبداً مناه.
وعلى الرغم من عقاب الله لهم بالتيه، فمن بركة موسى وهارون عليهم أنهم لما ضجُّوا من الحرِّ جعل الله لهم الغمام يظلُّهم من الشمس، وجعل لهم عموداً من نور يطلع بالليل فيضيء لهم الظلمات!.
ولما اشتكوا من العطش أمر الله موسى أن يضرب الحجر بعصاه فانفجرت منه إثنتا عشرة عيناً، بلا إختلاط ولكن بنظام، فكان ماؤهم من حجر يحملونه منه يشربون ويسقون، فإذا اكتفوا جف الماء ووقف، وكان طعامهم المَنَّ (وهو يشبه العسل ينزل لهم من السماء)، والسلوى (السمان فإذا طلبوه وجدوه جاهزاً للأكل) وأمروا ألا يخزنوا من هذا الطعام لعلم الله بحرصهم، وأورد الكثيرون من أهل العلم أنهم كانوا لا تطول شعورهم ولا تشعث، ولا تبلى ثيابهم ولا تنجس، وتطول مع صغارهم وتكبر إذا كبروا.
وحكى الله فى سورة البقرة عن تلك الفترة من تاريخهم فقال عزَّ وجلَّ:
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (57البقرة)
وقال تعالى:
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (60البقرة)
ولكنهم كانوا أهل بطر فملُّوا العسل والطير، واشتاقوا للفلاحة التى تعودوا عليها وعلى نتاجها فطلبوا العدس والبصل!!، قال تعالى:
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) (61البقرة)
يروى سيدنا سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فى الحديث المعروف بحديث الفتون، وهو حديث طويل جداَ نذكر منه قوله صلى الله عليه وسلم:
{ وقَالُوا: يَا مُوسى اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنّا ههُنَا قَاعِدُوْنَ، اغْضَبُوا مُوسى فَدَعَا عَلَيْهِمْ، وَسَمَّاهُمْ: فاسِقِيْنَ، وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْهُمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وَإِسَاءَتِهِمْ، حَتَّى كَانَ يَوْمَئِذٍ، فَاسْتَجَابَ الله لَهُ فِيْهِمْ، وَسَمَّاهُمْ فَاسِقِيْنَ، وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً يَتِيْهُوْنَ فِي أَلارْضِ، يُصْبِحُوْنَ كُلَّ يْوْمٍ، فَيَسِيْرُوْنَ لَيْسَ لَهُم قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمْ الغَمَامَ في التِّيْهِ، وَأَنْزَلَ علَيْهِمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى، وَجَعَلَ لَهُمْ ثِيَاباً لا تَبْلَى وَلاَ تَتَّسِخُ وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ حَجَراً مُرَبَّعاً، وَأَمَرَ مُوسى فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْناً} في كُلِّ نَاحِيَةٍ ثَلاَثَةُ أَعْيُنٍ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمْ الَّتِي يَشْرَبُوْنَ مِنْهَا، لاَ يَرْتَحِلُوْنَ مِنْ مَنْقَلَةٍ إِلاَّ وَجَدُوْا ذلِكَ الحَجَرَ فِيْهِمْ بِالمَكَانِ الذي بالأمْسِ}.
روى فى "تنوير الأذهان" أن موسى ندم على دعائه عليهم، فقيل: لا تندم فانهم أحقاء بذلك لفسقهم، فلبثوا أربعين سنة فى ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا حيث بدأوا!. وهذه الإنعامات عليهم مع معاقبتهم لأن عقابهم كان بطريق الفرك والتأديب، وموسى وهارون كانا معهم فى التيه، ولكن كان ذلك لـهما رَوْحاً وسلامة، وزيادة في درجتهما.
قال فى التأويلات النجمية: والتعجب فى أن موسى وهارون بشؤم معاملة بنى اسرائيل بقيا فى التيه أربعين سنة، وبنو اسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى فى التيه!! ليعلم أثر بركة صحبة الصالحين وأثر شؤم صحبة الفاسقين!!.
ومات النقباء كلهم فى التيه بغتة غير كالب ويوشع، ولم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال: (إنا لن ندخلها)، بل هلكوا في التيه، وقاتل الجبابرة أبناؤهم، ومات هارون قرابة نهاية مدة التيه، ومات بعده موسى بسنة تقريباً، واستخلف الله عليهم النبىَّ يوشع بن نون، وهو من دخلوا الأرض المقدسة تحت قيادته.
وقد بلغ من سوء طباعهم وظنهم بأنبيائهم أن موسى وهارون لما خرجوا معاً - وقد أذن الله أن يقبض هارون، فدفنه موسى وعاد وحده، فقالوا له: إنك قتلته لحبِّنا له! ولم يكفوا حتى أشهدهم الله آية فصدقوا موسى! وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كما أورد البغوى فى تفسيره قال: {صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون [وبقي موسى] فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: أنت قتلته، فآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مرّوا به على بني إسرائيل وتكلّمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات فبرّأه الله تعالى ممّا قالوا، ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره أحد }.

الفصل الثالث(الباب الأول): فى الأرض المقدســـــــــة

الفصل الثالث: فى الأرض المقدســـــــــة
دخول بنى إسرائيل الأرض المقدسة
هذا وبعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام تولى (يوشع بن نون) رئاسة بنى إسرائيل، وكانوا فى ذلك الوقت قد هلك منهم ذلك الجيل الذى تربى على الذل والعبودية والذى قال لموسى: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، ونشأ جيل آخر تربى خلال مدة التيه على التحمل والخشونة وحرية البداوة، فقاده (يوشع بن نون) لدخول الأرض المقدسة.
ويصف الدكتور على عبدالواحد وافى: كيف دخل بنو إسرائيل فلسطين بقيادة (يوشع)، وكيف عاشوا فيها فيقول:
(( وحوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد أغار بنو إسرائيل بقيادة (يوشع) خليفة موسى عليه السلام بعد وفاته على بلاد كنعان فلسطين وما إليها، وهى الأرض المقدسة التى وعدهم الله بها، واحتلوها واستولوا على جميع ما فيها من خيرات وثروات، بعد أن أبادوا معظم أهلها، واستعبدوا من أبقوا عليه منهم، فانتهت لديهم بذلك حياة الخشونة والبداوة والتنقل، وافتتحوا عهد الدعة والحضارة والاستقرار، وسكنوا المدن والقرى والمنازل والقصور التى ورثوها عن الكنعانين، وأخذت مزاولتهم لشئون دينهم تسير على طريق منظم تحت إشراف أحبارهم وربانييهم وفقهائهم وسدنة مساجدهم ومذابحهم، وكان معظم هؤلاء يتألفون من نسل لاوى أحد أبناء يعقوب، وهم رهط موسى وهارون )).
وقصة دخول بنى إسرائيل بقيادة (يوشع) الأرض المقدسة قد أشار إليها القرآن الكريم فى آيات متعددة، منها قوله تعالى فى (58-59 البقرة):
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ . فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ )
قال الإمام ابن كثير :
(( وهذا لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع (يوشع بن نون)، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلاً حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا باب البلد سجداً ، شكرا لله تعالى على ما أنعم الله عليهم به من الفتح والنصر، وإنقاذهم من التيه والضلال، ولكنهم لم يفعلوا، فأنزل الله عليهم عذاباً من السماء بسبب فسقهم وظلمهم هذا، ثم مات يوشع بن نون بعد ذلك.
عهـــــد القضــــــاة
وأعقب موت (يوشع بن نون ) عهد عرف بعهد القضاة، لأن الزعماء والقواد الذين تزعموا أو قادوا بنى إسرائيل بعد (يوشع) سموا قضاة، وعهدهم امتد إلى أن قامت ممكلة بنى إسرائيل على يد (طالوت) المعروف فى التوراة باسم (شاؤل)، ويبلغ عدد القضاة الذين تولوا حكم بنى إسرائيل فى هذه الفترة حوالى خمسة عشر قاضياً.
كانت البلاد فى عهد القضاة أشبه شئ بولايات متحدة، فى كل ولاية سبط من الأسباط الإثنى عشر يحكمه كبار العشائر فيه، وهذه الأسباط جميعاً مرتبطة برباط واحد، وكانوا يشتركون فى الحفلات الدينية الكبرى، على أنهم كثيراً ما ارتدوا عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام.
إن عهد القضاة من أسوأ عهود بنى إسرائيل، ففيه انتشرت بينهم شتى الرذائل والمنكرات، إذ عبدوا الأصنام، وقتلوا المصلحين، وفشا فيهم الزنا، وقد ترتب على ذلك أن تعرضوا خلال عهد حكم القضاة لنكبات وغارات عليهم من غيرهم. وكان آخر قضاة بنى إسرائيل فى هذه الفترة هو (صموئيل) الذى كثرت فى عهده الفوضى والمفاسد، وذلك أنه بعد أن شاخ كان يوكل أبناءه بدله فى القيام بشئون القضاء، ولكن أولئك الأبناء كانوا يأخذون الرشوة، ويجورون فى الحكم، فقام بنو إسرائيل بثورة ضده وضد أبنائه انتهت بزوال عهد القضاة، وحلول عهد الملوك .
عهــــد الملـــــوك
وقد تأسست الممكلة اليهودية حوالى سنة 1095 ق م، وكان أول ملك عليهم (طالوت)، ويسمى عهده وعهد داود وسليمان عليهما السلام بعهد الملوك الأول، الذى انتهى بوفاة سليمان عليه السلام حوالى سنة 975ق م.
أما ما تلى عهد سليمان عليه السلام إلى زوال مملكة بنى إسرائيل على يد بختنصر سنة 586ق م، فيسمى بعهد الملوك الثانى .
وخلال حكم طالوت لبنى إسرائيل قادهم بشجاعة إلى كثير من المعارك التى دارت بينهم وبين أمم أخرى.
ومن أشهر المعارك التى خاضها طالوت المعركة التى دارت بين بنى إسرائيل بقيادته وبين الفلسطينيين بقيادة (جالوت)، وقد اشترك فى هذه المعركة داود عليه السلام وتولى بنفسه قتل جالوت. وملخص هذه المعركة كما جاءت فى الإصحاح السابع عشر من سفر صموئيل الأول:
( أن الفلسطينيين تجمعوا للأخذ بثأرهم من بنى إسرائيل فتصدى لهم طالوت بجنوده، وبرز من بين الفلسطينيين (جالوت) وتحدى بنى إسرائيل أن ينازله أحد منهم وقال لهم: إن قدر أحد منكم أن يقلتنى يصير الفلسطينيون لكم عبيداً، وإن أنا قتلته تصيرون أنتم عبيداً لنا، وارتاع (شاؤل) وبنو إسرائيل من هذا التحدى وانكمشوا عن الفارس الفلسطينى، فبرز داود بعصاه ومقلاعه ورماه من مقلاعه بحجر فسقط جالوت على وجهه، فسارع داود إليه وأخذ سيفه واحتزَّ رأسه به، ورأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات فهربوا، ولحقهم بنو إسرائيل ففتكوا بهم ونهبوا معسكرهم).
وفى سورة البقرة آيات كريمة تشير لقصة اختيار طالوت ملكاً على بنى إسرائيل، وإلى المعركة التى دارت بينهم وبين جالوت وجنوده، وهى قوله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (246البقرة).
ثم حكى القرآن الكريم قصة اختيار طالوت ملكاً عليهم، واعتراضهم على ذلك، فقال تعالى فى السورة نفسها:
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ )، وقد ردَّ عليهم نبيهم كما حكى القرآن عنه رداً قوياً حازماً فقال لهم: (قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (247البقرة).
ثم بيَّن الله تعالى أن نبيَّهم أخبرهم بأن طالوت سيأتيهم بعلامة تدل على صلاحيته للملك لكى تثبت نفوسهم وتطمئن قلوبهم، فقال سبحانه:
(وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (248البقرة).
(وبقية) هى رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشئ من التوراة، وكان رفعه الله تعالى بعد موسى عليه السلام فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفاء الله طالوت.
وقيل: كان مع موسى ومع أنبياء بنى إسرائيل بعده يستفتحون به، فلما غيَّرت بنو إسرائيل غلبهم عليه الكفار فكان فى أرض جالوت، فلما أراد الله أن يملك طالوت أصاب جالوت قومه ببلاء حتى هلكت خمس مدائن فقالوا: هذا بسبب التابوت بين أظهرنا، فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة إلى طالوت. فإن قلت: مَنْ (آل موسى وآل هارون)؟ قلت: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما. أما ما حصل بين طالوت وداود عليه السلام بعد تلك المعركة التى قتل فيها داود جالوت: فتذكر أسفار التوراة أن داود عليه السلام بعد قتله لجالوت ملأ أعين الناس وأذهانهم وقلوبهم، وأخذوا يتقربون منه، وأن طالوت زوَّجه ابنته (ميكال) وجعله قائداً لرجال حربه، وأن صداقة قوية ربطت بين داود عليه السلام وبين (يوناثان) ابن طالوت.
ثم تذكر بعد ذلك أن نزاعاً وقع بين طالوت وداود عليه أدى الى أن داود عليه السلام ترك طالوت وهاجر الى أرض الفلسطينيين، ثم أن الفلسطينيين انتهزوا فرصة عدم وجود داود بجانب طالوت فعاودوا الغارات على بنى إسرائيل وانتهت المعركة بمقتل طالوت ومقتل بعض أبنائه وهزيمة الإسرائيليين شر هزيمة، وبقى طالوت ملكاً الى يوم قتله فحكمه منفرداً دام سنتين.
نبى الله داود عليه السلام
وبعد موت طالوت تولى مُلك بنى إسرائيل داود عليه السلام وقد داوم ملكه عليهم حوالى أربعين سنة، فى السبعة الأولى منها كانت عاصمة ملكه (حبرون)، أما فى المدة الباقية فكانت عاصمة ملكه (أورشليم).
وفى عهد داود عليه السلام قامت حروب كثيرة بين بنى إسرائيل وغيرهم من الأمم، وفى عهد داود عليه السلام كذلك عمَّ الرخاء مملكته واتسع نشاطها الاقتصادى مع الأمم الأخرى، وكانت لها الغلبة على ما حولها من الشعوب والممالك فى شرق الأردن وغربه.
ملك سليمان عليه السلام
وقد تولَّى ملك بنى إسرائيل بعد داود، ابنه سليمان عليهما السلام ودام ملكه زهاء أربعين سنة، وكان عهده يمتاز بالاستقرار والرخاء.
ويصف صاحب تاريخ الإسرائيليين عهد سليمان عليه السلام فيقول: (وفى عصره اعتزَّ شأن الإسرائيليين وهابتهم الأمم المجاورة لهم، وتزوَّج سليمان عليه السلام ابنة فرعون، وعقد معاهدة مع حيرام ملك صور، وبنى هيكله المشهور فاستجلب مشاهير الصناع والبنائين والنحاتين. كما أرسل سليمان سفنه فى الآفاق تجوب البحار فبلغت جنوب أسبانيا، وانتشر صيت سليمان فى جميع الممالك والبلدان وسارت بحكمته الركبان، وجاءته ملكة سبأ من أقاصى اليمن لتختبر حكمته فرأت منه ما أذهلها. وكانت مدة حكم سليمان عليه السلام أربعين سنة ذاق فيها الإسرائيليون الهناء والرخاء، ورزقوا السعد حتى أن عصره ليحسب العصر الذهبى لأمتهم، وتقدمت الصناعات تقدماً عظيماً بما شاد سليمان من المبانى الفاخرة، كالهيكل والقصر والمدن الكثيرة والمعاقل والحصون).
ونجد صاحب كتاب (معالم تاريخ الإنسانية) يقول: ( إن قصة مُلك سليمان وحكمته التى أوردها الكتاب المقدس تعرضت لحشو وإضافات على نطاق واسع، وقد أسهب سفر الملوك الأول فى تصوير مجد سليمان وأبهته وفخامته، ولكن الحق إذا قيست منشآت سليمان بمنشآت (تحتمس الثالث)، أو (رمسيس الثانى) أو (نبوخذ نصر) فإن منشآت سليمان تبدو من التوافه والهينات، وكانت مملكة سليمان رهينة تتجاذبها مصر وفينيقيا).
ونجد (غوستاف لوبون) يقول: (لا ينبغى لنا أن نتحدث عن وجود شئ من فن النحت أو التصوير لدى بنى إسرائيل، وقل مثل هذا عن فن البناء عندهم، فانظر الى هيكلهم المشهور (هيكل سليمان) الذى نشر حوله كثير من الأبحاث المملَّة، نجده بناءاً أقيم على الطراز الأشورى المصرى من قبيل بنائين من الأجانب كما تدلُّ عليه التوراة، ولم تكن قصور سليمان غير نسخ رديئة للقصور المصرية أو الآشورية).
والذى نراه بعد سردنا لهذه النصوص أن عهد داود وسليمان عليهما السلام يعتبر العهد الذهبى لبنى إسرائيل، وأنهم فى عهدهما تمتعوا بالرخاء والاستقرار وعلو الشأن، وتاريخهم سوى هذا العهد يعتبر سلسلة من المآسى والنكبات والضربات التى نزلت بهم من الأمم الأخرى بسبب إفسادهم فى الأرض، وتعنتهم وسوء طباعهم.
ونحن ننزِّه داود وسليمان عليهما السلام عن كلِّ ما نسبته أسفار التوراة أو كتب التاريخ إليهما من جور وظلم، فهما نبيَّان كريمان معصومان من ارتكاب ما نهى الله عنه.
هذا وقد ورد ذكر داود وسليمان عليهما السلام فى آيات كثيرة من القرآن الكريم، ومعظم هذه الآيات يصور وافر النعم التى أسبغها الله عليهما، ومن ذلك قوله تعالى:
(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ. وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) (78: 82الأنبياء).

الفصل الرابع(الباب الأول): بعد وفاة سليمان عليه السلام

الفصل الرابع: بعد وفاة سليمان عليه السلام
تاريخ بنى إسرائيل بعد وفاة سليمان
انقسمت مملكة بنى إسرائيل بعد وفاة سليمان الى مملكتين :
(1) مملكة يهوذا بالجنوب وعاصمتها أورشليم، وأول ملوكها هو (رحبعام)، وقد تعاقب عليها من بعده عشرون ملكاً، واستمرت حتى سنة 586 ق م حيث سقطت فى هذه السنة فى يد بخنتصر البابلى، فتكون قد عمرت زهاء أربعة قرون.
(2) ممكلة إسرائيل فى الشمال، وكانت عاصمتها فى معظم أيامها (شكيم أى نابلس)، وأول ملوكها هو (بريعام)، وقد تعاقب عليها من بعده حوالى تسعة عشر ملكاً، عمرت زهاء مائتين وخمسين سنة، وكانت نهايتها على يد سرجون ملك آشور سنة 721ق م.
وقد استمرت الحروب والمنازعات بين المملكتين معظم أيام قيامهما، ووصل الحال بهما أن كل واحدة منهما كانت تستعين بدولة أو بدول أخرى؛ لتقضى على أختها.
ويصف صاحب تاريخ الإسرائيليين ما كان بين الدولتين من نزاع وحروب فيقول: (( وحدث بين المملكتين حروب ومنازعات كثيرة، أثارها ما بين ملوكها من التنافس، وعدم انتظام الملك فى كليهما على اطراد، لكن أولئك الملوك كانوا فى بعض الأحايين يتعاهدون ويسيرون معاً بجيوشهم إلى الحرب، على أن روح المنافسة لم يزل دأبها بينهم، لأن ملوك إسرائيل كانوا يخشون أن ترتد رعاياهم عنهم إلى ملوك يهوذا، بذهابهم للعبادة فى هيكل أورشليم؛ فاتخذ بعضهم جميع الوسائل لحملهم على اطراح تلك العبادة، فكانوا تارة ينصبون لهم الأوثان ليعبدوها، وطوراً يمنعونهم عن تأدية فريضة العبادة جبراً، وهكذا تناثرت عرى الاتحاد والوئام بين الأسباط، وازداد الشقاق فكانت النتيجة ضعف المملكتين وتغلب الأعداء والغزاة عليهما الواحدة بعد الأخرى. وكذلك كانت علاقة الدولتين بغيرهما من الدول – فى مجموعها – علاقة عداء وحرب.
ويبدو أن صلات ممكلة يهوذا وإسرائيل بغيرهما من الدول كانت على حسب الظروف، عدائية أو عدوانية، أو مذبذبة أو غادرة، أو فى صورة خضوع وذلَّة، وأن الشعوب الأخرى عاملتهم بالمثل، وكالت لهم بمثل كيلهم، فكانوا فى معظم مدة وجودهم فى عداء وحروب مع الغير، وعرضة للغزوات والغارات والسيطرة والإذلال، ثم أنتهى الأمر إلى نسف دولتهم وإجلائهم عن بلادهم، لأن الآشوريين والكلدانيين رأوا ذلك هو العلاج الحاسم لما كان منهم من غدر ومراوغات وتذبذب وتناقضات.
ويصور (ولز) حالة المملكتين الإسرائيليتين فيقول: (( كانت حياة العبرانيين فى فلسطين تشبة حالة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار، ومن المبدأ إلى النهاية لم تكن مملكتهم سوى حادث طارئ فى تاريخ مصر وسورية وآشور وفينيقيا.
وفى سنة 538ق م استولى (قورش) ملك الفرس على بلاد بابل، فعامل اليهود معاملة حسنة، لأنه تربى فى حجر (استير) اليهودية، التى كانت فى حوزة أبيه، وقد اصدر (قورش) نداءاً سمح فيه لليهود أن يعودوا إلى أورشليم، وأن يعيدوا بناء هيكلهم، وساعدهم على ذلك بالأموال والرجال. ولكن أكثر اليهود كانوا قد ألفوا الحياة فى بابل، وامتدت بها أعراقهم، وذاقوا بها خصب العيش، والتجارة الرابحة، ومن ثم فقد تردَّدوا كثيراً فى العودة إلى أورشليم، ومعظم الذين عادوا منهم إلى أورشليم كانوا من سبطى يهوذا وبنيامين.
وكانت عودة اليهود من المنفى عودة الأمة، وليست عودة الدولة، فإن بنى إسرائيل عادوا، ولكن دولتهم لم تعد فقد صاروا جماعة تابعة للحكم الفارسى وخاضعة له، كانت المناوشات لا تنقطع بينهم وبين حكامهم الفرس.
وفى سنة 330 ق م قامت حروب بين الاسكندر المقدونى، وبين الفرس بقيادة ملكهم (دارا الثالث) انتهت بانتصار الإسكندر وهزيمة الفرس وطردهم من بلاد الشام جميعاً، وأصبحت بلاد الشام ومن بينها فلسطين خاضعة لحكم الاسكندر المقدونى.
وبعد وفاة الاسكندر سنة 323 ق م ، اقتسم قواده ملكه الكبير، فكانت فلسطين من نصيب القائد (بطليموس ) الأول ملك مصر، وقد استمر حكم البطالسة على فلسطين حتى 200ق م تقريبا.
ثم شهدت فلسطين وبلاد الشام نزاعات مستمرة تسببت فى حالةٍ من الفوضى والاضطراب، ظلت مستمرة حتى استولى عليها الرومان في نحو سنة (63 ق م) بقيادة القائد الروماني "بومبي"، بعد انتصاره على ملك "بونتوس"، وضمه آسيا الصغري وسوريا وفلسطين إلى الإمبراطورية الرومانية. وبذا خضعت فلسطين للحكم الرومانى الذى استمر إلى سنة 614 م.
وقد سمح أباطرة الرومان لأبناء فلسطين بنوع من الحكم الذاتي، ونصبوا سنة (37 ق م) "هيرودس الآدومي" ملكًا على "الخليل" و"بلاد يهودا"- أو"المملكة الجنوبية" المقاطعة المحيطة بالقدس- "يوديا" الرومانية، وكانت مساحتها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة ميل مربع، وكان "هيرودس" قد اعتنق اليهودية، وفي سنة (19ق م) رغب "هيرودس" في بناء الهيكل على طريقة بناء "سليمان"، فقام بهدمه وبنائه ثانيةً، وقد شهدت البلاد نوعاً من الاستقرار والهدوء طوال عهد "هيرودس"، الذي ظل يحكم هذه البلاد باسم "الرومان" حتى وفاته سنة (4م)، وخلال حكم هيرودس (37ق.م- 4م) ولد سيدنا عيسى عليه السلام، ودور اليهود فى محاربته معروفٌ ومسجَّلٌ بتفاصيله!
يقول صاحب تاريخ الإسرائيليين :
( على أن اليهود لم يخلدوا إلى السكينة بعد دخولهم تحت حكم الرومان، وشق على نفوسهم أن يحتل الرومان عاصمة ملكهم وبيت مقدسهم ، فكانوا تارة يتهددون الولاة، وطوراً يطردون الجنود الرومانيين من أورشليم، وآونة يظهرون الرضا بحكم الرومان عليهم.
وقد تعاقب عليهم ولاة رومانيون ساموهم سوء العذاب، فرفعوا أمرهم الى رومية، ولما لم يأتهم منها الفرج تظاهروا بالعصيان، وأحدثوا شغباً عظيماً، فأرسلت رومية قائدها المحنك (فاسباسيان) فحاصر أورشليم وحارب اليهود وظل على قتالهم الى أن انتخبه الرومان إمبراطورا لهم، فخلفه ابنه (تيطس) على الحصار وقتال اليهود، وكان (تيطس) هذا قائداً مدرباً، وبطلاً مجرباً، ذاق منه اليهود الأمرين، وثابر على منازلتهم بالجنود الرومانية المشهورة.
ومنى اليهود بالانقسام الداخلى والفتن والمنازعات بينهم حتى ضعف أمرهم، وتقلص ظلهم، وتقوى (تيطس) عليهم فمزق شملهم، ودخل أورشليم فدكها دكاً، ودمرها تدميراً، ومات من اليهود فى ذلك الحصار نحو مليون نسمة فسالت الدماء كالأنهار.
ثم يقول: وإلى هنا ينتهى تاريخ الإسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم الثانى على يد تيطس الرومانى تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم فيما بقى من العصور ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها، أو نزلوا فيها، وقد قاسوا فى غربتهم صنوف العذاب والبلاء، فإن الرومان حظروا عليهم دخول أورشليم، وكان تدمير تيطس لأورشليم سنة 70م، وبعد هذا التدمير فرَّ من بقى حيًّا من اليهود إلى الأقطار المجاورة كمصر وقبرص وليبيا وجزيرة العرب.
((( وفي سنة (132م) قام اليهود بالثورة مرة أخرى بقيادة "باركوخبا"، واستمرت ثورتهم ثلاث سنوات، حتى قام الإمبراطور "هادريانوس" بإخمادها بعد أن خرَّب "القدس"، وأبادها نهائيَّاً، وقام بتأسيس مستعمرة رومانية جديدة أطلق عليها "إيليا كابيتولينا"، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة- وهي التي جاء ذكرها في "العهدة العمرية" باسم "إيلياء"- وأقام مكان الهيكل اليهودي هيكلاً وثنيًّا باسم "جوبيتر"، وظل الهيكل على هذا الوضع حتى ظهور المسيحية.
اليهود في ظل المسيحية
ظل الرومان يمنعون اليهود من دخول "القدس" حتى تولى الإمبراطور "قسطنطين" في بداية القرن الرابع الميلادي، والذي اعتنق المسيحية، وأعاد للمدينة اسمها القديم "أورشليم القدس"، وأجبر من بقى من اليهود فى القدس على التنصر، فوافقه بعضهم ظاهرياً، وأما من رفض فقد قتل، وهدم الهيكل الوثنى الذي أقامه الرومان بدلاً من هيكل اليهود، وأصبحت "القدس" تغلب عليها الصبغة المسيحية، بعد أن كانت ذات صبغة يهودية منذ عهد دواد وسليمان.
ولما زارت الملكة "هيلانة" والدة الإمبراطور قسطنطين سنة (335م) القدس، أمرت بهدم معبد (الجلجلة) الوثنى أيضاً، وأمرت ببناء "كنيسة القيامة" المعروفة اليوم وكذا العديد من الكنائس والأديرة، وفي سنة (361م) زار الإمبراطور يوليان القدس، وكان قد عاد إلى الوثنية بعد النصرانية، فأخذ في حشد اليهود إلى "القدس"، وبدأ في إعمار هيكل اليهود من جديد.
وفى سنة (591م) أرسل "برويز" كسرى فارس جيوشه إلى "فلسطين"، وأمرهم بتخريبها، فخربوا معظم مدن "الشام"، وخاصة "القدس" و"الخليل" و"الناصرة" و"صور"، وكثيرًا من الكنائس، وقتلوا كثيرًا من النصارى؛ فلما رأى اليهود خلو بلاد "الشام" من "الرومان" اجتمعوا من "القدس" و"طبرية" و"قبرص" و"دمشق" نحو عشرين ألفًا، وأتوا إلى "صور" ليستولوا عليها، فعاد إليهم جيش الفرس، وحاصرهم وهزمهم، وقتل كثيراً منهم.
وظلت بلاد "الشام" في أيدي الفرس إلى سنة (628م)، عندما استعادها" هرقل" ملك الروم ودخل بجيوشه إلى "القدس"، واستمرَّت "فلسطين"خاضعة للحكم الرومانى إلى أن فتحها العرب المسلمون سنة (15هـ= 636م)، بقيادة "أبي عبيدة بن الجراح"، في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه).
يهود جزيرة العرب
نعنى بيهود جزيرة العرب: من سكن منهم المدينة وضواحيها كبنى قينقاع والنضير وقريظة، ونعنى بهم -أيضاً- من سكن المدينة كيهود خيبر وتيماء ووادى القرى.
والذى ارتضاه بعض المؤرخين، هو الرأى القائل بأن الهجرة الكبرى لليهود إلى جزيرة العرب كانت فى القرن الأول الميلادى، بعد تنكيل الرومان بهم سنة 70م وخراب القدس، وهذا لا يمنع أنه كان يوجد عدد قليل من اليهود توطنوا الجزيرة العربية قبل هذا التاريخ.
يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:
بعد حرب اليهود والرومان سنة 70م التى انتهت بخراب فلسطين وتدمير هيكل بيت المقدس وتشتت اليهود فى أصقاع العالم، قصدت جموع غفيرة من اليهود بلاد العرب كما حدثنا عن ذلك المؤرخ اليهودى (يوسيفوس) الذى شهد تلك الحروب وكان قائداً لبعض وحداتها.
ويرجع الدكتور جواد على أيضاً أن هجرة اليهود الى جزيرة العرب كانت بعد غزو الرومان لهم فيقول:
((أما ما ورد فى روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالى الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخى صحيح، فالذى نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى الى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فلا يستبعد أن يكون يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين، ومن هؤلاء المهاجرين - على رأى الإخباريين - بنو قريظة، وبنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو بهدل، ساروا إلى الجنوب فى اتجاه يثرب، فلما بلغوا موضع الغابة وجدوه رديئاً فكرهوا الإقامة فيه، وبعثوا رائدا أمروه أن يلتمس لهم منزلاً طيباً وأرضاً عذبه، حتى إذا بلغ (العالية ) بطحان ومهزوز وهما واديان بأرض عذبة بها مياه وعيون استقر رأيهم على الإقامة فيها، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، ونزلت قريظة وبهدل ومن معهم على مهزوز.
وبذلك نرى أن الرأى القريب من الصواب هو أن غالبية يهود جزيرة العرب حلُّوا بها فى القرن الأول الميلادى، أى بعد تدمير أورشليم الثانى على يد تيطس الرومانى، وكان أهم أسباب حلولهم بها هو فرارهم من وجه الرومان حتى يأمنوا من بطشهم وفتكهم بهم.
ومن أهم الأعمال التى اشتغل بها اليهود التجارة، حتى صار لبعضهم فيها شهرة كبيرة، ويمكن أن يقال: إن تجارة التمر والشعير والقمح والخمر تكاد تكون وقفاً عليهم فى شمال الحجاز.
كذلك اشتغل اليهود بالزراعة التى كانت المهنة الرئيسية لسكان القرى منهم، واشتغلوا بتربية الماشية والدواجن وكانوا يشتغلون بصيد الأسماك، وكانت نساؤهم يشتغلن بنسج الأقمشة.
ومن الصناعات التى كان يهود الجزيرة العربية يزاولونها صناعة الصياغة، وقد اشتهر بها بنو قينقاع، كما كانوا يزاولون صناعة السيوف والدروع وسائر الآلات الحربية.
وكانت معظم معاملات اليهود مع غيرهم تقوم على المراهنات وتعاطى الربا، وقد وبخهم القرآن الكريم على أخذهم الربا، الذى نهاهم الله عن أخذه، فقال تعالى:
(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (161النساء)
وقد ترتب على سيطرة اليهود على الجوانب الاقتصادية فى المدينة وضواحيها أن قوى نفوذهم المالى، وتحكموا فى الأسواق فحشاً وإحتكاراً لمصلحتهم ومنفعتهم، فكرههم أغلب الناس لأنانيتهم واشتطاطهم فى أخذ الربا، وسعيهم للثراء بطرق خبيثة، يأنفها العربى ويأباها.
وأما علاقة اليهود بالأوس والخزرج فقد كانت خاضعة للمنفعة الشخصية والمكاسب المادية، فكان اليهود يعملون على إثارة الحرب بين الفريقين متى وجدوا فى إثارتها فائدة لهم، كما حصل ذلك فى كثير من الحروب التى أنهكت الأوس والخزرج، لأنهم كانوا يهمهم أن تكون لهم السيطرة المالية على المدينة، والسيطرة على صناعة السلاح وجزء كبير من الزراعة ومصادر المياه، وفوق ذلك كانوا يتحدثون عن النبىِّ المرتقب وأنه لابد سيكون منهم، وعندها يتحكمون فيهم ديناً ودنيا.

الفصل الخامس(الباب الأول): أضواء على ديانة بنى إسرائيل

الفصل الخامس: أضواء على ديانة بنى إسرائيل
أحوال بنى إسرائيل الدينية وكتبهم المقدسة
كان لليهود الذين سكنوا جزيرة العرب مدارس يتدارسون فيها أمور دينهم وأحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبارهم الخاصة برسلهم وأنبيائهم، كما كانت لهم أماكن خاصة يقيمون فيها عبادتهم وشعائر دينهم، وكانت هذه الأماكن تسمى (المدراس) أى المكان الذى تدرس فيه نصوص التوراة وأمور الشريعة.
ولم يكن (المدراس) فى الواقع موضع عبادة وصلوات وتدريس فحسب، بل كان إلى جانب ذلك هو المكان الذى يتجمع فيه اليهود لتبادل المشورة فى سائر أحوالهم الدينية والدنيوية. وهو المكان الذى كان يقصده غيرهم حين يريد الاستفسار من أحبار اليهود عن شئ يريد الوقوف عليه. والذين كانوا يقومون بمهمة تعليم اليهود أمور دينهم، هم علماؤهم وأحبارهم، وقد ذكر المؤرخون أنه كان فى مقدمة هؤلاء الأحبار عبدالله بن سلام  الذى أعلن إسلامه بعد لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد جاءت الأخبار الصحيحة بان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته الى المدينة، كان يذهب الى اليهود فى( مدراسهم ) ليدعوهم الى الإسلام وليحذرهم من الكفر به، وبعض الصحابة أيضا كأبى بكر الصديق رضى الله عنه كان يذهب إليهم فى هذا المكان ليأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذى كانوا يستفتحون (يستنصرون) به على غيرهم، والذى يعرفون صدقه فيما يبلغه عن ربِّه كما يعرفون أبناءهم.
وقد حكى القرآن الكريم كثيراً من المجادلات الدينية والأسئلة المتعنتة التى كان اليهود يقومون بتوجيهها إلى النبى صلى الله عليه وسلم بقصد إحراجه وإظهاره بمظهر العاجز عن الرد على أسئلتهم ومجادلاتهم، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجيب على مجادلاتهم وأسئلتهم بما يدحض حجتهم ويخرس ألسنتهم.
كذلك كان لليهود تشريعاتهم ونظمهم الخاصة بهم فيما يتعلق بالذبائح والقرابين، والقصاص، والميراث، والاعتراف، والتطهير، والرق، والختان، والنكاح، وشئون المرأة، وغيرها من التشريعات التى بعضها أخذوه عن كتبهم وبعضها وضعه لهم كهَّانهم وأحبارهم من عند أنفسهم.
وأيضا كانت لهم أعيادهم الخاصة بهم والتى من أشهرها عيد الحصاد عيد رأس السنة وعيد الصوم الكبير، وعيد الفصح ويسمونه عيد الفطير، ويهتم اليهود بهذا العيد لأنه يوافق اليوم الذى خرج فيه بنو إسرائيل من مصر فرار من فرعون وظلمه، ويعتبر اليهود كذلك يوم السبت عيداً لهم، لا يجوز ليهودى أن يشتغل فيه، ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالاشتغال فيه يكون قد ارتكب جرماً عظيماً.
وكانت لليهود أيام خاصة يصومونها كيوم عاشوراء.
هذا ويزعم اليهود أنهم يعتمدون فى عبادتهم وتشريعاتهم، وآدابهم ومعاملاتهم ، على ما جاء فى التوراة التى أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام.
التــــــــوراة والتــــلمود
التوراة : كلمة عبرانية معناها: الشريعة، أو التعاليم الدينية.
وقد اعتمد اليهود تسعة وثلاثين سفراً، أطلق عليها اسم (العهد القديم) للتفرقة بينهما وبين ما اعتمده المسيحيون من أسفارهم التى أطلقوا عليها (العهد الجديد)، وجرت العادة أن يطلق على أسفار العهد القديم ، وأسفار العهد الجديد اسم ( الكتاب المقدس).
واليهود يعتبرون التسعة والثلاثين سفراً هذه أسفارا مقدسة، أى موحى بها، ويطلقون على خمسة منها إطلاقا حقيقياً اسم التوراة، أو كتب موسى، لأنها فى زعمهم أنزلها الله على موسى عليه السلام وكتبها موسى بنفسه.
وهذه الأسفار الخمسة هى: سِفر التكوين، وسِفر الخروج، وسِفر التثنية، وسِفر اللاويين، وسِفر العدد.
1- أما سفر التكوين أو( الخلق) فسمى بذلك لأنه يقص خلق السموات والأرض، ويحكى قصة خلق آدم وأكله من الشجرة، ونزوله إلى الأرض، كما يحكى قصة نوح عليه السلام وقصة الطوفان، وقصة إبراهيم عليه السلام وأولاده، وينتهى هذا السفر بالحديث عن قصة يوسف عليه السلام إلى أن مات.
2- وأما سفر الخروج فسمى بذلك لأنه يحكى تاريخ بنى إسرائيل فى مصر، وكيف خرجوا منها؟ وكيف عاشوا بعد ذلك؟ كما يحكى قصة تيههم وما جرى بينهم وبين موسى عليه السلام.
3- وأما سفر التثنية فسمى بذلك لأنه يكرر ويعيد التعاليم التى أوحاها الله إلى موسى عليه السلام، ومعظمه يدور حول الشئون التشريعية، الاقتصادية والسياسية، الخاصة ببنى إسرائيل .
4- وأما سفر اللاويين فمعظمه يدور حول شئون العبادات، والوصايا والأحكام والطقوس والأعياد، والنذور.
واللاويون هم نسل لاوى أحد أبناء يعقوب عليه السلام ومنهم موسى وهارون عليهما السلام، ونسب هذا السفر إليهم لأنهم كانوا سدنة الهيكل وحفظة الشريعة، ومعظمه يدور حول ما يشرفون عليه من عبادات ومعاملات.
5- وأما سفر العدد؛ فمعظمه يدور حول تقسيم بنى إسرائيل، وبيان تعداد أسباطهم وجيوشهم وأموالهم وذكورهم وإناثهم ... وبجانب هذا به بعض الأحكام التى تتعلق بالعبادات والمعاملات.
أما الأربعة والثلاثون سفرا الباقية فمنسوبة الى أشخاص كتبوها بعد موسى عليه السلام بأزمان متفاوتة فى الطول والقصر.
وهذه الأسفار الأربعة والثلاثون أيضا عند اليهود، ويطلق عليها
- تجوزاً - مع الأسفار الخمسة السابقة اسم التوراة.
بعد هذا التعريف الموجز للأسفار المقدسة عند اليهود، والتى يطلقون عليها اسم التوراة، نسأل: ... هل هذه الأسفار المقدسة عندهم هى التوراة التى أنزلها الله على موسى عليه السلام؟.
إن الذى ينظر فى هذه الأسفار ، يجد فيها من التناقض والافتراء، والانحراف عن الحق، وسوء التعبير؛ ما يجعله يحكم عليها بأنها – فى مجموعها – ليست هى التوراة التى أنزلها الله تعالى على موسى وهذه بعض الأدلة.
أولا : أخبرنا القرآن الكريم بأن اليهود قد امتدت أيديهم الأثيمة إلى التوراة فحرَّفوها وبدَّلوها، وأخفوا منها ما لا يتفق مع أهوائهم وشهواتهم، قال تعالى:
( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ . وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ . فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) (75: 79البقرة)
ثانيا: انقطاع سندها، فإن التوراة الموجودة حالياً ليس لها سند متصل إلى موسى عليه السلام، بل هى على النقيض من ذلك، إذ يوجد فيها ما يدل دلالة قاطعة على أنها كتبت بعده بزمن طويل.
ويتحدث الدكتور على عبد الواحد وافى عن الأزمنة التى كتبت فيها تلك الأسفار المنسوبة إلى موسى عليه السلام فيقول:
( هذا، وأهم أسفار العهد القديم هى أسفار –التكوين –الخروج –والتثنية- واللاويين – والعدد - التى ينسبها اليهود إلى موسى عليه السلام ويعتقدون أنها بوحى من الله، وأنها تتضمن التوراة . لكن ظهر للمحدثين من الباحثين، من ملاحظة اللغات والأساليب التى كتبت بها هذه الأسفار، وما تشتمل عليه من موضوعات وأحكام وتشاريع والبيئات الاجتماعية والسياسية التى تنعكس فيها، ظهر لهم من ملاحظة هذا كله أنها قد ألفت فى عصور لاحقة لعصر موسى بأمد غير قصير- وعصر موسى يقع على الأرجح حوالى القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد - وأن معظم سفرى التكوين والخروج قد ألف حوالى القرن السابع قبل الميلاد، وأن سفرى العدد واللاويين قد ألفا فى القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وأنها جميعاً مكتوبة بأقلام اليهود.
وتتمثل فى هذه الأسفار عقائد وشرائع مختلفة تعكس الأفكار والنظم المتعددة التى كانت سائدة لديهم فى مختلف أدوار تاريخهم الطويل .. فهى إذاً تختلف كل الاختلاف عن التوراة التى يذكر القرآن أنها كتاب سماوى مقدس أنزله الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام ).
ثالثا: إذا نظرنا إلى التوراة الحالية من حيث المتن نجدها محشوة بالقصص والعبارات والمتناقضات التى تتنزه الكتب السماوية الصحيحة عن ذكرها من سبيلين اثنين:
أولهما: تنسب التوراة الحالية لبعض الأنبياء – عليهم السلام- أعمالاً قبيحة تتنافى مع العصمة التى منحها الله تعالى لهم، ولا يتصور صدورها إلا من سفلة الناس، ثم أنك تجد فيها الكثير من مظاهر التناقض والتضارب فى الأحكام مما يتنافى مع كونه كتاب من عند الله.
وثانيهما: أنك تجد أن بعض الأسفار قد اشتملت علي غزل شهوانى صريح فج! و تخجل مما تجد فيها فى الكثير من المواضع من تعبير ماجن خليع يجعل العاقل يستبعد أن تكون هذه الأسفار منزله من السماء. وهذه النقطة وحدها كانت سبب فى إسلام الكثيرين من اليهود لما بحثوا فى القرآن فوجدوا أنه يعبر عن أخص حالات الجنس بعبارات راقية وألفاظ غاية فى الأدب والتهذيب، حتى قال أحدهم: ما كنت أستطيع أن أقرأ التوراة مع إبنتى إلا وأنا أقول أتركى تلك العبارات أو أقلبى هذه الصفحة والخجل يعترينى، فلما قرأت القرآن لم أجد فيه لفظاً واحد أخجل منه أمام إبنتى فعلمت أنه كتاب الله حقًّا، وقصارى القول:
- أن التوراة الحالية فى مجموعها قد كتبت بعد موسى عليه السلام بأزمان متفاوتة وبأفكار مختلفة.
- وأن اليهود كتبوها انعكاسا لأخلاقهم وتاريخهم وآمالهم وآلامهم.
- وكان مقصدهم الأول من وراء ذلك إظهارهم الشعب الإسرائيلى بمظهر الشعب المقرب إلى الله تعالى والمفضل على غيره من الشعوب.
- ولكثرة الأشخاص الذين اشتركوا فى كتابتها؛ امتلأت بالأخطاء والمفتريات والمتناقضات.
هذا، وليست الأسفار التى تحدثنا عنها سابقاً هى الكتب الوحيدة المقدسة عند اليهود، وإنما عندهم كتاب آخر يعتبرونه فى منزلة لا تقل عن منزلة التوراة وهو ( التلمود)، والتلمود كتاب بمعنى التعاليم والآداب الدينية لليهود، وهو يتكون من شيئين : المشناة والجمارا.
- (المشناة) هى عبارة عن شروح وتفاسير للتوراة.
- (الجمارا) هى عبارة عن حواشى وتعليقات وتفسيرات للمشناة.
ويعتقد معظم اليهود أن التلمود كتاب مقدس يضعونه فى منزلة التوراة، وقد احتوى التلمود على كثير من الأكاذيب والمفتريات التى لا يقبلها عقل.
أشهر فرق بنى إسرائيل
(1) فرقة الفريسيين: بمعنى المنعزلين والمنفصلين عن بقية الشعب، نشأت هذه الفرقة فى عهد المكابيين، وهدفهم المحافظة على الشريعة والتمسك بتعاليمها الحرفية دون أى اجتهاد فيها.
(2) فرقة الصدوقيين: سموا بذلك نسبة الى زعيمهم (صدوق الكاهن) وهم ينكرون البعث والحساب والجزاء والجنة والنار، ويقولون إن جزاء الإنسان إنما يتم فى الدنيا وينكرون كذلك التلمود.
(3) فرقة القرائين : وهذه الفرقة تعترف بما جاء فى التوراة وحدها، ولا تعترف اعترافاً تاماً بأحكام وتعاليم الحاخامات.
(4) فرقة الكتبة: وأفراد هذه الفرقة وظيفتهم كتابة الشريعة لمن يريدها، فهم أشبه ما يكونوا بالنساخ، وقد نتج عن كثرة مزاولتهم لهذا العمل أن عرف عدد منهم بالإلمام بأحكام شريعتهم، فاتخذوا الوعظ والتدريس مهنة لهم.

الباب الثاني: فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل

الباب الثانى
فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل

الفصل الأول
طباع وأخلاق بنى إسرائيل كما يصورها القرآن
1- نقض العهود والمواثيق
2- سوء أدبهم مع الله، وعداوة الملائكة وقتل الأنبياء
3- التحايل على استحلال محارم الله عزَّ وجلَّ
4- جحود الحق بعد بيانه، وكراهية الخير للغير
بدافع الأنانية والحسد
5- نبذ كتاب الله، واتباع السحر والأوهام الشيطانية
6- تحريف الكلم عن مواضعه إبتغاء المنفعة الخاصة
7- الحرص على الحياة، والجبن عن الجهاد
8- الطلب من نبيهم موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لغيرهم
9- العكوف على عبادة العجل من دون الله
10- التنطع فى الدين والإلحاف فى المسألة
الفصل الثانى
وسائل إفساد اليهود فى الأرض
1-التصفيـــة
2-التجســــــُّـس
3-التســـتر خلف الأديــان
4-إثارة الفتن والحروب والثورات
5-كتبهــــــــــم ومقرراتهـــــــــم
6-الجمعيـــــــــــات الســـــــرِّيَّـــــــــة
7-الرذائل والفواحش: وسائل الإعلام، الأفكار الخبيثة، المرأة
8-الحيل والألاعيب الإقتصادية للسيطرة والتحكم والأذية

الفصل الأول: (الباب الثاني): فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل كما يصورها القرآن

الفصـــــــــل الأول
فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل كما يصورها القرآن
إن القارئ لكتاب الله يرى بوضوح أنه قد سجل على بنى إسرائيل كثيرا من الأخلاق السيئة، والطباع القبيحة، والمسالك الخبيثة .. فقد وصفهم بالكفر والجحود، والأنانية والغرور، والجبن والكذب، واللجاج والمخادعة، والعصيان والتعدى، وقسوة القلب وانحراف الطبع، والمسارعة فى الإثم والعدوان، وأكل أموال الناس بالباطل، إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها القرآن عليهم، واستحقوا بسببها الطرد من رحمة الله، وضرب الذلة والمسكنة عليهم.
وإن هذه القبائح التى سجلها القرآن عليهم، يراها الإنسان واضحة جلية فيهم على مر العصور واختلاف الأمكنة، ولم تزدهم الأيام إلا رسوخاً فيها وتمكناً منها، وتعلقاً بها. وأبرز هذه الأخلاق السيئة:-
أولاً: نقض بنى إسرائيل للعهود والمواثيق
والمتتبع لتاريخهم قديماً وحديثاً يرى هذه الرذيلة تكاد تكون طبيعة فيهم، فقد أخذ الله عليهم كثيراً من المواثيق على لسان أنبيائه ورسله، ولكنهم نقضوها، وعاهدهم النبى صلى الله عليه وسلم غير مرة، فكانوا ينقضون عهدهم فى كل مرة. وقد قال تعالى:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ . ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) (84: 86البقرة).
وهذا الخلق طبيعة اليهود فى كل زمان ومكان، فهم قبل الإسلام نقضوا عهودهم مع الله تعالى وآذوا أنبياءه ورسله، فلما بعث النبى صلى الله عليه وسلم الذى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كفروا به، ونقضوا عهودهم معه فى كل مرة، وحاربوه بكل وسيلة.
واستمر حال اليهود مع المسلمين على ذلك، منذ البعثة النبوية الى اليوم، ما عرف عنهم وفاء ولا إيمان، وإنما ديدنهم مع المسلمين الخيانة والغدر ونقض العهود، وإن أعوزتهم القدرة الظاهرة على الأذى استعملوا الوسائل الخفية، وتآمروا مع كل عدو للدعوه الإسلامية، وإذا ما حانت لهم الفرصة انقضوا على أتباعها بقسوة وغلظة، دون أن يرقبوا فى مؤمن إلا ولا ذمة، ومع ذلك فإن الإسلام أمر بحسن معاملتهم!! .
ومن مظاهر ذلك مسالمتهم ومساكنتهم، وقبول الجزية منهم، ومجادلتهم بالتى هى احسن، ومعاملتهم بمبدأ: (( لهم ما لنا وعليهم ما علينا))، مع العفو والصفح عن زلاتهم، التى لا تؤثر على كيان الدعوة الإسلامية، فإذا ما نقضوا عهودهم وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، وأصبح العفو عنهم فيه مضرة بالمسلمين، ففى هذه الحالة يجب معاملتهم بالطريقة، التى تقى المسلمين شرورهم، لأن العفو عنهم عند استلزام قتالهم للدفاع عن النفس والعقيدة، فيه إلقاء بالنفس الى التهلكة.
والمتتبع لتاريخ الدولة الإسلامية، يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة عامل اليهود القاطنين بها معاملة طيبة، فعقد معهم معاهدة عدم اعتداء، وصابرهم رغم أذاهم، وعفا وصفح عن إساءتهم؛ أملاً فى هدايتهم فلما نقضوا عهودهم، ولجوا فى طغيانهم، عاقب كل طائفة بالعقوبة التى تناسب ذنبها؛ فأجلى بنى قينقاع وبنى النضير، وقتل بنى قريظة، وصالح أهل خيبر على جزء من ثمارهم على أن يجليهم متى شاء، ثم أمر صلى الله عليه وسلم فى أواخر حياته بإجلاء اليهود عن جزيرة العرب كلها حتى لا يبقى بها دينان.
وعلى المسلمين أن يطبقوا هذه المعاملة على اليهود اليوم؛ فاليهود الذين اعتدوا على ديارنا يجب أن يقاتلوا ويطردوا منها، وغيرهم نعاملهم بالحسنى إلا أن يعاونوا ويظاهروا شرارهم، وقليل منهم من لم يفعل ذلك.
بعد أن هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، عقد مع اليهود الذين كانوا يسكنونها معاهدة ضمن لهم فيها الحرية والاستقرار، وكان من أهم نصوص هذه المعاهدة: (( أنه إذا حصل اعتداء على المدينة فعلى اليهود أن يدافعوا مع المسلمين عنها، وأن على اليهود أن يتفقوا مع المسلمين ما داموا محاربين)).
لكن اليهود بطوائفهم المختلفة، قد نقضوا عهودهم بالنسبة لهذا النص الذى يحتم عليهم الدفاع عن المدينة مع المسلمين.
(1) فبنو قينقاع الذين كانوا يقيمون داخل المدينة، وبيوتهم تلاصق بيوت المسلمين، لم يكتفوا بالامتناع عن مد يد العون والمساعدة للمسلمين فى غزوة بدر، بل ساءهم أن ينتصروا على قريش، وصرحوا بحزنهم لهزيمة أهل مكة، وأخذوا يتحرشون بالمسلمين. وفى خلال ذلك نزل جبريل على النبىِّ بقوله تعالى:
(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) (58الأنفال)
فلما فرغ جبريل عليه السلام من قراءتها، قال النبى صلى الله عليه وسلم:
{ إنى أخاف من بنى قينقاع، ثم سار إليهم فى سوقهم وقال لهم:
يا مَعْشَرَ الـيَهُودِ احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنَ النّقْمَةِ، وَأَسْلِـمُوا فَـإِنّكُمْ قَدْ عَرَفْتُـمْ أنّـي نَبِـيٌّ مُرْسَلٌ تَـجِدُونَ ذلك فـي كِتابِكُمْ، وعَهْدِ الله إِلَـيْكُمْ! فقالوا: يا مـحمد إنك ترى أنا كقومك، لا يغرنَّك أنك لقـيت قوماً لا علـم لهم بـالـحرب فأصبت فـيهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلـمنّ أنا نـحن الناسى}.
ولما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم منهم استعراضاً لقوتهم وتصميماً على نقضهم لعهودهم، ومحاربة مستمرة للدعوة الإسلامية، ومآزرة لكل معارض لها، طردهم من المدينة إلى أذرعات، جزاء غدرهم وخيانتهم .
(2) وأما بنو النضير: فكانوا فى نقضهم لعهودهم مع المسلمين أفحش من سابقيهم، فإنهم لم يكتفوا بمنع يد المعونة عن المسلمين فى بدر، بل آووا الأعداء الذين جاءوا للإفساد فى المدينة بعد ذلك. وبنو النضير أيضاً هم الذين حاولوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم حين جاءهم إلى بيوتهم ليطلب منهم المعونة فى دفع دية قتيل قتل خطأ، وكانت عقوبتهم جزاء خياناتهم ونقضهم لعهودهم أن طردهم المسلمون من المدينة كسابقيهم .
(3) وأما بنو قريظة: فقد كانوا فى نقضهم لعهودهم مع المسلمين ، ونكثهم مواثيقهم أشد من كافة طوائف اليهود، لأنهم لم ينقضوا عهودهم فى وقت السلم بل تحللوا منها فى وقت الشدة والعسر، وإحاطة أحزاب الكفر بالمدينة.
وذلك أن المشركين بعد أن جمعوا جموعهم فى غزوة الأحزاب بقيادة أبى سفيان ، وبتحريض من حيى بن أخطب اليهودى، بلغ المسلمين فى ذلك الوقت أن يهود بنى قريظة قد نقضوا عهودهم وانضموا إلى جيش الكفر، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم من يحذرهم من مغبة خياناتهم، ولكنهم أصروا عليها وكذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وذكروه بسوء.
وبعد أن ردَّ الله الذين كفروا – عن المدينة – دون أن ينالوا منها، تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون لتأديب بنى قريظة، الذين نقضوا عهودهم فى ساعة العسرة، وكان حكم الله فيهم القتل جزاء غدرهم وخياناتهم.
وهكذا نجد القرآن الكريم وصف اليهود بنقضهم لعهودهم، التى أخذها الله تعالى عليهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ويحافظوا على أداء العمل الصالح، ونقضوا عهودهم التى أمرتهم بها كتبهم حيث سفك بعضهم دم بعض ، ونقضوا عهودهم مع أنبيائهم إذ آذوهم وعصوهم ، ونقضوا عهودهم التى أخذت عليهم بأن يؤمنوا بمحمَّدٍ ص صلى الله عليه وسلم عند ظهوره، ونقضوا عهودهم فى كل موطن يرون النقض فيه يوافق أهواءهم، ويساير شهواتهم ؛ ولهذا طبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا إلا قليلاً.
ثانياً: سوء أدبهم مع الله تعالى
وعداوتهم لملائكته، وقتلهم لأنبيائه
أولا : قال تعالى:
(لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ . ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) (181، 182آل عمران)
وقال سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما:
{لما نزل قوله تعالى: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) (245البقرة)، قالت اليهود : يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله تعالى هذه الآية }.
وروى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل بيت المدراس، فوجد من يهود ناساً كثيرين قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له فنحاص، فقال له أبو بكر: (ويحك يا فنحاص، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم فى التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإننا عنه لأغنياء، ولو كان غنيًّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا).
فغضب أبو بكر  وضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً وقال : والذى نفسى بيده لولا العهد الذى بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله.
فذهب فنحاص إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم لأبى بكر: (ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟)، فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت مما قال فضربت وجهه. فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص:
(لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) (181، آل عمران)
وهكذا فقد كانوا يتهكمون على القرآن الكريم عندما كان يدعو الناس الى البذل والإنفاق، ويستهزئون بتعاليم الإسلام التى تحضُّ على الجود والسخاء، ويصفون الله عزَّ وجلَّ بما هو مُنَزَّهٌ عنه، ويحاولون بطرق شتى تحريض المؤمنين على الشُّحِّ وعدم الإنفاق لتشكيكهم فى دينهم وصرفهم عن الاستجابة لكتاب ربِّهم وسنَّة نبيِّهم، وليس هذا القول القبيح غريباً على اليهود.
ثانيا : قال تعالى فى سورة البقرة :
(مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ . وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ) (98، 99القرة).
لقد سمعوا أن جبريل عليه السلام ينزل بالوحى من عند الله على محمد صلى الله عليه وسلم لى الله عليه وسلم وهم يحسدونه على النبوة، فلجَّ بهم الحقد والغيظ إلي أن أعلنوا عن عدائهم لجبريل أيضاً، وهذه حماقة وجهالة منهم،لأن جبريل عليه السلام نزل بالخير لهم فى دينهم وفى دنياهم، ولكن الحقد والحسد إذا استوليا على النفوس جعلاها لا تفرق بين الخير والشر!!.
قال الإمام ابن جرير: (أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً، على أن الآية نزلت جواباً لليهود من بنى إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وميكائيل ولي لهم).
ثالثا : قال تعالى: فى سورة آل عمران:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) (21، 22آل عمران).
فقد قتل اليهود من الأنبياء الكثيرين، قتلوا:
- ( أشيعاء بن موص) الذى عاش فى منتصف القرن الثامن قبل ميلاد المسيح عليه السلام، قتله (منسى) ملك اليهود، بأن أمر بنشره نشراً على جذع شجرة عام سبعمائة قبل الميلاد، لأنه كان ينصحه بترك السيئات.
- وقتلوا النبى( أرما ) رمياً بالحجارة، لأنه أكثر من توبيخهم على منكرات أعمالهم، وكان ذلك فى أواسط القرن السابع قبل الميلاد.
- وقتلوا النبى زكريا عليه السلام لأنه حاول الدفاع عن ابنه يحيى. قتله (هيرودوس) العبرانى، ملك اليهود من قبل الرومان.
- وقتلوا النبى يحيى بن زكريا عليهما السلام، قتله هيرودوس أيضاً، لأن ابنة أخته غضبت على يحيى لأنه لم يصدر الفتوى التى تهواها، وهى زواجها بهيرودوس.
- وقتلوا النبى (حزقيال) قتله أحد قضاتهم لأنه نهاه عن منكرات فعلها.
وزعموا أنهم قتلوا (عيسى) عليه السلام وافتخروا بذلك فوبخهم القرآن الكريم بقوله: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ ) (157النساء).
- وحاولوا قتل النبى صلى الله عليه وسلم مرارا ، ولكن الله تعالى خيب محاولاتهم، وعصمه منهم، وحفظه من شرورهم .
ومن هذه الوقائع التاريخية الثابتة ، نرى أن قتل اليهود للنبيين قد تعدد منهم فى أوقات مختلفة ومن أجيال متعاقبة. وبعد أن دمغهم سبحانه بجريمة قتل الأنبياء، وهى أعظم جريمة فى هذا الوجود، عقبها بجريمة ثالثة من جرائمهم وهى : (وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ)، أى: قتلهم الدعاة الى الحق، واعتداؤهم على الآمرين بالقسط؛ الذى هو ميزان الاعتدال فى كل شئ، وإيذاؤهم للمرشدين الذين يبثون روح الفضائل بين الناس .
وفعلهم هذا من أسبابه صممهم عن الانصياع للهدى، وإعراضهم عن سبيل الرشاد، وضيق نفوسهم عن تقبل كلمة الحق، فهم ممن ينطبق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الوارد فى أحدديث عديدة:
{ بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط }، وقال صلى الله عليه وسلم: { بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَاتِ بِالشُّبُهَاتِ، بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ لاَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلاَ يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ }، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: { بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَمْشِي الْمُؤْمِنُ فِيهِمْ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ }.
وسئل النبى صلى الله عليه وسلم: أيُّ النَّاسِ أشَدُّ عَذَاباً يَوْمَ القيامة؟ قال: {رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيّاً، أو رَجل أمَرَ بالمُنكَر ونَهَى عن المَعْرُوفِ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (21آل عمران)، ثم قال: بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا، فَاجْتَمَعَ مِنْ عُبَّادِهِمْ وأَحْبَارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ؛ لِيُغَيِّرُوا المُنْكَرَ وَيُنْكِرُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعاً، كُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ }
ثالثاً: تحايلهم على استحلال محارم الله عزَّ وجلَّ
من رذائل بنى إسرائيل التى وقعوا فيها - نتيجة جهلهم، وفسوقهم، وجشعهم، وضعف إرادتهم - رذيلة التحايل على هدم الشرائع، ليصلوا إلى مطامعهم وشهواتهم، ظانين – لجهلهم وعدم فقههم – أنهم عن طريق ذلك التحايل المحرم سيفلتون من المؤاخذة والعقوبة، وقصة أصحاب السبت التى ورد ذكرها فى القرآن، أكبر دليل على تلاعبهم بالدين، وتهالكهم على الدنيا.
والحديث عن أصحاب السبت، قد جاء ذكره مفصلاً فى كتاب الله:
(واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) (163: 165الأعراف).
وتفصيل هذا الاعتداء الذى حصل منهم فى يوم السبت أنهم قد حفروا حياضاً إلى جانب البحر، الذى كانت تكثر فيه الأسماك فى هذا اليوم، فكانت المياه تنساب إلى تلك الحياض فى يوم السبت مع ما تحمله من الأسماك الكثيرة، ثم إذا أرادت الرجوع للبحر لا تستطيع لضآلة الماء الذى بالحياض، فتبقى فيها إلى أن يصطادوها بعد يوم السبت. وصنيعهم هذا ظاهره امتثال أمر الله تعالى، لإنهم لم يصطادوا فى يوم السبت، وحقيقته أنه مجاوزة لما حرَّم الله عليهم من الصيد، فإن حجزها فى الحياض صيد لها فى المعنى والحقيقة!!.
قال الإمام القرطبى عند تفسيره الآية الكريمة:
( إن بنى إسرائيل افترقت ثلاث فرق : فرقة عصت وصدت، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، وفرقة نهت واعتزلت وكانوا نحواً من اثنى عشر ألفاً، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الطائفة هى التى قالت للناهية: لم تعظون قوماً عصاه، الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن، وما عهد حينئذ من فعل الله تعالى بالأمم العاصية؟ )
ثم بين سبحانه وتعالى عاقبة كل من الفرق الناهية والعاصية فقال تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) (165الأعراف)، أى: فلما لجَّ الظالمون فى طغيانهم وعموا عن النصيحة، أنجينا الناصحين، وأخذنا العادين بعذاب شديد لا رحمة فيه، بسبب خروجهم على أوامر الله.
رابعاً: جحودهم الحق بعد ما تبين،
وكراهتهم الخير لغيرهم بدافع الأنانية والحسد
من الرذائل التى تكرر وصف اليهود بها فى القرآن الكريم، رذيلة جحود الحقِّ عن معرفة وعلم، ورذيلة الأنانية المفرطة التى تحيا فى نطاق من التعصب الذميم والعنصرية المقيتة، فتجعلهم يحرصون على احتجاز الخيرات لأنفسهم دون سائر الناس، وتحملهم على الشعور بأن كلَّ برٍّ يصيب غيرهم فكأنما قد اقتطع منهم، وتحوّلهم إلى أناس يتميزون من الغيظ إذا ما رأوا نعمة تساق لغير أبناء ملتهم. وقد سجل القرآن الكريم عليهم هذه القبائح فى آيات متعددة، ومن ذلك قوله تعالى:
(وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) (89البقرة).
عن أبى العالية قال : { كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركى العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم، فلما بعث الله – تعالى- محمد ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ). أصحاب القلوب المريضة، والنفوس الخبيثة، والعقول التافهة
خامساً: نبذهم لكتاب الله ،
واتباعهم للسحر والأوهام الشيطانية
ومن طباعهم أنهم يستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير، وبنو إسرائيل لهم فى هذا المجال نصيب موفور، وتاريخهم فى مختلف العصور يشهد بأن أكثرهم من الذين استحبوا العمى على الهدى، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير.
ومن الرذائل التى وصمتهم الآيات القرآنية بها، نبذهم لكتاب الله تعالى، واتباعهم للأساطير الباطلة، وفى ذلك يقول الله تعالى:
(وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) (101، 102البقرة).
ونبذهم لكتاب الله فيه معانى عديدة كما قال أهل العلم؛ فمنها فى عهده صلى الله عليه وسلم أنهم لم يتبعوه مع أنهم قرأوا صفته هو وأصحابه فى كتاب الله التوراة التى عندهم، وعلموا يقيناً أنه النبى المنتظر الذى به يستنصرون، وهو من سكنوا المدينة ينتظرونه، ومع ذلك اتبعوا أهواءهم وأساطيرهم لما بُعث فى غيرهم.
وقيل نبذوا التوراة الحقَّة وأخذوا بكتاب آصف (كتبوه بأيديهم)، وأخذوا بسِحْرِ هاروت وماروت، وقيل نبذوا كتاب الله لهم فهو بين أيديهم يقرءونه؛ ولكن نبذوا العمل به، وقال بن عُيَيْنة: أدرجوه في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلُّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه؛ فذلك النَّبذ، وقيل كتاب الله أى: القرآن، علموا أنه الحقَّ فتركوه واتبعوا الباطل.
وأثبتت الآيات كذب دعواهم أن السحر الذى يتناولونه ويشتهرون به أتى به جبريل وميكائيل وعلموه لسليمان، فهذا كذب، وأثبت أن السحر من عمل وتعليم الشياطين، وأنه ضار مضر، ولكنهم نبذوا ما توثق عندهم من العلم بكل هذه الأشياء واتبعوا شياطين إنسهم وجنهم! وهذا دأبهم!
ســــادساً: تحريفهم للكلم عن مواضعه
ليشـــــــتروا به ثمنا قليلاً
قال تعالى فى سورة البقرة:
(أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) (75: 79البقرة).
ومن تحريفهم للكلم أنهم كانوا يخفون من التوراة آيات ويظهرون ما وضعوه بأيديهم إذا ذهبوا يحتكمون للنبى صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك؛ ما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة: أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا صلى الله عليه وسلم عالمهم، وهو ابن صوريا فقال له: احكم، قال: فجبُّوه (التجبية هى أن يحملوه على حمار، ويجعلون وجهه إلى ناحية مؤخرة الحمار)، فسأله صلى الله عليه وسلم: أبحكم الله حكمت؟ قال: لا، ولكن نساءنا كنّ حساناً، فأسرع فيهنّ رجالنا ( أى كثر فحش رجالنا بنسائنا لحسنهن) فغيَّرنا الحكم!!، ولهم قصص عديدة فى ذلك، وهذا من أخصِّ وأخسِّ صفاتهم، فهم يغيِّرون ويحرِّفون ويبدِّلون لخدمة أهوائهم وأغراضهم، وهذا حالهم إلى اليوم.
وهم لا يتورعون عن النفاق بأى حال لخدمة أغراضهن، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم:{لا يدخلنّ علينا قصبة المدينة إلا مؤمن}، أظهر بعضهم الإيمان، ليدخلوا ويرجعوا إلى قومهم بالأخبار!!. وكان المؤمنون يقولون لهم: أليس الله في التوراة قال كذا وكذا؟ فيقولون نعم، فإذا رجعوا إلى قومهم لاموهم، كيف يحدثونهم بما فى التوراة ليحاجوهم به بعد ذلك؟. وروى أنه لما قام لهم النبى صلى الله عليه وسلم لقوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة والخنازير ويا عبدة الطاغوت!، فقالوا: من أخبر هذا الأمر محمداً؟ أنتم من أخبرتموه بما فى كتابكم!
فكان اليهود إذا لقوا الذين إمنوا قالوا آمنا، فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم، وإذا خلوا لبعضهم تعاتبوا على ما أظهروه أو ما قالوه!! وتعاهدوا على الخسة والنذالة للوصول إلى أغراضهم وتبرير شنيع فعالهم.
ومن شهير خستهم وتحريفهم أنهم كتبوا بأيديهم الكتب وأدَّعوا أنها من عند الله، وهى ليست كذلك. ومنها توراتهم، وكذلك الإنجيل، فإن الكتبة كانت فى ذلك العهد منهم، فكانوا يكتبون وينسخون ويحرِّفون، فتعددت الكتب والأناجيل، وصار ما بين أيدى أهل الكتاب شىء وما أنزل الله شيئاً آخر، ولذا فإن من أسرار حفظ الله للقرآن أنه كان يكتب وقت سماعه من النبى بأيدى كتبة من حفظة المسلمين الصادقين الذين كانوا يتقنون فنون الكتابة.
ومن أسرار إعجاز هذه الآية التى فضح الله فيها اليهود، أنهم مع علمهم أن القرآن وصمهم بهذه الصفة الشنيعة - من تحريف كلام الله، استمروا على ذلك وطوَّروا أساليبهم فيما استقبل من الأيام، وإيجاز ذلك:
أنهم لما أبطنوا الكفر والعداوة وأظهروا الإيمان والمسكنة، وكانت منهم الكتبة والمترجمون من لغات أخرى للعربية والعكس، أكثر الخلفاء من توزيرهم واستخدامهم فى شئون الدواوين والكتابة والترجمة وأعمال البريد ودفاتر الوزارات ونسخ الكتب، فاستغلوا ذلك أسوأ استغلال، وجمعوا أموالاً طائلة، وأحكموا مؤمرات هائلة، ونفثوا الكثير من سمومهم فيما كتبوا، وأضافوا العديد من الإسرائيليات عند نسخهم للكتب، وأدخلوا الكثير من المغالطات، ولم يتورعوا أن ينسبوه لفلان وفلان لتبدو أنها صادقة وذات مرجعية!! (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ). ومن إسرائيلياتهم تلك الكثير والكثير، ونشير إلى البعض منها فقط - على سبيل المثال لا الحصر - لتعرفوا كيف وصلوا بأفسادهم لكتب السنة والسير المشهورة:
- قصة أنهم سحروا النبى، وهى أُكذوبة حقَّقها العلماء، وللأسف يتناولها حتى دعاة المسلمين للدلالة على وجود السحر وتأثيره.
- قصة أنه صلى الله عليه وسلم توفى ودرعه مرهونة عند يهودى، ولم يكن بالمدينة وقتها يهود، وهل يعقل أن يترك أثرياء المسلمين كابن عوف وعثمان رضي الله عنهما رسول الله هكذا!، وقد ثبت بالسنة أن عثمان ذهب يوماً لبيت النبى فوجد عائشة لم تعد طعاماً بعد لأنه نفد الدقيق من عندهم؛ فبكى وقال: كيف لم تعلمينى يا أماه!، وسيَّر إليهم بعير دقيق وبعير سمن، وصار يفعل ذلك كل مدة قصيرة دون أن يسأل!.
- وقصصاً أخرى أدخلها اليهود ليقولوا أنه نبىُّ الفقر ومن يتبعونه يأتيهم الفقر، والأمر ليس كذلك!! وواجب علماؤنا أن ينقُّوا كتب التراث مما علق بها من القصص المغرضة.
- وكانت اليهود من أوائل من ساهموا فى نشر حادثة، الإفك وإتهام السيدة عائشة وترويج الإشاعات حولها، وحديثاً وبعد أن دار الزمان ومنذ شهور اشتركوا مع دور أوروبية لصناعة لعب الإطفال لصنع لعب جنسية وضيعة ومقززة، وأسموها عائشة وزوجات محمد لينشروا بها أفكارهم الوضيعة عن زوجات النبى الطاهرات.
- وقد أكثروا من إدعاء وصاية موسى على محمد صلى الله عليه وسلم لما قابله فى المعراج، وعند فرض الصلاة خمسين أولاً ونصحه للنبى أن يسأل ربَّه التخفيف، وإن كان العلماء أفاضوا فى ردِّ شبهة الوصاية علينا إلا أن اليهود ما انفكوا يحاولون الإدعاءات الكاذبة ليحوذوا الفضل.
- وفريتهم الشهيرة أنهم قتلوا النبى ويستخدمون الحديث الذى حقق العلماء وضعه: {ما زالت أكلة خيبر تعاودنى حتى قطعت إبهرى}، فأى سم لم يخلق هذا الذى يقتل بعد سنين مع أن من طعموا منها ماتوا، والشاة نطقت لا تأكلنى فإنى مسمومة! فهل أنطقها الله بعد أن أكل منها! ولكنها وضاعة اليهود فى إفتراء الوقائع. وللأسف فبعض الدعاة يرددون تلك الفرية ليثبتوا الشهادة للنبى صلى الله عليه وسلم، وهل النبى يحتاج هذا وقد وصفه الله بالشهيد فى كتابه فى مواضع عدة.
- وكم من فرية نسجوها ليثبتوا أن الذبيح إسحاق وليس إسماعيل، ليذهب فضل التضحية السماوية لجدهم لا لجد العرب!
- وفى عصرنا الحديث ومع تطور المطابع كم من مرة طبعوا القرآن الكريم وحرفوا الآيات التى تخصهم!! أو حرفوا تشكيل بعض الكلمات ليبثوا فى المسلمين كتاباً محرفاً!، ولكن الله يفضحهم دائماً.
- وشاركوا أخيرا فى أمريكا لوضع كتاب محرَّف أسموه الفرقان ليقولوا هذه الصورة الحديثة من القرآن والتى تناسب العصر، فماتت دعوتهم فى مهدها وواجههم المسلمون بشدة وقوة.
- وأيضاً فى العصر الحديث ثبت بالدليل القاطع محاولة تلاعبهم وتحريفهم للتاريخ المصرى القديم عن طريق بعض علماء المصريات اليهود الغربيين، لمحاولة إثبات أن اليهود هم من بنوا أهرامات الجيزة، وكذبوا فليس لهم فى ذلك قليل ولا كثير، ولما لم تنجح محاولتهم، حاولوا أن يثبتوا بالكذب أن الأهرامات بنتها مخلوقات فضائية أو من الجنِّ وليس قدماء المصريين! فاليهود إن لم يستطيعوا أن ينسبوا السبق والفضل لأنفسهم بالكذب! حاولوا أن يسلبوا الفضل وينزعوه عن أهله بالتضليل والإفتراء! قاتلهم الله أنى يؤفكون!

سابعاً: حرصهم على الحياة
وجُبْنُهُـــــم عن الجهـــــــاد
من القبائح التى طبع عليها اليهود فى كل زمان ومكان ، صفة التهالك على الدنيا ، والحرص على الحياة ، مهما اتسمت بالذل ، أو تلطخت بالعار.
وقد أدى بهم هذا الحب الشديد للحياة إلى الجبن الهالع ، والنكوص على الأعقاب فى كل موطن شريف ، والاعتذار عن القتال فى سبيل الحق بشتى ألوان المعاذير، ولقد صور القرآن هذه الرذائل التى جبل عليها اليهود أكمل تصوير وأصدقه، ومن بعض الآيات التى وردت فى ذلك قوله تعالى:
(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (96البقرة).

ثامناً: طلبهم مِنْ نبيِّهم موسى
أن يجعل لهم إلهاً كما لغيرهــــــم آلهة
عاش بنو إسرائيل فى مصر زماناً طويلاً ذاقوا فيه سوء العذاب، وألفوا خلال معيشتهم فى مصر وثنية قدماء المصريين، وعبادتهم للعجل شأن المغلوب فى تقليده الغالب، وشاء الله تعالى أن ينقذهم مما هم فيه من جهالات وذل وهوان، فأرسل نبيَّه موسى عليه السلام ليدعو فرعون وقومه إلى عبادة ربِّ العالمين، ولكن فرعون طغى وبغى، ولم يذعن للآيات والنذر التى جاءه بها موسى، فكان مصيره هو ومن معه الغرق فى البحر أمام أعين بنى إسرائيل، الذين كانوا قد خرجوا بقيادة نبيِّهم موسى مهاجرين من مصر إلى بلاد الشام.
وما أن جاوز بنو إسرائيل البحر الذى غرق فيه عدوهم أمام أعينهم، والذى ما زالت رماله الرطبة عالقة بنعالهم، حتى وقعت أبصارهم على قوم يعكفون على أصنام لهم، فعاودتهم طبيعتهم الوثنية، وحنُّوا إلى ما عليه القوم من ضلال، فطلبوا من نبيِّهم ومنقذهم - من وثنية فرعون وظلمه - أن يجعل لهم إلهاً من جنس تلك الآلهة التى رأوها تُعبد من دون الله - وهنا غضب موسى عليه السلام عليهم، وعاب عليهم جهالاتهم وفساد تفكيرهم .
ولقد صور القرآن لكريم بأسلوبه البليغ حادثة طلبهم من نبيهم أن يجعل لهم إلهاً صنماً – كما لغيرهم آلهة من الأصنام – فقال تعالى:
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (138: 140الأعراف).
تاسعاً: عكوفهم على عبادة العجل من دون الله
من الرذائل التى تدل على جهالات بنى إسرائيل والتواء نفوسهم، وفساد عقولهم وانطماس بصيرتهم، وتأبيهم على الإصلاح والمعالجة، اتخاذهم العجل معبوداً من دون الله، واستحواذ محبته على قلوبهم!!.
بعد أن فارقهم موسى لتلقى التوراة من ربِّه - وفيها هداية ونور لهم - انتهزوا لين هارون فعبدوا عجلاً جسداً صنعه السامرى من حلى نسائهم التى استعاروها من قبط مصر، وحاول هارون صدَّهم ولكنهم أعرضوا عنه واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وأعلمَ الله موسى بذلك، فعاد إليهم مغضباً حزيناً وأخذ يوبِّخهم بقوارص الكلم، وينذرهم بسوء المصير، فاعتذروا إليه بان السامرى هو الذى خدعهم وأضلَّهم، وقد أوجزنا القصة فى تاريخ بنى إسرائيل فيما سبق من الكتاب، ولا داعى للتكرار، قال تعالى:
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ. وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (148: 150الأعراف).
عاشراً: تنطعهم فى الدين وإلحافهم المسألة
وهذه هى الرذيلة العاشرة من رذائل بنى إسرائيل؛ ألا وهى تنطعهم فى الدين، ومحاولتهم تضييق ما وسَّعه الله عليهم، مع التظاهر بأن ذلك إنما من شدة ورعهم وتدقيقهم فى أوامر ربِّهم حتى يكونوا من المهتدين!.
وضلوا حقيقة لأنهم إنما كانوا يفعلون ذلك لتهربهم من الانصياع لكلمة الحق، وتشككهم فى صدق أنبيائهم وتعنتهم فى السؤال، وذلك إما للتحلل من الامتثال، أو لانطماس بصيرتهم عن فهم مقاصد الشريعة.
وقصة أمرهم بذبح بقرة على لسان نبيهم موسى عليه السلام خيرُ دليل على ما وصفناهم به من رذائل، ومن فسوق عن أمر ربهم، وسوء تقبل لنعم خالقهم. وقد وردت هذه القصة فى كتاب الله تعالى إذ يقول:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ. قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ . قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ . وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ . فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (67:74البقرة).
ولو استجابوا لأمر الله من أول مرة لكفتهم أىُّ بقرة كما أُمِرُوا، فلما تنطعوا وتشدَّدوا شدَّد الله عليهم، فلم تبق فى بنى إسرائيل كلها إلا بقرة واحدة ينطبق عليها العنت الذى جلبوه لأنفسهم، وكلفتهم ثروة من المال!.

الفصل الثاني: (الباب الثاني): وسائل وألوان إفساد اليهود فى الأرض

الفصل الثانى
وسائل وألوان إفساد اليهود فى الأرض
ما أظهره اليهود فى هذا العصر من تعاون وتساند، واحتيال ومكر، وصلوا عن طريقة إلى إنشاء دولة لهم بفلسطين، هو أمر مؤقت، فإن وجودهم بفلسطين لن يستمر طويلاً مهما نُوصروا وأُعينوا، بل هو فى الحقيقة من علامات نهاية اليهود كما سنرى بالباب الأخير من الكتاب (أحداث النهاية)، بل ستعود فلسطين إلى أهلها متى صدق المسلمون فى جهادهم، واتبعوا تعاليم إسلامهم، وأعدوا العدة الكاملة لاسترداد أرضهم المغتصبة. وإن التاريخ ليشهد بأن المسلمين قد تعرضوا للكثير من أذى اليهود ومكرهم وتعديهم، ولكن الله تعالى نصر المؤمنين عليهم بفضل إخلاصهم له، واعتمادهم عليه، وحسن استعدادهم لملاقاة أعدائهم.
إن إفساد اليهود فى الأرض أمر اتَّسع نطاقه وعمَّ بلاؤه، وتعدَّدت أساليبه وتنوَّعت وسائله، وهذه بعض ألوانه ونحن نذكرها على سبيل المثال لا الحصر فإن اليهود تفنَّنوا فى التنكُّر وتلبيس الحق بالباطل وكم من مفسدة فى الأرض ظهر فيما بعد أنهم كانوا وراءها وهم الذين خططوا لها:
أولاً: التصفية بالخطف والقتل والإغتيال
قتل اليهود من أنبياء الله تعالى زكريا ويحيى عليهما السلام، وحاولوا قتل عيسى عليه السلام، واتخذوا جميع السبل لذلك إلا أن الله تعالى عصمه منهم لأسباب خارجه عن إرادتهم، وحاولوا أيضاً قتل النبى صلى الله عليه وسلم ولكنهم لم يفلحوا! لأن الله تعالى نجَّاه من شرورهم ومكرهم .
والذى يتتبع التاريخ فى جميع مراحله، يجد أن رذيلة الخطف والقتل والاغتيال طبيعة فى اليهود فى كل عصورهم .
والذي ينظر للكثير من عمليات التصفية بالإختطاف وبالقتل وبالإغتيالات فى العصر الحديث فى جميع أنحاء العالم من مسئولين فى الأمم المتحدة، ونشطاء سلام، أو ساسة غربيين وعرب ومسلمين، وعلماء ذرة ومناضلين، ثبت بالدليل القاطع إغتيالهم على أيدى اليهود؛ يعلم يقيناً أنَّ الخطف والقتل والتصفية والإغتيال صفة ملازمة لفسادهم، وأداة أصيلة لتحقيق أغراضهم على مرِّ السنين والأعوام!
ثانياً: التجســـــــــــــــــــُّـس
التجسس على الدول المختلفة من أهم الوسائل التى يستغلها اليهود لمصلحتهم وللإفساد فى الأرض. وقد حكى القرآن الكريم عنهم أنهم كانوا يظهرون الإيمان ويخفون الكفر، ثم يحضرون مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمعوا منه ما يقول، ثم ينقلوا ما يسمعونه إلى زعمائهم وأبناء ملتهم.
ومن ذلك قوله تعالى
(وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (176آل عمران)
أى: أنهم عيون وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا مجالسك، وقد ساق ابن إسحاق أسماء بعض اليهود الذين أظهروا الإسلام نفاقاً، ليتمكنوا من التجسس على المسلمين، فقال: وكان ممن تعوذ بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق من أحبار اليهود: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، ونعمان ابن أوفى، ورافع بن حريملة، ورفاعة بن التابوت، وكان هؤلاء المنافقون يحضرون إلى المسجد، فيستمعون إلى أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزءون بدينهم، فاجتمع يوماً فى المسجد منهم أناس، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم خافضى أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا من المسجد إخراجاً عنيفاً.
والخلاصة أن التجسس من الأعمال التى برع فيها اليهود، ولا يزال من أهم الوسائل التى يلجأون إليها لمعرفة أسرار الدول والجماعات ليستغلوا هذه الأسرار فى خدمة مصالحهم وللكيد لغيرهم وفى نشر الفساد فى الأرض والوقيعة، وتكاد كل الوسائل الحديثة من أساليب التجسس والمخابرات وتجنيد الجواسيس وجمع المعلومات وتحليلها بالوسائل التقنية والحديثة مما لا يخطر على البال، تكاد تكون من صنع أيديهم او من يسخرونه لأغراضهم الدنيئة!
ثالثاً: التســــــــــتر خلف الأديـــــــان
إن تسترهم بالأديان قد يكون لأغراض أخرى كثيرة، من أهمها:
- خدمة عقيدتهم اليهودية.
- خدمة مصالحهم الشخصية.
- نشر الشرور فى الأمم التى ليست على ملَّتهم .
ولقد دخل اليهود جميع الأديان نفاقاً لخدمة يهوديتهم؛ فدخلوا البوذية، والمسيحية، والإسلام.
ومن أشهر اليهود الذين تظاهروا بالدخول فى الإسلام، وأثاروا الفتن والمنازعات بين المسلمين (عبدالله بن سبأ ) المتوفى سنة 40 هجرية. ذلك اليهودى الذى لم يكن يضمر للمسلمين إلا الشَّر، فهو الذى قام بتكوين الجمعيات السرية لزعزعة العقيدة الإسلامية فى النفوس، وأخذ يتنقل فى الأقطار الإسلامية لينشر سمومه وشروره.
كما نادى هذا المنافق بأمور ما أنزل الله بها من سلطان، كقوله برجعة النبى صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ يفسر الآيات القرآنية تفسيراً سقيماً ليؤيد أقواله، كما أنه وضع الأحاديث ليدعم بها رأيه، وقد استطاع بدهائه ومكره أن يضم إلى صفه عدداً كبيراً من ضعاف الإيمان!! واستطاع أن يثير الفتن والدسائس التى أدت الى مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه.
ومن أخطر الجماعات التى تسترت بالإسلام فى العصر الحديث لكى تكيد له: جماعة (الدونما) فى تركيا ، فإن هذه الجماعة أفرادها يهود لحماً ودماً، ولكنهم تظاهروا بالإسلام حتى قضوا على الدولة العثمانية.
كان لجماعة (الدونما) فى تركيا أكبر الأثر فى طرح تركيا لدينها الإسلامى، ومحاربة اللغة العربية، والتنصل من أية صلة بالعرب، والمناداة بالجامعة الطورانية للتخلص من الإسلام، وذلك لأنه بعد أن تولى (مصطفى كمال أتاتورك) حكم تركيا تحولت إلى دولة علمانية لا تعترف بالدين الإسلامى ولا بغيره، ومصطفى كمال هذا ما هو إلا صنيعة من صنائع حزب الدونما فى تركيا، وقد بدأت الأحوال فى التغيير الآن وسبحان من يفعل ما يريد.
رابعاً: إثـــــــارة الفتن والحروب والثـــــورات
اليهود فى كل زمان ومكان معروفون بإثارتهم للفتن، وإشعالهم نار الحرب، وتحريضهم على الثورات ضد الأوضاع القائمة. ففى باب إثارة الفتن نجدهم بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم قد حاربوا دعوته بوسائل متعددة؛ وكان أبرزها: مجادلاتهم الدينية، ومخاصماتهم الكلامية؛ لإثارة الفتنة بين صفوف المسلمين .
ولليهود الباب الواسع فى إيقاد نار الحروب، وما الاعتداء الثلاثى على مصر سنة 1956 إلا من تدبيرهم ومكرهم، وهم الذين عقدوا الاجتماعات، ورسموا الخطط مع المسئولين فى حكومات إنجلترا وفرنسا؛ للانقضاض على مصر وتدمير منشآتها العسكرية، انتقاما منها لتأميم قناة السويس.
وأما فى باب إشعال نار الثورات فلليهود القدح المعلى، فهم فى أى مكان يوجدون توجد معهم الإثارة فالثورة، حصل ذلك فى الشرق وفى الغرب على السواء، فهم يحركون الرأسمالية على الشيوعية أو العكس، وفى الحالتين هم المستفيدون وهدفهم هو الثورة والتدمير على كل حال.
ولنأخذ على سبيل المثال الثورة الشيوعية التى قامت فى أكتوبر سنة 1917م من الذى قام بها وأعد لها؟ إنهم اليهود، والحركة الشيوعية بصفة عامة من صنع اليهود، فمؤسسها وواضع أصولها هو اليهودى (كارل ماركس).
ودور اليهود فى إشعال وتغذية النعرات العرقية والطائفية فى دول إفريقيا، كجنوب السودان وإريتريا والحبشة، وكذلك فى جنوب شرق آسيا لتنشب الحروب واضح وجلى، ويمكننا أن نضيف أن تفجير برجى التجارة بالأمس القريب فى امريكا والذى أشعل فتيل حرب الغرب على الإسلام من عشرة سنوات فى الدنيا كلها! والذى كان السبب المباشر فى كثير من المصائب للعالم الإسلامى، ما يزال سرُّ تخطيطها لغزاً لا يستطيع أحد أن يجيب فيه عن السؤال البسيط ألا وهو: لماذا لم يقتل يهودىٌ واحدٌ ضمن الخمسة ألاف الذين قتلوا ساعتها؟ مع أن مئات اليهود يعملون بالبرجين وكانوا متواجدين جميعاً فى اليوم السابق للتفجيرات؟ هل من مجيب؟!!.
خامساً: كتبهــــــم ومقرراتهـــــم
يعتمد اليهود فى إفسادهم على ما تأمرهم به كتبهم ومقرراتهم من شرور وآثام، وهم بالطبع ينسبونها للربِّ مباشرة، وقد بيَّنا زيف ذلك.
وكتبهم تلك تخبرهم بأشياء تدعو كلها للعنصرية والتعصب مثل:
- أن الأرض وما فيها لبنى إسرائيل وحدهم.
- وأن سواهم من البشر خدم وعبيد لهم.
- وأن كل شريعة سوى الشريعة اليهودية هى فاسدة.
- وأن كل شعب غير شعبهم هو مغتصب للسلطة منهم.
- وأن عليهم أن يستعيدوا سلطانهم منه.
- وأن الربَّ حرَّم عليهم استعمال الشفقة والرحمة مع غيرهم!
- وأن جميع الأساليب والوسائل بدون إستثناء مباحة لهم مع غير اليهود فى أى وقت وأى مكان.
سادساً: الجمعيــــات الســــرية
يعتمد اليهود اعتماداً كبيراً فى بلوغ غاياتهم ونشر مفاسدهم على الجمعيات السرية والحركات الهدامة، وهم ينشئون هذه الجمعيات بأنفسهم أو يوعزون بإنشائها، أو يجدونها قائمة فيندسون فيها، ليصلوا الى مآربهم ولينفثوا فيها سمومهم، وليوجِّهوا أتباعها الوجهة التى يريدونها. ولا تكاد توجد فى العالم جمعية ذات أسرار وأخطار إلا واليهود خلفها. ويحدثنا الأستاذ محمد عبدالله عنان عن أثر اليهود فى الجمعيات السرية فيقول:
( إن الدور الذى قام به اليهود فى بث روح الثورة، وإنشاء الجمعيات السرية، وإثارة الحركات الهدامة عظيم جداً، وإن كان من الصعب أن نعينه بالتحقيق، فمنذ أقدم العصور نرى أثر تعاليم اليهودية الفلسفية السرية ظاهراً فى معظم الحركات الثورية والسرية ).
هذا ومن أشهر الجمعيات التى أقامتها اليهودية العالمية لخدمتها:
(الماسونية): والماسونية جمعية سرية يهودية، يرجع تاريخها الى أيام اليهود الأولى، أهداف هذه الجمعية فى الظاهر تختلف اختلافاً كبيراً عن أهدافها الحقيقية الخفية، فهى فى الظاهر جمعية خيرية قامت لخدمة الإنسانية، ونشر الإخاء والمحبة بين الأعضاء، بصرف النظر عن أديانهم وعقائدهم وأجناسهم. وأما فى الباطن والحقيقة فهى كما يقول الحاخام إسحاق ويز:
(( هى مؤسسة يهودية وليس تاريخها ودرجاتها وتعاليمها وكلمات السرِّ فيها وشروحها إلا أفكاراً يهودية من البداية الى النهاية )).
وقد تغلغل نفوذ الماسونية ونشاطها فى معظم أنحاء العالم منذ القرن الثامن عشر حتى وقتنا هذا، وقد أسسوا محفلهم الأعظم فى بريطانيا سنة 1717 م و أطلقوا على أنفسهم اسم (البنائين الأحرار)، وبعد تأسيس هذا المحفل كشفوا عن بعض نواياهم من أهداف الماسونية.
1- المحافظة على اليهودية.
2- محاربة الأديان بصورة عامة.
3- بث روح الإلحاد والإباحية بين الشعوب.
وقد أنشىء العديد من النوادى الإجتماعية فى أمريكا وأوروبا وصار لها العديد من الفروع فى الدول العربية والإسلامية تحت مسميات راقية ومستويات عالية لتجذب علية القوم لخدمة أهداف إجتماعية، وفى الحقيقة ما هى إلا فروع سرِّية للماسونية العالمية، وقد إنضم إليها منذ منتصف الربع الأخير من القرن الماضى ما بات يعرف بـ الكافى شوب وسلاسله التى عمَّت أرجاء العالم تحت أسماء ومسميات مختلفة، والتى أصبحت أداة قوية للغاية لتجميع الشباب ونفث سموم وأفكار وأساليب إغوائهم.
سابعاً: الرذائل والفواحش
إن اليهود يسعون لهدم الأديان والأخلاق والقيم الروحية، لأن ذلك يعود عليهم بالغنى والثراء، ويمكنهم من بلوغ أهدافهم وغايته ، وهم يتخذون لإشاعة الرذائل والفواحش بين الأمم وسائل كثيرة من بينها:
1- وسائل الإعلام المختلفة:
كالصحافة والإذاعة ودور النشر والسينما والمسرح، ومصادر الإعلام المختلفة التى سيطر اليهود عليها منذ عشرات السنين، وهم يستغلون كل هذه الأجهزة لإشاعة الرذيلة والإنحلال الخلقى بين الأفراد والجماعات والأمم .
وبالطبع كلنا يعرف ماذا يفعل اليهود بالوسائل التكنولوجية الحديثة من موبايل فون، أى فون، إم بى ثرى، إم بى فور، دى فى دى، والإنترنت بجميع عوالمها ودهاليزها وعجائبها! والأقمار الصناعية والقنوات الفضائية الإذاعية والمرئية، ويكاد يكون تحكم اليهود فى هذه التكنولوجيات من ناحية الأقتصاديات، ومن حيث توجيهها واستخدامها لأغراض محاربة الأديان وقتل الفضيلة، يكاد يكون تحكما كاملاً، وقد استطاعوا أن ينشروا أفكارهم الهدامة حتى فى الأوساط الدينية والإسلامية مستخدمين فى ذلك أحط الأساليب الملتوية للوصول إلى جميع المجتمعات والفئات العمرية وبخاصة الشباب، وكلنا يسمع عن إمبراطوريات الملياردير مردوخ اليهودى فى عالم إعلام اليوم. وسوف أسوق فقط بعض الأمثلة الحديثة على أفاعيل اليهود فى السنين القلائل الماضية تحكماً فى وسائل الإعلام لحرب الإسلام:
أ- الموضوع الشهير بالرسوم الكاريكاتورية التى بدأت فى الدنمارك وانتشرت للنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساهم الإعلام اليهودى فيها بقسط وافر، وانقلبت عليهم، فكانت أحد أكبر اسباب إنتشار الإسلام فى أوروبا.
ب.المساهمات الهائلة التى قدمها اللوبى الصهيونى الإعلامى لتلميع سلمان رشدى وتسليمة نسرين ضد الإسلام، ونشر كتاباتهما المليئة بالكراهية والإفتراءات الخائبة والتافهة الفكر والمتواضعة جداً أدبياً، وتصويرها على أنها من روائع الأدب والنقد الحديث وأفاضوا عليهما الجوائز كالمطر!
ج- الدعم الإعلامى السافر حينا والمختفى أحياناً أخرى، للحرب ضد الحجاب بصفته رمزاً إسلامياً، ومحاولة منعه فى أوروبا والكثير من الدول.
د- الدعم الهائل الذى يقدمونه لإنتاج أفلام فضائحية جنسية لتشويه القرآن وسيرة النبىِّ صلى الله عليه وسلم فى الدول الأوروبية، وما هى فى الحقيقة إلا تعبير عن شديد خوفهم من شدة إنتشار الدين الإسلامى، وقد أسلم فى النمسا فى العام الماضى الالاف بعد أن نفذت جميع نسخ القرآن المترجمة المطبوعة والإليكترونية من المحلات، بعد أن أعلن المتطرفون المدعومون باليهود عن إنتاج فيلم يحارب القرآن ويصفه بأنه دين العنف والتطرف، فقلب الله عليهم أعمالهم!
هـ- الحرب الإعلامية الهائلة التى يتزعمها اليهود ضد الدول الإسلامية التى تمتلك سلاحاً نوويا كباكستان وكيف توصلوا إلى إشعال الحروب فيها ضد الجماعات الإسلامية لتتأخر البلد عشرات السنين، والحرب التى لا هوادة فيها التى تشنها على إيران حتى لا تتمكن دولة إسلامية أخرى من تملك السلاح النووى ليبقى لها التفوق، فعند إسرائيل مئات الرؤوس النووية!، ويلحق بهذا النجاح الإعلامى الهائل الذى يحرزونه فى تصوير المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالإرهابيين المجرمين الذين يروعون الآمنين من اليهود، بينما هم يسفكون دماء المئات ويدكون القرى والبلاد بالصواريخ ويدمرونها تدميرا، ولكن ينجحون كل النجاح فى تقليل شأن ذلك فلا يرى العالم منه إلا لمحاً يسيراً، ويرى المقاومين المسلمين أشد فتكا من الأرهابيين النازيين! إنه إعلام اليهود!!
2- الأفكار الخبيثة:
اليهود أبرع الناس فى الترويج للمبادئ والمذاهب والفلسفات والنظريات التى تنفعهم وتضر غيرهم، وما من مذهب يوصل الى خير لهم إلا نشروه وقنَّنوه، والأمثلة كثيرة منها على سبيل المثال:
- أولهما تهمة معادة السامية التى تمكنوا من أن يجرِّموا من يقوم بعدائهم أو كشف إجرامهم فى المحافل العالمية، وأصبحوا يستصدرون ضده أحكام السجن فى أكثر دول أوروبا، وقد استطاعوا بهذا إخراص الكثير من الألسنة، بل وتوصلوا إلى تغيير المناهج التعليمية فى العديد من الدول بنفس الحجة.
- والثانية هى المحرقة اليهودية التى أقامها هتلر لهم إبان الحرب العالمية الثانية، والتى أصبح مجرد إنكارها تهمة أيضاً يعاقب عايها القانون وصارت سيفاً مصلتا يستخدمونه عندما يريدون إخضاع من يريدون من الأفراد والدول التى ييتزونها بهذه التهمة على مدى سنين طوال، وهلم جراً.
- والثالثة: فكرة "الحرية الشخصية"، وهى حقٌ أريد به باطل وأصبحت الباب الذى يدخلون منه لهدم جميع القيم تذرعاً بها، وأمكنهم أن يجرموا الأهل إذا منعوا أولادهم من ممارسة الجنس إذا رغبوا فى ذلك كما فعلوا فى أمريكا! وحرية الشذوذ الجنسى للذكور والإناث، ومقاومة النظرة الدونية فى المجتمع للمثليين، وأن منع الشذوذ ومنع الإجهض مظهر أساسى للتخلف! وأخذوا الأمم المتحدة والمحافل الدولية وسيلة ومطية ذلولاً لإجبار الدول والمجتمعات على الفجور والتسيب وهدم ما بقى من اخلاق تحت شعار التطور و"الحرية"، وإلا حوربت تلك المجتمعات وحرمت من المساعدات، وربما شنت عليها وعلى قادتها الحروب وطلبوا فى المحاكم الدولية.
- والرابعة: فكرة " الدفاع عن حقوق المرأة المقهورة فى البلاد الإسلامية" ويجندون لذلك الكثير من المفكرين المحليين والنساء المسلمات اللاتى لديهن الرغبة فى نيل المناصب، ويساعدونهن بالوسائل التى لا تخفى على أحد من المساعدات اللوجستية والتكنولوجية والأدبية لنشر أفكار تحرير المرأة ونيل حقوقها المغصوبة، وتشجيع الطلاق، وإباحة الإجهاض بلا رابط، والإنفاق على المطلقات وأبنائهن، وتسمية أولاد الزنا بأسماء أمهاتهن كما بأوروبا، وجعل ممارسة الجنس قبل الزواج حقاً من حقوق المرأة المقهورة، ومحاربة الختان، ومحاربة فكرة أن بكارة الفتاة دليل عفتها إذ ليست العفة بضاعة هامة للفتاة الحديثة مادامت تكشف شعرها أو ساقيها وتعرف الكمبيوتر، وتعليم الجنس عملياً فى المدارس وبخاصة للفتيات بحجة تجهيزهن ليصرن أمهات المستقبل مع تدريبهن الكافى بالمرة على وسائل منع الحمل!، ويقيمون لذلك مجالس قومية لحقوق وحرية النساء اللائى هن جوارى وعبيد فى بلاد المسلمين! إنها القدرة الجبارة لليهود فى نشر الفكر الحديث! الخبيث!
وعندما يريد اليهود نشر مذهب لأحد يهمهم، أو يساعدهم فكره فإنهم يرفعون صاحبه الى مصافى العلماء ولو كان حقيراً، وأعدوا لذلك عددا من الجوائز العالمية المغرية، ومراكز الأبحاث والمجلات العلمية الرصينة! وغيرها، وسخروا لأغراضهم جميع وسائلهم التى ذكرناها بلا استثناء! وخذوا أمثلة:
- لقد رفعوا (نيتشه ) الى القمة لأنه سخر من الأخلاق الفاضلة ، كالرحمة والشفقة ونادى بأخلاق العنف والاستخفاف بالقيم، التى تتفق مع الروح اليهودية الشريرة ، وتاريخها الأسود.
- ورفعوا (دارون) صاحب نظرية النشوء والارتقاء الى مرتبة العظماء، وروَّجوا لمذهبه واستخدموه لمصلحتهم فى التهوين من شأن الأديان والأخلاق؛ لأنه ما دام كل شئ يبدأ ناقصاً مشوهاً ثم يتطور – كما يرى دارون – إذاً فلا قداسة لدين، ولا لخُلُق ولا لعُرف متبع، ومع أن نظرية دارون قد ماتت كنظرية علمية إلا أنها مازالت تدرس فى أمريكا وأوروبا فى المدارس والجامعات بتأثير جمعيات الضغط، وطبعاً لاتزال تدرس فى الدول العربية والإسلامية على مساوئها.
وللأستاذ عباس العقاد كلام حسن فى هذا المعنى، فهو يقول: ( ولن تفهم المدارس الحديثة فى أوربا ما لم تفهم هذه الحقيقة، وهى أن إصبعاً من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة أو فكرة تستخف بالقيم الأخلاقية، وتهدف إلى هدم القواعد التى يقوم عليها مجتمع الإنسان فى جميع الأزمان:
- فاليهودى (كارل ماركس) وراء الشيوعية التى تهدم قواعد الأخلاق والأديان والطموحات الشخصية للأفراد.
- واليهودى (دركيم) وراء علم الاجتماع الذى يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة ويحاول أن يبطل آثرها فى تطور الفضائل والآداب والأخلاق.
- واليهودى (سارتر) وراء الوجودية، التى نشأت معزِّزة كرامة الفرد فجنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة، ومن الخير أن تدرس المذاهب الفكرية بل الأزياء الفكرية ، كلما شاع منها فى أوربا مذهب جديد، ولكن من الشر أن تدرس بعناوينها ومظاهرها دون ما وراءها من عوامل المصادفة العارضة والتدبير المقصود.
- وقل مثل ذلك فى اليهودي (فرويد) الذى يرجع كل الميول والآداب الدينية والخلقية والفنية إلى الغريزة الجنسية، وبهذا تنحط فى نظره صلة الفرد بمجتمعه وبأسرته، وبالكون وما وراءه ... ومع أن نظريات فرويد الجنسية قد أصبحت اليوم فى عداد النظريات التى لا تصمد للبحوث العلمية والمناقشات الرصينة، إلا أن اليهود مازالوا يحافظون لها على وجود علمى قيم ومعتبر من خلال تحكمهم فى الكثير من الجامعات الراقية والمعاهد العلمية والمجلات المعتبرة، تماماً كما يفعلون مع نظريات دارون التى عفى عليها الدهر!
- وكما سبق وأشرنا إلى سلمان رشدى ونسرين وغيرهم.
ومن هذا نرى: أن الأفكار الخبيثة من أهم الوسائل التى يلجأ اليهود إلى نشرها؛ لإشاعة الرذيلة والفاحشة بين الأمم .
3- المرأة:
المرأة اليهودية مشهورة بأنها لا ترد يد لامس، وتفترش عرضها فى سبيل الحصول على منفعة ما، واليهود يعتمدون على المرأة اعتماداً كبيراً من أجل غاياتهم ومطامعهم. وكلنا يعلم كيف استخدم اليهود سلاح المرأة فى الغواية والإيقاع بالجواسيس فى مختلف بقاع الدنيا، أو فى إبتزاز وتهديد من يريدون إخضاعهم لأى سبب أو فكرة.
وقصص النساء اليهويات اللائى استخدمن بعناية وحرفية ومهنية بالغة للإيقاع بمشاهير القادة فى العالم، او للتوصل لأسرارهم بإغوائهم أو حتى بطرحهن بدقة فائقة فى طريق ذاك السياسى أو الزعيم ويسلمن على يديه إن أهمه ذلك، ويتزوجها ويحميها وهى يهودية جاسوسة أو مدسوسة، وتمر الأيام وتنكشف الحقائق العجيبة، وقد استيقظ العالم منذ سنوات على قصة أشهر أحد القواد المسلمين الذين ألقوا الرعب فى قلوب العالم الغربى وهو يتزوج إمرأة أسلمت كانت يهودية فى الأصل فأسلمت وعاشت معه سنة أو أكثر ثم انفصلا بعدها ونشرت المرأة العديد من خبايا أسراره وحياتها معه وربحت من وراء ذلك شهرة هائلة وثروة طائلة مع تشويه متعمد لسير هؤلاء الأفراد.
والحقيقة أن تجارة الدعارة والجنس التى يسيطر عليها اليهود تكاد تكون أكبر تجارة فى الدنيا بعد تجارة السلاح والتى يسيطر عليها اليهود أيضاً، وهم اليوم أصحاب بيوت الدعارة فى العالم، وأصحاب المحطات الفضائية والمجلات الجنسية التى تعد بالألاف، وهم ناشرو الانحلال الجنسى والخلقى فى كل مكان فى العالم الواقعى والعالم الإفتراضى من المواقع الجنسية على الإنترنت وغيرها، وأمكن اليهود منذ أيام قليلة أن يقنعوا فتاة شرقية شهيرة مسلمة مقيمة بأوروبا تحت ستار الحرية أن تنشر صوراً عارية لها بأشهر مجلات العرى، وقالوا أخيراَ تحررت المرأة المسلمة فمن الحجاب إلى البلاى بوى!!
وفى دولة إسرائيل عشرات القرى لا تخضع فى علاقاتها الجنسية لنظم الزواج، وإنما تقوم العلاقات بين الرجال والنساء على الإباحية المطلقة، وكلنا يعرف ماذا كانت تفعل بناتهم لإغواء شبابنا فى الأماكن السياحية الشهيرة فى مصر والعالم العربى بل وفى العالم كله!
ثامناً: الحيل والألا عيب الإقتصادية للسيطرة والتحكم والأذيَّة
والحقيقة أن هذا الموضوع من أهم الحيل التى يتوصل بها اليهود اليوم لنشر أفكارهم وكسب تعاطف العالم معهم، وإذلال أعدائهم والوصول لأذية من يناوئهم ولا يوافق خططهم ولا يساير أفكارهم، ومن ذلك:
1- استخدام اسلحة المساعدات الدولية من أمريكا والدول الغربية والبنك الدولى لربطها بمخططات التعاون مع اليهود أو أخذ موافقاتها عن طريق هيئات عالمية يسيطر عليها اليهود فلا تكون إلا برضاهم، وحتى الكونجرس الإمريكى ومجلس الشيوخ، وقس على ذلك الكثير من المجالس الأوروبية يسيطرون على القرار فيها من خلال اللوبى الصهيونى فيدخلون من يشاؤون جنتهم ويكوون من شاءوا بنارهم!.
2- عمل إتفاقيات عالمية عديدة لها مزايا تجارية هائلة وهى تسمى الدول الأحق بالرعاية ويمنح شرف الإنتساب إليها لكل من يقف بصفهم أو يساعدهم مثل إتفاقية دول الكويز الشهيرة والتى تمنح مزاياها بقدر ما تستورد الدولة من مواد مصنعة من إسرائيل.
3- مراكز الأبحاث العالمية سوءاً العسكرية أو الزراعية والجامعات اليهودية والإسرائيلية التى ضخمتها آله الدعاية الصهيونية حتى ألحقتها بمصاف المراكز الأولى العالمية فتهافتت دول العالم الثالث عليها، من مراكز أبحاث وجامعات مصنفة عالمياً! بعد أن رأوا دول العالم الغربى تتعاون معا فى منظومات الصواريخ دفاعاً وهجوماً، وفى التطوير الزراعى المتقدم.
فأمكن لهذه المراكز أن تتسلل لكثير من الدول الأفريقية وتبث مع التطور سمومها، وتتمكن بالأموال من زعمائها وساستها؛ أو تفسد الأنظمة الزراعية فى الخفاء بدعوى التطوير، ففى مصر مثلاً تمكنوا من إدخال سوسة النخيل لضرب النخيل المصرى، وتمكنوا من إفساد سلالات النحل المصرية بسلالات شرسة أضرت بالنحل فى مصر بشدة، وسلالات كتاكيت تحمل أمراضاً فيروسية قاتلة، وأحزمة مشعة تسبب العقم، ولبان يسبب الهياج الجنسى، وشامبو به مواد كيماوية تؤذى المخ، وأطرح عليكم سؤالاً ربما ظنه البعض من الخيال العلمى: هل يتخيل أحدٌ أنهم يطورون حالياً أسلحة بيلوجية إنتقائية تعمل على الجينات البشرية فتوضع فى الماء والهواء فتنتقى العرب فى إسرائيل فتؤثر فيهم! أما اليهود الذين يحملون جينات اليهود الوراثية فلا تتفاعل معهم! والله من ورائهم محيط!
4- مراكز الإستخدام والتشغيل التى تقوم بتشغيل شباب العالم الثالث - وبخاصة المسلمين - فى أمريكا وأوروبا وإسرائيل بشرط التحلل من الدين واستغلال الحاجة للمال وللنساء، لتجنيد بعضهم أو استخدامهم فى النشاطات المساعدة، أو لتكوين الخلايا النائمة الجاهزة للإستخدام دائماً.
5- شركات ومصارف غسل وتبييض الأموال لمساعدة عصابات العالم التى تعمل بجميع المحرمات الدولية من النشاطات:

- بيوت الدعارة التقليدية.
- تجارة النساء للعمل والرق.
- تجارة توريد العاهرات وهى من أكبر شبكات العالم قاطبة.
- تجارة الجنس المتخصص لممارسة الشذود والأطفال.
- تجارة الجنس بالصور والأفلام والتمثيل ومواقع النت.
- تجارة مزارع المطاط والدخان وتراب الذهب والألماظ.
- بيع الأطفال للتبنى.
- بيع الأعضاء.
- تجارة بيع الأجنة والسقط.
- صناعة وتجارة المخدرات.
- تجارة الأسلحة.
- التصفية الجسدية.
- الخطف.
- تجارة بيع النفايات النووية.
- تجارة دفن النفايات النووية.
- تجارة جلب المرتزقة والطيارين
- تجارة جلب وتشغيل العلماء السابقين.
- تصريف بلايين الأجهزة الكهربية المستعملة بحجة نقل التكنولوجيا بتكلفة زهيدة.
- تهريب الآثار واللوحات.
- تصريف المقتنيات الثمينة.
- صنع الخلايا النائمة.
- مافيا تهريب اليهود!
- تجارة الجواسيس.

كل ذلك مع تمكين العصابات من تبييض أو تسييل أموالهم لتهريبها حيث شاؤوا خدمة لجميع الأغراض، بالإضافة بالطبع لأغراض اليهود الأساسية من تمويل عمليات إفساد الأخلاق، وتخطيط وتنفيذ مخططات الإخلال بالأمن، وتنشيط العصابات والحركات المسلحة والنعرات الطائفية لخدمة أغراضهم فى النهاية.
6- والأمثلة الإقتصادية لا تنتهى، فتجدهم فى كل مكان يبنون السدود ويدربون المرتزقة، ويقيمون محطات المياه والكهرباء والصرف الصحى، ويقيمون المدارس ويحاربون الأمراض والأوبئة، وينشؤن المحطات الإذاعية والتلفزيونية وينقلون الحضارة!!
وهم يقومون بتنفيذ كل ما سبق من الألف إلى الياء من أول دراسات الجدوى الموثقة وإنشاء الشركات وتشغيل العمالة وتصريف المنتج وعمل الدعاية والتمويل المالى والوجستى فى جميع المراحل، وبحيث تكون العمليات فى النهاية محكمة تحت ستار مساعدات إقتصادية، أوقروض بنكية، ومشاريع تنموية، وأهداف إنسانية، ويكون الأمر كله برمته تحت سيطرتهم ولخدمة كل أغراضهم الدنيئة. فمع كل قرش ينفق تعود إليهم عوائد لا حصر لها من من السيطرة على البلاد وساستها وزعمائها ومنابع ثروتها؛ من المواد الخام والأيدى العاملة. وهكذا كانوا على مر الزمان منذ بدايتهم! وهكذا هم!

الباب الثالث: لتفسدن فى الأرض مرتين

الباب الثالث
لتفسدن فى الأرض مرتين
وفى هذا الباب الموجز نتناول أخصَّ آية فى كتاب الله شغلت المفسرين والمفكرين والمحللين والإجتماعيين والعلماء من لدن إنزالها إلى الآن، وإلى ما شاء الله من الأزمان، فى شأن كشف ما خفى من ماضى ومستقبل تاريخ بنى إسرائيل!! أو إن شئت قلت اليهود!!
إنها الآيات الكريمة التى يكشف الله فيها النقاب عن أحداث ماضية فى تاريخهم، وأحداث آتية!! بعضها كان لم يظهر بعد عند نزول الآيات، ثم ظهر مع مرِّ الزمان وتحقق للعيان! وبعضها ما زال فى رحم الزمان يسقى بخفى أقدار الرحمن، حتى يأتى أوان ظهوره للعيان! وإن كنَّا نراه على مرمى حجر، كما سنكشف فى الباب القادم إن شاء الله.
أيات العجب والعجائب ترسم الوعد والوعيد! إن الله لا يخلف الميعاد، يقول الحق تبارك وتعالى فى سورة الإسراء:
(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) (4: 8الإسراء).
فنقول وبالله التوفيق:
وقضينا إلى بنى إسـرائيل
(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)، قيل معناه: أعلـمنا بنى إسرائيل، وقيل أخبرناهم.
وتفصيله أن الله تعالى يقول لنا: أنه سبحانه أخبرهم وأعلمهم فـيـما أنزل من كتابه علـى موسى عليه السلام، أو فيما أوحى إلى عبده موسى عليه السلام يقول: لتعصنّ الله يا معشر بنـي إسرائيـل، ولتـخالفنّ أمره فـي بلاده مرّتـين، وَلَتَعْلُنَّ عَلُوًّا كَبِـيرا، ولتستكبرنّ علـى الله بـاجترائكم علـيه استكبـارا شديدا.
وقال آخرون: إنما معناه أننا قضينا علـى بنـي إسرائيـل فـي أمّ الكتاب، وسابق علـم الله بكذا وكذا. وقال ابن عبـاس: هو قضاء قضى علـيهم.، وقال قتادة: قضاء قضاه علـى القوم كما تسمعون.
وكلّ هذه الأقوال تعود معانـيها إلـى قوله (وَقَضَيْنَا)، وإن كان الذي اخترنا من التأويـل فـيه أشبه بـالصواب لإجماع القرّاء علـى قراءة قوله (لَتُفْسِدُنَّ) بـالتاء دون الـياء، ولو كان معنى الكلام: وقضينا علـيهم فـي الكتاب، لكانت القراءة بـالـياء أولـى منها بـالتاء، ولكن معناه لـما كان أعلـمناهم وأخبرناهم، وقلنا لهم، كانت التاء أشبه وأولـى للـمخاطبة.
ونحن نضيف: أن المعنى بأخبرناهم وأعلمناهم، أن هذا سيحدث منهم، ربما كان أنسب لمحاججة بنى إسرائيل من قولنا أخبرناهم أننا قضينا عليهم بتلك الأفعال! لأن اليهود أهل لجاج وشقاق! فسيحتجون أنه قضاء قضى عليهم ولا ذنب لهم! فما كان منهم مخالفاً لم يكن لسوءهم بل لنفاذ القضاء عليهم!
وقد يكون إخبارهم أو إعلامهم بآيات أنزلت فى كتابهم، أو بوحى أو إلهام أحدث لنبيهم من باب إعلامه بغيوب سيحدثها قومه أو ستحدث لهم، أو من باب إطلاعه على غيب مخطوط فى اللوح المحفوظ، أو غيوب أعلمها الله له مناجاة مباشرة أو عن طريق الملك، أو كيفما شاء الله.
والكتاب هو التوراة أو اللوح المحفوظ - أو علم الله الأزلى.
وهنا مقابلة رائعة أشير إليها لتوضيح طبيعة بنى إسرائيل وحبهم للفساد والعلو فى الأرض! وأعيرونى أفهامكم وإنتباهكم :
كلكم يعرف ماذا كان رد فعل بنى إسرائيل لما أخبرهم نبيهم موسى عليه السلام بأن الله كتب عليهم قتال الجبارين شرطاً لدخول الأرض الموعودة أو الأرض المقدسة! فهذا خبرٌ من موسى لهم بقضاء الله عليهم! هل استكانوا للخبر وقالوا سمعنا وأطعنا؟! لا، بل قالوا: (سمعنا وعصينا)، وتحاججوا ورفضوا الإنصياع لقضاء الله عليهم أو لأمر الله لهم! وقالوا لموسى: (أذهب أنت وربك فقاتلا)! ولم يكتفوا بذلك بل تبجحوا وقالوا: (إنا ها هنا قاعدون)! فامتنعوا وتبجحوا وتمردوا! بكل صلافة وتبجح وشطط وعناد على الأمر الواضح الصريح!. فإذا كان هذا طبعهم ودأبهم! فهل يقدر أحدٌ أن يخبرنى بالمقابل لما هو أعلاه إن كان لدى أحد إجابة:
لماذا لما أخبر موسى قومه بقضاء الله عليهم أو بخبره لهم أنهم سيفسدون فى الأرض مرتين وسيعلون علوا كبيراً! وهى أخبار سيئة بقضاء ينبىء بالفساد والطغيان ومخالفة أمر الله! والعقاب الجبار أيضا!
فلماذا لم ينتفضوا عليه ويقولوا لموسى لم كتب علينا ربك الفساد؟ أو لم قضى علينا بالمخالفة والعلو فى الأرض بغير الحق ونحن أتباعك وشعب الله المختار؟ لم لم يعترضوا مطلقاً على ذلك القضاء أو الخبر كما اعترضوا على كل خبرٍ أتاهم أو قضاءٍ نزل لهم! أو حتى شرع نزل لهم ليحكموا به؟
لما لم يحكِ لنا الله أو رسوله أنهم بكوا واستغفروا أوأنابوا وتطهروا أو سألوا الله أن يرحمهم من تلك الأقدار، أو يتنزل عليهم بعفو العزيز الغفار- مع أنهم كانوا دائماً أهل لجاج وعناد! فلماذا تركوا اللجاج والعناد فى هذه؟ لماذا لم يقولوا: لم يارب كتبت علينا أن نفسد فى الأرض أو نعلو بغير الحق! كما قالوا لم كتبت علينا قتال العماليق ورفضوه بتاتاً!
وإجابة هذا .. أو سرُّ هذا .: إن بنو إسرائيل تركوا اللجاج عندما سمعوا أخبار الغيب أنهم سيفسدون فى الأرض! لأنهم كانوا بالفعل يحبون الفساد وتميل له أنفسهم وطبائعهم! وكانوا يحبون الكبر والعلو بغير الحق! وكان بطر النعمة من شأنهم ووصفهم، فلما أخبرهم الله بالسىء الذى تميل له طباعهم سكتوا وقالوا فى أنفسهم! لا نعترض فى هذا الخبر فهو كتب علينا!! والحقيقة أن الخبر وافق طبائعهم و ميولهم! ففرحت به نفوسهم الشريرة وطبائعهم المريضة!!
وإنما سقت لكم تلك المقابلة لكى يدرك كل عاقل أنهم مسؤولون تماماً عن أفعالهم لأنهم سكتوا عما مالت له نفوسهم من الأخبار وارتكبوه! وامتنعوا عما كرهوا مع صريح الأمر به، فهم مسؤولون عن كل أفعالهم مسؤلية تامة! فإخبار الله لهم واقعٌ من باب الإعلام لا من باب القهر على ولا الإجبار!.....
لتفسدن فى الأرض مرتين
(لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ): والإفساد فى الأرض هو إظهار أنواع الفساد والفجر والمخالفات، وقيل: الفساد هو قتل الأنبياء. و(الأرض) قيل: أرض الشام أو أرض مصر، وقيل الأرض المقدسة!، وقد تعنى أيَ أرض أو حتى ربما كلَّ الأرض فى وقت ما!!
وفى المرتين إختلافات عديدة وأراء كثيرة، أوردها العلماء الأفاضل فى كتب التفسير، ونجملها فنقول: أن المرة الأولى من الإفساد هى: تغيير التوراة، وقيل بل هى مخالفة أحكام التوراة. ومن قالوا: أن الفساد قتل الأنبياء، قالوا: المرة الأولى هى قتل زكرياء عليه السلام، وحبس أرمياء عليه السلام، وقيل قتل شعياء، وقتل أرمياء أو حبس أرمياً وجرحه حين أنذرهم سخط الله إذ وعظهم وبشَّرهم بنبينا صلى الله عليه وسلم؛ وهو أول من بشر به صلى الله عليه وسلم بعد بشارة التوراة.
والأخرى أو الثانية هى قتلُ زكريا ويحيـى، ومن قال: إن زكريا مات في فراشه اقتصر على يحيـى عليه السلام، ويضيفون عزمهم أو قصدُ قتلِ عيسى عليه السلام.
قيل كان بين الفسادين مائتا سنة وعشر سنين، وقيل مائة وعشرون! وفى التحرير والتنوير أن هذه الآية تشير إلى حوادث عظيمة بين بني إسرائيل وأعدائهم من أمتين عظيمتين: حوادث بينهم وبين البابليين، وحوادث بينهم وبين الرومانيين. فانقسمت بهذا الاعتبار إلى نوعين: نوع منهما تنْدَرج فيه حوادثهم مع البابليين، والنوع الآخر حوادثهم مع الرومانيين، فعبر عن النوعين بمرتين لأن كل مرة منهما تحتوي على عدة ملاحم.
فالمرة الأولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالأسر البابلي، وهي غزوات (بختنصر) مَلِك بابل وأشور بلاَد أورشليم، والغزو الأول كان سنة 606 ق م، أسَر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الأسر الأول. ثم غزاهم بالأسر الثاني وهو أشدُّ من الأول، كان سنة 598 ق م، وأسَرَ ملكَ يهوذا والكثير من الإسرائيليين وأخذ الذهب هيكل سليمان ونفائسه، والأسر الثالث المهلك سنة 588 ق م غزاهم «بختنصر» وسبى كل شعب يهوذا، وأحرق هيكل سليمان، وبقيت أورشليم خراباً يباباً. ثم أعادوا تعميرها، أما المرة الثانية فهي سلسلة غزوات الرومانيين بلادَ أورشليم.
وإسناد الإفساد إلى ضمير بني إسرائيل مفيد أنه إفساد من جمهورهم بحيث تعد الأمة كلُّها مُفسدة وإن كانت لا تخلو من صالحين.
وقال الجبائي - رحمه الله: إن اللـه تعالى ذكر فسادهم في الأرض مرتين ولم يبين تفصيل ذلك فلا يقطع بشيء مما ذكر.
سبب قتلهم زكريا عليه السلام
فإنهم لما حملت مريم اتهموه بها وقالوا: ضيَّع بنت سيدنا حتى زنت! فطلبوه فهرب منهم، فانفتحت له شجرة فدخل فيها وبقي طرف ثوبه خارجاً من الشجرة، فجاءهم الشيطان فدلَّهم عليه، فقطعوا الشجرة بالمنشار وهو فيها.
وقيل بل لما مات ملكهم تنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضاً ولم يسمعوا من زكريا نصحاً، فأمره اللـه تعالى أن قم في قومك أوح على لسانك! فلما فرغ مما أوحى عليه عدوا عليه ليقتلوه فهرب فدخل الشجرة فقطعوه. وورد أيضاً أن زكريا مات حتف أنفه ولم يقتل.
سبب قتلهم شعياء عليه السلام
وأما السبب في قتلهم «شَعْيا» فهو أنه قام فيهم برسالة من الله ينهاهم عن المعاصي. وقيل: هو الذي هرب منهم فدخل في الشجرة حتى قطعوه بالمنشار، لأن زكريا مات ولم يقتل - عن أصحاب هذا الرأى.
سبب قتلهم يحيى بن زكريا عليه السلام
قيل لأن ملكهم أراد نكاح بنتاً أو إمرأة لا تحل له ( إبنته، أو إبنة أخيه، أو إمرأة أخيه، وكانت لا تحل لهم، وقيل إبنة أمرأته)، فسأل يحيى فنهاه عنها؛ فقتله الملك.
وقيل لما نهاه يحيى عن نكاحها، حنقت أمها على يحيى، وعمدت الى ابنتها فزينتها وأرسلتها إلى الملك ساعة شرابه، وأمرتْها أن تسقيَه وتغريه بها، فإِن أَرادها على نفسها، أَبت حتى يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طَسْت، ففعلت، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت: ما أريد إلا هذا، فأمر، فأتي برأسه والرأس يتكلم ويقول: لا تحل لك، لا تحل لك.
وقيل ما زال دم يحيى يغلي حتى قتل عليه من بني اسرائيل سبعون ألفا، فسكن، وقيل: لم يسكن حتى جاء قاتله، فقال: أنا قتلته، فقُتِل، فسكن، وقيل أغرب من ذلك!
(وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا )
وأصل معنى العلو الارتفاع فهو ضد السفل، وتجوز به عن التكبر والاستيلاء على وجه الظلم. أي: لَتَعَظَّمُنَّ أو لتستكبرن عن طاعة اللـه تعالى، وَلَتَبْغُنَّ، ولتفجرن، أو لتغلبن الناس بالظلم والعدوان وتفرطن في ذلك إفراطاً مجاوزاً للحد.
وهذا العلو الكبير لا يوجد له حدٌ أو توصيف فهو من غيوب الله، ولكنه يكون فى الحالتين وفى الفسادين الذين يظهرهما بنو إسرائيل، أو فى جميع الإفسادات التى يظهرونها، وهو يزيد وينقص بحسب الحالة أو الزمن الذى يظهر فيه الفساد أو يعلون فيه!
العقــاب والإعــادة! والتكرار!
(فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ):أي فإذا جاءت عقوبة أُولى المرَّتين من الإفساد، أرسلنا عليكم عباداً لنا، وهؤلاء العباد قيل أنهم:
جالوت وجنوده قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفاً.
وقيل بُخْتَنَصَّر وهو الذى دخل ووجد الدم يفور فسألهم لمن هذا فكذبوا فقتل أعداداً هائلة حتى اعترفوا أنه دم يحيى، فأكمل السبعين ألفاً حتى سكن الدم. وقيل بل سبعين ألفاً مرتين! وقيل بل قتل بختنصر أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة وخرب بيت المقدس، وذهب بالبقية إلى أرضه فاستعبدهم هناك في الذل والخدمة بالخزي والنكال والعقاب على ما فعلوا مائة عام.
وقيل أن بختنصر وجنوده كانوا عباداً مؤمنين لله، وهم البقية الباقية من إتباع النبى يونس عليه السلام، فهم من بلده وباقى عشيرته!
وقيل هم العمالقة ( البدو الرُّحَّل المقاتلين)، وكانوا كفاراً ولكنهم عبيد لله ففى قراءة عبيداً لنا، فإن سأل سائل: هل يصح أن يبعث الله الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه، تكون الإجابة أن الله خلَّى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم.
قيل هو ملك الموصل سنحاريب وجنوده، أو قوم من أهل فارس، وقالوا بل سلَّط الله عليهم سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس.
وأيا من كانوا فقد كانوا ذوي عدد وقوة في القتال.
(فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ)، وجاسوا إما هى وصف لما فعلوه، أى أنهم تملكوهم ومشوا خلال ديارهم إذلالاً وتكبراً وقهراً، أو مشَوا بين منازلهم يتجسسون أخبارهم، ولم يكن قتال، وزاد البعض قليلاً فقالوا: بل عاثوا وأفسدوا، يقال: جاسوا وحاسوا، فهم يجوسون ويحوسون إذا فعلوا ذلك.
وقد تكون جاسوا وصفاً لنتيجة تالية لما فعلوه بهم، وهذا لمن قالوا بالتقتيل وقد حدث أكثر من مرة فقتلوهم وبلغ من تقتيلهم أنهم طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه؟ ليفعلوا، لأن "الجوس" هو طلب الشيء باستقصاء، فقد استقصوا فى طلب قتلهم، ويمكن أن تقول بلغة اليوم: " تمشيط" الديار بحثا عنهم لقتلهم بعد أن قتلوا من قتلوا!، وقيل قتلوهم حيثما وجدوهم بين بيوتهم وفى شوارعهم أو فى داخل مخادعهم وديارهم!.
واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلَّط عليهم أقواماً قتلوهم وأفنوهم.
(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) (6الإسراء)
و"الكَرَّة": الرجعة والدُّولة. أى ثم بعد مرور سنوات أو وقت مقدور غيرنا الأحوال وبدلنا الحوادث وأظفرناكم بهم. والخطاب مازال لبنى إسرائيل:
و ذلك حين قتل داودُ جالوتَ وعاد ملكهم إليهم، وحكى أن رجلاً دعا على «بختنصر» فقتله الله، فبقتلُ بُخْتنصّر واستنقاذُ بني إسرائيلَ أُساراهم وأموالَهم ورجوعُ المُلْك إليهم ولكن لم تقم لهم دولة بذاتهم!.
وقيل ذلك أنه لما ورِث بهمنُ بنُ إسفنديارَ المُلكَ من جدّه كشتاسفَ بنِ لـهراسب ألقى اللـه تعالى في قلبه الشفقةَ عليهم فردّ أُساراهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال عليه السلام فاستولَوا على من كان فيها من أتباع بُخْتنصر.
وقيل: بظهور كورش الهمذاني على بختنصر.
وقيل: قيض الله ملكاً آخر غزا أهل بابل، واتفق أن تزوج الملك بامرأة من بني إسرائيل فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، فأخذوا ما كان في يد بختنصر من المال والأسرى.
ونهاية فبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا، أى صاروا أكثر عدداً وأموالاً وأنصاراً منهم بعد الإنتقام منهم فى المرة الأولى.
وكان ذلك بعد مدة من الزمن قدرها بعضهم بمائة سنة، حين تاب بنو إسرائيل عن ذنوبهم ورجعوا عن الإفساد.
(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا) (7الإسراء)
فإن أحسنتم - بفعل الطاعات - .فإنَّ ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات. وإن أسأتم بفعل المحرمات، فقد أسأتم إلى أنفسكم فإن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات.
فإذا جاء وعد عقاب المرة الثانية أو وعد المرة الآخرة - وهنا كما قيل فى المرة الأولى أراء كثيرة للسادة المحدثين والعلماء أشهرها:
بعثنا تطوس بن إسبيانوس الرومي مع جنوده ليجعلوا آثار الحزن ظاهرة في وجوهكم - كما بكثير من كتب التفسير.
أو بعث الله عليهم قوماً ليسوءوا وجوههم فيظهر عليها أثر الحزن والقهر والمذلة بما استحقوا من العقاب.
وعندها يدخل القاهرون - الذين على أيديهم جاء العقاب – المسجد، أى بيت المقدس، أو الأرض المقدسة، فيستولون عليه أو يدمروه ويقهرونهم عليه ويملكونه من اليهود ثانية! كما حدث مع العقاب أول مرة عندما دخله بختنصر وأصحابه.
(وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا): فيهدِّموا ويدمِّروا ما أقاموا وبنوا، أو ما شيدوا وأنشأوا، من البيوت أو المبانى!
وقال بعضهم: المرة الثانية هى مرة بختنصر، إذ أن بختنصر غزاهم ثلاث مرات متتاليات وكانت ثالثتهم هى المدمرة!
المــرة الثـــالثــــة
(وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا )
(8الإسراء)
وإن عدتم للإفساد - المرة الثالثة - فإنه جلَّ وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم!!! فالوعيد إن تكرر الإفساد تكرر الإنتقام!
ولم يبين سبحانه هنا هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أم لا؟
ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتم صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، ومحاولة قتله - كما ورد فى السنة الشريفة! إلى غير ذلك من أفعالـهم القبيحة - فعاد اللـه عزَّ وجلَّ للانتقام منهم تصديقاً لقولـه بأن سلط عليهم نبيَّه صلى الله عليه وسلم. فجرى على بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء وضرب الجزية على من بقي منهم، وضَرْب الذلة والمسكنة.
وربما كانت الثالثة والرابعة أو أكثر، فقد تكرر الفساد والعقاب والعودة إلى الله ورفع العقاب وتحسبن الإحوال ثم تدور الدورة ! فتكرر ذلك العديد من المرات! والله أعلم بمراده فى آياته!
ما نميل إليه من الرأى ....
ونحن نقول - وبالله التوفيق: وقد رأى رأينا هذا آخرون من المتأخرين أيضاً، إذ إنه مرتبط بالحوادث التى جدَّت منذ وعد بلفور وحرب عام 1948 وقيام دولة إسرائيل، وهذه كلها غيبيات لم يطلع عليها أسلافنا المفسرون رضي الله عنهم!!
فبالله عليكم! ماذا يقول سادتنا العلماء السابقون لو رأوا ما عليه اليهود اليوم من الغلبة والقوة والمنعة والقهر والإفساد الذى عمَّ البلاد والعباد ووصلوا به أن تحكموا فى أقوى دول العالم! وصارت أهم قرارات أكبر محافل الدنيا لا تتخذ إلا وعيون كبرى قادة العالم على تملقهم وطلب رضاهم! بما نسمى هذا العلو فى الأرض الذى بلغوه! والفساد الذى أحكموه!
لا يتعين الإفساد فى الأرض بقتل الأنبياء
ورأينا أن أغلب ما قيل فى تعيين مرات الفساد كان مرتبطاً فى تعيينه من كونه الأولى أو الثانية بقتل الأنبياء، مع أن الله ذكر قتل بنى إسرائيل للأنبياء فى كتابه الكريم بمواقف مختلفة ولم يعبر عن موقف واحد منها بلفظة الفساد، وإنما يقول "يقتلون الأنبياء" وكان ذلك حوالى ثلاث عشرة مرة!
ولو كان معنى الإفساد فى الأرض مخصوصاً بقتل نبىٍّ بعينه؛ فإن الله أخبرهم أن قتل نفس واحدة عنده كقتل الناس جميعاً! فليس قتل نبى بعينه يكون بالضرورة المقصود من الإفساد الأول أو الثانى لأنهم كانوا يقتلون سبعين نبياً فى الصباح ويعقدون سوق بقلهم بالعصر كما أخبر الحديث! فكم وكم من الأنبياء قتلوا أو آذوا أو حاولوا أن يقتلون؟! حتى نبينا صلى الله عليه وسلم حاولوا قتله!!
وكما ترون فليس فى كلام المفسرين من تعيين مرَّتي الإفساد فى الأرض من أمر قاطع، أو تبرير ساطع يصمد للنقد! فقد تعددت الآراء واختلفت وتجمعت وافترقت!!
ومن هنا فنحن نرى أن الله تعالى لم يعين أحداثاُ بعينها لعلمه أن غيبه عزَّ وجلَّ عجيب غريب، فلو أخبر الله أحداً بالتصريح أن اليهود الضعفاء المتفرقين الجبناء سيتمكنون من السيطرة على إقتصاديات العالم ويكون بيدهم مفاتيح السيطرة على زعمائه وقواده! وسيفسدون الدنيا فساداً ما سبقه إليهم أحدٌ من خلقه! ربما ما صدق ذلك أحد منهم بسهولة أبداً.
المرة الأولى والتكرار
فإننا نرى أن كل ما سبق من إفسادهم فى الأرض شاملاً كلّ ما كان منهم من سوء فعالهم وقبيح خصالهم أينما سكنوا وحلوا من لدن نبيهم موسى عليه السلام إلى أن شتتهم الرومان فى الأرض وبعثروهم فى كل مكان، فكل هذا شاملاً للمرة الأولى التى حدَّدها الغالبية العظمى بأنها مرة بختنصر!، ثم مرات عديدة من باب وإن عدتم عدنا!!
وهذا بما يشمل من أفعال البابلين والآشوريين والرومان قتلاً وتدميرا واستعباداً وتشريداً، ثم عود مُلكهم فى وسطها، وتحسن أحوالهم مرات عديدة، وسلبهم ملكهم ثانية وقتلهم وسبيهم، وانتهى الأمر بإنتقام الله منهم، من باب (وإن عدتم عدنا)، بأن شتتهم الرومان فى جميع الأنحاء! فهذه كلها بما فيها من علو وخفض! أو إفساد وعقاب! ثم عودة لله وتوبة وإعادة وإصلاح وأوبة! هى المرة الأولى ومكررات "وإن عدتم عدنا" .!!
ثم عاشوا المئات من السنين كذلك وهم مشتتون لا دولة لهم، ولا شوكة ظاهرة لهم، إلا محافظتهم على مجتمعاتهم الصغيرة، وتمسكهم بتقاليدهم وطبائعهم وسلوكياتهم وحلمهم بالعودة للأرض المقدسة التى حرموا منها! وفى إنتظار حدوث الفساد الثانى القاهر أو الآخر! وإنتقام الله الماحق! فكان قيام دولة إسرائل عام 48 بعد وعد بلفور! وقد أطلق عليه اليهود وعد العودة للأرض المقدسة، أو هو فى الحقيقة باب وعد الآخرة!
ولذا قال الكثيرون من المحدثين أن تعيين المرتين هو فى الحقيقة مرتبط بقيام دولة لليهود، وهم لم تقم لهم دولة إلا مرتين! فكأن الله تعهد لبني إسرائيل بقيام دولة لهم في هذه الأرض مرتين! وبيَّن أنهم سيفسدون في هاتين الدولتين إفساداً ويعلون علوا كبيراً.
ثم يأتيهم إنتقام الله ويُدَمَّرُون فى كل مرة ويُسْلَب منهم مسجدهم أو بيت المقدس ويدمر ، فالدولة الأولى هي التي أقامها داود وسليمان، وحكما فيها ملوك بني إسرائيل من ذرية سليمان عليه السلام، فأكثروا في الإفساد فى الأرض، وانحرفوا عن منهج الأنبياء، والدولة الثانية هى إسرائيل فى فلسطين! والفساد والقهر والعلو فيها بالفعل قد عمَّ جميع الدنيا بلا استثناء.
الفســـــاد الثانى
ثم جاء الفساد الثانى وهو الذى لم يره المفسرون القدامى أبداً، وقامت دولتهم فى إسرائيل - كما قلنا - وهذا هو التغير الأكبر الذى حدث لهم منذ أيام سيدنا سليمان عليه السلام! فإنهم لم تقم لهم قائمة حقيقية كدولة بعد ملك داود وسليمان إلا باحتلالهم لفلسطين.
فنحن الآن فى قلب المرة الثانية من الفساد وقد أوشكت على الإنتهاء ومجىء عقابها .. مجىء وعد المرة الثانية أو المرة الآخرة! و يؤيد ما ذهبنا إليه أن المرة الآخرة وصفها الله فى موضع آخر من السورة بقوله:
(فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ) (104الإسراء)
فلتحققها فلابد أن يأتوا لفيفاً من جميع البلاد! وهذا ما حدث عندما أتت بهم مقادير الله لفيفاً؛ من جماعات وجماعات إلى فلسطين من جميع البقاع والأصقاع، جمعهم فيها الله بوعد بلفور، وهو باب تنفيذ وعد الآخرة! ليلقوا فى فلسطين وعد الآخرة!!!!
فالمرة الآخرة والتى فيها تدمير ما علوا تدميراً، والتى قبلها قد علوا فى الأرض علواً كبيرا، وتمكنوا من أن يبسطوا كبرهم وعلوهم وفسادهم فى الأرض كلِّها، وهى ما نحن فيه اليوم! وهى التى بدأت من إحتلالهم لفلسطين، وما رافق ذلك وما تلاه من فظائع يشيب لها الولدان ولا يتخيلها عقل إنسان!!
فجاسوا خلال الديار: ثانية!
وسيبعث الله عليهم العباد أولى البأس الشديد، ولا مانع من أن يتكرر جزء مما حدث من باب (وإن عدتم عدنا)!، فعند نفاذ وعد الإنتقام منهم وظهور غيوب الأقدار! فسيجوس العباد - أولو البأس الشديد - خلال الديار، ولكن بما يناسب الزمان وتطور العلم والأوان!!! فسيجوسوا بألاتهم وأدواتهم وأجهزتهم وأدواتهم المتطورة! والتى سيتمكنون بها من رؤية ما وراء الأشجار، وخلف الجدر التى تحصنوا بها، وما فى داخل البيوت، وحتى ما هو تحت الملابس، وهذا العجب صار حقاً واقعاً الآن من القدرات التكنولوجية!!!.
ولكن لابد من تسلح العباد أولى البأس الشديد بكل تلك القدرات حتى ينطبق الوصف عليهم! لابد أن يستعدوا لهم برباط الخيل الحديث التكنولوجى، وبكل ما أنتجت القريحة المتطورة حتى يكونوا جديرين بظهور النور على أيديهم، وبدخول المسجد وتطهيره واستنقاذه من بين أيديهم للمرة الأخيرة إن شاء الله!!. إنهم عباد الله أولى البأس الشديد، والذين سيفعلون ما به تسوء وجوه اليهود! وتسعد به - وتهنأ وتستنير- وجوه أهل الإيمان!
من سرٍّ نبؤة ليسوءوا وجوهكم!
وهذا تعبير غريب قد مرَّ عليه المفسرون القدامى مرور الكرام، بما كان لديهم من العلم المناسب لأوقاتهم!
ولكن الأمر اليوم يختلف بالنسبة لنا ولنظرنا فى آيات ربنا فى ضوء ما هدى الله إليه البشرية من التطور والعلم!
ففى الماضى كان لايمكن أن يتأكد كيف سنعرف أنه قد ساءت وجوههم أو تكدرت، أو غلب عليها الحزن والسواد أو الإنكسار؟!!، وكلها شئون معنوية لم يمكن حفظها من قبلهم! إلا بالرواية فقط! ومهما كانت من أخبار فلم يرد لنا مثل ذلك أبداً - كما وردت أخبار مثل المسخ والخسف! وغيرها، وكلها حفظها التاريخ! ولذلك فما تفسير أن الأخبار الواردة والتاريخ المسجل لم يترك ما به يفسر كيف لو أن المرة الثانية قد مرَّت بالفعل، فأين التفسير العملى الذى يحفظ ما حدث لوجوههم؟! لا يوجد!
ولذا فهذا من الأسباب أن المرة الآخرة لما تأتى بعد! بالإضافة أن سوء حالة الوجوه ليست فى حقيقتها المعنوية نتيجة متعينة بمرَّة محددة ! إذ أن من الطبيعى أن كل أناس يقهرون ويغلبون ويظهر عليهم أعداؤهم تسوء وجووهم! هذا طبيعى! فَلِمَ إذاً إختارها الله علامة لتلك المرة تستأهل أن يخلد الله ذكرها فى كتابه؟! لابد أن تكون شيئاً غير معتاداً ولا هيناً لتكون علامة فارقة على إنتقام الله من هؤلاء الأقوام الطغاة المفسدين!!.
هذا لأن تلك المرة عندما تحدث سيكون الله قد جهَّز الله مسرح الدنيا لظهور تللك العلامة، ويرى الخلق كلهم كيف تسوء وجوههم! فهذا من إعجاز الله الذى سلَّط الضوء على ما سيحدث لوجوههم! وهذا إختيار غريب ليكون دليلاً على العقاب! وهو شيىء لم يمكن للبشرية تسجيله سابقاً! ولكن اليوم مع التصوير والنت والتكنولوجيا الحديثة فسوف ينقل لنا الله بتلك الأجهزة صور وجوههم وعليها الخزى والسوء والحزن والعار والإستسلام عندما يهزمون! لما يحيق بهم وعد الآخرة على مرأى ومشهد من الدنيا كلها!
وستظهر الآية جلية ونعرف لِمَ ذكرها الله كعلامة فارقة للإنتقام منهم فى المرة الآخرة! وسيعرضهم الله على سينما الوجود حقيقة لا خيالاً بتلك الوجوه الكالحة الحزينة، ونشير جميعاً إليها ونقول: الله أكبر! نعم صدق الله، وهذا ما جاءنا من خبر الله فى كتاب الله!.
فلابد إذاً أن تكون الآية هائلة ومؤثرة ومناسبة للحدث، وتكون فضيحتهم على جميع الفضائيات وجميع الشاشات، تماماً كما أن آيات فجرهم وإفسادهم وكبرهم وعلوهم على جميع الفضائيات وكل الشاشات!.
بل وربما رأينا ما يحدث لهم على موجات هوائية فى الفضاء لأن أبحاث نقل الصور بأبعاد الطاقة ورؤيتها بدون شاشات وإنما للعقول مباشرة قد حققت نجاحاً ملحوظاً، والله أعلم أين سنكون بعد سنوات!
وربما حدث شيىء لوجوههم من استخدام سلاح ما أعدوه ليصيبونا به، أو من تفجير ذرى، أو من تأثير الدخان الذى سيغشى الناس ( أى غير المؤمنين)، أو من أخطار بيولوجية أو كيميائية يعدونها لإهلاكنا! فيردها الله إلى نحورهم، ويظهر أثرها على وجوههم، ويراه الناس فى الدنيا كلها! ويحفظ الله المؤمنين كما أخبر فى آياته!. ولا حرج على عجب غيب الله! فإن غيبيات الله ساطعة بينة عند ظهورها، والله متمٌّ نوره ولو كره الكافرون!!!!.


وبقيت كلمــــــــة
ونحن نختم بكلمة ونقول: أنه قد وردت في كل هذه الشؤون آثار كثيرة إسرائيلية؛ منها الموضوع أو ما يحتمل الصحة، وقد رويت فيها أحاديث ثبت وضعها أو ضعفها.. ونهاية المطاف ...
- ففيما قص الله علينا في كتابه مجملاً غني عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم!
- ولو كان فى تفصيل ما أبهم الله فى آياته فائدة قوية ترجى لفصَّله الله فى كتابه أوعلى لسان حبيبه!
- ولكنها إنما هى قصص للعبرة والإعتبار، وللشهادة على من سبقونا من الأمم، أو فى إثبات أخبار غيبية فيما يستقبل من الأيام، بما لا يقدح فى الإيمان إجماله وإبهامه!
فمجمل الأمر أن الله أخبرنا عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلَّط عليهم عدوهم، فملك مسجدهم واستباح حماهم حتى دخل بيوتهم وشوارعهم، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد أفسدوا وتمردوا، وقتلوا من الأنبياء والعلماء، وإن عادوا لذلك المسلك؛ عاد الله لتأديبهم وقهرهم، فإن تابوا وأنابوا عاد الله بعفوه ورحمته.

الباب الرابع: أحداث النهاية فى الإسلام

الباب الرابع
أحداث النهاية فى الإسلام
إن الأحداث العجيبة التى تسارعت وتحققت بقدرة الله فى مصر فى أيام قليلة فى ثورة 25 يناير2011، وكذلك حدث فى تونس قبلها بأسابيع قليلة، وما يحدث فى باقى بلاد المنطقة من أحداث مشابهة، إنما تستثير المعانى فى قلوبنا فيما قدَّر الله من شئون لهذه الأمة ...
وتستدعى هذه الشئون المتسارعة أن نضعها فى ترتيبها فى تلك الأحداث التى تسير بالوجود كلِّه إلى ما قدَّر الله من النهايات المرسومة...
متى نتوقــَّع النهايـــة؟ وما مفتاحها؟
وقبل أن أبدأ حديثى معكم أريد أن أنبه إلى أمر هام - فيما يخصُّ أحداث النهاية - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائماً ينبه أحبابه ويوجه أنظارهم إلى النهاية الحقيقية لكل واحد ! و يحذرهم صلى الله عليه وسلم دائماً أبداً ويقول:
{ إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته }،
وقال أيضاً: { الموت القيامة، الموت القيامة}
أى أنه بين أحدنا وبين القيامة ليس أن تأتى أحداث النهاية فقط! أولاً! لا، ولكن بل بينه وبين القيامة أن يموت .. فقط!!
فمتى الموت؟ لا نعلم!
إذاً فيجب أن نتيقن أننا لابد أن نشغل أنفسنا بلقاء الله، وبالورود بين يديه الذى يكون فى أى لحظة! وأنا أقول ذلك: لإننا إذا ذكرنا هذه الأمور كأحداث النهاية وغيرها، إنما نذكرها من باب الذكرى والعبرة! لا من باب أن نشغل أنفسنا بذلك، ونتحدث فيه، ونقلب الأمر على أوجهه، ونتجادل ونأتى بالكتب والمراجع!! ونستزيد من هذا وذاك! ما الفائدة؟ النهاية قادمة قادمة! وليس بين أحدنا وبينها إلا أنفاس أو لحظات أو أيام أو أعوام! ومهما كانت أعوام فستمر كأيام أو كلحظات!! وكلنا يعرف ذلك!
خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، فالحديث فى تلك الشئون طويل، والأحاديث الواردة فيه كثيرة، وأغلبها ضعيف، وفيه الكثير من الإسرائيليات والموضوعات! وأراء العلماء متنوعة؛ متوافقة أحياناً ومتضاربة ومتباعدة أحيانا أكثر! ولكن القول الفصل فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحبَّ أن يشغلنا إلا بالنافع المفيد!
ولذلك فأنا أورد هذه الأمور على سبيل التذكرة والإعتبار، لا على سبيل أنها من أساسيات الدين! فنتطاحن ونختلف ونتشاجر ونتفق! فأغلب ما أورده رسول الله فيها يقبل الرمز والتأويل، وكذا آيات ربنا فى كتابه، لا يملك أحدٌ أن يقول أن مراد الله القاطع هو كذا أو كذا .. فالله أعلم بمراده!! فدعوا الإختلاف والإصرار والمجادلة واسمعوا بأذن واعية .. وكل ذلك من باب: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (55الذريات)!
كما أحب أن ألفت نظر إخوانى إلى أنه ليس هناك حدث بعينه هو مفتاح النهاية، فيجرى الناس يمينا ويساراً ويقولون النهاية بدأت اليوم - كما يظن بعض من لا يفهمون - لو كان الأمر كذلك لاختل ميزان العدالة بين البشر أمام الله، ولكن قدرة الله تعالى أن الأحداث ستجد لها دائما من التاويلات ومن التفسيرات ما يجعل النائم نائماً! أما المستيقظ فيكفيه أن يعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلمأن مفتاح النهاية على الحقيقة هو بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
{ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، قَالَ: وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالوُسْطَى }
فمن بعثته صلى الله عليه وسلموالشئون تتوالى، والأحداث تتابع، وكل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الغيبيات أو أنبأنا الله به فى كتابه، فقد تحقق منها ما شاء الله أن يتحقق! وما بقى فسوف يتحقق فى وقته، ومن عمى عمى ولا ينفعه تحذير بتصريح ولا تأويل!
الرحمة سرَّ تماسك طوائف الأمة
كثر الحديث عن الأسباب التى أدت إلى ثوران الشعب، وإلى انتفاض الملايين من الناس ! وأنا أرجع هذا إلى أسباب عديدة سنتناول منها سبببن رئيسيين يكونا مدخلاً للعبور إلى أحداث النهاية!
السبب الأول هو فقدان الرحمة بين الخلائق! وأسألكم:
لماذا يرحم الله القادة والحكام؛ إذا لم يرحموا المحكومين والأنام؟؟
ولماذا يرحم الله خلقه إذا لم يتراحموا فيما بينهم؟ لماذا يبسط الله نعمه على عباده ويحييهم فى سهولة وبسط ويسر وهم يشددون على بعضهم ويقسون؟! ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم- لكل من أحبَّ أن يكون بمنأى عن غضب الله سبحانه وتعالى وعقابه فى الدنيا والآخرة: أن يرحم خلق الله - حاكماً أو محكوما، فقال:
{ مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ }، وقوله: { الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ. ارْحَمُوا مَنْ في اْلأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّماءِ }
وكلكم يعلم أين كنا وكيف كنا! وكيف كانت رحمة بعضنا لبعض!!!
ولا حاجة لبسط ذلك، فالأمور أوضح لكل واحد من ضوء النهار!!
إخوانى: جعل الله عزَّ وجلَّ الأمة الإسلامية ناشرة للرحمة الإلهية، رحمة تشريعية، ورحمة حياتية، ورحمة فكرية، ورحمة قلبية، ورحمة حسية، ورحمة لكل عوالم الله عزَّ وجلَّ العليَّة والدنيَّة، هذه الرحمة تقوم بها الأمة المحمدية، ولذلك أفراد الأمة هم الرحماء: ( رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ) (29الفتح)، هكذا وصفهم الرحيم عزَّ وجلَّ .
الرحمة هى المشرط فى يد الأفراد الذى يقضون به على الجهالات وعلى الظلمات فى كل زمان ومكان - ليؤهلوا الخلق لرحمة الرحيم الرحمن عزَّ وجلَّ.، لم يحمل فرد من الأولين سيفاً يقاتل به ليقهر الناس على الإسلام، وإنما حمل مشرطاً كلَّه رحمة يعالج الخلق، ويأسوا جراحهم به ليفيقوا لهذا الجمال، وليستيقظوا لهذا الكمال، وليلوح لهم ضياء الله الواحد المتعال واضحاً فى كل أفعالهم وشئونهم وتحت جميع الأحوال.
وطالما كانت الأمة الإسلامية موسومة بصفة الرحمة، وهى التى تسيطر وتهيمن على كل أفرادها صغيرها وكبيرها فهم فى خير.
والأمثلة فى ذلك من تاريخ الأمة لا حدَّ لها ولا حصر، ولكنى سأختار منها أمثلة من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب! لِمَ؟ ليكون ذلك تأكيداً لكل واحد منَّا أن الرحمة لا تتنافى أبداً ولا تتعارض مع عدل الحاكم وقوة الحاكم فى الله وشدته فى إنفاذ الشرع وإدارة شئون الأمة!
انظر إلى هذه الرحمة فى يد عمر رضي الله عنه، يمشى فى جنح الظلام يتحسس ويتعسس البؤساء والتعساء والفقراء، يمشى ومعه عبد الرحمن بن عوف فيشاهد ناراً من بعيد تحت قدر، فيذهبا إلى حيث النار، وعندما يقتربا منها يسمع عمر بكاء صبية صغار .. وبكاء الصغير له شأن كبير!
فبكاء الطفل الصغير يؤثر فى صاحب القلب الكبير، إذا لم تتأثر ببكاء الطفل فاعلم أن على قلبك قفل – أىِّ طفلٍ كان - أنا آونة أبكى لبكاء الطفل لأنه لا سلطان له ولا دافع له إلا الله عزَّ وجلَّ. وقد روت السيدة عائشة عن حبيبى وقرة عينى صلى الله عليه وسلم لما رأه الإعرابى يُقَبل الحسن والحسين فقالت:
{ جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ فقالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصبيانَ، فما نُقَبِّلُهُمْ، فقالَ رسولُ الله: أَوَ أَمْلِكُ لكَ أَنْ نَزَعَ الله الرحمةَ مِنْ قَلْبِكَ }.
فعندما اقترب عمر رضي الله عنه من النار عنَّف المرأة التى توقد النار على القدر، وقال لها: يا أمَةَ الله لِمَ يبكى هؤلاء الصغار؟ قالت: من الجوع، قال: ولِمَ تتركيهم جياعاً؟ قالت: لا أجد، فأوقدْتُ لهم القدر على الماء لأعلِّلهم حتى يناموا، فماذا فعل عمر عنذئذ؟
وهنا فقرة إعتراضية لتتضح باقى القضية! عمر رضي الله عنه بدَّله الله أخلاقاً عالية على يد رسول الله .. ( عمر رضي الله عنه وهو الذى قيل فى شأنه أنه قبل إسلامه حفر حفرة ليدفن فيها ابنته حية، وكان التراب يأتى على لحيته فكانت تمسح التراب عن لحيته ومع ذلك لم يرحمها ووأدها – قيل هذا وإن كنت لا أستريح لهذه الرواية، ولذلك أقولها لإخوانى حتى أقول لهم لا يُحدثون بها لأنها لا تليق بعمر رضي الله عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: {النَّاسُ مَعَادِنُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقِهُو }. ، فمثلاً أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه حرَّم على نفسه الخمر فى الجاهلية !، وكلهم كانوا على هذه الشاكلة، فإياكم وهذه الروايات الإسرائيلية ومنها الكثير!
ونعود لموضوعنا .. فما كان من عمر إلا وذهب هو وعبد الرحمن بن عوف إلى بيت المال وقال: إحملنى هذا الجوال من الدقيق على ظهرى، قال: أحمل عنك يا أمير المؤمنين، قال: أتحمل عنى يوم القيامة!، وحمل جوال الدقيق على ظهره، وأعطى عبد الرحمن السمن، وذهبا إلى المرأة، فقال: يا أمة الله ضعى الدقيق ومعه السمن وأنا سأنفخ لكى فى النار حتى يطيب الطعام، فأخذ ينفخ فى النار وسواد النار يأتى على وجهه ولا يعبأ! حتى قالت له المرأة : والله ياهذا لأنت أولى بأن تكون أمير المؤمنين من عمر!
لِمَ يتحدث العالم كله عن عمر وأمثال عمر؟ .. للرحمة القرآنية النبوية التى استمدوها واستهدوا بها وتأسوا فى هديها من خير البرية صلى الله عليه وسلم.
لو كان كل حاكم أو رئيس فى عمله على هَدْى عُمر!!
أو لو كان على هدى نبيِّنا الذى علَّم عمر!!
لو كان كل حاكم يقابل من يأتيه بالمودة واللين والرحمة! كما يقابل أبناءه وأهله ومعارفه! لو كان كل حاكم يبحث عن حاجات شعبه ليقضيها، كيف سيكون حال المسلمين يا إخوانى؟!
لكنهم كانوا كما قال صلى الله عليه وسلم واسمعوا وعوا:
{ لا تُنْزَعُ الرحمةُ إلاّ مِنْ شَقِّي }
كل من انتزعت منه الرحمة اعلم علم اليقين أنه شقى، وهؤلاء الأشقياء يقول فيهم أمير الرسل وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم:
{ الدنيا دار فناء، ومنزل بلغة وعناء، قد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، فأسعد الناس فيها أرغبهم عنها، وأشقاهم بها أرغبهم فيها، هي الغاشَّة لمن انتصحها، والمُغوية لمن أطاعها، والجائرة لمن انقاد لها، والفايز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها }.
فالأشقياء لا يتركونها إلا كُرهاً مرغمين!، إما من قِبَل من حولهم قهراً وجبراً!! وإما إذا جاء أجلهم، فلا تخرج الدنيا من أيديهم بهوادة!! وقد نرى أن عندهم الدنيا، ولكنهم هم من قال الحبيب فى شأنهم:
{ لَوْ أَنَّ لابنِ آدَمَ وادِيَيْنِ من ذَهَبٍ لابْتَغَى إِلَيْهِمَا مِثْلَهُ، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابنِ آدَمَ - وفى رواية: (فاه ابن آدم)، وفى أخرى مشهورة: (عين ابن آدم) - إلا الترابُ، ويتوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ }.
لم يقل المؤمن ولكن قال: (ابن آدم)، لأن المؤمن بعيد عن هذا الأمر، إذ أن حال المؤمنين فى كل زمان ومكان هو الرحمة التامة لجميع الأُمة.
ولو نظرت فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تقلدوا الولايات وقرأت سيرتهم، تجد العجب العجاب فى أحوال هؤلاء القوم!!
انظر إلى سلمان الفارسى عندما عُيِّن أميراً على المدائن، كان يتجول فى المدينة وإذا برجل تاجر غريب داخل المدينة ومعه حمل ثقيل، فقال هذا الرجل لسلمان : يا هذا احمل عنى، فحمل عنه، وبينما هو سائر إذا رجل يقول له: أيها الأمير، فقال الرجل: الأمير يحمل عنى!! قال: وما عليك!!
والرجل الأعمى الذى اصطدم به عمر بن عبد العزيز فى المسجد وهو يسير فيه- فلم ينتبه إليه! فصاح الرجل: أأنت أعمى؟ قال: لا ! واعتذرله! فصاح به الناس يريدون أن يؤدبوه كيف يخاطب الخليفة هكذا! فقال : أتركوه، سألنى: أأنت أعمى؟ فقلت له: لا!
أيُّ قوم هؤلاء!! هؤلاء أرقى من القديسين، ومن ملائكة الله عزَّ وجلَّ الكروبيين - فى أخلاقهم وأحوالهم...
عمر بن العزيز كان وهو والياً على المدينة يأتيه التاجر بالحُلَّة من الحرير بألف دينار، فيمسكها بيده ويقول: ما أحسنها إلا أنها خشنة، وعندما وُلىَّ الخلافة، وحمل الحمل الثقيل للخلافة .. أحسَّ أنه عبء، فكان يأتيه التاجر بالثوب بدينار واحد فيقول: ما أحسنه إلا أنه ناعم!!
وأول ما وُلِّى الخلافة، وكانت زوجته ابنة خليفة وإخوتها خلفاء، فقال: يا فاطمة، اختارى إما أن تأتى بالذهب الذى معك ويوضع فى بيت مال المسلمين، وإما لا حاجة لى بك – وهذا سر الأمر! فالرجل من لم يُملك زمامه لامرأته، فزمامه لله تعالى ولرسوله! لأنه إذا ملَّك زمامه لامرأته فسدت كل الأمور، فقالت خذه، فأخذ مالها ووضعه فى بيت مال المسلمين! هذه لقطة!
واللقطة الثانية: بعدها بسنوات! عندما جاء أجله وقف حوله أولاده - وكانوا ثمانى عشرة، فقال له ابن عمه وأخو زوجته هشام بن عبد الملك:
يا أمير المؤمنين تترك أولادك هكذا فقراء يتكففون الناس!!، فقال:إنَّ بَنِىَّ أحد رجلين، أما الصالح منهم فالله يتولاه: (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (196الأعراف)، وأما غير الصالح منهم فما كنت أعينه على فجوره فيحاسبنى الله على ذلك!، وترك لكلِّ رجل منهم ديناراً، وتاجروا، فما مرَّ عليهم عام إلا وأصبح مع كل رجل منهم مائة ألف دينار من التجارة الحلال!! ألم يقل الله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) [82الكهف]
وخذ اللقطة الثالثة – المقابلة: أبناء هشام بن عبد الملك، ترك لكل رجل منهم مائة ألف دينار، فما مرَّ عليهم عام إلا وصاروا يتكففون البيوت يسألون الناس!! ألم يقل الله تعالى فى المقابل: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا ) [9النساء].
فالرحمة التى أوجدها الله فى المؤمنين والمؤمنات - وبها سرُّ السعادة فى الدنيا، وسرُّ الفوز والنجاة يوم الميقات - أن المؤمن عنده إحساس بكل مَنْ حوله، يشعر بهم ويحس بمشاكلهم، قال حبيب القلوب صلى الله عليه وسلم:
{لَيْسَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَاناً، وَجَارُهُ جَائِعٌ إلَى جَنْبِهِ}، وفى رواية: {مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعاناً وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ}.
إذاً شرط الإيمان أن يشعر بحاجة جيرانه، وأن يشعر بأحوال إخوانه المؤمنين وإخوانه الموقنين، وأن يعاملهم بالإيثار كما أخبر الواحد القهار:
( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (9الحشر)
وهذه هى الروح التى نحتاج إليها الآن ليرجع إلينا الخير فى كل مكان، فليس الأمر التخلص من رجال ومجئ رجال، لكن الأمر التخلص من أوحال اتسم بها رجال، وتَحَلِّى بأخلاق وكمالات كان عليها سيد الرسل صلى الله عليه وسلم ومن حوله من كُمَّل الرجال، وهذا هو بيت القصيد فى هذا الأمر.
والأمر الذى حدث فى الآونة الأخيرة قد تَحَدَّث عنه الإمام أبو العزائم رضى الله عنه منذ ما يزيد عن المائة سنة، فتكلم عن هذه الأحوال فى إلهاماته الغيبية التى ألهمه بها الله، لأن شرط الرجال: ( آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) (65الكهف).
الرحمة أولاً، ولذلك إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله انظر إلى الرحمة التى فى قلبك لمن حولك من خلق الله، إذا لم يكن عندك رحمة فليس لك مقام ولا كرامة عند رب العالمين عزَّ وجلَّ : ( فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ) (22الزمر).، الناس لا تحب إلا الرحماء، فالطفل لا يحب إلا من يربت عليه أو من يبحث عنه، لكن من يعامله بفظاظة وغلاظة لن يحبه!!
وكذلك المرأة، فالمرأة تبغض زوجها إذا كان غليظ الطبع وقاسى القلب، ولكن إذا كان كلُّه حنان ورحمة فلِمَ تبغضه؟! ولكن مشكلة أغلب بنى الإنسان أنه لا يعرف عيب نفسه، بل يرى العيب الذى فيه ميزة فيه!! وهذه مصيبة المصائب، وما الحل لذلك، قال صلى الله عليه وسلم:
{ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ }، وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الآخر:
{ إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْأَةُ أَخِيهِ فَإذَا رَأَىٰ بِهِ أَذَىً فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ }.
انظر إلى مرآة إخوانك المؤمنين، وابدأ بمرآة سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، هل رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب زوجة من زوجاته قط؟ لم يضرب إحداهن قط، ولا قال لإحداهن قولاً قبيحاً أو هجراً، بل كان يعاملهن المعاملة الراقية التى علَّمها له ربُّ العزة عزَّ وجلَّ. ومن فرط رحمته كانوا منشغلين بالضيفان فكان يشاركهم، تقول السيدة عائشة رضى الله عنها: (كان رسول الله يعمل فى مهنة أهله، فكان يقُمَّ المنزل، ويحلب الشاة، ويُخيط ثوبه، ويخصف نعله).
كثير من الناس يتعجرف لفعل هذه الأشياء بنفسه!! لا مانع من طلبها من زوجتك لكن بطريقة لطيفة، وهى الطريق التى يقول فيها الله: (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) (125النحل)،
فبهذه الطريقة ستجد الكل حريصاً عليك وطوع أمرك، ويبحث عنك ويحاول أن يسعى لإرضائك، لأن أى إنسان يريد الكلمة الطيبة والمعاملة الطيبة!!. فإياك ان تعامل زوجتك على أنها عبدة أو أَمَة، فبذلك تكون قد أخطأت خطيئة لا يسعها السموات والأرض، بل عاملها بما أمرك به الله عزَّ وجلَّ: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) (70الإسراء).
وكل إنسان فيه مشاعر الإنسانية، وإياك يا أخى ثم إياك من تفجير مشاعر الظلم عند أى إنسان أياً كان، حتى وإن كان صبياً صغيراً، لأن هذا يهزُ السموات والأرض:
{ يا أَيُّها الناس، إِياكم والظلم، فان الظلم ظُلُماتٌ يومَ القيامة }
الملك لله يؤتيه من يشاء
ولندخل على السبب الثانى ؛ سآخذكم إلى النقطة الأساسية والتى لو وعاها كل واحد ما تجبَّر أحدٌ ولا تكبَّر ولكفى الخلق شروره ودام فى الدنيا وفى الآخرة سروره! ولكن قتل الإنسان ما أكفره! قال الله تعالى كتابه الكريم:
 قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  (26آل عمران)
الله عزَّ وجلَّ أمر عباده بتطبيق شرعه وكتابه، فإذا طبقوا شرعه وكتابه فسيكونون فى خير دائم، وإذا أعرضوا عن الله يُسلط نفوساً على نفوس، كما رأينا فى جميع مراحل التاريخ! وكما شاهدنا بأمِّ أعيننا فى الأيام الماضية فى أحداث ثورة مصر فى 25 يناير 2011م، من بعد ثورة تونس قبلها بأسابيع قليلة! والثورات الأخرى الجارية حالياً بالمنطقة!
فما أريد أن ألفت أنظاركم إليه هو أمرٌ غاب بشدة عن أذهان الكثيرين من الحكام والمحكومين! غاب عن الحكام فطغوا وتجبروا وتزينوا بما لا يحقُّ لهم! وغاب عن المحكومين أيضاً فخنعوا وخضعوا وتركوا ما يحقُّ لهم!! أتعرفون ما هو؟ هو العزَّة! نعم العزَّة!
العزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين
العزَّة هى مربط الفرس! وحجر الزاوية، والنقطة التى تزلُّ فيها الأقدام، ويسيل لها لعاب الحكام وأولو الأمر وأهل المال والنفوذ! فيهلكون فيها! ويضيع فيها أيضاً المحكومون ويرتضون المهانة والمذلة ويرخون الحبال لحكامهم فيحكمونها حول رقابهم! هل فهمنا؟!
الأمر من الطرفين! كيف؟
قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الشريف مخبراً عن الغيوب العليَّة:
{ إِنّ لله ثَلاثَةَ أَثْوابٍ؛ اتّزَرَ الْعِزَّةَ، وَتَسَرْبَلَ الرّحْمَة، وَارْتَدَى الْكِبرياء، فَمَنْ تَعَزَّزَ بِغَيْرِ ما أَعَزَّهُ الله فَذلِكَ الّذِي يُقال لَهُ: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الْكَريمُ)، وَمَنْ رَحِمَ النّاسَ بِرَحْمَةِ الله فَذلِكَ الّذِي تَسَرْبَلَ بِسِربالِهِ الّذي يَنْبَغي لَهُ، وَمَنْ نَازَعَ الله رِداءَهُ الّذِي يَنْبَغي لَهُ، فَإِنّ الله يَقولُ: لا يَنْبَغي لِمَنْ نازَعَني أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّة }
فالكبرياء ثوب ليس لأحد إلا لله!، والرحمة ثوبٌ يحبُّ الله مِنْ خلقه جميعاً أن يتزَّيوا به، وقد أسلفنا الحديث عن الرحمة فى الفقرة السابقة،
أما العزَّة فإن الله تعالى يذلُّ كل من تعزز بغير ما أعزَّه الله به!
فبمَ أعزنا الله؟ أعزنا الله به سبحانه وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبدينه الإسلام، واسمعوا لما جرى بين عمر وأبى عبيدة بن الجراج رضي الله عنه فى موقفٍ من أندر الحوادث فى التاريخ:
{ لما قدم عمر الشام عرضت لـه مخاضة، فنزل عمر عن بعيره ونزع خفيه، ثم أخذ بخطام راحلته وخاض المخاضة، فقال لـه أبو عبيدة: لقد فعلت يا أمير المؤمنين فعلاً عظيماً عند أهل الأرض؛ نزعت خفيك وقدمت راحلتك وخضت المخاضة، قال: فصك عمر بيده في صدر أبي عبيدة، فقال: أوه! لو غيرك يقولـها يا أبا عبيدة؟!! أنتم كنتم أقلَّ الناس، وأذلَّ الناس، فأعزَّكم اللـه بالإسلام!! فمهما تطلبوا العزَّة بغيره يذلُّكم اللـه تعالى }.
فمن أراد العزَّة وأحبَّ أن يكون عزيزاً ! فليس إلا سبيلٌ واحدٌ:
(إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) (65يونس)
فكلها لله، وهو يهبها لمن اتبع دينه فكان على هداه، فصار متسربلاً بسربال عزة دين الله، وليس لهواه عليه من سبيل:
( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (8المنافقون)
ويعلم كل طالب للعزة والرفعة والمنعة، أنها حقٌّ أحقَّه الله بدين الله لجميع أهل الإيمان! فمهما أعزَّه الله بالمال أو السلطان فلا يرى نفسه فوق الناس! فهم جميعاً يلبسون نفس ثوب عزَّة الإسلام، وليس لأحد أن يكون أعزَّ ولا أكرم من إخوانه المسلمين، مهما ولاه الله تعالى من أمورهم وشئونهم!!
ويأتى الوجه الآخر للقضية! فلو تعزَّز أحد بغيردين الله، وأراد أن يذيق الناس الذَّل والهوان ويخلع عنهم ثوب عزة دين الله الذى أعزَّهم الله به! فهل يتركونه يخلع عنهم ما كساهم الله؟!!. لو تركوه يفعل ذلك بهم! لاستحقوا الذَّل والهوان لتفريطهم فى حقِّهم! لماذا؟ لأن تحذير رسول الله فى الحديث للطرفين!
المؤمن دائماً عزيز بالله وبدين الله؛ فإن حَكَمَ عزَّ وتعزَّز بالله وبدينه لا بشىء سواه - من السلطة، أو الزخرف والجاه والمال! وإن حُكِمَ فهو أيضاً عزيز بالله وبدين الله، ولا يرى لحاكمه عزَّة فوق عزته، فكلهم عزتهم بالله وبدينه! وهو أبداً لا يرضى بالذل ولا بالهوان، ولا بالاستكانة ولا بالضعف! ولا يسمح لأحد ما كان أن يسلبه ثوب العزة! ...
وسأعطيكم أمثلة على عزة المؤمنين؛ محكومين من العامة أو أعلى مثل العلماء أو السفراء - مثلاً - أو حتى الأسرى، وحكاماً فى السلم والحرب! حتى تعلموا أن العزة هى رأس مال المسلم أينما ذهب وأينما حل. وإليكم الأمثلة:
عزَّةُ عالم من علماء المسلمين
حكي أن عضد الدولة أراد أن يبعث رسولاً إلى الروم، وعلم أنهم يسألون ويناظرون، فأشاروا عليه أن يرسل القاضي أبا بكر، فبعثه إلى قيصر، فلما وصل وأراد الدخول، علم الحاجب أنه لا يسجد للملك كما تفعل الرسل، فصنعوا له باباً قصيراً ليدخل منه إلى قيصر، ولابد له أن ينحني ليدخل!، فلما رأى القاضي الباب عرف ذلك ولم يخش إلا الله وأدار ظهره إلى الباب ودخل راكعاً ظهره إلى الباب وإلى الملك! فتعجب قيصر من فطنته ووقع في نفسه هيبته وشجاعته وعزَّته وعزَّة الدين الدى أتى باسمه.
والقصة لم تنته!! لأن القاضى بفطنته فقه أنهم يريدون إذلاله والإنتقاص من عزَّة دينه! فشحذَّ همته! وأحبَّ أن يعطيهم مثلاً آخر (أنَّ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين)! فقد رأى القاضى عنده بعض الرهبان! فخاطب الراهب وقال له مستهزئاً: كيف أنت وكيف أولادك؟ فقال له قيصر: إنك مقدم علماء هذه الملة ولا تعلم أنَّ هؤلاء متنزهون عن الزوجة والولد!! فقال القاضي: فإنكم لا تنزهون الله عن الأهل والولد وتنزهون هؤلاء!! فرهبانكم أجلُّ وأعزُّ عندكم من الله تعالى!، فأفحموا جميعاً وباءوا بالذل والخزى!.
فقال بعض حاشية طاغية الروم للقاضي - يريد أن يذلَّه بالخوض فى موضوع الإفك الذى جرى لعائشة رضي الله عنها، فقال للقاضى: اخبرني عن زوجة نبيِّكم عائشة وما قيل فيها! فقال القاضي فوراً: قيل في حق عائشة ما قيل في حق مريم بنت عمران، وعائشة لم تلد، ومريم ولدت وقد برأ الله تعالى كل واحدة منهما، فأفحموا ولم ينطقوا بكلمة!!

عِزَّةُ المسلم العادى .. الأسير مسلوب الحول
وجَّه عمر رضي الله عنه جيشاً إلى الروم وفيهم صحابى يقال له: (عبد الله بن حذافة) رضي الله عنه، فأسره الروم، وأتوا به ملكهم، وقالوا له إنه من أصحاب محمد. فقال له: هل لك أن تتنصر وأشرِكَك في ملكي وسلطاني؟ فرد عليه: لو أعطيتني ما تملك وجميع ملك العرب، على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلمطَرْفة عين ما فعلت. فقال: إذاً أقتلك، قال: أنت وذاك.
فأَمر به فصُلب، وأمر الرماة أن يرعبوه بالسهام! وهو يعرض عليه ويأبى، فأمر به فأنزل، ثم دعا بقدر ضخم فيه ماء يغلى فأحرق يداه في الماء، ثم دعا بأسير من المسلمين فألقي في الماء وهو يعرض عليه النصرانية ويأبى، ثم أمر به أن يُلقى فيها؛ فلما ذُهب به بكى، فأعادوه إلى الملك! فعرض عليه النصرانية؛ فأبى، فقال: ما أبكاك إذاً؟ قال: أبكاني أنك أمرت أن ألقى فى القدر فأموت من ساعتى؛ وكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نَفْسٌ تموت في الله.
فقال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأخلّي عنك؟ قال له عبد الله: وعن جميع أُسارى المسلمين؟ قال: نعم، قال عبد الله: فقلت في نفسي: لا أبالى أن أقبّل رأس عدوٍ من أعداء الله يطلق سراحى ومعى أسارى المسلمين؛ فقبّل رأسه، فدفع إليه الأسرى (ثمانين أسيراً)!! فقدم بهم على عمر رضي الله عنه؛ فقال عمر:
{ حقٌّ على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، فقام عمر فقبّل رأسه }.
فانظر إلى عزَّتهم!! كيف كانت على الأعداء رفعة لشأن الإسلام، وكيف كانت تلك العزة تذوب بينهم فتصير ماءاً زلالاً لينفعوا بعضهم كما قال تعالى:
( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (54المائدة)
عِزَّةُ الحاكم المسلم وفطنته فى وقت السلم
وكان خلفاء المسلمين وحكامهم أعزَّة على الكافرين فى أوقات الحرب والسلم، وكانت ملوك الروم والفرس لا تستطيع أن تشرى عزَّة حكام المسلمين بهداياهم، ولا تغريهم أو ترهبهم بما لديهم أياً ما كان. وأنتم تعرفون جيداً ما للهدايا من تأثير على الحكام وأصحاب الرأى والنفوذ!! واسمعوا!
قدم بريد ملك الروم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرضت زوجة عمر ديناراً، فاشترت به عطراً، وجعلته في قوارير، وبعثت به مع البريد إلى إمرأة ملك الروم، فلما تسلمت الهدية، أفرغت القوارير وملأتهن جواهر، وأرسلتها إلى إمرأة عمر ثانية، فلما أتاها أفرغتهن على البساط، فدخل عمر  فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فأخذ عمر الجواهر فباعها، ودفع إلى إمرأته ديناراً، وجعل ما بقي من ذلك في بيت المال للمسلمين.
فهكذا كانت عزَّتهم وتمسُّكهم بدينهم! هكذا كانوا يفعلون بالهدايا التى تهدى لهم وهم فى الإمارة! وهكذا علَّموا من وراءهم أن الإمارة ليست مغنماً ولا فرصة!! حدث ذلك فى وقت عمر! ولما اتسع ملك المسلمين، تصرفوا أيضاً بعزَّة الإسلام بما يناسب وقتهم وملكهم، كيف؟
روى أنه أهدى ملك الروم للخليفة المأمون نفائساً لتكون له بها يدٌ عليه، ومنها مئة رطل مسك، ومئة حلة سمور (وهى هدايا لا تقدر بثمن وقتها)، فقال المأمون: أضعفوها له – ردُّوا له ضعفها- ليعلم عزَّ الاسلام.
وفوق ذلك كانت الحكام والخلفاء يعتزُّون بدينهم وبعلمائهم وبحكمائهم، ولا يسمعون الوشاية فيهم من عدوهم! لأنهم يعرفون أنهم يريدون الوقيعة بينهم وبين علمائهم وحكمائهم من أتباعهم فيقتلونهم أو يؤذونهم فيهربوا منهم وينفضوا عنهم! وينتهى الأمر بأن يذلُّ الحكام بعد أن فقدوا علماءهم وحكماءهم بالحاجة إلي أعدائهم، وبالإستقواء بهم وبعلمهم وبمستشاريهم!
وهذه للأسف من المصائب التى تعرفونها بوضوح، وقد صار إليها المسلمون اليوم! كيف ذلك؟
حكامنا يستمعون إلى أعدائهم! وينتصحون بنصحهم! بل يذلُّون أنفسهم بالإستقواء بهم! ويبلغون أن يتخلصوا من علمائهم وحكمائمهم وأكفائهم فيطردونهم أو يسجنونهم ويعذبونهم فيهربون منهم!! فصارت بلادنا ذابلة ضعيفة! واستقوت بلاد الأعداء بمن هرب إليها من علماء المسلمين وحكمائهم، وقامت حضارة بلاد الأعداء على أكتاف من طردوا من بلاد الإسلام!
واسمع لتلك القصة العجيبة التى يرويها الشعبى، لتعلم أن حكام المسلمين الأوائل كانوا فى غاية الحكمة والوعى والرؤية البعيدة، ولو أنَّ حكام المسلمين الآن كانوا عُشر ذلك لكانت أحوالنا غير ذلك! قال:
أرسلنى الخليفة عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلتُ سألني الملك عن أشياء كثيرة فأجبته بعلم وافر، وعند العودة، سألنى: أأنت أمير؟ قلت: لا إننى رجلٌ من العرب!، فأعطانى رقعة وقال لي: سلِّم الرقعة للخليفة مع الرسائل، قال: فعدت وسلمتها جميعاً، فلما قرأ عبد الملك الرقعة، أمرنى بقراءتها؛ فإذا فيها: "عجبتُ من قوم فيهم مثل هذا، كيف مَلَّكُوا غيره؟!!"، قال: أفتدري لِمَ كتبها؟ حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك لكى أفقدك! قال: فلما بلغ قيصر مقالة عبد الملك، فقال: نعم صدق!! أردت أن أوغر صدره عليه لقتله!!. ولكن الخليفة لم يسمع له، بل زاده إكراماً.
عِزَّةُ الحاكم المسلم فى وقت الحرب
وأما عزَّتهم فى الحروب فحدث ولا حرج عن الرفعة والمنعة، ففى سنة سبع وثمانين ومائة خَلَعَت الرومُ ملكتهم ريني، ونصَّبوا نِقْفور، فكتب إلى الرشيد كتاباً فيه: { هذا الكتاب من نقفور ملكُ الروم إِلى هارون ملك العرب: أَما بعد فإِن الملكة التي كانت قبلي أَقَامتْكَ مقامَ الرُخّ وأَقامت نفسها مقام البَيْدَق. فحملت إِليك مِنْ أَموالِها، وذلك لضعف النساء وحمقهنّ. فإِذا قرأْتَ كتابي هذا فارْدُدْ ما حصل قبلك وافْتَدِ نفسك، وَإِلاّ فالسيفُ بيننا }.
فلما قرأَ الرشيدُ الكتابَ اشتدّ غضبُه وخاف جلساؤه، ثم كتب بيده على ظهر الكتاب: { من هارون أَميرِ المؤمنين إِلى نِقْفُور كلب الروم، قرأْتُ كتابك يا ابن الكافرة. والجوابُ ما تراه دون ما تسْمعه }. ثم قاد جيشه مسرعاً حتى نزل مدينة هِرَقْلَة، وأَوطأَ الروم قهراً وقتلاً وذُلّ نِقْفور وطلب الموادعة على خراج يدفعه فأَجابه، فلمّا عاد الرشيد نقض نِقْفور عهده، فعرف الرشيد وكرّ راجعاً في صقيع الشتاءِ حتى دخل قصره وهزمه شرَّ هزيمة.
تساوى كفتى العِزَّةِ بين الحاكم والمحكوم
فالكلُّ كان عزيزاً! ولا أحد أعزَّ من أحد! فلا يترك الناس حكامهم ينتقصونهم، ويذلونهم، ولا يرهبونهم لأنهم يرون أنفسهم على قدم المساوة معهم بعزة دين الله! فكانوا ينصحونهم ويراجعونهم ولا يذلون أنفسهم لهم ولا يتملقونهم!
من كان أشدَّ الحكام فى الإسلام كما نعلم؟ عمر رضي الله عنه! فاسمعوا إذاً:
لما تقلد عمر ولاية المسلمين قال لهم رضي الله عنه: من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليذكرني، فقام إليه بلال أو سلمان فقال: لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا؛ فقال: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا رأي فيّ اعوجاجاً قومني بسيفه.
وأثناء حكمه بدأ الناس يغالون فى المهور، فأراد عمر أن يرحم المسلمين بأن يحدد المهور؛ فراجعته أمرأة فى المسجد على الملأ أثناء خطبته وحاججته بكتاب الله، فقال: أصابت إمرأة وأخطأ عمر.
واوقفته خولة بنت ثعلبة فى الطريق أثناء خلافته، وهى عجوز مسنَّة وهو على حمارٍه، والناس حوله يعجبون من صبره إذ أوقفته طويلاً ووعظته قائلة: يا عمرُ، قد كنت تدعى عُمَيراً، ثم قيل: عمر، ثم قيل: أمير المؤمنين، فاتَّقِ اللـه يا عمر!!، وأطالت واشتدت عليه!! فسمع كلامها وأنصت ولم يتململ حتى انتهت!
وسأل رجلٌ عليًّا رضي الله عنه فأجابه، فردَّ الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا؛ فقال علىٌ:
{ أصبتَ وأخطأتُ، وفوق كل ذي علم عليم }.
وكان الناس لا يتنازلون عن كرامتهم وعزَّتهم التى أعزَّهم الله بها لأحد - ولا حتى الحاكم - إن إنتقصهم أو قلل من شأنهم، وخذوا أمثلة:
{ روى أن عمر رضى الله عنه قال لطليحة الأسدي: قتلت عكاشة فقلبي لا يحبُّك أبداً!، قال: فما عشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون على البغضاء}.
أى لا يمنعك ما تعرفه عنى من أن تلقانى بالعشرة الجميلة! فلا داع إذاً لقولك أنك تبغضنى لأن الناس يتعاشرون بالحسن وفى القلوب ما فيها.
{ وقال الوليد وهو الخليفة لرجل: إني أبغضك!، فردَّ الرجل: إنما تجزع النساء من فقد المحبة، ولكن عدل وإنصاف يا أمير المؤمنين }.
أى أنت وشأنك، لأنه لا يهتم لما تقول إلا النساء، وأنا أذكرك بالعدل والإنصاف، فهما حقى عليك مهما تكرهنى!..
هل رأيتم كيف كان اعتزاز الناس العاديين بكرامتهم وبعزتهم، ولا يتنازلون عنها لحكامهم الأشداء ولا أمرائهم الأقوياء؟!.
بل بلغ من فقه الحكام لتساويهم فى العزَّة والمقام الإنسانى مع المحكومين - أن عليًّا وهو أمير للمؤمنين غضب من القاضى شريح لمَّا كنَّاه بأبى الحسن ولم يفعل بخصمه وهما فى جلسة القضاء! فالكل يلزم حدوده ولا يتعداها إلى حدود الغير وحقوقه، والكل يعلم يقيناً أنهم متساوون بعزة الإسلام، لا سواه!!.
وقال ابن أبي الحواري لأبي سليمان: إن فلاناً لا يقع من قلبي. فقال: ولا من قلبي، ولكنا لعلنا أتينا من قبل أنه ليس فينا خير فلسنا نحب الصالحين، أى أنه عاد باللائمة على نفسه ولم يسمع لحديث النفس أو الإشاعات فى فلان هذا، بل جبر غيبته، وفضَّل حسن الظنِّ فيه على سوء الظن! ، وهكذا كانت البطانة التى تعين على الخير وتحذِّر من الشَّرِّ.
ولمَّا بلغ السيل الزبى إنفجر البركان!
لكن فى بلادنا فى الفترة الماضية فى مصر وبعد ثورة 1952، ومع الأحداث التى تلتها بكل ما فيها من مثالب وعيوب، وتوالى السير على هذا المنهاج المعيب والبعيد عن روح الدين فى أغلب مجالات الحياة من الحكام والمحكومين، ركبت فى النفوس الذل والخنوع والنفاق، وظهر النفاق بكل أنواعه وأشكاله، وتوالى ظهور العيوب الأخرى - من الأنانية والمصلحة الذاتية - وصار أغلب الناس عيوناً والكلُّ يلهث وراء اللقمة، ويبتغى التقرب للسلطة! والعزَّ بعزِّها والإنتفاع من ورائها! ورائدهم الخنوع والنفاقّ!، والمصلحة الخاصة، ولتذهب المثل والأخلاق إلى حيث شاءت!!!
ولذلك كنت دائماً ما أقول لإخوانى: بنو إسرائيل لما طلب منهم موسى عليه السلام دخول بيت المقدس قالوا له - كما حكى ربُّنا:
( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ( 24المائدة)
ذلك لأنهم تعودوا على الذل والخنوع عند فرعون، فتَوَّههم الله فى صحراء سيناء أربعين سنة عقاباً لهم، إلى أن ذهب جيلهم وجاء جيل جديد ليس عنده الخسف ولا الذل ولا العبودية فدخلوا.
كذلك نحن لنا أكثر من أربعين إلى ستين سنة ولا يوجد تغيير!! هذا لأن الجيل الذى تربى فى هذه النظم هو سبب كل المشاكل، الخسف والذل والنفاق والرشاوى والخداع والمصالح الشخصية والأنانية البحتة! والأشياء التى شاهدناها ونعرفها، كل ذلك بسبب التربية الخاطئة التى تربت فيهم وترعرعت عبر تلك السنوات، وتوارثوها جيلاً بعد جيل!
لكن أراد الله عزَّ وجلَّ ولا رادَّ لفعله .... ودخل اليهود فلسطين وحدث ما حدث، وإن كانت هناك حكم إلهية فى كل شيء كما قلنا!، ولكنهم لم يتمكنوا من دخولها والإستيلاء على أراضيها إلا لأن الملوك والأمراء العرب خانوا القضية، والكثيرين باعوا الأراضى لليهود تحت إغراء المال أو الخوف من عصابات اليهود، وأيامها أصدر الإمام أبو العزائم فتوى شهيرة فى العالم الإسلامى عرفت بفتيا: " تحريم الدين لبيع أراضى فلسطين"، ولكن حدث ما حدث وتوالت الأيام والسنون!!
وفى النهاية أصبح هؤلاء - أو أصبح هذا الصنف الذى له مقاليد الأمور - أصبح هذا الصنف لا ينفع له أن يحرر هذه الأرض، إذاً ماذا سيحدث؟
لابد من التغيير لكى يأتى وعد الله! لابد أن تتفجر براكين فى كل البلاد العربية تُزيل كل التيجان وتأتى روح أخرى نقية إسلامية، وهى التى تتجهز لتحرير فلسطين إن شاء الله، ويقول فى ذلك الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
جاس أعداء السلام ديارنا
كيف هذا الحرب شيطان الرهان

بعد هذا فانفجار براكن
تسلب التيجان فى كل مكان

دولة المستضعفين ضياؤها
قد يعمُّ الخافقين بها الأمان

دولة الظلم تزول وتنتهى
دولة الحقِّ تجدد بالقرآن

أعداء السلام هم اليهود، لأنهم لا يحبون السلام فى أى مكان فى العالم.
والبراكن هى الثورات،
والثورات قد بدأت وستسلب التيجان فى كل مكان!
وقد قام العرب بعمل مظاهرات تؤيد المصريين لثورتهم، لأن الكل كان يعتقد أنه لن يزول النظام إلا بانقلاب عسكرى، وهؤلاء كانوا يعتقدون أن معهم الجيش والشرطة ولن يستطيع أحد أن يزيلهم، فلمَّا رأى العرب ما فعله المصريون - ومن قبلهم أهل تونس - أصبح طريقهم سهلاً، وتابعوهم دولة بعد أخرى، وكلنا نتابع ما يحدث وما يظهر من الغيوب والأقدار!
وقال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه فى قصيدة أخرى:
رجفة زلزلت عروشاً بشرق
تُحى ما مات من ظلوم الريب

فيه ذكرى للشرق عود لبدء
من مياه الرومى لبحر الجذب

كل تاج يخفى بإشراق نور
وبشرق يُمحى ظلام الغرب

كل التيجان والممالك التى بنيت على باطل لابد أن تُمحى، كل ما بنى على الفردية والأنانية والديكتاتورية لابد أن يزول، ويعود للإسلام الحقِّ ملكه.
وهل الإسلام فيه مَلك إلا الله عزَّ وجلَّ ؟! فكل من يعتبر الدولة ملكه الخاص يوزعها كيفما شاء، على من يشاء! فقد ابتعد عن منهج الإسلام الحق فى حكم الناس بما شرع الله وسنَّ رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك أذكر فى هذا المقام أنى كنت أتحدث مع مولانا الشيخ محمد على سلامة رضي الله عنه، وكان أيامها لا حول لنا ولا طول فى الدولة، لأنها دولة بوليسية ومتجهة للتوريث ... فسألناه رضي الله عنه عن التوريث، فقال: "لن يحدث ذلك فى مصر أبداً!"، ولذلك كنت أتعجب منذ فترة لهذا القول لأنى أعلم أنه لا يقول إلا حقاً، وكان التوريث وشيكاً!! حتى جاء فعل الله بقدرة الله! وتغيرت الأمور بين عشية وضحاها! ....
النموذج التركى
الغريب فى قول الإمام أبو العزائم أنه ذكر شيئاً! كنا فى حيرة منه كيف سيتحقق؟! والآن نراه يتحقق، كيف ذلك؟ قال أبو العزائم رضي الله عنه:
فى بلاد الأتراك يسرى ساطعٌ
يوقظ النوَّام ريح المكسب

وقال:
كوكب الترك قائدٌ وإمام
يجمع المسلمين باسترحام

فكنا نقول كيف ستكون تركيا قائد وإمام؟!
رأينا الآن أن النموذج الإقتصادى فى الكتلة الشرقية فشل، والنموذج الرأسمالى فى الغرب فشل، والنظام الوحيد الآن الذى أصبح نظاماً ناجحاً والقائم به مسلمون هو النظام التركى، فتركيا الآن تعتبر رابع قوة اقتصادية فى العالم، والقائم بذلك حزب اسلامى، ليس لهم شأن بالشعارات ولا الشكليات مثل الذى يحدث عندنا، لكن كل الموضوع تنمية، والآن بعد ثورة تونس أعلن القائمون هناك أنهم سيأخذون النظام التركى السياسى والاقتصادى، وفى مصر قالوا: أنهم أيضاً على الأرجح سيأخذون النظام التركى، فيكون رئيس الجمهورية رئيساً شرفياً، والقائم بالحكم هو رئيس الوزراء تحت مساءلة البرلمان، والنظام الاقتصادى هو النظام التركى وهو نظام إسلامى.
والموارد البشرية والعقلية اللازمة لهذه التنمية غنية جداً ومتوافرة عندنا جداً .. فمثلاً الذى قام بالمساهمة بقوة لعمل النظام الاقتصادى التركى هو وزير المالية المصرى الحالى د.سمير رضوان، وهو أيضاً من قام بإرساء أسس عمل النظام الاقتصادى فى جنوب أفريقيا ...، وأيضاً الدكتور أحمد زويل ذهب إلى كندا وسأل عن منفذ النظام التعليمى عندهم، فوجدهم الكثير من المصريين .. ناهيك عن العقول الهائلة المهاجرة والتى ساهمت مساهمات فعالة جداً وأساسية فى نهضة أكبر بلدان العالم!
فعندنا موارد لا عدَّ ولا حدَّ لها، فالموارد التى عندنا أضعاف ما عند تركيا بسبع أو ثمانى مرات!! وخمسين مرة قدر ما عند كوريا الجنوبية!!
فما الذى يمنعنا إذاً من النهضة المنشودة؟
بداية أحداث النهاية
وأحداث النهاية فى أيامنا لها بداية! والبداية بدأت منذ سنين عدة!! منذ استيلاء اليهود على فلسطين!! كيف ذلك؟!!
إن الله تعالى قدَّر أن هلاك اليهود يكون فى النهاية! فكيف يمكن ذلك وهم مشردون فى جميع أنحاء الدنيا؟ فصار ما صار من الأحداث التى تعرفونها جميعاً - وجعل الله هذه الفترة الماضية منذ وعد بلفور ثم إستيلائهم على فلسطين ثم بعد ذلك الضفة وغزة! لماذا ؟ - حتى يتجمعوا فى فلسطين من جميع أنحاء الدنيا! ... لأن الله قرر الحكم:
(فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ) (104الإسراء)
أى إذا جاء وعد الآخرة، وأذن الله بالنهاية، أحضرناكم من قبائل وجماعات شتى، بألسنة شتى، وثقافات متباعدة لا تعرفون بعضكم، إلى حيث تلقون الوعد!. فهم قد نفذوا الخطة الموضوعة لهم بعد أن تشرذموا فى الأرض وتفرقوا فى ربوعها!
والمتبصر فى عجائب أقدار الله يعلم أنهم لم يكن ليجتمعوا جميعاً فى مكان واحد إلا بتشرذمهم أولاً فى جميع البلاد!، لماذا؟
لأنهم بتقطعهم وتشرُّدهم وتشرْذمهم فى البلاد شعروا بضعفهم، فاختطوا لنفسهم خطة واحدة، حيث ذهبوا أن يكونوا أقوياء بالمال والمادة وبالنساء وبالمؤامرات، وبأى خطة تمكنهم من أن تقوى شوكتهم! ويتحكموا فى أهل السلطة والقرار! وقد بسطنا ذلك فى بحثنا جيداً.
ولذا لم يذوبوا أبداً فى الناس حيث حلُّوا! وإنما إنغلقوا على أنفسهم، وصنعوا لهم مجتمعات مغلقة محدودة محرَّمة على غيرهم واشتغلوا بالمال وتجارة الجنس، فصاروا معروفين فى كل مكان أنهم أهل الربا والبخل، وأهل المؤامرات والجنس! مع استباحة جميع أنواع الشرور، فكل ما عدا اليهودى مباحٌ له!
ومن هنا ضجت الناس منهم وذاقت على أيديهم الأمرَّين فى كل بلاد الدنيا! وتمنت جميع الشعوب أن يرحلوا عنهم ويتخلصوا منهم بأية وسيلة! فلما كان وعد بلفور، أيدت قوى العالم إنشاء دولتهم فى فلسطين ليتخلصوا منهم ويبعدوا شرورهم عنهم! وفى الحقيقة فهم ينفذون خطة النهاية المرسومة!
وصبُّوا فى مكان واحد فسكنوه وأطلقوا عليه إسماً عجيباً!! أتعرفون لماذا؟لأن اليهود أنفسهم أسموا هذا المكان بما أخبر به الله عنه! هم أسموا فلسطين "أرض الموعد، أو أرض الميعاد" ! وفى القرآن:
(وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) (الآية 104الإسراء))،
ينفذون الأقدار المكتوبة بالحرف!
بل ولكى أزيد لكم الأمر إيضاحاً؛ كيف ينفذون الوعد الإلهى المرسوم لهم بأيديهم وبأنفسهم! وكما أخبر القرآن . قصة الجدار الفاصل!
كلكم يعرف موضوع الجدار الفاصل، أو السور الحاجز الذى يبنونه حول المناطق الفلسطينية ليعزلوها ليحموا أنفسهم، وهو موضوع كانوا يتناقشون فيه بعد إحتلال فلسطين بمدة قصيرة! ولكن كانوا يؤجلونه ولا يشرعون فى تنفيذه، حتى ضاق عليهم الخناق ولم يجدوا بداً من تنفيذه الآن! مرغمين!
لماذا؟ لأنهم - وعلى رأسهم علماء الدين عندهم - يعلمون أنهم ببناء هذا السور أو الجدار يؤكدون ما حكاه الله عنهم فى القرآن أنهم سيجعلون أنفسهم فى قرى محصنة ومن وراء الجدر!، وبذلك يتمون إظهار الآية واضحة جلية، وإثبات أنهم (قومٌ لا يعقلون)! لأنهم ينفذون كلام الله عنهم ولن يفيدهم أو يحميهم، فالوعد آتٍ أت .. فى أرض الوعد!!، يقول الله:
(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ) (14الحشر)
المراحل قبل الأخيرة!
والآن نحن فى المراحل قبل الأخيرة ... كيف؟ ما يحدث فى العالم العربى الآن فكلُّه مبشرات بأن كل الأنظمة البالية والفاسدة والتى كانت تحمى اليهود ستنتهى وتتحد الأُمة العربية كشعوب .
وستحيا هذه الشعوب وتنهض، فعندها كل المقومات اللازمة - وأكثر بكثير جداً مما عند أوروبا مثلاً! وإنما المانع هم الحكام أنفسهم؛ فعندما يزولون .. فما الذى يمنعنا من ذلك؟ فتبدأ الدول العربية فى النهوض ... ثم بعد نهوض الدول العربية تحدث حرب النهاية!
حرب النهــــــاية!
هى الحرب التى لا بد منها!
وهى التى تنبأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوضحها، وهى الحرب العالمية الأخيرة، وهى التى ذكرها الله تعالى فى كتابه الكريم فى سورة الدخان ... إذ يقول الحق جلَّ جلاله:
(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ . أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ . إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ. يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (10: 16الدخان)
والآن هم جاهزون، فروسيا جهزت صواريخها، والصندوق الصغير الذى سيطلق كل هذه الصواريخ موجود مع رئيسهم، وأمريكا كذلك، فتحدث حرب بين الاثنين، وفى هذه الفترة من سيدافع عن اسرائيل؟
لا يوجد أحد!، والعرب لم يعد فيهم خيانة لأن ملوكهم ذهبوا، فينزل العرب على اليهود فتأخذهم الوهلة، ومن شدة الوهلة لا يستطيعون استخدام أسلحتهم حتى الذرية، فيحصل فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّـى يُقَاتِلَ الـمُسْلِـمُونَ الْـيَهُودَ فَـيَقْتُلُهُمُ الـمُسْلِـمُونَ حَتَّـى يَخْتَبِىءَ الْـيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الـحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَـيَقُولُ الـحَجَرُ أوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِـمُ يَا عَبْدَ الله، هذا يَهُودِيٌّ خَـلْفِـي فَتَعَالَ فَـاقْتُلْهُ، إِلاَّ الْغَرْقَد فَـإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْـيَهُودِ }
عباد الله أولو البأس شديد
ولكن ما صفة هؤلاء الذين يقاتلون اليهود؟
أو لنقل إذاً فى النهاية مَن سينتصر على اليهود؟ أخبر الله عنهم فى كتابه العزيز ! فكما سماهم الحبيب "المسلم عبدالله!".. أسماهم الله.. "عباداً لنا".. أى عباد الله! وأضاف ذوى بأس شديد!
(بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) (5الإسراء)
لابد أن يكونوا عباداً لله وصفتهم أن بأسهم شديد، ومتى سيحدث ذلك؟ قال فى ذلك الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
يوم يصغى كل مؤمن
لصوت المؤذن فوق منار

اللحظة التى ستجد فيها المسلمين عندما يسمعون صوت المؤذن يترك الكل ما فى يده ويذهب للصلاة، فاعلم أن الموضوع قد قرب، لماذا؟
لأن هذا الصنف من المسلمين هم الذين معهم تأييد ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، وهم الذين معهم البأس الشديد والقلب الحديد الذى يصلح ليوم الوعد والوعيد! والحمد لله النهضة الدينية تتفاعل بشدة هذه الأيام!
فبنو إسرائيل أو نسلهم من اليهود :
- قد جاءوا لفيفاً من كل فج وسكنوا فلسطين، وأسموها أرض الميعاد، وأفسدوا فيها وفى الأرض كلها، وعلوا وبنوا وتجبروا!.
- قد بنوا الجدار الفاصل وصاروا فى سجن كبير!
- ثم ملؤا فلسطين بشجر الغرقد، وصحيح أنه مفيد ولكنها النبؤة فهم يعرفون أنه متشابك ولن يدلَّ عليهم! فزرعوه فى كل مكان بفلسطين، ومستوطنات اليهود مليئة به.
وعندها تحدث الحرب! فينطق الله الحجر والشجر! لمن هو بالفعل عبدٌ لله وليس عبداً للقائد أو المال وغيره، وتكون هذه هى نهاية اليهود!
ونطق الحجر والشجر ربما لن يكون نطقاً بلسان وربما يكون إخباراً بآلة أو أداة أو أى وسيلة نعرفها أو لا نعرفها، لأنهم عباد لله ذوى بأس شديد، وربما كان من آيات بأسهم أستنطاق الحجر أو الشجر أو الرؤية من خلالها بما يخلق الله من الآيات والأدوات! وإن أبسط الأجهزة والآلات التى نستخدمها اليوم هى لمن سبقنا - بمئات السنين فقط! - فوق كل صنوف السحر وتسخير الجن وفوق كل خيالهم! والله يخلق ما يشاء!.
وأختم لكم تلك الأخبار بتفسير - لكى تفهموا واقع اليهود بالنسبة للعالم - أعطيكم مثالاً يسيراً ..أسوأ شئ فى الإنسان يمنعه عن الفضل الإلهى والنور الربانى وعمل الصالحات هى النفس! وأفضل شيىء فيه يقربه لله هو القلب!
وقياساً على هذا المثال: فالعالم كلُّه هو الجسم، وقلب هذا الجسم هم المسلمون، ونفس هذا الجسم هم اليهود!. ولذلك إبحث عن أى شرٍّ فى أى مكان فى العالم تجد وراءه اليهود!
معهم مصانع الأسلحة، ومعهم البنوك، ومعهم فتنة النساء، ومعهم الإعلام، ويسيطرون على أمريكا وأوروبا والمحافل الدولية، ويلعبون بدول العالم الكبرى وقادتها وساستها وصناع القرار ومراكز المال فيها كما يشاؤون!!! ولذلك هم وراء أى مصيبة فى العالم بلا جدال! ولو انتهت هذه النفس فإن الإنسان سيعيش فى جمال خالص، وعندها فسيأذن الله عزَّ وجلَّ بهلاك اليهود، وسيُقبرون فى فلسطين أرض موعدهم ووعد هلاكهم! ويأتى بعد ذلك حديث النبى صلى الله عليه وسلم:
{ طُوبَى لِعَيْشٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ ( أى: بعد هلاك اليهود)، يُؤْذَنُ لَلسَّمَاءِ فِي الْقَطْرِ، وَلِلأَرْضِ فِي النَّبَاتِ، فَلَوْ بُذِرَتْ حَبَّةٌ عَلَى الصَّفَا لَنَبَتَتْ، وَلاَ تَبَاغُضَ وَلاَ تَحَاسُدَ، حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الأَسَدِ فَلاَ يَضُرُّهُ، وَيَطَأَ عَلَى الْحَيَّةِ فَلاَ تَضُرُّهُ } ، { وَتُرَدُّ إِلى الأَرْضِ بَرَكَتُهَا، حَتَّى إِنَّ الْعِصَابَةَ لمجْتَمِعُونَ فِي الْعُنْقُودِ وَعَلى الرُّمَّانَةِ، وَيُنْزَعُ مِنْ كُل ذَاتِ حِمَّةٍ حِمَّتُهَا ـ يَعْني سُمَّهَا ـ حَتَّى إِنَّ الْحَيَّةَ تَكُونُ مَعَ الصَّبي وَالأَسَدَ وَالْبَقَرَةَ لاَ تَضُرُّهُ شَيْئاً، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحاً طَيبَةً تَقْبِضُ رُوحَ كُل مُؤْمِنٍ، وَيَبقى شَرُّ النَّاسِ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ }
تُنزع من كل ذى حمة حمتها – كل الأشياء السامة ينزع منها السم كالثعابين والعقارب، وهذه الأشياء موجودة حتى تؤذى غير المؤمنين أو المؤمنين المستهترين البعيدين عن ربِّ العالمين، فإذا انتهى هؤلاء فيُنزع السم – هذه الحياة هى التى ستكون جمال فى جمال ولكن بعد هلاك اليهود، فالذى يحدث الآن هو عبارة عن تجهيز لهذا الأمر، ليقضى الله أمراً كان مفعولا.
علامات الساعة
وحتى لا يقول لنا أحد وأين علامات الساعة وعلامات القيامة من أحداث النهاية؟! أقول - وقد كررت كلامى هذا بمحافل عدة: إن علامات الساعة قد ظهر أغلبها؛ من الدابة التى تكلِّم الناس، فقد أجمع الكثير من العلماء على أنها الراديو والتليفون وجميع الأجهزة الناطقة التى تصنع من مواد ومصنوعات استخرجت من الأرض!
والمسيخ الدجال إنما هو شخصٌ معنوى، وهو الحضارة الغربية والأمريكية العوراء والتى تدخل مَنْ آمن بها جنتهم، أى: معوناتهم وعطاياهم! ويذيقون مَنْ كفروا بهم نار مقاطعتهم وحروبهم وويلاتهم!. وقال الكثير من العلماء: أن طلوع الشمس من مغربها هو أن العالم كلَّه وشمس حضارته وقبلته صارت الغرب بعد أن كانت إلى الشرق! أما الذين ينتظرون أن يختل نظام الجاذبية أو حركة الكواكب ودورانها وتتخبط الأفلاك!! فماذا يفيدهم ذلك عندما يرونه بأعينهم يوم ينسف الله الجبال نسفاً؟!!!.
وعودوا لكل أحاديث النبى العدنان فى الفتن وعلامات الساعة،
فلا يكاد يوجد باقٍ لم يتحقق منها إلا النذر اليسير! وقد انحسر الفرات عن نهر الذهب (البترول الذى هو سبب حرب الخليج!) وتقاتل الناس ومات مئات الألاف، وأشتعلت نيرانٌ هناك شهوراً لم يظهر مثلها من قبل فى التاريخ! وذلك عندما اشتعلت آبار البترول وأظلمت السماء ليلاً ونهاراً بسحابات الدخان الأسود شهوراً! وظهر غيره كثير ولم يبق تقريباً إلا حرب النهاية! وهلاك اليهود! ونزول عيسى عليه السلام!، وهى علامات قد اقترب أجلهأ وأزف ميعادها!
نصيحة أخيرة
راعوا وقتكم .. واحتضنوا شبابكم!
وفى النهاية أريد أن أقول لكم كلمتين:
النصيحة الأولى لإخوانى ...
ماذا بقى من العمر؟ وماذا بقى من الدنيا؟ وقتكم ثمين جداً جداً! فلا تضيعوا ما بقى! أريد من إخوانى ألا ينشغلوا بتحصيل الأخبار الحادثة هذه الأيام أكثر من اللازم! لأن هذه الأخبار تستطيع أن تُحصلها فى ساعة من الراديو أو التليفزيون، أو من صحيفة، لكن لا أقرأ كل الصحف، وأتابع جميع الفضائيات أو الإذاعات! لأننا هذه الأيام نجد كثيراً من الناس يتابعون كل البرامج الإخبارية ويشتغلون بها، ويقرأون جميع الصحف! يجب ألا تُشغل بهذه الأمور إلا إلى الحد الضرورى الذى يكفينى لأكون متابعاً للأحداث وكفى!.
نعم يجب ألا نكون سلبيين، ويكون لنا رأى، ونشارك فيما يطلب من الشؤون والإنتخابات وغيرها، ولكن لا تضيِّع وقتك فيما لا يفيد! اجعل أكبر شغلك بالله، اعرف ما لابد لك منه من الأخبار، ثم اشغل وقتك بذكر الله، أو قراءة كتاب الله، أو ما ينفعك أنت وأولادك، لأن هذه الأمور هى المطلوبة من المؤمن، احذر أن يشغلك أى شئ فى الدنيا عن برنامجك مع الله عزَّ وجلَّ، وإلا متى تقرأ كتاب الله؟!
افعل كما كان يفعل الصالحين، كان الإمام علىّ رضي الله عنه يقول: (لو ضاع عنى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله عزَّ وجلَّ ). إجعل أكبر شغلك بالله، ولا تشغل نفسك بمجادلات ومناظرات أو مهاترات فى علامات الساعة وأحاديث الفتن والنهاية!. يكفينا ما قلَّ ودل - كما بينت لكم، واجعل شغلك بكتاب الله وما ينفع!، فعندما تقرأ كتاب الله فإنك سوف تقرأ الأخبار العاجلة النازلة فى صحف مطهرة وليست صحف مزورة:
(كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ. كِتَابٌ مَّرْقُومٌ . يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) (18: 21المطففين)
شبابنا يرى النت، وهؤلاء يروا روح القدس الأعلى الذى ينشر الأخبار على كل وسائل الإعلام الظاهرة والباطنة، لماذا؟ لأنه من كتاب الله عزَّ وجلَّ.
والنصيحة الثانية: هى أمر آخر أريده من إخوانى، وهو: أن يحتضنوا الشباب - وقد سبق وقلت ذلك من قبل - وطلبت منهم أن يفسحوا المجال للشباب، ويعطونهم دوراً لممارسة نشاطهم، وما عليكم إلا التوجيه، لأن الشباب هو الأصلح، ومعه التكنولوجيا العصرية الحديثة التى تُسير الأمور، وأنت سترتاح ويكفيك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ الدَّالُ على الخَيْرِ كفَاعِلِهِ }
فكونك قد وجَّهت فقد حصلت على الأجر! لكننا نحتاج فى هذه الظروف للشباب، لأن أكبر المشاكل فى مجتمعنا أنك تجد الرجل فى وادى وأولاده فى واد آخر! كيف ذلك؟ ولماذا؟
لماذا لا يحتضن الرجل أولاده ويكونون كبار مستشاريه؟!! ويكون هو الرجل الحكيم الذى يلجؤون إليه فى المشورة بدلاً من أصدقائهم أو رفقاء السوء أو على النت والشات!
إذاً يجب أن نحتضن الشباب ونوجِّهه! وهذه نصيحة عالية وغالية!، فلنفعل كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخذوا مثالين فقط:
- ولَّى رسول الله على الجيش الذاهب لبلاد الروم أسامة بن زيد وكان عنده سبعة عشر عاماً، وكان تحت قيادته أبو بكر وعمر!!
- ولما فتح رسول الله مكة اختار شاباً اسمه عتَّاب بن أسيد وكان عمره سبعة عشر عاماً وولَّاه على مكة رغم وجود عتاولة مكة!
لماذا فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه صلى الله عليه وسلم قال:
{ أوصيكم بالشبان خيراً (ثلاثاً)، فإنهم أرق أفئدة، ألا وإن الله أرسلني شاهداً ومبشراً ونذيراً، فخالصني (فحالفنى) الشبان، وخالفني الشيوخ}.
فالعمل يحتاج إلى القوة الجسمانية مع القوة العقلية مع القوة الإيمانية - وهذا فى الشباب، وفى عصرنا نحتاج أيضاً إلى القوة التكنولوجية وهى أيضاً فى الشباب، إذاً أطلب من الإخوان ألا ينشغلوا بهذه الأمور، وأبشروا فهذه هى بداية الخير للعرب أجمعين، وهذا هو التأهيل لنهاية اليهود فى فلسطين، وما علينا فى الوقت الحالى إلا كما قال الإمام أبو العزائم رضي الله عن :
وهذا جمال الصدق فى نصرة الهدى
وأيام أهل العزم أين المصدق

فالذى سينجينا الآن: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ ) [61الزمر]
بالصدق، فيجب أن نصدق مع الله حتى ينجِّينا الله عزَّ وجلَّ من أى نكسة أو ورطة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتاب: الشهداء في الإسلام

كتاب
الشهداء فى الإسلام
الفصل الأول
مفهوم الشهيد فى الإسلام

الفصل الثانى
أوصــــــاف الشـــــــهداء
أنواع الشــــهداء
خصائص الشـــــهداء

كتاب
الشهداء فى الإسلام
لماذا اخترنا هذا الموضوع الآن ؟
إخوانى المؤمنين: إننا الآن فى حاجة ملحة لإصلاح العديد من المفاهيم، والذى منها موضوع هذا الكتاب أو الكتيب، فإن الكثير من شباب المسلمين والغيورين على دينهم والراغبين فى نوال الدرجات العلا - الكثيرين منهم يظنون أنه لابد من الحرب والقتال والجهاد بالسنان لنيل المنازل العلا فى الجنان التى أعدها الله للشهداء. وهذا هو الذي يحتاج إلى تصحيح، إن الشهادة فى سبيل الله من المنازل العالية التى خص الله تعالى هذه الأمة ببركة حبيبه صلى الله عليه وسلم، فجعل لها من الأبواب ما يستعصى على الحصر، وما هذا إلا بحبِّه ص صلى الله عليه وسلم لأمته، وفتحه لأبواب نيل المنازل العالية على مصراعها. وليس الموت فى الحرب أو الشهادة بالقتل فى ميدان الوغى إلا واحدة منها. فهيا بنا لنصحح هذا المفهوم ولنرى معاً ....
الفصل الأول: مفهوم الشهيد فى الإسلام
هل هو المقتول فى الحرب أوفى سبيل الله وفقط؟
لا، بل هناك كثيرون!! منهم على سبيل المثال: المقتول فى سبيل الله، المصاب بالطاعون، الغريق، المبطون، النفساء. وكان مما قاله صلى الله عليه وسلم فى ذلك :
{ أَتَعْلَمِينَ مِنَ الشَّهِيدُ؟ الْقَتْلُ فِي سَبِيل اللهِ شَهَادَةٌ، وَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ، وَالْغَرَقُ شَهَادَةٌ، وَالْبَطْنُ شَهَادَةٌ، وَالنُّفَسَاءُ يَجُرُّهَا وَلَدُهَا بِسَرَرِهِ إلى الْجَنَّةِ }
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن فى القتل شهادة، وفى الطاعون شهادة، وفى البطن شهادة، وفى الغرق شهادة، وفى النفساء يقتلها ولدها جمعا شهادة، و قَالَ أيضاً:
{ مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ إنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إذاً لَقَلِيلٌ» قَالُوا: فَمَنْ هُمْ؟ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ } .
وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
{ يٌّأتِي الشُّهَدَاءُ والمُتَوَفَّوْنَ بالطَّاعُونِ فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ: نَحْنُ شُهَدَاءُ، فَيُقَالُ انْظُرُوا، فِانَّ جِرَاحَتَهُمْ كجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ، تَسِيلُ دَماً كَرِيحِ المِسْكِ، فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ }.
وشرح هذا الحديث أنه يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا فى الذين يتوفون من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقضى الله بينهم فيقول ربنا: انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراحهم جراح المقتولين فإنهم منهم ومعهم؛ فينظرون إلى جراح المطعونين فإذا جراحهم قد أشبهت جراح الشهداء فيلحقون بهم. ومنهم : المصاب بالحريق، من مات تحت الهدم ، المصاب بذات الجنب، وعن هؤلاء إضافة إلى ما سبق يقول عليه الصلاة والسلام:
{ إنَّ الطَّعْنَ شَهَادَةٌ، وَالْبَطْنَ شَهَادَةٌ، وَالطَّاعُونَ وَالنُّفَسَاءَ بِجِمْعٍ شَهَادَةٌ، وَالْحَرْقَ شَهَادَةٌ، وَالْغَرَقَ وَالْهَدْمَ شَهَادَةٌ، وَذَاتَ الْجَنْبِ شَهَادَةٌ }
وقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم على سبيل البيان لا الحصر:
{ الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ في سَبِيلِ الله: المَطعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالمَرْأةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدةٌ (أى النفساء أو التى تلد، وقيل: والحامل) }
ومنهم المتصدى للإمام الجائر، وعنه يقول عليه الصلاة والسلام:
{ أَكْرَمُ الشُّهَدَاءِ عَلى اللهِ رَجُلٌ قَامَ إلى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ، وَأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابَاً رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَ رَجُلاً أَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ، قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مَائَةُ رَجُلٍ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مِنْ عُبَّادِ بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعَاً }
- ومنهم المائد فى البحر الذى يصيبه القيء، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِيقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ }.
ومنهم من مات زائراً البيت الحرام، أو من مات زائراً المسجد النبوى، أو من مات زائراً بيت المقدس، وعنهم يقول صلى الله عليه وسلم:
{ قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: مَنْ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَوْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِي، أَوْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيداً }
- ومنهم من طلب الشهادة صادقا، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ طَلَبَ الشَّهادَةَ صَادِقاً أُعْطِيها ولَوْ لَـمْ تُصِبْهُ }
- ومنهم من جرح فى سبيل الله، ومن سأل الله القتل فى سبيله صادقا من نفسه ثم مات أو قتل، وعنهم يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله فُوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ سَألَ الله الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً ثُمَّ مَاتَ أوْ قُتِلَ فإنَّ لَهُ أجْرُ شَهِيدٍ ـ زَادَ ابنُ المُصَفَّى مِنْ هُنَا ـ وَمَنْ جُرِحَ جَرْحاً في سَبِيلِ الله، أوْ نُكِبَ نَكْبةً، فإنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأغْزَرَ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا رِيحُ المِسْكِ، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ في سَبِيلِ الله عَزَّوَجَلَّ فإنَّ عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ }
- ومنهم من قال فيهم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ }
- ومنهم من أخذ حق ماله فقاتل فقتل، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ أُخِذَ حَقُّ مَالِهِ فَقَاتَلَ فقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ }
- ومنهم المؤذن المحتسب، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ المؤذِّنُ المحتَسِبُ كالشَّهيدِ يتشحَّطُ في دَمِهِ حتى يَفرغَ مِنْ أَذانِهِ، ويَشْهدُ لَهُ كلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، وإِنْ ماتَ لم يُدَوِّدْ في قَبْرِهِ }
- ومنهم من أعان مسلما ، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ أَعَانَ مُسْلِماً بِكَلِمَةٍ، أَوْ مَشَى لَهُ خُطْوَةً، حَشَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ آمِناً وَأَعْطَاهُ عَلَى ذلِكَ أَجْرَ سَبْعِينَ شَهِيداً قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ }
من جلب طعاما إلى بلد من بلاد المسلمين، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ جَلَبَ طَعَاماً إِلَى مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَـهِيدٍ }
- ومنهم من رد عادية ماء أو عادية نار حتى ولو لم يقتل فى سبيل ذلك، بل يكفيه أنه تشجَّع ودفع شر الماء أو النار ( هجمة ماء من نحو سيل ماء من بحر أو نهر أو بئر أو مطر ، أو نار من أينما جاءت):
{ مَنْ رَدَّ عَادِيَةَ مَاءٍ، أَوْ عَادِيَةَ نَارٍ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ }
- ومنهم من مات يوم الجمعة أو ليلتها ، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَجِيرَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ }.
- ومنهم من قرأ ألف آية فى سبيل الله ، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيةٍ في سَبِيلِ الله كُتِبَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ النَّبيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً }
- ومنهم من خرج به خراج فى سبيل الله، وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ }
- ومنهم من قرأ آخر سورة الحشر فمات من ليلته،وعنه يقول صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ قَرَأَ آخِرَ سُورَةِ الْحَشْرِ: (لَوْ أَنْزَلْنَا هذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ) ... إِلَى آخِرِهَا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيداً }
- ومنهم من قرأ فى إثر وضوئه (( إنا أنزلناه فى ليلة القدر )) مرتين :
{ مَنْ قَرَأَ فِي إِثْرِ وُضُوئِهِ: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنَ الصديقِينَ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كَانَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلاَثَاً حَشَرَهُ اللَّهُ مَحْشَرَ الأَنْبِيَاءِ }
- ومنهم من طلب العلم كبيراً:
{ مَنْ لَمْ يَطْلُبِ الْعِلْمَ صَغِيراً فَطَلَبَهُ كَبِيراً فَمَاتَ مَاتَ شَهِيداً }.
من حافظ على قراءة آية الكرسى دبر كل صلاة وعن ذلك يقول صلى الله عليه وسلم :
{ من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسى حُفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يُحافظ عليها إلا نبى أو صديق أو شهيد } ، وقوله:
{ مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِي دُبُرَ كُل صَلاَةٍ كَانَ الَّذِي يَلِي قَبْضَ رُوحِهِ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، وَكَانَ كَمَنْ قَاتَلَ عَنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ حَتَّى يَسْتَشْهِدَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم: { مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ بِإِعْرَابٍ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ } وقوله صلى الله عليه وسلم: { وَمَنْ مَاتَ غَرِيباً مَاتَ شَهِيداً }.
من صلى فى مسجد العشار حيث ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :
{ إن الله عزَّ وجلَّ يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم }
من أحسنوا العمل ، وعنهم يقول صلى الله عليه وسلم:
{ إنّ لله تعالـى عِبـاداً يَضنُّ بِهِمْ عَنِ القَتْلِ، ويُطِيـل أعمارَهُمْ فـي حُسْنِ العَمَلِ، ويُحَسِّنُ أرْزَاقَهُمْ، ويُحْيِـيهِمْ فـي عافِـيَةٍ، ويَقْبِضُ أرْوَاحَهُمْ فـي عافِـيَةٍ علـى الفُرُشِ، فَـيُعْطِيهِمْ مَنازِلَ الشُّهَداءِ }
من قضى حياته وهو يطلب العلم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:
{إِذَا جَاءَ الْمَوْتُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ}
من مات مرابطا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً مَاتَ شَهِيداً وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ } .


الفصل الثانى
أوصــــاف الشهداء
أنواع الشهداء
المفهوم الإسلامى للشهادة ذو دائرة واسعة ، ولهذا السبب جعل الفقهاء أنواع الشهيد كالآتى :
النوع الأول: شهيد الدنيا والآخرة ذكراً كان أو أنثى وهو :
(أ) من قاتل الكفار لإعلاء كلمة الله ، فقتل حال المعركة أو بعدها بسببها ، بشرط أن يكون بذلك السبب قبل انقضاء الحرب ، أو يموت بعد انقضاء الحرب إذا كانت حياته غير مستقرة بأن لم يبق فيه إلا حركة مذبوح .. يستوى فى ذلك حدوث المعركة ببلاد الحرب أو ببلاد الإسلام أو بالأماكن المحايدة التى لا تخضع لسيطرة دولة.
(ب) من قُتل من المسلمين بسلاح مسلم آخر أثناء المعركة خطأ .
(ج) من قُتل من المسلمين أثناء المعركة فى حادث بسببها ، كأن رجع عليه سلاحه ، أو تردى فى هاوية أو سقط من مكان عال ، أو أصيب إصابة مميتة فى حادث حركة جوية ، أو بحرية ، أو أرضية .
(د) من قُتل وهو غافل أو نائم أثناء المعركة ، أو كان يقوم بخدمة للمعركة لم تمكنه من المقاتلة.
(هـ) من قتل مدافعا عن ماله أو نفسه أو المسلمين، أو أهل الذمَّة.
النوع الثانى من الشهداء : شهيد الدنيا فقط
وهو من جاهد نفاقاً ورياءاً أو اضطرراً.
النوع الثالث : شهيد الآخرة فقط
وهو من لم تكمل شهادته كما كملت شهادة من استحق الوصف بالشهادة دنيا وآخره .
خصائص الشهداء
وهكذا فإن خصائص الشهداء عامة تتلخص فيما يلى :
 أولاً هم ليسوا أمواتاً بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، لقول الله سبحانه وتعالى فى محكم التنزيل:
(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (169، 170آل عمران)
 هم يسبشرون بمن خلفهم من المؤمنين أن يلحقهم الله بهم فى منازل الشهداء، وقيل يؤمنهم ربهم من الخوف على من خلفوا من أهلهم وأبنائهم فالله يتولاهم لهم فيفرحوا ويستبشروا.
 لايجد من ألم الشهادة إلا كما يجد من ألم شوكة أو قرصة.
 تغفر له ذنوبه عند أول دفعه من دمه، ولا يستثنى من ذلك إلا إلا الدين الذى عليه لأحد.
 أول من يمسح التراب عن وجهه زوجته من الحور العين، أى علامات الإستشهاد كالدم أو تراب المعركة تزيِّنه عند البعث وتعرِّفُ به وتبعث منه الرائحة الزكيَّة فيكون شامة بين أهل الموقف بتلك النياشين حتى يخلص إلى قصره وزوجه، ولو كان المراد تراب مدفنه فهو كناية عن سرعة دخوله بيته ولحوقه بأهله فى الجنة فلا يكاد ينشق القبر عنه وأثر ترابه عليه إلا ويجد نفسه بين يدى أهله يمسحون ذلك التراب عن وجهه.
 يرى مقعده من الجنة .
 يزوج من الحور العين .
 يؤمن من الفزع الأكبر.
 لا تفزعه الصيحـــــة .
 يُأَمَّنُ من عذاب القــبر .
 يحلى حلة الإيمــــــــان .
 يشفع فى سبعين من أهل بيته .
 توضع عليه حلة الكرامــــــــة .
 يوضع على رأسه تاج الوقار والخلد .
 يكون مع إبراهيم عليه السلام فى مقعد صدق.
 يجيء يوم القيامة شاهراً سيفه .
 يجلس على منبر من نور تحت العرش أو على يمين العرش.
 يتفرجون على حساب الخلائق وهم جالسون على المنابر.
 لا يجدون غمَّ الموت .
 لا يقيمون أو لا يغتمون فى البرزخ .
 لا يهمهم الحســاب .
 لا يهمهم المـــــيزان .
 لا يهمهم الصـــــراط .
 لا يسألون شيئا إلا أعطوه .
 يعطون من الجنة ما احبـــوا .
 يتبوءون من الجنة حيث أحبوا .
 لا يشفعون فى شئ إلا شفعوا فيه .
 يغضب الله لهم كما يغضب للرسل .
 يستجيب الله لهم كما يستجيب للرسل .
 يرتفعون إلى المولى درجة لا يرتفع معهم فيها إلا النبيون والصديقون .
 ترعى أرواحهم من رياض الجنة فى جوف طير خضر فيكونون كالكواكب لأهل الجنة.
 تأوى أرواحهم إلى قناديل معلقة بالعرش .
وكل هذه الخصائص وردت فى أحاديث كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها:
{ إذَا وَقَفَ الْعِبَادُ لِلْحِسَابِ جَاءَ قَوْمٌ وَاضِعِي سُيُوفِهِمْ عَلَى رِقَابِهِمْ تَقْطُرُ دَماً، فَازْدَحَمُوا عَلَى بَابِ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قِيلَ: الشُّهَدَاءُ كَانُوا أَحْيَاءً مَرْزُوقِينَ، ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ نَادَى الثَّانِيَةِ: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ. قَالَ: وَمَنْ ذَا الَّذِي أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ، فَقَامَ كَذَا وَكَذَا أَلْفاً، فَدَخَلُوهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ }
وقوله صلى الله عليه وسلم:
{ إذَا وَقَفَ الْعَبْدُ لِلْحِسَابِ جَاءَ قَوْمٌ وَاضِعِي سُيُوفِهِمْ عَلى رِقَابِهِم تَقْطُرُ دَمَاً فَازْدَحَمُوا عَلى بَابٍ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ: مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قِيلَ: الشُّهَدَاءُ كَانُوا أَحْيَاءً مَرْزُوقِينَ }
وعن أبي هريرةَ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
{ إذا خَرَجَ الغَازِي في سَبِيلِ الله جُعِلَتْ ذُنُوبُهُ جِسْراً عَلى بَابِ بَيْتِهِ، فإذا خَلَفَهُ خَلَّفَ ذُنُوبَهُ كُلَّها، فَلَ ْيَبْقَ عَلَيْهِ مِنْها مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوْضَةٍ، وَتَكَفَّلَ الله لَهُ ارْبَعِ، انْ يَخْلُفَهُ فِيْما يُخَلِّفُ مِنْ أَهْلٍ وَمالٍ، وَأَيَّ مِيْتَةٍ مَاتَ بِهَا أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ، وأَيَّ رِدَّةٍ رَدَّهُ، رَدَّهُ سالِماً بِمَا نَالَهُ مِن أَجْرٍ أَوْ غَنِيْمَةٍ، ولا تَغْرُبُ شَمْسٌ إلاَّ غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ }
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
{ الشَّهِيدُ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ وَيُزَوَّجُ حَوْرَاوَيْنِ وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمُرَابِطُ إِذَا مَاتَ فِي رِبَاطِهِ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَغُدِيَ عَلَيْهِ، وَرِيحَ بِرِزْقِهِ، وَيُزَوَّجُ سَبْعِينَ حَوْرَاءَ وَقِيلَ لَهُ: قِفْ فَاشْفَعْ إِلَى أَنْ يُفْرَغَ مِنَ الْحِسَابِ }
وعن أبـي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
{ الشهيدُ لا يَجِدُ أَلَـمَ القتلِ، إلاَّ كَمَا يَجِدُ أُحَدُكُمْ أَلَـمَ القَرْصَةِ }
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ إِنَّ للشَّهِيدِ عِنْدَ الله عزَّ وجلَّ سِتَّ خِصَالٍ: أَنْ يُغْفَرَ لَهُ في أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيَرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ إلايْمَانِ، وَيُزَوَّجَ مِنَ الحُوْرِ العِيْنِ، وَيُجَارَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنَ مِنَ الفَزَعِ أَلاكْبَرِ، وَيُوْضَعَ عَلى رَأْسِهِ تاجُ الوَقَارِ اليَاقُوْتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيْهَا، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ زَوْجَةً مِنَ الحُوْرِ العِيْنَ، وَيُشَفَّعَ في سَبْعِيْنَ إِنْسَاناً مِنْ أَقَارِبِهِ}
وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:
{ إِنَّ أَوَّلَ قَطْرَةٍ تُقْطَرُ مِنْ دَمِ الشَّهِيْدِ تُكَفَّرُ بِهَا ذُنُوبُهُ، وَالثَّانِيَةَ: يُكَسَى مِنْ حُلَلِ إلايْمَانِ، والثَّالِثَةَ: يُزَوَّجُ مِنَ الحُوْرِ العِيْنِ }
وقال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:
{ إنَّ أَوَّلَ مَا يُهَرَاقُ من دَمِ الشهيدِ، تُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ }
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ الشُّهَدَاءُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ : خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مُحْتَسِباً في سَبِيلِ الله لا يُرِيدُ أَنْ يُقَاتِلَ ولا يُقْتَلَ، يُكَثِّرُ سَوَادَ المُسْلِمِينَ، فإنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا، وَأُجْيْرَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيُؤْمَنُ مِنَ الفَزَعِ وَيُزَوَّجُ مِنَ الحُوْرِ العِيْنِ، وَحَلَّتْ عَلَيْهِ حُلَّةُ الكَرَامَةِ، وَيُوْضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تاجُ الوَقَارِ والخُلْدِ، والثَّانِي: خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مُحْتَسِباً يُريدُ أَنْ يَقْتُلَ ولا يُقْتَلُ، فإنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ كَانَتْ رُكْبَتُهُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمنِ بَيْنَ يَدَي الله تَبَارَكَ وَتَعالى، في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِرٍ، والثَّالِثُ: خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمالِهِ مُحْتَسِباً يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ وَيُقْتَلَ، فَإنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ شاهِراً سَيْفَهُ وَاضِعَهُ عَلى عاتِقِهِ، والنَّاسُ جَاثُونَ عَلى الرُّكَبِ يَقُولُونَ: أَلاَ افْسَحُوا لَنَا - وفى رواية: مرتين)، فإنَّا قَدْ بَذَلْنَا دِمَاءَنَا - وفى رواية: (وأموالنا) لله تَبَارَكَ وَتَعالى }.
وفي الصنف الثالث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الآخر:
{ والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قَالَ ذَلِكَ ِلابْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمنِ أو لِنَبِيٍّ مِنَ الانْبِيَاءِ لَزَحَلَ ( لتَنَحَّى) لَهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ لِمَا يُرَى مِنْ وَاجِبِ حَقِّهِمْ حَتَّى يَأْتُوا مَنَابِرَ مِنْ نُوْرٍ تَحْتَ العَرْشِ ( وفى رواية: عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ)، فَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا يَنْظُرُونَ كَيْفَ يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، لا يَجِدُونَ غَمَّ المَوْتِ، ولا يُقِيْمُونَ) - وفى رواية :: (وَلاَ يَغْتَمُّونَ) في البَرْزَخِ، ولا تُفْزِعُهُمُ الصَّيْحَةُ، ولا يَهُمُّهُمُ الحِسَابُ ولا المِيْزَانُ ولا الصِّرَاطُ، يَنْظُرُونَ كَيْفَ يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، ولا يَسالُونَ شَيْئاً إلاَّ أُعْطُوْهُ ولا يَشْفَعُونَ في شَيْءٍ إلاَّ شُفِّعُوا فِيْهِ، ويُعْطَوْنَ مِنَ الجَنَّةِ ما أَحَبُّوا، وَيَتَبَوَّؤُونَ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ أَحَبُّوا – وفى رواية : (وَيَنْزِلُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ أَحَبَّ )}
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تمَّ بحمد اللَّه تعالى

فهرس الكتاب

المقدمة 3
الباب الأول: تاريخ بنى إسرائيل 5
الفصل الأول: من النشأة حتى الخروج من مصر 7
أسماء بنى إسرائيل 7
قدوم بنى إسرائيل إلى مصر 10
حياة أبناء يعقوب (بنو إسرائيل) بمصر 13
ملخص سيرة موسى عليه السلام حتى خروجه من مصر 16
خروج بنى إسرائيل من مصر 24
الفصل الثانى: من مصر إلى الشام 29
فى الطريق إلى الشام 29
الثورة على نبى الله موسى وأخيه هارون. 30
رغبة بنى إسرائيل فى العودة للوثنية 30
وعد الله موسى بالتوراة وأفعال بنى إسرائيل. 31
إعتذار الأخيار عن عبادة العجل والصعق 33
التوبة من العجل بقتلهم أنفسهم 34
لم رفع الله الجبل فوق رؤوسهم؟ 35
التيه فى صحراء سيناء أربعين سنة 37
الفصل الثالث: فى الأرض المقدسة 42
دخول بنى إسرائيل الأرض المقدسة 42
عهد القضاة 44
عهد الملوك 45
نبى الله داود عليه السلام 48
ملك نبى الله سليمان عليه السلام 48
الفصل الرابع: بعد وفاة سليمان عليه السلام 50
تاريخ بنى إسرائيل بعد وفاة سليمان 50
اليهود فى ظلِّ المسيحية 55
يهود جزيرة العرب 56
الفصل الخامس: أضواء على ديانة بنى إسرائيل؟ 59
أحوال بنى إسرائيل الدينية وكتبهم المقدسة 59
التوراة والتلمود 61
أشهر فرق بنى إسرائيل 66
الباب الثانى: فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل 69
الفصل الأول:فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل كما يصورها القرآن 69
1- نقض العهود والمواثيق 69
2- سوء أدبهم مع الله، وعداوة الملائكة وقتل الأنبياء 74
3-التحايل على استحلال محارم الله عزَّ وجلَّ 78
4- جحود الحق بعد بيانه، وكراهية الخير للغير بدافع الأنانية والحسد 80
5- نبذ كتاب الله واتباع السحر والأوهام الشيطانية 81
6- تحريف الكلم عن مواضعه إبتغاء المنفعة الخاصة 83
7- الحرص على الحياة، والجبن عن الجهاد 87
8- الطلب من نبيهم موسى أن يجعل لهم إلها كما لغيرهم 88
9- العكوف على عبادة العجل من دون الله 89
10- التنطع فى الدين والإلحاف فى المسألة 90
الفصل الثانى: وسائل وألوان إفساد اليهود فى الأرض 92
1-التصفية بالخطف والقتل والإغتيال 92
2-التجسس 93
3-التستر خلف الأديان 94
4-إثارة الفتن والحروب والثورات 96
5-كتبهم ومقرراتهم 97
6-الجمعيات السرِّيَّة 98
7-الرذائل والفواحش: وسائل الإعلام، الأفكار الخبيثة، المرأة 99
8-الحيل والألاعيب الإقتصادية للسيطرة والتحكم والأذية 106
الباب الثالث: لتفسدن فى الأرض مرتين 110
وقضينا إلى بنى إسرائيل 112
لتفسدن فى الأرض مرتين 115
سبب قتلهم النبى زكريا عليه السلام، 116
سبب قتلهم النبى شـعياء عليه السلام، 117
سبب قتلهم النبى يحيى بن زكريا عليه السلام 117
العقاب والإعادة! والتكرار! 118
المرة الثالثـــــة 122
وما نميل إليه من الرأى ...... 123
لا يتعين الإفساد فى الأرض بقتل الأنبياء 123
المرة الأولى والتكرار 124
الفساد الثانى 125
فجاسوا خلال الديار: ثانية! 126
من سرٍّ نبؤة ليسوءوا وجوهكم! 127
وبقيت كلمة 129
الباب الرابع : أحداث النهاية فى الإسلام 130
متى نتوقع النهاية؟ وما مفتاحها؟ 131
الرحمة سرَّ تماسك طوائف الأمة 133
الملك لله يؤتيه من يشاء 141
العزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين 142
ولمَّا بلغ السيل الزبى إنفجر البركان! 152
النموذج التركى 155
بداية أحداث النهاية 156
المراحل قبل الأخيرة! 158
حرب النهاية! 159
عباد الله أولو البأس شديد 160
علامات الساعة 163
نصيحة أخيرة راعوا وقتكم! واحتضنوا شبابكم! 164
كتاب: الشهداء فى الإسلام 167
الفصل الأول: مفهوم الشهيد فى الإسلام 168
الفصل الثانى : أوصاف الشهداء 176
أنواع الشهداء 176
خصائص الشهداء 177
ملحق للصور: صورة لرأس مومياء رمسيس الثانى 184
صورة لنبات الغرقد وثمره وزهوره. 184
نبذة عن المؤلف فضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد 185
قائمة مؤلفات الشيخ 186
أين تجد مؤلفات الشيخ 187
الفهرست 189
صورة منطقة المسجد الأقصى بالتفصيل والأسماء. 192

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي