Advanced search

دروس رمضان والتراويح

دروس رمضان والتراويح

دروس رمضان والتراويح

Read book
  • Series title

    الدين والحياة

  • Publish date

    30 - ديسمبر - 2019

  • Pages number

    192

  • Edition number

    الطبعة الأولى

  • Downloads

    329

  • Download code

    Not found
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

دروس رمضان والتراويح

نبذة عن الكتاب

تناولنا في هذا الكتاب أحكام الصيام الشرعية، وحكمة فريضته، والنوافل التى يتقرب بها المتقربون إلى الله تعالى في شهر رمضان كتلاوة القرآن وصلاة التروايح وقيام الليل في العشر الأواخر من الشهر وغيرها من نوافل العبادات، وكذا وضحنا فيها بإيجاز الفتوحات الإسلامية للمسلمين في شهر رمضان كغزوة بدر وفتح مكة وغيرها.
وأشرنا إلى زكاة الفطر وأحكامها وآداب إخراجها وليلة القدر وعلاماتها وفضلها وكيفية اغتنامها وصلاة العيد وفضلها والأعمال المباركة التى ينبغي للمسلم أن يعملها في يوم العيد.
كما وضحنا بعض الحكم الجامعة التى تشترك فيها جميع العبادات الإسلامية كذكر الله وشكر الله وغيرها.
وكان تناولنا لهذه الدروس بلغة مبسطة وميسرة بعبارات قريبة التناول سهلة الوضوح بحيث يفهمها العالم وغير المتعلم، والرجل والمرأة،
والصغير والكبير، ... فكانت بفضل الله تبارك وتعالى نموذجاً لما ينبغي
أن يسير على نمطه علماء المسلمين في توضيح الأحكام الشرعية
ومسائل الدين وتقريبها لعموم المسلمين

أركان الصيام

أركان الصيام
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أهنئكم أولاً بتهنئة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم للأمَّة كلها، حيث قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ، فِيهِ خَيْرٌ يُغَشِّيكُمُ اللَّهُ فِيهِ، فَتَنْزِلُ الرَّحْمَةَ، وَتُحَطُّ الْخَطَايَا، وَيُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ، فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلائِكَتَهُ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مِنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عز وجل }
صوم شهر رمضان فريضة لقول الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (183البقرة) هذه الفريضة لها ركنان أساسيان، الركن الأول هو النية، والركن الثاني هو الإمتناع عن جميع المفطرات من أذان الفجر إلى غروب الشمس، والنية لا بد منها لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى }
ونية صيام هذا الشهر الكريم استحب بعض الأئمة الكرام كالإمام الشافعي أن تُجدَّد كل ليلة باعتبار أن كل يوم وليلة عملٌ مستقل، ورأى الإمام مالك تيسيراً للمؤمنين أن الإنسان يكفيه نية واحدة لسائر الشهر، يعني يستطيع من بعد غروب آخر يوم من شعبان أن يقول: نويت صيام شهر رمضان ثلاثين يوماً لله تبارك وتعالى، وبذلك يكون قد نوى صيام الشهر كله.
ووقت النية وقت الليل، من بعد أذان المغرب إلى مطلع الفجر، فيجوز للإنسان أن ينوي في هذا الوقت، لكن كيف ينوي بعد المغرب ثم يأكل ويشرب بعدها؟! هو نوى صيام اليوم، وصيام اليوم يبدأ من طلوع الفجر.
فيجوز أن أنوي الصيام من بعد المغرب، ويجوز أن أنويه قبل النوم، ويجوز أن أنويه قبل صلاة الفجر، وليس شرطاً للمرء أن يتلفظ بالنية، ولكن أن يعمل عملاً يدل على أنه يريد الصيام، يعني من تسحَّر ولو بجرعة ماء فقد نوى الصيام، لأنه يتسحر لكي يصوم، فهذه نية وتكفيه هذه النية للصيام إن شاء الله.
إذاً النية ليس شرطها أن تكون بعد السحور قبل الفجر، لكن يجوز من بعد المغرب، ولذلك نحن نستحب أننا إذا كان عندنا فتية وبنات صغار فعلى الفور بعد صلاة العشاء في آخر يوم من شعبان، أقول لهم: قولوا ورائي: نويتُ صيام شهر رمضان ثلاثين يوماً لله تبارك وتعالى، وبذلك أكون قد اطمأننت أنهم قد نووا، وهو الركن الأول من أركان الصيام.
نفرض أن إنسان نسي النية حتى أذَّن الفجر، فهذا لا يصح صيامه في هذا اليوم، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ }
وهذا في الفريضة، لكن في صيام النوافل يجوز، فتجوز النية في وقت الظهر وهذا إذا لم آكل ولم أشرب من بعد الفجر، والرسول صلى الله عليه وسلَّم كان يفعل ذلك، لكن الفريضة لا بد أن تكون النية قبل صلاة الفجر ليكون قد نوى أداء هذا العمل لوجه الله سبحانه وتعالى.
خفايا النية
ونحن نضيف جزئية بسيطة المفروض أننا كجماعة المؤمنين نحرص عليها حتى نرتقي في الأجر والجزاء عند الله، فالأجر والجزاء على قدر النية، لماذا أنوي أن أصوم؟ أنوي الصيام ليغفر لي ربي ما تقدم من ذنوبي، والله يُعطيني هذا الثواب، أنوي صيام هذا العام لكي أكون من عتقاء الله من النار، وهذه نية أُخرى والله يعطيني هذا الأجر وهذا الثواب، أنوي الصيام ليشفع لي الصيام يوم القيامة، والله يعطيني على قدر هذه النية، أنوي الصيام لأشرب من حوض الكوثر يوم القيامة شربةً هنيئة لا أظما بعدها أبداً ... كل هذه نوايا، ويجوز أن يجمع الإنسان كل هذه النوايا ليأخذ هذا الأجر كله.
وهناك نية أعظم منها وهي أن أنوي الصيام لأكون من الذين يُقال لهم يوم القيامة: " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " (22-23القيامة) لأن أجر الصيام الأعظم هو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
صلاة التراويح وفضلها
بعد ذلك علينا صلاة التراويح، ولماذا سموها التراويح؟ لأنهم كانوا بين كل ركعتين يجلسون قليلاً يروحون عن أنفسهم، إما أن يسبحوا، أو يقرأوا القرآن .. أي شيء يروِّح عن النفس.
وصلاة التراويح سُنَّة، والسُنَّة خذ منها ما شئت، أنا مشغول فآخذ ولو ركعتين، أو آخذ أربعة، والذي يأخذ ما شاء فله أجره عند ربه عز وجل.
لو صلينا ثمان ركعات كالمتعارف عليه، وبهذا نأخذ بحديث السيدة عائشة:
{ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً }
ثماني ركعات التراويح، واثنين الشفع، وواحدة الوتر، ولم ترد قراءة محددة لصلاة التراويح، لأن رسول الله صلاها ثلاثة أيام، ولما كثُر الناس وملأوا المسجد لم يخرج وقال لهم:
{ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمْ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا }
يعني لا أريدها فريضة، ولكن أريدها نفلاً للمستطيع، والذي يريد أن يُطوِّل، فليُصلي وحده، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمُ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ }
والذي يريد أن يصلي التروايح بعشرين ركعة، عليه أن يُصلي ثمانية في المسجد ثم يذهب ويكمل العشرين ويطول فيهم كما يشاء.
بعد صلاة العشاء مباشرة نقوم إلى صلاة السُنَّة، وبعد أن نصلي السُنَّة نأخذ بما توارد عن السلف الصالح فنقرأ مع بعضنا سورة الإخلاص ثلاث مرات، وبذلك نكون كأننا قد قرأنا القرآن كله مرةً واحدة.
ثم نقوم إلى صلاة التراويح، وبعد أول ركعتين نُصلِّي على رسول الله بأي صيغة حتى نكون قد تروحنا، وبعد الأربعة نعيد مرة ثانية قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات لنكون كأننا قد قرأن القرآن كله مرة أخرى، وبعد الست ركعات نروِّح عن أنفسنا بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وبعد الثماني ركعات نقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات، ثم صلاة الشفع والوتر.
والمرأة المرضعة ليس عليها صلاة التراويح في المسجد، حتى لا تأتي بالرضيع و تُحدث ضوضاء في بيت الله، ولنكون في صفاء مع الله.
وكذلك من كان عنده ولد يستطيع الصلاة ويعرف آداب الصلاة فيُحضره معه، ولكن نلاحظ أن الأولاد الصغار حريصين دائماً على اللعب، وقد ورد ببعض الأثر: ((الشيطان يلعب بالصبيان لعباً)) ولعبهم في المسجد يضر، لأنه قد يملأ الأكواب بالماء من أجهزة التبريد ويُلقي بها على فرش المسجد، ولن نستطيع تجفيفها، لذلك على ولي الأمر أو ولية الأمر أن يلاحظوا هذا الأمر ملاحظةً جيدة، حتى نكون في بيت الله في خشوع تام في الصلاة إن شاء الله.
وفقنا الله جميعاً لما يحبه ويرضاه، ووفقنا الله عز وجل للصلاة والصيام والقيام وتلاوة كتاب الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

أحكام الصيام

أحكام الصيام
الصيام يبدأ من أذان الفجر، وأول أمر نتعرض له والناس يسألون فيه: أنا استيقظتُ من النوم ولم أتأكد هل أذَّن الفجر أم لم يؤذن، فأكلت على أساس أنني أتسحَّر، وبعد أن أكلت تبين لي أن الفجر قد أذَّن، فما حكم هذا اليوم؟ حكم هذا اليوم أن أُعيده مرةً أُخرى، لأني لا بد أن أتأكد من بداية الصيام ومن نهاية الصيام.
وأيضاً مثلها تماماً أنني في آخر النهار، وليس معي شيء أُدرك به وقت غروب الشمس، فنظرت إلى السماء، والسماء كان فيها غيم فتعذَّر علي معرفة غروب الشمس، فأفطرت، وبعد أن أفطرت بدقائق، إذا بي أسمع أذان المغرب، فما حكم هذا اليوم؟ لا بد أن أعيده مرة ثانية.
فالخطأ في بداية اليوم، أو في آخر اليوم لا بد أن أعيد هذا اليوم، لأني لا بد أن أتأكد أولاً من البداية الصحيحة والنهاية الصحيحة لليوم.
أنا تبين لي بعد أن تسحرت أن الناس صلوا الفجر، وسأُعيد اليوم، هل معنى ذلك أن أتمادى وأفطر في النهار؟ لا، بل أُكمل الصيام أيضاً لحُرمة الشهر، وأُعيد اليوم لأنني لم آخذ بالوسيلة الشرعية في معرفة بداية الصيام.
ما الذي يبطل الصيام؟ سأعطيكم مفتاحاً واحداً يريحك وتعرف به كل الأحكام: أي شيء يدخل الجسم ويصل إلى المعدة من منفذ طبيعي يُبطل الصيام، أي شيء يدخل من الفم، أو يدخل من الأنف، إذا وصل للحلق وأنا منعته للوصول للمعدة لا يبطل الصيام، لكن إذا وصل للمعدة يبطل الصيام، وأي شيء يدخل من مدخل غير طبيعي لا يبطل الصيام.
ونفسِّر هذا الكلام لنعرف الواقع، وكما يحدث في العادة ونحن لا زلنا في أول رمضان، وأحيانا الإنسان يكون غير منتبه، ورأى زجاجة ماء وهو عطشان واليوم حر فشرب، وأثناء شربه تذكر أنه صائم، فالحديث صحيح وصريح، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ }
إذا كان ناسياً فليس عليه شيء، ولكن يلاحظ شيء، عندما يتذكر أنه صائم لا يبلع ما في فمه، بل يرده إلى الخارج ليظل صائماً عند الله سبحانه وتعالى.، لأنك لو بلعت ما في فمك عندما تذكرت أنك صائم تكون قد أفطرت.
نفرض أنني بلعت ما في جوفي، وأنا متأكد أنني تذكرت، فسأعيد اليوم، ولكن كما قلنا لا أتمادى في الطعام والشراب، لأني قد أخطأتُ ويجب أن لا أزيد في الخطأ، فأُكمل باقي اليوم صيام، وآخذ في حسابي أنني عليَّ يوم لله بعد شهر رمضان إلى رمضان القادم أعيده إن شاء الله تبارك وتعالى.
قبل صلاة الفجر كنت أتسحر، ولم أنتبه، فأذَّن الفجر، فعندما يؤذن المؤذن إن كان في فمي ماء أو طعام لا أبتلعه وأُخرجه على الفور، لأن الصيام قد بدأ، وإذا ابتلعته فقد أفطرت.
نفرض - ولا حياء في دين الله - أن شاباً تحكمت الشهوة عنده قبل الفجر بلحظات فجامع زوجته، وأثناء ذلك أذَّن الفجر، فعليه أن يُقلع فوراً، فإن لم يُقلع فستكون مشكلته كبيرة، لأن هذا سيكون عليه صيام شهرين متتابعين غير هذا اليوم، فإذا أفطر يوماً في الوسط يعيد الشهرين من جديد.
لكنه إذا جامع زوجته قبل الفجر، ثم أذَّن الفجر ولم يغتسل فليس فيها شيء، وليغتسل بعد صلاة الفجر.
لو أن المرأة عليها الدورة الشهرية، والدم رُفع قبل الفجر، وهي متأكدة أن الدم قد رُفع، ولم تتمكن من الغُسل، فلا مانع أن تغتسل بعد الفجر وتنوي الصيام وتتسحر وتصوم لله تبارك وتعالى.
المهم أنني ساعة الأذان لا بد أن ألتزم بالصيام التام لحضرة الرحمن تبارك وتعالى.
إذا نام الإنسان في شهر رمضان، وابتُلي بالاحتلام، وأنزل، فليس عليه شيء لأن ذلك حدث وهو نائم، ويُكمل صيامه
لكنه لو كان جالساً، ونظر في المحمول وأتى - والعياذ بالله - بموقع من المواقع المحرمة، وتحركت الشهوة وأنزل وهو صائم، فيكون قد أفطر في هذا اليوم.
حتى ولو كان في هذا اليوم يداعب زوجته - والمفروض أن هذه الأمور تقل في نهار رمضان خاصة الشباب - فداعبها وقبَّلها أو حضنها ولم يتمكن من نفسه فأنزل، فيكون قد أفطر كذلك، ولذلك ورد:
{ أنَّ رَسَول الله اسْتَأذَنَه إِنسَانٌ فِي التَقبِيل فَأَذِنَ لَه، واستَأذَنَه آَخَر فَلَم يَأذَن لَه، فَإذَا الَّذي أَذن له شَيخ كَبير، والَّذي لم يُؤذَن لَه شَاب }
يعني وافق للشيخ الكبير لأنه يملك لنفسه، ولم يوافق للشاب لأنه لن يستطيع أن يملك نفسه.
إذا صامت المرأة وبقي على المغرب ربع ساعة مثلاً ونزل الدم، فقد تقول: هل يضيع اليوم من أجل ربع ساعة؟! ولا تفطر، لكن أنت بذلك تحاربين الله عز وجل!، فلا بد أن تخرجي من الصيام ولو بجرعة ماء تنفيذاً لأمر الله، وتعيدي اليوم طالما أن الدم نزل قبل المغرب ولو بلحظة.
فإذا رُفع الدم عند الظهر، فتغتسل وتُصلِّي وتكمل بقية اليوم صيام اكراماً لحرمة الشهر، وتعيد هذا اليوم، لأننا كلنا مطالبين أن نكرم هذا الشهر، ونحترم هذا الشهر الكريم، وكذلك النفاس، فهو مثل الحيض تماماً بتمام.
هذه هي الأمور التي تدخل عن طريق المداخل الشرعية، أما الأمور التي لا تدخل عن طريق المداخل الشرعية، كأن يكون الطبيب وصف لي قطرة للعين، فالقطرة لا تُفطر، أو وصف لي نقط للأذن، أو وصف لي نقط للأنف، فإذا وصلت للحلق ولم أبتلعها لا تُفطر، فمتى تُفطر؟ إذا ابتلعتها لأن نقط الأذن والأنف قد تصل إلى الحلق.
أنا عندي تعب في الصدر، وأحتاج بخاخة للصدر، ولا غنى لي عنها في نهار رمضان، سأذكر لكم الآراء الموجودة فيها، وكل واحد يختار ما يعجبه منها: عندنا دار الإفتاء المصرية ورجال الأزهر مصرين على أن البخاخة تُفطر الصائم ويقولون: له أن يُفطر.
ولجنة البحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية درسوا الموضوع دراسة علمية، وقد أعجبني رأيهم هذا، وقالوا: إن البخاخة تُخرج رذاذاً، والرذاذ لا يصل إلى المعدة، وبذلك لا تُفطر الصائم، فنحن عندنا رأيين، وإذا وُجد رأيين فهذا تيسير لهذا الدين الإسلامي من فضل الله علينا.
إنسان مريض بالقلب وفجأة جاءه التعب، ولا بد أن يأخذ حبَّة تحت اللسان، فماذا تفعل هذه الحبة؟ قالوا: إن هذه الحبة لا تصل إلى المعدة، لذلك هذه الحبة التي تحت اللسان لا تُفطر الصائم.
كذلك كل الحقن بكل أنواعها ما دامت بأمر الطبيب لا تفطر، إن كانت حقنة في العضل، أو حقنة في الوريد، أو حقنة علاجية، أو حقنة غذائية.
لو أردتُ أن أقوم بعمل تحليل دم في نهار رمضان، أو أريد أن آخذ تطعيم لأسافر لأداء العمرة أو ما شابه، فلا تفطر، لأننا سنأخذ منه دم ولم نغذيه، فالتطعيم أيضاً لا يفطر لأنه ليس غذاء، وإنما علاجٌ ودواء، وكل هذه الأشياء لا تفطر الصائم.
نفرض أن إنسان اقتضت حالته سرعة تركيب دعامة في القلب، فتركيب الدعامة ما دام رأي الطبيب أن المريض غير محتاج للفطر فلا داعي أنه يفطر.
إنسان يأخذ جلسات غسيل كلوي، فيرجع لأمر الطبيب، إن كان يتحمل الجلسة، وبعد الجلسة لا تظهر عليه أي آثار فيمكنه أن يصوم، والذي يُقرر هنا الطبيب المعالج.
إذا قرر الطبيب أنه لا يتحمل أن يستمر بعد الجلسة لأنه يحدث عنده حالة هُزال شديد، ولا بد من الراحة، ولابد من الغذاء، فتكون له رخصة الفطر، ورخصة الفطر موجودة له ولأمثاله من المرضى شفانا الله أجمعين من كل الأمراض والأدواء التي تستشري بين عباد الله أجمعين.
المرأة في البيت، تريد أن تطبخ، وتريد أن تتذوق الطعام، هل يحتاج ملح أو لا يحتاج؟ فليس فيها شيء أبداً أن تتذوق الطعام بطرف لسانها على أن لا تبلع ما وصل إلى فمها، وبعد أن تتذوق الطعام تُخرج ما دخل في فمها فوراً.
امرأة عندها طفل صغير ويحتاج أن تُكسر له الطعام بفمها لتطعمه به فلا مانع أن تكسره بأسنانها لكي يأكله الطفل، ولكن لا تبلع شيئاً من الموجود في فمها من هذا الطعام.
كل هذه الأمور لا تبطل الصيام طالما لم تصل إلى الجوف من منفذ طبيعي من المنافذ التي قررها الله عز وجل.
إذا قرر الطبيب أن هذا المريض لا بد له من غسيل معدة وحقنة شرجية، والحقنة الشرجية ليست طعام، ولكنها ستنزل ما بداخله فلا تبطل الصيام، لكن إذا أراد أن يأخذها بنفسه فلا يجوز.
معجون الأسنان مثل السواك، إن كانت الفرشة عليها معجون أو ليس عليها معجون لا تبطل الصيام في أي وقت من نهار رمضان، ما دام الإنسان لا يبتلع شيئاً من أثر هذا المعجون، بل يتخلص منه بسرعة.
نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعيننا على الصيام والقيام، وأن يتقبل منا عملنا الصالح على الدوام
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

رحمة الله تعالى بالمسلمين في الصيام

رحمة الله تعالى بالمسلمين في الصيام
رحمة الله تظهر أجلى وأعلى في صيام ذوي الأعذار، يوجد إناس من المسلمين عندهم أعذار، هذه الأعذار شرطها أن تكون أعذار شرعية، يعني توافق عليها الشريعة، فهناك من أسقط الله عنهم فريضة الصيام، وهناك من أباح له أنه يفطر ويعيد بعد ذلك في أي يوم يختاره، وهناك أناس لو أفطر يكون عليه قضاء وكفارة.
الذين أسقط الله عنهم فريضة الصيام صنفين اثنين، الإنسان الذي كبر في السن وأصبح جسمه لا يتحمل الصيام، والذي يُقرر ذلك ليس أنا، لكن الطبيب فيقول له: ليس لك صيام، وبذلك تكون قد سقطت عنه الفريضة، ونقول له: كل يوم عليك أن تُطعم واحداً بدلاً منك فطور وسحور، أو تُخرج ثمن الفطور والسحور لأي فقير من فقراء المسلمين، ويتم ذلك بحسب أسعار المحصولات الزراعية في هذا العام.
ومثله كمثل زكاة الفطر يُخرجها كلها في أول رمضان فلا مانع، أو كلها في آخر رمضان فلا مانع، كل يوم بيوم فلا مانع، أو كل ثلاثة أو أربعة أيام فلا مانع، المهم في آخر رمضان يكون قد أخرج ما عليه من أيام رمضان، لأنه عاجز عن الصيام.
ومثله تماماً شاب - حفظنا الله أجمعين - مرض بأحد الأمراض التي نسميها الأمراض المستعصية، التي تستعصى عن العلاج، وهذا المرض يجعله لا يستطيع الصيام، فيأخذ نفس الحكم، لأنه لن يستطيع الإعادة، ولن يصوم نهائياً، فيأخذ نفس الحكم، ويُخرج الفدية عن أيام الصيام، أو يبحث عن واحد يفطره ويسحره.
ونقول لهؤلاء: صحيح أنكم ليس عليكم صيام، ولكن عليكم احترام شهر الصيام، يعني ممنوع أن تجاهر بالفطر في الشارع، وممنوع أن تجاهر بالفطر في مكان عام وتقول معي رخصة، وممنوع أن تُخرج سيجارة أمام المسلمين وتقول: أنا ليس عليَّ صيام، لأنه إذا كان أصحاب الديانات الأخرى يحترمون صيام المسلمين، فأنت أولى بذلك.
أيضاً في البيت الذي أنت فيه، نفرض أنك مع ابنك، وابنك معه أطفال صغار، فتراعي أنك عندما تأكل لا يراك أحد من هؤلاء الأطفال الصغار، حتى لا يخرج ويقول: جدي يعمل كذا وكذا، وتكون فضيحة، وفي نفس الوقت أنت لن تربيه على منهج الإسلام.
كذلك أنت في صيام شهر رمضان تصوم عن غير الضروريات، يعني أنت تفطر لأنك لا تستطيع الصوم، لكن لا يجوز لك طوال النهار مثلاً أن تتسلى على اللب والسوداني، فاحتراماً للشهر لا يجوز، ولا يجوز طوال النهار تشرب شاي وقهوة متتالين، لكن أنت تأخذ ما لا غنى للجسم عنه، والباقي تصوم عنه احتراماً لشهر الصيام.
هذين الصنفين الوحيدين اللذان يسقط عنهما بالكلية فريضة الصيام رحمة من الله تبارك وتعالى.
بعد ذلك كلنا معرضين لظروف، والله يعرف هذه الظروف، فأعطانا فيها رخصة أن نُفطر ولكن نُعيد.
أول هذه الظروف التي نتعرض لها السفر، فأي إنسان معرض للسفر في نهار رمضان، إن كان مسافراً بالطائرة، أو مسافراً بسيارة مكيفة، أو مسافراً بسوبر جيت، في أي وسيلة مواصلات، ما دامت المسافة لا تقل عن 83 كيلو متر وهذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني أن يكون السفر في غير معصية، ويكون لطاعة الله، فمثلاً هو مسافر ليعمل مصيبة، فهل يُفطر؟!! لا، أو مسافر ليحضر مباراة كرة قدم، فهل يُفطر؟! لا، لأنها ليست ضرورة من الضروريات التي تبيح له الفطر.
لكن مسافر ليزور والديه، أو مسافر ليؤدي عمرة، أو مسافر ليزور ذوي رحمه، أو مسافر ليؤدي واجب عزاء .. أي أمر من هذه الأمور أباح له الإسلام أن يُفطر في هذا اليوم، ويعيد مكانه يوماً آخر بعد شهر رمضان.
وإن كان الله قال لنا: " وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ " (184البقرة) ولذلك نحن نستمسك بهذه الجزئية، يعني لو استطعت أن تؤدي الصيام مع السفر فيكون أحسن لك، لكن معك الرخصة لمن لا يستطيع الصوم، لأنه ربما تكون مسافر ومعك أولادك صغار، وهم لا يزالون في أول البلوغ وشق عليهم السفر، فأنت تقدر ولكنهم لا يقدرون، فيكون معك الرخصة وتُعطيها للتيسير لهؤلاء الصغار.
وطبعاً نحن نعرف كلنا أن المرأة في فترة نزول الدم في الدورة الشهرية تكون مريضة، لذلك على الرجل أن يعاملها في هذه الفترة على أنها غير طبيعية فيتحملها، ولا يُحمل عليها، لأنها تكون في آلام شديدة، وكثير من الرجال لا يقدِّر هذه الظروف، ويريدها ما شاء الله عليها في أي ظرف، لكن لا بد للإنسان المؤمن أن يكون حسَّاساً، فيُحس بظروف المرأة في هذا الفترة.
وكذلك في فترة النفاس، والنفاس في الشريعة أقله لحظة، وأكثره أربعين يوماً، فليس له مدة محددة.
السيدة فاطمة بنت حضرة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أعاجيب الله فيها أنها لا تحيض، وهي حالات شاذة موجودة حتى في ميدان العلم، وتحمل، لكن ليس لها دورة، فكانت عند ولادتها للحسن والحسين والسيدة زينب، وبعد الولادة بساعة تطهر وتُصلي وتصوم، لأن الدم نزل مرةً واحدة وانتهى الأمر!.
لكن بالنسبة للنساء الأخريات فكل واحدة لها ظروفها، فبعد انتهاء نزول الدم إن كان بعد أسبوع، أو بعد عشرة أيام، أو خمسة عشر يوماً، وأقصاه أربعين يوماً، إذا جاء النفاس في شهر رمضان فيجب عليها أن تفطر وتعيده بعد شهر رمضان.
أيضاً أعطى الله عز وجل النساء لأمور أُخرى رخصة، إذا كانت حامل ولا تستطيع الصيام مع الحمل، والذي يُقرر ذلك الطبيب، فتفطر وتعيد هذه الأيام التي أفطرتها فيما بعد إن شاء الله.
وإذا كانت تُرضع، ولا غنى للمولود عن لبن رضاعتها، لأن هناك بدائل للبن الآن كثيرة، لكن الذي يحدد ذلك أيضاً الطبيب، لأنها قد تقول: أن الولد لا يستغني عن لبني وتُفطر، في حين أن هناك بدائل من الألبان الصناعية وغيرها يكتفي بها الطفل وهي تصوم لله سبحانه وتعالى.
لكن إذا قرر الطبيب أنها تفطر من أجل الطفل - وليس من أجلها – لأنه لا يستغني عن رضاعتها، فنقول لها افطري ولكن عليك شيئين اثنين: أنت لا تفطري لنفسك ولكن من أجل الطفل، فعليك أن تعيدي هذه الأيام، وعليك أن تُخرجي أيضاً فدية عن كل يوم، حتى يكون هذا الأمر في أضيق نطاق وحسب الضرورات.
المجاهدين في سبيل الله إذا كان هناك حالة الحرب، كما حاربنا في عام 1973م وكانت الحرب في يوم العاشر من رمضان، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خرج مع أصحابه في شهر رمضان، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
{ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا }
في منتصف الطريق طلب منهم الفطر ولم يعزم عليهم، فمنهم من أفطر ومنهم من ظل صائماً، لكن في صباح لقاء العدو أمرهم بالفطر لأنهم في حاجة للقوة للجهاد والقتال، ويعيد هذه الأيام مرة أخرى بعد أن يُيسِّر له الله سبحانه وتعالى أمره.
هناك نقطة أحاول أن أوضحها لأننا قد تحدث لنا ونراها، إذا كان عندنا إنسان مريض في رمضان، وكان في غيبوبة، ومات في شهر رمضان، فليس عليه أيام من الصيام، لأنه ما دام في غيبوبة فليس عليه شيء.
لكن إذا أفاق ومات في رمضان، فأول شي مُطالب به الأولاد والإخوة سداد الدين الذي عليه، ودَين الله أولى بالقضاء.
ومن رحمة الله بنا أنه أعطانا فرصة أن نسدد عنه الحج إذا استطعنا ونسدد عنه الصيام، إما أن نُخرج الفدية بحسب القيمة وقتها، وإما أن نوزع الأيام علينا فإذا كان عليه مثلاً خمسة عشر يوماً، فنقول: أنت يا فلان عليك ثلاثة، وأنت يا فلان عليك أربعة أيام، والآخر عليه كذا، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ }
لكن الصلاة لا يجوز فيها أن يُصلي أحد بالنيابة عن أحد، ولا يقضي الصلاة عن أحد، لأهمية الصلاة، لأنها عمود الإسلام.
أما الذي يفطر في شهر رمضان بغير عذر من الأعذار التي ذكرناها، ما الذي يُكفِّر عنه؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ }
يعني لو صام العمر كله فلن يُكفِّر عنه، فماذا يفعل؟ يتوب إلى الله توبةً نصوحاً، ويعاهد الله أن لا يرجع إلى هذا الأمر.
لكن الذي يفطر أمام الناس في وسط الطريق، ويتباهى بذلك، هؤلاء قال فيهم صلى الله عليه وسلَّم:
{ كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ }
لأنهم يتباهون ويفتخرون أمام الناس بهذه المعصية.
بقي صنفٌ واحدٌ وهو الذي عليه الكفارة والقضاء، إذا جامع الرجل زوجته في نهار رمضان، وأفطر على الجماع، فعلى المرأة أن تعيد اليوم فقط، ولكن الرجل عليه صيام شهرين متتابعين غير هذا اليوم، يعني عليه واحد وستين يوماً، وإذا أفطر في يوم في النصف يرجع فيُعيد من جديد.
نسأل الله أن يحفظنا أجمعين، وأن يتولانا بولايته، ويرعانا برعايته، ويمدنا ببركاته وصيانته.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

مكروهات الصيام

مكروهات الصيام
سنتناول باختصار شديد مكروهات الصيام، يعني الأمور التي يُكره للصائم أن يفعلها، وكلمة يُكره للصائم أن يفعلها يعني لو تركها يُثاب على تركها، ولو فعلها ليس عليه شيء، ولا تؤثر عليه بشيء
أول هذه الأمور: أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بالمبالغة في المضمضة والإستنشاق، وقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا }
إذاً يُكره للصائم أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق، لأنه لو بالغ في المضمضة قد تنزل قطرات رغماً عنه إلى الجوف فيفطر، لكن أنا أتمضمض وأستنشق ولا أُبالغ فيهما أثناء الصيام.
الأمر الثاني: قلنا من قبل أنه يباح لمن يعمل في مهنة الطبخ أو الزوجة أن تتذوق الطعام، بشرط أن لا تبتلع ما وصل إلى ريقها من الطعام، فلذلك يُكره المبالغة في تذوق الطعام، لأن البعض عنده وسوسة ويريد أن يتذوق الطعام ثلاثة أو أربع مرات، وهذا لا يصح في الصيام، والمباح مرة واحدة، وإذا أرادت أن تتأكد فتبحث عن طفلة صغيرة غير صائمة، أو امرأة عليها الدورة الشهرية، ولكن يُكره المبالغة في تذوق الطعام.
الأمر الثالث: يُكره للصائم أن يقضي نهاره في النوم حتى لا يشعر بأثر الصيام والجوع، فمباح له النوم في أي وقت، وحتى لو كان مُتعب ونام طوال النهار فليس عليه شيء.
نفرض أنه يعمل بالليل ويقضي النهار في النوم، فلا مانع، ولكن بشرط أن لا يضيع فرائض الله، فيقوم من النوم ويصلي الظهر والعصر حاضراً، ولا يتحجج بأنه متعب ولا يقوم من النوم إلا قبل المغرب، لكن لا يضيع فرائض الله، وينام كما يريد ما دام متعباً، وما دام ليست نيته أنه ينام حتى لا يشعر بالجوع والصيام، ولكنه ينام لأن العمل اضطره إلى هذه الأمور.
الأمر الرابع: يُكره للصائم أن يقضي وقته بالنهار في اللهو واللعب، وهي الأمور التي نسميها تسالي الصيام، فنجد أن كثيراً من الناس غير المتفقهين في الدين في الوقت من العصر إلى المغرب، وهو أفضل وقت لتلاوة كتاب الله، يجتمع ثلاثة أو أربعة مع بعضهم ويلعبون دومينو، أو كوتشينة أو طاولة حتى يؤذن المغرب ليضيعوا الوقت، والنبي صلى الله عليه وسلَّم قال فيمن يفعل ذلك:
{ ‏مَنْ لَعِبَ‏ ‏بِالنَّرْدَشِيرِ ‏فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ }
وكلمة النردشير أو النرد كلمة فارسية، لأن من أتى لنا بهذه الألعاب هم الفرس عندما دخلوا في الإسلام، فالذي يلعب بهذه الألعاب كمن يضع يده في دم خنزير، ودم الخنزير نجس.
والناس في القرى أو القادمين من القرى يلعبون بشيء قريب من ذلك، ويسمونها السيجة، ويُطلقون على مكوناتها بالكلاب، ويقولون الكلب ذهب والكلب جاء، فهل أقرأ كلام الله أم أختم يومي بالكلاب؟! فهذا لا يجوز أبداً.
ومثلها كذلك ما استجدَّ في عصرنا أنه يقضي النهار في مشاهدة الأفلام، ونحن نريد أن نأخذ أجازة من اللهو واللعب في هذه الأيام، ونُعطي فرصة لتلاوة كتاب الله الذي نهجره طوال العام، فحتى في هذه الأيام المباركة تلاحقنا المسلسلات والأفلام!!.
وناهيك عن الألعن والأشد في العقوبة أن أولادنا كلهم معهم التليفون المحمول، وفي نهار رمضان يفتح على المواقع الإباحية، وطبعاً وارد أنه وهو يشاهدها أن يُنزل ويكون قد أفطر في هذا اليوم، ناهيك عن أنه يُفسد صيامه بهذه المشاهد التي لا تليق.
وإذا كان الإسلام نهى الزوج في هذه الأيام المباركة عن أن يُكثر التطلع لزوجته بشهوة في نهار رمضان، ولذلك نقول لبناتنا في أيام رمضان لا تفعلي شيئاً يُثير الرجل، يعني لا تبتذلي في الملابس، ولا تبتذلي في الذواق والتجمُّل، حتى لا يتنبَّه الرجل لهذه الأمور، ويظل محافظاً على طاعة الله سبحانه وتعالى، وفي الليل افعلي ما يحلو لك، فعندنا وقت حتى مطلع الفجر كما نشاء.
فحتى نظرة الرجل إلى زوجته - وليس لأحد أجنبي - بشهوة مكروهة في هذه الأيام حتى لا تتحرك الشهوة بداخله، وقد تؤدي إلى الإنزال، فيفطر في هذا اليوم، لأنه فعل ما لا يُحبه الله، وما لا يرضاه سبحانه وتعالى.
وليس النظر فقط، ولكن يُكره القبلة من الرجل لزوجته أثناء الصيام، لأن القبلة تُحرك الشهوة، وكما ذكرنا قبل ذلك أن الشاب الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلَّم: هل تُباح القبلة للصائم؟ قال: لا، لماذا؟ للابتعاد عن هذا الأمر بالكلية، والانشغال بتلاوة كتاب الله، وبذكر الله، وبالاستغفار وبالأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

مباحات الصيام

مباحات الصيام
ما المباح للصائم الذي أباحه له الدين أن يفعله، وإذا فعله ليس عليه حرج؟ أذكرها باختصار شديد:
يُباح للصائم الإستحمام في نهار رمضان، إن كان في الحمام أو في البحر.
ويُباح له استخدام السواك ومعجون الأسنان والفرشة إلى الظُهر، ويُكره له استخدامهم بعد الظهر، لأن الله عز وجل يُحب رائحة فم الصائم، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ }
ومن العلامات التي سنظهر بها يوم القيامة، أننا سنكون هناك وكل واحد منا رائحة فمه أطيب من رائحة المسك، فيعرفون أن هذا من الصائمين من أُمة محمد صلى الله عليه وسلَّم.
يُباح للصائم استخدام بخاخة للأنف، أو بخاخة للأُذن، أو بخاخة للصدر، ولكن بشرط أن لا يبتلع شيئاً من ذلك إذا وصل إلى حلقه.
يُباح لمريض القلب إذا وصل إلى حالة يعرفها ويُحددها له الطبيب أن يضع الحبة التي توضع تحت اللسان، وصيامه صحيح.
وإذا احتاج وتطور الأمر إلى الاستكشاف، فيتم الاستكشاف وليس عليه شيء،إن كان عن طريق البالون أو عن طريق الدعامة، وصيامه صحيح.
إذا اضطر الإنسان أن يزيل ضرساً أو سناً وهو صائم، فلا مانع من ذلك، على أن لا يبتلع شيئاً من الدم الذي ينزل، وحقنة البنج التي يأخذها ليخلع الضرس ليس فيها شيء، ولا تبطل الصوم، وصيامه صحيح.
بعض الأمراض التي تحتاج إلى لبوس، أباح العلماء الأجلاء على مستوى العالم الإسلامي في مجمع الفقه الإسلامي في جدة استخدام اللبوس إن كان في الشرج أو في الفرج بالنسبة للنساء، ولا يُفطِّر ذلك، لأنه ليس أكلاً أو شُرباً، وإنما علاج يستخدمه الإنسان.
يُباح للإنسان أن يُؤخذ منه عينة دم إذا أراد أن يُحلل في معمل تحليل، ويُباح له أن يتبرع بالدم إذا كان يريد أن يُنقذ مريضاً ويحتاج إلى نقل دم، وكل هذه الأشياء لا تفطر الصائم.
يُباح للمرأة أن تضع في عينيها الكُحل إذا كانت لن تخرج من المنزل ولن يراها إلا محارمها، وليس عليها شيء في ذلك، وصيامها صيامٌ صحيح.
كل هذه الأشياء أباحها الدين لنا تيسيراً لنا جماعة المؤمنين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُعيننا على الصيام والقيام، وعلى ذكره وشكره وحُسن عبادته.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

مستحبات الصيام

مستحبات الصيام
كلمة مستحبات يعني إذا عملها الإنسان فله الأجر والثواب، وإذا لم يعمل بها ليس عليه ذنبٌ ولا عقاب.
1- أول مستحبات الصيام تعجيل الفطر، عندما يسمع الإنسان أذان المغرب، أو إذا كان في مكان لا يصل إليه فيه صوت الأذان، وتأكد من وجوب المغرب، يفطر فوراً، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ }
بعض أهلنا في القرى إذا أردت الفطر يقول لك: انتظر حتى يتشهَّد، يريدون أن يتأكدوا، ولكنها ليست موجودة في الدين، فعندما يقول المؤذن (الله أكبر) أفطر على الفور إن كان على تمر أو ماء أو على أي شيء حُلوٌ.
إذا كان الإنسان ليس له عُذرٌ في تأخير الإفطار، يعني المباح أمامه أن يُفطر، وأخَّر الإفطار، وتعمَّد التأخير، فهذا يُؤاخذ لأنه خالف الهدي النبوي الشريف الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
لكن إنسان يركب سيارة، والطريق مزدحماً قبل المغرب، وأذَّن عليه الأذان وليس معه شيء ولو ماء ليفطر عليه، فهذا له عذر، وأول ما يجد الماء يفطر على الفور.
2- مع تعجيل الفطور هناك عدة سننٌ نبوية ينبغي أن نراعيها مع الفطور، فكل صائم له عند فطره دعوةٌ لا تُرد، فإذاً أنا عندما أسمع أذان المغرب أدعو دعوتي التي أعطاها لي الله أولاً، وبعدها أُسمِّ الله وأفطر، أي دعاء تريده من أمور الدنيا والآخرة، أو تدعو بدعاء السيدة عائشة عندما قالت: يا رسول الله أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ:
{ قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي }
فإذا أردت أن تقول: اللهم اغفر ذنوبي، أو اللهم يسر لي حسابي، أو أو اللهم وسع أرزاقي واشف أمراضي، أو اللهم اهد أولادي، فلا بأس بذلك، أي دعاء، واجعل لنفسك كل يوم دعاء تُنهي فيه كل طلباتك وحاجاتك التي تحتاجها من الله عز وجل، لأن هذا دعاء مستجاب ولا يُرد، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ }
3- استحب العلماء والأطباء أن نقتدي بأمير الرسل والأنبياء في الفطر، فنفطر على تمر، إما أن يكون مبلولاً بلبن، أو مبلول في ماء، أو تمر عادي.
ولماذا التمر؟ هذا من إعجاز النبوة، فالأطباء والعلماء قالوا: إن الإنسان في آخر اليوم يكون الجسم قد وصل إلى حالة من الهزال والكسل والوخم، فيحتاج إلى شيء ينشط الأعضاء سريعاً، فلو بدأ الأكل بشيء دهني إن كان زبد أو قشدة أو ما شابه، فهذه تستغرق حوالي ست ساعات حتى تصل إلى الدم وتصل إلى الأعضاء لتتنشَّط.
ولو بدأ أولاً بمادة بروتينية كاللحم أو السمك أو ما شابه قالوا أيضاً: تحتاج إلى حوالي أربعة ساعات حتى تصل وتنشط الإنسان.
فما الشيء الذي يُنشط سريعاً؟ قالوا: المواد السكرية، فخلال دقائق تكون قد وصلت للدم، ونشطت الإنسان، وأعطت للإنسان الحيوية التي يحتاجها في هذا الوقت.
ولماذا البلح بالذات؟ البلح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم اختاره لأنه مكون من ألياف، وهذه الألياف عندما تنزل إلى المعدة تمتص الماء، وتجعله ينزل إلى المعدة بالتدريج، فلا يؤذي الإنسان، لكن إذا شربت الماء ووصل دفعة واحدة إلى المعدة قد يؤذي الإنسان، ولذلك صلى الله عليه وسلَّم لم يترك شيئاً إلا وعلمنا إياه، كيف نشرب؟ قال صلى الله عليه وسلم:
{ إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا، وَلا يَعُبُّ عَبًّا فَإِنَّ الْكِبَادَ مِنَ الْعَبِّ }
مرض الكبد ما سببه الرئيسي؟ يأتي الإنسان وهو عطشان فيذهب إلى الثلاجة ويُخرج زجاجة ويشرب منها مرة واحدة، فتصل إلى الكبد، والكبد هو مطبخ الجسم الذي يطهي الطعام الذي نأكله ليُحوله إلى الطعام المناسب لأعضاء جسم الإنسان، فهذا طعام للعين، وهذا طعام للمخ، وهذا طعام للسان، وهذا طعام لليد، كل جزء من أجزاء الإنسان له طعام خاص به، من الذي يُصنِّع طعامنا هذا؟ مطبخنا وهو الكبد.
ومطبخ يعني فيه نار، وعندما ينزل الماء البارد عليه لا بد أن يُؤثر في خلاياه، ويؤثر في جزئياته، ولذلك حضرة النبي أمرنا عندما نشرب الماء أن نمُصَّه ونشربه على ثلاث مرات، وكل مرة في البداية تقول: بسم الله وبعد الإنتهاء تقول: الحمد لله، وبعد المرة الثالثة تقول:
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ ملحًا أُجَاجًا بذنوبنا }
فلو عاملنا الله ببعض ذنوبنا لن نجد قطرة ماء حلوة على وجه البسيطة لنشربها، لكنها رحمة من الله تبارك وتعالى بنا.
فماذا يحدث عندما نأكل التمر؟ هو أسرع مادة سكرية تصل إلى أعضاء الإنسان، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هو ليس به مواد دُهنية ولا مواد بروتينية تؤذي المعدة، وهي غير جاهزة للهضم، كذلك كما قلنا أن التمر يمتصَّ الماء الذي أشربه لينزل بالتدريج.
فمن الهدي النبوي أن الإنسان يُفطر على التمر إن كان مبلولاً باللبن، أو بالماء، أو تمراً جافاً، ويشرب بعده الماء، فهذا هدي الحبيب المختار صلى الله عليه وسلَّم.
بعد ذلك صلاة المغرب، وعلى حسب حالة كل إنسان مسلم، أنا أولادي أعطيتهم تفويض وقلت لهم: لا تنتظروني وكلوا أنتم، وأنا أريد أن أُصلي المغرب أولاً فبها ونعمت، وهذا أنفع وأحسن لأي إنسان، لماذا؟ لحظة نزول الطعام في بطن الإنسان، فإن المعدة تُهيئ ويتم التنبيه على أعضاء الهضم في الإنسان فيتجهزوا، فيتنبه البنكرياس ليفرز الأنسولين ليهضم السكر، وتُنبه المرارة لإفراز العصارة المرارية للحم والبروتين، وكل عُضوٍ يتنبَّه، وحتى ينتهي الإنسان من الصلاة تكون الأعضاء جاهزة لاستقبال الطعام.
أولاً: لن يأكل كثيراً، ولكنه سيأكل كما قال ربنا: " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " (31الأعراف).
ثانياً: لن يُصلي التراويح ويغالب النوم، لأن الذي يأكل كثيراً عند المغرب وعند صلاة التراويح يغالبه النوم، لأن الطعام في المعدة تزاحم عن الوضع الطبيعي، والدم الذي في الجسم كله تحول للمعدة للهضم، فأصبح الدم الذي في المخ بسيط، فيأتيه الكسل والتراخي والنوم.
أما إذا كان أولادي متمسكين بي للأكل معهم، وهذه فرصة لأُعلِّمهم آداب الطعام في رمضان، وأنا لا أعرف أن أجلس معهم قبل رمضان ولا بعد رمضان، فما المانع أن أجلس معهم للأكل، وأقول لكل واحد منهم: قل بسم الله، وكل بيمينك، وكُل مما يليك.
وبعد أن أنتهي أصلي المغرب، المهم لا أنتظر إلى العشاء، لأن الإنسان بعد الأكل يرتخي جسمه، فينتظر حتى يشرب الشاي، وإذا أُعجب بشيء في التلفزيون قد ينتظر، وفجأة يسمع أذن العشاء وهو لم يصلِّ المغرب!!.
فلِمَ تضع نفسك في هذه الورطة؟! أنت تُفطر عند المغرب مع أولادك أو إذا كان معك ضيوف، لأنك لن تقول للضيوف هيا نُصلي أولاً إلا إذا كان عندهم رغبة، فتجلس تأكل معهم لتجبر بخاطرهم، وبعد أن تنتهي من الأكل مباشرة تقوم إلى صلاة المغرب حاضراً لله تبارك وتعالى.
4- تأخير السحور لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ }
والسحور وقته يبدأ من منتصف اليل يعني من حوالي الساعة الثانية عشرة، لكن الوقت المثالي للسحور الذي كان يتسحر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، روى سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال:
{ تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ  ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قيل: كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً }
كانوا لا يحسبون الوقت بالساعات والدقائق والثواني لأنها لم تكن قد اخترعت بعد، وإنما يحسبون الوقت بتلاوة آيات الله، وذكر الله، والتسبيح، والاستغفار لله!!.
الوقت بعد انتهاء السحور إلى أن ذهبوا للصلاةكان مقداره تلاوة خمسين آية، وهو ما نسميه وقت الإمساك، وهو حوالي ثلث ساعة قبل الفجر.
لماذا مشى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على هذا النهج، واستحب لنا ذلك؟ أولاً: أن الإنسان عندما يأكل يتحول الدم الذي في جسمه كله إلى المعدة ليهضم الطعام، فيقل تواجد الدم في المخ، فإذا أكل بالليل، في الساعة الواحدة مثلاً سينام، ولم يستطع أن يقوم من المنام بسبب الوخم الذي سيطر عليه لأن الدم كله في المعدة منشغل بهضم الطعام.
لكن إذا تسحر قبل الفجر، وبعد ذلك يتوضأ، ثم يذهب إلى المسجد ليصلي الفجر، ثم يختم الصلاة ويسبح الله، فيستغرق في ذلك كله حوالي ساعة، وعندها ستكون المعدة على وشك الانتهاء من هضم الطعام، فيرجع الدم إلى وضعه الطبيعي، وبعد ذلك إن نام سيكون الجسم في الأرض والروح في ملكوت السماوات، لأنه سيكون نوم شفاف ولطيف وخفيف.
ورد في بعض الأثر أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى الإمام علي نائم في مسجده، فقال له بعض أصحابه أنوقظه؟ قال: ((دعوه، عليٌّ وإن كان جسمه على الثرى إلا أن قلبه بالملأ الأعلى)).
ولذلك كان النبي بعد صلاة الفجر على الدوام يلتفت إلى أصحابه ويقول لهم:
{ أَيُّكُمْ رَأَى اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ }
لماذا؟ كان كل واحد منهم بمجرد أن ينام فإن الروح تسافر في سياحة ملكوتية عند حضرة الله، فتذهب إلى الجنة، أو تجتمع بنفر من الملائكة، أو ترى ما لا يراه الناظرون، فيقوم مسرور الخاطر وسعيد البال بما له وما رآه عند الواحد المتعال عز وجل.
الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحكيم الأعظم كان حريص على كل أعضاء الأمَّة، والأمَّة فيها الطفل الصغير، وفيها الشاب، وفيها الشيخ الكبير، فالذي يناسب الطفل الصغير والشيخ الكبير في السحور تأخير السحور، حتى يمكث الطعام في معدته فترة طويلة فلا يجوع بالنهار، ولذلك لا بد من السحور، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في السحور:
{ تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً }
حتى لو كنت غير جائع عليك أن تأكل أي شيء، وإن لم تستطع أن تأكل قال صلى الله عليه وسلم:
{ تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرعَةٍ مِنْ مَاءٍ }
حتى تأخذ بركة السحور، هذه البركة تجعلك لا تعطش طوال النهار ولا تجوع أبداً إن شاء الله.
أما الأولاد الصغار فلا بد أن نسحرهم، ولا بد أن يكون في السحور مادة بروتينية، على الأقل بيضة، لأن الطفل الصغير جسمه يبني خلايا باستمرار، خلاف الكبير الذي انتهى بناء الخلايا عنده، فإذا نفد الطعام من الطفل فإن الذي يحدث علمياً كما قالوا أن المعدة تكسر بعض الخلايا من جسم الصبي لتتغذي بها، فيحدث للطفل ضعف، ولذلك لا بد أن يتسحر الصغير، ويكون في السحور مادة بروتينية والتي تتكون منها خلايا جسم الإنسان.
أيضاً بالنسبة للكبار لا بد أن يتسحر، ويكون مع السحور أصبع من الموز وبلح وتينة، لماذا؟ لأن هذه الفواكه غنية بمادة البوتاسيوم، وهذه المادة تجعل الإنسان طوال النهار لا يعطش ولا يجوع، وهذا هو السحور الصحي.
وهذه وصفة طبية ولكنها مناسبة لكبار السن وللجميع، وخاصة في أيام الصيف التي يطول فيها النهار، فما أروع حبيب الله ومصطفاه في وصفه النافع لنا أجمعين في جميع مراحلنا في هذه الحياة.
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للسير على سنته، والتمسك بهديه وسيرته، ونسأله عز وجل أن يجمِّلنا أجمعين بأخلاق حضرته، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

مبطلات الصيام المعنوية

مبطلات الصيام المعنوية
ذكرنا فيما سبق الأشياء التي تفطِّر الصائم، وتجعله مفطراً في نظر الله ورسوله من الأشياء الحسية المعروفة الملموسة.
لكن هناك أشياء معنوية تفطِّر الصائم، هذه الأشياء لا يفطن إليها كثيرٌ من الناس، وهؤلاء سيُفاجئون عند لقاء العلي الكبير يوم القيامة، لأنه يعتقد أنه صام شهر رمضان كله، ويُفاجأ أنه ليس له حتى يوم واحد من الصيام عند الله عز وجل.
يُصلي طوال حياته، ويأتي يوم القيامة يجد صلاته كلها غير مقبولة ومردودة عند الله.
اجتهد وجمع أموال الحج وذهب للحج، ويجد يوم القيامة أن هذه الحجة غير مقبولة عند الله، وهؤلاء يقول فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
{ رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ }
المطعم الحرام
أول أمر يجعل عمل الإنسان إلى الله غير مقبول المطعم الحرام، مثلا! هو صائم طوال النهار، وآخر النهار ذهب إلى محل ليشتري بعض طلبات البيت، وخبأ شيء من ضمنها في ملابسه حتى لا يحاسب عليها، فأصبح مطعمه هنا حرام، وصيامه وصيام من معه في البيت لا يُقبل عند الله تبارك وتعالى إلا إذا خرج من هذا الحرام وردَّه لصاحبه، ثم تاب إلى الله تبارك وتعالى توبة نصوحاً.
الرسول صلى الله عليه وسلَّم يُبين لنا فداحة هذا الأمر فيقول صلوات ربي وتسليماته عليه:
{ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا }
صلاة وصيام وتلاوة قرآن وعبادات ودعاء، كل هذا لا يُقبل لمدة أربعين يوماً من لقمة واحدة، فكيف بمن يعيش على ذلك؟!! من يعيش على ذلك قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ }
فهذا يذهب إلى جهنم وبئس القرار، وهذا الأمر الذي جعل المسلمين على مدى الزمان إلى عصرنا هذا يعيشون في أمن وأمان مع بعضهم، كان الواحد منهم إذا احتاج إلى أي صانع يُصلح له أي شيء، إن كان في البيت، أو في السيارة، أو في العمل، في أي أمر، كان السباك حريص، والنجار حريص، والحداد حريص، وكل الصنَّاع حريصون على تطبيق قول الله: " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ " (105التوبة) فلا يحتاج لأحد أن يستلم منه، ولا أحد يفتش وراءه، لأنه يراقب الله سبحانه وتعالى.
لكن إذا كان الصانع يعمل الشيء في أي زمان ومكان ويترك فيها عيب غير ظاهر لترجع إليه ثانية، فأصبح مكسبه كله حرام، لأنه لا يراعي الله سبحانه وتعالى، ولا يراقبه في عمله، وليس كل واحد منا خبير في كل المهن، ولا يأتي بمهندس يتسلم منه في أي شيء، فعندي شيء بسيط في المنزل فلا أحضر مهندساً ليتسلم من الصانع، فأنا أعتمد علي أنه يعمل بقول النبي:
{ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ }
أذهب للتاجر ولا أحد منا عنده استعداد أنه بعد أن يزن عند التاجر يذهب ليزن عند تاجر آخر، فنحن مطمئنين له، فإذا كان هو غير أمين في الميزان، أو في الصنف الذي يُعطيه لي، أو كما يعمل بعض تجار في الفاكهة، يضع الفاكهة الرديئة في الأسفل والجيدة في الأعلى، فهل تظن أنك تضحك عليَّ؟ لا، أنت تضحك على نفسك، لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
{ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا }
وفي رواية أخرى: ((مَنْ غَشَّ أُمَّتي فَلَيْسَ مِنِّي)) فعمَّم الأمة كلها ليكون إلى يوم القيامة، وليس الغش في زمانه فقط، فالذي يغش أي أحد في الأمة إلى يوم القيامة يكون قد خرج من أُمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فلن يشفع له، ولن يدافع عنه، ولن ينفعه إخوانه المؤمنين، لأنه غش المسلمين والغش منعه رب العالمين تبارك وتعالى.
وهكذا قس على ذلك في كل أمر، حتى الإنسان الذي يذهب إلى عمل، إن كان هذا العمل حكومي أو أهلي، ويزوغ من العمل، ويُهيأ له أنه ذكي، فأنت تضحك أيضاً على نفسك.
ذهب رجلٌ للإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وقال له: أنا أعمل عند فلان ويُعطيني أجر كذا، وهذا الأجر لا يكفيني، فقال له: أنت تأخذ أكثر من حقك، اجعله يُنقصك ربع هذا الأجر، فأنقصه ربع الأجر، واستمر مدة فوجد أن ما يأخذه لا يكفيه، فذهب إلى أبي حنيفة وقال له: أنا جعلته ينقص ربع الأجر وأيضاً لا يكفيني، فقال له: أنت لا زلت تأخذ أكثر من حقك، فاجعله يُنقصك نصف الأجر، فأنقصه نصف الأجر، وذهب يسأل عنه، فقال له: الحمد لله، النعمة كافية وزيادة، فقال له: هذا الأجر الذي تستحقه نظير عملك.
فلو أخذت أكثر من حقك سيأخذ البركة معه، وأنا أقول هذا الكلام من أجل إخواننا الصناع، يرى أن السيارة تحتاج إلى شيء بسيط وثمنه خمسين جنيهاً مثلاً، فيقول: إنها تحتاج ألف وخمسمائة جنيهاً، ولم تأخذ هذه القيمة؟ أنت تظن أنك تضحك على هذا الرجل، ولكنك تضحك على نفسك، ولذلك كثيرٌ منهم يأخذ هذه الأموال وينفقها في المسكرات والمخدرات والطرق المتعسرات، ولا يُوفق لإنفاقها في طاعة الله تبارك وتعالى.
ناهيك عن إن عمله مع الله أصبح في طريقٍ مسدود، فأساس الطريق إلى الله عز وجل والعمل الصالح المطعم الصالح.
سيدنا سعد أبن أبي وقاص خال النبي صلى الله عليه وسلَّم ذهب إليه وقال له: ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، ما الروشتة التي أعطاها له حضرة النبي؟ هل قال له: صل كم ركعة كل ليلة؟ أو صُم كم يوم كل أسبوع؟ وسبح كم من التسبيحات؟ لا شيء من ذلك نهائياً، لكن أعطاه روشتة بسيطة من كلمتين:
{ يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ }
ولذلك أنا أرى كما رأى الإسلام: كل رجلٍ في عصرنا هذا يأكل من حلال فهو ولي من أولياء الله سبحانه وتعالى المذكورين في كتاب الله، وهذا إذا سأل الله يُعطيه، وإذا استعان بالله يُعينه، وإذا استجار بالله يُجيره، وإذا وقع في أي شدة يكن الله عز وجل ضمينه، لأنه مع الله على الدوام.
فأول أمر ينبغي أن ينتبه له جموع المؤمنين أجمعين الحرص على المطعم الحلال، الذي ليس فيه شيء من الربا، ولا شيء من الزيادة في الوزن أو الكيل أو الصنف، ولا شيء من الغش، ولا شيء من الرشوة، كل هذه الأمور مطعم حرام يجعل بين العبد وبين مولاه سداً لا يتقبل الله منه عملاً أبداً حتى قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: " يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ "، وَقَالَ: " يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ "، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ }
وقال صلى الله عليه وسلم:
{ إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلالٌ، وَحَجُّكُ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ }
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الأرزاق الحلال، وأن يبارك لنا فيها، وأن يحفظنا من الأرزاق الحرام ما ظهر منها وما بطن.
خمس يُفطرن الصائم
كذلك من مبطلات الصيام المعنوية، وهو ذنب معظم الناس لا يعتقد عندما يرتكبه أنه ارتكب ذنب، فيُهيأ له أنه عمل شيئاً لا يحاسب عليه، قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ، وَيَنْقُضْنَ الْوُضُوءَ: الْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالْكَذِبُ، وَالنَّظَرُ بِالشَّهْوَةِ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ }
1- الكذب
الله عز وجل سمَّانا الصادقون: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " (119التوبة) نحن أمة الصدق، لكن مَن في مجتمعنا المسلم ينتبه أن الكذب ذنب سيُحاسب عليه؟! أغلب الناس يعتبروه فهلوة وشطارة، وإن لم يفعل ذلك فلن ينجح في العمل ولا في البيت ولا في غيره، مع قول النبي صلى الله عليه وسلَّم في ذلك عندما سُئل:
{ هَلْ يَزْنِي الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ، قَالَ: هَلْ يَسْرِقُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ، قَالَ: هَلْ يَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: لا، قال الله: " إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ" }
وفي رواية أخرى قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
{ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ فَقَالَ: لَا }
من صاحب أعلى رتبة بعد النبي صلى الله عليه وسلَّم في الأمَّة؟ أبو بكر الصديق، واسمه الصديق، وأعلى الرتب عند الأنبياء والتي ذكرها الله: " فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ من النبيين والصديقين " (69النساء) أولاً النبيين وبعد ذلك الصديقين، ومن الذي يريد أن يكون من الصديقين ويأخذ هذه الرتبة؟ كلنا، كيف؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا}
فرتبة الصديقية كيف ينالها الإنسان؟ بالصدق، نفرض أنني في موقف ولن يُنجي منه إلا الكذب، الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال: (إذا كان الكذب يُنجي فالصدق أنجى) فالصدق أنجى في كل المواقف.
ما حكم الكذب في الصيام؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ }
الله غير محتاج لجوع هذا العبد ولا عطشه، لكنه ترك الجوع والعطش ومن باب أولى يترك الكذب على الله، والكذب على خلق الله.
2- الغِيبة
كثيرٌ من الناس ينطقها خطئاً الغَيْبَة، ولكن نطقها الصحيح الغِيبَة، والغِيبة أن تذكر أخاك في الإسلام بما يكره في غيبته، يعني تتكلم عن واحد من المسلمين وتذكره بما يكرهه ولا يُحب سماعه، وإذا وصل إلى أُذنه شيء من هذا الكلام يتغير نحوك.
والغيبة جعلها الله عز وجل في كتاب الله أكل، فقال سبحانه وتعالى: " وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا " (12الحجرات) يعني من يتكلم في حق أخيه كمن يأكل في لحم أخيه بعد موته، وطبعاً كما قال الله: " فَكَرِهْتُمُوهُ " (12الحجرات) فهذا شيء لا يرضاه أي إنسان.
بل حتى الحيوانات لا ترضى بذلك، فإن الكلاب تتقاتل وتتصارع مع بعضها، ولكن إذا مات كلبٌ لا يقربون منه ولا ينهشون لحمه، ينهشون أي لحمٍآخر لأي حيوان آخر، لكن إذا كان من جنس الكلاب لا يقربون منه ولا ينهشونه ويتركونه على هيئته كما هو، وهذا من العجب العجاب.
رُوي أنه في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم جلست امرأتان كبيرتان في السن معاً تتحدثان أثناء الصيام، وكالعادة الحديث فيه قيل وقال، وفلان وعلان، وقبل غروب الشمس بفترة أوشكتا على الهلاك، وأصبحتا غير قادرتين على تكملة الصيام، فأرسلتا رسولاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يستأذناه في الفطر، فالرسول صلى الله عليه وسلَّم بالبصيرة النورانية التي تفضَّل بها عليه رب البرية: " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي " (108يوسف) قال:
{ ائْتُونِي بِهِمَا، فَجَاءَتَا، فَدَعَا بِعُسٍّ أَوْ قَدَحٍ، فَقَالَ لإِحْدَاهُمَا: قِي، فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ، حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، وَقَالَ لِلأُخْرَى: قِي، فَقَاءَتْ مِنْ دَمٍ وقيحٍ وَصَدِيدٍ حَتَّى مَلأَتِ الْقَدَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلانِ لُحُومَ النَّاسِ }
وبالمناسبة حكم القيء في الصيام، إذا حدث القيء للإنسان غصباً عنه ولم يبلع منه شيئاً، فلا يُفطر الصائم، قال صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ }
ونحن نعرف أن القيء عندما ينزل ينزل ببقايا الطعام التي أكلها الإنسان، يعني لو أكل فول نجد حبات الفول موجودة، أو أكل أي شيء آخر تجد هذا الصنف موجود في القيء لأنه لم يُهضم بعد الهضم الكلي، لكن هاتان حدث معهما - للعظة وللعبرة - أمر غريب، الأولى منهما ملأت نصف الكوب قيئاً دماً ولحماً، وهذا الشيء الغريب، والثانية أكملت الكوب كذلك دماً ولحماً، وكان تقرير معمل التحليل النوراني الرباني وهو نور البصيرة المحمدية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
{ إنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلانِ لُحُومَ النَّاسِ }
نحن نصوم عن الحلال، فالطعام والشراب حلال، وجماع الرجل لزوجته حلال، والله يمنعنا عن الحلال في رمضان حتى يكون الحرام أشدُّ حُرمة في الامتناع عنه.
والغيبة كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: (من اغتاب فقد خرق صومه) يعني صومه انتهى، سواء كان في العمل، أو كان في المواصلات، أو كان في البيت، المؤمن في هذه الأيام المباركة يمتنع عن الغيبة بالكلية، والغيبة كما قلت: ذكر أخاك بما يكره، يعني أنني أذكره بشيء يُشينه ويعيبه.
أيضاً ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مع أصحابه الكرام في غزوة تبوك، وتبوك شمال الجزيرة العربية وجنوب الأردن، والمسافة بينها وبين المدينة حوالي سبعمائة كيلومتراً أو أكثر، وكان في زمن الصيف الشديد، وكان أهل المدينة لم يجمعوا ثمار البلح، وهذا هو المحصول الرئيسي لهم.
فماذا يفعل رسول الله؟ ضَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ الْمُحْتَاجَ إِلَى رَجُلَيْنِ مُوسِرَيْنِ يَخْدِمُهُمَا، وَيَتَقَدَّمُ لَهُمَا إِلَى المنزل فيهيئ لهماما يُصْلِحُهُمَا مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَضَمَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ إِلَى رَجُلَيْنِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَتَقَدَّمَ سَلْمَانُ إِلَى المَنزِل فَغَلَبَتهُ عَينَاهُ فَلَمْ يُهَيِّئْ لَهُمَا شَيْئًا، فَلَمَّا قَدِمَا قَالَا لَهُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ، قَالَا لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطْلُبْ لَنَا مِنْهُ طَعَامًا، فَجَاءَ سَلْمَانُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَهُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْطَلَقَ إِلَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَقُلْ لَهُ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ مِنْ طَعَامٍ وَإِدَامٍ فَلْيُعْطِكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ خَازِنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم على رَحْلِهِ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، فَرَجَعَ سَلْمَانُ إِلَيْهِمَا وَأَخْبَرَهُمَا، فقالا: كَانَ عِندَ أُسامَة طَعَامَاً وَلَكِنْ بَخِلَ، فَبَعَثَا سَلْمَانَ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ شَيْئًا، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَا: لَوْ بَعَثْنَاكَ إِلَى بِئْرِ سُمَيْحَةَ لَغَارَ مَاؤُهَا، ثُمَّ انْطَلَقَا يَتَجَسَّسَانِ هَلْ عِنْدَ أُسَامَةَ مَا أَمَرَ لَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا جَاءَا إلى رسول الله قال لهما: مَالي أَرَى خُضْرَةَ اللَّحْمِ فِي أَفْوَاهِكُمَا!!، قَالَا: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَنَاوَلْنَا يَوْمَنَا هَذَا لَحْمًا، قَالَ: بَلْ ظَلَلْتُمْ تَأْكُلُونَ لَحْمَ سَلْمَانَ وَأُسَامَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " (12الحجرات) .
وخُضرة اللحم يعني اللحم الطازج النيئ، فالغيبة رآها رسول الله أكل لحم نيئ كما وصفه الله تبارك وتعالى.
فنحن معاشر المؤمنين ليتقبل الله منا صيامنا، ويكون صيامنا له أجر موفور، وسعينا عند الله سعي مشكور، وذنبنا عنده ذنب مغفور، ينبغي أن نترك الغيبة بالكلية.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يُعيننا على الصيام والقيام، وأن يطهر ألستنا وجوارحنا من جميع الذنوب والآثام.
3- النميمة
النميمة هي نقل الكلام بغرض الإيقاع بين اثنين، أو بين جماعتين، ولا يوجد هنا حُسن نية، إنسان يقول للآخر: فلان يقول عليك كذا وكذا، وهذا الكلام يحدث في دائرة الأعمال أكثر لكي يتقربوا إلى الرؤساء والمديرين، فيقول: فلان يقول كذا، وفلان يقول كذا، وليته يقول الكلام كما سمعه، لكنه يزيد فيه ويُنقص، وهذه فتنة، والفتنة أشدُّ من القتل، ونهى عنها الله عز وجل نهياً باتاً تاماً، وأمر كل المسلمين أمراً عاماً وقال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَاتِ }
إنسان تكلم معك بكلام، فهذا الكلام أمانة، ويجب أن لا تخون الأمانة وتبيح هذا الكلام، إلا إذا كان هو موافق وأعطاك إذناً.
وكيف أعرف أنه غير موافق؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ }
يعني هو يتكلم معي، ونظر حوله ليتأكد أنه ليس أحدٌ بجوارنا يسمع ما يقول، فمعناها أن هذا الكلام أمانة ولا يصح أن أقوله لأحد آخر إلا إذا أذن أن أقوله بالطريقة التي سمعتها.
هذه النميمة تُبطل الصيام، وتُبطل كل الأعمال لأنها فتنةٌ شديدة نهى عنها الله، ونهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
المصيبة الأعظم أن هذا المرض استشرى في المجتمع عندنا بطريقة رهيبة، ويحتاج حملة للشفاء منه، لأنه يحدث حتى بين الزوجة وزوجها، فالرجل يتكلم معها وحدث خلافٌ في وجهة النظر، فذكر أهلها بكلام لا يريح، فتنقل الكلام لأهلها: إن فلان قال عليكم كذا وكذا، كيف هذا؟! إنه زوجك، فلم تنقلين الكلام وتصنعي فتنة بين العائلتين؟!! ألم تسمعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي يقول فيه:
{ إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عَنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا }
الزوجين بالذات لا بد أن يكون بينهما أمانة تامة، فأنا أرى في بعض الأمور التي تُعرض عليَّ للمشاكل أن الزوجين يعودون الأولاد على النميمة، فتقول له: ماذا قال أبوك عني؟ فيقول لها: قال عليك كذا وكذا، وكذلك الرجل يقول: ماذا قالت أمك عني؟ فيقول له: قالت عليك كذا وكذا، فيتعود على خصلة رذيلة!.
هذا مرض اجتماعي، ولن تنصلح أحوالنا إلا بالقضاء على هذه الأمراض، وهذه الأمراض لا تحتاج إلى حكومات، ولا إلى قوانين، ولكن تحتاج أن نبدأ ببعضنا كما بدأ أصحاب، النبي فكانوا ثُلة مباركة في حياة طيبة أجمعين.
نسأل الله عز وجل أن يُطهَّر ألسنتنا، وأن ينظف قلوبنا، وأن يجعل الحق دائماً وأبداً على ألسنتنا، وأن يوفقنا دوماً إلى ما يُحبه ويرضاه.
4- اليمين الكاذبة
رسول الله صلى الله عليه وسلم أدَّب المؤمنين على عدم الحلف مطلقاً، لأن الله عز وجل قال لنا معشر المؤمنين: " وَلا تَجْعَلُوا الله عُرْضَةً لايْمَانِكُمْ " (224البقرة).
وهي ظاهرة خطيرة انتشرت بيننا معشر المسلمين في هذه الأيام، حتى لدى الصغار، الولد في المدرسة يسأله المعلم: لِمَ لم تعمل الواجب؟ يقول: والله أنا عملته، وهو لم يعمله، ولكنه يحلف كذباً لأنه فهم أن هذا شيء عادي، ليس عليه فيه إساءة، ولم يرتكب فيه خطأ!!.
وأصبح الناس يحلفون في كل ما يتحدثون، وهذا أمر منافي للإسلام، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم لا يحلف أحدهم إلا إذا استُدعي للحلف في أمرٍ هام، يعني شهادة وطُلب عند القاضي وقال له: قل والله العظيم أقول الحق، فهذا أمر مضطر إليه، لكن غير ذلك لا يحلف مطلقاً.
حتى أن الناس الآن لفقدهم الثقة في إيمان بعضهم، لو حلف له أحدهم بكذا يمين بالله، ويقول له: لو أنك لن تصدقني أحلف لك بالطلاق، فيقول له: لن أُصدقك أكثر، لأنه عرف أن الأيمان عنده سهلة، وكل شيء سهل أن يخرج منه باليمين.
وسبحان الله!! إخواننا أهل الكتاب الذين يعيشون معنا أخذوا فضيلة الإسلام، فلا أحد منهم يرضى أن يحلف أبداً، ويقول لك: صدقني، لماذا؟ لأنه الذي لن يصدق فلو حتى حلفت له سيزيد عنده الشك، لذلك ما الذي يضطرني للحلف باليمين؟!، فالمؤمن لا يحلف أبداً.
إذا كان الحلف لترويج سلعة أو بضاعة كما يفعل بعض التجار، فيقول: والله لا أكسب فيها ولا مليم!، يعني هل يُعقل أنك تبيعها ولا تكسب فيها شئ؟!! قُل أنا سآخذ فيها مبلغ بسيط، فهذا مقبول، لكن لا أكسب فيها شيئ أبداً، وبالحلف!!، فهذا غير مقبول.
وبعضهم - هداهم الله - عندما تكلمه يقول لك: قبل أن أخرج من البيت في الصباح حلفت لربنا عز وجل أن كل يمين أحلفه اليوم يكون يمين كذب!!، ما هذا الكلام؟!!، هل سنضحك على الله؟!! سبحان الله!!، حضرة النبي قال في أمثال هؤلاء:
{ الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ }
الذي يحلف ليروِّج بضاعته، ينزع الله البركة من هذا الرزق، فمهما يكسب لا يكون معه بركة أبداً، لأن الله نزع منه البركة.
وأُريد أن أُوضح أمراً بسيطاً، وهو أمر الأيمان، لأن بعض الناس تعودوا لو وقع أحد في أي مطب يقولون له: احلف يمين وغايتها أن تصوم ثلاثة أيام، من الذي قال ذلك؟!!.
أنواع الأيمان
الأيمان ثلاثة أنواع في شرع الله تبارك وتعالى:
أ- يمين لغو، وهو الذي قال فيه الله: " لا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ " (225البقرة) وهو أن أحلف على إنسان من باب الكرم، يعني إنسان قابلته في الطريق فقلت له: والله لتشرفنا اليوم وتتغدى معي، ولم يأت، أو تقول له: والله لتشرب معي الشاي، فلم يوافق، والمفروض أن يوافق لأن من أدب المؤمن مع المؤمن أن يبر قسم أخيه المؤمن، لكنه لم يبر قسمه ولم يوافق، فقالوا: أنت حلفت هذا اليمين من باب الإكرام وليس عليك كفارة ولاشيء.
أو أنا حلفت على شيء في المستقبل، فقلت: والله سوف أعمل في فلان كذا وكذا وكذا، ولم أفعل، فهل أُحاسب على هذا اليمين؟ لا، متى أُحاسب؟ إذا نفذتُ، لكن ما دمتُ أنا قلت هذا من باب التهديد، فليس علي شيء إذا لم أُنفذ هذا الوعيد وهذا التهديد، يعني يقول لزوجته: والله لو خرجت من البيت لأفعل بك كذا وكذا، ولم تخرج، فهذا اليمين لم يقع، وليس عليه شيء، وهذا اسمه يمين لغو.
ب- اليمين المعقود: " بِمَا عَقَّدْتُمُ الايْمَانَ "(89المائدة) وهو أن أحلف على شيء طُلب مني القسم عليها لأبرئ نفسي، فأنا اتهمت إنسان بشيء، وهو يقول: أنا بريئ، فالرسول صلى الله عليه وسلَّم قال في هذه القضية:
{ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ }
فيحلف يمين أنه لم يفعل هذا الشيء، وهذا يمينه صادق لأنه يمين معقود.
جـ- اليمين الحنث، وهذا اليمين يقع فيه كثير من الناس، والذي يحلف فيه كذباً، يعني هو يعرف أنه فعل أمر ما ومتأكد، ويحلف أنه لم يفعل ذلك!!.
هذا اليمين ليس له كفارة، إن كان صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين، لأن هذا اسمه يمين غموس، يغمس صاحبه في النار، إلا إن تاب إلى الله توبةً نصوحاً، وقبِل الله سبحانه وتعالى توبته.
ومتى يكفر عن اليمين؟ إذا حلف وكان متذكر تماماً ومتيقن أنه لم يفعل هذا الأمر، فيحلف على اليقين الذي عنده، ولكنه بعد أن راجع نفسه وجد أنه غير مُحق وعلى خطأ، فهذا الذي يكفر عنه بعتق رقبة - ولم تعد موجودة - أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين، على التخيير، فيختار ما يعجبه من هذه الأحكام.
لماذا؟ لأنه عندما حلف كان متأكداً أنه صادق، لكن بعد أن راجع نفسه بعد ذلك عرف أنه أخطأ، ووقع في هذا الأمر نتيجة السهو، ونتيجة النسيان، ونتيجة أي أمر من الأمور، فهذا يكفر عن اليمين كما قال الله: " فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ " (89المائدة).
لكنه يحلف ويعلم أنه فعل هذا الأمر، يعني على سبيل المثال، هو أخذ مال، وقيل له: من الذي أخذ هذا المال؟ فيحلف أنه لم يأخذ هذا المال، وهو يعلم أنه أخذه ومتأكد من ذلك، فهل هذا له كفارة؟ لا، وماذا يفعل؟ ليس له إلا أنه يتوب توبة نصوحاً، ومن تمام التوبة إذا كان هذا المال حق لعبد من عباد الله، أن يرد لصاحب المال ماله بأي كيفية.
لكن يقول: أنا سأتوب إلى الله، ولا يرد المال، فهل تنفع التوبة؟ لا، لأن هذه حقوق العباد، ولا بد أن يؤدي للعباد حقوقهم، ويندم على ما فعل ويرجع إلى مولاه، فيتوب عليه الله.
إذاً نحن في شهر رمضان علينا أن نأخذ هدنة من جميع الأيمان، حتى نتعود على ذلك على الدوام، لأن السلف الصالح كانوا يقولون: (من أراد أن يكون من الصديقين، فليعوِّد لسانه أن لا يحلف مطلقاً).
في أي أمر من الأمور لماذا أحلف؟!! فالأمور بين المسلمين تنبني على الثقة، وأنا لا أحلف إلا في الضرورة، والضرورة إذا كانت أمام قاضي، أو أمام مُحكِّمين أو أمام غيرهم، ولكننا نعاهد الله أن نترك الحلف بكل الأيمان.
وفي نفس الوقت - وهو المهم والأهم - نريد أن نربي الجيل الجديد على هذا النهج الإسلامي السعيد، فنربيهم من البداية على عدم الحلف، ونشجعهم، ونعمل لهم مكافآت، ونعمل لهم مزايا إذا مشوا على هذا النهج.
فإذا حلف ولو كان صادقاً أبين له أنني حزين منه، أو أنا غضبان منه، يقول لي: لماذا؟ أقول له: لأنك حلفت، والمؤمن لا يحلف مطلقاً.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الأخلاق الكريمة، والعادات الإسلامية العظيمة، وأن يوفقنا لصالح العمل، والعمل الصالح على الدوام.
5- النظر بشهوة
من دقة كلام النبوة لم يقُل النظر وفقط، وإنما ذكر النظر بشهوة، يعني النظر الذي يُحرك النفس في الداخل، ويجعلها تحاول أن تفعل ما نهى الله عز وجل عنه من الشهوات.
لأن الله تعالى أمر المؤمنين في كل وقت وحين بأمر جامع فقال: " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ " (30النور) لو أنا ماش في الطريق، أو جالس في الشرفة، أو جالس في مقهى، فيجب أن أغض بصري عن النساء.
وكذلك النساء إذا جلسن يغضضن بصرهن عن الرجال، فالاثنين سواء، لماذا؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ }
إذا ترك هذه النظرة يُعطيه الله جُرعة من حلاوة الإيمان يشعر بها فوراً في قلبه، لأنه استجاب للرحمن، وللنبي العدنان صلى الله عليه وسلَّم.
فإذا مشيتُ في الطريق، فهل أغمض عيني ولا أنظر هنا أو هنا؟ لا، لكن كما قال صلى الله عليه وسلَّم في هذا الأمر:
{ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ }
فأنت في الطريق لا بد أن تنظر لتعرف هذه من تلك، لكن الثانية وخاصة إذا كان فيها تطلع وفيها تدقيق فهذه التي عليها الحساب، وهذه يجب على المؤمن أن يبتعد عنها حتى ينزه صيامه عما يغضب الله تبارك وتعالى.
وكما قلنا سابقاً إذا كان الإسلام ينهى الرجل عن أن ينظر في نهار رمضان إلى زوجته بشهوة حتى لا يبطل صيامه، ولا يُقبِّلها بشهوة، لأنه ربما يقبِّلها فيُنزل فيبطل صيامه، ويجب عليها كذلك أن لا تتعرى أمامه في نهار رمضان، ولا تلبس ملابس فيها فتنة وإغراء حرصاً على عدم إبطال الصيام للطرفين معاً.
والهدي النبوي الكريم في تربية الأولاد ما أحوجنا جميعاً إليه في هذا العصر الذي كثُرت فيه الفتن عن العد والحد، الهدي النبوي قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ
من سن عشر سنين لا ينبغي للأخ أن ينام بجوار أخته، ولا للأخت أن تنام بجوار أخاها، مع أنهم إخوة، لكن حرص الشريعة المطهرة على هذا الأمر.
وإذا نام أخوين معاً، أو بنتين معاً، فكل واحد يتغطَّى بغطاء منفرد، حتى لا تتلامس الأعضاء، ويحدث ما لا يُحمد عقباه.
وإذا بلغت البنت أو الولد في المنزل، وهو داخل المنزل فيجب عليه أن يكون محتشم، ويجب عليها أن تكون محتشمة، حتى ولو لم يكن إلا أخوها، فلا تظهر أمامه إلا بالملابس الشرعية.
الذي يُباح للأخ أن يرى الوجه والشعر وبعض الساقين، لكن لا يجوز له أن يرى خلاف ذلك.
ولا يجوز له أن يكون في المنزل، وعنده أخوات بالغات، ويلبس فانلة سبور أو ملابس داخلية، فلا يجوز ذلك مع أن هؤلاء أخواته.
كذلك لا يجوز للأُم - مع أنها أم هؤلاء الأولاد - أن تظهر أمامهم بملابس فاتنة، وهذا يكون في غرفة النوم لزوجها فقط، حتى نربي أولادنا على العفة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ عِفُّوا تَعِفُّ نِسَاؤُكُمْ، وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ يَبِرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ }
أسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظنا جميعاً من المعاصي والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

مراتب الصائمين

مراتب الصائمين
الصيام له مراتب لا تُعد بين الصائمين عند الله تبارك وتعالى، فعندما نسمع في القرآن: " وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ " (35الأحزاب) ليسوا هم من صاموا عن الطعام وعن الشراب كما نرى، وطوال النهار يتركون الجوارح على ما هي عليه، يخرجون الكلام الجميل، والعيون تتطلع، ويظنون أنهم المذكورين في الآية: " وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ " (35الأحزاب).
1- صيام العوام
صيام العوام هو الصيام عن الشراب والجماع والطعام، مع إطلاق الجوارح للذنوب والآثام، ومثل هذا صام عن أي شيء؟!! حيث أن الهدف في شهر رمضان هو صيام الجوارح.
2- صيام السالكين (صيام الجوارح)
صيام السالكين الذين يريدون رتبة ومنزلة عند رب العالمين؛ صيام الجوارح عن جميع الذنوب والآثام، فالعين تصوم عن النظر الذي حرَّمه الله، واللسان يصوم عن الكلام الذي نهى عنه الله، والأُذن تصوم عن سماع الأحاديث التي نهى عنها الله، وهي كلها أمور واضحة.
فالعين تصوم عن النظر إلى الجنس الآخر، سواء من الرجال أو من النساء، إن كان عن طريق الموبايل، أو عن طريق المواقع الإباحية، أو عن طريق الأفلام، أو عن طريق الشوارع والطريق العام، فهذا كله مثل بعضه.
وتصوم العين عن التجسس عن الأنام، بألا ينظر في أماكن منع الله عليه أن ينظر فيها لأن فيها ساكنين، حتى من يذهب ويطرق على الباب، حضرة النبي علَّمنا أن يقف في جانب الباب حتى إذا فتحوا الباب لا ينظر ما بداخله ولا يراه، لأن البيوت عورة.
وإذا دخلتُ ضيفاً عند أحد، اجلس حيث يجلسك صاحب المنزل، وإياك أن تجلس في مكان تكشف فيه من يروح ومن يجيئ داخل المنزل، فهذا ليس أدب الإسلام، لكن تبحث لك عن مكان مستور حتى لا تجرح مشاعر هذا المنزل و لا أهله.
والأُذن تصوم عن سماع الغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن والكذب والزور وكل هذا الكلام، حتى أن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكانت ذاكرته قوية، فما كان يسمعه يحفظه، فكان عندما يمر على جماعة ويجدهم يتبادلون القذائف - يعني الشتائم - يضع يديه على أذنيه، فقالوا له: لم تفعل ذلك؟ فقال: ما سمعت شيئاً إلا حفظته، وأنا لا أحب أن أحفظ هذا الكلام، فيسد أذنيه بأصابعه حتى لا يسمع الكلام الذي يُغضب الله سبحانه وتعالى، وفي نفس الوقت يُثير خلق الله تبارك وتعالى.
واللسان سيصوم عن كل قول قبيح، إن كان غيبة أو نميمة أو سب أو شتم أو لعن، وأي كلام جارح يجرح مشاعر الآخرين.
واليد تصوم على أن لا تمتد إلى شيء حرَّمه الله.
والرِّجْل تصوم عن المشي إلى أماكن الشهوات، وأماكن الشبهات، والأماكن التي فيها إغضاب لخالق الأرض والسماوات.
هذا صيام الجوارح لمن يرُيد أن يكون من المقربين، وهذا الصيام ليس في شهر رمضان فقط، ولكن طوال العام، ولذلك قيل:
إذا ما المرء صام عن الخطايا
فكل شهوره شهر الصيام

فاطر بالطعام والشراب، وفاطر بالجماع، لكن باقي الجوارح الأُخرى صائمة، فيكون طوال العام مكتوبٌ عند الله صائم، مع أنه يأكل ويشرب ويذهب ويجيئ، لماذا؟ لأنه عمل بما ورد عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:
((إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وَبَصَرُكَ، وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ))
3- صيام المقربين
أ- الصيام عن اللغو
والذي يريد أن يكون من الصالحين والعارفين ويرتقي درجات أرقى من ذلك، فإن صيام العارفين يبدأ أولاً بالصوم عن اللغو، واللغو يعني الكلام الذي ليس فيه فائدة، فلا يذكره ولا يهتم به، ولا ينطق إلا بكلام يعلم علم اليقين أنه سيكون في صحيفة حسناته، وأي كلام آخر لا يترك لسانه ينطق به ويهزي به.
فضل الصمت
فأول جهاد لمن أراد أن يكون من العارفين؛ جهاد اللسان، وقالوا قديماً: (جهاد اللسان أشد من جهاد السيف والسنان) فالجهاد بالسيف سهل، لكن أشد شيء في الجهاد أن الإنسان لا ينطق إلا في الضرورات، وينطق بالكلمات التي تُرضي الخلق، وتُرضي خالق الأرض والسماوات، حتى يكون حكيماً، فهذا الجهاد الأعظم الذي قال فيه حضرة النبي:
{ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ }
ولذلك نجد الصالحين والمتشبهين بالصالحين أكثر أوقاتهم صامتين، وأنا أتعجب من أي إنسان منسوب للصالحين، ودائماً يتكلم، يترك هذا ويتكلم مع هذا، ويترك هذا ويتكلم مع هذا، ما هذا؟! هل أنت فارغ؟! لكن الرجل الصالح ليس عنده وقت ليتكلم مع الخلق، لأنه يتكلم مع الحق على الدوام، وهذا الجهاد الأعظم، همّه كله أن ينطق اللسان بذكر حضرة الرحمن، فكيف يوقف الذكر ليتكلم مع هذا ومع هذا في كلام قد لا يكون فيه فائدة؟!!.
فالنفس تريد أن تعرف الأخبار، وما شأني والأخبار؟ لا بد أن أفطمها، لأني أريد أن أعرف أخبار الملأ الأعلى، وأخبار السماوات، وأخبار الجنات، وأخبار حضرة الحبيب، وأخبار الصالحين .. هذه الأخبار التي يجب أن أبحث عنها.
لكن ماذا أفعل بأخبار الناس؟! فلان عمل كذا اليوم، وفلان عمل كذا بالأمس، لا شأن لي بهذا، فأنا لست في الجهاز المحاسبي لأحاسبه، ولا أنا مسئول عنه، فكل إنسان حر، ولكنها آفة النفس التي تضيع صاحبها إذا تركها الإنسان تنطلق في الأحاديث الجانبية.
فالذي يمشي في طريق الله لا بد أن يتعلم كما كان يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: ((كنا نتعلم الصمت كما تتعلمون الكلام)) لماذا الصمت؟ لأنه يريد أن يتكلم مع الله: " إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا " (26مريم) يعني الصوم عن الكلام مع الإنس لتتكلم مع الملائكة، وتتكلم مع رب العزة تبارك وتعالى، فلا يصح أن تتكلم مع الإثنين في وقت واحد.
فأول شيء الصيام عن اللغو، والله قال لنا في سورة المؤمنين مُبيناً لنا أوصاف المؤمنين: " قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ " (1-3المؤمنون) وانتبه معي، فقد قال: (عَنِ اللَّغْوِ) وليس عن الغيبة والنميمة، لأن الغيبة والنميمة جرائم، وتُسجَّل لي بسببها محاضر، وتتحول إلى المحكمة الإلهية فوراً، لكن اللغو - كما قلنا - الكلام الذي لا يفيد، كما يقولون: نتسلَّى لنقطع الوقت، وليس كلام في حق الآخرين، لأن الكلام في حق الآخرين يكون غيبة.
ولم يكن السلف الصالح هكذا، كانوا عندما يجلسون مع بعضهم إما أن يأتوا بكتاب فيقرأ أحدهم ويسمع الآخر، فإذا لم يجدوا كتاباً يقول أحدهم: هيا يُصلي كل واحد منا على حضرة النبي مائة مرة، فإذا انتهوا يستغفرون الله كل واحد مائة مرة، وهكذا.
فهذا كان نهجهم، لذلك وصلوا إلى فضل الله، وإلى إكرام الله تبارك وتعالى، ليس عندهم وقت للكلام، لأنهم سمعوا حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:
{ إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ، الْمُتَشَدِّقُونَ، الْمُتَفَيْهِقُونَ }
الثرثارون يعني كثيري الكلام، الذي لا يتوقف عن الكلام، والمتشدقون الذي يعتقد نفسه أنه فصيح فيتكلم بكل أشداقه!!.
هؤلاء هم أبغض الناس لرسول الله، فهل أضع نفسي في هذه الدرجة؟!!.
لذلك هؤلاء الذين يتكلمون كثيراً، عندما يذهب أحدهم لأحد من الصالحين يُخشى عليه من المقت من عند رب العالمين، لأن الله يغار على أحبابه فمن ذهب إليهم ليُعطِّلهم عن أحوالهم وأعمالهم ينزل له عقاب فوري في قلبه وفي فؤاده من الله سبحانه وتعالى: " فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ " (77التوبة) وكان من دعاء الصالحين: (اللهم لا تجعلني حجاباً لأوليائك).
كنا عندما ندخل على الصالحين ماذا كنا نفعل؟ كنت أذهب لكثير من الصالحين، وكنت أحياناً أجلس مع الرجل الصالح ساعتين أو أكثر، وهو جالس صامت، وأنا جالس صامت، ولكن السكوت كأن فيه شحنات على الدوام، وفيه تجليات تنزل على الفور مباشرة، فإذا انتهيت يقول لي: انتهيت؟ أقول له: نعم، يقول لي: تفضل.
ب- الصيام عن اللهو
الذي يُريد أن ينال أحوال الصالحين فالصيام يكون أولاً عن اللغو، ثم الصيام عن اللهو، فالذي يُريد أن يكون من الصالحين لا وقت عنده للهو وللعب، ولذلك أنا أعجب من الناس الذين يشكون من الفراغ، وأنا مع أنني على المعاش ومتفرغ أشكو من ضيق الوقت، فلا يسع ما أُريد أن أفعله ولا يكفي، لأن المؤمن دائماً له تطلعات كثيرة، يريد وقتاً ليقرأ القرآن، ويريد وقتاً ليصلي على رسول الله، ووقتاً ليطالع في كتب العلم، ووقتاً ليرد على استفسارات وأسئلة الطالبين إن كان على النت أو الهاتف أو غيره.
فالذي عنده وقتٌ يضيع، فهو في هذا الحال يضيع عن طريق الله الذي يوصله إلى مراد الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن العمر قصير، والمطلوب عظيم، ولا وقت، وأريد أن أنتهي بسرعة، ففي كل وقت لا بد أن يكون له فيه شيء يستفيد منه.
سيدنا عمر رضي الله عنه كانوا يأتون له بالطعام عبارة عن خبز جاف فيأكل، وذات مرة أتوا له بطعام عبارة عن فتَّة، وبعدها قال لهم: لا تأتوني بالطعام إلا فتَّة، فقالوا له: لماذا؟ قال: ما بين الفتيت والخبز خمسين تسبيحة، وأنا أولى بها!!.
عندما يأكل الخبز الجاف يتأخر في مضغه، وعندما يأكل فتة يمضغها بسرعة، فتوفر له وقت يسبِّح فيه خمسين تسبيحة، وكانوا يحسبون أعمارهم بهذا الشأن!، سيدنا زيد بن ثابت يقول:
{ تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ  ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قيل: كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً }
قدر قراءة خمسين آية، فكانوا يحسبون الوقت بالقراءة وبالتسبيح، ولم يكونوا يحسبونه بالدقائق والساعات مثلنا، لماذا؟ لأنه يريد أن يكون كل وقته مع من لا يغفل ولا ينام سبحانه وتعالى.
إذا صام عن اللهو، لا يوجد سالك في طريق الله، ويريد أن يكون له مستقبل عظيم عند مولاه، وعنده وقت ليشاهد المسلسلات أو الأفلام، بالله عليكم من يشاهد مسلسلات في شهر رمضان هل ينتظر منزلة كريمة عند الله سبحانه وتعالى؟!! هذا شهر كله جهاد، ويحتاج منك أن يكون الوقت مع الله على الدوام فيه.
جـ- الصوم عن السهو
بعد أن يصوم عن اللغو، ويصوم عن اللهو، يصوم عن السهو، كيف؟ يجاهد نفسه أنه لا يسهو لحظة عن ذكر الله، فإذا سها لحظة يحاسب نفسه عليها، كيف سهوت عن الله في هذه اللحظة؟! كيف ضيَّعت هذه الدقائق في عدم ذكر الله؟!.
الشيخ جمال الدين الأخميمي رضي الله عنه ذهب ليزور سيدي عبد الرحيم القنائي رضي الله عنه في ضريحه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وكان من أهل المكاشفة، فكان يرى الرجل ويتكلم معه مع أنه في البرزخ!، وفي آخر الحديث قال له: ياسيدي أوصني، فقال له سيدي عبد الرحيم القنائي: لا تغفل عن ذكر الله طرفة عين، فأنا كما ترى في روضات عالين، ومع ذلك أقول: " يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ " (56الزمر) يتحسر على هذه الأوقات في الغفلة أو السهو عن الله سبحانه وتعالى.
وسيدي عبد العال تلميذ وخادم سيدي أحمد البدوي كان يقول: صحبتُ سيدي أحمد البدوي أربعين عاماً، فما رأيته غفل عن ذكر الله طرفة عين!.
فإذا صام عن السهو حضر القلب على الفور، وملأه الله بأنواره، وقذف فيه أسراره، وجعله من أخياره، وصبَّ عليه من النفحات الإلهية والعطايا الربانية ما لا يستطيع أحدٌ من الأولين ولا الآخرين ذكره، نسأل الله عز وجل أن يبلغنا أجمعين هذا المقام.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الهدف الأعلى من الصيام؛ التقوى

الهدف الأعلى من الصيام؛ التقوى
كثيرٌ من الناس الصائمين يتساءلون: لماذا أمرنا الله بالصيام مع الجوع والعطش في الأيام شديدة الحرارة؟ ما الهدف من ذلك؟ مع أن الله عز وجل عندما فرض علينا الصيام، أنزل لنا خطاباً قصيراً في القرآن يبين لنا الغاية والهدف من فريضة الصيام، قال فيه سبحانه وتعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا " (183البقرة) وهذا خطاب للمؤمنين من أول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلى يوم القيامة: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ " (183البقرة) يعني فُرض عليكم، " كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " (183البقرة) لماذا؟ " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (183البقرة).
كلمة (لعل) في اللغة العربية تفيد الترجَّي، يعني جائز، لكن كلمة (لعل) في كل موضع في القرآن الكريم بمعنى لام التأكيد، فتكون هنا: (لتتقون) يعني لا بد أن تتقون.
فالهدف الأعلى من الصيام كما ذكر الله؛ الوصول إلى مرتبة التقوى، والتقوى كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ }
فالتقوى محلها القلب، وماذا تعني التقوى؟ يعني استحضار عظمة الله، ومعرفة الإنسان اليقينية أنه لا يُحدِث ولا يُحدَث له أمر إلا بإذن من الله تبارك وتعالى.
فيخشى أن يعصى الله، ويخاف أن يُخالف أمر الله، ويسارع فيما أمره الله بفعله تبارك وتعالى.
وهذه التقوى لو وصل إليها الإنسان المؤمن تُفتح له كل الأبواب، إن كان في الدنيا، أو كان في الآخرة، إذا كان يريد زيادة في الأرزاق: " وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ " (2-3الطلاق) فهذا بابٌ مفتوحٌ من الله سبحانه وتعالى، فالأبواب التي تحسبها وتعتقد أنه سيأتيك منها رزق، قد لا يأتيك منها شيء، وسيأتيك من باب لا يخطر لك على البال، وهذا بسر التقوى لله سبحانه وتعالى.
ولو أن البلد كلها والدولة كلها تريد أن تعيش في خيرات وبركات، فلا بد من التقوى أيضاً: " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ " (96الأعراف) ولم يقُل خيرات، ولكن: " بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " (96الأعراف) لأنه من الجائز أن تكون الخيرات هي كما هي، لكن لو نزلت عليها البركات من الله، فإن الأكل الذي يكفي ثلاثة سيأكله عشرة ويفيض، والقمح الذي تُخرجه البلد والذي يكفي خمسين مليوناً سيكفي مئة وخمسون مليون، لماذا؟ لأنه نزلت فيه البركة من الله، وبم تنزل البركة؟ تنزل بالتقوى.
الذي يخاف على أولاده بعد أن ينتقل إلى جوار الله، كيف سيعيشون؟ وكيف سيكون حالهم؟ قال الله تعالى: " وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ " (9النساء) ماذا يفعلون؟ " فَلْيَتَّقُوا الله وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا " (9النساء) كون الإنسان يتقي الله، فيطمئن على مستقبل أولاده، ولا يحتاج إلى شركات تأمين ولا غيره، لأنهم في يد رب العالمين تبارك وتعالى.
الذي يُريد من الله أن يرزقه علماً من عنده بغير تعلُّم، وبدون أن يذهب إلى مدرسة أو معهد أو جامعة أو يجلس إلى معلم أو شيخ، كما قال الله في القرآن: " وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله " (282البقرة) من الذي يُعلم الإنسان هنا؟ الله سبحانه وتعالى، وما دام الله يُعلِّمه فمن يستطيع أن يكون مثله في هذا الكون؟!! ليس له مثيل، وسيكون كأصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فلم يدخلوا مدارس ولا جامعات ولم يكن عندهم مكتبات، ولا جرائد ولا إذاعات ولا فضائيات، ومع ذلك كانوا أعلم الناس في الكون قبلاً وبعداً، لم يجُد الزمان بمثلهم في العالم كلهم.
كان سيدنا الإمام علي رضي الله عنه يقول عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: عبد الله مُلئ علماً من رأسه إلى أخمص قدميه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في عبد الله بن مسعود:
{ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ }
فكانوا كلهم علماء فقهاء حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء بسر تقوى الله سبحانه وتعالى.
فالله يريد منا بالصيام أن يرفعنا إلى رتبة التقوى، وإذا وصل المرء فينا إلى رتبة التقوى واستحضر عظمة الله، وخاف في كل شأن أن يعصاه لأنه يعتقد أنه يراه، وسارع إلى ما أمره به مولاه، فكل شيء في الدنيا، وكل شيء في الآخرة سيكون ميُسر له بأمر الله، لأن التقوى سر السعادة، ولذلك قال الرجل الحكيم:
ولستُ أرى السعادة جمع مالٍ
ولكن التقي هو السعيدُ

أسال الله تبارك وتعالى أن يرزقنا خالص تقواه، وأن يجعلنا من عباده الأخيار الأبرار الصالحين لمنازل التقوى.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

هم درجات عند الله

هم درجات عند الله
يقول الله تعالى عن المؤمنين أجمعين: " هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله " (163آل عمران) لن نأتي كلنا يوم القيامة في درجة واحدة، بل هناك درجة الإسلام، وهناك درجة الإيمان، وهناك درجة الإحسان.
درجة الإسلام الذي آمن بالله، ويؤدي فرائض الله بظاهره، لكن لا يستطيع الحضور بالكلية بالقلب مع الله سبحانه وتعالى.
الذي يرتقي عن هذا، ويُحضِّر في قلبه الخشوع والخشية والخوف والحضور مع الله، والحب والشفقة والحنان والعطف والرحمة لجميع خلق الله، فهذه درجة أعلى وهي درجة الإيمان.
والدرجة الأعلى منها، والتي سأل الأمين جبريل عنها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: ما الإحسان، فقال:
{ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ }
يصفو القلب ويشفّ، ويصل من شفافيته إلى أن صاحبه وهو يناجي الله يكون كأنه يراه، ويراه في حالة حضور، ويتكلم مع الله، أو على الأقل يكون كأنه يرى أن الله يطلع على ظاهره وباطنه وكل خفاياه، ويعلم كل حركاته في قلبه وظاهره وسره ونجواه.
درجة الإحسان نسميها مقام المراقبة، ونصل إليها بالصيام، فنحن في الصيام نراقب الله أثناء الصيام، ولا نخشى أن يرانا أحدٌ ونحن مفطرون إلا حضرة الله، هذه المراقبة لله سبحانه وتعالى تُرقينا إلى مقام يقول فيه الله: " إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ " (128النحل).
هؤلاء يكون الله معهم، وكيف يكون معهم؟ معهم بعونه، ومعهم بتأييده، ومعهم بنصره، ومعهم بإجابة الدعاء، ومعهم بتحقيق الرجاء، ومعهم في كل أمر يهمهم في الدنيا، ومعهم يوم العرض والجزاء.
أسأل الله أن يبلغنا درجة الإحسان، وأن يجعلنا من الذين يراقبون الله في كل وقت وآن.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

سلامة الصدور

سلامة الصدور
سُئل سيدنا عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: كيف كنتم تستقبلون شهر رمضان؟ والسائل يسأل عن أصحاب حضرة النبي أجمعين في استقبالهم لشهر رمضان، فقال رضي الله تبارك وتعالى عنه: ما كان أحدنا يجرؤ أن يستقبل شهر رمضان، وفي صدره شيء لمؤمن.
أهم شيء كانوا يتجهزون به لاستقبال شهر رمضان سلامة الصدر، لأن معظم مشاكل المجتمع الإسلامي إن كان في الجماعات، أو في الأعمال أو في البيوت، أو في أي مكان، سببها الأساسي ما يحدث في الصدور من كلام يسمعه المرء عن أخيه، أو فتنةٌ تصل إليه من شخص ما عن أخ له أو صديق له، تُوغر صدره وتجعله يشعر نحو أخيه بالبغضاء، أو بالكُره، ويتحول هذا بعد ذلك إلى حقد وإلى حسد، وإذا تحول إلى هذه الأحوال فإن عمله لا يُقبل عند الله تبارك وتعالى، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ تُعْرَضُ الأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ عزوجل يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ إِلا مَا كَانَ مِنْ مُشَاحِنَيْنِ، أَوْ قَاطِعِ رَحِمٍ }
يقبل الله تعالى الأعمال إلا من وجد في صدره شيء نحو أخيه المؤمن، فلا يتقبَّل الله تبارك وتعالى عمله.
والمؤمن في الدنيا يأمره الله تعالى أن يأخذ وصف أهل الجنة، وأهل الجنة يقول الله تبارك وتعالى فيهم: " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ " (47الحجر) ولذلك رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان جالساً بين صحبه المباركين وقال لهم كما يحكي سيدنا أنس رضي الله عنه:
{ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقال: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلَّم مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلَّم مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلَّم تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ، فَعَلْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عز وجل وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ، لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ }
إن الله سبحانه وتعالى عندما أثنى على الأنصار في كتاب الله قال في شأنهم: " وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالايمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا " (9الحشر) أهم شيء أن صدورهم سليمة من جهة خلق الله أجمعين.
وكان صلى الله عليه وسلَّم إذا جلس في مجلسه المبارك وأراد أحد الحضور أن يتكلم بكلام قد لا يليق في حق أحد من إخوانه، يقول لهم صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ }
يعني لا أحد يذكر لي شيئاً عن عورة إنسان، أو غيبة في إنسان، أو نميمة عن إنسان، لأنه يُحب أن يكون صدره سليماً من جهة كل إنسان.
وقال صلى الله عليه وسلَّم لأنس بن مالك رضي الله عنه ولمن أراد أن يكون معه في مرتبته العُظمى في الآخرة وفي الجنة:
{ يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ }
فدليل على قبول صيام الصائم من الله، والدليل على أن الله قد ارتضى عمله وقبله؛ أن يجد صدره وقد طهُر من كل هذه الصفات التي لا يُحبها الله، وأصبح مملوءاً بالحب والود والشفقة والعطف والحنان على المسلمين، فإن هذا الشهر الكريم هو الورشة الإلهية التي تُطهِّر القلوب من هذه الأوصاف الدنية، ولو طهُرت القلوب من هذه العيوب لصرنا في الدنيا في مجتمعنا وكأننا في جنة عرضها السماوات والأرض.
أسأل الله عز وجل أن يُزكي نفوسنا، وأن يُطهِّر قلوبنا، وأن ينزع الأحقاد والأحساد من صدورنا، وأن يجعلنا إخوة متحابين متآلفين على الدوام.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

القربات والنوافل التي نتقرب بها إلى الله في الصيام

القربات والنوافل التي نتقرب بها إلى الله في الصيام
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الحمد لله الذي جعلنا من أمَّة القرآن، ونبينا النبي محمد العدنان، وديننا دين الإسلام، والصلاة والسلام على من اختاره الله سبحانه وتعالى لتنزل القرآن، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
لماذا أمر الله تعالى المسلمين بصيام شهر رمضان بالذات؟ أجاب الله تبارك وتعالى عن هذا السؤال في قوله عز شأنه: " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ " (185البقرة).
فإن الله سبحانه وتعالى عظَّم القرآن؛ لأنه خير كتاب أُنزل من عند حضرة الرحمن، وعظَّم الشهر الذي أُنزل فيه القرآن وأمرنا بصيامه، وعظَّم الليلة التي أُنزل فيها القرآن وجعلها خير من ألف شهر في عبادة وطاعة لحضرة الرحمن، وعظَّم النبي الذي أُنزل عليه القرآن، وجعله سيد النبيين والمرسلين، وعظَّم الأُمة التي أُنزل لها القرآن وجعلها خير أمة أُخرجت للناس.
وجعل الله عز وجل هذا الشهر الكريم شهرٌ للمسلمين لرفعة الدرجات، ونيل القربات والكمالات من الله تبارك وتعالى، وهو القائل سبحانه في حديثه القدسي:
{ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ }
ما النوافل التي نتقرب بها إلى الله ليُحبنا الله؟ لا سبيل لنا إلى ذلك إلا بما كان عليه سيدنا رسول الله، لأن الله قال لنا في شأنه: " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا " (21الأحزاب).
وسنبدأ ذكر القربات والنوافل التي كان يتقرب بها سيد السادات إلى الله تبارك وتعالى، لعلنا نتأسَّى به، فنحظى برفقته في الآخرة، وبجواره في الجنة أجمعين.
1- تلاوة القرآن
أعظم القربات وأولها التي كان يتقرب بها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في هذا الشهر الكريم إلى الله تلاوة القرآن، فقد روى سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما فقال:
{ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ }
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
{ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ }
كان جبريل يأتيه كل ليلة في شهر رمضان ليتدارسا القرآن، تارةً جبريل يقرأ والنبي صلى الله عليه وسلَّم يسمع، وتارةً النبي صلى الله عليه وسلَّم يقرأ وجبريل يسمع، وكان يختم القرآن في كل رمضان مرة، إلا في العام الذي انتقل فيه إلى الرفيق الأعلى، ختمه في هذا العام مرتين.
نأخذ من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلَّم كان يختم في شهر رمضان مرة، فكيف بما يفعله كثير من الناس الآن ويجلسون يتباهون، يقول أحدهم أنا ختمت القرآن سبع مرات، والثاني يقول: وأنا ختمته عشر مرات، لكن ماذا يصنع الله بهذا؟!!، الله الذي أنزل القرآن بماذا أمرنا عند تلاوة القرآن؟ قال: " وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ " (17القمر) ليس للتلاوة، و لكن للذكر يعني الفهم والتدبر: " فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ " (17القمر) أين الذي تذكر والذي تدبر والذي فهم معاني القرآن الكريم؟!!.
لأن القرآن في الحقيقة رسائل من الله أرسلها الله إلى كل مسلم، وكل مسلم له نصيبٌ في فهم القرآن، حتى ولو كان أُمياً، حتى ولو كان غير عربيٍ فله نصيبٌ في فهم القرآن.
ما المطلوب في هذه الرسائل؟ أعرف ماذا يريد مني لأنفذه وأعمل به فأنال رضاه تبارك وتعالى، صحيح نحن نحفظ الحديث الشريف:
{ مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ }
أقرب القُرَب التي كان يتقرب بها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - وأدعو الله أن نكون على أثره أجمعين في شهر رمضان - تلاوة القرآن، ولكنه لم يكن يعد ختمات، لكنها ختمة واحدة فقط طوال الشهر مع التدبر، لأن الله قال لنا في القرآن: " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ " (29ص) لم يقُل ليقرأوا، ولكن ليتدبروا هذه الآيات ويعرفوا ماذا فيها.
والذي يقرأ القرآن بطريقة سريعة عاب عليهم الله وقال لهم: " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " (24محمد) هؤلاء لماذا يسرعون؟! هل يعدون حسنات؟!!، والله يريدهم أن يفهموا هذه الكلمات، ويعملوا بما فيها من إشارات من خالق الأرض والسماوات سبحانه وتعالى.
فعليَّ أن أقرأ القرآن في رمضان كما ينبغي، وتكون قراءة بتدبر وتمعن مع الفهم، فإذا استعصت عليَّ بعض الكلمات، آتي بمصحف مفسر، فيكون القرآن في المنتصف، وفي الهوامش معاني الكلمات الصعبة، وأسباب نزول الآيات، والمعنى الإجمالي للآيات، حتى أعرف ما المطلوب من هذه الآيات.
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - وهؤلا أساتذتنا وأساتذة العالم كله في تلاوة القرآن - يسألون سيدنا عبد الله بن مسعود: ما كان موقفكم من القرآن؟ قال: (جعلنا القرآن رسائل من ربنا إلينا، فكنا نقرأها ونتدبرها بالليل، ونعمل بما فيها في النهار).
هذه رسائل أرسلها الله لي، فأنظر ماذا يريد مني في هذه الرسائل حتى أنفذها، ولذلك عندما كانوا يقرأون كانت هناك حالة صفاء ونقاء وروحانية، فسيدنا أُسيد بن حُضير رضي الله عنه وأرضاه، كان يقرأ في صالة بيته، وبجواره على الفراش ابنه يحي نائم، وقريب منه فرسه مربوط، وأثناء قراءته القرآن فوجئ أن الفرس يتحرك حركة شديدة، فخاف أن يطأ ابنه بحافره، فنظر فوجد نجفاً موجود في سقف المنزل يضيئ المكان كله، ولم يكن عندهم نجف مثلنا، فتعجب من هذا النجف الموجود في السقف، فذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم وحكى له، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ }
الملائكة نزلت لتسمع تلاوة القرآن من المستغرق في تدبر ومعاني القرآن، ويعيش مع حضرة الرحمن سبحانه وتعالى.
ووصيتي لكم: ما دامت هذه رسائل الله إلينا، فليس معنى هذا أن أفتح القرآن في شهر رمضان، وفي آخر أيام الشهر أو قبلها بقليل أغلق المصحف وأقول له: إن شاء الله ميعادنا السنة القادمة!!، فهذا لا يصح.
لكن لا بد للمؤمن أن يكون له كل يوم ما تيسر من القرآن، فانظر ماذا قال لنا الله؟ " فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " (20المزمل) يعني اجعل لك كل يوم ولو صفحة، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون: (كل يومٍ كنا لا نستفتح فيه بالقرآن، كنا نخاف أن يُصيبنا سوء في ذلك اليوم).
لا بد أن يستفتح المصحف كل يوم ولو صفحة حتى يكون من عباد الرحمن، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ }
نسأل الله أن نكون منهم أجمعين.
أ- آداب تلاوة القرآن
سُئل صلى الله عليه وسلَّم عن أفضل عبادة يتقرب بها المؤمن إلى الله؟ فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَفْضَلُ عُبَادَةِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ }
أفضل عبادة يتقرب بها أي مؤمن إلى الله هي تلاوة القرآن، وأجرها قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ }
وتلاوة القرآن لا بد لها من آداب يتَّبعها أهل الإيمان عند تلاوة القرآن، بعضها واردٌ في القرآن، وبعضها وجدناه في نهج وهدي وسنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلَّم.
أول هذه الأداب: يحرم حُرمةً تامة تلاوة القرآن، أو لمس المصحف للرجل وللمرأة في حالة الجنابة، لقول الله سبحانه وتعالى: " لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ " (79الواقعة).
والمرأة كذلك يحرم عليها في حالة الدورة الشهرية، وفي حالة النفاس أن تمس المصحف، أو أن تقرأ القرآن للتعبد، وأباح السادة العلماء ليُسر الدين ووسطيته أن من كانت تَحفَظ القرآن، أو تُحفِّظ القرآن، أن تقرأ القرآن أثناء فترة الدورة أو أثناء النفاس، لأن هذه ضرورة.
والله عز وجل يسَّر لنا الأمر أكثر، فأصبح القرآن موجوداً الآن على التليفون المحمول، فإذاً عليها أن لا تمس المصحف ولا تلمسه، وإذا أرادت أن تراجع، تراجع على التليفون المحمول، وهو قطعة من حديد لا يأخذ حكم المصحف الشريف الذي نزَّله الله عز وجل وأمرنا بحفظه.
الأدب الثاني لتلاوة القرآن: ينبغي لمن يقرأ القرآن للتعبد أن يكون على وضوء إن استطاع، لأنه أحياناً يكون الإنسان راكباً في وسيلة مواصلات، ويريد أن يستغل الوقت في طاعة الله، ولم يتمكن من الوضوء، فلا مانع من أن يقرأ كتاب الله تبارك وتعالى، لأن الله جعل في ديننا سعةً ويُسر.
لكن إذا كان في المسجد الأفضل أن يكون على وضوء، وأن يكون متجهاً إلى القبلة، وأن يكون جالساً جلسة فيها خشوع وخضوع لله، إلا إذا كان فيه عيبٌ جسماني، فالله عز وجل أعلم به، ولا تخفى عليه خافية، ويعفو عنه تبارك وتعالى.
يعني لا يصح لإنسان في المسجد ويمد رجليه تجاه القبلة إلا إذا كان لديه عذر مرضي.
إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقرأ، فليسمع، إن كان من تليفون محمول، أو من مسجل، أو من إذاعة القرآن الكريم، أو أحد من المسلمين يتلو بجواره، قال صلى الله عليه وسلَّم ميسراً لأمَّته:
{ الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الأَجْرِ }
وقال:
{ القَارِئ والمُستَمِع فِي الأَجْرِ شَرِيكَان }
الشيك الذي يصدر للعالِم، كل واحد من المستمعين يصدر له شيكاً مثله تماماً بتمام، وأيضاً من يقرأ ومن يسمع في الأجر أيضاً شريكان.
نفرض أنه في طريق، أو مسافر في وسيلة مواصلات ولا يحفظ إلا نذر يسير من القرآن، ويريد أن يستغل الوقت في طاعة الله، فلا مانع أن يُكرر أي سورة يحفظها من كتاب الله، يكرر مثلاً سورة الفاتحة وهي أم الكتاب، أو يكرر سورة الإخلاص، وقد قال فيها صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنَ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلاثًا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ ارْتِجَالا }
ولذلك استحسن كثيرٌ من السلف الصالح أن الإنسان يقرأ سورة الإخلاص بعد صلاة الصبح ثلاث مرات، فيكون قد استفتح هذا اليوم بتلاوة القرآن كله في الأجر والثواب، ويقرأها مرة في الليل، فيكون أيضاً قد أخذ تلاوة القرآن كله في الأجر والثواب.
أو يردد ما يحفظه من كتاب الله ولو آية، فقد كان السلف الصالح يظل الرجل منهم طوال ليلته يردد آية واحدة من كتاب الله لا يعدوها إلى غيرها.
الدين يحتاج إلى الفقه، فالفقه في الدين هو أساس هذا المنهج القويم الذي علَّمه لنا نبينا الرؤف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم، وأعطيكم مثالاً للفقه في الدين، فقد جاءت امرأةٌ إلى الرسول صلى الله عليه وسلَّم، وكان في زمانه لا تستحي النساء أن يخطبن الرجال، ولا يستحي الرجل أن يخطيب لابنته، لأنه يريد رجلاً صالحا.
فقالت المرأة: يا رسول الله أُريد أن أتزوج رجلاً مؤمناً ولي فيه شروطٌ ثلاثة، أن يُحي الليل كله في طاعة الله، وأن يصوم الدهر كله لا يفطر، وأن يقرأ القرآن في كل يوم مرة.
فعرض النبي صلى الله عليه وسلَّم هذا الأمر على أصحابه فوافق رجلٌ على هذه الشروط، فزوَّجه النبي صلى الله عليه وسلَّم بها، وأخذها وذهب ودخل بها.
بعد فترة من الدهر جاءت تشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وقالت: يا رسول الله إنه لم ينفذ شرطاً واحداً من الشروط التي اتفقنا عليها، فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلَّم وسأله، فقال الرجل: لقد وفيتُ بها كلها يا رسول الله، فقد سمعتك تقول:
{ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ }
وأنا أحافظ على صلاة الفجر والعشاء معك في جماعة، وسمعتك تقول:
{ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ }
والدهر يعني السنة، وأنا أعمل بذلك، وسمعتك تقول:
{ مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنَ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلاثًا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ ارْتِجَالا }
وأنا أقرأها كل يومٍ ثلاث مرات، فنظر النبي صلى الله عليه وسلَّم إلى زوجته وقال لها كما ورد ببعض الأثر: ((انصرفي لقد تزوجت فقيهاً)).
يعني أنت تزوجت رجل فقيه، يحفظ ويعرف كيفية التعامل مع دين الله.
ب- التخلق بأخلاق القرآن
ينبغي على المؤمن عند تلاوة القرآن أن يضع له هدفاً أعلى نُصب عينيه من تلاوة القرآن، لا يقرأ القرآن ليُحصِّل الحسنات فقط، ولكن يقرأ القرآن لمراد الرحمن الذي أخذ به النبي العدنان، ليكون رفيقاً له في الآخرة، وساكناً بجواره في الجنان.
الرسول صلى الله عليه وسلَّم كان أعبد أهل الأرض من بدئها إلى نهايتها، وقال الله له: قل لهم: " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ " (81الزخرف) أول مخلوق في العبادة لله هو رسول الله، فكان يقوم الليل حتى تتورم أقدامه من كثرة القيام، وكان يصوم صيام الوصال، أيام متتالية بدون سحور ولا فطور، وكان لا يتحرك حركة ولا يسكن سكنة إلا على ذكر الله، فكما ورد عنه:
{ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا يَجْلِسُ وَلا يَقُومُ إِلا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ }
كان لا يخرج إلا على ذكر، ولا يدخل إلا على ذكر، ولا يجلس إلا على ذكر، ولا يقوم إلا على ذكر، وتجده في كل أحيانه على ذكر مولاه تبارك وتعالى.
ومع ذلك لتلاوته وتأثره بما يُحبه مولاه في كتاب الله، فإن الله عندما أثنى عليه ومدحه قال: " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ " (4القلم).
ذهب قومٌ إلى السيدة عائشة رضي الله عنها وسألوها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فقالت لهم:
{ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، قَوْلَ اللَّهِ عز وجل: " وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ " }
يقرأ القرآن لأن فيه الأوصاف التي يحبها الرحمن، فيتخلق بها ويتصف بها، ولا يُخالف هذا الهدي الكريم الذي أنزله الرب الرحيم سبحانه وتعالى.
لو افترضنا أن رجلاً يقوم الليل كله عبادة لله، ويصوم الدهر كله عبادة لله، ولكنه غير متخلق بأخلاق كتاب الله.
وهذا نموذج حدث أيام حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقد قالوا: يا رسول الله إِنَّ فُلانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ:
{لا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ فِي النَّارِ }
هي في النار مع قيام الليل وصيام النهار!! لأن القرآن يظهر على أهل القرآن في الأخلاق القرآنية، والأوصاف الإلهية التي وصف بها الله الذين ارتضاهم من البرية، ولذلك قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ }
وليس معنى ذلك أن الذين لا يصلُّون يأخذون هذا الحديث حجة ويقولون: نحن صحيح لا نصلي ولكن أخلاقنا أحسن من أخلاق الذين يصلون!!، لكن نحن نتحدث عن المحافظين على فرائض الله، وزادوا على ذلك بالتخلق بالأخلاق الكريمة التي أمر بها الله.
الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه كانت عنده جارية تصب عليه الماء للوضوء، فسقط الإبريق من يدها، وتطاير الماء على وجهه وعلى ملابسه، فقالت: " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ " قال: كظمتُ غيظي، قالت: " وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ " قال: عفوت عنك، قالت: وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " (134آل عمران) قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تبارك وتعالى!!، فهذه أخلاق القرآن،.
لكن الذي يقرأ قول الله: " فَنَجْعَل لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ " (61آل عمران) ثم جاءه رجل يكلمه فكذب عليه، فمن الذي لعنه الآن؟ هو الذي لعن نفسه، لأنه قرأ: " فَنَجْعَل لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ " وأدخل نفسه فيها.
فالمؤمن الذي يريد أن يكون مع رسول الله كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ }
ونضرب مثال بسيط: لو أردنا أن نهدي قوماً من غير المسلمين إلى الإسلام، وأرسلنا لهم مليون مصحف، أو مليار مصحف من مصاحفنا فهل يؤثر ذلك فيهم؟ لا، لكن لو أرسلنا لهم رجلاً واحداً متخلقاً بأخلاق القرآن فهل سيؤثر أم لا؟ سيُغير كل أحوالهم، ويجعلهم يدخلون في دين الله أفواجاً.
فما الذي يُشوه صورة الإسلام الآن؟ المسلمون غير الملتزمين بأخلاق الإسلام.
نسأل الله أن يخلِّقنا بأخلاق القرآن، وأن يخلِّقنا بأخلاق النبي العدنان، وأن يجعلنا معه في الدار الآخرة وفي الجنان، وأن يبلغنا أعلى مراتب الإحسان والإيقان.
2- الصدقة
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلَّم في شهر رمضان كما روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
{ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ }
فكان صلى الله عليه وسلَّم في رمضان يحرص على كثرة الإنفاق والتصدق على الفقراء والمساكين في شهر رمضان لأمور:
الأمر الأول: كفاية الفقراء الأجراء الذين ليست لهم وظيفة ثابتة ويعملون بالأجر، ليستريحوا في شهر الصيام ويتفرغوا لطاعة الله.
الأمر الثاني: أن الصدقة تعني أن الصائم قد استفاد من صيامه، ونتيجة الاستفادة من الصيام أن يبحث عن الجائع.
كان سيدنا يوسف الصديق وزير مالية مصر في عصر من العصور، وكان هذا العصر أصاب الناس فيه قحط شديد، ثم جاءهم رخاء، فكان يصوم يوماً ويُفطر يوماً فقيل له: لِم تصوم وأنت على خزائن الأرض؟ قال: حتى لا أنسى الفقير.
ففرض الله علينا الصيام حتى لا ننسى الفقراء الذين لم يعطهم الله سعة من الرزق.
والصدقة فيها فوائد لا تعد ولا تحد، أذكر واحدة منها في الدنيا، وواحدة في الآخرة، وواحدة في الجنة:
أما في الدنيا فقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الصَّدَقَةُ تَسُدُّ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ السُّوءِ }
الصدقة تدفع سبعين باباً من البلاء في الدنيا، وقيل: أدناها الهمُّ، فلو أصاب الهمُّ إنساناً ضاع.
وفي الآخرة فقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ }
يوم القيامة لا يوجد شيء يمنع حرارة الشمس إلا الذين تحت العرش، أو الذين تحت ظل صدقاتهم، فالصدقة تقيه حرارة هذا الموقف العظيم.
أما في الجنة فقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ }
وأطعم الطعام يعني الصدقة.
وهل هناك مسلم ولو فقير يُستثنى من الصدقة؟ نسأل القرآن: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ " (134آل عمران) يعني في الخير والسعة وفي الفقر، كيف؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ }
فهل يعجز الفقير أن يأكل نصف تمرة ويُعطي نصفها لآخر لمحتاج، وهذه التمرة التي تصدق بنصفها يقول فيها حضرة النبي:
{ مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ } وفي رواية: { حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ، فَتَصَدَّقُوا }
ومن ليس معه حتى نصف تمرة، حضرة النبي يسر الأمور فقال
{ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ }
وقال:
{ تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ }
الكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإرشادك الضال الذي يجهل الطريق صدقة، وإعانتك للمحتاج صدقة ... كل هذه الأعمال جعلها صدقات حتى لا يكون عُذر لأي مسلم أن يتصدق بماله، أو يتصدق بجاهه، أو يتصدق بما يستطيع، نسأل الله عز وجل من عباده الصادقين المتصدقين.
3- الهدي النبوي في صلاة التراويح
من أفضل القربات التي جعلها رسولنا صلى الله عليه وسلَّم خصوصية لشهر رمضان صلاة القيام أو صلاة التراويح، فالاثنين بمعنى واحد.
واسمها صلاة القيام لأن الله قال له: " يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً " (1-4المزمل).
وسموها صلاة التراويح لأنهم استنُّوا بعد كل أربع ركعات أن يروح المصلين عن أنفسهم ترويحة، فيجلسون قليلاً، أو يذكروا الله، أو يستغفرون، كان أهل مكة المكرمة بين كل أربع ركعات يطوفون حول بيت الله الحرام طوفة يعني سبع مرات، وكانت هذه ترويحتهم، وبعدها يكملون صلاة التراويح، وكان سيدنا عمر بن عبد العزيز وقتها أمير المدينة المنورة، فلما سمع أن أهل مكة بين كل أربع ركعات يطوفون حول الكعبة، قال: نحن نزيد مكان كل ترويحة أربع ركعات، فكان يصلي ستة وثلاثون ركعة، حتى يحصِّل المصلين في المسجد الحرام.
لماذا سن النبي صلى الله عليه وسلَّم لنا صلاة التراويح؟ لحكمٍ كثيرة نذكر بعضها على سبيل الإيجاز:
الحكمة الأولى: لأن الله عز وجل أمره أن يقوم الليل ويرتل فيه القرآن، فكانت الحكمة فيها لترتيل القرآن فيها، ولذلك أفضل ترتيل للقرآن الذي يكون في صلاة في الليل في مناجاة حضرة الرحمن سبحانه وتعالى.
والإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه له مقولة يقول فيها: ((من قرأ القرآن على غير وضوء، فله بكل حرف عشر حسنات، ومن قرأه على وضوء في غير صلاة، فله بكل حرف خمس وعشرون حسنة، ومن قرأه في الصلاة من قعود فله بكل حرف خمسون حسنة، ومن قرأه في صلاة من وقوف فله بكل حرف مائة حسنة، ويضاعف الله تبارك وتعالى لمن يشاء.
لأن الله عادل، ويُعطي لكل إنسان مقابل جهده ونيته وإخلاصه في العمل لله تبارك وتعالى.
الحكمة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلَّم فتح للمسلمين بهذه الصلاة باباً من أبواب المغفرة، لأنه وسَّع أبواب المغفرة في رمضان، فكما قال في الصيام:
{ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ }
قال في القيام:
{ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ }
قد يقول البعض: إن الصائم يقوم!، لكن حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم نظرته أبعد من ذلك، فقد يكون مريضاً لا يستطيع الصيام، ولكن يستطيع القيام ولو من قعود، وبهذا يكون قد دخل في باب من أبواب المغفرة الإلهية التي فتحها الله سبحانه وتعالى لنا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الحكمة الثالثة: الملائكة مع رفعة قدرهم وعلوُّ شأنهم عند الله إذا جاء شهر رمضان يستأذنوا من الله سبحانه وتعالى أن ينزلوا إلى الأرض ليشاركوا المسلمين في عبادتهم لله تبارك وتعالى، ومن هؤلاء الملائكة صنفٌ يقول فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حَوْلَ الْعَرْشِ مَوْضِعًا يُسَمَّى حَظِيرَةُ الْقُدْسِ، وَهُوَ مِنَ النُّورِ فِيهَا مَلَائِكَةٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ عز وجل عِبَادَةً لَا يَفْتُرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا كَانَ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ اسْتَأْذَنُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ، فَيُصَلُّونَ مَعَ بَنِي آدَمَ، فَيَنْزِلُونَ كُلَّ لَيْلَةٍ الْأَرْضَ فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا }
من يمُّس هؤلاء الملائكة أو يمسُّوه - ولن يراهم ولا يشعر بهم إلا إذا كان من أهل الشفافية العالية - سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً.
صلا ة التراويح كيف صلَّاها حضرة النبي؟ صلاها أول مرة وصلى جماعة خلفه، وصلاها في اليوم الثاني وصلى جماعة خلفه، وصلاها في اليوم الثالث وصلى جماعة خلفه، وفي اليوم الرابع امتلأ المسجد عن آخره، فصلى العشاء ودخل بيته، وعند الفجر قال لهم:
{ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمْ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا }
حتى لا تعتبروها فريضة، وهي سُنَّة، وكم صلاها؟ بعض الأئمة روى أنه صلاها ثمانية، وبعضهم روى أنه صلاها عشرين، لكن الأمر كله عبارة عن سُنَّة، ومادام سُنَّة فيصح لو كنت مشغول أن أكتفي بركعتين وبذلك أكون قد أخذتُ نصيبي من السُنَّة، ولو زدتُ وصليت مائة ركعة فهل عليَّ شيء؟ ليس في ذلك شيء أبداً.
ولا يجب في ذلك الخلاف بين المسلمين، لأن البعض يقولون: الثمانية أصَّح، والآخرون يقولون: العشرون أصَّح.
الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه ذهب إليه جماعة في مسجد، وقالوا له: لقد جئناك لتحكم بيننا، فهؤلاء مصرين أن تكون التراويح ثمانية، وهؤلاء مصرين أن تكون التراويح عشرين، فما رأيك؟ فقال لهم: رأيي أن تغلقوا المسجد،، لأن الصلاة التي تتشاجرون عليها سُنَّة، وخلافكم هذا ليس من الدين في قليل ولا كثير.
فكل إنسان يصلي ما يستطيع كما قال الله: " فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ " (16التغابن).
هل توجد قراءة واردة عن رسول الله أو عن صحبه الكرام في هذه الصلاة؟ أبداً، فلم يرد أنهم كانوا يصلون كل ليلة بجزء، ولم يرد أنهم كانوا يصلون كل ليلة بنصف جزء، فكل جماعة على حسب جهدهم.
الجماعة المعاصرين في الحرمين - لإقبال الناس عليهم - قالوا: يُستحسن أن نختم القرآن في شهر رمضان في التراويح مرة كل يوم بجزء، لكن هذا اجتهاد منهم وليس سُنَّة واردة.
والله قال في الأمر الجامع: " فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " (20المزمل) المهم أن نتقن ما نقرأه، ونتقن الركوع، ونتقن السجود، حتى نؤدي الصلاة كما ينبغي لله تبارك وتعالى.
والذي يريد أن يزيد بعد ذلك فلا مانع، لا يصلي الوتر مع الجماعة، ويذهب إما في آخر المسجد أو في بيته ويصلي ما يشاء، حتى ولو ثلاثمائة ركعة في الليلة.
الإمام الجنيد كان يُصلي كل ليلة ثلاثمائة ركعة، وسيدنا علي زين العابدين كان يُصلي كل ليلة ألف ركعة، وكانوا مجتهدين، فالباب مفتوح.
لكن لا يجبر أحداً أن يمشي على منهجه، لأن المنهج الإسلامي التيسير.
4- الهدي النبوي في صلاة التهجد
كان لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم سُنَّة مخصوصة خصَّ بها شهر رمضان وهي صلاة التراويح، وكان له في الليل سُنَّة دائمة في رمضان وفي غير رمضان طول العام، لأن الله قال له: " وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا " (79الإسراء) كان يحافظ على صلاة التهجد.
والتهجد يعني الصلاة بعد القيام من النوم، ولذلك صلاة التراويح بعد العشاء، وهي لحكمة صحية قال فيها أيضاً سيدنا رسول الله:
{ أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاةِ }
بعد أن نأكل نحتاج للهضم، ولا شيء يهضم ما في المعدة أفضل من الصلاة وذكر الله تبارك وتعالى، بدلاً من أن نبحث عن الأشياء التي تضُّر المعدة.
وصلاة التهجد تبدأ من منتصف الليل، من الساعة الثانية عشرة، وكان صلى الله عليه وسلَّم يقوم الليل حتى تتورم منه الأقدام، فتقول له السيدة عائشة رضي الله عنها:
{ لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا }
يعني أشكر الله على نعمه وعلى عطاياه جل في عُلاه.
فكان صلى الله عليه وسلَّم يصلي صلاة التهجد بمفرده، ولكننا لو صليناها في جماعة فلا مانع، لأن أي نافلة من نوافل الصلاة يجوز أن نصليها في جماعة، لأن هذا أنفع وأقرب للقبول، لأنه لو كان في الجماعة رجل موصول بالله وتقبل الله منه صلاته، يقبل الله صلاة الجماعة كلها من أجل هذا الرجل، ولذلك حُببت إلينا صلاة الجماعة.
وصلاة التهجد كم ركعة؟ السيدة عائشة تقول كما روى عنها:
{ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ }
ثمانية تهجد، واثنين شفع، وواحدة وتر، فالذي يصلي التهجد لا يصلي الشفع والوتر بعد صلاة العشاء، ولكن يُؤجل الشفع والوتر إلى أن يصلي التهجد، لماذا؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ }
وقال في حديث آخر:
{ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا }
صلي كما تشاء في الليل، لكن آخر صلاة قبل صلاة الفجر يكون الوتر.
نفرض أنني صليت الوتر بعد العشاء مع جماعة أو بمفردي، وأُريد أن أُصلي بالليل، فأُصلي ركعة واحدة وأُسلم، فركعة مع ركعة يكون شفع، يعني ركعتين، ثم أُصلي كما أريد، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى }
فلا يصح أن أُصلي في الليل أربع ركعات متواصلين، لكن اثنين إثنين، وبعد أن أنتهي أختم بواحدةٍ وتر، حتى أكون قد مشيت على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وصلاة التهجد للذين يريدون أن يكونوا في الدرجة العُليا مع: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ " (29الفتح) ولذلك يقول له الله في آخر سورة المزمل: " إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ " (20المزمل) الجماعة الذين يريدون أن يكونوا معك، يحافظوا على هذه الصلاة.
فالذي يُريد أن يكون مع رسول الله في الدار الآخرة، وفي الجنة يحافظ على التهجد طول العام ولو ركعتين اثنتين، وليس شرطاً ثمانية، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ }
وهو أعلى مقام في المقامات العشرة في سورة الأحزاب، فيصلي ولو ركعتين اثنتين فقط، والمهم كله في المداومة، أن الإنسان يداوم على هذا العمل، وكما ورد بالأثر: ((من َصَلَّى باللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ رفعت له يوم القيامة الأعلام))، وقال صلى الله عليه وسلَّم مبيناً بعض فوائد صلاة التهجد:
{ عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ }
كل هذا في صلاة التهجد، ولذلك أهل الغرب قاموا بعمل بحث يقولون فيه: لو أن الإنسان نام فترة تزيد عن ست ساعات ولم يستيقظ فيها مرة ويتحرك، يكون قلبه في حالة خطرة، لأن القلب يكون في حالة هبوط كلي.
وسبحان الله!! صلاة الفجر للمسلمين هي صلاة المحافظة على شباب القلب على الدوام، لأن الإنسان يقوم ويدخل الحمام ويتوضأ، ويُصلي، فتتحرك كل أعضاء الجسم والقلب يصل إلى حركته الطبيعية، حتى ولو رجع ونام مرة أُخرى فيحافظ على شباب القلب على الدوام.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل صلاة القيام، وأن يوفقنا دوماً للاقتداء بسنة سيد الأنام، وأن يجعلنا رفقاءه يوم القيامة، وجيرانه في دار السلام.
5- الاعتكاف
من أعظم القربات التي علَّمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في شهر رمضان الاعتكاف، والاعتكاف يعني الإقامة الكاملة في المسجد، لمدة تطول أو تقصر، فليس له حدٌ أدنى ولا حدٌ أعلى.
وكان صلى الله عليه وسلَّم يعتكف في كل عام في العشر الأواخر من شهر رمضان، وفي السنة التي انتقل فيها إلى جوار الله تعالى اعتكف فيها عشرين يوماً.
فأفضل أوقات الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، لكن الاعتكاف يجوز في أي وقت من أوقات العام.
الاعتكاف له شروط:
الشرط الأول: أن يكون في مسجد تُقام فيه الجمعة والجماعة، لأنه لو كان في مسجد لا تُصلى فيه الجمعة سيضطر يوم الجمعة أن ينتقل إلى مسجد آخر فيه جمعة، فيخرج من اعتكافه.
ويلزم عليه ما دام معتكفاً أن يحافظ على الجماعات، سُئل في ذلك سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن المعتكف الذي لا يُصلي الجمعة ولا الجماعة، قال: ((هو في النار)).
كيف يكون معتكفاً ولا يصلي الجمعة ولا يصلي الجماعة؟!! ولذلك لا بد أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجمعة والجماعة.
الشرط الثاني: أن يكون المعتكف على وضوء وعلى طهارة كاملة، وبعد أن يُصلي ركعتي تحية المسجد ينوي الاعتكاف.
فإذا نوى الاعتكاف لا ينبغي له أن يتحدث مع أحد ممن حوله في حديث من أحاديث الدنيا، كأن يتكلم في السياسة، أو في الاقتصاد، أو في أي ناحية، ولا يجوز الحديث إلا إذا كان هناك سؤالاً شرعياً يستوضح حكمه، أو أمرٌ ضروري يريد معرفته.
ماذا يعمل المعتكف؟ يشغل نفسه بذكر الله، سواءٌ بالاستغفار، أو بالتسبيح والتحميد والتقديس لله، فيقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أو بتلاوة القرآن، أو بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم .. يشغل لسانه بأي طاعة لله.
ولا ينبغي له أن يمكث صامتا لأنه معتكف، وعاكف يعني عاكف على طاعة الله، فلا بد أن يشتغل بالله، وبذكر الله سبحانه وتعالى.
إذا تحدث معه شخص، فيكون قد خرج من الاعتكاف، وعليه بعد انتهاء الحديث أن ينوي الاعتكاف مرةً أُخرى.
والاعتكاف له عدة أنواع: اعتكافٌ كامل في العشر الأواخر من شهر رمضان، وهذا لمن أراد عمله فشرطه أن لا يكون هناك تعطيلٌ لأعماله الحياتية الدنيوية، أو هناك تعطيلٌ لعمل المجتمع في حاجة إليه.
الشيخ الغزالي رحمة الله عليه يقول: رأيت معتكفاً وجاءني يسألني في شيء، فقلت له: ما وظيفتك؟ فقال لي: صيدلي، فقلت له: اعتكافك في صيدليتك لتنقذ المرضى أولى من اعتكافك في المسجد هنا.
المسجد هنا للذين أُحيلوا على المعاش، ولم يعد مشغولاً، لكن الناس يحتاجونك للعلاج، ومثله الطبيب الذي في المستشفى، فجائز أن تأتيه أي حالة الطوارئ، فهل نغلق الطوارئ ونجلس كلنا نعتكف لله في المساجد؟! لا يجوز.
فإذا كان هو نفسه قد يستغني عن العمل، لكن المجتمع لا يستغني عن هذا العمل، فلا ينبغي عليه الاعتكاف.
إذا لم يكن عنده شيء من هذه الأمور يدخل في يوم العشرين من رمضان إلى المسجد قبل صلاة المغرب وينوي الاعتكاف، ولا يخرج من المسجد إلا بعد صلاة العيد.
لا يخرج لتشييع جنازة ولو كان قريباً له، ولا يخرج لعيادة مريض لأنه قد اعتكف لله، فلا يخرج لأي أمر من الأمور، ويظل في طاعة الله على الدوام في هذه الفترة.
نفرض أنه لا يستطيع الاعتكاف في العشر الأواخر كلهم، له أن يعتكف ليلة فيدخل المغرب أو قبل المغرب المسجد وينوي الاعتكاف ويظل في المسجد إلى صلاة الفجر، فيكون قد اعتكف ليلة، ويجوز أن يعمل كل ليلة بنفس الكيفية.
نفترض أنه يعمل بالليل، فيجوز له أن ينوي الاعتكاف بالنهار، يدخل المسجد في أول النهار وينوي الاعتكاف إلى أذان المغرب.
نفرض أنه لا يريد أن يكون مع هذا، ولا مع هذا، فله أن ينوي الاعتكاف في أي وقت يدخل فيه المسجد، وأي وقت الإنسان منا يدخل فيه المسجد ولا يزال دقائق على إقامة الصلاة، ينوي الاعتكاف، ويشغل نفسه في هذا الوقت بطاعة الله وعبادة الله ويأخذ أجر الاعتكاف الذي قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ من اعتكف فُواقَ ناقةٍ فكأنما أعتقَ نسمةً من ولدِ إسماعيلَ }
ولذلك الإنسان المسلم الكيس الفطن الفقيه، يدخل المسجد في أي يوم، وخاصة يوم الجمعة مبكراً، وينوي على الفور الاعتكاف، شرط أن يجعل حديثه مع الله، أو لله سبحانه وتعالى.
وبهذه الكيفية سيكون الإنسان المؤمن قد جعل كل أوقاته بعد دخول المسجد طاعة واعتكاف لله سبحانه وتعالى.
6- العمرة في رمضان
الرسول صلى الله عليه وسلَّم في آخر أعوام حياته بالمدينة المنورة نوى حج بيت الله الحرام، وهي الحجة التي تسمَّى (حجة الوداع) لأنه لم يحج بعدها صلى الله عليه وسلَّم.
وذهب الناس إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم يستأذنونه في أن يكونوا معه في هذا الحج، فذهبت امرأة وقالت: يا رسول الله إني أُريد أن أحج معك، فقال صلى الله عليه وسلَّم: هل لك زوج؟ ـ يعني محرم؟ قالت: نعم، قال: أين هو؟ قالت: اكتتب في غزوة كذا، ولمَّا يأتي بعد، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي }
يعني قومي بعمل عمرة في شهر رمضان، فإن عمرةً في رمضان تعدل حجة معي.
هذا الحديث الصحيح الشريف لنا فيه وقفاتٌ طفيفة، الوقفة الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلَّم علَّم المسلمين أجمعين كما أخبر رب العالمين أن لا يعملوا أمراً إلا إذا سألوا: " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " (43النحل).
ونحن في هذا الزمان، أعظم آفات هذا الزمان أن الناس يجتهدون بدون معرفة في كتاب الله ولا في دين ولا في شرع الله، ولا يُكلف خاطره أن يسأل أحد العلماء، ويجادل ويحاجج.
فلماذا يا أخي؟!! فلو كلنا وقفنا عند سؤال العلماء الأجلاء ما حدث خلافٌ ولا اختلافٌ بين رجلين ولا بين طائفتين من المسلمين.
ولو فعل الإنسان شيئاً بدون أن يسأل، وكان هذا الشيء مخالفاً للشرع كان آثماً، وعليه إثمه وإثم من اتبعه لو تبعه أحدٌ في ذلك، فلا نعمل شيئاً بدون سؤال.
الأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أخبرنا أن المرأة عندما تحج حجة الفريضة لا بد لها من محرم، زوجها، أو ابنها إذا كان بالغاً، أو أبوها، أو عمها، أو خالها، ومحرم يعني يحرم عليه أن يتزوج بها في شرع الله تبارك وتعالى.
هذا الكلام وصفَّه العلماء الحكماء إذا كانت المرأة أقل من خمسة وأربعين سنة، ولذلك السفارة السعودية الآن لا تُعطي تأشيرة لأي إمرأة أقل من خمسة وأربعين إلا إذا كان معها محرم تثبُت أحرميته.
وما فوق الخمسة والأربعين، فإن الأئمة المجتهدين ومنهم الإمام الشافعي رضي الله عنه أخذوا من أدلة أُخرى واردة عن رسول الله أنه يكفيها أن يكون معها رُفقةً صالحة، مادام معها اثنين أو ثلاثة من النساء الصالحات فتسافر ولا تحتاج إلى محرم.
الأمر الثالث والأخير أن العمرة سُنَّة، والحج فريضة، والعمرة في رمضان تعدل في الأجر وفي الثواب حجة مع رسول الله لكن لا تُسقط الفريضة.
ونحن نرى في هذا الزمان شركات السياحة تروِّج مع الناس أجمعين أن من لم يستطع الحج يؤدي عمرة في رمضان، ويكون قد حج، ويقولون له: الحاج فلان، فما شأني بهذا اللقب؟! وهل كانوا يقولون: الحاج أبو بكر والحاج عمر والحاج عثمان والحاج علي؟! لم يحدث هذا، ولو حدث لقلنا: المصلي فلان، والمزكي فلان، والصائم فلان، لذلك لا شأن لنا بالألقاب.
لكن العمرة سُنَّة والحج فريضة، فلو أن رجلاً صلَّى ألف ركعة نافلة، ولم يُصلِّي فريضة العشاء، هل تغنيه الألف ركعة عن فريضة العشاء؟! لا.
ولو أدَّى رجل خمسمائة عمرة في رمضان، ولم يؤدي فريضة الحج الواجبة عليه، فهل هذه العمرات تُغني عن فريضة الحج؟! لا، هي تساوي في الأجر والثواب حجة مع رسول الله، ولكن لا تُسقط الفريضة.
وإذا كانت الفريضة لا ينبغي للمؤمن أن يستدين لها، فيشترط الإسلام لمن يؤدي فريضة الحج أن يكون هذا المال زائد عن نفقاته، ونفقات أهله حتى يرجع، فلا يتركهم في البيت بدون شيء ويقول لهم: تصرفوا حتى أرجع، لكن لا بد أن توفر لهم كل شيء يحتاجون إليه حتى ترجع.
فالحج لمن استطاع، وإذا كان الحج لا ينبغي بدين، فإن العمرة والتي هي سُنَّة لا ينبغي أن أستدين لأداءها، لأن هذا منافي لمفاهيم الإسلام.
فالعمرة في رمضان لمن تيسر له الأسباب، وسبق له أداء فريضة الحج أو لم يسبق، بشرط أن يعرف أنه مكلف بأداء فريضة الحج.
نسأل الله تبارك وتعالى أن ييسر لنا أجمعين الحج إلى بيته الحرام، وزيارة روضة حبيبه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
7- الأشفية القرآنية
لا بد لكل مؤمن أن يقف وقفةً مع نفسه، قرأنا كتاب الله، فماذا خرجنا منه لنستفيد به في حياتنا وفي نفوسنا وأجسامنا وقلوبنا طوال العام حتى يأتي العام المقبل إن شاء الله؟!.
والله سبحانه وتعالى جعل للأجسام أمراض، وجعل علاجها فيما يخرج من الأرض من نبات، ومن حيوان، ومن البحار، ومن كل شيء يخرج من عالم الأرض، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ يَا عِبَادَ اللَّهِ، تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً }
والأمراض الأشد خطورة على بني الإنسان والتي استشرت في هذا الزمان؛ أمراض القلوب وأمراض النفوس، وعلاجها في قول الله: " قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ " (57يونس).
ما الذي يعالج الشك الذي في صدر الإنسان، أو الخوف أو القلق أو الضجر أو الهم أو الغم وما شابه ذلك؟ لا يوجد دواء لذلك في الصيدليات، ولا عند طبيب من أطباء الأجساد، فأين أدويتها؟ " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " (82الإسراء) لم يقُل الله عز وجل: وننزل من القرآن ما هو دواء، لأن الدواء إذا تعاطاه المرء قد يأتي بالشفاء وقد يُزيد الداء!، لكن أشفية القرآن شفاءٌ محقق، لأن الذي أنزلها هو الله سبحانه وتعالى.
أشفية القرآن هي التي نحن في أمسّ الحاجة إليها الآن، فتعالوا ننظر في الروشتة لنعرف ما يعالجه القرآن من الأمراض التي نعاني منها أجمعين.
الاستغفار
قال الله تعالى: " اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ " (10نوح) هذا شفاء اسمه الاستغفار، وماذا يعالج؟ " إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا " (10نوح) وهذا واحد، " يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا " (11نوح) وهذا اثنين: " وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وهذا ثلاثة: " وَبَنِينَ " وهذا أربعة: " وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ " وهذا خمسة، " وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا " (12نوح) وهذا السادس.
الإنسان في الدنيا ما الذي يشغل باله؟ إذا كان تقياً نقياً يشغل باله في البداية والنهاية أمر الآخرة، كيف أخرج من الدنيا؟ عند خروج الروح كيف تكون الخاتمة؟ وفي الموقف العظيم كيف يكون حالي؟ وفي الحساب والميزان والصراط، كيف يكون حالي؟ فالله أمنها لنا بهذا الشفاء: " اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا " (10نوح) ما دام سيغفر للإنسان الذنوب ويستر له العيوب، فتكون له البشرى يوم لقاء علام الغيوب سبحانه وتعالى، وهذا أول علاج لهمٍّ يتملك المؤمنين.
أنت مما تخاف؟ من سوء الخاتمة، حتى الأنبياء، فقد كان سيدنا يوسف يدعو ويقول: " تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ " (101يوسف).
ومن الذي يضمن حسن الخاتمة؟ الذي يداوم على الاستغفار لله تبارك وتعالى يضمن المغفرة ويضمن أمور الآخرة.
الناس في الدنيا ماذا يريدون؟ يريدون المياه ليشربوا ويزرعوا ويربوا كل ما يحتاجون إليه من نباتات وحيوانات، ويريدون المال الذي هو عصب الحياة، ويريدون الأولاد لأنهم زينة الحياة الدنيا، ويريدون أن يكونوا في شيء من ترف العيش، كمنزل وحوله حديقة، والحديقة فيها بحيرة صناعية أو أنهار، فما الذي يحقق كل هذه الطلبات؟ الاستغفار: " يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا " (11نوح).
ولذلك من فضل الله علينا أهل مصر أن الزمن الجيولوجي تغير لأجلنا، فأصبحت مصر والجزيرة العربية من المناطق الممطرة، وأثيوبيا أصبحت من المناطق الجافة، فمن أين هذا؟! سبحانه يغير ولا يتغير.
من الذي يرسل المطر ويتحكم في المطر؟ الله عز وجل، حتى لا نخاف ونعلم أننا في رعاية الله وعناية الله.
" وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ " (12نوح) عندما يأتي المال مدد من الله، سيكون مال مبارك، ويوفَّق صاحبه في إنفاقه فيما يُرضي الله، ولن ينفقه في المعاصي ولا المخالفات، لكن ينفقه في حج بيت الله، وينفقه في باب من أبواب البر، أو باب من أبواب الخير، أو في بر الوالدين، أو في صلة الأرحام، أو في رعاية الأيتام، ما دام المال جاء إمداد من الله سبحانه وتعالى.
وإذا مدَّ الله بالمال فليس شرطاً الكثرة فيه، فقد يكون المال قليل لكن يبارك الله فيه فيُغني عن الكثير، وهي مشكلة المسلمين الآن أنهم نسوا البركة، مع أنها صُلب معايش المسلمين، وأساس اقتصاد المسلمين، والبركة يعني الزيادة، ومن أين تأتي الزيادة؟ من تقوى الله: " وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ " (2-3الطلاق) ليس مما يحسبه هو ولا يعُده، بل من حيث لا يحتسب.
وإذا كان الأولاد مدداً من الله: " وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ " (12نوح) سينشأون بررة وأتقياء، لا أحمل همهم، ولا يُحمِّلوني ما لا أطيق، ولا يجعلوني في هم وغم على الدوام، بل أجدهم دائماً كما أُحب، وفي راحة بالٍ من جهتهم لأنهم مددٌ من الله تبارك وتعالى.
" وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا " (12نوح) كل ما تحبون، ولذا كان صلى الله عليه وسلَّم يقول:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ }
فالذي يُريد كل هذه الأمور عليه بالاستغفار، وما قدر الجرعة؟ يستغفر مائة مرة كل يوم وليلة.
ومن رحمة الله بنا أنه جعل الاستغفار ليس من شرطه الوضوء، فيجوز أن أستغفر بدون وضوء، وليس من شرطه الجلوس في المسجد، فأستغفر وأنا ماشي، وأستغفر وأنا جالس، تيسيراً للمؤمنين، المهم أن لا أقل عن مائة مرة استغفار، وأداوم على هذا الشفاء.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: " وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " (33الأنفال) من يداوم على الاستغفار فلا يمكن أن تنزل به حاجة تعكر صفوه أبداً، ولذلك سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول: لو نزلت صاعقة من السماء، لم تنزل على مستغفر لله تبارك وتعالى!.
لأن الاستغفار هو الأمان الباقي لنا، فكيف أترك الأمان وهو عمل يسير وسهل، ويُحبه حضرة الرحمن سبحانه وتعالى؟! قال صلى الله عليه وسلَّم في شرح هذه الروشتة القرآنية:
{ مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }
فهل نترك هذا الشفاء؟ أبداً، لأنه لن يكلفنا شيء، فالمؤمن الذي أكرمه الله بإحياء ليالي وأيام شهر رمضان عليه أن يديم الاستغفار لله سبحانه وتعالى.
وأستغفر بأي صيغة، لو قلت: (أستغفر الله) لا مانع، وهناك الصيغة النبوية: (أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) وهذه يقول فيها صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثًا، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَ فَارًّا مِنَ الزَّحْفِ }
حتى لو فرَّ من ميدان القتال، فإن الله سيغفر له هذه الذنوب.
وهناك سيد الاستغفار الذي قال فيه حضرة النبي صلى الله عليه وسلم:
{ سَيِّدُ الِاسْتِغْفَار أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ }
أقوله في الصباح وفي المساء حتى أكون قد ضمنت دخول الجنة، ويكون معي كارت ضمان من الذي: " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى " (3-4النجم).
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المستغفرين الشاكرين لحضرته في كل وقت وحين.
علاج ضيق الصدر
نأخذ شفاءاً آخر من القرآن، والقرآن فيه شفاءٌ لكل ما في الصدور، لأنه نور نزل من حضرة العزيز الغفور سبحانه وتعالى.
النبي صلى الله عليه وسلَّم تعرض لمضائق وضغوط عصبية ونفسية لا تتحملها الجبال، مرة يقولون عليه ساحر، ومرة يقولون عليه مجنون، ومرة يقولون عليه كاهن .. أوصاف هو نفسه لم يردَّ عليها، ولكن الله عز وجل لمعزته عنده تولَّى بذاته الرد عليها.
يقولون: شاعر، فيقول الله: " وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ " (41الحاقة) ويقولون: كاهن، فيقول الله: " وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ " (42الحاقة) ويقولون: ليس سوي في العقل، فيقول الله: " وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ " (22التكوير) فيتولى الله بذاته الرد عليهم.
وكانوا أحياناً يمشون وراءه ويتبارون في سبه وشتمه صلوات ربي وتسليماته عليه، وينتظروا أن يرد عليهم ليزدادوا فلا يرد، حتى أنهم ذات مرة من المرات مشوا خلفه وأخذوا يقولون: مذمم، فلم يرد عليهم، فجاءه أحدهم وأمسكه من كتفه وقال له: أنا أقول هذا الكلام لك أنت، فقال له: أنت تشتم مزمم، وأنا اسمي محمد!، وكان يقول:
{ أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ، وَلَعْنَهُمْ؟! يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ }
وكلنا يحدث لنا هذه المضائق، فأحياناً يكون الواحد منا مع زوجته في نعيمٍ مقيم، وتحدث مشادَّة لا يعلم مداها إلى الله ويتغير صدره، وقد يُخرج طلقة من الطلقات الثلاث التي معه في هذه الظروف.
وأحياناً الابن أو البنت يخرج الإنسان عن مشاعره، وأحياناً ضغوط العمل التي يتعرض لها الإنسان، لأن الناس نفوسهم ليست صافية، فهناك وشايات، ومحاولات الترقي على أكتاف الآخرين، والوصول إلى رضا الرئيس على حساب كثير من المرؤسين، فهذه أمور تتعب الإنسان.
ما علاج هذه الضغوط النفسية؟ هل في الصيدليات؟ سيعطيك مهدئات، ولو استمريت على المهدئات ستصبح مدمناً.
فما العلاج؟ أراد الله عز وجل أن يضع لحضرة النبي ولنا أجمعين: " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ " (97الحجر) ما العلاج؟ " فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " (98-99الحجر).
كم صنف عندنا في هذه الروشتة؟ ثلاثة.
الأمر الأول: التسبيح، " فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ " (98الحجر) أحسن علاج يقي من وحر الصدر وما يتعرض له الإنسان من ضغوط عصبية ونفسية وبشرية التسبيح، والله يقول: " فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " (144) (الصافات) لأنه كان في ضائقة كبيرة، فقد كان في ثلاث ظلمات، ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر، ومن دخل بطن الحوت كيف يخرج؟!!.
فكان في شدة شديدة، مالذي أنقذه منها؟ التسبيح لله سبحانه وتعالى، والتسبيح أن يقول الإنسان: (سبحان الله) أو (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وكلمة (سبحان الله) التي نقولها عقب الصلاة ثلاثة وثلاثين مرة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلَّم في كنهها:
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }
تملأ ما بين السماء والأرض حسنات وخيرات ومبرات لقائلها عند الله سبحانه وتعالى.
فهذه الأشياء الأولى التي يتمسك بها الإنسان ويمشي على منوالها حتى يذهب عنه كل ضيق إن شاء الله.
ولذلك كان سلفنا الصالح يعلموننا أن الإنسان لو تعجب من أمر، أو أصابه أمر يعرضه لضيق، فأول ما ينطق به (سبحان الله) فلو قال لي أحد كلمة تغيظني أقول: (سبحان الله) فسبحان الله تطفئ نار الغيظ بداخلي على الفور، لأنها كلام أناجي به حضرة من يقول للشيء كن فيكون.
الأمر الثاني: " وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ " (98الحجر) يعني تُديم السجود لله، والسجود أقرب موطن لإجابة الدعاء، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِذَا سَجَدْتُمْ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ }
وقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ }
في حالة السجود نكون في حالة قرب قريب من الله تبارك وتعالى، وما دام أنني في حالة قرب أدعو الله وأنادي الله وأستغيث بالله، فيكشف عني فوراً كل غمٍ، وكل همٍ، وكل ضيقٍ، وكل كرب أصابني من أحد من خلق الله، وأصبح في رعاية الله وعناية الله على الدوام.
الأمر الثالث: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " (99الحجر) واليقين هنا يعني الموت، فإياك أن تترك عبادة الله إلى أن يأتيك الموت وأنت على عبادة الله.
لأن الإنسان إذا كان مع الله، كان الله معه: " إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ " (128النحل).
دواءٌ عظيم، قليل في مبناه، عظيم في فائدته وعطاياه وجدواه.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا سعة الصدور، وشرح الصدور، وأن يملأ قلوبنا نوراً على نور، وأن يجعلنا دائماً وأبداً من الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
8- المحافظة على الصلاة في وقتها
ما أهم شيء نخرج به بعد رمضان ونستمسك به لننال رضاء الرحمن؟
سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كفانا مئونة هذا السؤال، فسأل خير من سُئل وخير من أجاب صلى الله عليه وسلَّم، فقال: يا رسول الله ما أحب الأعمال إلى الله؟
فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا }
لأن الصلاة قال فيها الله: " إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا " (103النساء) الذي وضع التوقيتات هو الذي يتقبل هذه الركعات والسجدات، وهو الله سبحانه وتعالى، لذلك يجب أن لا يؤخِّر الإنسان الصلاة عن وقتها إلا لعذر شرعي.
فباب الأعذار ليس متروكاً لأن هناك لائحة أعذار شرعية وضعها خير البرية، وهي المتعمدة في الحضرة الإلهية.
لكن لو قدَّم كل إنسان لنفسه أعذاراً فسيصبح الأمر بلا ثواب ولا عقاب، مثلاً: هل لرجلٍ منا عُذر أن يؤدي الصلاة لوقتها في يوم العيد؟ لا، لأننا غير مشغولين، ولو كنا سنسافر فيجب أن لا تفوتنا الصلاة في وقتها.
لا مانع أن نتنزَّه وننزه الأولاد، ولكن أضبط الأمور بحيث أن لا أترك الصلاة في وقتها.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان في سفر، وكان شديد النظام، فكان يرسل أمامه رجال يبحثون عن الماء، حتى لا ينزل هو ومن معه إلا على موضع فيه ماء، فسيدنا بلال قال له: وجب الظهر، فقال: هل معكم ماء؟ قالوا: لا، قال: نتيمَّم ونصلي.
فالذين يبحثون عن الماء عادوا وقالوا: يا رسول الله بيننا وبين الماء مرحلةً واحدة - ومرحلة يعني حوالي 2 كيلومتر - فننتظر حتى نصل إلى هناك، وانظر إلى رد الذي لا ينطق عن الهوى، فقال صلى الله عليه وسلم:
{ وَمَا يُدْرِينِي لَعَلِّي لَا أَبْلُغُهُ }
يعني من الذي يضمن لي أن أمشي حتى أصل إلى هذا المكان؟!، وهذا الكلام يحدث معنا أيضاً، فيكون الواحد منا في العمل، وعنده فسحة من الوقت أن يُصلي، وكل عمل فيه مكان للصلاة، فيتكاسل أن يخلع حذاءه ويتوضأ، ويقول: سأصلي عندما أعود للبيت، فإذا رجع إلى البيت وقد يكون جوعان، فيقول: حتى أتغذى، لكن هل ضمنت أن الله سيحييك حتى تؤدي ما عليك لخالقك وباريك؟ لا، فالصلاة لوقتها.
عندما يحين الأذان أُصلي في الحال، إلا إذا كان معي عُذرٌ شرعي، كأن يكون موظف في بنك يعطي الناس أموال، فلا يقول لهم: بعد إذنكم نصف ساعة حتى أُصلي، فلو عمل هذا يكون مقصراً عند رب العزة تبارك وتعالى، لأن مصالح العباد أولى، وبعد أن أُنهي عملي أُصلي الظهر.
وغير معقول لسائق قطار أو طائرة أن ينزل ليُصلي الظهر في وقته، فهو معه رخصة القصر ورخصة الجمع، هذه أعذار شرعية، لكن ما دام ليس لي عذر فأُصلي الصلاة لوقتها.
وهناك نقطة جوهرية أخرى، فكثير من الناس يقول: الماء في البيت والمصلاة هنا، فما الذي يُخرجني إلى المسجد؟!! ويُصلي في البيت، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلَّم ذات يوم قال لأصحابه:
{ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ }
لماذا لا تُصلي في المسجد؟!! أنت من لحظة خروجك من البيت فكل خطوة بحسنة ودرجة، وتغفر سيئة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ }
فلو صليت في البيت لن آخذ هذا الأجر؛ أجر صلاة الجماعة أبداً، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً }
والفذ يعني الذي وصل إلى درجة تقوى ليس لها نظير، ولا يغيب عن الله طرفة عين، ما مقدار هذه الدرجة يا رسول الله؟ قال:
{ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ }
هي درجات في الجنة.
كذلك صلاة الجماعة مضمونة القبول، فلو أن واحداً فيها تقبَّل الله صلاته، فلأجل هذا الرجل يقبل الله صلاة الكل، فإذا لم يوجد، فإن هذا حضر في الركوع، وهذا حضر في التلاوة، وهذا حضر في السجود، وهذا حضر في التشهد، فيأخذ الله منهم صلاةً كاملة فيقبلها ويقبل صلاة الجميع.
فصلاة الجماعة مضمونة القبول على الدوام، لذلك أحرص ما نحرص عليه طوال عمرنا إلى أن نلقى الله؛ أن لا نؤخر الصلاة عن وقتها الأول إلا لعذر شرعي واردٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
المداومة على تلاوة القرآن
قال الله لنا في القرآن لأنه يعرف ما يصلح لنا: " فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " (20المزمل) اجعل لنفسك كل يوم دقائق لتلاوة القرآن، المهم أن تداوم، فالكل يقرأ في شهر رمضان، لكن بعد رمضان المصاحف كلها توضع في المخزن حتى يأتي عليها التراب والعنكبوت ولا يفتحها أحد! وسيشكونا القرآن، فيقول القرآن: " وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا " (30الفرقان) يعني هجروا هذا الكتاب.
فكم نقرأ منه؟ قال حضرة النبي صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ }
والقانتين يعني العابدين لله سبحانه وتعالى، والمقنطرين هم الذين يكون انتاجهم من الحسنات بالقنطار عند رب العزة تبارك وتعالى.
فهل يصعب علينا قراءة عشر آيات؟! يعني صفحة في القرآن، إن كان في الصباح، أو في وقت الظهر، أو في وقت العصر، أو قبل النوم، المهم أنني أواظب على عشر أيات
فأظن أن المؤمن الذي يعجز عن قراءة عشر آيات كل يوم يكون مقصر في حق نفسه، وسيؤنب نفسه في يوم لا ينفع فيه التأنيب عندما يرحل من الدنيا ويرى المنزلة فيقول: " يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ " (56الزمر) لماذا كنت أُضيع هذا العمر؟!.
حتى ولو دخل الجنة فعندما يرى منزلته ويرى المنازل العالية، يقول: لماذا كنت أضيع هذه الأوقات كلها في الدنيا ولا أنفقها في طاعة الله حتى أنال هذه الدرجات الرفيعة التي جعلها الله لعباده المخلصين؟!.
نسأل الله عز وجل أن نكون مديمين على الصلاة في وقتها، محافظين على تلاوة كتاب الله، عاملين بما فيه طلباً لرضاء الله، متبعين سُنَّة حبيبه ومصطفاه.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

ليلة القدر

ليلة القدر
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ " (1-3القدر).
أخبر الله سبحانه وتعالى أن هناك ليلة في هذا الشهر الكريم هي خيرٌ من ألف شهرٍ في طاعة الله وعبادة الله سبحانه وتعالى.
لِمَ وصفها الله تعالى بأنها ليلة القدر؟ لأن الله عز وجل أنزل فيها كتاباً ذا قدر، على نبيٍ ذو قدر، لأمةٍ ذات قدر، أنزل فيها القرآن الكريم على خير نبيٍ أرسله للناس أجمعين، لخير أمة أُخرجت للناس.
وهناك رأيٌ آخر بأنها تُسمى ليلة القدر لأن الذي يكرمه الله سبحانه وتعالى ويرى أنوارها ويطلع على أحوالها، لا بد أن يكون له قدرٌ كبيرٌ عند الله سبحانه وتعالى، فيكون صاحب قدر لأنه يستحق أن يتمتع بما أعدَّه الله في ليلة القدر.
وأيضاً هناك رأيٌ ثالث، أن الملائكة الذين ينزلون في هذه الليلة من السماء إلى الأرض ليشاركوا المؤمنين في هذه الليلة، هم الملائكة الذين لهم قدرٌ عند الله في السماء، ليسوا الملائكة العاديين، ولا الملائكة غير الأكابر عند رب العالمين، وإنما ينتقيهم الله عز وجل، فهم أعلى الملائكة قدراً وشأناً عند الله لأنهم ينزلون يبلغون المؤمنين سلام الله سبحانه وتعالى.
وهناك رأيٌ رابع، أن الملائكة تنزل في هذه الليلة بكثافةٍ بالغة، حتى أن الأرض تزدحم من كثرة نزول الملائكة، وكلمة (قدر) في اللغة يعني ضيق، فالأرض تضيق من كثرة نزول الملائكة في هذه الليلة على عباد الله المؤمنين.
وورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه في إحدى الغزوات جُرح الصحابي الجليل سعد بن معاذٍ رضي الله عنه، وكان من حب النبي صلى الله عليه وسلَّم له أن أقام له خيمة في مسجده المبارك، وأتى بهيئة لتمريضه ليكون قريباً منه وتحت ملاحظته صلى الله عليه وسلَّم، وإذا بالأمين جبريل ينزل ويقول:
{ يَا مُحَمَّدُ، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَدِ اسْتَبْشَرَ بِمَوْتِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لا أَعْلَمُهُ إِلا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَدْ أَمْسَى دَنِقًا، مَا فَعَلَ سَعْدٌ؟ فَقَالُوا: قُبِضَ يَا رَسُولَ اللَّهِ }
وفي رواية أخرى:
{ مَنْ هَذَا الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ؟ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَعْدٍ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ }
وهيأوا الجثة، وصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلَّم، وذهبوا لدفنها، فرأى الصحابة النبي صلى الله عليه وسلَّم يمشي على أطراف أصابعه وهم في الجنازة، فسألوه بعد انتهاء تشييعها عن ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم:
{ لَقَدْ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، شَهِدُوا جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مَا وَطِئُوا الأَرْضَ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ }
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا حُمِلَتْ جَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جَنَازَتَهُ، وَذَلِكَ لِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:
{ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ }
فكثرة نزول الملائكة في ليلة القدر يجعل الأرض تضيق من كثرتهم، ولذلك سُميت ليلة القدر، أي ليلة الزحام من كثرة نزول الملائكة، ماذا يفعل هؤلاء الملائكة؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ وَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ يَأْمُرُ اللَّهُ عز وجل جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَهْبِطُ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِلَى الأَرْضِ وَمَعَهُمْ لِوَاءٌ أَخْضَرُ، فَيُرْكِزُ اللِّوَاءَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَلَهُ مِائَةَ جَنَاحٍ مِنْهَا جَنَاحَانِ لا يَنْشُرُهُما إِلا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَيَنْشُرُهُما فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَيُجَاوِزانِ الْمَشْرِقَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَيَبُثُّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ الْمَلائِكَةَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ، وَقَاعِدٍ، وَمُصَلٍّ وَذَاكِرٍ يُصَافِحُونَهُمْ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِمْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ }
متى تكون هذه الليلة؟ قال صلى الله عليه وسلَّم عندما سأله أصحابه:
{ الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ }
وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم يجلس بعد صلاة الصبح دوماً ليقص عليه أصحابه الرؤيات الصالحة التي رأوها في هذه الليلة، فقال لهم:
{ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ }
والرسول صلى الله عليه وسلَّم سُئل عن ليلة القدر، فدخل ليُخبر أصحابه بليلة القدر، فحدث خلاف بين اثنين من المنتظرين، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ }
فالخلاف يرفع الخير النازل من السماء.
لماذا لم يحدد الله عزوجل، ورسوله صلى الله عليه وسلَّم ليلة القدر؟ لحكمٍ كثيرة نذكر بعضها على سبيل التيسير:
أولاً: ليلة القدر كل العالم الإسلامي ليس متفقاً عليها، فاليوم عندنا مثلاً ليلة الرابع والعشرين، وبعض البلاد الإسلامية عندهم ليلة الثالث والعشرين، فالليل غير موحد في كل البلاد الإسلامية.
هل كل بلد من هؤلاء لها ليلة قدر؟! هذا علمه عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
هل كل واحد فينا له ليلة قدر؟ نعم، فكل واحد منا من المسلمين له ليلة قدر خاصة به سيكاشفه الله تعالى بها.
فلو عرفنا هذه الليلة سننام في العشر الأواخر ويكفي ليلة القدر، لكن الله يريدنا أن نجتهد في العبادة في العشر الأواخر، ولذلك عمَّ علينا الليلة لنُحيي العشر جميعاً.
كما عمَّ علينا ساعة الإجابة في يوم الجمعة، فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال:
{ فِيهِ سَاعَةٌ، لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ }
ما هذه الساعة؟ تركها لنجتهد في الدعاء يوم الجمعة كله، من أول صلاة الفجر إلى صلاة العشاء لعل الله عز وجل أن يجعلنا في ساعة الإجابة ويستجيب لنا.
ولذلك البعض يقول: نحيي الليالي الوترية، فمن عرفك أن لياليك الوترية هي التي فيها ليلة القدر؟ فغيرك عنده ليالي وترية أُخرى، فالأحوط أن أحيي الليالي العشر كلها لأضمن إحياء ليلة القدر.
ثانياً: ليلة القدر ليلة مغفرة، فإن الله يغفر الذنوب لمن أحياها، وليلة إجابة الدعاء، فيستجيب الله فيها الدعاء.
ونحن بشر، ولا أحد منا وصل إلى سيد الرسل والأنبياء، ففي غزوة أُحد ضربوه وأنزلوا له أسنانه الأمامية والخلفية، والدم نزل على الأرض، وأشاعوا أنه قُتل، وأصحابه قالوا له: ادع عليهم يا رسول الله، وهم يعرفون أن دعاءه مجاب، فقال:
{ اللَّهُمَّ أهد ِقَومِي، فَإِنَّهُم لا يَعلَمُونَ }
وفي رواية أخرى:
{ اللَّهُمَّ اغْفِر لِقَومِي، فَإِنَّهُم لا يَعلَمُونَ }
لم يرض أن يدعو عليهم مع ما صنعوه فيه!، لكن هل نحن نفعل ذلك؟! معظم المسلمين يرون أنفسهم أنهم من الصالحين، وإذا حدثت مشكلة بينه وبين أحد آخر أو خلاف، وصادف أن هذا الرجل الذي حدث معه الخلاف أُصيب في جسمه، أو أصيب بشيء في أولاده، أو أُصيب بشيء في ماله، فيقول: ما حدث له بسبب غضبي عليه، ودعائي عليه!!، يعني جعل نفسه وليَّاً من أولياء الله، واستجاب الله لدعائه.
لكن هل لو أنك ولي من أولياء الله تدعو على مسلم يؤمن بالله؟ لا، تدعو على يهودي، أو على كافر، لكن لا تدعوا على من أسلم بالله.
والدعاء له شروط للإجابة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ }
إذا دعى على إنسان أن يفعل ذنباً، فلا يستجيب الله لهذا الدعاء، وإذا دعا على إنسان أن يقطع رحمه، فلا يستجيب الله له هذا الدعاء، وهذا يحدث كثيراً بين السيدات بصفة خاصة، تحدث مشكلة بينها وبين سلفتها أو جارتها أو قريبتها فتدعو عليها، أن يقطعها ابنها ولا يزورها، وهذا اسمه قطيعة رحم، وهل يصح هذا في الإسلام؟ لا.
ولذلك أخفى الله ليلة القدر إلى أن يصل الإنسان إلى ما وصل إليه رسول الله - على قدره - فلا يدعو إلا فيما يحبه الله ويرضاه، حتى ولو كان عدوٌ له، فبدلاً من أن يدعو عليه يدعو له بالهداية كما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له روشتة بسيطة:
{ يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ }
سعد بن أبي وقاص في آخر عمره كُفَّ بصره، فقال له من حوله: أنت مجاب الدعوة فلم لا تدعو لنفسك؟! قال: أكره أن لا أرضى بقدر الله تبارك وتعالى!.
يعني طالما هو قدر لي ذلك وبذلتُ كل المحاولات دون فائدة، فأنا أرضى بقضاء الله، وهذا الرجل الذي وصل للدعوة المستجابة، فهل يدعو على غيره؟ لا.
إذاً جعل الله عز وجل هذه الليلة لنجتهد فيها في الطاعات في العشر الأواخر كلها، ولا يستغلها المسلمون في تهديد بعضهم لبعضهم إذا حدثت بينهم مشكلة، فيقول: أنا سأدعو عليك في ليلة القدر، وانتظر وعدك وما سيحدث لك، لكن يا أخي وهل السماء تحت أمرك؟! السماء تحت أمرك إذا دعيت للمؤمنين، ودعيت بالخير للمسلمين أجمعين، لكن تدعو بالشر أو بالضر أو بالإثم لأحدٍ من المسلمين فهذا لا يجوز ولا يرضاه رب العالمين.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعاً في هذا العام من أهل ليلة القدر، وأن يجعل لنا عنده قدر، وأن يكتبنا من أهل الإجابة والاستجابة في ليلة القدر.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

استجابة الدعاء في ليلة القدر

استجابة الدعاء في ليلة القدر
إن الله عز وجل يعطي للمسلمين الذين يحيون ليلة القدر إجابة الدعاء، فإن الله عز وجل يبسط يده للداعين، ولا يرد أحداً منهم خائباً ما دام قد أتى بشروط الإجابة التي بيَّنها سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم.
وأول شرط لإجابة الدعاء، هو صفاء القلب من كل شيء نحو الآخرين، ومع صفاء القلب لا بد أن يكون عند الإنسان تسامحٌ في صدره لجميع من أساء إليه من المسلمين.
التسامح هو أساس إجابة الدعاء في هذه الليلة، وقد كان صلى الله عليه وسلَّم - كما تعلمون - يُضرب به المثل الأعظم على الدوام في التسامح حتى مع أعدائه.
فقد كان صلى الله عليه وسلَّم في إحدى غزواته، وعند الظهيرة أنزلت السماء مطراً، وقعد الجيش يستريح قليلاً في وادي بين جبلين، ونظر النبي صلى الله عليه وسلَّم إلى شجرة في الوادي، وكانت ملابسه قد ابتلت بالماء، فخلع ثيابه الخارجية ونشرها على الشجرة، وعلَّق السيف في غُصنٍ من أغصانها، ونام تحتها.
وتصادف أن رجلاً من الفرسان المشهورين في الجزيرة العربية كلها يسمى غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ، كان من جملة أفراد القبيلة التي تنازع النبي وتحاربه، فنظر الرجل من فوق الجبل، فرأى النبي نائماً تحت الشجرة ومعلَّقاً سيفه، وليس حوله حراس ولا جنود ولا خدم، فقال في نفسه: هذه فرصة أنزل وأقتله وأُريح العرب جميعاً منه.
نزل وأمسك بسيف النبي، وكانت العرب مع الجاهلية التي انتشرت بينهم، إلا أنهم كانوا لا يغدرون، ليس عندهم غدر رغم الجاهلية!، يعني مستحيل أن يقتل رجلاً من وراء ظهره، فيشنعوا عليه أنه ليس رجلاً ولا شهماً ولا فارساً، وكانوا يشتهرون بالفروسية، والفروسية لا بد أن تكون وجهاً لوجه.
فأيقظ الرجل النبي وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال صلى الله عليه وسلم بقول تتزلزل منه الجبال:
{ اللَّهُ، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَ: فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ }
ما هذه الأخلاق النبيلة؟! إنها البضاعة التي حملها لنا حضرة النبي، وأمرنا أن نحملها في كل بقاع الأرض.
فالرجل ذهب لقومه وهو يقول: يا قوم لقد جئتُكم من عند خير الناس!.
فكان النبي صلى الله عليه وسلَّم أشدُّ الناس تسامحاً، فعندما ذهب إلى الطائف يدعو أهلها إلى الإسلام بعد أن كذَّبه أهل مكة، ولكن أهل الطائف كذبوه وآذوه، وعند عودته وقف في جانب من الطريق يناجي الله ويقول:
{ اللَّهُمَّ إليكَ أشْكو ضَعفَ قُوَّتي وقِلةَ حيلَتي وهَواني على الناسِ يا أرحَمَ الراحِمينَ، أنتَ أرحَمُ الراحِمينَ، وأنتَ ربُّ المُستَضعَفينَ، إلى مَن تَكِلُني إلى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُني يَلْقاني بالغِلْظةِ والوَجهِ الكَريهِ، أمْ إلى صَديقٍ قَريبٍ مَلَّكْتَه أمْري، إنْ لم يكُنْ بكَ غَضَبٌ عليَّ فلا أُبالي، غيرَ أنَّ عافيتَكَ أوسَعُ لي، أعوذُ بنورِ وَجْهِكَ الذي أضاءَتْ له السمَواتُ، وأشرَقَتْ له الظلُماتُ، وصلَحَ عليه أمرُ الدُّنيا والآخِرةِ أنْ يَنزِلَ بي غضَبُكَ، أو يَحِلَّ بي سَخَطُكَ، ولكَ العُتْبى حتى تَرْضى، ولا حَولَ ولا قُوةَ إلَّا بكَ }
فأنزل الله تبارك وتعالى ملك الجبال، وقال له:
{ إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا }
والأخشبين يعني الجبلين المحيطين بمكة، لكن الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم طمع أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله سبحانه وتعالى، فإذا كان هذا حال النبي، فماذا قال لنا النبي فيما بيننا وبين بعضنا؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ }
لكن لو أراد أن يستهزئ به، ويسخر منه، ويحاول أن يرمي عليه، فسيدخل في أوصاف المنافقين:
{ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ }
لأنه حاول أن يتطاول عليه بلسانه، وحاول أن يتطاول عليه بالشكاوى الكيدية التي ليست لها أصل، ويحاول أن يُشنع عليه بصفة ليست فيه، مع قوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ أَشَاعَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ كَلِمَةَ بَاطِلٍ لِيُشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِيبَهُ بِهَا مِنَ النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِهَا }
فالمؤمن لا يهجر أكثر من ثلاثة أيام، فكيف بمن يهجر سنة؟! قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، ومَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ }
من يخاصم أخاه سَنَة كمن قتله تماماً بتمام، ولذلك الشباب الذين تأدبوا على مائدة النبوة، انظروا إلى فعالهم: سيدنا الإمام الحُسن بن الإمام علي رضي الله عنه كان له أخٌ غير شقيق من أم أُخرى، اسمه محمد بن الحنفية، نسبة إلى أمه، وحدث بينهما خلاف، والخلاف وارد في وجهات النظر.
فكتب محمد بن الحنفية وريقة وأرسلها للحسين قال فيها: أنا وأنت نتساوى في الأب - يعني أبونا علي بن أبي طالب - ولا نتساوى في الأم، فأنا أمي امرأة من بني حنيفة، وأنت أمك السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فضلاً عن أنك أكبر مني سناً، والأخ الأكبر في مقام الوالد، فإذا وصلك خطابي هذا فتعالى وسلِّم عليَّ لأني لا أريد أن أفوز بالخيرية في الحديث دونك.
لأن الحديث يقول:
{ وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ }
هؤلاء الذين يجب أن نقتدي بهم، ونمشي على هديهم، فلا يكون عند المؤمن في أي لحظة من اللحظات غضاضة أو شحناء بينه وبين أخيه، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال في قبول الدعاء:
{ تُعْرَضُ الأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ عزوجل يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ إِلا مَا كَانَ مِنْ مُشَاحِنَيْنِ، أَوْ قَاطِعِ رَحِمٍ }
فالذي يدعو في ليلة القدر مهما يدعو، إذا كان في صدره شحناء، أو في صدره بغضاء، أو في صدره عداء لأي مسلمٍ من المسلمين، فيريح نفسه ولا يدعو، لأنه يُقيم على نفسه الحجة أمام رب العالمين.
والخلاف وارد في وجهات النظر، لكن القاعدة بين الصحابة الأجلاء (الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية) فلا يوجد حجر على الآراء، لأن مصيبة هذا العصر أن كل واحد يقتنع برأيه وخاصة في الدين، ويريد أن يفرضه على الآخرين، لماذا يا أخي؟ الدين واسع، وأنت ارتضيت برأي فاترك غيرك يرتضي برأي آخر.
الإمام مالك الذي كان يقال في حقه: (لا يُفتى ومالكٌ في المدينة) ألَّف كتاباً اسمه (الموطأ)، فذهب إليه الخليفة أبو جعفر المنصور، وكانت الدولة الإسلامية دولةٌ واحدة، فقال: يا إمام أُريد أن أجعل (الموطأ) هو الكتاب الذي تُستقى منه كل التشريعات سنقرره في كل الممالك والإمارات الإسلامية، فقال: لا، قال: ولِمَ؟ قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في كل البلاد، ومع كل واحد منهم فقه، فلا تُحجِّر واسع فضل الله تبارك وتعالى!.
من الذي يقول: لا؟ صاحب المؤلف!، فعندما يكون صاحب مؤلف ويقولون له: ننشره لك مجاناً يفرح، ولو قالوا له: سنقرره في كل الجامعات، فلن يكون أحد مثله في فرحته.
فمن رحمة الإسلام أنه دين سعة، يسع الخلق جميعاً، فالأئمة الأربعة أخذوا من كتاب الله، ومن سُنَّة رسول الله، ولم يأت أحد منهم بشيء من عنده، فلِمَ اختلافهم في وجهات النظر؟ توسعة للمسلمين، فمن لم يجد سعةً في هذا الرأي، يجد سعة في الرأى الآخر، وكله مستمدٌ بالأسانيد من كتاب الله، ومن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فكان المبدأ - ويا ليتنا نعود إليه - الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، لأن آفة العصر العصبية، والعصبية للرأي، ولِمَ تتعصَّب لرأيك؟! مادام هذا من الدين، وهذا من الدين، وأنت ارتضيت برأي، فاترك الآخرين يأخذون ما يحبونه وما يناسب طاقاتهم وقدراتهم من هذا الدين، وهذا الدين أنزله الله ليسع الخلق أجمعين.
فكل حكمٌ من أحكام الله فيه نصيبٌ للقوي، ونصيبٌ للمريض، ونصيبٌ للرجل، ونصيبٌ للمرأة، ونصيبٌ للذي يعيش في بيئة صحراوية، ونصيبٌ للذي يعيش في البيئة القطبية، لكن هل هذا مثل هذا؟ لا، فكل واحد له ما يناسبه، ولوأردت أن تطبق ما اخترته على المسلمين أجمعين فتكون قد قيدت وحجَّرت على دين الله وعلى المسلمين.
نسأل الله عز وجل أن يعفو عنا ما قدَّمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنَّا، وما أظهرنا وما أبطنَّا، وما علمنا وما لم نكن نعلم، ونسأله تبارك وتعالى لنا أجمعين العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

فضل زكاة الفطر

فضل زكاة الفطر
من رحمة الله تبارك وتعالى بنا، أنه عز وجل علم أننا لا نستطيع مهما بذلنا من جهد أن نؤدي الصيام المثالي كما يُحب الله ويرضى، فأراد أن يجبر تقصيرنا فكانت زكاة الفطر، قال فيها سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
{ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ }
هذه الزكاة أيام حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم ورد فيها:
{ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ  زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }
وهذا الصاع كان موجوداً في عصر النبي في المدينة، ويوازي قدحين الآن، صاعاً من تمر أو شعير، على هذه الهيئة، لأنها كانت حاجة الفقراء وقتها.
ونحن في عصرنا ما زال البعض يقولون: لا بد أن نُخرج الزكاة من هذه الأصناف، وهذه الأصناف عندما أعطيها لفقير يقيم في القاهرة مثلاً فماذا يفعل بها؟! سيبيعها بأرخص الأثمان، والذي سيستفيد بها التاجر.
ولكن عندنا في التراث الإسلامي أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أرسل سيدنا معاذ بن جبل إلى اليمن ليجمع منهم زكاة الفطر، وكان أهل اليمن في هذا الوقت محصولهم الرئيسي العنب والزبيب، فأعطوه زبيب، فقال لهم: ائتوني بثياب فهي أنفع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، والزبيب أنفع لكم، فقَبِل القيمة لهذا الأمر، ولذلك الإمام أبو حنيفة قال: الأفضل في مصلحة الفقير القيمة، ليشتري بها ما يشاء، سواء علاج أو ملابس أوطعام.
ودار الإفتاء المصرية والأزهر والأوقاف كلها دائرة على هذا الأمر، ودار الإفتاء تحدد كل سنة قيمة الزكاة عن الفرد، وأنا مكلف أن أُخرج على كل أفراد عائلتي، الزوج والزوجة والأولاد، حتى لو رزقه الله بمولود جديد ليلة العيد يُخرج عنه، مادام جاء في هلال شهر رمضان، ولو كانى عنده خادم أو خادمة أيضاً يُخرج عن الخادم أو الخادمة.
ومتى نُخرجها؟ الإمام الشافعي قال: يجوز إخراج الزكاة من أول رمضان، لماذا؟ لنُعطي فرصة للفقراء أن يشتروا ما يحتاجون إليه لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ }
أغنوهم عن السؤال في يوم العيد، ما آخر ميعاد لها؟ صلاة العيد، فإذا وجبت صلاة العيد ولم أُخرج الزكاة، أصبحت مديناً عند الله، وليس معنى ذلك أن لا أُخرجها، بل أُخرجها، ولكن لن أنال الثواب الذي وضعه الله لمن يخرجها في وقتها، ووقتها من أول رمضان إلى صلاة العيد.
زكاة الفطر كثير من الناس يظنون أنها مبلغ بسيط، لكن المشكلة في بلادنا أننا لا نعرف الكيفية السديدة للتصرف في هذه الأموال، فمثلاً القاهرة فيها حوالي عشرون مليون على الأقل، فلو ضربناهم في قيمة الزكاة، فكم يساوي هذا المبلغ؟!! لو جُمع هذا المبلغ بطريقة صحيحة سيبني مساكن للشباب الذين يريدون الزواج ولا يجدون سكن، ويعالج المرضى الذين يحتاجون لعمليات جراحية وليس معهم ثمنها، ويجهز بنات وشباب يريدون الزواج لأنه مبلغ غير هيِّن.
لكن المشكلة أننا نصرفه بعشوائية، وكيف تكون العشوائية؟ يريد أن يتخلص من الزكاة بأي شكل، فيبحث عن أي أحد في الشارع، أو حراس العمارات، أو غيرهم، لكن الإسلام أمرنا أن نتحرى، قال الله تعالى: " لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الله لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الارْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا " (273البقرة) المفروض أن أبحث عن هذا الصنف، ومن الفقير والمسكين؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ }
وقال صلى الله عليه وسلم:
{ إِنَّ اللَّهَ عز وجل يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ }
الإنسان الذي دخله لا يكفي الضرورات، والضرورات التي هي الأكل والمسكن والعلاج والملبس، إذا كان أي إنسان دخله لا يكفي هذه الضرورات لأولاده بحسب مستواهم، فيستحق هذه الزكاة، لذلك يجب أن نبحث عن الفقير الذي نُعطيه هذه الزكاة.
نفرض أن عندي ولد كبر وأصبح له عمل، فيجب أن أعوِّده وأقول له: عليك أن تُخرج الزكاة عن نفسك، ليعرف أنه مطالب بهذا الركن من أركان الإسلام.
لأنه لو لم يتعود على إخراج الزكاة، وأنا بعد حينٍ من الدهر سافرت إلى الله، سينسى أن عليه شيء اسمه الزكاة لأنه لم يتمرن عليه، لكن أنا من الآن أقول له: أنت تعمل وتكسب فأخرج زكاتك، وإن لم يعرف من يستحقها تأخذها منه لتُخرجها في مكانها المستحق، ليقبل الله صيامنا، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا يُرْفَعُ إِلا بِزَكَاةِ الْفِطْرِ }
وزكاة الفطر لها حد أدنى لكن إذا أخرجت خمسين جنيهاً لكل فرد، فقد أحسنت، أو أُخرج مائة لكل فرد فقد زدتُ في الإحسان، لكن لا تقل عن الحد الأدنى الذي يحدد كل عام.
وزكاة الفطر لا يوجد أحد مُعفى منها، حتى الفقير ما دام عنده أكل يوم وليلة فلا بد أن يُخرج زكاة الفطر، مع أنه يأخذ الزكاة، ولكنه أيضاً يجب أن يُعطي ويُخرج هذه الزكاة.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

أحكام زكاة الفطر

أحكام زكاة الفطر
الكثير يتسائل عن زكاة الفطر، فسنذكر موجز عنها ليعلم الجميع كل شي عن زكاة الفطر
زكاة الفطر باختصار بعض الفقهاء سمَّاها زكاة الرءوس، أي أنني أعد الرءوس التي عندي في البيت وأرعاها، فإذا أتاني رأس جديدة ليلة العيد تدخل في حساب الزكاة، فإذا كان لا يزال جنيناً فليس عليه زكاة، ولو أخرجت له لا مانع، والأصل ليس عليه.
ولو مات إنسان قبل ليلة العيد فليس عليه زكاة، لأنها تجب على الرءوس الموجودة معي في المنزل والذين أنا مكلف بهم ليلة العيد.
ما وقت الزكاة؟ وقتها من أول رمضان إلى صلاة العيد، ولكن إذا لم تخرج في هذا الوقت لا تسقط عني، وإنما تظل دَيْناً في رقبتي أُخرجها بعد ذلك، وإن كان الثواب يقل لأنني لم ألتزم بالمواعيد التي حدَّدها الله سبحانه وتعالى.
ما قيمتها: قيمتها تحددها دار الإفتاء كل عام، وهو الحد الأدنى، فإذا زدت فقد أحسنت وتفضلت، وهي زيادة في ميزان حسناتك.
والسؤال الذي يسأل فيه الكثير: لمن أُعطي زكاة الفطر، وأنا لا أعرف أي أحد غير الذين يمدون أيديهم والذين يسألون؟
هؤلاء الذين يسألون ويمدون أيديهم لو أردت أن تُعطيهم شيئاً فليكن شيئاً رمزياً، فقد كنت في مغاغة في محافظة المنيا وامرأة واقفة تسأل على باب المسجد، وبعد أن انتهينا من صلاة الجمعة مدير بنك صديق لي قال: هذه المرأة أعرفها وكانت عندي بالأمس ورصيدها 12 مليون جنيه!!، ومع ذلك تقف وتمد يدها وتسأل.
فلمن نُعطي الزكاة؟ نسأل الله: " لِلْفُقَرَاءِ " ما صفتهم؟ " الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الله " (273البقرة) يعني ليس له مورد إلا الدخل الرئيسي له، " لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ " (273البقرة) يعني لا يستطيع أن يتاجر هنا أو هناك، ووظيفته على قدر حاله، " يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ " (273البقرة) عندهم عفة نفس، فلو حاولت أن تعطيه إن لم يكن بحيلة فلن تستطيع أن تعطيه شيئاً ولن يقبل أن يأخذ منك شيئاً.
وأنا أذكر في هذا المجال الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله، ففي زمانه وعلى قدر زمانه قال: أنا أرى أن كل موظف في مصر على الدرجة السادسة يستحق الزكاة، فلم يعد الآن درجة سادسة، ولكنه كان يتكلم في وقته.
ولكن كيف نكيفها الآن؟ الفقير هو الذي لا يكفي دخله حاجاته الأساسية، وهي السكن والأكل والعلاج والملبس والتعليم، وأنا أعطيها له لأعينه على طاعة الله.
لكن إنسان يأخذ من هنا ومن هنا، ومعذرةً في العبارة فمعظم المتسولين هم المدمنون، يأخذ مني ومنك ومن غيرك، ولا يذهب لأولاده، ولكن يذهب إلى البانجو والحشيش وغيره، فهل أساعده على ذلك؟! لا، لأني بذلك أساعده على معصية الله سبحانه وتعالى.
هل تجوز الزكاة لأولي القربى؟
لا تصح الزكاة للأصل الوارث وإن علا، والأصل هو أبي وجدي من ناحية الأب ومن ناحية الأم وإن علا، لأنني مكلف بهم، وواجب عليَّ أن أرعاهم.
ولا تجب الزكاة للفرع الوارث وإن نزل، وهو ابني وابن ابني، فلا تجب لهم الزكاة.
وبالنسبة للبنت فلا يصح أن أُخرج الزكاة للبنت لأنني مكلف بها، لكن لو كان زوجها محتاج وهو المسئول عن الإنفاق فأُعطيها لزوجها.
ولا يجوز التحايل على الله، فبعض الناس في هذه الأيام يجمع مال الزكاة ويعطيها لابنته على أنها عيديتها، فهذا لا يصح، لكن عيدها يكون من مالك الخاص، ومال الزكاة يذهب لمن حددهم الله تبارك وتعالى.
إنسان دخله يكفيه بالكاد، ولكن أولاده في مدارس خاصة، فهذا غير فقير، والولد لا يذاكر، تسأله لماذا: يقول أبي سيدخلني جامعة خاصة، وتكلفة هذه الجامعة 50 أو60 ألف جنيهاً، فهل هذا يستحق الزكاة؟ لا.
لكن أُعطي الزكاة لمن يحتاجها في الضروريات التي لا يستطيع أن يستغني عنها.
إنسان سيقيم فرح في قاعة خمس نجوم، والأكل من مكان كذا، والجاتوهات من مكان كذا، فهل يحتاج زكاة لهذا الفرح؟! لا.
لكن أُعطي الزكاة لإنسان غير قادر على تجهيز غرفة نوم ليدخل فيها، وهي الحاجات الضرورية، لكن إذا دخلت في الإسراف فهذا لا شأن له بالزكاة.
آداب المزكِّي
بقي شيء بسيط، ويجب أن نلاحظه كلنا، وعلَّمه لنا الله في كتاب الله، والصحابة رضوان الله عليهم مشوا عليهم، كيف أُخرجها؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ فَضْلُ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى صَدَقَةِ الْعَلانِيَةِ كَفَضْلِ صَلاةِ اللَّيْلِ عَلَى صَلاةِ النَّهَارِ }
وفي الأثر: ((صدقة السر تفضل صدقة العلانية بسبعين ضعفاً)) وليس سبيعين مرة، بل بسبعين ضعفاً، فيستحسن أن أُخرجها في السر.
والذين يقفون في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله من هم؟ منهم:
{ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ }
حتى يده اليمين لا تعرف ما يخرج، لأنه يضع المال في الجهة الشمال ويخرج منها دون أن يحسب، فتخرج في السر.
والله قال لنا: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى " (264البقرة) ما الذي يبطل الصدقة ولا يكون لها ثواب ولا أجر؟ المن، يعني المعايرة، فبعض الناس يعطي الصدقة لأحد في نظره أنه محتاج، والأنظار هنا تختلف، وبعد مدة يقول له: يا فلان أنا أريد منك مصلحة، فيرد عليه: أنا مشغول، يقول له: ألم أعطك كذا وكذا؟! فهذا صدقته ضاعت لأنه عايره.
والأذى أن يُخرجها أمام الناس على سبيل المباهاة، يقول: تعالى يا فلان، ويخرج المال أمام الناس ليروه، فلماذا تُحرج الرجل؟!! وهل الإسلام فيه إحراج؟! الإسلام يريد الذوق الرفيع في التعامل مع الناس: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى " (264البقرة).
كيف كان يفعل أصحاب حضرة النبي؟ السيدة عائشة رضي الله عنها والسيدة فاطمة رضي الله عنها، كانت الواحدة منهمن عندما تخرج الصدقة، والمال أيامها كان صنفين، الصغير كان من فضة وكانوا يسمونه درهم، ولماذا سموه درهم؟ قالوا: أن هذه الدار التي نحن فيها (دار هم)، فنسميها درهم حتى لا نتعلق بها.
والعملة الكبيرة كانوا يسمونه دينار، ومعنى دينار يعني (ده نار،) إلا إذا وفقك الله وأنفقته فيما يرضي الله عز وجل، حتى أن الأسماء كانوا يسمونها ليهذبوا نفوسهم بها.
فكانت إحداهما عندما تُخرج الصدقة تضع عليها عطر، سواء الدرهم أو الدينار، وتعطيه للخادم أو الخادمة ليُعطيه لفلان، فقيل: لماذا تعطريه؟ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول:
{ إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ الْمُصَدَّقِ عَلَيْهِ }
وما دامت تقع في يد الله فلا بد أن أُطيبها، ثم بعد ذلك تقول للخادم أو الخادمة: احفظ ما يقوله الفقير وأخبرني به، لأن الفقير دائماً يدعو لمن يتصدق عليه: فيقول لها: قال كذا وكذا، فتدعو له بنفس الدعاء، فسألوها لماذا تدعي له؟ قالت: دعاءٌ بدعاء حتى تسلم لنا صدقاتنا، يعني حتى لا يكون دعاء الفقير أجراً للصدقة.
وبعضهم سمع حضرة النبي يقول:
{ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى }
فكان ينادي على الفقير، ويجعل يده تحت يد الفقير، فسألوه عن ذلك فقال: هو يأخذ منا شيء فانٍ، لكنه يحمل عنا ذنوب، ويحمل عنا سيئات، ويعطينا حسنات، فمن الذي يُعطي الآخر أكثر؟ الفقير هو الذي يُعطي أكثر، فهو اليد العُليا، فانظر إلى تفسيرهم اللبق.
الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين رضي الله عنه كان رجلاً من المرفهين ومن الأثرياء، فلما مات وأرادوا أن يغسلوه وجدوا في ظهره شيء ضخم (كالّو) كأنه كان يعمل عتَّال، فتعجبوا، وبعد مدة فوجئوا أن ثلاثين عائلة في المدينة المنورة انكشفوا وأصبحوا غير قادرين على المعيشة، فسألوهم كيف كنتم تعيشون؟ فكلهم قالوا: كان يأتينا رجل في الليل كل شهر يحمل جوال دقيق على ظهره، ويد فيها صُرة مال، ويد فيها جرَّة فيها سمن، ثم يطرق الباب حتى نقول: من؟ فإذا عرف أننا خارجين يضع الأشياء ويمشي ولا نعرفه.
من الذي كان يفعل كل هذه الأشياء كلها؟ سيدنا علي زين العابدين، وعنده أولاده، وعنده الخدم، لكنه يريد أن تكون الصدقة في السر.
سؤال: هل يجوز إخراج الزكاة بالقيمة؟
بعض الفقهاء قال بأن تخرج زكاة الفطر حبوب، نخرجها أرز أو نخرجها قمح أو ذرة لحديث سيدنا عبد الله بن عباس قال فيه:
{ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }
وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
{ كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ }
والأًقِط يعني اللبن الرائب المجفف، ولكن الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه له رأي، وهذا الرأي الذي أخذته دار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف والأزهر، وأخذت به مؤخراً السعودية، فقال: سيدنا رسول الله بعث بسيدنا معاذ بن جبل إلى اليمن ليجمع الزكاة، وأهل اليمن كان محصولهم الرئيسي العنب والزبيب الذي يخرج منه، فجاءوا له بالزبيب، فقال لهم: ائتوني بثياب فهي أنفع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، والزبيب أنفع لكم لأنه طعامكم.
فاستندوا على هذا النص، لأن سيدنا معاذ بن جبل من الفقهاء، وحضرة النبي أرسله لليمن وقال له:
{ كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟، قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ }
فأخذوا بهذا الأمر، وقالوا: القيمة هي الأنفع للفقير، وخاصة في المدن، فلو أعطيت للفقير الذي يسكن في القاهرة مثلاً سيجمع خمسين شكارة أرز، فماذا يفعل بهم؟ سيعطيهم لأي تاجر بنصف الثمن.
وهذا الكلام رأيناه في السعودية، فكانوا يأتون لأصحاب المحلات، وكل صاحب محل يضع أمام محله جوالات الأرز، والأرز لم يكن موجوداً أيام حضرة النبي، والسعودية لا تزرع الأرز، وأيام حضرة النبي هل كانوا يزرعون الأرز؟ أبداً!.
فإذا أردت إخراج الزكاة وأنت في مكة، فهناك جمعٌ كبير من الأفارقة يسكنون في مكة، وتجدهم واقفين حول المحلات، فيأخذون الزكاة، وبمجرد أن تنصرف، يعطونها لصاحب المحل ويأخذون مكانها المال، فأين ذهبت الزكاة هنا؟ ذهبت لصاحب المحل الذي يخسف القيمة حتى يستغلهم.
لكن أنا أبحث عن مصلحة الفقير، فيأخذ المال ليشتري به ما يريد، يحتاج دواء، أو يحتاج ملابس، أو يريد أن يزور قريب له، أو يريد مساعدة أحد في نفقة زواج، فالمال يجعله يعمل ما يستطيع أن يفعله.
لكنني عندما أعطيه الأشياء الأخرى فماذا يفعل بها؟ سيأخذ طاقته والباقي يبيعه بأبخس الأثمان، ولذلك اتفق الفقهاء على أنه الأفضل إخراج الزكاة بالقيمة، وخاصة في المدن.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

سنن صلاة الجمعة

سنن صلاة الجمعة
صلاة الجمعة فريضة على المسلمين، لأن الله سبحانه وتعالى يقول فيها: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ " (9الجمعة) لم يقُل الله: فاسعوا إلى الصلاة، لأن أغلب المسلمين في هذا الزمان يظن أن المقصد منه صلاة ركعتي الجمعة، لكن لو كان المقصد الصلاة، فالجمعة ركعتين والظهر أربع ركعات، يعني الظهر أكثر، لكن الله قال في نص الآية: " فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله " (9الجمعة) التذكير الذي يحدث على المنبر من رسول الله، أو من ينوب عنه من العلماء بالله، فهذا الهدف الأسمى من فريضة الجمعة التي فرضها علينا الله سبحانه وتعالى.
ولذلك لا بد للمسلم أن يدخل المسجد قبل صعود الإمام إلى المنبر، حتى يأخذ الثواب على هذه الصلاة.
ما السنن التي سنَّها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لصلاة الجمعة؟ أول هذه السنن أن الإنسان يغتسل ويلبس أحسن ما عنده عند توجهه إلى الصلاة، وإن كان عنده عُذرٌ يمنعه من الاغتسال يتوضأ، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ }
يغتسل ويتوضأ في المنزل لأن النبي قال في الحديث القدسي عن الله:
{ إِنَّ بُيُوتِي فِي أَرضِي الْمَسَاجِدُ، وَإِنَّ زُوَّارِيَ مِنْهَا عُمَّارُهَا، فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي، وحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ }
جُعلت الطهارة في المساجد للضرورات، لكن الأصل في الطهارة أن تكون في المنزل تقديساً لبيت الله تبارك وتعالى.
ولذلك لا يوجد في الحرمين الشريفين بداخلهما مكانٌ للوضوء، وإنما خارج المسجد، وكذلك في المساجد الكبرى عندنا دورات المياه خارج المسجد، تقديساً للمسجد وحتى يظل المسجد على الدوام مستعداً لطاعة الله وعبادة الله سبحانه وتعالى.
فيتطهر ويتوضأ ثم يلبس أحسن ما عنده، أو يلبس ملابس بيضاء لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى اللَّهِ الْبَيَاضُ }
ويغسل أسنانه جيداً إن كان بمعجون أسنان، أو بسواك، أو بهما معاً، حتى ولو في رمضان، ويضع عطراً حتى لا يشم من بجواره من المصلين إلا الرائحة الطيبة.
ويذهب في وقت يكفي لأن يقرأ قبل الصلاة سورة الكهف، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، غُفِرَ لَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأُعْطِيَ نُورًا يَبْلُغُ إِلَى السَّمَاءِ وَوُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ }
فيحرص على قراءة سورة الكهف قبل الصلاة، ويحرص على أن يكون له وقتٌ في ليلة الجمعة، وفي يوم الجمعة للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لقوله صلوات ربي وتسليماته عليه:
{ أَكْثِرُوا الصَّلاةَ عَلَى نَبِيِّكُمْ فِي اللَّيْلَةِ الْغَرَّاءِ، وَالْيَوْمِ الأَزْهَرِ، لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ }
هذه بعض السنن التي لا غنى لنا عنها.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا حُسن الأدب في الدخول إلى بيته المبارك، وأن يرزقنا الأدب في الوقوف بين يديه، وأن يجعلنا من خيار المقبلين عليه.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

مسائل شرعية هامة في الصلاة

مسائل شرعية هامة في الصلاة
سنتناول بعض المسائل الشرعية في الصلاة:
قراءة آية سجدة
سؤال: ما الحكم عند قراءة أو سماع آية سجدة في الصلاة؟
إذا كنت بمفردي أو في جماعة فلي أمرين: إما أن أسجد وأقوم بعد السجدة وأُكمل التلاوة، وإما أن أنوي السجدة مع الركوع، ولي أجر السجدة.
ولو كانت السجدة وأنا خارج الصلاة، فإذا كنت في موضع مهيأ للسجود فأسجد، وإذا كنت في موضع غير مُهيأ للسجود كأني راكب سيارة مثلاً، فأقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
هذه أحكام سجدة التلاوة، وهن خمس عشرة سجدة في كتاب الله، ومكتوب أمام كل واحدة منهن في المصحف سجدة تلاوة، وهي سُنَّة.
إدراك الجماعة
سؤال: ما الذي ألحقه من الجماعة ويُكتب لي به ثواب الجماعة؟
لو أدركت التشهد الأخير مع الإمام أخذتُ ثواب الجماعة، والركعة التي تُحتسب لي التي أركع فيها قبل قيام الإمام من الركوع، وهنا ملاحظة كثير من الأحباب لا يلحظها: يكون قادم من بعيد وينوي الصلاة ويقول (الله أكبر) مرة واحدة ويركع، فتكون صلاته باطلة، لأنه لا بد أن يُكبِّر تكبيرتين، التكبيرة الأولى اسمها تكبيرة الإحرام، ولا بد أن أكبِّرها وأنا واقف، وبعد ذلك أكبِّر التكبيرة الثانية للركوع.
فإذا كبرتُ التكبيرة الثانية وركعتُ قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدركتُ الركعة، وتكون هذه الركعة محسوبة لي، وأبني عليها إن شاء الله.
إدراك الجمعة
هناك ملاحظة أخرى لا يلحظها كثير منا، فكثير من الناس يأتي إلى صلاة الجمعة أثناء الصلاة، فإذا نويتُ صلاة الجمعة وأدركتُ الركوع في الركعة الثانية قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فتُحتسب لي جمعة وأقوم أُصلي ركعة واحدة فقط.
لكن لو دخلت والإمام في سجود الركعة الثانية أو في التشهد، فأنوي جمعة ولكن أصليها ظهر أربع ركعات، وهي اللغز الذي كانوا يقولون فيه: (نوى ولم يُصلِّي، وصلَّى ولم ينوي) لأنه نوى الجمعة وصلاها ظهر، ولم ينوي الظهر في حين أنه صلَّى الظهر.
عورة المؤمن في الصلاة
هناك أمر أُستجد في هذه الأيام ولا بد أن نلحظه جيداً، ما حدود عورة المؤمن والمؤمنة المسموح بها الصلاة ؟
المؤمن عورته من السُرَّة إلى أسفل الركبة، فلو أن إنسان يُصلي ويرتدي شورت قصير، لا تجوز صلاته، لأن الركبة مكشوفة، لكن لو كان شورت تحت الركبة فصلاته مقبولة، وإذا كانت الركبة ظاهرة فالعورة هنا مكشوفة ولا تُقبل صلاته.
وإذا كان يرتدي فانلة على الجسم، ولكنه وهو ساجد يظهر ظهره كله، فالصلاة أيضاً باطلة، لأن العورة مكشوفة، والشرط أن يُغطي من فوق السُرَّة، إلى أسفل الركبة.
ولذلك كنا دائماً ننبه الحجاج الذين لا ينتبهون لذلك، فيرتدي ملابس الإحرام، وسُرَّته ظاهرة، فأقول له: لا بد من أن تستر السُرَّة، لأن السُرَّة عورة.
أما عورة المرأة، فكل جسم المرأة عورة ما عدا الوجه والكفين، والإمام أبو حنيفة يسَّر وقال: والقدمين، يعني إذا كانت القدمين مكشوفتين فلا مانع، بشرط أن تكون في مصلى النساء أو في بيتها، ولا يطلع عليها إلا المحارم أو النساء.
تنشيف ماء الوضوء
ملاحظة أخرى: الكثير يتوضأ في المسجد ويخرج ولا يجفف الأعضاء، مع أن السُنَّة الواردة والتي روتها السيدة عائشة قالت:
{ كانت لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ خِرقةٌ يُنشِّفُ بِها بعدَ الوضوءِ }
وهي التعاليم الطبية، لأنه إذا لم يجفف الإنسان فإن البكتريا تنمو بين أصابع رجليه، وتنمو في المناطق المفتوحة كالعينين والأذن، فلِمَ لا نأخذ بسُنَّة النبي ونجفف أعضاءنا بعد الوضوء؟! وهذه ناحية.
والناحية الثانية، نحن نصلي على موكيت، الذي يمشي على الموكيت ورجليه ينزل منهما الماء، فإن الموكيت سيتعفن بعد فترة، ولن نطيق رائحته، لذلك لا بد أن تجفف المياه حفاظاً على بيت الله.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل زاهقاً وهالكاً ويرزقنا اجتنابه.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

رمضان شهر الانتصارات والعمل

رمضان شهر الانتصارات والعمل
يقول صلى الله عليه وسلَّم عن شهر رمضان:
{ وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ }
نسأل الله تعالى أن يشملنا جميعاً برحمته في أيام رحمته، وأن يعمنا بمغفرته في أيام مغفرته، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، ومن المقبولين آمين يا رب العالمين.
المسلمون المعاصرون أعطوا فكرة لأنفسهم وللعالم أن شهر رمضان شهر الصيام هو شهر الكسل وشهر الخمول وشهر ترك العمل، حتى أنه أصبح الانطباع عند معظم الناس لو كان لأحد مصلحة يريد أن يقضيها، يقول له: انتظر بعد شهر رمضان، فلا أحد يعمل في رمضان.
وهل رمضان شهر الكسل؟!! سبحان الله!! لكن عندما ننظر إلى تاريخ الإسلام الناصع نجد أن المعارك الحربية الكبيرة الشهيرة كلها كانت في شهر رمضان، أولها معركة بدر وكانت في يوم السابع عشر من شهر رمضان، وفتح مكة كان في يوم العشرين من شهر رمضان، وفتح بلاد الأندلس وهي أسبانيا والبرتغال الآن، كان في شهر رمضان سنة اثنان وتسعون من الهجرة.
وعندما أتى المغول واكتسحوا العالم كله، حتى دخلو بغداد ودمشق، كانت أكبر معركة في التاريخ ورُدَّ فيها المغول وهُزموا هزيمة منكرة، وهي موقعة عين جالوت في فلسطين، والذين هزموهم نحن المصريون بمعونة رب العالمين تبارك وتعالى.
وحتى في العصر الحديث فالمعركة التي شرفتنا ونشُرف بها جميعاً وجميع العرب والمسلمين إلى الآن معركة العاشر من شهر رمضان، وكانت هذه المعركة بدايتها الساعة 2 ظهراً، يعني في وقت الظهيرة!.
وكان في قلب المعركة شيخ الإسلام الشيخ عبد الحليم محمود رحمة الله عليه، والشيخ محمد متولي الشعراوي، وكبار العلماء، وأفتوهم بالفطر، فما كان رد الجنود المصريين المعاصرين إلا أن قالوا: لن نفطر إلا في الجنة، وحاربوا وهم صائمون، مع أن المعركة استمرت 17 يوماً، لكن حاربوا وهم صائمون.
لماذا؟ لأن الله عز وجل يُعطي العبد الصائم قوةً من عنده لا يقدرها إلا القادر تبارك وتعالى.
شهر رمضان حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم سماه شهر الصبر فقال:
{ وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ }
وقال في الحديث الآخر:
{ صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ }
والدهر يعني السنة كلها.
والله عز وجل في القرآن يقول لنا: " إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ " (65الأنفال) يعني الواحد بعشرة، والحد الأدنى كما قال الله: " فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ " (66الأنفال) الحد الأدنى للصابر أن الواحد يساوي اثنين بقوة الصبر التي أعطاها له رب العزة تبارك وتعالى.
فالله سبحانه وتعالى من حكمته العلية خلق في الإنسان قوى لا يعلم مداها إلا الله، وتعمل بعُشر القوة، أو ما يضاهي ذلك، مثال ذلك: عندما تعمل الكِلَى تشتغل بعُشر طاقتها فقط، ولذلك يستطيع الإنسان أن يعيش بعُشر كِلَى إذا كانت الكلى سليمة، والباقي يعمل عند الشدائد يزيد القوة، وهكذا كل عُضوِ من أعضاء جسم الإنسان.
فعندما يرزق الله عز وجل الإنسان الصبر الجميل، تتضاعف قوته أضعافاً كثيرة، ظل هذا الأمر قائماً حتى وجد الغربيون المعاصرون في أبحاثهم أن الإنسان الصابر تفرز القشرة المخية في رأسه مادة كيميائية منها اسمها الأندروفين، وهذه المادة تضاعف قوة الإنسان إلى عشر مرات على الأقل.
ولذلك الله سبحانه وتعالى من حكمته، كان دعاء أصحاب النبي في الحروب: " أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا " (250البقرة) أولاً نزِّل علينا الصبر وأفرغه، وبعد ذلك: " وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " (250البقرة).
مثال ذلك في غزوة فتح خيبر، فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلَّ هو أصحابه يحاربون إلى نهاية اليوم، ولم يستطيعوا دخول الحصن، لأن طبيعة اليهود دائماً يعيشون في مدن محصنة بأسوار وقلاع وغيره، وفي آخر اليوم قال:
{ لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ }
سيدنا عمر يقول: لم أطمع في الراية في يوم إلا في هذا اليوم، لماذا؟ لوصف النبي أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، وعند الصباح سأل صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ، حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ }
أعطاه الراية، والراية يعني العَلَم الذي كان يمشي به قائد الجيش في البداية والجيش يمشي خلفه.
ذهب سيدنا علي يحارب على باب الحصن، فأخذ يحارب حتى تكسَّر سيفه من كثرة الضرب، وكان سيدنا علي ممن يضرب بسيفين، يعني اليد اليمنى واليد اليُسرى يعملان معاً، وهجم عليه الأعداء من داخل الحصن، فكيف يحتمي من ضرباتهم؟ خلع باب الحصن واحتمى به من ضرباتهم وجيوش المسلمين دخلت من تحت الباب وفُتح الحصن بأمر الله سبحانه وتعالى.
وبعد انتهاء المعركة جاء عشرة ليعيدوا الباب إلى مكانه، فلم يستطيعوا، فأخذوا يزيدون في العدد حتى وصلوا إلى ثلاثين رجلاً الذين استطاعوا أن يحملوا الباب ويضعوه في مكانه، فكيف كان يحمله ويحتمي به؟!! لنعرف أنه كان في هذه الحالة: " إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ " (65الأنفال).
فشهر رمضان شهر العمل، وشهر الجد، وشهر الكفاح وشهر كل الانتصارات، وأهمها الانتصار على النفس، فلو الإنسان انتصر على نفسه يسهل عليه أن ينتصر على جميع الأعداء.
نسأل الله أن ينصرنا على أنفسنا، وأن يفتح لنا فتحاً مبيناً، وأن يعيننا على بره وتقواه، وأن يجعلنا من الذين يداومون على تلاوة كتاب الله، ويحظون فيه بالتلذذ بالمناجاة،
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

إكرام الله وتأييده للمؤمنين في غزوة بدر

إكرام الله وتأييده للمؤمنين في غزوة بدر
ليلة السابع عشر من شهر رمضان من الليالي المباركة التي أكرم الله تبارك وتعالى فيها حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلَّم وصحبه الكرام، لأنه كان في صبيحتها غزوة بدر الكبرى وهي أول غزوة في الإسلام، ونصر الله فيها الحق على الباطل.
الحديث عن الغزوة يحتاج إلى وقت طويل، لكن سنأخذ بعض الإكرامات والمعجزات والتأييدات، التي أيَّد بها الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم وصحبه المباركين، حتى نعلم علم اليقين قول الله تعالى: " وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ الله " (126آل عمران).
الرسول صلى الله عليه وسلَّم كما نعلم خرج وإخوانه المهاجرين من مكة ولم يترك لهم الكافرون شيئاً من أموالهم وأمتعتهم يخرجون بها، وخرجوا فرادى، واستولى الكافرون على بيوتهم، وعلى تجاراتهم، وعلى أموالهم، وعلى كل شيء يمتلكونه في مكة المكرمة.
ولولا أن الله عز وجل وسَّع صدور إخوانهم من الأنصار في المدينة المنورة، فاقتسموا معهم بيوتهم وأموالهم وزراعاتهم، لكانت الحياة عليهم شديدة وعسيرة.
فسمع النبي صلى الله عليه وسلَّم أن قافلة تجارية كبيرة آتية من بلاد الشام لقريش، فأمره الله عز وجل أن يخرج، لأن النبي لا يفعل شيئاً من نفسه، ولكن كما قال الله: " كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ " (5الأنفال) من الذي أخرجه؟ الله سبحانه وتعالى، فأخبر أصحابه بهذه التجارة وقال:
{ هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا }
يعني يغنمكم هذه التجارة فتعوضكم بعض ما استولى عليه هؤلاء الكفار منكم.
فخرج معه نفرٌ قليل، لأنهم ظنوا أنه ليس هناك حرب، وكان عددهم جميعاً حوالي ثلاثمائة وثلاثة عشر رجل، وليس معهم إلا فرسين ومائة جمل، وكل ثلاثة يركبون على جمل يتناوبون مع بعضهم، وحضرة النبي نفسه كان معه اثنين، اثنان يمشيان وواحد يركب، فقالا: يا رسول الله نكفيك، فاركب أنت ونحن نمشي، فقال صلى الله عليه وسلَّم وهو نعم القائد القدوة:
{ مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا }
سمع زعيم الكفار أبو سفيان بهذا الأمر وكان قائداً للقافلة، فاتخذ طريقاً آخر وفرَّ إلى مكة، ولكن قبل أن يفر كان قد أرسل مندوباً من عنده لأهل مكة: أدركوا التجارة فمحمد ومن معه سيأخذوها.
فخرجوا بجيش حوالي ألف رجل، وحوالي أربعمائة فرس، وما لا يعد من الجمال، ومدججين بالسلاح ليحموا تجارتهم.
فلما علموا أن التجارة قد نجت، قال أحد العقلاء فيهم: ما دامت التجارة قد نجت نرجع، لكن أبو جهل قال: لا بد أن نذهب لبدر ونحاربهم هناك، وننتصر عليهم، ونشرب الخمر، وتغني المغنيات، وتسمع بنا العرب فيظلون طوال عمرهم يخافون منا، وركب رأسه وأصر على هذا الرأي.
في هذه الليلة ماذا حدث؟ وصل الكفار قبل المسلمين إلى بدر، وبدر هذا بئر ماء، سُمي باسم رجل كان قد حفره اسمه بدر، والذي كان يحج من الطريق القديم كان يمر على بدر، ولكن الآن تغير الإتجاه في السفر.
فذهبوا هم أولاً، فوجدوا المكان فيه أرض صلبة، وفيه أرض رمل رخوة، فاختاروا لأنفسهم الأرض الصلبة، والمسلمون يقفون على أرض رخوة فتغرز أقدامهم ولن يعرفوا يحاربوا أو يتحركوا، واختاروا المكان الذي فيه البئر ليشربوا منه، والمسلمون لا يشربون.
المسلمون كان لهم أربعة أيام يسيرون من لحظة خروجهم من المدينة، فحضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم في هذه الليلة قسَّمهم إلى ثلاثة أقسام، ثلث يستيقظ أول الليل والثلثين يناموا، وثلث يستيقظ في الثلث الأوسط والثلثين يناموا، وثلث في الثلث الأخير، وجعلهم يصنعون له خيمة في مؤخرة الجيش، وأخذ يُصلي ويدعو الله سبحانه وتعالى فيها.
ما الذي حدث من إكرام الله لهؤلاء؟ نام الجميع ولم يشعروا، حتى الحراس ناموا أيضاً، والكافرين لم ينتبهوا لنومهم، فلو انتبهوا لهجموا عليهم، ولكن الله عز وجل حارسهم.
والإنسان إذا نام بعد تعب شديد في الغالب يحدث له احتلام، فأصبح معظمهم محتلمين، ولا يوجد ماء، فمشى بينهم المنافقين وقالوا لهم: كيف تقولون أن هذا نبي وأنتم على الحق؟ وكيف تحاربون وأنتم على جنابة ولم تتطهروا، وليس عندكم ماء تشربوه؟!، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات: " إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ " (11الأنفال) هو الذي أنامكم وأمَّنكم وجعله نعاساً وليس نوماً عميقاً، لأن النعاس لو جاءه أحدٌ بجواره يستيقظ سريعاً، " وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً " (11الأنفال) أمطرت السماء، فاغتسلوا، والأرض التي تحت أقدامهم أصبحت صلبة وجامدة، وزادت المياه على الأرض التي عليها الكفار فأصبحت وحلة!.
أصبحت أرض المسلمين صلبة، والأخرى وحلة، والمسلمون كل الأوعية التي معهم والآنية ملأوها بالمياه، ولم يعودوا في حاجة لبئر بدر ولا غيره: " إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ " (11الأنفال) الكلام الذي قاله أعوان الشيطان من المنافقين: كيف تكونوا مؤمنين وتحاربون وأنتم على هذه الحالة، " وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ " (11الأنفال) كل هذا حدث في هذه الليلة.
وفي الصباح وقبل بداية المعركة نزل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلى ساحة القتال وقال:
{ هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، يقول أنس: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا جَاوَزَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم }
حدَّد لكل واحد منهم مكان مصرعه على الأرض، والذي حدَّده بيده صلى الله عليه وسلَّم هو الذي كان!!.
وقبل المعركة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الحصى والتراب، ورمى به الكافرين، فلم يوجد أحد من الكافرين الذين سيموتوا إلا وامتلأت رأسه بهذا الترب وهذا الحصى، ليُثبت أن الله عز وجل يُؤيد نبيه صلى الله عليه وسلَّم.
بدأت المعركة، والمعركة غير متكافئة، فهؤلاء فئة قليلة وهؤلاء فئة كثيرة، فنظر المؤمنون فأراهم الله الكافرين كأنهم قلة، حتى لا يخافوا، وأرى الكافرين المؤمنين قليلين ليغتروا، ويقولوا: سنغلبهم سريعاً، وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى.
وبدأ القتال، وكانت المعجزة الكُبرى في القتال أن المسلمين وهم العدد الصغير قتلوا سبعين من الكافرين، وأسَروا منهم سبعين.
وكان من تأييد الله للنبي وأصحاب النبي، أن رجلاً من المسلمين تكسَّر سيفه، ولم يكن معهم احتياطي، فقال: يا رسول الله أريد سيفاً أحارب به، فأخذ صلى الله عليه وسلَّم عوداً من الحطب وقال له: خذ هذا وحارب به، فالرجل هزَّ العود ففوجئ بأنه سيفٌ كأنه خارج من عند الحداد مباشرةً، فظل يحارب به لآخر حياته.
وآخر كان يحارب، فضربه عكرمة بن أبي جهل على عاتقه فقُطعت ذراعه، وأصبح معلقاً على قطعة الجلد السفلى فقط، فذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فأخذ صلى الله عليه وسلَّم من ريقه ووضعه على ذراعه وضمه إلى مكانه فرجع إلى حاله في الحال!، بدون عملية جراحية ولا بنج ولا مشرط، وإنما تأييد الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلَّم، لنعلم علم اليقين أن الذي ينصره الله فلا غالب له: " إِنْ يَنْصُرْكُمُ الله فَلا غَالِبَ لَكُمْ " (160آل عمران).
نسأل الله تبارك وتعالى أن ينصرنا على أنفسنا، وأن ينصرنا على كل أعدائنا وأعداء الإسلام، وأن يُطهر أرض بيت المقدس من اليهود ومن يعاونهم أجمعين، وأن يجعل بلاد الإسلام بلاد الأمن والسلام.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

أسلحة النصر

أسلحة النصر
أسلحة النصر التي نصر بها الله المؤمنين في بدر ما أحوجنا إلى التسلح بها أجمعين في معارك الحياة التي لا تنتهي.
أول هذه الأسلحة كان الدعاء من الصحابة الأجلاء ومن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، أما الصحابة فقد قال فيهم الله: " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ " (9الأنفال) استغاثوا بالله لأنهم رأوا العدد الكثير، والأسلحة التي لا حدَّ لها وهم نفرٌ قليل، فأجابهم الله عز وجل وأيَّدهم بالملائكة الكرام.
الإمام علي رضي الله عنه كان يقول: استيقظت فلم أجد يقظاً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في خيمته، يُصلي ويدعو وبلال، وبلال كان يُعتبر الحاجب أو الخادم على باب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. وأخذ رسول الله يدعو الله وكان مما قاله:
{ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ }
فأجابه الله، حتى أنه من إكثاره في الدعاء قال له أبو بكر: كفاك مُنَاشَدَتِكَ لِرَبِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُوفِيكَ مَا وَعَدَكَ مِنْ نَصْرِهِ، وَخَفَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَفْقَةً ثُمَّ هَبَّ، فَقَالَ:
{ أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ }
ما الدرس الذي نأخذه جميعاً في هذا المجال؟ الحياة كلها معارك، ونحن في زماننا زادت المعارك عن الحد، إن كانت معارك في البيت، أو معارك في العمل، أو معارك مع الجيران، أو معارك مع الأهل .. معارك ليس لها نهاية.
ماذا أفعل في وسط هذه المعارك؟ إذا كنت خائف من أحد فعليَّ بسلاح واحد يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
{ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ }
احفظ ما أمرك وكلَّفك به الله من شرع الله، واحفظ أعضاءك وجوارحك عن معصية الله، تجد أن الله يتولاك بحفظه وصيانته مهما كانت قوة الأعداء، وشدة الأعداء، لأن الله عز وجل قال: " فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " (64يوسف).
إذا كنتُ أنا داخل معركة في أي مجال من المجالات، فمعي شيئين اثنين، أستخدم كل ما استطعت من الأسباب، ولكن أتذكر دائماً أن الإجابة والنصر لا يتم إلا بمسبب الأسباب، فاستعين بالدعاء، ولا بد من الإثنين معاً.
لو أخذتُ بالأسباب وتركتُ الدعاء، كأن يكون ابني في الثانوية العامة مثلاً وسيمتحن، وهو مذاكر جيداً، وأتيت له بكل المدرسين وقالوا أنه ممتاز، ولكنه نسي صلته بمولاه، وعند الإمتحان أخذ منه التوفيق فقط، فماذا يفعل؟ يجد كل ما في عقله ضاع، وبعد أن يخرج من اللجنة يتذكره كله!، لأن التوفيق من الله.
يريد توفيق الله، ويريد معونة الله، ويريد رعاية الله، فلا بد أن يأخذ الإثنين معاً.
فإذا قال الدعاء فقط ولم يأخذ بالأسباب فهذا مخالف لشريعة الله التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
كمثل كثير من الدهماء من المسلمين الذين يدعون في كل مكان، إن كان في الحرمين وهنا وهناك على اليهود، ولكن هل أعددتم ما استطعتم لهم من قوة؟! لا، فلا بد من الدعاء ومعه: " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ " (60الأنفال) ورباط الخيل يعني الطائرات والصواريخ في عصرنا الحالي: " تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ " (60الأنفال).
لكن إذا دعونا كلنا وفي الحرمين الشريفين، ولم نستعد فهل سيغير هذا شيء؟ أبداً، حتى أنهم يسخرون منا ويستهزئون بنا في هذه الأمور.
فما المطلوب منا؟ الدعاء لله بعد الأخذ بالأسباب التي لا بد لي منها في هذه الحياة، أسعى لطلب الرزق الحلال، فإذا كان الرزق قليل، أدعو الله فيبارك فيه ويجعله كثير لأنني سعيت، لكن هل أدعو الله أن يرزقني وأنا لا أسعى؟!!.
سيدنا عمر رأى فتية في المسجد النبوي فسألهم: ماذا تصنعون؟ قالوا: ندعوا الله، فقال لهم: ومن أين تأكلون؟ فسكتوا، فأخذ يضربهم بالدُرَّة ويقول لهم: قد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ليقُم كل واحد منكم يسعى على معاشه.
وعندما تنتهي من السعي: " فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ " (7-8الشرح).
نرى بعض المسلمين المتواكلين يأتيه مرض، فيقولون له: نأخذك للطبيب، يقول لهم: لن أذهب لطبيب، وما كتبه الله لي سيكون بدون طبيب ولا غيره!!، وهل يصح هذا الكلام؟! لا، فحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الحكماء ويتعالج.
السيدة عائشة زوجته لم تدخل كلية طب، ولكنها كانت في آخر حياة حضرة النبي تعتبر أمهر طبيبة في الجزيرة العربية كلها، فسألوها: من أين تعلمت الطب؟ قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلَّم يمرض كثيراً، وكان يأتيه أطباء العرب فيصفون له الدواء، فحفظتُ ذلك منهم.
من أين تعلمت؟ من التجربة العملية مع حضرة الرسول صلى الله عليه وسلَّم الذي يقول:
{ يَا عِبَادَ اللَّهِ، تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً }
فالأخذ بالأسباب مع الدعاء هو وسيلة المسلمين لأي نجاح في أي قضية، ولأي نصر في أي مهمة.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا على الدوام النصر على أنفسنا، وأن يجعلنا على الدوام على صلة بحضرته، وأن يجعلنا من الذين لا يغفلون عنه طرفة عين ولا أقل.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

دروس من فتح مكة

دروس من فتح مكة
في يوم العشرون من شهر رمضان المبارك من العام الثامن من هجرة النبي صلى الله عليه وسلَّم كان فتح مكة، فتح الله تبارك وتعالى على النبي وصحبه المباركين مكة المكرمة.
وفتح مكة غزوة كبيرة تحتاج إلى وقت طويل، ولكن سنقتطف منها بعض الدروس التي نتعلمها جميعاً من نبينا صلى الله عليه وسلَّم لقول الله تبارك وتعالى لنا: " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا " (21الأحزاب).
أ- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
أول درس نأخذه من هذه الغزوة العظيمة هو رحمة النبي صلى الله عليه وسلَّم التامة العامة بجميع العالمين، فإنه صلى الله عليه وسلَّم خرج ومعه عشرة آلاف فارس، وهو جيشٌ لم تشهد الجزيرة كلها مثله، وكلهم يتمنون الشهادة أو النصر، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلَّم سائلاً ربه:
{ اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلادِهَا }
والأعين يعني الجواسيس الذين يتجسسون ليعرفوا الأخبار، حتى لا يشعر أهل مكة إلا وهم على أبوابها.
لماذا؟ لأنهم لو عرفوا سيستعدون، وهذا يعاونهم وهذا يساعدهم وتكون حرباً ضروساً، وفيها قتل وقتال، وهو لا يريد ذلك، بل يريد أن يدخلها برفق ولين صلى الله عليه وسلَّم.
وبالفعل لم يشعر به أهل مكة إلا وهو على أبوابها، وذهب إليه زعيم مكة أبو سفيان عندما رأى جيشاً لا طاقة له به، ودخل في الإسلام، وكان رجلاً يُحب الفخر، وقال العباس لرسول الله: يا رسول الله إن أبا سفيان يُحب الفخر فاجعل له شيئاً، فقال له:
{ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ }
والنبي كان يعرف النفوس وكان يداويها، فقال أبو سفيان: يا قوم لقد قد جاءكم محمدٌ بجيش لا طاقة لكم به، قالوا: وماذا نفعل؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكررها عدة مرات، يريد أن يعرفهم أنه فقط الذي نال هذه الخصوصية، قالوا: لن يكفينا بيتك!!، فقال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن.
إذا كان الذي سيدخل بيته ويغلقه عليه فهو آمن، والذي يدخل البيت الحرام فهو آمن، فماذا أخذ أبو سفيان؟! لكنها الحكمة النبوية في معاملة النبي صلى الله عليه وسلَّم مع الخلق، ففي الحقيقة هو لم يُعطه شيئاً، ولكن أبو سفيان اعتبرها شيئاً عظيماً لم ينله أي زعيم من زعماء قريش.
قسَّم النبي الجيش أربعة أقسام، وكل قسم دخل من جهة من جهات مكة الأربعة، وأعطى لواء الأنصار لسيدنا سعد بن عبادة رضي الله عنه، وسعد كان عنده غيظ شديد مما فعله الكفار بحضرة النبي، فقال عندما مر بأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل قريشٌ والكعبة، فوصل الخبر لحضرة النبي، وسعد زعيم الأنصار فلو عزله، قد يحدث تمرد، فماذا يفعل؟ عزله وأعطى الراية لابنه قيس بن سعد، فانظر إلى الحكمة النبوية، وقال:
{ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمُ يَعِزُّ اللَّهُ قُرَيْشًا }
ب- الوفاء
دخل النبي صلى الله عليه وسلَّم مكة، وكان أهل مكة يُقسِّمون الأعمال المتعلقة بالبيت الحرام مع كل قبيلة عمل، فبنو هاشم كان عليهم سقاية الحجيج لوجه الله بدون أجر، وبنو عبد الدار معهم مفتاح الكعبة، وبنو أمية عليهم الإمساك باللواء وقيادة الحروب إذا حدثت حرب بين أهل مكة وغيرهم.
والذي كان يمسك مفتاح الكعبة منذ كان حضرة النبي في مكة، رجلاً من بني عبد الدار اسمه عثمان بن طلحة، وكان يفتح الكعبة يوم الإثنين ويوم الخميس.
وأهل مكة وهم قريش كان عندهم شيء من الكِبر على الناس باعتبارهم أهل البيت الحرام، ولذلك عندما بنوا الكعبة لم يجعلوا باب البيت كما هو، ولكن جعلوه مرتفعاً حتى لا يدخله أحدٌ إلا بسُلَّم، ولا يدخله أحدٌ إلا عن طريقهم، وهذا شيء من الكبر وهو ممنوعٌ في الإسلام، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ }
لماذا نقف بجوار بعض في الصلاة؟ للمساواة، فكلنا مثل بعضنا، والقلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى.
لماذا يذهب الناس كلهم للحج عرايا في الحج إلا من الإحرام؟ حتى لا يظهر الوزير من الأمير من اللواء، فلا أحد يعرف ما في القلوب إلا حضرة علام الغيوب، وهي المساواة التي عملها لنا الإسلام، وجاء لنا بها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلَّم.
وحضرة النبي عندما كان لا يزال في مكة، وأراد أن يدخل يوماً الكعبة، فهذا الرجل عامله معاملة سيئة، فقال له: يا عثمان لعل هذا المفتاح يكون يوماً في يدي وأنا الذي أُعطيه لك، فقال الرجل: ذلَّت قريش، فقال له: بل عزَّت قريش إن شاء الله.
فلما دخل النبي مكة فاتحاً، قال: أين مفتاح الكعبة؟ فأتوا بعثمان بن طلحة، فأخذ منه المفتاح وفتح به صلى الله عليه وسلَّم الكعبة ودخل وصلى داخل الكعبة وخرج.
وجاء سيدنا العباس وسيدنا علي بن أبي طالب وقالوا: يا رسول الله ضم لنا الحجابة - أي مفتاح الكعبة - مع السقاء، لكن انظر إلى عدالة النبي، قال:
{ أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؟ فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ الْيَوْمَ يَوْمُ بِرّ وَوَفَاءٍ }
وقال:
{ خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لا يَنْزَعُهَا مِنْكُمْ إِلا ظَالِمٌ }
يعني مفتاح الكعبة معكم إلى يوم القيامة، ولذلك من بحوذته مفتاح الكعبة حتى عصرنا هذا يكون رجل من هذه العائلة.
وبعد أن أعطاه المفتاح قال له: يا عثمان ألا تذكر يوم قلت لك كذا؟ قال: أشهد أنك نبي الله ورسول الله، لأنه لم يسمع هذا الحديث إلا هو.
جـ- العفو
أهل مكة جاءوا آلافاً مؤلفة، ووقفوا في بيت الله الحرام، فماذا يفعل بهم وهم الذين عذبوه وحاربوه وفعلوا معه ما لم يفعله أحد؟ فقال:
{ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَيَا أَهْلَ مَكَّةَ مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ }
وفي رواية أخرى قال:
{ فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: ((لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)) }
وعلمنا بهذا الدرس العفو عند المقدرة، وليس العفو لأنه لا يملك شيئاً غير ذلك، لكن العفو لأنني قادر على أن أنتقم ممن أمامي، لأن الله هكذا قال له: " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " (199الأعراف).
أسأل الله عز وجل أن ينفعنا جميعاً بأخلاق إمام النبيين والمرسلين، وأن يجعلنا نقتدي به في حياتنا كلها أجمعين، وأن يجعلنا يوم القيامة تحت لواء شفاعته، وفي الجنة في دار الخُلد في جوار حضرته.
د- عدم الخوض في صحابة رسول الله
درس آخر صغير نتعلمه من حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقد قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلَّم لما نوى الخروج من المدينة لفتح مكة، دعا الله عز وجل وقال:
{ اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلادِهَا }
وأمر أصحابه أن يكتموا هذا الخبر فلا يبلغوا به أحداً قط، وبينما هو جالسٌ بين صحابته الكرام، إذا بأمين الوحي جبريل ينزل ويقول له: يا رسول الله إن هناك جارية اسمها سارة، وهي الآن في موضع اسمه روضة خاخ قريب من المدينة، ومعها كتاب موجهٌ إلى أهل مكة يُعلمهم بخبر غزوك لها، فانتدب النبي الإمام علي والزبير بن العوام والمقداد وأمرهم باللحاق بها، يقول الإمام علي رضي الله عنه:
{ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا، فَذَهَبْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ عز وجل اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ }
ما الدرس الذي نأخذه هنا؟ لا ينبغي لواحد منا أن يقع في واحد من أصحاب النبي بأي كيفية، حتى الذين حدثت بينهم خلافات، فلسنا مسئولين للتحكيم بينهم، هم جميعاً بلغوا درجة الاجتهاد، والمجتهد يقول فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ }
المجتهد إن أخطا فله أجر، وإن أصاب فله أجران، ونحن لم نحضر هذه الوقائع، فلِمَ نخوض فيها بألسنتنا؟!!، كان الخطباء في عصر بني أُمية، معاوية ومن معه، استعطافاً لهم يقومون بذم الإمام علي في الخطبة الثانية بعد الدعاء، فلما تولى الخلافة سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، احتار سيدنا عمر، لماذا يذموا الإمام علي؟! يقول: رأيتُ في المنام النبي صلى الله عليه وسلَّم جالساً في بهو قصر، وعن يمينه سيدنا أبو بكر، وعن يساره سيدنا عمر، وخلفهما ستارة، وخلف هذه الستارة محكمة، وإذا بالإمام علي يدخل ويقف خلف الستارة، ثم معاوية يأتي ويدخل خلف الستارة، وبعد بُرهة من الوقت خرج الإمام علي ورفع يده وقال: قُضي لي وربُّ الكعبة، ثم خرج سيدنا معاوية وقال: غُفر لي وربُّ الكعبة، يعني أخذ حفظ القضية.
فقال: أمرٌ لم نحضره بسيوفنا فلِمَ نخوض فيه بألسنتنا؟!، وأصدر قراراً وعممه في كل الأقطار أن الخطيب في آخر الخطبة الثانية يقول:" إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " (90النحل).
فالذي سنَّ هذه السنة الحميدة سيدنا عمر بن عبد العزيز، لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
{ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا }
كل إنسان يمسك لسانه ولا يخوض، فلا تقول: كان عليٌّ على الحق، وعثمان على الحق، وعائشة على الحق، فلا شأن لك، ودع الملك للمالك، والله عز وجل هو الذي يتولى الحكم بينهم.
وماذا نقول؟ كما علَّمنا الله: " رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " (10الحشر).
وفقنا الله أجمعين لما يُحبه ويرضاه.
هـ- شكر الله
تعلمون جميعاً مدى ما عاناه النبي صلى الله عليه وسلَّم وهو في مكة وأصحابه الكرام، وما عاناه من حروب متتالية بينه وبينهم وهو في المدينة المنورة، فلما أذن الله تبارك وتعالى بفتح مكة، ودخل النبي صلى الله عليه وسلَّم مكة فاتحاً، كيف كانت حالته عند دخولها؟ كان راكباً فوق ناقته القصواء، وفي رواية فوق بغلته، وعند دخوله مكة طأطأ رأسه توضعاً لله، وسجد على ظهر راحلته شكراً لله على ما أعطاه.
فلم يدخل بالأنفة والعزة والكبرياء كما يفعل الآخرين، بل دخل بهذه الهيئة، وعلَّمنا بها صلى الله عليه وسلَّم سجدة اسمها سجدة الشكر، وهي أن المؤمن إذا وفَّر الله له أي نعمة، أو وافاه بأي خير، أو أعطاه أي منفعة، يجب عليه فوراً أن يشكر الله، كيف يشكر الله؟ يسجد سجدة واحدة يشكر فيها الله تبارك وتعالى على ما أولاه، وعلى ما أعطاه، لأن الله قال لنا أجمعين في كتاب الله: " لَئِنْ شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ " (7إبراهيم) الإنسان الذي يشكر الله على أي نعمة سخَّرها له الله، يزيده منها الله، وهذا حكم الله في كتاب الله.
الشكر قولٌ باللسان، واعتقاد بالقلب والجنان، وعملٌ بالجوارح والأركان، فمعظم الناس في هذا الزمان يكتفون بشكر اللسان ويقول: الحمد لله، لكنك لو قلت: الحمد لله، ولم تشكر الله مما أعطاك الله، فأنت لم تشكر الله.
كأن أفاض الله عليك مالاً، فما شكر الله على نعمة المال؟ أن تُخرج منه نصيباً للفقراء والمساكين، ولذلك قيل لرجلٌ من الصالحين: إن فلان يُصلي لله كل ليلة مائة ركعة، ولكن يده لا تُفتح للفقراء والمساكين، فقال رحمه الله تعالى: لقد أدخل نفسه في غير مالَهُ!.
فعبادة القيام والصلاة للفقراء، لكن عبادة الغني العطاء؛ أن يُعطي الفقراء مما أعطاه الله سبحانه وتعالى.
رجلٌ آتاه الله عز وجل علماً، فإذا كان يشترط أن لا يُعطي محاضرة أو ندوة إلا مقابل كذا وكذا، فإنه لم يشكر الله على عطاياه، لأنه لا بد أن يكون له نصيبٌ من مجالس العلم ابتغاء وجه الله، لأن رسل الله كانوا يقولون: " قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ " (سبأ).
رجلٌ رزقه الله منصباً عظيماً وجاهاً، فشكر الله بالنسبة لهذا الرجل أن يقضي مصالح الفقراء والمساكين الذين ليس لهم غني أو ذو سلطان يقضي حوائجهم عند الآخرين.
فشكر الله من باب النعمة التي أعطاها لي الله تبارك وتعالى، فهذا الشكر.
لكن سجدة الشكر عندما يأتيني خبر سار مفاجئ، مثلاً: أنا جالس مع جماعة فقالوا لي: يا فلان ابنك حصل هذا السنة على 100% فما أول شيء أعمله؟ أسجد لله، وأشكر الله على هذه النعمة، لأنها توفيق من الله تبارك وتعالى.
أو ابنتك أو زوجتك أكرمها الله وولدت بدون عملية جراحية ولا شق بطن، ورزقها الله بغلام صالح، فماذا أفعل؟ أشكر الله بأن أسجد لله في أي موضع.
نفرض أنني جالس على كرسي، وليس أمامي مكان أسجد فيه، فأسجد على هيئة الركوع، بأن أنوي السجود لله وأنحني على هيئة الركوع، وأشكر الله تبارك وتعالى على عطاياه، وهذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: أن لا يفرح الإنسان بما آتاه الله فرحاً يجعله يغتر، ويفتخر ويُعز نفسه ويتكبر على خلق الله، لكن كلما أعطاه الله كلما زاد تواضعاً لله:
{ مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ }
كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من عباده الشاكرين الذاكرين، ومن أهل المزيد من حضرته في كل وقت وحين.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

رمضان شهر الصبر

رمضان شهر الصبر
جعل الله عز وجل الصيام فريضة علينا جماعة المسلمين للنتائج العُظمى المذهلة التي تعود علينا أجمعين في أجسامنا، وفي عقيدتنا، وفي ديننا، وفي دنيانا، وفي آخرتنا إن شاء الله رب العالمين.
وأعظم النتائج التي يتفضل الله تبارك وتعالى بها علينا أجمعين في الصيام، هو أنه يدربنا ويمرننا على الصبر الجميل، قال صلى الله عليه وسلَّم في شهر رمضان:
{ وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ }
لأن الإنسان يتعود فيه على تحمُّل الجوع، وعلى تحمل العطش، وعلى تحمل قلة النوم رغبة في رضاء الله سبحانه وتعالى، والصبر كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ }
لأن كل أعمال الإيمان تحتاج إلى صبرٍ جميل من الإنسان ليستطيع أن يقوم بها بصدقٍ وإخلاصٍ يُرضي به حضرة الرحمن سبحانه وتعالى، فقد ورد عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لا رَأْسَ لَهُ)) .
هل الإنسان يستطيع أن يعيش جسده بدون روح تدخل فيه؟ كلا ، كذلك الإنسان بدون الصبر لا يستطيع أن يُنفذ شروط الإيمان، وموجبات رضاء الرحمن التي أمرنا الله تعالى بها في القرآن، وبيَّنها ووضحها لنا النبي العدنان صلى الله عليه وسلَّم.
والصبر هو أحسن باب للمؤمنين، نضمن به دخول الجنة بغير حساب أجمعين، فإن كل إنسان مُعرضٌ للحساب، إلا الذي ابتلاه الله بشيء في الدنيا فصبر، ولم يظهر عليه جزعٌ ولا ضجرٌ ولا سأمٌ ولا مللٌ، فهذا يقول فيه الله: " إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ " (10الزمر).
فهؤلاء لن يتعرضوا لتناول الصحف، ولا للحساب، ولا للميزان، ولا للصراط، وإنما يدخلون الجنة بغير سابقة سؤال ولا حساب، لأنهم صبروا على أمر الله تبارك وتعالى.
والصبر باختصارٍ شديد ثلاثة أنواع:
النوع الأول: صبرٌ عن معاصي الله.
إذا تعرض الإنسان لموقف فيه معصية لله،كأن عُرض عليه مالٌ ليأخذه رشوة مقابل تنفيذ مصلحة، أو عُرضت عليه امرأةٌ ليفعل فيها الفاحشة والظروف مُهيأة، فإذا صبر الإنسان ولم يقع في هذه المعاصي فهذا صبر عن معصية الله ودخل في معية الصابرين: " إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ " (153البقرة).
النوع الثاني: صبرٌ على طاعة الله.
فإن الطاعات التي أمرنا بها الله كلها تحتاج إلى صبر، كون الإنسان يمكث طوال النهار من الفجر إلى غروب الشمس بدون طعام ولا شرب ماء، مع قيامه بالعمل كما ينبغي، فهذا يحتاج إلى صبر عظيم.
وكون الإنسان يقوم في جوف الليل في أيام الشتاء الباردة ليُصلي الفجر حاضراً مع شدة برودة الجو، فهذا أيضاً يحتاج إلى صبرٍ عظيم.
وكون الإنسان يذهب إلى أداء فريضة الحج، ويتحمل مشاق السفر، والزحام في كل أمر، حتى في الجوازات، حتى في ركوب الطائرة، حتى في ركوب الحافلات، في كل أمر يحتاج إلى صبر جميل، لأنه إذا تعصب وخرج عن طبيعته، وشتم هذا، وأزاح هذا، وأساء إلى هذا، فقد فقد الأجر العظيم الذي جعله الله عز وجل للحاج الصابر على طاعة الله سبحانه وتعالى.
النوع الثالث: الصبر على قضاء الله وقدره.
فإن المؤمن يعلم علم اليقين أنه لا طاقة لبشر أن يدفع قضاء رب العالمين، فعلى المؤمن أن يُؤمن بالقضاء، وإيمانه بالقضاء يقتضي أن يصبر فلا يفعل ما يُغضب الله سبحانه وتعالى.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ضرب المثل الأعلى في هذا الباب، فقد كان صلى الله عليه وسلَّم لم يعش له من أبنائه إلا البنات، ورُزق بثلاثة من الذكور، ولكنهم ماتوا صغاراً، وعندما هاجر إلى المدينة رزقه الله بإبراهيم، وعاش ستة أشهر، إلى أن كبُر وظهرت عليه علامات النُضج، ثم اختاره الله تعالى إلى جواره، وكان أهل مكة يعيِّرونه بذلك ويقولون: إنه أبتر - وأبتر يعني ليس له أولادٌ ذكور - فقال الله تعالى رادَّاً عليهم: " إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ " (1-3الكوثر) وشَانِئَكَ يعني مُبغضك، فهو الذي ليس له بركةٌ في أهل ولا مال.
ومات إبراهيم على رجل النبي، ماذا فعل النبي؟ نزل من عينه دمعةٌ خفيفة، وقال معلماً لنا أجمعين:
{ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ }
نحن نحزن، ولكن لا يخرج من اللسان كلامٌ يُغضب الرحمن، ولا يفعل الإنسان كما يفعل كثيرٌ من النساء في هذه الآنات، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ }
فهؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء، وإنما المؤمن يقول كما قال الله: " إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ " (156البقرة) نحن كلنا لله، وكلنا راجعون إن عاجلاً أو آجلاً إلى حضرة الله سبحانه وتعالى.
فالصبر على قضاء الله الذي قضاه وقدره، يقتضي من المؤمن أن يرضى بمر القضاء، ولا يفعل ولا يقول إلا ما يُرضي الله سبحانه وتعالى، إذا فعل ذلك وقال كما قال الله: " إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ " (156البقرة) ماذا جزاؤه؟ " أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " (157البقرة) (عليهم صلوات من ربهم) هذه واحدة، والثانية: (ورحمة) والثالثة: (وأولئك هم المهتدون) جزاءٌ لا يستطيع أي مخلوقٍ وصفه، ولا كشف ما فيه من فضل، لأنه جزاءٌ ممن يقول للشيء كن فيكون.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من عباده الصابرين لقضائه وقدره في كل وقت وحين، وأن يجعلنا بمدد من عنده من الصابرين عن الوقوع فيما يخالف أمره، ومن الصابرين على طاعته فيما أمرنا به وكلَّفنا به، وأن يحشرنا في جملة عباده الصابرين.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

جزاء الصبر

جزاء الصبر
لماذا أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نصبر عند مرِّ القضاء؟ لأن مقتضى الإيمان أن المؤمن يعلم علم اليقين أنه لا يحدث في كون الله إلا ما يريد، وأنه كما قال عن نفسه في القرآن: " إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ " (107هود).
فإذا اعترضنا على أي قضاء، فهل اعتراضنا سيُغير هذا القضاء؟ أو يرد الشيء إلى أصله؟ أبداً، ولكن كل ما في الأمر أن الجزع والهلع وعدم الرضا يحرم الإنسان من الثواب الذي جعله الله للصابرين على هذا الأمر.
والله سبحانه وتعالى من حكمته العلية جعل الدنيا دار بلاء: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الامْوَالِ وَالانْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ " (155البقرة) فهذه أنواع البلاءات في الدنيا.
وكل بلاء للصابرين فيه عند الله أجرٌ عظيمٌ وجزاء، فمثلاً: إنسان ابتلاه الله بمرض، فعليه أن يذهب إلى الطبيب، ويأخذ الدواء لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ يَا عِبَادَ اللَّهِ، تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً }
والذي يقول لن أذهب للطبيب ولن آخذ علاج، وما كتبه الله لي سيكون، فنقول له: هذا ليس في الإسلام، وهذا فكر غير إسلامي، بل هذا فكرٌ سلبي وطاقة سلبية، والمسلم ايجابي ويتعاطى مع تعاليم خير البرية صلى الله عليه وسلَّم.
فماذا عليك؟ أن لا تشكو الله إلى عباد الله، فلا تقول: لماذا أنا الذي ابتليت بهذا المرض؟ ولماذا لم يصب به فلان؟! فهل تريد أن تتحكم في الأحكام الإلهية وتحرم نفسك من الجزاء؟!!، وما الجزاء؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ، وَلَمْ يَشْكُنِي إِلَى عُوَّادِهِ أَطْلَقْتُهُ مِنْ أَسَارِي، ثُمَّ أَبْدَلْتُهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ الْعَمَلَ }
بهذا المرض أخذت المغفرة كلها، ويرجع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ويُعطينا زيادة، فماذا يقول؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَرَضُ يَوْمٍ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ ثَلاثِينَ سَنَةً }
وهذا للمريض الصابر، فكلما مرض يوماً ولو حتى زكام، يُكفِّر عنه ذنوب ثلاثين سنة، فإذا لم يكن عليه ذنوب يأخذ حسنات وصالحات ثلاثين سنة.
لكن لو جزع وقال كما ذكرنا، فقد حرم نفسه من هذا الأجر، ومن هذا الثواب، وهل غيَّر شيء في قدَر الله؟ لا، فقَدَر الله نافذ، وقضاء الله نافذ، ولا يردُّه أحد.
وكذلك إنسان أنجب ولد أو بنت صغيرة رضيعة، فلا يوجد شركة تأمين في العالم كله أستطيع أن أعطيها ما تريده وتؤمن لي على عمر هؤلاء الأولاد!!، فمن الذي يؤمِّن الكل؟ ملك الملوك تبارك وتعالى، فإذا أخذ الولد أو البنت وهم صغار فلحكمة يعلمها، ولو علمناها سنرضى، فكما قيل: (لو اطلعتم على الغيب لرضيتم بالواقع) لكننا لا نعرف.
الله عز وجل أرسل نبي وولي ليقتلوا ولداً صغيراً، وأبوه وأُمه صالحين، فسأله سيدنا موسى: لماذا قتلته؟ فقال له: " فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " (80الكهف) يعني هذا الولد لو كبر سيرهقهم طغياناً وكفراً.
هذا الولد رزقه الذي قدره له الله انتهى، فلو عاش فمن أين يأكل والرزاق قد أوقف الأرزاق ورفعه من بطاقتك التموينية؟!، وعندما تأتي يوم القيامة يقول صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّهُ يُقَالُ لِلْوِلْدَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتُنَا، قَالَ: فَيَأْبَونَ، قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: مَا لِي أَرَاهُمْ مُحْبَنْطِئِينَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ آبَاؤُنَا، قَالَ: فَيَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ }
يعني الذي يمت له طفل صغير أو طفلة فيا هناه، لأنه سيأخذ بيده في الموقف ويُدخله معه في الجنة، وإذا مات كبيراً وصبر أبوه لأمر الله واحتسبه عند الله، يقول الله تعالى لملائكته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلَّم:
{ ِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ }
لماذا؟ لأنه صبر على أمر الله ولم يجزع، فإذا جزع فلن يرد القضاء، أو يؤخر الوفاة.
فخير أمرٍ للمؤمن في كل هذه الأحوال الصبر على أمر الله، والرضا بقضاء الله، والله عز وجل كفيلٌ أن يعوضه ما فقده وزيادة في أي أمر من الأمور.
نسأل الله أن يجمِّلنا بالصبر الجميل.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الصيام والإخلاص

الصيام والإخلاص
ما السر في قول رب العزة في حديثه القدسي:
{ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ }
لأن الصوم هو العبادة التي تُعلِّم الإنسان المؤمن لُبَّ العبادات كلها، فإن أساس قبول كل العبادات، صلاة وصيام وزكاة وحج ونوافل وقربات وكل الأعمال وجود الإخلاص فيها لله: " وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " (5البينة).
والإخلاص أن يعمل الإنسان العمل لا يبغي به إلا رضا الله، لا ينظر فيه إلى الخلق، ولا يرجو بينهم ظهوراً ولا شُهرةً ولا سُمعة، لأنه يعلم علم اليقين أن الذي بيده النفع والضر والثواب والعقاب هو الله تبارك وتعالى وحده، لا شريك له في ذلك تبارك وتعالى.
والصائم عندما يصوم لا يطلع على صيامه في الحقيقة إلا الله تبارك وتعالى، يستطيع إذا سولت له نفسه أن يدخل في غرفه في بيته أو في شقته ويُغلق عليه الباب والنوافذ ويأكل، لكن الله عز وجل والذي يعمل له هذا العمل يطلع عليه ويراه.
ما الذي يمنعه من هذا العمل؟ علمه بأن الله يطلع عليه ويراه، وأن الله عز وجل هو وحده الذي يبلغ الثواب لهذا العمل الذي عمله ابتغاء مرضاة الله.
فلما كان الصيام هو العمل الوحيد السرِّي بين العبد وربه، لا يطلع عليه إلا رب العباد تبارك وتعالى، فإن الله تبارك وتعالى آلى على نفسه أن يضع بذاته العلية قدر الثواب والحسنات التي يأخذها هذا العبد على ما في قلبه من نية، لأن الإخلاص درجات، والإخلاص سرٌّ في القلب، قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله تبارك وتعالى:
{ الإِخْلاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي }
هذا الإخلاص لا يطلع عليه شيطانٌ فيُفسده، ولامَلَكٌ فيكتبه، فالشيطان لا يستطيع أن يصل إلى القلوب المملوءة بالإيمان بحضرة علام الغيوب: " الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ " (5الناس) لكنه لا يستطيع أن يصل إلى القلب المملوء بالإيمان، لأن نور الإيمان يحرقه، والملائكة تطلع على الأعمال الظاهرة، لكن النوايا والطوايا التي في القلوب لا يطلع عليها إلا علام الغيوب تبارك وتعالى.
ولذا كان الله بذاته هو الذي يضع الأجر والثواب على حسب إخلاص العبد لربه تبارك وتعالى.
وأعلمنا النبي صلى الله عليه وسلَّم في أحاديثه المتفرقة أن من عمل عملاً لله يقصد به ظهوراً أو سمعة عند خلق الله، فإن عمله غير مقبول، بل إن عمله جعله الله يساوي الشرك، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ صَلَّى وَهُوَ يُرَائِي، فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ وَهُوَ يُرَائِي، فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ يُرَائِي، فَقَدْ أَشْرَكَ }
والله عز وجل قال في القرآن: " فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " (110الكهف) يجعل هذه العبادة خالصة لوجه الله تبارك وتعالى.
هذا الدرس العظيم في قبول العبادات ورفعة الدرجات هو أول درس علَّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلَّم وأصحابه الكرام.
ولذلك رُوي أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه في إحدى المعارك الحربية، تقدم فارسٌ من الأعداء وطلب المبارزة، والمبارزة شبيهة بالمصارعة الحرة الآن، ولكنها مع الأسلحة، فكل واحد يمسك بسيفه ويحاول أن يقتل الآخر، فيقاتل كلٌ منهما على الفرس، فإذا ماتت الأفراس فينزلا وجهاً لوجه.
فأخذا يتقاتلان حتى ماتت الخيول تحتهما من شدة السعي والحركة، فترجَّلا وأخذا يضربان بالسيوف حتى تكسر سيفيهما، فدخلا في مصارعة حُرة، فأخذا يحاولان حتى حمله الإمام علي وجلد به الأرض، وبرك فوقه وأخرج خنجره ليذبحه، وإذا بالرجل يتفل في وجهه، فقام الإمام علي وتركه، فتعجب الرجل وقال: لم تركتني بعد أن تمكنت مني؟! قال: كنت أقاتلك لله، فلما تفلت في وجهي خفتُ أن أقتلك انتقاماً لنفسي، وليس لمرضاة ربي تبارك وتعالى، فقال: وهل تراقبون الله في هذه المواطن؟! قال: وفي أدق منها.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا الإخلاص في أعمالنا، والصدق في أقوالنا، واتباع الحبيب صلى الله عليه وسلَّم في كل حركاتنا وسكناتنا، وأن يجعلنا من عباده المخلصين.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الدعاء والقنوت

الدعاء والقنوت
قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ }
كل العبادات الإسلامية صُلبها وأساسها الدعاء لله تبارك وتعالى، فالصلاة التي نصليها نقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، والفاتحة دعاء، وندعوا الله كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ }
من السُنَّة أن الإنسان يدعو في سجوده بما يُحب أن يُعطيه الله له، لأن هذا مكان وموضع إجابة: " وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ " (19العلق).
والحج كله دعاء، فالطواف كله دعاء، والسعي كله دعاء، والوقوف على عرفة يومٌ كاملٌ متخصص في الدعاء، حتى يجعله الله يصلي الظهر والعصر مع بعضهما في أول وقت الظهر ليتفرغ طوال اليوم للدعاء.
وشهر رمضان جعله الله شهر إجابة للدعاء، ولذلك نزَّل لنا في وسط آيات الصيام: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ " (186البقرة).
فالمفروض على كل مسلم أن يجعل لنفسه في أوقات رمضان أوقاتاً للدعاء، كما عمل أوقاتاً لتلاوة القرآن، وأوقاتاً لذكر الله، وأقرب الأوقات لإجابة الدعاء، قال فيها صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ }
ولذلك اللحظات التي قبل أذان المغرب يجب على المسلم أن يأخذها في الدعاء لله تبارك وتعالى.
ناهيك في الأيام الفاضلة الموجودة في شهر رمضان، كليلة يوم بدر، وهي ليلة مُجاب فيها الدعاء، والعشر الأواخر فيها ليلة القدر وكلها مجابة الدعاء.
ولذلك استحسن الأئمة الأعلام بداية من منتصف شهر رمضان الدعاء لله عز وجل في الركعة الأخيرة من الوتر.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإجابة، وأن يجعل دعواتنا مستجابة.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الأمانة

الأمانة
من أعظم القيم الإسلامية التي يكتسبها المسلم من شهر رمضان الأمانة، والحقيقة لو رجعت الأمانة في مجتمعاتنا الإسلامية كما كانت في العصور الأولى، لانحلَّت كل مشكلاتنا.
لأن الأمانة ليست في أن يعطيني أحد مبلغ وأحافظ عليه وأعطيه له فقط، ولكن الأمانة في البيع، والأمانة في الشراء والأمانة في القول، أقول كلمة فلا ينقلها، وحتى لو طلبت منه أن ينقلها فلا يزيد ولا يُنقص، والأمانة في المجالس، فأي مجلس جلستُ فيه أكون كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَاتِ }
سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه يقول: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا قال لنا:
{ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ }
لأن الإسلام دين الثقة، فإذا ذهبت الأمانة، أين تكون الثقة بين المسلم وأخيه؟! وبين التاجر والمشتري؟! وبين أي إنسان وزوجه؟! لأن حتى بين الزوجين لا بد من الأمانة لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ، عَنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا }
وللأسف هذه الأمور تحدث الآن في الدواوين الحكومية، ونساءٌ مع رجال!، وهذا أمرٌ ينافي تماماً تعاليم الإسلام، وتعاليم سيد الأنام صلى الله عليه وسلَّم.
والأمانة جعلها صلى الله عليه وسلَّم حتى في النظرة، فكان صلى الله عليه وسلَّم إذا تحدث ثم حدَّثه أحدٌ بجانبه، يلتفت إليه بكله، لماذا؟ لأن الله نهى عن خائنة الأعين، وهي العين التي تنظر من تحت لتحت، حتى لا يلاحظ أحد أنها نظرت، وهي خيانة ذكرها الله في القرآن.
فكان صلى الله عليه وسلَّم إذا تحدث مع أحد التفت إليه كله، وليس بجانبه حتى يكون وجهاً لوجه، وقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ }
والتفت يعني أخذ ينظر حوله ليرى هل أحد يسمعهما، فحديثه معك أمانة، وإياك أن تذيع هذا الحديث أو تشيع هذا الكلام، لأنه سر ائتمنك عليه لا ينبغي أن تذيعه أو تشيعه.
ومن العجب أن الرسول صلى الله عليه وسلَّم مع شدة معاداة قومه له، والحرب التي استمرت عشر سنوات متتالية، كان هو بنك الأمانات لأهل مكة، مع وجود حرب بينهم وبينه!، فكان كل من كان عنده شيء يخشى عليه، كان يعطيه لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ليحفظه له.
وقد جردوا أصحابه من بيوتهم وأموالهم وتجاراتهم وكل ما يملكون، وجاءت الهجرة، وكان المنطق الطبيعي أن يأخذ هذه الأمانات التي عنده مقابل الأشياء التي أخذوها، لكنه يضرب المثل الأعلى في القيم الإلهية، فجاء بابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه، وعرَّفه بالأمانات، هذه أمانة فلان، وهذه أمانة فلان، وهذه أمانة فلان، وتركه ينام في فراشه، وخرج في الليل، مع أنه يعلم علم اليقين أن خطتهم أن يهجموا عليه في منتصف الليل وينزلوا عليه ضرباً بالسيوف ضربةً واحدة، حتى إذا قُتِل يتفرق دمه بين القبائل.
فجعل ابن عمه في مكانه وغطاه ببردته، وطمأنه بأنهم لن يصلوا إليه بشيء يكرهه، يعني لا تخف، فإنك إن شاء الله في ذمة الله، وفي أمان الله تبارك وتعالى.
وأمره بأن لا يوزع الأمانات إلا بعد ثلاثة أيام، بعد أن يخرج من الغار ويمشي، فوزَّع الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أمانات الناس جميعاً بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلَّم.
وأعطى هذا الدرس لكل أصحابه المباركين؛ أن الأساس الأول للإنضمام لهذا الدين أن يكون متحلياً بخُلق الأمانة.
زوج ابنته وابن خالتها كان اسمه العاص بن الربيع، وكان متزوج بنت النبي السيدة زينب، وقد أسلمت مع أبيها، وزوجها أبَى الإسلام، وانتدبته قريش لقيادة قافلة تجارية إلى بلاد الشام، وعند عودته من بلاد الشام ومعه تجارة أهل مكة جميعاً تعرض له المسلمون وأخذوه بتجارته.
فأسلم لله، وعندما أسلم أمر النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يردُّوا له التجارة التي كانت معه حتى يوصلها لأهلها، فأحد المسلمين الذين ليس عندهم يقين في الله تبارك وتعالى عندما أسلم قال له: خذ هذه التجارة كلها ولا تعُد بها مرة ثانية، فقال له: بئس ما نصحتني به يا أخا الإسلام، أتريد أن أبدأ عهدي في الإسلام بالخيانة؟! لا يكون ذلك أبداً، وذهب إلى مكة، ونادى على أهل مكة: كل من له مالٌ في تجارة فلان فليحضر، وأعطاهم أموالهم جميعاً، ثم قال لهم: هل بقي لواحد منكم عندي شيء؟ قالوا: لا، قال: أُشهدكم أني آمنت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلَّم نبياً ورسولا.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلَّم للمؤمنين أجمعين:
{ أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ }
لا تقول إن فلان خانني وسأعامله بالمثل، لأن المسلم أهم صفة له عند الله الأمانة.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يُحلِّينا بصفاته الإلهية، وأوصافه القرآنية، وأخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلَّم النبوية، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الرحمة

الرحمة
وصف نبينا الكريم صلى الله عليه وسلَّم المولى تبارك وتعالى بأحب صفة يريد الله منا أن نتقرب بها إليه، فنتخلق بها لنفوز بما لديه، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ }
الله عز وجل اختار صفة الرحمة، وقال فيها في كتابه: " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " (156الأعراف) ولم يكشف لنا منها في الدنيا إلا جزءاً من مائة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ }
وأنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أن الكائنات ذات البأس الشديد تغضب من العصاة والمذنبين في كل يوم، وتود هلاكهم وإهلاكهم، لأنهم عصوا الله تبارك وتعالى، كما ورد في الأثر: ((ما من يوم تطلُع شمسه إلا وتنادي السماء, تقول: يا رب, ائذن لي أن أسقط كِسفًا على ابن آدم؛ فقد طعم خيرَك, ومنع شكرك، وتقول البحار: يا ربِّ, ائذن لي أن أُغرق ابن آدم؛ فقد طعم خيرك, ومنع شكرك، وتقول الجبال: يا رب, ائذن لي أن أُطبق على ابن آدم, فقد طعِم خيرك, ومنع شكرك، فيقول الله تعالى: دعوهم دعوهم, لو خلقتموهم لرحمتوهم, إنَّهم عبادي, فإن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم)).
وصوَّر النبي صلى الله عليه وسلَّم مدى هذه الرحمة، وكان في إحدى الغزوات، وامرأةٌ من الأعداء تاه منها رضيعها صغيرها، فأخذت تبحث عنه كالمجنونة حتى وجدته، فارتمت عليه وحملته واحتضنته بقوة، كأنها تخشى أن يأخذه أحدٌ منها، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ، قالوا: لَا، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا }
رحمة الله واسعة، والله لأنه رحيمٌ يُحب كل رحيم، عندما نريد أن يرحمنا الله ويعافينا من مرض وبلاء، ويرحمنا ويُزيل عنا الغلاء، ويرحمنا وينصرنا على الأعداء، ماذا نفعل لنأخذ رحمة الله هذه؟ نسأل سيد الرسل والأنبياء: قال صلى الله عليه وسلَّم مبيناً في عبارة وجيزة:
{ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ }
فلا تكثروا من الدعاء، ولكن الرحمة أولاً، ولذلك أقول لمن يقضون في ليلة القدر ساعة في الدعاء، أو أكثر من نصف ساعة في الدعاء: أهكذا قال سيد الرسل والأنبياء؟! عندما قالت له السيدة عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ:
{ قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي }
هل أعطاها دعاء يستغرق ساعة؟! لا، أعطاها سطر واحد فقط (اللهم إنك عفوٌّ كريمٌ تُحب العفو فاعف عنا).
أليس هذا كلام حضرة النبي؟! فلم نزيد ونعيد؟! نزيد ونعيد في الرحمة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ }
وهذا فعل وليس قول، ونحن في مجتمعنا الإسلامي الآن في أشد المسيس لأن نتراحم مع بعضنا، التاجر يرحم المشترين ويأخذ مكسباً قليلاً، والمدرس يُخلص في عمله فلا يذهب لدرسه إلا القليل، ويأخذ منهم ما تيسَّر ويعافي الفقير، والطبيب كذلك ينصح مرضاه بما يُرضي الله، وكلٌ في مجال عمله، إذا انتشرت الرحمة بين جموع المؤمنين فإن الله تبارك وتعالى ينظر إلينا ويرحمنا، حتى ولو لم تتفوَّه ألسنتنا بالدعاء، لأنه يعلم ما في القلوب، قال صلى الله عليه وسلَّم، وانتبهوا للحديث:
{ لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ }
نريد أن نرجع للأيام الفاضلة، فنعرف حقوق الشيوخ وكبار السن، وحقوق الأطفال، وخاصة الأطفال الرضَّع، لأنهم يحتاجون إلى جرعات حنان ومودة ورحمة أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، إذا رجعنا لهذا فإن الله يرحمنا، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَوْلا شُيُوخٌ رُكَّعٌ، وَشَبَابٌ خُشَّعٌ، وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ صَبًّا }
ما الذي يمنع نزول البلاء؟ وجود هؤلاء بيننا، فلا بد أن يكون عندنا رحمة بهم حتى يرحمنا الرحيم تبارك وتعالى.
فإذا توافرت الرحمة بين المؤمنين فإنها علامة الإيمان، ما علامة صدق الإيمان؟ أن يكون الإنسان المؤمن رحيم، رحيمٌ بزوجه، رحيمٌ بأولاده، رحيمٌ بجيرانه، رحيمٌ بعملائه، رحيمٌ بكل شيء، حتى كانت تتجلى رحمة أصحاب النبي في غلق الباب وفتحه!، لم يكن واحد منهم يدفع الباب بقوة، ولكن برفق لماذا؟ لأنهم تعودوا الرحمة في كل شيء، فإذا تعودنا على هذه الرحمة الإلهية، فهذا دليلٌ صدق الإيمان.
وما دليل عدم صدق الإيمان؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لا تُنزَعُ الرَّحْمَة إلَّا مِن شَقيٍّ }
ولذلك تجد الكافرين - قاتلهم الله - في كل معاركهم مع الدول الإسلامية هل عندهم ذرة من الرحمة؟!!، لا، بينما الحروب الإسلامية كلها رحمة وحنان وعطف في كل المواقع القديمة والحديثة، لماذا؟ لأن الرحمة تقترن بالإيمان، فلا تُنزع الرحمة إلا من شقي.
رأى رجلٌ من أكابر العرب النبي صلى الله عليه وسلم يُقبِّل أولاده من فاطمة الحسن والحُسين، فقال: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟! فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
{ أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟! }
يعني ماذا أفعل لك؟ فأنت ليس عندك رحمة في قلبك.
وفي رواية أخرى عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قبَّل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحسنَ بنَ عَليٍّ رضي اللَّه عنهما، وَعِنْدَهُ الأَقْرعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشرةً مِنَ الْولَدِ مَا قَبَّلتُ مِنْهُمْ أَحدًا!، فنَظَر إِلَيْهِ رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ:
{ مَن لا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ }
فتقبيل الصبي أحسن من وجبة كاملة تُعطيها لهذا الصبي، في نموه، وفي حالته النفسية، وفي صحته الجسدية، وفي كل أحواله!، لماذا أمرنا الله فقال: " وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ " (233البقرة) ليس من أجل اللبن، فاللبن الصناعي موجود، ولكنها عندما ترضعه تهدهد عليه، وتربت عليه، وتنظر إليه، وتعطيه العطف، وتعطيه الحنان، وتعطيه الحب، وتعطيه المودة، فينشأ مُخلَّق بهذه الأخلاق الإيمانية.
إذا رضع الألبان الصناعية، فمن أين يأخذ هذه الأوصاف؟! ولذلك ينشأ سريع النرفزة، وسريع الغضب، وقاسي القلب، لماذا؟ لأنه لم يرضع من أم مسلمة هذه الأوصاف الإسلامية.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الرحمة في قلوبنا، وأن ينظر إلينا بعطف وحنان، ويبدِّل حالنا إلى أحسن حال، ويجعلنا في الدنيا من عباده الرحماء، وفي الآخرة من عباده السعداء، وفي الجنة في جوار سيد الرسل والأنبياء.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

فوائد اكتمال شهر رمضان

فوائد اكتمال شهر رمضان
يقول الله تعالى في الحديث القدسي:
{ يا داود إنك تريد وأريد, وإنما يكون ما أريد }
البعض يحزن عندما يعلم أن شهر رمضان سيكون كاملاً، مع أن هذا اليوم المتمم للشهر فيه منافع وفوائد لنا جميعاً لا عدَّ لها ولا حصر.
أولاً: يكفينا قوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا }
ثانياً: سنصلي أيضاً التراويح في هذه الليلة، وهذه الصلاة من الذي يستطيع حساب أجرها أو فضلها عند الله تبارك وتعالى؟!.
ثالثا: نريد أن نصوم العام كله، وقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ }
رمضان ثلاثون يوماً، والحسنة بعشر أمثالها، فيكون المجموع ثلاثمائة، وستة أيام من شوال في عشرة يساوي ستين يوماً، فيكون المجموع كله ثلاثمائة وستين يوماً، وهذا عدد أيام السنة القمرية.
فلو صمنا رمضان تسع وعشرون يوماً فإن السنة تقل ولن تكون كاملة، لكن إذا كمل فإن الله أراد أن يُكمل لنا الأجر والثواب عندما نُوفق ونُعان لصيام ست أيام من شوال كما يعيننا الله في رمضان.
صحيح أن أيام شوال تكون صعبة، أما أيام رمضان يكون فيها إعانة من الله، فلا تشعر بجوع ولا بعطش، قال حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ }
فقال الصالحون: إن الهواء المنعش ينزل من الجنة على أجسام وقلوب الصائمين، فيجعلهم لا يشعرون بجوع ولا عطش.
لكن في الأيام العادية لا يحدث ذلك، صحيح أن معنا معونة من الله، وتوفيق من الله، ولكنه يحتاج إلى جهاد أعظم.
وأُوصيكم وأُوصي نفسي بالعمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلَّمك
{ مَنْ قَامَ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ }
وبماذا يُحييهم؟ بطاعة الله، وبذكر الله، وبعمل صالح يقربه إلى الله، فلا يحييهم بمشاهدة الأفلام أو المسلسلات أو الفيس بوك أو غيره، ولكن يحييهم بطاعة الله.
وكما ذكرنا قبل ذلك، فإن الإحياء البسيط السهل الميسر الذي يعطيني قيام الليلة في قوله صلى الله عليه وسلم:
{ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ }
لأن كثير من الناس في أيام رمضان يستيقظ قبل الفجر، أو لا ينام إلا بعد الفجر، لكي يتسحر، وليلة العيد نجد معظم المسلمين لا يصلون فجر يوم العيد في جماعة، وكل واحد يتحجج بعلل ومعاذير مقبولة عنده هو، وليست مقبولة عند العلي الكبير.
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا فنحيي ليلتي العيد بطاعة الله، حتى يكون لنا أجراً عظيماً عند الله، غفر الله ذنبكم، وأتم الله ثوابكم، وشكر الله سعيكم، وجعلكم من عباده الصالحين الصادقين.
الرضا عن الله سبحانه وتعالى
الدرس العظيم الذي نأخذه من المولى تبارك وتعالى في اكتمال شهر رمضان هو أن خير صفة تريح الإنسان من هموم دنياه، وتقيه من التوتر وتعب الأعصاب والقلق والضجر، وتجعله في أعلى مقام السعداء يوم القيامة عند الله، هو الرضا عن الله سبحانه وتعالى.
الذي سيحزن لأنه سيصوم يوماً آخر في رمضان، لن ينفعه ذلك، هل ستعاند ولن تصوم؟! أنت حر: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا " (15الجاثية) ولكنك أنقصت أجرك، لأنك ستصوم وأنت كاره، وهذا غير من يصوم وهو راض وسعيد بقضاء الله سبحانه وتعالى، وأمور الحياة كلها تحتاج للرضا، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ }
وليس معنى الرضا أن أترك الأسباب، لكن آخذ بكل ما أستطيعه في عالم الأسباب، وليس شرطاً أن تأتي الأسباب بالنتيجة التي أريدها.
فنحن نحسب نقول: سأعمل كذا، وهذه الأرض سأزرعها كذا، والمحصول سيكون كذا، والنتيجة ستكون كذا، وما يدخل في رصيدي في البنك سيكون كذا، لكن ليس شرطاً أن يحدث هذا.
فالسيدة التي كانت تحمل البيض وذاهبة لتبيعه في السوق، وكانت تقول: البيض سأبيعه بكذا، وسأفعل بالثمن كذا وكذا، وأثناء سيرها تعثرت فوقعت ووقع البيض وتكسر كله!!.
وماذا أفعل؟ أعمل ما عليَّ، والنتيجة أن أعلم علم اليقين أن اختيار الله لي أولى من اختياري لنفسي.
ونحن جميعاً نرى هذا الكلام، فأحياناً الواحد منا يضع عينه على نتيجة معينة ويجد عكسها، وبعد زمن يقول: إن الله يُحبني، فلو كان حدث ما اخترته لحدث كذا وكذا، لأنه تبينت له الأمور، فاختيار الله للعبد أولى من اختيار العبد لنفسه.
يومٌ تقضيه في اللهو واللعب والغفلة، أم يومٌ تقضيه في ذكر الله والصيام وطاعة الله؟! ما الأولى بك ولك عند الله يوم القيامة؟! يوم في طاعة الله وذكر الله، فالله يُحبنا ولذلك أراد أن يُكثر لنا من الطاعات والقربات.
رجلٌ من الصالحين قيل له: أيهما أحب إليك، دخول الجنة أم ركعتين تركعهما لله؟ قال: أحبُ إليَّ أن أُصلي ركعتين لله، قيل له: لِمَ؟ قال: لأن في دخول الجنة رضاء نفسي، وفي صلاة الركعتين رضاء ربي، ورضاء ربي أحبُّ إلي من رضاء نفسي.
نفسي تريد أن تفطر وتأكل وتشرب، والله يريدها أن تصوم لتُكثر من عبادة الحي القيوم، وأنا أريد أن أدخل في المقام العالي، فأدخل في مقام قوم يقول فيهم الله: " رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ " (22المجادلة).
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل الرضا عن حضرته في كل حال، وأن يفتح لنا كل كنوز العطاء والوهب والنوال، وأن يجعلنا من الذين يرضون الله في كل أحوالهم.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الحكمة من العبادات

الحكمة من العبادات
ما الحكمة من فرض الله تعالى للعبادات الإسلامية من صلاة وصيام وزكاةٍ وحج مع غنى الله سبحانه وتعالى عن كل هذه الأعمال؟.
هو سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، كما لا تضره معصية العاصين، لكن لكل فريضة من هذه الفرائض في نفسها حكمٌ لا تُعد، لكن نريد أن نتحدث عن الحكم المشتركة والموجودة في الفرائض جميعها، بالترتيب بما يسمح به الله سبحانه وتعالى.
1- حُسن الخُلُق
أول هذه الحكم هي الحكمة من إرسال الله عز وجل الرسل، وخاصة خاتم الأنبياء والمرسلين بهذا الدين المتين، قال صلى الله عليه وسلَّم موضحاً الحكمة من إرساله بالرسالة الإلهية:
{ إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ }
وفي رواية:
{ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ }
بُعث ليتمم مكارم وصالح الأخلاق للناس جميعاً، ولذا رُوي أنه صلى الله عليه وسلَّم جاءه رجل من بين يديه فقال: يا رسول الله ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وسلم
{ حُسْنُ الخُلُق، ثمّ أتاه عن يمينه فقال صلى الله عليه وسلم: ما الدين؟ فقال: حُسْنُ الخُلُق، ثمّ أتاه من قبل شماله، فقال: ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وسلم: حُسْنُ الخُلُق، ثمّ أتاه من ورائه، فقال: ما الدين؟ فالتفت صلى الله عليه وسلم إليه وقال: أما تفقه الدين؟! هو أن لا تغضب }
الدليل على أن هذا الإنسان مستمسك بدين الرحمن ويتبع النبي العدنان أن يظهر حُسن خُلقه بين بني الإنسان.
فإذا جئنا إلى العبادات التي أمرنا بها الله، فإن الله يقول لنا في الصلاة: " إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ " (45العنكبوت).
إذاً الغرض والحكمة الأولى من فريضة الصلاة أنها تنهى المصلي عن ارتكاب الفحشاء، وعن عمل المنكر، لأنه يتذكر أنه سيقف بين يدي مولاه، وكيف يقف بين يديه وقد عصاه تبارك وتعالى في عُلاه؟! فيرعوي ويرجع عن الفحشاء والمنكر، قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
{ مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ تَزِدْهُ مِنَ اللَّهِ إِلا بُعْدًا }
وقال صلى الله عليه وسلَّم مبيناً فريضة الصيام:
{ الصِّيَامُ جُنَّةٌ }
وجُنَّة يعني وقاية، وقاية من المعاصي، ووقاية من أمراض البطن والأجساد، ووقاية من عذاب النار يوم القيامة، ووقاية من العطش يوم الدين في يومٍ مقداره خمسين ألف سنة، ووقاية من كل الأخلاق السيئة، ثم وضع النبي الروشتة فقال:
{ الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ }
والرفث هو الكلام مع النساء، أو عن النساء بأسلوب خارج، وهذا لا يليق بالصائم.
والفسوق هو كل خروج عن طاعة أوجبها علينا الله، فَسَقَت الحية يعني خرجت من جحرها، وفَسَقَت الدودة يعني خرجت من شرنقتها، فالفسوق هو الخروج من كل طاعة أمرنا بها الله سبحانه وتعالى.
والجهل تجاوز الحد في التعامل مع الآخرين، ولذلك يقول الله في المؤمنين الصادقين: " وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا " (63الفرقان) يعني: يا رب سلِّمنا منهم، فلا يردُّون بالمثل لأن الله قال لنا أجمعين: " وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ " (34فصلت) فماذا نفعل يا رب؟ " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " (34فصلت) ليت المسلمين كلهم يعملون بهذا المنهج القرآني، فلا يكون بيننا وبين بعضنا مشاكل نهائياً.
والله عز وجل ورسوله يأمران المسلم بصوم اللسان عن كل كلامٍ يُغضب الخلق أو يُغضب الرحمن، فلو أحدٌ سبَّه أو أحدٌ شتمه، فلا يرد عليه، ولا يتنزل إلى مستواه لأنه في المستوى الأعلى الذي وضعه فيه مولاه سبحانه وتعالى، غاية ما في الأمر فليقُل: إني أمرؤٌ صائم، إني أمرؤٌ صائم.
إذاً فشعار الصيام للمؤمنين هو الصيام عن الأخلاق القبيحة التي نهى عنها رب العالمين، والتي أمرنا بالتخلي عنها سيد الأولين صلى الله عليه وسلَّم، ولذلك يقول صلوات ربي وتسليماته عليه:
{ مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ }
الله في غنىً عن أنه يترك الأكل والشرب ويصوم هذا الصيام، فهو يريده أولاً أن يصوم اللسان عن الخوض في الآخرين، ويصوم القلب عن ظن السوء في جميع المسلمين، بهذا يكون على المنهج الكريم الذي كان عليه نبينا الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم.
والحج كذلك يقول الله تعالى فيه: " فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ " (197البقرة) ما الحكمة الأعظم؟ " فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ " (197البقرة).
والزكاة يقول فيها الله: " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً " (103التوبة) لماذا؟ " تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا " (103التوبة).
إذاً أول حكمة من الحكم الجامعة بين العبادات الإسلامية هي التخلق بأخلاق الله، أو بأخلاق حبيب الله ومصطفاه، أو بأخلاق كتاب الله، فمن تخلق بهذه الأخلاق نال بغيته.
فالذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج ولم يتخلق بهذه الأخلاق، حضرة النبي يقول فيه:
{ أتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ، فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ }
وقيل:
{ يا رسول الله إِنَّ فُلانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ: لا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ فِي النَّارِ }
هي في النار مع قيام الليل وصيام النهار؟! نعم، لأنها لم تصل إلى الحكمة التي من أجلها كلَّفنا الله تبارك وتعالى بهذه العبادات.
فالعبادات الإسلامية جميعاً الهدف الأعلى منها التخلق بالخُلق الكريم.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا الخُلق الكريم، والمنهج القويم، والإقتداء بسيدنا محمد الرؤف الرحيم.
2- ذكر الله تعالى
الحكمة الثانية من تكليف المؤمنين بالعبادات، من صلاة وصيام وزكاة وحج، هي ذكر الله تبارك وتعالى.
فإنما أمرنا الله بهذه العبادات لنذكره تبارك وتعالى لأنه قال لنا: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا " (41الأحزاب) وإذا ذكرناه تبارك وتعالى فبُشرى لنا، لأنه قال عز وجل في حديثه القدسي:
{ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ }
ولذلك عندما قال في الصلاة: " إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ " (45العنكبوت) ما معنى ذلك؟ ذِكر الله لك عندما تذكره في الصلاة، أكبر من ذكرك لله تبارك وتعالى، لأن ذكرك لا يساوي شيئاً بالنسبة لذكر الله تبارك وتعالى لك.
وما معنى ذكر الله؟ قال تعالى: " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ " (152البقرة) ذكر الله لي يكون في تفريج الأمر الذي يشغلني ويهمني، فالنبي الذي ابتلعه الحوت وقال وهو في بطن الحوت: " لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " (87الأنبياء) فقال الله تعالى في شأنه: " فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " (143-144الصافات) ما الذي نجَّاه؟ التسبيح لله سبحانه وتعالى.
فإذا ذكر العبد مولاه في أي أمر، ذكره الله بقضاء هذا الأمر، مثلاً ذكرته وأنا في حالة ضيق، ففوراً ذكره لي أن يُفرِّج عني هذا الضيق: " وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ " (2-3الطلاق) وإذا ذكرته في حال شدة، فإن ذكر الله تبارك وتعالى لي أن يُزيل عني فوراً وفي الوقت وهو وحده القادر على ذلك هذه الشدة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
{ تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ }
كن مع الله في الرخاء، وواصل الطاعات وذكر الله، فعندما تنادي الله في أي وقت، تجد فرج الله، وتجد تيسير الله، وتجد قرب الله منك أقرب إليك من نفسك التي بين جنبيك.
إذا ذكرت الله عز وجل في حالة مرض كنبي الله أيوب: " وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " (83الأنبياء) والأنبياء كانوا مؤدبين مع حضرة الله، يخاطب الله بلباقة وبذوق ولُطف عظيم، فلم يقُل: إني أصابني الضُر، ولكنه قال: (مسَّني) يعني مسَّني مسَّاً خفيفاً، ولم يقُل: رب فاشفني، وإنما ترك الأمر وفوضه له: " وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " (83الأنبياء) إن كنت ترى أن استمراره خير لي فاتركه، وإن كنت ترى أن تنقذني منه فانقذني منه: " فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ " (84الأنبياء).
وهكذا فذكر الله سبحانه وتعالى للعبد أن يحقق للعبد ما يجول بخاطره عند ذكره لمولاه سبحانه وتعالى.
والصلاة كما قال الله لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام: " وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي " (14طه) الصلاة كلها ذكر لله، فالفاتحة مناجاة بينك وبين الله كأنك تخاطبه على خط تليفون مباشر، يقول فيها عز وجل:
{ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ"، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ }
يعني كل ما يريد يأخذه، لماذا نحن كمسلمين تعارفنا على قراءة الفاتحة في كل أمر مهم؟ لهذا القول القدسي (ولعبدي ما سأل) فلو قرأنا الفاتحة لإتمام تجارة سيتمها الله، ولو قرأناها لزواج يتمه الله، لأنه قال: (ولعبدي ما سأل).
بعد ذلك الركوع تسبيح لله، والسجود تسبيح لله، وفيما بين ذلك وفي التشهد الدعاء لله، والدعاء لله في الصلاة لا يُرد إن شاء الله.
فجعل الله عز وجل كل هذه العبادات لنكون ذاكرين له في كل الأوقات، فيلبي لنا كل ما نحتاج إليه من طلبات.
نسأل الله تعالى أن نكون من عباده الذاكرين الشاكرين الفاكرين الحاضرين بين يديه في كل وقت وحين.
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

النوايا الطيبة في العبادات

النوايا الطيبة في العبادات
قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى }
وقال الإمام علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه: ((لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا خير في تلاوة لا تدبّر فيها)).
المؤمنون عند الله عند أي عملٍ يُقيَّمون على درجات، كيف يكون التقييم الإلهي للمؤمنين مع أن الأعمال تكاد تكون واحدة على اختلاف النيات؟ المؤمن الفقيه لايعمل عملاً إلا إذا استجمع في قلبه نيات كثيرة على هذا العمل، وله على كل نية أجر، فيجمع أجوراً كثيرة على عمل واحد بسيط، ولذلك قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونَانِ فِي الصَّلَاةِ مَنَاكِبُهُمَا جَمِيعًا، وَلَمَا بَيْنَ صَلَاتِهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّهُمَا لَيَكُونَانِ فِي صِيَامٍ وَاحِدٍ وَلَمَا بَيْنَ صِيَامِهِمَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ }
لماذا؟ لاختلاف النوايا بين الإثنين، ويبيِّن لنا هذا الأمر رجلٌ من العلماء الفقهاء فيقول: إني لا أخرج من بيتي حتى أستجمع سبعين نية كلها لله تبارك وتعالى.
ونحن في شهر القرآن، في شهر رمضان - والحمد لله - الكل يتسابق في تلاوة القرآن، لكن ما النوايا التي ننويها عند تلاوة القرآن؟ أغلب الأمَّة ينوي تلاوة القرآن للحصول على الأجر الذي قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ }
مع أن القرآن الكريم وأحاديث النبي الرءوف الرحيم توضح للمؤمن وتفتح له كثيراً من أبواب النوايا التي ينويها عند قراءتها.
فمن المؤمنين من ينوي عند قراءة القرآن تحقيق الشفاء من الله، لأن الله قال في كتاب الله: " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " (82الإسراء).
ومن المؤمنين من ينوي عند قراءة القرآن نزول الرحمة عليه من عند حضرة الرحمن، لأن الله يقول في القرآن: " وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون " (204الأعراف) وكما قلنا سابقاً (لعل) في القرآن بمعني اللام، يعني (لترحمون) فلا ترجِّي في كلام الله سبحانه وتعالى.
ومن المؤمنين من يقرأ القرآن ليُبيِّن الله له معاني القرآن، لأن الله عز وجل قال لحبيبه صلى الله عليه وسلَّم: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " (44النحل) يبيِّن الله سبحانه وتعالى له مباشرة من عنده معاني القرآن على قدره، وعلى قدر ما يتحمل من معاني كلام ربه سبحانه وتعالى.
ومن المؤمنين من يقرأ القرآن، ويستجمع أربع نوايا ذكرها النبي في حديث واحد، قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ }
ولو تدبرنا في القرآن نجد أن الله يفتح للمؤمن أكثر من ثلاثين نية يستطيع أن يستجمعهم في صدره عند تلاوة القرآن، فيُعطيه االله عز وجل كل ما في هذه النوايا من العطايا الإلهية، والأجور الربانية، فلو حتى قرأ بعض آياتٍ من كتاب الله تكفيه وتغنيه.
ولذلك كان الصحابة الأجلاء لا يهتمون بكثرة التلاوة، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ((لأن أقرأ إذا زلزلت الأرض زلزالها بخشوع وتدبر، خير من أن أقرأ القرآن كله هزرمة)) وهزرمة يعني بسرعة بحيث لا أتبين الحروف، يريد أن يعد خمس ختمات، أو عشر ختمات في رمضان.
وكانوا يقرأون القرآن بنية العمل، يعني ليعملوا به، فيُحلّوا حلاله ويحرّموا حرامه، وهذا هو العمل به، ولذلك كان من يحفظ سورة البقرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يُدعى عظيماً، وينال لقب عظيم، لأنه كان لا ينتقل من آية إلى الآية التي تليها إلا إذا عمل بالآية الأولى، لا يقرأ فقط، المهم يتدبر ويعمل بكتاب الله سبحانه وتعالى.
ومنا من يقرأ القرآن ليشفع له عند الله، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
نوايا كثيرة يجب أن يستحضرها المؤمن عند تلاوة القرآن، وعند أي عمل يعمله لله، والنوايا كلها لله، ولا يُعطي الأجر والثواب إلا حضرة الله، ولا ننتظر الأجر إلا من الله.
نسأل الله عز وجل أن يطهِّر قلوبنا، وأن يصفِّي نفوسنا، وأن يُحسِّن نوايانا، وأن يرزقنا على الدوام حب الإقبال عليه، ودوام الثناء عليه، وفي الآخرة لذة النظر إليه.
سلامة النية
وهكذا نجد هذه الحكمة: سلامة النية تحقق للمرء كل أمنية في الحياة الدنيوية والحياة الأُخروية.
الإنسان الذي يريد أن تتحقق له كل الأماني في الدنيا والآخرة يُصفي نفسه، ويسلم نيته لله، ولا يكون في قلبه شيء مطلقاً لأي أحد من خلق الله حتى ولو كان آذاه: " وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا " (22النور) كما طالب الله.
النبي صلى الله عليه وسلَّم سافر مع أصحابه في غزوة تبوك، وهي شمال السعودية وجنوب الأردن، وبينها وبين المدينة حوالي سبعمائة كيلومتر، وكانت في أشهر الحر، ولم ينضج المحصول، والمحصول الأساسي في المدينة كان التمر، وكانت في شدة شديدة.
وبعد أن مشوا ووصلوا هناك أعطاهم الحبيب درساً في سلامة النية في الحياة الأُخروية، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ }
يعني كانوا يتمنوا أن يكونوا معكم هنا ويحاربون، ولكن منهم من ليس معه إمكانيات، ومنهم من ليس معه ركوبة، ومنهم من ليس معه مال، ولكنهم كانوا يتمنوا ذلك، فأعطاهم الله الأجر كالذين ذهبوا تماماً بتمام.
وضرب لنا الله مثلاً للنية في الدنيا، فقال لنا: " وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا " (58الأعراف) إذا وجدت الخيرات، والخيرات مباركات في بلد، فإن هؤلاء الناس نواياهم صافية وطيبة.
صيام الست من شوال
وهناك مثال آخر للنوايا السيئة، فجاء الله لنا بقصة تُثبت ذلك، فقد كان رجل عنده بستانين، وكان عندما يجمع الزرع يرسل للفقراء ليأخذوا نصيبهم، وانتقل الرجل إلى جوار الله، فجمع ابنه الكبير إخوته، وقال لهم: هل يعجبكم ما كان يفعله أبوكم؟! لن نُعطي الفقراء شيئاً، ونحن أولى بذلك منهم، وقال لهم: إياكم أن يُخبر أحدٌ منكم أحدٌ منهم باليوم الذي نجمع فيه المحصول: " فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ " (23-24القلم).
فذهبوا وهم فرحين وسعداء، لكنهم فوجئوا أن الله عز وجل أرسل صاعقة من السماء نسفت الزرع كله، ولم يجدوا فيه قليلاً ولا كثيراً، فاعترفوا بذنبهم: " فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ " (26-28القلم) لولا التسبيح لكان شيئاً أكبر من ذلك.
فالنية الطيبة حتى في الدنيا قيل فيها: ((بنياتكم تُرزقون)) إن كانت الزوجة فهي رزق، وإن كان الأولاد فهم رزق، والزملاء في العمل رزق، والجوار في السكن رزق .. كل هذه الأرزاق كيف تعملها؟ ما عليك إلا أن تطهِّر النوايا، والله عز وجل يحقق لك ما ترجوه.
وهناك نية بالنسبة للصيام، هذه النية أعطاها لنا حضرة النبي تسهل لنا الأمر تسهيلاً عجيباً، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ }
والدهر يعني السنة، فيُكتب عند الله طول العام صائم، مع أنه يأكل ويشرب!، وأين هذه الأيام الست؟ من شوال و (من) للتبعيض، فليس شرطاً أن تكون متتالية، المهم أن يصومهم خلال شهر شوال ما عدا يوم العيد فيحرم فيه الصيام.
إذا صام هذه الأيام الست فيكون عند الله طوال العام صائم بنيته التي اتبع فيها الحبيب المصطفى.
وهنا تبرز نقطة لأخواتنا وزوجاتنا السيدات، فكثير منهن تأتيها الدورة الشهرية في شهر رمضان، صحيح أن الأئمة الكرام قالوا: لا مانع أن السيدة تأخذ حبوب منع الحمل قبل رمضان وتستمر حتى لا تأتيها الدورة في رمضان وتصوم رمضان كما ينبغي.
لكن يوجد بعضهن لا تستقيم لها هذه الحالة، وتضطر أن تفطر أيام الدورة، وهذه الأيام فريضة، وأيام شهر شوال نافلة أو سُنَّة، فما الذي تبدأ به أولاً؟ المفروض أن تقضي ما عليها أولاً من الفريضة، وبعد ذلك تبدأ في السُنَّة، لكن السادة الشافعية أئمة المذهب الشافعي رضي الله عنه، وأخذ برأيهم دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، ماذا قالوا؟ قالوا: لو أن السيدة نوت صيام يوم فريضة من التي عليها في شهر شوال، سقطت الفريضة، ويُحسب لها هذا اليوم هبة من عند الله من أيام شوال، لأنها صامته في أيام شوال.
فهل تعبت في شيء؟! لا، هي تصوم ما عليها من أيام رمضان، وفي نفس الوقت تأخذ الأجر والثواب لأيام شوال، بشرط أن تنوي الفريضة.
فإذا نوت صيام يوم من شوال لا يُسقط الفريضة لأنها سُنَّة، كما لو أنني دخلت المسجد قبل صلاة العشاء، فأنوي صلاة ركعتين سُنَّة العشاء، فآخذ معها أجر سُنَّة تحية المسجد، فأكون قد صليتُ ركعتين وأخذت ثواب أربعة.
ولو نويت سُنَّة العشاء وسُنَّة الوضوء وتحية المسجد، آخذ أجر ست ركعات في ركعتين، فالمهم في النية.
وإذا دخلت في صلاة العصر ولم أدرك سُنَّة العصر، قالوا: يجوز للإنسان أن ينوي صلاة العصر مع سنته، فالسُنَّة تندرج في الفريضة، فآخذ أجر الفريضة وآخذ أيضاً معها أجر سُنَّة لأنني نويت ذلك.
لكن لا يجوز أن أنوي سُنَّة ومعها وتحت جناحها الفريضة، فإذا نوت المرأة صيام يوم من شوال فيكون من شوال فقط، وإذا نوت صيام يوماً مما عليها إن كان في هذه السنة أو من أي سنة قبلها، فيسقط صيام هذا اليوم من رمضان ولا تطالب به، وتأخذ معه أجر صيام يوم من شهر شوال.
نسأل الله عز وجل أن يفقّهنا في ديننا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يُلهمنا حُسن النوايا على الدوام، وأن يرعانا برعايته على مدى الأيام.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

طهارة القلب

طهارة القلب
ما الفرق بين عبادة المؤمنين في هذا العصر، وعبادة الصحابة المباركين رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين؟
المؤمنون في هذا العصر يركزون على العبادات الشكلية، كالإكثار من الصلاة، والإكثار من الصيام، والإكثار من تلاوة القرآن والأذكار، ويظنون أن هذه هي الغاية العُظمى التي بها ينالون رضوان الله تبارك وتعالى.
أما السلف الصالح أجمعين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن بعدهم من الفقراء والعلماء العاملين، فكان أهم ما يعنيهم تطهير القلب وتصفيته.
إذا طهُر القلب وصفت النفس، فالعبادة بعد ذلك ولو كانت قليلة يكون لها عند الله مردود لا يعلم مداه إلا الله تبارك وتعالى، قال صلى الله عليه وسلَّم موصياً معاذ بن جبل رضي الله عنه:
{ أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ الْعَمَلُ الْقَلِيلُ }
أين موضع الإخلاص؟ الإخلاص في القلب، املأ القلب بالإخلاص، واملأه بالخشوع لله، واملأه بخشية الله والخوف من جلال الله وكبرياء الله، وبعد ذلك أي طاعة ولو صغيرة سيكون لها عند الله ما لا يعُد من الأجور، بل والمكرمات والدرجات والمقامات عند الله تبارك وتعالى.
الخوارج يركزون على العبادات الظاهرية، فهم أطول الناس ركوعاً وسجوداً وقياماً، وأكثرهم صياماً، وأكثرهم تلاوة للقرآن، فذهب منهم نفر إلى بيت أبي الدرداء يسألون زوجته عن عبادته، فأخبرتهم، فاستقلُّوا هذه العبادة، كيف يكون صحابي من صحابة رسول الله وتكون هذه عبادته، ونحن نعمل كذا وكذا وكذا؟! وبعد أن جاء أخبرته زوجته، فقال رضي الله عنه في تقريره لهذه الحقيقة: ((عجبتُ للحمقى كيف يعيبون على الأكياس نومهم وفطرهم؟! ولَذَرة من تقوى من عمل القلوب أفضل من أمثال الجبال عبادةً من المغترين)).
والأكياس الذين ذكرهم النبي وقال:
{ الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ }
يعني يزن الأمور ويتروى فيها.
ولذلك نأخذ أمثلة على هديهم في ذلك، ففي أيام رمضان يُقبل كثيرٌ من شباب المسلمين على الاعتكاف في المساجد، ويملأون المساجد بأواني الطعام ومواد الطعام، ويشغلون أنفسهم طوال اليوم في طهي الطعام، وفي الليل يتسامرون ويتحادثون، وقد يكون الناس في صلاة التهجد وهم نائمون بحجة أنهم معتكفون!.
لكن انظر إلى هدي السلف الصالح، كان سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما معتكف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وإذا برجل يعرفه يأتيه، وشكا له أن عليه دينٌ لفلان، وحان موعد سداد الدين وليس معه المال، وذهب إلى صاحب الدين ليطلب منه مهلة، ولكنه رفض، وطلب دينه، فنظر إليه ابن عباس وقال: أظنك تريدني أن أشفع لك عنده وأذهب لأكلمه؟ فسكت الرجل، فقام عبد الله بن عباس وأخذ حذاءه وتوجه نحو باب المسجد.
والمعتكف لا يخرج من المسجد إلا لضرورة، والضرورة هي قضاء الحاجة والوضوء، أو إحضار طعام، لكن لا يشيع جنازة، ولا يعود مريضاً، ولا يباشر النساء، فلا يخرج من المسجد إلا لضرورات.
فلما انتهى إلى باب المسجد قال الرجل: يا ابن عم رسول الله أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا، ولكني سمعتُ صاحب هذه الروضة والعهد به قريب - ودمعت عيناه - يقول:
{ لأِن يَمشيَ أحدُكُم معَ أخيهِ في قضاءِ حاجتِهِ أفضلُ من أن يعتَكِفَ في مَسجِدِي هَذَا شَهْرينِ }
من يمشي ليقضي مصلحة لمؤمن أفضل من اعتكاف شهرين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم!!.
هذا هو الفقه في دين الله الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، علموا علم اليقين بما علَّمهم سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم أن أعظم عبادة يتقرب بها المرء إلى الله تبارك وتعالى قضاء حوائج المسلمين، وهي أفضل من قيام الليل ومن صيام النهار ومن الإعتكاف.
ولذلك أَنظر بعجب للمسلمين في هذا الزمان الذين يظلون طوال العام ساهين لاهين، ويظنون أنهم في العشر الأواخر من رمضان إذا اجتهدوا في العبادة سيحظون بليلة القدر!.
لكن ما العبادة التي أعددتها للية القدر؟ نسأل الذين شاهدوا ليلة القدر: مالعبادة التي نالوا بها ليلة القدر؟ إطعام المساكين، والعطف على الأيتام، والبحث عن ذوي الحاجات، ومعاونة المرضى والعجزة ابتغاء وجه الله .. هذه هي العبادات التي يأخذ بها دعوة صالحة من هؤلاء تبلِّغه مناه.
أنت تريد أن يستجيب الله لك الدعاء، فهؤلاء الذين يستجيب الله لهم دعاءهم، فكونك تكرمهم لوجه الله ويدعو لك أحدهم دعوة فإن دعوته لا تُرد، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ السَّاعِي علَى الأرْمَلَةِ والمِسْكِينِ، كالْمُجاهِدِ في سَبيلِ اللَّهِ، أوِ القائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهارَ }
يأخذ درجة أعلى من هذه الدرجات جميعاً، ولذلك أول ما حرص عليه الإسلام أن يكون المسلمين يدهم في يد بعضهم، يتعاونون على البر والتقوى.
الذين يذهبون في رمضان ويدفعون ما لذ وطاب لأداء عمرة في رمضان، وقد يكون بجواره مسكينٌ لا يجد الكفاف، هل هذا ما أوصى به الدين؟! مع قوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ }
المهم أن تتنمَّى المشاعر بين المسلمين، ويرتقي الإحساس بين المؤمنين ليشعروا بمشاعر بعضهم، قال صلى الله عليه وسلم:
{ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى }
لم يقُل في صلاتهم ولا صيامهم، ولكن تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، فالذي يُقبل على قيام ليلة لعلها تكون ليلة القدر، وتصادف أن له جارٌ مسكينٌ يحتاج إلى مصلحة ضرورية، كأن يحتاج إلى من يصطحبه إلى طبيب ليداويه، أيهما أولى في ميزان الرجال؟ هل يصطفُّ بين يدي الله يركع ويسجد، أم يصحب هذا المسكين الذي لا عائل له ليأخذ بيده للشفاء؟!.
هذا هو الفارق بيننا وبين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولذلك كانت عبادتهم التي مدحهم عليها الله: " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " (9الحشر).
تذهب رأس كبش يوم عيد الأضحى لرجل فقير، فيجلس مع زوجته ويقول لها: يا أم فلان أنا أرى أن أخي في الله فلان أولى بهذه الرأس مني، فتقول له: اذهب إليه وأعطها له، والثاني نفس الأمر، فتدور الرأس على سبعة دور من دور الأنصار، وترجع للدار الأولى التي نالها صاحبها، ما هذا؟! هذا هو الإيثار: " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " (9الحشر).
حتى في ساعة مفارقة الحياة الدنيا، ففي غزوة من الغزوات العُظمى مع الروم بجوار دمشق، كان رجل يبحث عن ابن عمه فوجده جريح راقد، فسأله: هل تريد شيء؟ فأشار إليه أنه يريد ماء، فأسرع وأتى له بالماء، فوجد جريح آخر يشير من بعيد إلى الماء فقال له: اذهب له أولاً، فذهب للثاني، فوجد جريح ثالث ونائم على الأرض ويُشير إلى الماء، فقال الثاني: اذهب إليه أولاً، فذهب للثالث فوجده قد مات، فعاد للثاني فوجده مات، فرجع لإبن عمه فوجده مات!!، مات الثلاثة ولم يشربوا الماء، لكنهم فازوا بوسام الإيثار عند العزيز الغفار عز وجل.
إذا وصلنا إلى هذا الشأن وهذا الحال، فإن الله سيُغير حالنا إلى أحسن حال.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يُصلح قلوبنا، وأن يُذهب فساد نفوسنا، وأن يغيِّر حالنا إلى أصلح حال، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

فقه الأولويات

فقه الأولويات
البعض ربما يظنَّ أني لا أحبذ صلاة النوافل أو القيام بالنوافل والانشغال بمصالح الناس، لا، أنا أطلب من المسلم أن يتفقَّه في الدين ليعلم الأولويات، يُعرض عليه عملين في وقت واحد، أحدهما في مقام الفريضة، والآخر في مقام النافلة، فعليه أن يبدأ بالعمل الذي هو في مقام الفريضة.
مثلاً: إنسان نوى أن يُصلي التراويح والتهجد في أحد ليالي رمضان، وأبوه أو أمه طلبا منه أن يحضر في هذه الليلة لأمر ضروري وهام، فهل يقول لهما: لن أستطيع لأني سأذهب اليوم لصلاة التراويح والتهجد؟! فماذا حكم هذا؟ تلبية نداء الأب أو الأُم فريضة، وهذه الصلوات كلها نافلة، والأوْلى الفريضة.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حكى لنا قصة حدثت في أيام سيدنا موسى فقال:
{ كَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي }
أنطق الله الغلام وهو في المهد وقال: أنا ابن فلان الراعي، فنجاه الله، لكن الشاهد أن الله استجاب لدعوة الأم؛ أن يرى وجوه المومسات، فدعوة الأب والأُم مجابة على الفور، ولا تُردُّ، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ }
وعكسه رجل آخر آمن برسول الله، وكان في بلاد اليمن، وأمه ليس لها غيره، يقول لها: أريد أن أذهب لأرى النبي، فتقول له: ولمن تتركني وليس لي أحدٌ غيرك؟ فيبقى.
وظل هكذا حتى انتقل حضرة النبي ولم يرهُ بعينيه، لكن حضرة النبي حدَّث عنه، فقال لأصحابه:
{ يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ }
وفي رواية أخرى:
{ إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللَّهَ عزوجل فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّرْهَمِ فِي سُرَّتِهِ }
وقال:
{ لَيَشْفَعَنَّ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي لأَكَثْرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَمِنْ مُضَرَ، وَإِنَّهُ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ }
لماذا؟ لأنه وازن بين هذه، وبين تلك، فالمؤمن لا بد أن يوازن في هذه الأمور، أنت خارج اليوم لتُصلي التراويح أو التهجد، وحدثت معركة بين الجيران، فهل تطفئ هذه النيران أم تذهب لتُصلي وتقول: لا شأن لي؟! إذا فعلت ذلك فالصلاة كلها لن تكون مقبولة عند الله تبارك وتعالى، لأن الأوْلى أن تطفئ هذه النار الموجودة.
وإذا أطفأتها وبقيت معهم وصالحتهم، فإن حضرة النبي يُبشرك ويقول لك:
{ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ }
وفي رواية أخرى:
{ هِيَ الْحَالِقَةُ, لا أَقُولُ: هي تَحْلِقُ الشَّعَرَ, وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ }
والصلاة والصيام والصدقة هنا يعني النافلة.
ليلة القدر في مفهوم كثير من الناس أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وأنت تريد أن تحيي هذه الليلة، وعرفت أن بين أخويك مشكلة، وليست عندك فرصة لتجمعهم قبل العيد إلا في هذه الليلة لتصلحهما، فما الأوْلى؟ أن أُصلح هذان الإثنان على بعضهما، وهذا عمل المسلم، لأننا ولو كنا في صلاة الجمعة، وحدثت أزمة صحية لأحد المصلين، فالأوْلى أن نترك الجمعة ونصليها ظهر، ونأخذ هذا الرجل ونذهب به إلى المستشفى.
أو حدث حريق، فالأوْلى أن نترك المسجد ونذهب لنطفئ الحريق، وبعدها نصلي الظهر.
هذه اسمها أولويات، ولا بد للمؤمن أن يتفقه في الدين، ليعرف هذه الأولويات، حتى يُكرم عند رب العالمين سبحانه وتعالى.
الإمام التُرمذي رضي الله عنه، وهو أول رجلٍ تكلم في علم الولاية في الإسلام، عندما كان عمره سبع سنين حفظ القرآن مع رفاقه في تُرمذ، وتُرمذ مدينة صغيرة في بلاد تركمانستان في جمهوريات روسيا الإسلامية.
فقال له رفاقه: هيا نذهب لنيسابور ففيها علماء كبار لنتعلم منهم، فقال لهم: أستأذن أمي لأنها ليس لها غيري، فقال لها: يا أمي أريد أن أذهب مع هؤلاء لأطلب العلم، فقالت له: ولمن تتركني؟!.
فذهب زملاؤه، وحزن، ومن شدة حُزنه كان يذهب للمقابر ويبكي، وفي ذات يوم وجد رجلاً وقال له: لماذا أنت حزين؟ فحكى له، فقال: تعالى وأنا أُعلمك العلم الذي سيتعلموه وزيادة، عليك أن تأتيني كل يوم في مثل هذا الميعاد وأنا أجلس معك لأُعلمك.
ومكث معه خمس سنين، يأتيه كل يوم ويعلمه، وبعد الخمس سنين قال له: أصبحت عالماً، ثم قال له: هل تعرف من أنا؟ قال: لا، قال: أنا الخِضْر، وأمرني الله أن آتي لأُعلمك لبرك بأمك!!.
أين شباب هذه الأيام ليعرف هذه الأمور؟!!.
نسأل الله عز وجل أن يزيدنا فقهاً في ديننا، وأن يزيدنا فقهاً في فقه الأولويات، وأن يدلنا على ما هو الأنفع والأرفع لنا عند الله، حتى نكون من الفقهاء الحكماء العلماء.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up