Advanced search

صيام الأتقياء

صيام الأتقياء

صيام الأتقياء

Read book
  • Series title

    الدين والحياة

  • Publish date

    16 - سبتمبر - 2015

  • Pages number

    256

  • Edition number

    الطبعة الأولى

  • Downloads

    814

  • Download code

    Not found
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

صيام الأتقياء

نبذة عن الكتاب

وفقنا الله عزوجل للإجابة على جمٍ غفير من الأسئلة التي طرحها الإخوة الأجلاء، وإن كنا ألحقناها بأبوابها تتميماً للفائدة عن شهر رمضان المبارك وأحكام الصيام
وجعلنا ذلك كله في هذا السفر الجليل المبارك، الذي يُعَد موسوعة جامعة لكل ما يتعلق بشهر رمضان، والصيام وأحكامه، وأيامه الجليلة، ومناسباته، وإشارات العارفين والصالحين، وسميناه (صيام الأتقياء)

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، مفيض الفضل والجود والإكرام .. خزائن جوده لو أظهر بعض ما فيها يُغني جميع الأنام من بدء الدنيا إلى يوم الزحام .. وهو القائل في حديثه القدسي - مشيراً إلى هذا المقام:
( يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ )
والصلاة والسلام على الشفيع الأعظم لجميع الأنام، سيدنا محمد وآله بدور التمام، وأصحابه نجوم الظلام، وكل من اهتدى بهديه، وسار على سُنَّته،
ومشى على شريعته ودام ... وبعد ..
قال صلى الله عليه وسلم:
( مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا )
وقد رزقنا الله عزَّ وجلَّ بإخوة فضلاء ينطبق عليهم الوصف الأول من الحديث،
فهم بحمد الله تعالى لا يكلُّون ولا يملُّون من طلب العلم ... فمع أننا أخرجنا لهم فيما يتعلق بشهر رمضان وفضائله، وأيامه المباركة، ولياليه الفاضلة، كتاب:
((الخطب الإلهامية لشهر رمضان))
وأخرجنا لهم أيضاً أحكام الصيام الشرعية، وفتاويه العصرية ومسائله الطبية، وإلهاماته الحقية على قلوب العارفين الحكماء الربانيين في كتابنا:
((الصيام شريعة وحقيقة))
إلا أنهم - ولشوقهم الزائد إلى العلم - ألحُّوا علينا هذا العام أن نجمع لهم كل شيء يتعلق بشهر رمضان، وما يتعلق به من أحاديثنا ولقاءاتنا، وما أفاض الله تعالى علينا بخصوص هذا الشهر المبارك - فأعاننا الله تعالى وجمعنا أحاديثنا مما يتعلق:
- بـ (شهر رمضان)، وأحكام الصيام، والفتاوي الطبية العصرية.
- مع شرح (الآيات القرآنية) المتعلقة بأحكام الصيام.
- والتعرض لـ (غزوة بدر الكبرى) - وما فيها من تأييدات إلهية، وإشارات سلوكية، لمن يقتدي بهذه الثلة المباركة من أصحاب الحبيب المختار - وذلك في ثنايا شرح آيات سورة الأنفال التي تعرضت لهذه الأحداث المباركة.
- كما عرجَّنا أيضاً على (صلح الحديبية)، وما فيه من ألطاف خفية، وتوفيقات ربانية من الله عزَّ وجلَّ لحبيبه صلى الله عليه وسلم – و (فتح مكة) وإظهاره لجمال الاخلاق المحمدية، وكمال العناية الربانية للمسلمين.
- هذا بالإضافة إلى عرضنا بأسلوب سهل وبسيط لـ (نوافل العبادات الخاصة بشهر الصيام)، والتي يلزم للصائم الحق معرفتها، والقيام بها للفوز بثوابها وأجرها وفتحها.
- وقد وفقنا الله عزَّ وجلَّ أيضاً على (الإجابة على جمٍّ غفير من الأسئلة) التي طرحها الإخوة الأجلاء - وإن كنا ألحقناها بأبوابها تتميماً للفائدة.
وجعلنا ذلك كله في هذا السفر الجليل المبارك، الذي يُعَدُّ موسوعة جامعة لكل ما يتعلق بشهر رمضان، والصيام وأحكامه، وأيامه الجليلة، ومناسباته، وإشارات العارفين والصالحين، وسميناه:
(( صيام الأتقياء ))
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجازي خير الجزاء كل مَن كتبه، وخرَّج آياته وأحاديثه،
أو صححه ووثَّقه، أو ساهم في إعداده ونشره ... وأن يجعل جزاء ذلك بأن يتفضل عليهم بالنظر إلى جميل وجهه عزَّ وجلَّ، ومرافقة الحبيب المختار، وأصحابه الأخيار في دار القرار.
كما نسأله عزَّ وجلَّ أن ينفع به كل مَن قرأه، أو نشره، ويوفق الجميع للعمل بما فيه .. ربنا تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت العزيز الحكيم
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الجميزة – غربية - مساء الأربعاء الموافق ...
الثاني من شهر ذي الحجة 1436هـ، 16 من سبتمبر 2015م

الصيام وتوحيد الأُمَّة

السؤال الأول: كيف تتوَّحد الأمة الإسلامية بالصيام؟
--------------
الصيام عبادة إلهية تدعو للتوحيد؛ فتجمع أفراد الأسرة كلها في وقتٍ واحد، على طعامٍ واحد، وتجعل المسلمين في البلد أو البلاد التي تشترك في رؤية الهلال يصومون في وقتٍ واحد، ويفطرون في وقتٍ واحد، ويتسحرون في وقتٍ واحد .. فهذا أكبر حافز على توحيد الوجهة - أولاً - لله، وعلى توحيد الأعمال إن كانت للدنيا أو للآخرة.
فالصيام في كُنهه أو في ذاته دعوة إلى توحيد القصد .. لأنه لله، ودعوة إلى توحيد العمل وهذا هو الذي يقول فيه الله:
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ  (103آل عمران)
وتحت هذا المضمار دعت طائفة من علماء الأمة إلى توحيد المطالع في كل الأمة الإسلامية من حيث أن البلاد الإسلامية المشتركة في جزءٍ من النهار وجزء من الليل يصومون كلهم في وقتٍ واحد.
ورأى البعض أن لكل أهل بلدٍ مطلعهم ويصومون عليه ويفطرون عليه وهذا لا يتنافي مع ذاك، فاختلافهم سعة ورحمة على الأمة الإسلامية جمعاء.

إخراج الشحناء والبغضاء

السؤال الثاني: كيف أُخرج الشحناء والبغضاء من قلبي في شهر رمضان؟
-------------
بالنسبة لإخراج الشحناء والبغضاء ينبغي أن يكون في رمضان وفي غير رمضان، لأن الله عزَّ وجلَّ اشترط لمن يُقبل عليه أن يكون قلبه سليماً، وقال في الخليل إبراهيم:
 إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  (84الصافات)
و (سليم): يعني خالٍ من الحقد والحسد والبُغض والكُره والشُّح، وكل الصفات الذميمة التي يبغضها الله، والتي نوَّه عنها عندنا كتاب الله، والتي حثَّ على التخلص منها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الله عزَّ وجلَّ في الأمر العام:
 إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  (89الشعراء)
فيكون شرط قبول الأعمال - إن كان صياماً أو قياماً أو صلاةً أو حجًّا أو أي عمل - أن يكون قلب المسلم سليماً من العلل والأمراض النفسية، والحظوظ والأهواء الشيطانية، التي تباعد بينه وبين إخوانه المسلمين.
يجب أن تكون بينه وبين المسلمين أُلفة ومودَّة، ورحمة وحب، وهذا المبدأ العام الذي يجب أن يكون عليه المسلم على الدوام، قال صلى الله عليه وسلم:
( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ )
وفي رواية أخرى عندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
( كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ )
والحديث هنا فسَّر النقاء أنه ليس فيه حقدٌ ولا حسدٌ ولا غلٌّ لأحدٍ من المسلمين، وقال الله تعالى في شروط الأخوة الإسلامية:  وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ  إذا تمَّ ذلك .. وصلوا إلى درجة:  إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ  (47الحجر) ... نسأل الله أن يبلغنا هذا المقام أجمعين.

نوم الصائم عبادة

السؤال الثالث: ما معني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ) ؟
-----------
إذا نام الصائم في النهار ليستعين بالنوم على قيام الليل أو على الإستيقاظ للسحور وصلاة الفجر، فهذا النوم عبادة، قال صلى الله عليه وسلم آمراً لنا:
( اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى الْقِيَامِ )
ووقت القيلولة: هو وقت حَرِّ الظهيرة، فإذا نام الصائم ليستعين بذلك على صلاة القيام وصلاة التهجد في العشر الأواخر، أو على التسحر - والسحور بركة - أو على صلاة الفجر، فيُصبح نومه هنا نوم عبادة، نومٌ يُكتب له عبادة مقبولة عند الله عزَّ وجلَّ.
لكن نوم الصائم طوال اليوم ليضيِّع وقت الصيام، فهل هذا يكون عبادة لله؟! لا، ولذلك كرَّه الأئمة أن يقضي الصائم نهاره كله نائماً، لأنه لن يشعر بمشقة ولا ألم ولا تعب، فما فائدة الصيام إذاً؟!.
لكن النوم الذي هو عبادة - هو النوم الذي له غاية، وهو أن نستعين به على قيام الليل، أو قيام السحور، أو أى عمل صالح مبرور لله عزَّ وجلَّ .. نفرض أنه يعمل في وردية بالليل في مصنع أو ما شابه، وينام بالنهار ليعمل بالليل .. فهو في عبادة أيضاً، وأي إنسان يعمل بالليل ويحتاج أن ينام قليلاً بالنهار لسيتطيع القيام بالعمل المكلف به في الليل فهو أيضاً في عبادة.
النوم الوحيد الذي ليس بعبادة للباطل أو العاطل الذي يُحاول أن يضيِّع أوقات النهار بالنوم حتى لا يشعر بألم الجوع ولا العطش، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يُنتقص فيه أجر الصيام، لأنه لا يصوم كما كان يصوم الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

الرحمة والمغفرة والعتق من النار

السؤال الرابع: قال صلى الله عليه وسلم عن شهر رمضان: ( وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ ) ... ما الفرق بين من يحصل على الرحمة والمغفرة والعتق من النار؟ وما صفات كل صنفٍ منها؟
-----------------
باختصارٍ شديد: أن في شهر رمضان أوكازيون من الله عزَّ وجلَّ لعباده الصالحين، ففي العشر الأوائل يكون أوكازيون الرحمة في بضاعة الرحمة، والرحمة لأن الله عزَّ وجلَّ إذا كانت أول ليلة من رمضان نظر إلى عباده، ومن نظر الله إليه لم يُعذبه أبداً، قال صلى الله عليه وسلم:
( فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا )
لم يعذبه بالجوع ولا بالعطش، لأن الله يفتح أبواب الجنة للصائمين فينزل منها الرَّوح والريحان فيُلطِّف أحوال الصائمين، ولذلك يجد الإنسان من إعانة الله على الصيام في رمضان ما لا يجده في غير رمضان، وبمجرد ما ينتهي رمضان ونبدأ في شوال، نجد الإجهاد والمشقة والتعب، لأن الله عزَّ وجلَّ يقول:
( يَا رَضْوَانُ، افْتَحْ أَبْوَابَ الْجِنَانِ. وَيَا مَالِكُ، أَغْلِقْ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ عَلَى الصَّائِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. وَيَا جِبْرِيلُ، اهْبِطْ إِلَى الأَرْضِ فاصْفِدْ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ، وَغُلَّهُمْ بالأَغْلالِ، ثُمَّ اقْذِفْهُمْ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ حَتَّى لا يُفْسِدُوا عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ حَبِيبِي صِيَامَهُمْ )
تُفتح أبواب الجنان فينزل منها الروح والريحان على الصائمين، فتجد نوايا الخير، وتجد الرغبة في عمل البر تزيد، وتجد المعونة من الله فلا يُحس بتعبٍ ولا عناء كأنه أصبح من أهل الجنة، وكأنه أصبح يُردد قول الله:
 الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ  (4:فاطر)
فيكون حاله كحال أهل الجنة، فكله في أوله رحمة.
وفي أوسطه يفتح الله عزَّ وجلَّ أبواب المغفرة للصائمين، فإذا أحسنَّا النيَّة في الصيام، وإذا واظبنا على صلاة القيام، وإذا تنافسنا في إفطار الصائمين، وإذا أحيينا الليالي الوترية في العشر طمعاً في ليلة القدر ... كل هذه الأعمال تُبلِّغ المغفرة عند الله عزَّ وجلَّ.
وفيه بفضل الله عزَّ وجلَّ أيضاً عروضٌ إلهية في هذا الأوكازيون الرباني للعتق من النار؛ فمن أراد أن يعتقه الله من النار فهناك أعمالٌ مُيسَّرة ذكرها الحبيب المختار صلى الله عليه وسلم، ومن جملتها إفطار الصائمين، فهذا يُبلِّغ الإنسان العتق من النار.
ومن جملتها إنزال الملائكة لحضور صلاة القيام فيسعد إذا صفا قلبه وخشع فؤاده لله وتمسَّه الملائكة بأجنحتها وقد قال فيهم صلى الله عليه وسلم:
( فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا )
ناهيك إذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ بليلة القدر، وفضلاً عما فيها من عظيم الثواب والأجر، فإن فيها قدراً كريماً من الرتب الإلهية والمقامات الربانية والنياشين الجنانية يوزِّعها رب البرية والحضرة المحمدية والملائكة القدسية على أهلها في الليلة المباركة للأتقياء الأنقياء من أمة محمد ... ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون منهم أجمعين.

خصوصية الصيام في الأجر والثواب

السؤال الخامس: ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْف، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: " إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ") ، أليست كل الأعمال يجازي الله بها عباده؟
------------
وضع الله عزَّ وجلَّ قانوناً للثواب، وهذا القانون وهذه اللائحة أعطاها للملائكة الكرام الكاتبين، من جملتها:
 مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  (160الأنعام)
ومن جملتها الصلاة، فهم خمسٌ في العمل وخمسون في الأجر والثواب، واللائحة هكذا، تصلي الصلاة تُكتب عشرة، واللائحة في رمضان بيَّنها النبي العدنان فقال صلى الله عليه وسلم:
( وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ )
إذاً فالفريضة في رمضان بسبعمائة في الأجر والثواب، لكنها لا تسقط السبعمائة فريضة من الصلوات المفروضة، لأنه قد يقول قائل: أنا أصلي في رمضان وتُسقط عني الفرائض التي تركتها!! .. لا، إنها لا تُسقط الفرائض المتروكة ولكنها تعدل سبعمائة في الأجر والثواب من الفريضة في غير رمضان.
وكذلك قال صلى الله عليه وسلم:
( إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي )
وهذا أيضاً في الأجر والثواب، لكن لا تُسقط الفريضة حتى ولو عمل خمسمائة عمرة في رمضان، لأنها فريضة والأخرى نافلة، قال تعالى:
 مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 
(261البقرة)
كل هذه قواعد للأجر والثواب وضعها الله عزَّ وجلَّ مع الكرام الكاتبين ليحددوا أجور الأعمال،كما قال صلى الله عليه وسلم:
( عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ )
فيضعوا له الأجر حسب اللائحة الكاملة مع هؤلاء الكرام ... إلا الصوم: لم يضعه الله عزَّ وجلَّ في هذه اللائحة!! .. فما أجره؟ ... شيء من إثنين:
أولاً: إذا كان يعمل للأجر وللثواب وللجنة، فيُرفع الأجر إلى الله وهو الذي يضع الأجر بذاته العلية على قدر نواياه.
ثانياً: إذا كان ينوي بصيامه وجه الله، فتكون الجنة بما فيها ومن فيها لا تعادل أجر يومٍ في الصيام، وإنما أجره وجه الله، وجمال الله، وكمال الله، والحظوات العُظمى يوم لقاء الله عزَّ وجلَّ؛ من المؤانسات، والمشافهات، والمكافحات، والنظرات .. التي يقول فيها الرجل الصالح مخاطباً مولاه:
فنظرة منك يا سؤلي ويا أملي
أشهى عليَّ من الدنيا وما فيها

إذاً الأجر والثواب الذي يضعه هو الكريم الوهاب، ولذلك يتعلق أجر الصيام إلى صلاة العيد ليُرفع الملف كله ليُعرض على الله عزَّ وجلَّ ، ويجعل فيه ثوابه، ولا يُرفع إلا إذا أخرجنا زكاة الفطر.
هناك باب في السماء لقبول الأعمال، وباب لنزول الأرزاق لكل عبد، فإذا رُفع للعبد الصائم ملف الصيام لا تُفتَّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يُخرج زكاة الفطر، قال صلى الله عليه وسلم:
( إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا يُرْفَعُ إِلا بِزَكَاةِ الْفِطْرِ )
يُرفع لمن؟ .. لمالك المُلك عزَّ وجلَّ ليُحدد لصاحبه أجره وثوابه الذي يرجوه عند الله عزَّ وجلَّ.

حُكم مَنْ مَاتَ في رمضان

السؤال السادس: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَاب، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَاب، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ) ... فهل كل من يموت في رمضان لا يدخل النار؟
--------------
من يموت في رمضان أمره مُفوَّضٌ إلى الله بحسب خاتمته ... ألا يموت في رمضان كُفَّار؟! .. ألا يموت في رمضان أشرار؟! .. ألا يموت في رمضان فُجار؟! ... هل هؤلاء لا يدخلون النار؟! يدخلون ... لكن أبواب النار غُلِّقت أمام المؤمنين الصالحين، لكنها مفتوحة للآخرين فلا تُغلق أبداً.
فالخاتمة لا يعلمها إلا ربُّ العزَّة عزَّ وجلَّ، وإن كان لها علامات؛ فمن مات في رمضان صائماً أو قائماً أو تالياً لكتاب الله، وأدَّى ما عليه من حقوق لله، وليس عليه حقوقٌ يطالبه بها خلق الله، وزادُه حلالٌ يُصلح به عمله الذي يرفعه إلى مولاه ... فإنا نعدُّ هذا من أولياء الله الذين يقول فيهم الله:
 الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  (32النحل).
لكن الصائم الذي يصوم في رمضان، ويفطر على الحرام؛ على لقمة حرام من غشٍّ أو سرقة أو خداع أوغيره، فإنه يدخل في قول الحبيب صلى الله عليه وسلم:
( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ )
ليس صائماً على الحقيقة!! .. والصائم الذي يقضي صيامه طوال رمضان في الغيبة والنميمة، والقيل والقال، والسب والشتم واللعن، يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
( خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ، وَيَنْقُضْنَ الْوُضُوءَ: الْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالْكَذِبُ، وَالنَّظَرُ بِالشَّهْوَةِ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ )
فمن الصائم الذي نضمن له الجنة؟ .. الذي ذكرتُ أوصافه ... نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون أجمعين من الصائمين الذين يتقبلهم الله بقبول حسن في الدنيا، ويرفع شأنهم يوم الدين آمين.

هِمَّة الصائم في رمضان

السؤال السابع: نكون في بداية رمضان في حالة نشاطٍ كبير، ومع مرور الأيام تخفت الهمة وتضعف، فكيف أحافظ على همتي عالية؟
------------
الذي يحافظ على الهمة: الرغبة العالية، والآمال الرفيعة في الحياة الباقية .. فما الذي يجعل ابني يذاكر من أول العام لآخره، والسنة النهائية كالسنة الأولى في الكلية؟!! الرغبة في أن يكون معيداً، ثم دكتوراً في الجامعة .. لكن من يريد أن ينهي الجامعة ويخرج، هل يزيد عن مقبول؟ لا، ويأخذ السنة بسنتين فلا يهمه.
فما الذي يجعل رغبة الإنسان عالية في طاعة الله؟ .. لا بد للإنسان أن يصاحب الصالحين ليزيدوه رغبةً فيما عند رب العالمين، فيُعلي همَّته، ويُعلي رغبته، فهذا الذي يجعل أول الشهر مثل آخر الشهر .. بل إن الدهر كله كأى يومٍ في الشهر، فرمضان كغير رمضان بالنسبة للصالحين .. لماذا؟ .. لأنه وطَّن نفسه!! قال صلى الله عليه وسلم:
( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ )
فلا يفرح إلا إذا تمتع بوجه ربه، مادام لم ينل هذه الأمنية فحياته كلها مشغولة بالطاعة والتقوى لرب البرية، مقتدياً فيها بالحضرة المحمدية.
متى يفتر؟ إذا نال ما يتمناه، وحظي بوجه الله جل في علاه، وهذا الذي يقول فيه الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
وما صام إلا عن سوى ما يحبه
كذلك عبد الذات في القرب طامعُ

فهناك صيامٌ آخر غير الصيام عن الطعام والشراب!! .. فمن يصوم عن الأغيار، ومن يصوم صيام الأخيار .. ومن يصوم حتى عمَّا كُشف له من الأسرار .. ومن يصوم عمَّا واجهوه من المشاهدات ويريد وجه الله عزَّ وجلَّ بالذات!! ... فعُلو الهمة قال فيه الإمام عليٌّ رضي الله عنه: ((عُلُو الهمَّة مِنْ الإِيمَان)) .. لأنه يدفع الإنسان، ويُشوِّق الإنسان إلى هذه المقامات العالية.

توحيد المسلمين في العبادة

السؤال الثامن: ما الحكمة من أن الله  يجمع المسلمين في عبادة واحدة في توقيتٍ واحدٍ كل عام؟
الله عزَّ وجلَّ يجمع المسلمين في عبادات شتَّى واحدة، فيجمعنا جميعاً في الصلاة، مع اختلاف التوقيتات، لكننا كلنا نجتمع معاً مع صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء .. ويجمعنا جميعاً في مكانٍ واحد لأداء مناسك الحج .. ويجمعنا جميعاً في شهر رمضان أيضاً مع اختلاف المطالع - فنحن الآن مفطرين، وإخواننا في أمريكا الآن في بداية الصيام، لأن الليل عندنا يكون نهاراً عندهم .. فالجمع هنا جمع عبادة وليس الجمع على التوقيت.
فالله عزَّ وجلَّ جمعنا على الصلوات، وعلى الحج، وعلى الصيام، لأن أمر هذه الأمة يجب أن يكون على الجمع على الدوام، عملاً بقول الله عزَّ وجلَّ:
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ  (103آل عمران)

مضاعفة الأجور في رمضان

السؤال التاسع: لِمَ ضاعف الله عزَّ وجلَّ الأجور في رمضان وجعل الفرض بسبعين؟
-----------
دائماً العيد يكون فيه نفحات، وفيه هبات، وفيه عطاءات، فأكرم الله عزَّ وجلَّ المؤمنين أجمعين في شهر القرآن بأن جعل لهذا الشهر خصوصية في الثواب الذي يتفضل به علينا حضرة الرحمن عزَّ وجلَّ.
حتى أن الرجل منا لا يستطيع الأولون ولا الآخرون، حتى ملائكة الله أن يحسِبُوا ما له من ثواب في شهر رمضان واحدٍ يصومه لله عزَّ وجلَّ.
رُوي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ.
قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ. فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ:
(مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً "، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: " وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
مع قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)
ولكن لأنه صام بعده شهر رمضان ارتفع فوقه هذه المنزلة العالية في الجنان، لأن شهر رمضان يجعل الله عزَّ وجلَّ المؤمنين فيه في ضيافة الله، والأجور الإضافية الربانية هي التي تعمل في هذا الشهر، فالكل يأخذ أجراً إضافياً.
وكما ذكرنا من قبل أن الصلاة في غير رمضان بعشر، والفريضة في رمضان بسبعين فريضة فيما سواه، يعني بسبعمائة، والنافلة بفريضة فيما سواه، فكلنا نأكل ولكن الله عزَّ وجلَّ جعل الضيافة في هذا الشهر على نفقة رب العزِّة عزَّ وجلَّ مع أنه يُنفق علينا عزَّ وجلَّ على الدوام، فقال صلى الله عليه وسلم:
(انْبَسِطُوا فِي النَّفَقَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَإنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
وروى في ذلك عن عمر رضي الله عنه قوله:
(( إِذَا حَضَرَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَالنَّفَقَةُ فِيهِ عَلَيْكَ وَعَلٰى مَنْ تَعُولُ كَالنَّفَقَةِ في سَبِيل اللَّهِ تَعَالٰى، يَعْنِي الدرْهَمَ بِسَبْعِمَائَةٍ))
فالفطور الذي تشتريه لهم، والسحور الذي تُحضره لأولادك يحاسبك عليه الدرهم بسبعمائة، بشرط أن لا يكون هناك إسرافٌ ولا مباهاة، فلو وُجد الإسراف تُمنع، ولو وجدت مباهاة ورياء فليس لك أجرٌ في هذا العمل، قال صلى الله عليه وسلم:
( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلا مَخِيلَةٍ )
فتكون النفقة على الأولاد كالنفقة في سبيل الله الدرهم بسبعمائة درهم.
إذا نمت في نهار رمضان لتستعين على قيام الليل أو على السحور، فـنومك عبادة، وإذا جلستَ ولم تتحدَّث مع أحد لكن كففت لسانك عن الإساءة إلى أحد، فصمتك تسبيح، قال صلى الله عليه وسلم:
(نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ، وَسُكُوتُهُ تَسْبِيحٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ، وَعَمَلُهُ مُتَقَبَّلٌ)
في كل ليلة يصطفي الله عزَّ وجلَّ ما يشاء من خلقه، تُحرِّر بهم الملائكة كشوفاً وتُعرض في الصحف المطهرة، وكل واحدٍ منهم قرين اسمه: "عتيقٌ من النار"!! ... قال صلى الله عليه وسلم:
( لِلَّهِ عزَّ وجلَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الإِفْطَارِ أَلْفُ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَعْتَقَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْهَا أَلْفَ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبَ الْعَذَابَ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَعْتَقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ )
فإذا وُفِّق المرء في العشر الأواخر من رمضان، وصلَّى العشاء في جماعة، والصبح في جماعة فقد أحيا ليلة القدر، وحُرِّر له شيكٌ عند الله عزَّ وجلَّ من الأجر بأنه عَبَدَ الله عزَّ وجلَّ عبادةً خيراً من ألف شهر، ونال عبادة ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر.
فلو داوم على ذلك - مثلاً خمسين سنة - ولقي الله عزَّ وجلَّ، وذهبنا لمكتب الصحة لنُخرج له شهادة الوفاة .. فيقول مكتب الصحة: عنده مثلاً سبعين سنة، فيقول مكتب الصحة الإلهي: عنده أربعة آلاف وسبعين سنة!! ... لماذا؟ .. لأن ليلة القدر الخير فيها خيرٌ من ألف شهر.
ما لايُعدُّ ولا يُحصى ولا يُحدُّ من الأسرار والأنوار في رمضان، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:
( لَوْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ مَا رَمَضَانُ لَتَمَنَّتْ أُمَّتِي أَنْ يَكُونَ السَّنَةَ كُلَّهَا )

روحانية المسلم في رمضان

السؤال العاشر: هل من المفروض أن يختلف حال المسلم في رمضان عن غيره في باقي الشهور؟ أم أن المسلم لا يتغير حاله مع الله؟
أم أن الله يُعطي خصوصية روحية للمسلم في رمضان؟
--------------
المسلم صنفان:
الصنف الأول: صنفٌ يقوى حاله - مع الطاعات والدعاء والعبادات - حسب الوقت أو المكان، فإذا كان وقتاً كوقت الجمعة، أو رمضان، أو وقت عرفة يكون الحال عنده أقوى وأتمُّ ... وإذا كان في مكانٍ مبارك كالبيت الحرام، أو في روضة الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، أو في إحدي روضات الصالحين العظام، فيكون حاله أتمُّ، وهذا يكون حال أهل البداية؛ يقوى حاله مع الوقت أو مع المكان.
الصنف الثاني: إذا ارتقى إلى مقام الإيقان؛ أصبح يستوي عنده المكان والزمان، لأنه مع الله عزَّ وجلَّ – والله عزَّ وجلَّ لا يحيزه زمانٌ ولا مكان - فيكون مع الله على الدوام؛ في اليقظة وفي المنام، وفي الحلِّ وفي الترحال، وفي الليل وفي النهار، وفي مكة أم القرى وفي أى قرية من قرى الله، لأنه مع الله جلَّ في عُلاه، وليس مع زمان أو مكانٍ خلقه الله جلَّ في علاه ... وهذه الحالة أرقى وأتقى لمن وصل إلى هذا المقام. نسأل الله عز وجل أن يبلغنا هذا المقام أجمعين.

الصيام والأمراض النفسية

السؤال الحادي عشر: هل يساعد الصيام على الشفاء من بعض الأمراض النفسية؟
لو رجعنا إلى قاموس الطب البدني، والطب النفسي؛ نجد أمراضًا لا نستطيع عدَّها يشفي منها الصيام، فالصيام يُكسب الإنسان الصبر، والصبر ملكة نفسية تداوي كل الأحوال التي تصيب الإنسان في نفسه، من الجزع والهلع والتوتر والانفعال ... كل هذه الأشياء علاجها في الصبر، وقد قال صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر:
{ وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ }
والصيام محققًا يشفي من الأمراض النفسية، لأنه يكسب الإنسان ثقة في نفسه، ومودة مع ربه، وصفاء مع إخوانه المؤمنين، ورغبة في فعل الخير في كل وقت وحين، فيجعله صحيحًا نفسيًا، ويحقق التوازن النفسي، والتوازن النفسي هو العامل الأساسي لإصلاح أي فرد في كل زمان ومكان، قال الله تعالى:
 قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ  (57يونس)
وما الذي في الصدور؟ ... الأمراض النفسية، وليس الأمراض الجسمانية، أما الأمراض الجسمانية فيكفي فيها قول الحبيب صلى الله عليه وسلم:
( صُومُوا تَصِحُّوا )
وقد أجمع الأطباء أن الله عزَّ وجلَّ جمع الطب كله في قوله:
 وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ  (31:الأعرف)
ومن العجائب أن الألمان والأمريكان يكتبون على مقدمة مستشفياتهم يقول الحكيم العربي - ولا يقولون النبي: ((نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع)) .. حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم.
فالصوم على التحقيق يشفي من الأمراض النفسية، والأمراض الجسمانية، والأمراض العصبية، والأمراض الظاهرية، والباطنية كلها، يشفيها الصيام لأنه طاعة لله على منهج حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم.

معنى (وأنا أجزي به

السؤال الثاني عشر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالي: ) كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) ...
ما معنى: (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)؟
-------------
كتاب الحديث المقرر في الأزهر الشريف واسمه (شرح الزبيدي) يشرح هذا الحديث فيقول: ومن معاني هذا الكلام ما قاله بعض العارفين: أن الله عزَّ وجلَّ هو الجزاء للصائم، أي أن جزاء الصائم أن ينظر إلي جمالات الله، وإلي كمالات الله، وإلي جلال الله، وإلي كبرياء الله .. بالكيفية التى يُهيئه ويليحها له الله جل في علاه.

الصائم وأبواب الجنة

السؤال الثالث عشر: هل الصائم الذي يدخل من باب الريان من حقه أن يدخل من الأبواب الأخرى؟
-----------
هناك من يدخل من باب الريان ويحق له أن يدخل من كل الأبواب، وهناك عمل يسير يستوجب هذا التخيير، قال صلى الله عليه وسلم:
( مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ .. أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ )
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضُوئِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ )
والمؤمن يحرص إذا كان يتوضأ بداخل الحمَّام ألا ينطق بالشهادتين بعد الوضوء، ولكن يؤجل النطق بهما بعد خروجه من الحمَّام.

آيات أحكام الصيام

الفصل الثاني: أحكام الصيام
آيات أحكام الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (183: 187البقرة)
*********************
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أهَّل قلوبنا لسماع القرآن، وجعلنا أهلاً للعمل بالقرآن، فدخلنا جميعاً في قول النبي العدنان صلى الله عليه وسلم:
( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ )
وهذا سرَّ بدايتنا الدروس بالتلاوة لتنفيذ الحديث، فهنيئاً لكم جميعاً هذا المقام.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على من اجتباه مولاه، وطهَّر قلبه لنزول القرآن، وأهلَّ ظاهره للعمل بالقرآن، وأنطق لسانه بحقائق القرآن، وجعله صلى الله عليه وسلم صورة القرآن الحيَّة بين المؤمنين؛ سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الحقيقة أن آيات كتاب الله عزَّ وجلَّ لا منتهى لسعة معانيها، ومهما تكلم المتكلمون وفسر المفسرون يبق في كلام الله عزَّ وجلَّ المكنون علم مضنون، وسر مصون، ونور مكنون؛ يكشفه الله عزَّ وجلَّ على مدى الزمان إلى أن يرث الله عزَّ وجلَّ الأرض ومن عليها ... ونحن لا نستطيع في هذه العجالة السريعة أن نحيط ببعض معاني هذه الآيات الكريمة، لكن حسبنا أن نقف عندها وقفة لنجد أن فيها كل ما نحتاجه في الصيام وفي شهر الصيام من الذي طلبه منَّا الملك العلام عزَّ وجلَّ.
أولاً يكفينا شرفاً وفخراً وتَيهاً أن الذي ينادي علينا هو الله، لأن الله لا ينادي إلا على أحبابه، لم يكن ينادي على اليهود في التوراه إلا بقوله لهم عزَّ وجلَّ: (يا أيها المساكين)، لكنه يقول لنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)، تشريف كريم من رب كريم جعلنا أهلاً لهذا المقام الكريم ببركة الرءوف الرحيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما يشهد الله لنا بالإيمان فهذا يجلب الطمأنينة والسكينة لكل خائف حيران من الخاتمة التي يحذرنا منها حضرة الرحمن، لأن الله عزَّ وجلَّ لا يمكر بطالب!!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ): ثبتت .. وانتهت.
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ): أي فرض،
(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، والغاية والسر:
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، بيَّن الله في هذه الآية الحكمة العالية من فرض الصيام؛ أن الله عزَّ وجلَّ فرض على المؤمنين الصيام ليرتقوا إلى مقام الأتقياء الأنقياء، وكلمة (لعلَّ) في القرآن بمعنى اللام (كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لتتقون) ليست بمعنى الترجي كما هو في اللغة، لكن تأكيد أنهم إذا صاموا كما ينبغي وصلوا إلى درجات الأتقياء، لأن الصيام سر بين العبد وربه، لا يطلع على الصائم إلا الله، ولا يراقب في صومه إن أراد أن يُفطر إلا مولاه، وهذه أكبر درجات التقوى وهي مراقبة الله عزَّ وجلَّ في السرِّ والعلن.
(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)، والصيام مع أنه شهر - كما وضَّح الله بعد ذلك - بيَّن أنه بمعونة وتوفيق الله ورعاية الله لنا يمر ُّكأنه أياماً معدودات، وهذه حكمة تجدها على الدوام، لا تشعر الناس بأيام رمضان لأن الله يغمر قلوب الصائمين بنفحات إحسانه، وبرحيق إيقانه، فيمرُّ عليهم الشهر كأنه أيام معدودات، وفي ذلك يقول بعض الصالحين: ((سَنَة الوصل سِنَة، وسِنَة البعد سَنَة))، سَنة في الوصل مع الله تمر كأنها طرفة عين، وإذا كان الإنسان في البعد فاللحظة تمرُّ عليه كأنها سَنة، فلأنهم في مواصلات مع الله تمرُّ هذه الأيام كأنها لحظات.
(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ): هذه أحكام الصيام كلها؛ الصحيح يصوم، والمريض بحسب أمراض العصر وما يستجد في كل عصر، أو السفر أياً كان نوعه، لأن السفر دائماً فيه مشقة حتى ولو كان بالطائرة. (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، لا ييأسوا ولا يقنطوا من رحمة الله، فإن الله عزَّ وجلَّ يسِّر لهم الأمر، وطلب منهم أن يقضوا هذه الأيام في أيام أخرى بعد شهر رمضان إن شاء الله.
(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ)، الذين يصومونه مع المشقة البالغة، فإن كانت المشقة يتوقع منها الضرر يصوم، فإذا جاء الضرر وجب عليه الفطر والإعادة، وإذا كانت المشقة محققة الضرر يحرم عليه الصيام لقوله: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (195البقرة)، وإنما عليه أن يُفطر، فإن استطاع أن يصوم بعد ذلك فله ذلك، وإن لم يستطع نظراً لكبر سنه أو مرضه الميئوس من علاجه فعليه: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، وطعام المسكين يكون سحوراً وفطوراً عن كل يوم من أيام فطره في شهر رمضان.
ويستطيع أن يُخرج القيمة كما أفتى بذلك ساداتنا الأحناف، ولهم في ذلك مخرج لطيف أخذوه من سُنة النبي الشريف صلى الله عليه وسلم، فإن المتعنتين والمتشددين لسوء فهمهم لكلام الله، وجهلهم بحقيقة فحوى خطاب رسول الله يشددون على الخَلْقِ ويأمرون أن تكون الفدية أو زكاة الفطر لابد أن تكون من الحبوب، لكن الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أخذ فتواه من قول سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى اليمن ويجمع الزكاة، وكان أهل اليمن في ذلك الوقت أغلب زراعاتهم العنب، ويصنعون منه الزبيب، وكان أكلهم الزبيب وتجاراتهم في الزبيب، فجاءوا بزكاتهم زبيباً، ومعاذ هو الذي قال له حضرة النبي عندما أرسله:
{ كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟، قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ }
أُعجب بهذا المنهج العظيم الذي عليه معاذ، وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بلغ درجة الاجتهاد، فلما جاءوا بالزبيب قال: يا أهل اليمن ائتوني بثياب، أنتم في حاجة إلى الزبيب ولا تستطيعون الاستغناء عنه وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى الثياب، فصنعوا ذلك، وكان الأمر على ذلك،.
ومن هنا استنبط الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه هذا الرأي العظيم وهو القيمة، وأبو حنيفة هو الذي يقول فيه الإمام مالك رضي الله عنه: ((لو أراد أبو حنيفة أن يُثبت لقوم أن هذا الأسطوان – العامود – ذهباً لأثبت ذلك)) لقوة حجته وتمكنه في دين الله عزَّ وجلَّ.
(فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ)، وفيها معاني لا تعدُّ ولا تحدّ، أي من تطوَّع وصام أيام النوافل والقربات بعد رمضان فهو خير له، ومن تطوع فزاد على إطعام مسكين فأطعم أكثر من مسكين فهو خير له، ومن تطوع فصام بعد ذلك وأطعم مسكيناً فهو خير له، فالتطوع هو الزيادة في عمل البرِّ والخير إلى الله عزَّ وجلَّ.
ثم خاطب الله عزَّ وجلَّ المؤمنين ليتشبثوا بروح العزيمة واليقين، ولا يلجأوا إلى التساهل فقال: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، حتى لا يلجأ إلى هذه الرُخَص إلا من كان فعلاً يستحقها ومن أهلها، ولذلك نقول للأحباب الذين يريدون أن يفطروا: لابد لك من أمر من الطبيب، إياك أن تفطر من نفسك إلا في حالة واحدة؛ إذا أشرفت يوماً على الهلاك، وتحققت أنك هالك لا محالة، فهنا ينبغي عليك الفطر وتعيد هذا اليوم، لكن لا تُفتي نفسك في مرض، أنا مريض بكذا فيجب أن أفطر، ولا تقيس على الأشباه والأمثال، فلان كان مريضاً بهذا المرض وأباح له الطبيب الفطر، لكن لابد أن تأخذ فتواك من طبيب مسلم أمين حتى تدخل في هذا النطاق، لأن الله عزَّ وجلَّ حذَّر من ذلك في قوله: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ).
هذه الأيام التي نصومها متى يا رب؟ ولِمَ؟ أجاب الله عزَّ وجلَّ على السؤالين في جملة واحدة، هذه الأيام قال: (شَهْرُ رَمَضَانَ)، إذاً يحرم الصيام الفريضة إذا حولناه إلى غير رمضان، إو إذا اجتهدنا كما يجتهد البعض ويحاول أن يقلد – حاشا لله عزَّ وجلَّ - مَن قبلنا، فإن مَن قبلنا تركها الله عزَّ وجلَّ عامة، قد يكونوا شاركونا في فريضة الصيام لكن أيامهم ليست كأيامنا، وأوقاتهم ليست كأوقاتنا، وأحوال صيامهم ليست كأحوال صيامنا، فليس لنا شأن إلا بما نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، إذاً الصيام شهر رمضان، والشهر كم يوم؟ قال صلى الله عليه وسلم:
{ إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا }
لا ينقص عن ذلك، ولذلك حدث أن صامت بعض الدول ثماني وعشرين يوماً ثم طلبوا من أهل البلد بعد العيد أن يعيدوا هذا اليوم، لانه لا ينبغي لشهر قمري أن يكون ثمانية وعشرين.
وقد فوجئنا منذ أيام بأمر عجيب وغريب، والأعجب أنه من وزير الأوقاف في دولة الجزائر الشقيقة، صحيح أنه ليس عالم دين، لكن منصبه وزير أوقاف، حَسَب حسبة حسابية وقال: اليوم الآن صيام ستة عشر ساعة، واليوم في الشتاء يكون حوالي ثماني ساعات، فإذا صمنا ثماني ساعات الآن فتُحسب يوم، وقال: إذاً الآن نصوم ثلاثة عشر يوم فقط!! كأن اليوم بيومين!!، هاج عليه علماء الجزائر وماجوا عليه لأن هذا اجتهاد في غير محله، وأثار بلبلة.
الله عزَّ وجلَّ قال: (شَهْرُ رَمَضَانَ)، فالصيام شهر، متى نصوم ومتى نفطر؟ قال صلى الله عليه وسلم وهو المُبين للقرآن:
{ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ }
إذاً الصيام من بداية الشهر إلى نهايته، ونحن نصوم شهر رمضان لأنه: (الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، وكأن الله عزَّ وجلَّ يقول لنا بلسان الإشارة: إن القرآن نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بعد صفاء القلب وطهارته، فينبغي عليكم أن تعيشوا شهراً في العام تُطَّهروا فيه القلوب، وتتحفظوا فيه على بداوات وهفوات النفوس، وتعيشوا مع كلام القدوس لتعيشوا معانيه، ثم تمشوا بقية العام تنفذوا ما فيه، تحظوا بفضل الله عزَّ وجلَّ وإكرامه على الدوام.
وهذه دعوة مباشرة للأمة للإنشغال في هذا الشهر لكريم بتلاوة القرآن، لأنه شهر القرآن، وخاصة أن الذي أُنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في شهر رمضان في كل عام مرة، وفي العام الذي انتقل فيه إلى جوار الله قرأه مرتين، وهذا أيضاً يدلنا على أنه ليس الشأن شأن العدد، ولكن التدبر والتمعن في كتاب الله: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (17القمر). لو كان الشأن شأن شأن العدد لخَتمه الرسول صلى الله عليه وسلم خمس أو ست مرات، لكن مرة واحدة، لماذا؟ يتدبر ويتمعن في كلام الله عزَّ وجلَّ.
(هُدًى لِّلنَّاسِ): ووجَّهنا الله عزَّ وجلَّ أن نتلمَّس في القرآن ونحن نتلو؛ الهداية التي بثها الله عزَّ وجلَّ فيه للناس، كيفية هداية الناس إلى ربِّ الناس، وهذه الآيات التي نزلت في مكة، والتي تتحدث عن عجائب خلائق الله، وعن إبداع صنع الله، وعن آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، وهذه الطريقة الرشيدة السديدة لهداية الخلق إلى الله.
(وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، وأن نتدبر أيضاً ما فيه من البينات، يعني الأمور والمسائل الواضحات للمؤمنين والمؤمنات، والتي فيها الهداية إلى الطريق الموصل إلى رضوان الله وإلى جنة الله وإلى إكرام الله، والتي فيها المفارقة والمباينة بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والطيب والخبيث، فنتعلم نحن جماعة المؤمنين ما يُوصِّلنا إلى الله من كتاب الله، وإلى رضوان الله وإكرام الله، وأحكام الحلال والحرام حتى لا نقع فيما حرَّمه الله، بل نمشي دوماً على الحلال الذي أحلَّه لنا الله عزَّ وجلَّ.
هذه مواضع ذكرها الله، وأمرنا أن نتدبر فيها ونضعها نصب أعيننا ونحن نتلوا كتاب الله في شهر القرآن إن شاء الله.
ثم قال الله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وهذه لها معاني متعددة، فشَهِد يعني حضر، أما من توفاه الله فليس عليه صيام، وليس عليه إكمال، ولا على أهله إكمال الصيام لمن مات في رمضان، وهذا معنى.
(وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، الذي كان عنده مرض مانع من الصيام، أو مسافر سفر شرعي، وذكر الله السفر لنعلم أن السفر الذي يستوجب الفطر له شروط ومواصفات؛ أن يكون السفر أولاً في حلال، وأن يكون السفر يبلغ النصاب الشرعي الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكره الأئمة الكرام، وهو حوالي ثلاثة وثمانين كيلومتر، وأن يكون هذا السفر يصحبه مشقة وتعب وعناء، فمَن يسافر للهو أو لعب لا ينبغي له الفطر لأنه لا يسافر سفراً شرعياً أباح الله عزَّ وجلَّ للصائم فيه الفطر، والآيات ليست تكرار، وإنما زيادة بيان لكلام العزيز الغفار عزَّ وجلَّ.
(يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وهذا الحكم العام الذي ينبغي أن يزن به المؤمن كل أحكام الشريعة المطهرة، ومن جملتها أحكام الصيام، دائماً تراعي اليسر، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبي موسى إلى اليمن وقال لهما:
{ يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا }
كل أمور الإسلام مبنية على اليسر، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا }
(وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ)، وبعد إكمال العدة تفرحوا، فينبغي للمسلم أن يفرح بتوفيق الله، فيُكبر الله ويُصلي صلاة العيد على ما وفَّقه له مولاه، (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، والشكر على نعمة الصيام يكون بإخراج زكاة الفطر للمساكين شكراً لله على توفيقه لنا في نعمة الصيام.
أكرم الله عزَّ وجلَّ المؤمنين جميعاً في رمضان بما لا يُعد ولا يُحد، ولا يستطيع أحد - ولو مكث إلى أبد الأبد - أن يبين بعض عطاءات الله للمؤمنين في شهر رمضان، وأعظم هذه العطاءات وأكرم هذه المنن ما قال فيه الله عزَّ وجلَّ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي) كلمة (عِبَادِي) تُدوِّب قلوب العارفين، عباده أهل خصوصيته، أهل القرب من حضرته، وأهل عنايته ورعايته على الدوام، لم يقل (وإذا سألك الناس) لكن (إذا سألك عبادي) المطلوبين والمُخلصين والمُغرمين (عَنِّي) عن جمالي وعن كمالي وعن جلالي وعن كبريائي (فَإِنِّي قَرِيبٌ)، أقرب إليهم من أنفسهم، ليس بينك وبين مولاك إلا أنت ((فارفع أنا تجد المسرة والهنا)) أنت الحجاب، وإذا زال صرت من الأحباب ورأيت وجه الحق عزَّ وجلَّ ظاهراً بلا ستارة ولا نقاب، فالعبارة أراحت قلوب الظائمين إلى جمال الله، والمتعطشين إلى نظرةٍ من وجه الله، طمأنهم الله عزَّ وجلَّ بقربه ورعايته لهم على الدوام (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) .
لكن الباقين عن أي شيء يسألون؟ الذي يسأل عن الأحكام الشرعية، والذي يسأل عن الدنيا الدنية، والأتقى قليلاً يسأل عن الآخرة أو عن النار، أو عن الجنة، لكن الذين يسألون عن الله فهم قليلة قليلة، لذلك قال الله: (وَإِذَا).
(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، يعني لا يؤخر لمطلوب طلب، إذا دعا الله فوراً يستجيب له مولاه جل في علاه، ولكن بشرط أن يكون هذا الداعي استجاب لله أولاً: (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي) وآمن وصدَّق تماماً بكبرياء الله وجلال الله وكمال الله جلَّ في علاه: (وَلْيُؤْمِنُواْ بِي)، ولذلك قال الله لنا ليقرب لنا هذا الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) (24الأنفال).
إذاً من الذي يجيبه الله؟ الذي استجاب وأناب، وأصبح في معية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على الدوام: (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، وقلنا أن كلمة (لَعَلَّ) في القرآن بمعنى اللام، فتكون: (ليرشدون).
بعض أهل الإشارة قال في هذه الآية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) وجَّه الخطاب لرسول الله، لم يقل (وإذا سأل عبادي عني) فحتى يسألوا لا بد أن يذهبوا أولاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من ينوب عن حضرته، (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) والداع الذي أرسله الله داع واحد، (إِذَا دَعَانِ)، إذا دعان لكم في أي أمر من الأمور يستجيب له الله فوراً، بلا تردد ولا تمهل ولا إبطاء، وإنما فوراً يستجيب له مولاه عزَّ وجلَّ.
كان الصيام في بداية فرضيته شاقاً على أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يفطرون مع غروب الشمس، ومدة الإفطار إلى أن ينام أحدهم، فإذا نام ابتدأ الصيام، وليس مع طلوع الفجر، فجاء أحدهم بعد أن كان يعمل طوال النهار ودخل على زوجته بعد أن صلَّى المغرب فقال: هل عندكم طعام أُفطر عليه؟ قالت: أبحث لك، فخرجت تبحث له عن طعام، وعندما رجعت وجدته قد نام من التعب، فواصل صيام اليوم التالي، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي وهو يكاد يهلك فقال: ما بك؟ فحكى له ما جرى، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:
{ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، وَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ  أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا }
وفي رواية أخرى عن عبد الله بن كعب بن مالك قال:
{ كَانَ النَّاسُ فِي رَمَضَانَ إِذَا صَامَ الرَّجُلُ فَأَمْسَى، فَنَامَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ حَتَّى يُفْطِرَ مِنَ الْغَدِ، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ سَهِرَ عِنْدَهُ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ نَامَتْ، فَأَرَادَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ، قَالَ: مَا نِمْتِ، ثُمَّ وَقَعَ بِهَا، وَصَنَعَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَغَدَا عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)}
ثم ذكر الله أمراً غريباً وعجيباً ينبغي أن يكون عليه كل مؤمن ومؤمنة زوجين:
(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)، هي تسترك وأنت تسترها، هي تعينك وأنت تعينها على أمور الدنيا وعلى طاعة الله عزَّ وجلَّ، فكأن الإثنين شخصٌ واحد، لذا ينبغي أن يكون الرجل مع زوجته كأنهما شيءٌ واحد. إذاً ما سبب الفصام الذي حدث في مجتمعنا في هذا العصر، وكل زوجين بينهما مشاكل وخلافات؟! كل هذا إما نتيجة الجهل بدين الله عزَّ وجلَّ، وإما للإنشغال الزائد عن الحد بالدنيا التي ضمن الله عزَّ وجلَّ لنا فيها الأرزاق الحلال.
(عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ)، انظر إلى دقة اللفظ القرآني، لم يقل (تخونون) لأنها ليست خيانة، مع أنها خروج عن الأمر، لكن: (تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ): معناها أنكم تلعبون بنفوسكم بعيداً عن شرع الله عزَّ وجلَّ، (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ)، تاب وعفا، وهذا من فضل الله، تاب وعفا عما مضى.
(فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) افعلوا ما تريدون، لكن (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ) أهم شيء أن تبحثوا عن الأوامر التي طالبكم بها الله، وتحاولوا أن تمشوا على الهَدي الذي بيَّنه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ)، تصريح (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ)، وضع علامات لبداية الصيام ونهاية الصيام، منذ ظهور أنوار الصباح وبداية انقشاع الليل إلى غروب الشمس، بعض أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على سذاجتهم، حتى أن أحدهم كان مَلكاً وهو عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه، قَالَ:
{ لَمَّا نَزَلَتْ: )حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) ، عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَار}
وفي رواية أخرى قال:
{ يَا رَسُولَ اللَّهِ، (الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ)، أَهُمْا الْخَيْطَانِ؟ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: لا يَا عَرِيضَ الْقَفَا، وَلَكِنَّهُ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ }
وعريض القفا كناية على أنه بطيء الفهم، ورسول الله لم يقلها له مباشرة بل استخدم لغة الكناية، وهذا الأدب النبوي الذي يُعلِّمه لنا سيدنا رسول الله، فتستطيع أن تعبر لأي إنسان بما تريد ولكن بلغة الكناية.
وبيَّن الله عزَّ وجلَّ حتى لا يفوته في كلماته شيء مما يحدث في رمضان سُنَّة الاعتكاف فقال: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، المعتكف الذي ينوي أن يمكث في المسجد وقتاً لطاعة الله عزَّ وجلَّ، وشرطه أن يكون على وضوء، وأن يكون في مسجد، وألا يتحدث مع من حوله إلا لضرورة - كسؤال شرعي، أو أمر ضروري - ولا يخرج من المسجد إلا لضرورة - كأن يخرج للطعام، أو لقضاء الحاجة، أو للوضوء، لكن لا يخرج لعيادة مريض، ولا يخرج لتشييع جنازة، وغير ذلك.
فكان أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ورضوان الله تبارك وتعالي عليهم يخرجون لقضاء حاجاتهم مع زوجاتهم ويرجعون ويعتبرون أن هذا الأمر حاجة، فنهى الله عزَّ وجلَّ عن ذلك فقال: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ)، والمباشرة يعني الجماع، (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، ما دام نوى الاعتكاف فيجب أن ينتهي عن هذا الأمر.
والاعتكاف يسَّره الله عزَّ وجلَّ لنا، فالإمام الشافعي رضي الله عنه قال: الاعتكاف يجوز في أي وقت من العام، وأقله لحظة، بمعنى: إذا دخلت المسجد في أي وقت قبل أي صلاة وبمجرد أن تدخل وتُصلي ركعتى السنة أو تحية المسجد تنوي الاعتكاف فتقول بقلبك: نويت الاعتكاف لله تعالى، وأنت على وضوء، كل ما عليك أن تشغل نفسك بعد هذه النية بطاعة الله، إما ذكر، أو استغفار، أو صلاة على حضرة النبي، أو تلاوة قرآن، أو مطالعة درس ديني نافع، ولو تكلمت مع من حولك فقد فسد الاعتكاف، وعليك أن تنوي الاعتكاف من جديد.
إذاً كل ما أدخل المسجد أعتكف، وثوابه يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
( من اعتكف قدر فُواق ناقة فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل )
يعني قدر وقت حلب الناقة .. انظر إلى فضل الله علينا، وانظر إلى الناس كيف تُضيع هذا الفضل؟!!
كم يستغرق حلب الناقة؟ عشر دقائق مثلاً، لماذا لا أدخل قبل الصلاة بعشر دقائق وآخذ هذا الثواب، وفي كل يوم طوال العام! ثواب تضيعه الناس وغير ملتفتة إليه.
(تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا): الحدود الشرعية، وهي التشريعات الإلهية التي أنزلها الله لنا، قال صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا )
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): لنصل إلى التقوى.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون من الأتقياء الأنقياء، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه، وحسن المتابعة لسيد الرسل والأنبياء
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
****************************

نداء أهل الإيمان

يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183البقرة)، لِمَ خصَّ الله النداء لأهل الإيمان؟
-------------
هذا السؤال أجبنا عنه أيضاً في شرح آية الصيام، وقلنا أن الله عزَّ وجلَّ كان لا ينادي على اليهود في التوراة إلا بـ (يا أيها المساكين) ولكن الله يحب المؤمنين ولهم عزٌّ وشرفٌ وقدرٌ عظيمٌ عند رب العالمين، فيناديهم بنداء القريب من الحبيب لحبيبه (يا أيها الذين آمنوا).
هذا نداء قريب وليس نداء بعيد، (الذين آمنوا) يكفي فيها أنها شهادة من الله جل وعلا أنَّنا أهل إيمان، فماذا نحتاج بعد ذلك؟! رب العزِّة عزَّ وجلَّ يشهد لنا بأننا أهل الإيمان حتى نطمئن ونعلم أن ما أمرنا الله به بعد ذلك أو عقب ذلك ليس على سبيل الإمتحان، ولا على سبيل التعجيز وإنما على سبيل رفعة المقام وزيادة الأجر والثواب، لأن الله عزَّ وجلَّ يحبنا ويريد أن يرفعنا عنده إلى أعلى مقام.
(يا أيها الذين آمنوا): هل تًوجد شهادة أعظم منها؟! قال سيدنا عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: ((إذا سمعت الله عزَّ وجلَّ يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرع لها سمعك، فهو إما أمرٌ يأمرك به فسارع إلى تنفيذه، وإما نهيٌ ينهاك عنه فسارع إلى تركه)).
يحبك ولا يريد منك أن تعمل إلا ما يحبه ويرضاه، ويريد أن لا تقع على أمرٍ إذا نظر إليك وأنت تفعله وقع عليك غضب الله وسخط الله، وهذا من صِرف محبته لنا جماعة المؤمنين، فيا هناءنا بهذا النداء الكريم من الكريم عزَّ وجلَّ لأننا عباد مكرمون عند حضرته سبحانه وتعالى.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

صيام من قبلنا

ما معني قول الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) (183البقرة)؟
-------------
هذه الآية فيها معاني كثيرة، (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ : أي كُتب عليهم الصيام لكن ليس شرطاً أن يكون صومهم كصومنا، فصوم اليهود مثلاً كان يوم عاشوراء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم - عندما هاجر إلي المدينة وسألهم لما وجدهم يصومونه، قالوا: هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، فقال صلى الله عليه وسلم:
( فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ )
فكان صومهم يوم عاشوراء، وليس شرطاً أن يكون صومهم كما نصوم شهر رمضان، كما لهم صلاة ليست كهيئة صلاتنا، فلا يوجد أمة من الأمم فرضت عليهم خمس فرائض في اليوم والليلة إلا الأمة المحمدية.
قد يكون الصيام ليس كهيئة صيامنا، كالصيام الذى فُرض في البداية على أتباع عيسى، فكان صياماً نباتياً، أى يصومون عن الأشياء الروحانية، لكننا نصوم صوم كلي عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذا أمر ليس علينا أن نُفتش فيه، وإنما علينا أن نبحث عن الصيام الذى أمرنا به الحبيب ونقوم به كما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

صيام التطوع

يقول الله تعالي: (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) (184البقرة) ما هذا التطوع؟
------------------
هو صيام التطوع الذي سنَّه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جملته صيام ستة أيام من شوال، فقال صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ)
والدهر يعني السنة، ومن جملته صيام ثلاثة أيام من كل شهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
(صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ)
ومن جملته صوم يومي الإثنين والخميس لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على صومهما، ومن جملته صوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، ومنه يوم عرفة، ومنه يوم عاشوراء .. الأيام الفاضلة هذه كلها نسميها صيام تطوع، ما دام الإنسان أدَّي الفريضة وهى صيام شهر رمضان لله عزَّ وجلَّ، فالذي يزيد في صيام التطوع خير من الذي يكتفي بشهر رمضان فقط ولا يزيد عليه نافلة أو تطوعاً.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الدعاء والصيام

هل هناك حكمة من قول الله تعالي: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (186البقرة) بين آيات الصيام؟
-----------------
قال صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً لا تُرَدُّ)
من خصائص الصيام، ومن الفضائل التى أعدَّها الله للصائمين، أن الله يتقبل منهم الدعاء، ويُحقق لهم الرجاء، وقال صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان كله:
(أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ، فِيهِ خَيْرٌ يُغَشِّيكُمُ اللَّهُ فِيهِ، فَتَنْزِلُ الرَّحْمَةَ، وَتُحَطُّ الْخَطَايَا، وَيُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ، فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلائِكَتَهُ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مِنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ)
إذاً الأحاديث النبوية تُثبت أن شهر رمضان كله شهر إجابة، وللإنسان خصوصية دعوة مؤكد فيها الإجابة عند فطره، ولذلك ساق الله آية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (186البقرة)، ليُعلمنا أن من إكرام الله عزَّ وجلَّ لهذه الأُمة بشهر رمضان أن الله عزَّ وجلَّ جعله شهراً للإجابة، ينظر فيه في حوائجهم وفي طلباتهم وفي رغباتهم ويُحقق لهم المطالب ويستجيب لهم الدعاء ويكشف عنهم البلاء، وكل شئ يدعونه يستجيبه الله عزَّ وجلَّ بما شاء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

السؤال عن الله عزَّ وجلَّ

ما معنى قول الله تعالي: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (186البقرة)؟
---------------
فيها معنى إشاري، لأن الله عزَّ وجلَّ عندما حدَّث عن الأسئلة الشرعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ) (189البقرة)، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ) (1الأنفال)، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ) (222البقرة). ولمَّا جاء الحديث عن الله - والذي يسأل عن الله ويريد أن يصل إلى رضاه قلة قليلة من عباد الله -فأشار الله إلى ذلك وقال: (وَإِذَا) للقلة، (سَأَلَكَ)، الذين يسألون رسول الله عن الله قلة قليلة، لكن الذين يسألون عن شرع الله كثرة كاثرة.
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي): لم يقل الله (قل)، وإنما قال: (فَإِنِّي قَرِيبٌ)، أي أني لا أحتاج إلى إجابة ولا إلي قول، لأن الله عزَّ وجلَّ ليس بينك وبينه إلا أن ترفع غطاء الغفلة والذنوب عن قلبك فتجد نور الله ساطعاً في قلبك وفي فؤادك وسرِّك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

أركان الصيام

قال صلى الله عليه وسلم:
(إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، نَظَرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إِلَى خَلْقِهِ وَإِذَا نَظَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا)
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون أهلاً لهذه النظرةالإلهية، وأن ينجينا الله عزَّ وجلَّ بسر هذه النظرة من عذاب الدنيا، ومن عذاب الآخرة، هذه الليلة الكريمة يكفي بشرى المؤمنين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها:
(إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَاب، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَاب)
تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وينظر الله تعالى بحنانه وعطفه وشفقته ورحمته لعباده المؤمنين، فلا يحملون هم العطش والجوع مع شدة الحر وطول اليوم لأن الله نظر إليهم، فيُخفف عنهم التعب والعناء، ويرزقهم اليسر والرخاء، وإن كان الله عزَّ وجلَّ يزيد لنا في الأجر العظيم الذي نجده يوم العرض والجزاء، فبشرى لمن صام في هذه الأيام شديدة الحر، والتي يقول فيها صلى الله عليه وسلم لأبي كاهل:
(يَا أَبَا كَاهِلٍ، أَلا أُخْبِرُكَ بِقَضَاءٍ قَضَاهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: اعْلَمَنَّ يَا أَبَا كَاهِلٍ أَنَّهُ مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ شَهْرِ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرْوِيَهُ يَوْمَ الْعَطَشِ)
اليوم الذي نصومه في هذا الحَرِّ يحفظنا من يوم مقداره خمسين ألف سنة، لا فيه ماء إلا باب الريان الذي يأتي منه الفرج لعباد الله عزَّ وجلَّ الصائمين رمضان في أيام الحر.
الصيام فريضة إلهية، وله ركنان أساسيان لا غنى لمسلم أو مسلمة عن معرفتهما:
الركن الأول: ركن كل العبادات، وهو النية، فأي عبادة من صلاة أوزكاة أو حج أو غيرها لا بد لها من نية، وقال صلى الله عليه وسلم:
( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ )
ونية الصيام لا بد أن تكون قبل الفجر بالنسبة لصيام الفريضة في رمضان، أو قضاء الفريضة بعد رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم:
( مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ )
لو سها إنسان ولم ينوي حتى أذَّن الفجر فإنه يُكمل صيام هذا اليوم لحرمة الشهر، ولكنه يقضيه مرة أخرى لأن النية شرط في قبول الصيام في شهر رمضان، والنية ليس شرط أن يتلفظ بها المرء بلسانه، ولكن يمررها على قلبه، أو يعمل ما يستوجب هذه النية، فإذا تسحر الإنسان في الليل في رمضان فإنه يقوم مقام النية.
لكن صيام التطوع والنافلة إذا لم يكن تناول شيئاً من الطعام أو الشراب في نهاره فينوي في أي وقت في النهار، كان صلى الله عليه وسلم إذا أصبح الصباح في غير رمضان يسأل زوجاته: "أعندكم شيء نأكله؟" فإن قالوا لا، قال: "نويت الصيام لله عزَّ وجلَّ"، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ:
( هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ )
الإمام الشافعي رضي الله عنه جعل كل يوم من أيام رمضان عملاً مستقلاً، أي ينبغي للإنسان أن ينوي الصيام كل ليلة في شهر رمضان، لكن الإمام مالك سهَّل الأمر ويسره لنا، فقال: إذا نوى الإنسان في أول ليلة من شهر رمضان صيام رمضان فقد أجزأه، وله أن يجدد النية كل ليلة، وله أن لا يجدد لأنه نوى الشهر كله.
وكلهم من رسول الله ملتمس
غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

ولذلك نحن نعلِّم أولادنا وبناتنا ونساءنا وأطفالنا؛ ونكرر لهم ومعهم النيَّة في أول ليلة، حتى نضمن لهم أنهم نووا صيام شهر رمضان كله، فنقول: "نويت صيام شهر رمضان لله تعالى إيماناً واحتساباً، اللهم أعنا على صيامه وقيامه".
والنية تبدأ من بعد غروب الشمس، أي أول الليل إلى أذان الفجر، وليس شرطاً بعد السحور، فلو نويت الصيام ثم أكلت وشربت بعد النية فلا بأس طالما قبل أذان الفجر، لأن الصيام لا يبدأ إلا بعد أذان الفجر.
والمسلم الحريص الذي يريد أن ينال أجراً عظيماً يقرن مع النية مطلباً عظيماً من الله، فعندما ينوي صيام شهر رمضان ينوي بذلك في قلبه:
- أن يكون هذا الشهر عتقاً له من النار،
- أو أن يكون هذا الشهر رياً له يوم القيامة من عطش يوم القيامة،
- أو ينوي أن يكون بصيام هذا الشهر يُكتب في كشوف تُكتب كل ليلة فيها مائة ألف عتقاء الله من النار،
- أو ينوي بهذا الشهر أن يشرب من حوض الكوثر يوم القيامة بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
- أو ينوي بصيام هذا الشهر أن يدخل الجنة من باب الريان الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)
- أو ينوي بصيام هذا الشهر النظر إلى وجه الله عزَّ وجلَّ لقوله صلى الله عليه وسلم:
(لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ)
وصلاة التراويح - وهي سنة هذا الشهر - تبدأ من أول ليلة في رمضان، وتنزل الملائكة الكرام لحضور صلاة التراويح، وفيهم يقول صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حَوْلَ الْعَرْشِ مَوْضِعًا يُسَمَّى حَظِيرَةُ الْقُدْسِ، وَهُوَ مِنَ النُّورِ فِيهَا مَلَائِكَةٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، يَعْبُدُونَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ عِبَادَةً لَا يَفْتُرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا كَانَ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ اسْتَأْذَنُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ، فَيُصَلُّونَ مَعَ بَنِي آدَمَ، فَيَنْزِلُونَ كُلَّ لَيْلَةٍ الْأَرْضَ فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

النية ودرجات الصائمين

كلنا نرجو بعملنا فضل الله عزَّ وجلَّ ورضاه، فنحن نصلي لله، ونصوم لله، ولكن هل كلنا في الأجر سواء؟ لا، قال صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)
إذاً الأجر على قدر النية، فلا بد للمؤمن أن يحضِّر مع نية الشريعة نيةً لله عزَّ وجلَّ يحدد فيها المطالب التي يريدها من الله نظير هذا العمل الذي يعمله لله، أنت لماذا تعمل هذا العمل؟ وماذا تريد من ورائه؟.
هناك من يصوم ويريد من وراء الصيام أن يغفر له الله ما تقدَّم من ذنبه، فعليه أن يصِّحح النية ويجعل النية لله، فإذا صام من أجل الخلق فيُحرَم من الأجر والثواب، وإذا صام من أجل الرياء أو الشُهرة أو السُمعة فيُحرم من الأجر، قال صلى الله عليه وسلم فيه:
(مَنْ صَلَّى وَهُوَ يُرَائِي، فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ وَهُوَ يُرَائِي، فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ يُرَائِي، فَقَدْ أَشْرَكَ)
إذاً يجب أن يُحسن النية، ويجعلها لله، وهي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
إيماناً بصدق هذا الدين الذي جاءنا به رسول الله من عند الله، ويحتسب بهذا العمل وجه الله جل في علاه.
- فإذا أراد المغفرة: فلا بد أن يُنوِّع أعماله في رمضان لكي يستوجب المغفرة من أكثر من باب، فيحافظ على صلاة القيام لقوله صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه)
- ويحاول أن يُحيي أيام ليلة القدر في الأيام العشر، لقوله صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
- ويحاول أن يفطِّر صائماً ولو على تمرة، ولو على شربة ماء، ولو على مزقة لبن لقوله صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، قَالُوا: لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ. فَقَالَ: يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ)
- ومن يُرد أن ينال في هذا الشهر الكريم العتق من النيران، فينوي الصيام بأن يعتقه الله من النيران، ويكثر من إفطار الصائمين، فيكون مغفرةً لذنوبه وعتقٌ لرقبته من النار.
- ومن يريد أن يكون من أهل السعادة، فيُحيي الليالي الفاضلة ويسأل الله عزَّ وجلَّ أن تُمسِّحه الملائكة أو تمسَّه، لقوله صلى الله عليه وسلم:
(فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا)
- أما الرتبة الأعلى في الصيام، والتي نريد أن نصل إليها إن شاء الله فهي التي وجَّهنا إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لنا فيها:
(صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه)
صوموا لرؤية الله عزَّ وجلَّ، وأفطروا لرؤيته عزَّ وجلَّ، والنظر إلى وجه الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة، وحتى تدخل في قول الله عزَّ وجلَّ: (جُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (22، 23:القيامة) وهؤلاء القوم يقول فيهم صلى الله عليه وسلم:
(لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ)
أجر هذا الرجل من أجل النظر إلى وجه الله وأجره لا يعلمه إلا الله!! .. قال صلى الله عليه وسلم:
(كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بعَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)
يعني لا يوجد جزاءٌ في الجنة يكافئه، ولا يوجد جزاءٌ في الآخرة يستحق أن يكون ثواباً له، فما يكون جزاؤه؟ يقول الله (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) أي رؤية وجهي، والنظر إلى جمالي وكمالي، فهذا نصيبه من هذا الصيام، لأنه يصوم للنظر إلى وجه الله عزَّ وجلَّ .. فلا بد لنا أن نحدِّد النية: لماذا نصوم؟ ومن أجل ماذا نصوم؟ قال صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ أُمَّتِي لَيَقُومَانِ إِلَى الصَّلاةِ، فَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنَّ مَا بَيْنَ صَلاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)
بسبب ماذا؟ بسبب النية!! ...
ودعا إلى التصدق فجاء رجلٌ بمائة ألف درهم، وجاء رجلٌ بدرهم، فقال صلى الله عليه وسلم:
(سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا)
لماذا؟ لأن الأعمال بالنيات، وهي تجارة الصالحين، فمن يريد أن يكون من الصالحين أو مع الصالحين فليُحسِّن النوايا، ويُصفِّي الطوايا، ويجعل النية دائماً نية عالية من الذات الإلهية الراقية.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُحسِّن نوايانا، وأن يُصفِّ طوايانا، وأن يرزقنا بصيامنا النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا من أهل الدرجات العُلا في جنات النعيم، وأن يرزقنا رفقة الرءوف الرحيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الإمساك عن المفطرات

الركن الثاني من أركان الصيام هو: الامتناع عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا أكل الإنسان ظاناً أن الفجر لم يؤذن، واتضح له بعد ذلك أنه أكل بعد الفجر، عليه أن يتم صيام هذا اليوم، لكن لا بد له من إعادته لأنه خطأ لا يُغفر بالنسبة له.
ومن هنا يجب على السادة المؤذنين والمسلمين أجمعين مراعاة أوقات الفجر بالذات، لأن المؤذن لو تأخر في الأذان فسيوقع المسلمين في الفطر في شهر رمضان وسيكون عليه إثم ذلك كله، لأن المؤذن مسئول عن وقت الصيام للمسلمين الذين حوله أجمعين.
ونحن لا بد أن نراعي ذلك حرصاً على صيام المسلمين، فنراعي المواقيت الشرعية الواردة من وزارة الأوقاف.
كذلك لو ظن الإنسان أن المغرب أذَّن فأكل وشرب، ثم تبين له أن المغرب لم يؤذن بعد، فحكمه أن يعيد هذا اليوم مرة أخرى، لأن توقيت الصيام لا بد أن يراعي المسلم فيه الدقة البالغة في بدء الصيام وفي الإفطار.
ولو أذَّن الفجر وفي فمي طعام أو شراب، فيجب عدم بلع الطعام أو الشراب وأُخرجه من فمي، لأن هذا وقت انتهاء الطعام والشراب وأبدأ الصيام لله عزَّ وجلَّ.
ولو نسي الإنسان في النهار وشرب أو أكل، فهذا قال فيه صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ)
لكن بشرطين، الشرط الأول: لو تذكر وهو يشرب أو يأكل أنه صائم فعليه أن يكف فوراً عن بلع هذا الطعام أو الشراب ويُخرجه من فمه، والشرط الثاني: لا يظن أن الله أطعمه وسقاه فيُكمل النهار فاطراً، لكن يكمل النهار صائماً لله عزَّ وجلَّ.
من حدث عنده ظروف معينة، وهناك مشكلة في معدته ولا بد له من إخراج ما فيها من الطعام، فإن تقيأ بدون إرادته فعليه أن يُكمل يومه صائماً، لكن إذا أخرج الطعام بنفسه بأن وضع إصبعه في فمه فهنا قد أفطر وعليه أن يعيد هذا اليوم مرة أخرى، قال صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ)
بعض الناس لا غِنى لهم عن بعض التعاملات الطبية في هذه الأيام، فالبعض يحتاج أن يضع قطرة في عينه، والقطرة لا تُفسد الصيام، والبعض يحتاج أن يضع نقط في أذنه، والنقط لا تفسد الصيام، والبعض يحتاج إلى نقط في أنفه، هذه النقط إذا وصلت للحلق ولم يبلعها فلا تفسد صيامه، لكن لو بلعها فإنه تفسد الصيام، فيراعي الإنسان في هذه النقط إنها إذا وصلت للحلق يخرجها ولا يبلعها ويتم صومه.
والبعض يحتاج إلى أخذ حقن أثناء الصيام، فكل الحقن التي تؤخذ في العضل أو الوريد لا تُفسد الصيام بإجماع الأئمة الأعلام ما دام أقرها طبيب وفي مصلحة المسلم الصائم لله عزَّ وجلَّ.
أما الحقنة الشرجية فإذا تعب الإنسان وقرر الأطباء أنه لا بد له من حقنة شرجية ففي هذا الظرف الطاريء يُكمل صيامه، لكن لو استخدمها من نفسه بدون داع أو بدون أمر طبيب فهذا أمر نهى عنه العلماء، وعليه أن يعيد هذا اليوم.
لو جامع إنسان زوجته قبل الفجر وانتهى من ذلك قبل ولكنه لم يغتسل حتى أذن الفجر، فصيامه صحيح، ويغتسل بعد الفجر، ولا شيء في ذلك.
لكن لو أذَّن الفجر وهو في حالة الجماع فيجب أن ينزع فوراً، وإلا أصبح مفطراً، ولو أدَّى هذا العمل في نهار رمضان فعليه قضاء وكفارة، فيقضي مكان هذا اليوم يوم آخر، وعليه كفارة وهي صيام شهرين متابعين، ولو أفطر يوم في وسط الشهرين فعليه أن يعيد الشهرين من جديد لقوله صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ)
شاب نام في نهار رمضان واحتلم، فليس عليه شيء وليتم صيامه، لكنه لو أنزل في نهار رمضان بسبب النظر، أو بسبب اللعب بيده، أو بسبب أي استثارة فقد أفطر، ويُكمل صيام اليوم لحرمة الشهر، وعليه أن يعيد صيام هذا اليوم مرة أخرى لأن الله حرَّم ذلك أثناء الصيام.
إذا حافظ المرء على ذلك فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا ممن يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

شروط الصوم

الصوم هو الفريضة التي فرضها الله عزَّ وجلَّ علينا جماعة المسلمين في العام الثاني من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وكان فرضه في شهر شعبان من هذا العام.
والصوم فريضة على كل مسلم بالغ عاقل، والمسلم البالغ هو الذي وصل إلى سن البلوغ ذكراً أو أنثى، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رغَّبنا في تدريب الأولاد على الصيام حتى إذا وصلوا إلى البلوغ استطاعوا الصيام بسهولة ويسر، قال صلى الله عليه وسلم في الصلاة:
(مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ سِنِينَ)
فينبغي للمؤمن أن يدرب أولاده على الصيام من البداية، فإذا وصلوا للبلوغ كان ذلك سهلاً عليهم.
وشرط الصيام أن يكون المسلم بكامل قواه العقلية، فالمجنون ليس عليه صوم، والذي في غيبوبة لا يفيق منها غير مطالب بالصيام، ولا يُحاسبه الله على هذه الأيام لأنه ليس في كامل وعيه.
لكن مَا الذي ينهى الإنسان عن الصيام؟ وهذا صيام لو صامه المرء يكون وقع في الحرام؟ هو صيام المرأة إذا وافتها الدورة الشهرية، أو كانت في فترة النفاس عقب الولادة، فإذا ادَّعت أنها مؤمنة قوية الإيمان وصامت رغم أن عليها الدورة أو نفساء فقد أصبحت آثمة ومذنبة في نظر الله عزَّ وجلَّ.
نفرض أنها كانت صائمة ذات يوم، ونزل عليها الدم قبل المغرب ولو بدقائق، فينبغي عليها أن تفطر ولو بجرعة ماء استجابة لتعاليم الله عزَّ وجلَّ ، لأنها حتماً ستعيد اليوم، ولا تجادل وتقول بقي من اليوم نصف ساعة أو حتى نصف دقيقة.
وإذا ارتفع عن المرأة الدم في يوم من أيام رمضان في وضح النهار، كالظهر أو العصر، فعليها أن تُكمل بقية هذا اليوم - بعد أن تغتسل – صائمة لحرمة هذا الشهر، وإن كانت ستعيد هذا اليوم.
أما النفساء، والنفاس أي الدم الذي ينزل عقب الولادة، ولا حد لأكثره ولا أقله، فأقله لحظة، وأكثره أربعين يوماً، السيدة فاطمة النبوية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وضعت ثم اغتسلت وصلَّت فوراً لأنها لم ينزل عليها دم النفاس، ولذلك تُسمى (البتول) ... فالنفاس ليس له وقت ولكن له علامات، فعلاماته أن يرتفع الدم، فإذا ارتفع الدم بعد أيام أو أسبوع أو أكثر فعليها أن تصلي وتصوم وتقرأ القرآن لله عزَّ وجلَّ. هذه التي تفطر تفطر بأمر الله، وعليها أن تعيد هذه الأيام التي أفطرت فيها قبل مجيء رمضان الآتي إن شاء الله لأن هذا دَين عليها لله عزَّ وجلَّ.
فلو أفطرت امرأة في رمضان من العام الماضي بضعة أيام، وجاء رمضان التالي ولم تقضي هذه الأيام، فعليها فدية، كغرامة تأخير، عن كل يوم عشرة جنيهات في أيامنا هذه، وتظل هذه الأيام في ذمتها لا بد أن تقضيها بعد ذلك لله عزَّ وجلَّ.
إذاً لا بد أن تعيد هذه الأيام التي أفطرت فيها في شهر رمضان، والخير أن تبدأ فيها بعد رمضان قبل صيام الأيام النوافل، لأن الفريضة مقدمة على النافلة.
وهناك أمور أباح الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين فيها الفطر، وليس عليها قضاء، وإنما إخراج الفدية، وهذا للرجل الكبير في السن الذي ضعف جسمه وعجز عن الصيام، ولن يستطيع أن يعيد ما عليه، فعليه أن يُخرج فدية عن كل يوم عشرة جنيهات ، وله أن يخرجها يوماً بيوم، أو يأتي بفقير ويفطره ويسحره، المهم أن يكون عند آخر يوم قد انتهى من إخراج ما عليه من فدية للأيام التي أفطرها في رمضان، وليس عليه إعادة، وهذا تيسير من الله عزَّ وجلَّ.
ومثله المريض بمرض مزمن يجعله عاجزاً عن الصيام إلى الوفاة، وهذا أمر يُقرره الأطباء: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (43النحل)
فإذا قرر الأطباء أن هذا المريض لو صام سيزيد مرضه أو قد يؤدي إلى هلاكه فهذا يحرم عليه أن يصوم، وعليه أن يفطر ويخرج فدية عن الأيام التي يفطرها.
وهناك أناس أباح الله عزَّ وجلَّ لهم الفطر لظروف، ولكن لا بد لهم من الإعادة، مثل المراة الحامل التي يُفتيها الطبيب المسلم بأنها لا تتحمل الصيام مع الحمل، فلها أن تفطر، وتعيد هذه الأيام، ولا ينفع فيها الفدية - هذا إذا كانت خائفة على نفسها - لكن إذا كانت خائفة على الجنين فلها أن تُفطر، وتعيد وتخرج فدية عن كل يوم، لأنها غير خائفة على نفسها ولكنها خائفة على الجنين.
والمسافر لمسافة لا تقل عن ثلاثة وثمانين كيلو متر إن كان بالطائرة أو السيارة أو بأي شيء فله أن يفطر وعليه أن يعيد بعد ذلك، وإن كان الله عزَّ وجلَّ قال له:
(وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (184البقرة).
والمجاهد في سبيل الله في موقعة حربية إسلامية كغزوة بدر، أو حرب العاشر من رمضان، وسيلاقي عدوه فله أن يُفطر ويعيد هذا اليوم مرة أخرى بعد شهر رمضان.
من يُسر الإسلام هناك بعض المسلمين أعمالهم شاقة طول العام، كالذين يعملون في المناجم، فأباح له الإسلام أن يفطر ويُخرج الفدية لأنه لن يستطيع أن يصوم طوال العام: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) (185:البقرة) .. فالإسلام يدور مع اليسر على الدوام.
المريض في رمضان مرض يُرجى شفاؤه كمن تعرض لوعكة صحية، أو قام بعمل عملية جراحية فله أن يُفطر بعد أمر الطبيب، ولكن يعيد الأيام التي أفطر فيها بعد ذلك رخصة من الله عزَّ وجلَّ.
بل إن كل مسلم - وإن كان صحيح البدن - وتعرض في يوم من أيام رمضان لأمر وأوشك على الهلاك فله أن يفطر: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (195البقرة)
ثم يعيد هذا اليوم مرة أخرى ... لو تعرض أحد المسلمين لأمر كأن تعرض للغرق ويريد أحد أن يُنقذه، أو تعرض مكان ما لحريق، فللإنسان المنقذ أن يفطر ثم يعيد هذا اليوم مرة أخرى.

المكروهات التي يجب أن يتجنبها الصائم

المكروهات لا تُفطر الصائم إلا إذا تجاوز الحد، وأول هذه المكروهات: السواك ومعجون الأسنان، فالصائم له أن يستخدم السواك أو معجون الأسنان ليُطهر فمه من الصبح إلى صلاة الظهر، ويُكره استخدام السواك أو معجون الأسنان من بعد صلاة الظهر إلى آذان المغرب، لقوله صلى الله عليه وسلم:
(لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)
الأمر الثاني: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الأيام العادية أن نبالغ في المضمضة والاستنشاق لتطهير الفم والأنف، ولكن كره لنا ذلك في الصيام، قال صلى الله عليه وسلم:
(بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا)
فيُكره للصائم أن يبالغ في المضمضة لأنه ربما إذا بالغ دخل الماء إلى الجوف، وربما كذلك إذا بالغ في الاستنشاق أن يدخل الماء إلى جوفه فيُفطر، لذلك يكره له أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق.
الأمر الثالث: يُكره له المبالغة في وضع العطور والبخور والروائح الطيبة، لأنها نفاذة، وتدخل إلى الجوف مباشرة، لكن بعد آذان المغرب إلى الفجر له أن يضع ما يشاء، لكن أثناء النهار عليه أن يراعي عدم وضع العطر بأنواعه إلا بطريقة مخففة حتى يتأكد أنه لن يصل إلى جوفه.
الأمر الرابع: تذوق الطعام، فإن الإنسان إذا كان يشتغل طباخاً له أن يتذوق الطعام بلسانه على أن لا يبلعه، إذا لم يستطع أن يفعل ذلك فليس له أن يتذوق، لأنه لو تذوق وبلعه فقد أفطر، وكذلك المرأة إذا كانت تستطيع أن تتذوق باللسان ثم تُخرج بسرعة ما تذوقه اللسان ولا يدخل الجوف فهذا أمر لا غبار فيه، ولكن تكن منه على حذر.
الأمر الخامس: يُكره للرجل وخاصة الشاب في نهار رمضان مداعبة زوجته، أو تقبيلها أو أي وضع بشأنها، لأنه ربما تجيء شهوته ويُنزل، وإذا أنزل - حتى بدون جماع - فقد فسد صومه، وبطل يومه، وعليه أن يعيده.
وعليه كذلك أن يتجنب في نهار الصوم ما يثير الشهوة، لا يتحدث في أمر النساء، أو يُكثر الحديث مع النساء، أو يُكثر النظر إلى النساء، أو يُكثر النظر إلى الأفلام وعالم النت والأمور التي تعرض مفاتن النساء حتى يصون نفسه عن تحرك الشهوة في نهار رمضان.
الأمر السادس: ينبغي على المسلم أن يتجنب اللهو واللعب في نهار شهر رمضان، قد يقول لإنسان لآخر: هيا نُسلي الصيام، فيلعبان الطاولة أو الدومينو أو الكوتشينة أو السيجا، هل أنت ستذكر الله، أو تقرأ كتاب الله، أم هل تلعب في نهار رمضان؟!! الذي يمارس هذا العمل بأي من هذه الألعاب في نهار رمضان يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ)
والنرد هو الكوتشينة والدومينو والسيجا وما شابه ذلك، فمن يلعبها في نهار رمضان فكأنما وضع يده في نجاسة، وأغضب الله عزَّ وجلَّ.
الأمر السابع: ينبغي على المسلم في نهار شهر رمضان أن يتجنب القيل والقال، وخاصة إذا استشكل ذلك وجر إلى الغيبة والنميمة، فقد ورد أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا، وَأَنَّ رَجُلًا، قَالَ:
(يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ قَدْ صَامَتَا، وَإِنَّهُمَا قَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ! فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ سَكَتَ، ثُمَّ عَادَ وقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّهُمَا وَاللهِ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا! قَالَ: ادْعُهُمَا، قَالَ: فَجَاءَتَا، قَالَ: فَجِيءَ بِقَدَحٍ أَوْ عُسٍّ، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: قِيئِي، فَقَاءَتْ قَيْحًا أَوْ دَمًا وَصَدِيدًا وَلَحْمًا حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: قِيئِي، فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ وَلَحْمٍ عَبِيطٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى مَلَأَتْ الْقَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللهُ لهما، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَتَا يَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ) .
الذي يخوض في حق الناس قال الله عزَّ وجلَّ فيه في القرآن:
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (12الحجرات)
الذي يتكلم في حق مسلم بسوء فكأنه يأكل لحم أخيه الميت، وهذا كلام الله عزَّ وجلَّ، ولذلك الغيبة تفسد الصوم وتبطله لأن الإنسان انتهك حرمة الصوم وأكل لحوم إخوانه المؤمنين، وكذا مع الغيبة خمس حقائق يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ، وَيَنْقُضْنَ الْوُضُوءَ: الْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالْكَذِبُ، وَالنَّظَرُ بِالشَّهْوَةِ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

حالات طبية عصرية

معظم الحالات العصرية الطبية غير موجودة في الكتب الفقهية القديمة، لأنها أشياء مستحدثة، لكن هناك فقهاء معاصرون أوَّلوها بحسب التشريع السماوي.
ما الذي يُفطر الإنسان؟!!
أي شيء يدخل من منفذ من المنافذ الطبيعية كالفم أو الأنف، ويكون القصد منه الغذاء، وهذه هي القاعدة الفقهية، وعليها فمن أخذ حقنة، هل الحقنة تؤخذ من هذه المنافذ؟ لا، لذلك فالحقنة مباحة في نهار رمضان إن كانت ضرورة وبأمر الطبيب حتى وإن كانت حقنة فيتامينات، لكن إذا كانت حقنة فيتامينات وأخذها الإنسان بنفسه بغرض الغذاء فإنها تفطر.
وكذلك قطرة العين ونقط الأنف والأذن، كل هذه الأشياء مباحة بشرط أن لا تصل إلى الجوف، فإذا وصلت الحلق وبلعتها فقد فسد الصوم، لكن إذا لم أبلعه وأخرجته فليس هناك شيء.
- إنسان عنده فشل كلوي، ويحتاج إلى غسيل، هذا الغسيل يُنقي الدم، إذا كان هذا الغسيل سيضع الطبيب فيه أغذية تغذي الجسم فإنه يُفطر، لكن إذا كان الغسيل لمجرد تنقية الدم فله الخيار، إما الفطر لأن الذي يغسل له رخصة الفطر، بسبب الإجهاد، وأن جسمه يحتاج إلى سوائل، وإما أن يصوم إذا استطاع، والرأى في هذا الأمر للطبيب، إن كان امتناعه عن تناول السوائل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع الغسيل لن يضره فله أن يصوم، لكن إذا كان عدم تناول السوائل سيضره فهو من أصحاب الأعذار، وعليه أن يفطر وليس عليه إعادة الصيام، وإنما يخرج فدية عن كل يوم عشرة جنيهات من أيام الصيام. ... هو لا يتعب إلا في اليوم الذي يغسل فيه، ويكون طبيعياً في باقي الأيام، فهذا يفطر في يوم الغسيل، ويصوم بقية الأيام، مع العلم أن له رخصة الفطر لأنه مصاب بمرض مزمن.
الأشعة، إذا كانت على الصدر، أو على المعدة والبطن، أو أشعة على الرحم بالنسبة للنساء، والجل الذي يضعه الطبيب على الجلد قبل عمل الأشعة، كل ذلك لا يُفطِّر.
- إنسان مريض يقوم بعملية جراحية ويحتاج لمن يتبرع له بدم، هذا المتبرع سيتم وضع حقنة في وريده لتسحب الدم، هل سحب الدم يُفطر؟ لا، كذلك لو تم سحب عينة دم لعمل تحاليل لا تُفطر.
- إنسان عنده ألم في أسنانه، وأشار الطبيب بخلع ضرس من أضراسه، فلا مانع من خلع هذا الضرس أثناء الصيام بشرط عدم وصول أي شيء إلى جوفه إن كان من الدم أو الأدوية، والبنج الذي يضعه الطبيب في الفم ليس فيه شيء لأنه بنج موضعي.
- إنسان مصاب في صدره بالربو، ولا يستطيع أن يعيش من غير البخاخة، العلماء الاجلاء في المملكة العربية السعودية عرضوا هذا الأمر طبياً ودينيا وقالوا: بخاخ الربو لا يُفطر.
- إنسان مصاب بالتهاب في اللوز، وأمر الطبيب بالغرغرة، فليس فيها شيء بشرط عدم بلع شيء، مثلها مثل معجون الأسنان، وإن كان معجون الأسنان لا يستحب من بعد الظهر إلى المغرب، لقوله صلى الله عليه وسلم:
(لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)
- إنسان يشكو من جلطة، والجلطة تؤثر على القلب، وأمره الطبيب إذا جاءته الحالة أن يضع حبة معينة تحت اللسان حتى لا يزيد الداء، هذا الأمر كذلك أفتى العلماء في المملكة العربية السعودية بجوازه للضرورة.
كل الأمور الطبية الظاهرة كتركيب جبيرة وما شابه لا تفطر الصائم.
بالنسبة للنساء، فالكشف الخاص بالنساء الآن أصبح بالأشعة التليفزيونية، ولذلك لا تُفطر، وإذا كان هناك ضرورة لوضع الطبيب يده في فرج المرأة، فإن الطبيب يلبس جوانتي ولضرورة العمل لا يفطر، لكن المرأة تعيد هذا اليوم احتياطاً لأنه لا ينبغي أن يدخل شيئاً أجنبياً في فرجها.
ما حكم وضع اللبوس كان في القُبُل أو في الدُبر لمريض أو مريضة أثناء الصيام؟
الفتوى التي أفتى بها مجمع الفقه الإسلامي، وهو الذي يجمع أكابر علماء المسلمين في العالم، وهم إذا اتفقوا على أمر فيكون بإجماع كل علماء المسلمين، فقالوا: اللبوس إذا كان يستخدم كمادة علاجية، لا بقصد الطعام، لا يُفَطِّر الصائم ولا الصائمة، ما دام بأمر الطبيب وليس له بغذاء.
- مريض وأصيب بكرشة نفس، ولا يستطيع أن يتنفس إلا إذا وضعنا له أنبوب أكسجين، وأنبوب الأكسجين ليس بطعام ولا غذاء، وكل ما يُدخله الهواء، ولذلك لا يفسد هذا الأمر الصيام، وصاحبه يظل صائماً إن شاء الله.
- رجل عزم على العمرة في رمضان، والعمرة في رمضان يقول فيها صلى الله عليه وسلم:
(عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ مَعِي)
تساوي في الأجر والثواب حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنها لا تُسقط الفريضة، فلو صليت خمسمائة ركعة نافلة لله هل تُغني عن صلاة الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء؟ لا.
هذا الرجل عند استكمال أوراق العمرة سيطلبون منه شهادة طبية ولا بد له من التطعيم ضد الأمراض المنتشرة، فما حكم هذا التطعيم؟ .. أي تطعيم لا يُفطر الصائم ولا يبطل الصيام.
- مريض تعب فجأة وذهبوا به إلى طبيب القلب وقال لهم: لا بد له من قسطره استكشافية، فما الحكم؟ أفتى مجمع الفقه الإسلامي أنها لا تُبطل الصيام لأنها لا تُدخل طعام ولا شراب، وإنما هي أمر علاجي لا بد منه.
- بعض السيدات تريد أن تصوم شهر رمضان وتتمتع بالصيام والقيام وتلاوة القرآن، ولا تفطر أيام الدورة في رمضان، والأطباء قالوا: أن المرأة تستطيع أن تتناول بطريقة طبية محددة حبوب منع الحمل، فلا تأتيها الدورة في شهر رمضان، وهذا الأمر مباح شرعاً باتفاق العلماء ولا حرمة فيه.
لأنه حتى قبل إيجاد هذه الحبوب كان سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يصف للنساء أن يتناولن ماء الأراك، وهو الشجر الذي يُصنع منه السواك، لأنه يمنع نزول الدم، حتى تتمتع المرأة بصيام شهر رمضان كله، فلا تفطر فيه يوماً، ولا تحتاج إلى الإعادة، وتتمتع بالصلاة والقيام وتلاوة القرآن.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

فوائد شهر رمضان

روي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ صَاحِبِهِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا وَقَدْ خَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَيَّ، فَقَالَا لِي: ارْجِعْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:
(مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ! فَقَالَ: " أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟" قَالُوا: بَلَى، قال: "وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
الشهادة أعلى درجة بعد درجة الأنبياء والمرسلين، قال صلى الله عليه وسلم في شأنها:
(إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)
لكن المنزلة العالية التي حصل عليها الآخر كانت بسبب صيام شهر رمضان الذي صامه، ولم يصمه الآخر.
فشهر رمضان فيه من الفوائد ما لا يُعد ولا يُحد:
- والمسلم الذي لا يستطيع طوال العام أن يُحصل قربات ولا حسنات، فيستطيع في رمضان أن يكون من الأغنياء عند الله، ومن الوجهاء في الدنيا والآخرة، ويُحصِّل أضعافاً مضاعفات.
لذلك رأى سلفنا الصالح رضي الله عنهم أنه ينبغي في صلاة العشاء أن يؤخر إقامتها على الأقل عشر دقائق حتى يلحق المتأخر ولا تفوته هذه الفريضة وثوابها، وفي مكة والمدينة يؤخرون إقامة صلاة العشاء في أيام رمضان نصف ساعة بعد الأذان حتى يتمكن القادم من أماكن بعيدة من إدراك صلاة العشاء وصلاة التروايح.
ما الذي ينبغي أن نفعله في رمضان لنُحصل أضعاف من الحسنات؟
- في كل وقت عندما يدخل الإنسان المسجد لأداء الصلاة، فبعد أن يُصلي ركعتي السُنَّة عليه أن يقول: نويت الاعتكاف لله عزَّ وجلَّ ، ما دام متوضئاً، وفي بيت الله، ومتجهاً إلى القبلة، وألا يشغل نفسه بالكلام مع من حوله، وإنما يتكلم مع من خَلَقَهُ؛ فيذكر الله، أو يستغفر الله، أو يُصلي على رسول الله، أو يقرأ كتاب الله .. هذا الاعتكاف ما ثوابه؟ قال صلى الله عليه وسلم:
(من اعتكف قدر فُواق ناقة - يعني قدر وقت حلب الناقة - فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل)
أمر يسير، وأجر كبير، لكنه يحتاج إلى توفيق من العلي القدير عزَّ وجلَّ، أضعافاً مضاعفة من الحسنات في هذه الأوقات اليسيرة، وجزاءها أجر حجة وعمرة مقبولة بنص من لا ينطق عن الهوى.
- أمر آخر سهل وبسيط رسَّخه العلماء في رمضان وهو أن الإنسان يقوم بعمل مجلس علم، تنبيه للغافل وتذكير للعالم وتعليم للجاهل، هذا المجلس ما أجره؟ قال صلى الله عليه وسلم:
(مَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً)
- كذلك صلاة التراويح:
وحضرة النبي صلى الله عليه وسلم سنَ لنا صلاة التراويح، ووقتها من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، بعض المساجد تصليها عشرين ركعة كالحرمين الشريفين والمساجد الكبرى في مصر كمسجد الحسين والسيدة زينب والسيد البدوي وعمرو بن العاص، ويصلون عشرين ركعة يقرأون خلالها القرآن كله خلال شهر رمضان.
وبعض المساجد يصلونها ثماني ركعات ويقرأون كل يوم جزء من القرآن ليختموا القرآن في رمضان، وبعض المساجد تصلي ثمان ركعات بما تيسر من القرآن، هذه الصلاة يقول فيها صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
الذي يحافظ على هذه الصلاة سيُغفر له ما تقدم من ذنبه، ومن ناحية أخرى هناك ملائكة تنزل من الملأ الأعلى يشهدون هذه الصلاة، يقول فينا وفيهم صلى الله عليه وسلم:
(فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا)
بعض الناس يصلي العشاء ويتعبد في الليل فلا مانع، وبعض الناس يريد أن يصلي هذه الصلاة ولكنه يشعر بالإطالة فله أن يُصلي بمفرده في البيت، لأنها سُنَّة.
شرع الله عزَّ وجلَّ له أصول وضعها العلماء الفحول، ونحن نتبع فيها النقول، لكننا لو سمحنا في شرع الله بأن كل إنسان له رأي يمشي به على هواه ستحدث مشاكل في دين الله لا حد لها ولا عد لها، وهذا يأباه الله ولا يرضاه.
- أخطر ما يعمله الإنسان في نظر الرحمن أن يمنع الخير عن إخوانه المؤمنين، فيعترض على إمام المسجد بحجة أنه يطيل في التراويح، أنت حر لك أن تُصلي في المسجد أو في مسجد آخر، ولك أن تُصلي في البيت، لكن نحن يجب أن نكون على الأدب النبوي، والأمور واضحة لا لبث فيها إن شاء الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
****************

حفظ الجوارح في الصيام

كيف يحفظ المسلم جوارحه في يوم صومه؟
-----------------
المسلم يحفظ جوارحه في يوم صومه وفي يوم فطره على السواء ...
- يحفظ العين من النظر إلى ما حرَّم الله: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (30:النور).
- ويحفظ الأذن من سماع الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور،
- ويحفظ اللسان من السب والشتم واللعن وكل قولٌ فيه هجرٌ أو فيه أذى،
- ويحفظ اليد من السرقة والقتل، ومن أن تمتد بمعاونة ذلك، أو تمتد إلى شيء حرام.
- ويحفظ الرجل من المشي إلى أماكن الشبهات وأماكن المحرمات،
- ويحفظ الفرج مما حرَّم الله، ولا يبيحه إلا للحلال الذي أحلَّه له مولاه،
- ويحفظ البطن من المطعم الحرام والمشرب الحرام وكل شيء يُغذَّى به الجسم وفيه شيء حرام.
إذا حفظ الإنسان جوارحه من الحرام، فيكون صائماً العام كله لله عزَّ وجلَّ، وقيل في ذلك:
إذا ما المرء صام عن الخطايا
فكل شهوره شهر الصيام

وقال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاء) .
ونهانا الله عزَّ وجلَّ في هذا الشهر عن الحلال؛ فالأكل حلالٌ ولكن الله نهانا عنه، والشرب حلال ولكن الله نهانا عنه، وجماع الرجل زوجته حلالٌ ولكن الله نهانا عنه، فإذا كان الله نهى عن الحلال فهل يُبيح الإنسان لنفسه الحرام؟!! .. .فالحرام أشدُ في الحُرمة ... وهذا صيام العلماء؛ وهو صيام الجوارح، ويكون الإنسان طوال العام مفطراً بالطعام والشراب ولكن الجوارح صائمة عما يُغضب الله عزَّ وجلَّ ... فطول العام صائم وإن كان في نظر الناس وفي نظر نفسه مفطراً، لكن له أجر الصيام طوال العام عند الله عزَّ وجلَّ.

النهج النبوي في الصيام

ما النهج النبوي الذي نسير عليه في الصيام؟
------------------
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لنا أجمعين روشتة نبوية نمشي عليها طوال أيام صيامنا لله عزَّ وجلَّ، سواءٌ في رمضان أو في أي يومٍ نصومه لله عزَّ وجلَّ، فقال صلى الله عليه وسلم في حديثه:
( إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ )
وفي رواية أخرى:
( إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَفْسُقْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ )
بالإضافة إلى الإمتناع عن الطعام والشراب وملامسة النساء من آذان الفجر إلى غروب الشمس، أضاف الحبيب صلى الله عليه وسلم نهجاً تكميلياً لمن أراد أن يُتم الله صيامه ويكون على نهج الحبيب ..
- فنهى عن الرفث؛ والرفث إسمٌ جامعٌ لمعنين: إما الكلام عن النساء، وإما الكلام الخارج مع النساء،
• يعني إذا كنا نتكلم معاً في أى مجلس لا ينبغي أن يسير الحديث إلى أوضاع النساء وأحوال النساء ونتحدَّث عنهن ونحن صائمون.
• وكذلك لا يجلس الإنسان مع النساء ويستطيل في الحديث حتى ولو كانت زوجته، فإن الإنسان في أيام صيامه لا بد أن يتحفَّظ من ذلك، فإن النظرة قد تؤدِّي إلى لمسة، وقد تؤدي إلى همسة، وقد تؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه، ولذلك كرَّه الصالحون حتى النظر بشهوة من الرجل إلى زوجته وهو صائم، مع أن هذا حلال له في غير الصيام، لكن في الصيام يريدون غلق هذا الباب غلقاً تاماً حتى لا ينشغل البال بغير طاعة الواحد المتعال عزَّ وجلَّ.
- ونهى عن الفسق، والفسوق هو كل خروج من طاعة، أو همٍّ بمعصية أياً كانت.
- ونهى عن السباب، لأن الصائم يُدرِّب نفسه بالصيام على الأخلاق الكريمة التي كان عليها الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
- ومن تمام متابعته للحبيب أن يقتدي بالحبيب في أخلاقه، والحبيب صلى الله عليه وسلم ما خرج من لسانه شيء يُسيء إلى أحدٍ قط، فلا يسب ولا يشتم.
- ويُوطِّن الإنسان نفسه مع ذلك في أيام الصيام على تحمُّل من يُثيرهم الشيطان ليدفعوه إلى معصية الله، فإن الشيطان إذا عجز عن الإنسان بحث عن استثارته بما سواه، فيُرسل له رجلاً آخر أو شخصٍ آخر يستثيره ليُخرجه عن الوضع الأتم الذي هو فيه إلى الوضع الذي يريد الشيطان أن يُغويه فيه، ويجعله يخالف سُنن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
- فكما ورد أن غُلاماً كان لسيدنا أبي ذرٍّ رضي الله عنه فعل شيئاً يُغضبه، فقال له: لم فعلتَ هذا؟ قال: لأغضبك فتقع في معصية الله عزَّ وجلَّ، فقال رضي الله عنه: وأنا أريد أن أُرغم الذي أرسلك، أنت حُرٌ لوجه الله عزَّ وجلَّ، وهذا كان حال السلف الصالح أجمعين.
- سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه تصُبُّ عليه الجارية الماء، فوقع الإبريق من يدها فغمر الماء ثيابه، فنظر إليها نظرة بازدراء، قالت: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)، قال: كظمت غيظي، قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، قال: عفوت عنكِ، قالت: (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (134آل عمران) قال: أنت حُرةٌ لوجه الله عزَّ وجلَّ.
يا ليتنا نعود إلى هذه الأخلاق في زماننا هذا، ونهتدي بهدي صاحب الخُلق العظيم والهدي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أسباب عمل المنكرات في رمضان

قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) ، فكيف يفعل البعض المنكرات والشياطين مصفدة؟
-------------
الذي يدعو الإنسان للمعاصي هي النفس لأن الله تعالى قال في شأنها:
(إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي) (53:يوسف)
وقال فيها: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (9، 10الشمس).
النَّفسُ هي التي بها يُحاسب المرء، لأنه إما أن يُعينه الله عزَّ وجلَّ عليها فلا يستمع لهواجسها ووساوسها، وإما أن تستهويه ويخضع لها ويكون عبداً طيِّعاً لها. فالنفس داخل الإنسان، وهي التي تفعل المعاصي التي نراها في رمضان، من يقتل ومن يسرق ومن يكذب ومن يزوِّر ومن يغُش ومن يخدع، هل هؤلاء يمتنعون في رمضان؟ لا، لماذا؟ لأن النفوس موجودة معهم تأمرهم فيستيجيبون لها.
أما الشيطان فيقول فيه الرحمن: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (76:النساء)
بمجرد أن يستعيذ الإنسان من الشيطان فإنه لايستطيع أن يتسلَّط عليه، ولذلك كان العارفون دائماً يفرقون بين خواطر النفس وخواطر الشيطان، فالشيطان يريد للإنسان أن يفعل معصية ولا يُلِّح عليه، فإذا لم يقع في هذه المعصية يتركه ويبحث له عن معصية أخرى يُغويه بها. أما النفس فإنها تُلِّح على المعصية حتى تورِّط الإنسان في فعلها، ولا تتركه حتى يقع فيها.
وهذا الفارق الشاسع بين خواطر النفس وخواطر الشيطان، ولا يستطيع الإنسان أن يتغلَّب على النفس إلا إذا صام صيام المتقين، واقتدى بسيد الأنبياء والمرسلين، وسار على منهج الصالحين، حتى تُسلِّم له النفس، ولا تُعكِّر صفاء قلبه، ولا جمال روحه، ويحظى بما أعدَّه الله عزَّ وجلَّ من جمالٍ وكمالٍ وإكرامٍ وإنعامٍ للصائمين، نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون منهم أجمعين.

دعاء رؤية الهلال

ما دعاء رؤية الهلال؟
------------
كان سيدنا رسول الله إذا رأى الهلال أول كل شهر يقول:
( اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ )
وفي رواية:
( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ، ثَلَاثًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ ذَهَبَ بِهِلَالِ كَذَا، وَجَاءَ بِهِلَالِ كَذَا )
فأول كل شهر ونحن متوجهون لصلاة المغرب ننظر إلى السماء لكي نُنفذ دعاء سيد الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلم.

تدريب الأطفال على الصيام

كيف ندرِّب أطفالنا على الصيام؟
--------------
نبدأ معهم من سن يحتملون فيها الصيام جسمانياً، ولا أقول سنِّاً محدداً، فربما يكون الولد عنده سبع سنوات ويستطيع الصيام، وربما يكون عنده تسع سنوات ولا يستطيع لضعفه، أنت تلاحظ الجسم إذا كان يستطيع الصيام نُوقظه معنا ليتناول السحور ثم ندربه في البداية ونقول له: أنت تصوم إلى الظهر، وبعدها إلى العصر، حتى يتمكن فيستمر إلى المغرب، أو يوم إلى المغرب ويوم إلى العصر، إلى أن يستطيع التدرُب على الصيام الكامل كما ينبغي.
ونأخذه باللطف واللين والحب عملاً بقول الله:
(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (256:البقرة)
فلا نجعله يصوم خوفاً منا، فإن هذا ليس صياماً خالصاً لربِّ العالمين، ونريد أن يصوم لله لينال الأجر بالمحبة والوداد، ونُرغبه في ذلك بإحضار شيء مما يتمناه، وأقوله له: لو صُمت هذه السنة سأعطيك كذا، أو أفعل لك كذا، ولا مانع أن أخصَّه بطعامٍ خاصٍ به دوني أنا والكبار، ليستشعر بحلاوة الصيام، وأقول له: إذا صُمت اليوم سآتيك بحلوى لك من دوننا، وهذا شئٌ سهلٌ، والمهم أن يعرف أن هذا شيء خاصٌ به، فسيُقبل على هذا الصيام.
ونحاول في هذا الصيام أن لا نتركه يكثر الحركة، فإن الحركة الكثيرة تجعله يشعر بالجوع، ونشغله بما ينفع، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك، تقول الربيع بنت معوذ الأنصارية رضي الله عنها: ((كنا نُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ)) .
والعهن يعني الصوف، يلعب بها لينسى وقت الصيام، فالولد يحتاج إلى بعض الألعاب البسيطة التي يستطيع التسلي بها، والألعاب الموجودة حالياً أصبحت معظمها ألعاباً الكترونية، ولكن المهم أن أتابعه خصوصاً في أبواب النت، فإن كانت لعباً الكترونية عادية فلا مانع، لكن لا يدخل على المواقع الخارجة.
وبهذه الطريقة نستطيع أن ندربه على الصيام بعد أن نشرح له فوائد الصيام، وثواب الصائم، وما للصائم عند الله بأسلوبٍ مبسطٍ سهلٍ وميسور.

توحيد المسلمين في بداية ونهاية الصيام

هل يجوز توحيد المسلمين في هلال رمضان وهلال شوال حتى تتوحد الأمة في الصيام والإحتفال في العيد؟
-------------------
لقد سبق الإجابة عن هذا السؤال وإن كان بصيغة مختلفة، يجوز جمع المسلمين في البلدان المشتركة في جزء من الليل في أول الشهر وأخر الشهر؛ يعني التي يظهر فيها القمر في وقت متقارب، لكننا الآن عندنا ليل وأمريكا بها نهار، فلا يجوز أن نتفق مع بعض لأن النهار عكس الليل ولذلك من حكمة الله عزَّ وجلَّ أنه قال على الأرض - عندما يأتي هلاكها:
(أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا) (24:يونس)
ليلاً عند جماعة ونهاراً عند آخرين مع اختلاف التوقيتات، فالبلاد التي تجتمع في جزء من الليل يجوز أن تجتمع في بداية الشهر وفي آخره، وفي بداية شوال، لكن ورد عن الصحابة الأجلاء أنهم جعلوا لكل اقليم مواقيته، وهذه وسعة للمؤمنين وقد روى:
( أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟، فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) .
فأثبت المبدأ الجليل للصحابة أن كل اقليم له رؤيته التي ينبغي أن يأخذ بها، لكن في الوقت الحالي تسعى منظمة العالم الإسلامي إلى جمع الشعوب الإسلامية الشرق أوسطية وهي البلاد العربية وتركيا وإيران ومن حولها - إذا وافقوا - لأنه ليس هناك إلزام على رؤية واحدة، ومن أجل ذلك يسعون إلى عمل قمر صناعي خاص لرؤية الهلال، والذي بدأ هذه الفكرة مصر ودار الإفتاء عندنا، وقسم علوم الفلك في جامعة القاهرة، وكان ما ينقصهم في الأيام السابقة المال، لكن في السنوات الأخيرة نجد أن معظم البلاد العربية تشترك في الهلال مثل مصر والسعودية، وبهذا نكون قد بدأنا خطوات جادة نحو توحيد الصف في هذا المجال إن شاء الله رب العالمين.

موائد الرحمن

ما حكم الإسلام في موائد الرحمن؟
وهل يجوز أن نأكل عليها وخاصة أن كثير من تلك الموائد يعدها الفنانات والراقصات؟
----------------
موائد الرحمن لا يجب أن يأكل منها إلا صاحب الحاجة المحتاج إلى هذا الطعام، والحاجة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، فأنا لو صائم في رمضان ولم أجد طعاماً إلا ميتة فهنا تحل لي الميتة، وهذه ضرورة.
فالصائم الذي يسير في القاهرة مثلاً ولا يوجد معه مال يشتري به طعام، ووجد مائدة من موائد الرحمن فعليه أن يأكل من هذا الطعام إذا اضطر إليها دون أن يسأل هذه مائدة مَن؟ أو من الذي أعدها ،؟.لكن إذا كان الأمر ميسر لي فعلي أن آكل في أي مكان كالمطعم وغيره، فما الذي يجعلني أذهب لهذه الموائد؟! أما موائد الرحمن فهي لمن لم يجد. ... ولذلك وجَّهت بعد الأحباب في بلد تسمى (قها) وقلت لهم الغوا موائد الرحمن، وجهزوا كيس به سندوتش وبلح وعصير، وقِفوا على الطريق السريع وأعطوه للمسافرين، وهذا هو الأفضل، فعلى المؤمن أن يستغل هذه الأمور في صالح المسلمين، أما من سيفعلها للتباهي والتفاخر فليس لنا به شأن.
فمن كان معه المال ويسر الله عزَّ وجلَّ له عليه أن يشتري طعام، لكن معه مال ولم يجد مطعماً ووجد مائدة يجب أن يأكل دون أن يسأل من الذي أعدَّ هذه المائدة.

الصوم عن الكلام

ما معنى قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) (26:مريم)؟
----------------
كان قبل الإسلام بعض العُبَّاد وبعض الزُهاد ينذر أن يصوم عن الكلام مع الخلق، رغبة في صفاء القلب، وفي طهرة النفس، وفي الإقبال على الله، وهذا ما ذكر في الآية:
(إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) (26مريم)
هذا الكلام على لسان السيدة مريم، وهذه كانت لعلة، فهي كانت قد وضعت سيدنا عيسى وقد اتُهمت ورُميت بالزنا، والوالدة لا يصح لها الصوم مثلنا، فلو تكلمت مهما تكلمت لن تستطيع أن تدافع عن نفسها ولا يُتقبل كلامها، فلما أرادوا أن يكلموها فقالت: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا)ً، فقالوا فمن نحدث؟ فأشارت إلى سيدنا عيسى, فهو الذي تكلم:
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (27: 29مريم).
لم يكن نبيًّا في وقته، وكان طفلاً مولوداً، ولم يكلَّف بشيء، لكن لكي نعرف تربية الله لرسل الله ... هذا الصيام عن الكلام نهى عنه سيدنا رسول الله في الإسلام فقال:
( لا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ )
يعني لا يحق لأحد أن يقول هذه الليلة لن أكلم أحد، أو هذا اليوم لن أكلم أحد، فلا يوجد نذر عن الكلام في الإسلام، لكن يجب على الإنسان أن ينوي الصيام عن لهو الكلام، وهذا طوال العمر، أو ينوي الصيام عن الحديث الذي يحتوى على شرور وآثام طوال حياته، لكنها ليست نذر، بل نية لأن النذر فرض لا بد أن يطبقه الإنسان، ولنعلم أن النذر بغرض الامتناع عن الكلام نهي عنه سيدنا الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

فانوس رمضان

هل فانوس رمضان بدعة؟ وهل يجوز السماح للأطفال اللعب به أو تعليقه زينة في الشوارع والبيوت؟
-----------------
البدعة المنهي عنها هي البدعة التي تؤثِّر على عقيدة المسلم، وتجعل هناك نقصٌ في عقيدته في مولاه، أو هناك قصورٌ في متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن مظاهر الحياة كلها - ومنها الفوانيس - فهي أشياء مستحدثة عصرية، والبدعة سُميت بدعة لأنها لم تكن في عصر حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الفانوس ما شأنه بالدِّين؟!! هل دخل في عبادة المسلمين؟!! هل له شأنٌ في عقيدة المؤمنين؟!! لا، فلِمَ نقيم الدنيا ولا نقعدها في أمرٍ ليس من دين الله لا في قليلٍ ولا كثير؟!.
هل كان عند حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاجة؟! لا، فنترك الثلاجات!! ـ هل كان عنده بوتجاز؟! لا، نلغي البوتاجازات!!، هل كان عنده شاشات وتليفزيونات؟! لا، فنُحرِّم الشاشات والتليفزيونات!!، هل كان معه تليفون محمول؟! لا، فنتركه!!، هل كان عنده ميكروفون؟ لا، فلا نستخدمه!!، لكن كل هذه مستحدثات عصرية ليس لها شأن بالدين، لكن البدعة التي تؤثر على الدِّين هي التي تتعلق بالعقيدة.
فالفوانيس عبارة عن شيء يُفرِّح الأطفال بمجيء شهر رمضان، ويذكرهم بهذا الشهر، وتستطيع أن تسميها وسيلة إيضاح كالموجودة في مدارسنا، وكأننا نقول لهم: هذا رمضان قد جاء يا أولاد، فإذا انتهى رمضان فأقول له: احفظه للسنة القادمة، فيعرف أن رمضان فات وسيأتي في العام القادم، وماذا في ذلك؟!.
فلا يؤثر ذلك في الدين لا في قليلٍ ولا كثير، فهي حزلقة وفلسفة في مثل هذه الأمور لا تنبغي لجماعة المؤمنين، بل ينبغي علينا أن نبحث عن الأهم فالمهم في هذا الدِّين.

الترابط الأسري في رمضان

كيف أجمع شمل الأسرة في رمضان؟ وكيف نتعلم الترابط الأُسري؟
---------------
أظن أن هذا أمراً واضحاً، فإننا والحمد لله كنا في الزمن القديم تجتمع الأسر على الطعام، ونظراً لكثرة المشاغل والمصالح أصبح الرجل يأكل عندما يدخل، والولد يأكل عندما يأتي من المدرسة ليذهب مسرعاً إلى الدرس، والبنت كذلك، ولا يجتمع شمل الأسرة إلا لماماً. لكن الله بكرمه وحلمه وجوده يجمعنا أجمعين لحظة آذان المغرب في رمضان على الطعام، فنتحسَّس أحوال أولادنا وبناتنا، ونتعرَّف عليهم، ونكون قريبين منهم، ونعطيهم جرعة من الحنان، ونستفيد في نفس الوقت بمعرفة أحوالهم وأخبارهم ونحن نأكل معاً.
وكذلك يجمعنا الله في وجبة السحور، فيجمع الله شمل العائلة في الفطور والسحور، وجعل هذا الطعام عبادة لله عزَّ وجلَّ، فما أحسن العبادة التي تجمع شمل الأسرة في رمضان على الفطور وعلى السحور إن شاء الله.

رخصة الفطر للمسافر

هل يجوز الإفطار للمسافر بالطائرة؟
--------------
المسافر إذا بلغ مسافة السفر حوالي ثلاثة وثمانون كيلو متراً جاز له أن يفطر، سواء كان راكباً طائرة، أو سيارة خاصة مكيفة، أو أتوبيس سياحي أو أي ركوبة ... فطالما أنه مسافر وهذه المسافة القانونية أباح له الاسلام الفطر، وإن كان الله عزَّ وجلَّ قال:
(وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (184البقرة)
وهذه فيها مغزي إلهي رباني عظيم، فكأن الله عزَّ وجلَّ يقصد بهذه الأية ما حدث في زماننا من المستجدات العصرية في وسائل السفر، لأنه في عصر الرسالة لم يكن هناك من وسائل سوى الخيل والإبل والبغال والحمير، وكلها وسائل شاقة، والبلاد حارة فمن الذي يستطيع أن يصوم وهو يركب هذه الوسائل؟! ولكن هذا كان استشفاف من الله عزَّ وجلَّ أنه سيجد عصور كالتي نحن فيها، فيها الطائرات والأتوبيسات والسيارات المكيفة والقطارات، لكنه رغم ذلك أباح الله عزَّ وجلَّ له الفطر، قال صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ)
هذه رخصة معه، فإذا أخذ بها فبها ونعمت، وإذا أخذ بالعزيمة كان أجره مضاعفا ًأضعافاً كثيرة، لأنه أخذ بالعزيمة التي حبَّبها الله لعباده المؤمنين ... وكان صلى الله عليه وسلم يسافر مع أصحابه في الصيام، فمنهم الصائم ومنهم المفطر، لكن كان لا يعيب الصائم على المفطر، ولا يرى أنه خير من المفطر بصيامه، يقول سيدنا أنس رضي الله عنه:
{( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةِ وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ) }

صيام الكفارة

هل يجوز لشخص عليه صيام كفارة أن يصوم شهر رجب وشعبان؟
-----------
صيام رجب وشعبان إن كان لقضاء كفارة فلا ضير في ذلك، لأن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقضي الأيام التي تفطرها في رمضان في شهر شعبان، على أن يفصل بين شعبان ورمضان ولو بيوم، وهو آخر يوم من شهر شعبان، وإن كان بعض الناس في الزمن القديم كانوا يصومون الثلاثة أشهر كاملة، فإن كان إعتاد على ذلك فلا مانع في ذلك، وإذا كان آخر يوم في شهر شعبان يوم اثنين أو خميس وهو معتاد أن يصوم يومي الاثنين والخميس طول العام فلا بأس أن يصوم هذا اليوم حتى لا يقطع عادته في ذلك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

صيام العادة والعبادة

كيف يجعل الإنسان صيامه عبادة لا عادة؟
وما الفرق بين صيام العادة وصيام العبادة؟
------------
العبادات كلها إما عادة وإما عبادة، والعادة إذا اعتاد الإنسان فعلها ولم يشعر باطنياً بخشوعٍ أو خضوعٍ أو خوفٍ أو وجلٍ أو إقبال ٍعلى الله عزَّ وجلَّ، أما العبادة فهي التي يستشعر صاحبها حينما يؤديها بشيءٍ من الورع، وشيءٍ من الوجل، وشيءٍ من الخوف:
(الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (35:الحج)
بشيء من الحضور، بشيء من المراقبة لله عزَّ وجلَّ.
ولذلك فأهم ركن يجب أن يحرص المرء عليه في كل العبادات أن يكون يقظ القلب عند النية، فعندما ينوي الانسان وهو داخل في الصلاة وهو لا يشعر - حتي أنه لا يعلم أقال الله أكبر أم لا - فكيف تكون هذه الصلاة؟! فلابد أن يستحضر النيَّة - جليَّة في قلبه - قبل أن ينوي لله عزَّ وجلَّ، إن كان صلاة أو صيام، أو حج أو تلاوة، أو نافلة أو أي عمل، قال صلى الله عليه وسلم:
( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى )
فإذا استحضر الانسان قلبه وقت النية وكبَّر لله عزَّ وجلَّ على ما في فؤاده لا بد أن تأتيه المنح االإلهية أثناء هذه العبادة فتحولها من عادة إلى عبادة، والعادة لا يشعر الانسان فيها بزيادة، لكن العبادة كلما أدَّاها المرء يحصل له استزاده من اليقين ومن النور ومن الحضور والخشوع مع الله عزَّ وجلَّ:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (2الأنفال)
يزيد الإيمان كلما أدي هذا العمل لله، وهذا معناه أنها عبادة مقبولة، فيُقبل عليه الله جل في علاه.

النوم طول النهار للصائم

هل يجوز النوم طول النهار أثناء الصيام؟
--------------
من يتعمد النوم طوال النهار في رمضان حتى لا يشعر بألم الجوع أفتى الأئمة بأن صيامه باطل، لأن شرط الأجر على الصيام أن يشعر بألم الجوع حتى يستشعر بحاجة الفقير، فكونه ينام طوال النهار حتى لا يشعر بألم الجوع إذا كان بهذه النية فهو مفطر، فلماذا ننام إذاً؟ نحن ننام للاستعانة على قيام الليل، والقيام للسحور، فالنوم هنا يكون عبادة لأنك تستعين به على طاعة الله، وعلى عبادة لله، لكن من نام بنية أنه يريد ألا يشعر بالجوع حتى غروب الشمس فهنا لا أجر له، ويدخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ) .

الزواج في رمضان

هل يجوز الزواج في رمضان؟
------------
ما الذي يمنع من الزواج في رمضان؟! يجوز الزواج في رمضان على أن يعلم الزوجان أو يعلم الرجال والنساء جميعاً أنه لا يحل لهم إتيان بعضهم إلإ بعد غروب الشمس إلى مطلع الفجر، فلا يجوز له أن يقترب من امرأته في نهار رمضان، وإن كان شاباً لا يجوز له أن يلامسها لأنه إذا لامسها أو قبَّلها فربما لا يستطيع أن يحفظ نفسه فيقع في الكفارة العظمى، والكفارة العظمي لمن جامع زوجته في نهار شهر رمضان أن يصوم شهرين متتابعين، فإذا أفطر في يوم واحد منهما يعيد الشهرين من جديد، وإذا صام الشهريين متتابعين نقول له إعلم علم اليقين قول سيد الأولين وأخرين صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ)
فلو صام الدهر كله لن يكفر هذا اليوم، فليس هناك رخصة في الإسلام تبيح لشاب سيتزوج أن يفطر أياماً معينة للزواج، كما كان في الماضي بين النساء، فكن ينشغلن في آخر رمضان بعمل الكعك - وهي بدعة فاطمية - فكن يُبِحن لأنفسهن الإفطار في يوم الكعك، وهذا لا أساس له في الدين.
وقد لاحظنا أن هناك من الشباب من يتزوج في نهاية رمضان، وهناك من يفتيهم بأنه يجوز لهم أن يفطروا، فهذا مخالف لشرع الله عزَّ وجلَّ وهدي النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.
وإن كان الزواج في رمضان فيه خير وفيه بركة لكن على الإنسان أن يعلم علم اليقين أنه لا يباح له الجنس في نهار رمضان، وهناك من العلماء من يحرم نظرة الرجل لزوجته بشهوة في نهار رمضان، برغم من أن نظرة الرجل لزوجته حلال، ولكن نهوا عنها حتى لا يستثارا ولا يستطيعا دفع أنفسهم.
ولذلك كان الصحابة يعتكفون في العشر الأواخر من رمضان، والخروج من المعتكف مباح للضروريات، فكانوا يخرجون من الليل الي نسائهم فيباشروهن فنهاهم الله عزَّ وجلَّ عن ذلك بقوله:
(وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (187البقرة).
إذاً فالزواج في رمضان يجوز مع البعد عن إتيان بعضهما في نهار رمضان، حتى لا يقع تحت طائلة الكفارة العظمى تطبيقا لشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الراجع إلى أهله من سفر طويل في رمضان

ما حكم رجل كان على سفر لمدة طويلة ثم عاد الي بيته في نهار رمضان فأغرته زوجته فجامعها؟
-----------
عليه كفارة صيام شهرين متتابعين.
وله إن أتى من سفر ولمدة طويلة فإذا نزل بالقاهرة مثلاً - وهو من الصعيد في الأصل - فعليه أن يجعل زوجته تقابله في القاهرة - وهو في هذه الحالة على سفر وهي على سفر - فيباح لهما الفطر، أو أتى إلى بلدته وأراد جماعها فعليه أن يأخذها ويسافر وفي هذه الحالة يباح لهما الفطر لأنهما على سفر.
ولكن هل تجوز نيَّته هذه في السفر؟، نيَّة السفر هنا لقضاء هذه الحاجة، وهو لا يستطيع أن يمنع نفسه، فأصبحت نيَّة السفر هنا هي:
(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (30النور)
فنية السفر بنية حفظ الفرج، علماً بأنه لا كفارة على المرأة إلا إذا كانت هي من أغرته، ولكن إذا كانت مجبورة فعليها قضاء يوم، وهو قضاء يوم وكفارة صيام شهرين متتابعين.

الإفطار على الماء الفاتر

ورد أن الإمام علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه قال: ((إذا أفطر الرجل على الماء الفاتر نقى كبده وغسل الذنوب من القلب وقوي البصر والحدق)) ... فما صحة هذا القول؟
---------
لنعلم جميعاً أن كثيراً من الأقوال المنسوبة إلي الامام علي رضي الله عنه من وضع الشيعة، وكثير من الأحاديث التي تروى على لسان أهل البيت أيضاً نسبها الشيعة لأهل البيت، والمؤمن كيس فطن، فأي شيء يروى عن الأئمة الخلفاء الراشدين، عليَّ أن أنظر إلي سنده، في أي كتاب؟ إن كان في كتب صحيحة معتمدة عندنا جماعة المسلين نأخذ به، وإن كان من كتب الشيعة فلا نأخذ بضاعة أهل البيت من كتب الشيعة أبداً، لأنهم يتزايدون على أهل البيت، ويضعون عكس ذلك أحاديث في الزراية على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحاديث في سب معاوية، وأحاديث في سب السيدة عائشة، وأحاديث في سب سيدنا أبو بكر وعمر.
والشيعة لا يؤمنون بالمراجع التي نعتمد عليها في الحديث، مثل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، كل هذه الكتب غير معترف بها عندهم، لهم كتاب واحد وهو مرجعهم اسمه: (الكافي) للكليني، الأحاديث التي به كلها منسوبة لأهل البيت، مع أن أهل البيت لو عددنا الأحاديث التي وردت عنهم نادرة، فالأحاديث التي رواها الإمام الحسن أو الحسين نجدها شذرات، لكن الشيعة يروون عنهم أحاديث لا عدَّ ولا حدَّ لها. لكن نحن ننظر للسند (الجهة المعتمدة التي روت هذا الكلام).
وفي الأساس نحن مأمورون بما ورد عن الله، أو ما ورد صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك فنحن فيه بالخيار، إن نشأ أخذنا به أو إن نشأ تركناه.
فمثل هذا الكلام إن كان يوافق الطب الحديث اعتمدناه وأخذنا به، لأن ما جاء في القرآن وفي الأحاديث النبوية الصحيحة لا يختلف مع العلم الحديث، ولا يختلف مع العقل، إذا وجدناه يختلف مع العلم الحديث نعلم علم اليقين أنه من صنع الشيعة هداهم الله.
فأنا أول مرة أسمع هذا الكلام ولا أدري ما صدقه، والوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يفطر على الرطب (البلح الجديد) فإن لم يجد الرطب فيفطر على التمر المبلل باللبن أو بالماء. لكن هل ورد عن رسول الله أنه كان يفطر على ماء فاتر؟!! ولو كان حتى بسند ضعيف!!، وما لنا بهذا الكلام؟! ولماذا نثيره؟!
الطب الحديث يقول نحن نسير مثل ما قال الرسول، فإن لم نجد فنفطر على شيء حلو كعصير أو عسل، لأن المعدة تريد شيئاً حلواً، لكن الماء الفاتر لم يقل به أحد أبداً، ولا نجد فيما ورد لنا من التراث النبوي أن النبي أو أصحاب النبي كانوا يفطرون على ماء فاتر.
الماء الفاتر ظهر في العصر الحديث في هذه الأيام في صالات الجمنزيوم، فالذي يريد أن يخس (يقل وزنه) يشرب كوباً كبيراً من الماء الفاتر على الريق قبل الطعام، وهذه أحسن وصفة عصرية للتخسيس وليس للصيام.

الصيام مع اللطم وشق الثياب

من أجل مشكلة مع الجيران قمت بلطم خدي وشق ثيابي في نهار رمضان، فما حكم الصيام في ذلك اليوم؟
----------
من فعلت ذلك عليها فوراً أن تبادر إلي التوبة النصوحة، وتعلن توبتها إلي الله.
وشرط التوبة أن تندم على ما فعلت، وتعاهد الله أن لا تعود إلي هذا الذنب أبداً، وتتوضأ وتصلى ركعتين لله، إذا فعلت ذلك فإنها تدخل في قول الله عزَّ وجلَّ:
(إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (70الفرقان)
ويتقبل الله صيامها لأنها تابت ورجعت عما فعلت أو قالت.

حكم الكفارة

هل لمن علية كفارة صيام أن يختار ما يناسبه من صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكين، أو أن الشرع يفرض عليه إحداهما؟
----------
كلمة أو تدل على التخيير وهذا من رحمة الله، إما هذا أو هذا, أقول لك: أحضر فلان أو فلان، هل بذلك أقصد الاثنين؟ لا، أقصد واحد فقط الذي تريده أنت، إما أن تنادي هذا أو هذا.
فالله عزَّ وجلَّ خيَّرنا أن يصوم الإنسان شهرين متتابعين، أو أن يطعم ستين مسكيناً، وكما قلنا سابقاً أن الشهرين المتتابعين غير اليوم الذي أفطر فيه، فيكون شهرين ويوم، وتكون أشهر هجرية وليست ميلادية، إذا أفطر يوم في وسطهما يبدأ من جديد.

التهذيب بالصيام

ورد في الأثر: (( أن الله عزَّ وجلَّ أول ما خلق النفس قال لها: من أنا؟ قالت: أنت الله رب العالمين وأنا النفس، - رأت نفسها في حضرة الله - فأمر الله بتجويعها، ثم قال لها: من أنا ومن أنت؟، قالت أنت الله ربُّ العالمين، وأنا لا شيء)).
لا يوجد شيء يهذب النفس مثل الجوع ... ولذلك يقول أمير الشعراء أحمد شوقي: ((الصوم حرمان مشروع, وتأديب بالجوع, وطاعة لله وخضوع))، وورد فى الأثر: (( دَاوِمِوا قَرْعَ بَابِ الْجَنَّةِ بِالْجُوعُ أو بالجوع والظمأ )) . وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ((أول بدعة حدثت بعد رسول الله الشبع إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا))، ففي أيام رسول صلى الله عليه وسلم كانوا لا يشبعون.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رده للطبيب الهدية من مقوقس مصر:
(نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع)
وكان الإمام عليٌّ رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه يقول: ((إذا امتلأت المعدة بالطعام ذهبت الحكمة وتحركت الأعضاء نحو الذنوب والآثام)).
الإنسان عندما يكون جائعاً لا يريد الكلام، حتى ولو خاطبه أحد لا يستطيع الكلام، ولا يستطيع الذهاب إلي أي مكان إلا للضرورة، لكن عندما يشبع تبدأ العين في النظر, واللسان يريد أن يتكلم, والأذن تريد أن تسمع, والدم يملأ الجسم فيحرك الأعضاء نحو الذنوب والآثام.
لا يوجد شيء أبداً يعين الإنسان على تزكية النفس مثل الجوع، ولذلك السادة الصالحون أخذوا من هدي سيد الأولين والآخرين أربع أشياء في روشتة يصل بها المرء لرتبة الصالحين، فالذي يريد أن يكون من الصالحين ماذا يفعل؟ قالوا: يقلل الكلام, ويقلل المنام, ويقلل الطعام, ويقلل من مجالسة الأنام.
فلا يُشوِّش على صفاء قلبه, ولا ينام إلا غلبة، فلا يوجد مؤمن يريد أن يصل إلي مقام الأتقياء ينام على الفراش ساعة أو أكثر ولا يأتيه النوم، أو يأخذ منوم حتى يستطيع النوم، لا يجوز عندهم ذلك: (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) (17الذاريات)
يقضون الليل في ذكر الله، أو طاعة الله على هدي حبيب الله ومصطفاه، وإذا أكل يأكل كما قال صلى الله عليه وسلم:
(مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ)
فإذا زاد على ذلك يحدث تعب للمعدة وتعب للأعضاء، ومعاناة في جهاد النفس, من الذي يفعل ذلك؟ الذي يريد أن يكون من الصالحين، والذي لا يستطيع أن يفعل ذلك فدعه مع القاعدين:
(لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ) (95النساء)
فالذي يريد أن يكون من الصالحين فها هي الطريق, لأن الكلام يكون عمل يحاسب نفسه عليه، لأنه يعلم أن الله عزَّ وجلَّ سيحاسبه على ما نطقت به شفتاه، قيل: ((من عدَّ كلامه من عمله قل كلامه))، كل كلمة ستحاسب عليها، لماذا هذه الكلمة؟ لابد من:
(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (24الحج)
فالصالحون كلامهم ضرورة, وأكلهم فاقة مثل أكل الفقراء الذين لم يأكلوا أي شيء إلا قليلاً, ونومهم غلبة, ويقللون من مجالسة الخلق طمعاً في محادثة الحق عزَّ وجلَّ، لأنه عزَّ وجلَّ يقول: (أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي)
ما الذي يعين الإنسان على بلوغ ذلك كله؟ الجوع ... كيف؟ بالصيام، أو بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع) .

تنبيه المفطر علناً

ما حكم من رأيته يأكل أو يشرب وهو صائم؟ هل يجب أن أنبهه أم أتركه؟
-------------
عليه أن يُذَكِّره وهذا هو الحكم الطبيعي:
(فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) (9الأعلى).

تعليم الأبناء أحكام الصيام

كيف أوصل لأبنائي المعلومة الشرعية الخاصة بأحكام شهر رمضان؟ وما أفضل الكتب في هذا الأمر؟
---------------------
أفضل الكتب التي توصل المعلومة هي أي كتاب من كتب الفقه الميسر، يكون أسلوبه سهل ويسير في الاستيعاب على الأبناء على حسب سنهم، الأبناء في سن الطفولة يحتاجون إلى فهم خاص، وفي المرحلة الإعدادية فهم أعلى، وفي المرحلة الثانوية فهم أرقى، وفي المرحلة الجامعية فهم أكمل، فلا يوجد كتاب واحد ينفع في كل هذه المراحل، ولكن والحمد لله المكتبة الإسلامية مليئة بالكتب الميسرة للصغار وللكبار، وعنوانها الفقه الميسر.
ونحن اخترنا للمبتدئين عندنا في طريقنا ومنهجنا كتاب الفقه الميسر لفضيلة الإمام الأكبر السابق الشيخ محمد سيد طنطاوي، وهو كتاب فيه كل أحكام الفقه من البداية للنهاية بأسلوب سلس وميسر وسهل في الاستيعاب، إذا أنا استوعبته فعلي أن أتنزل وأيسره لأولادي على حسب سنهم وعلى حسب استيعابهم.

حكمة الكفارة

ما الحكمة من الكفارة؟ ولم جعلها الله سببًا للمغفرة؟ أليست المغفرة هي العفو بدون عقاب؟
------------
لابد هناك من زاجر يمنع تكرار الإساءة، لو كان هناك عفو بدون زجر فستتكرر الإساءة، وسيتمادى المسيء في إساءته، ما الذي سيمنعه من الإساءة؟ الطبيعة البشرية تحتاج إلى زجر، ابنك في البيت لو أخطأ مرة وتقول له سامحتك، ثم يخطئ الثانية وتقول له سامحتك، فسيعمل كل ما بدا له، ولكن إذا أخطأ الثانية فكلمته بشدة ولوم وعتاب، والمرة التالية توبيخ والمرة التالية أبين له أني غضبان منه، وإلا فما الذي سيمنعه من تكرار هذا العمل؟!.
فحكمة الله في الأحكام الشرعية كلها أنه لا بد أن يكون هناك زجر؛ لأن النفوس قوية في فعلها، ولا يردها عن غيها إلا زجرها وردعها بالزواجر الشرعية والروادع القرآنية، التي جاءت عن الله عزَّ وجلَّ، وبيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه هي التي ستمنعه من التكرار.
فما بالكم عندما يقع في المعصية الكبرى في شهر رمضان ويقع في الخطيئة عامدًا متعمدًا، وأنا سمعت في إحدى القنوات الفضائية رجل يقول: أنا جامعت زوجتي في نهار رمضان عامدًا متعمدًا وأنا أعلم أن هذه خطيئة وأن هذا ذنب، هل هناك استهتار أكبر من هذا ؟!! فهذا لو قلنا له عفو وانتهى الأمر؛ لتكرر منه هذا الأمر، ولكن لو قلنا له: عليه أن يصوم شهرين متتابعين غير اليوم الذي أفطر فيه، ولو أفطر في يوم خلال هذين الشهرين فعليه أن يعيد الصيام من البداية، أظن أن هذه قارعة تمنعه إذا تذكرها من إتيان هذا الفعل، فلا بد من الزاجر فهو الذي يمنع الإنسان من فعل المعاصي والذنوب والآثام.

صيام أهل المناطق القطبية

ما حكم الدين في صيام مسلمي أيسلندا ومن شابههم، وهم الذين يصومون حوالى اثنان وعشرون ساعة؟
-----------------
أظن أن هذا الأمر وضحناه مرارًا ولكن نوضحه من جديد، الذين يسكنون في المناطق القطبية، والذين تظل الشمس عندهم مشرقة لمدة تزيد عن عشرين ساعة، أجمع الفقهاء قديمًا وحديثًا على أنهم يُقدِّرون الصيام بحسب توقيت مكة المكرمة أو توقيت المدينة المنورة، على أن يبدأ الصيام مع أذان الفجر عندهم، ثم ينظر كم يصوم أهل مكة؟ أربع عشرة ساعة مثلاً، ويحسب ثم يفطر مع أن الشمس مازالت موجودة.
ولهم بالإضافة لذلك أن يُقَدِّروا بحسب أقرب بلد مسلم معتدل لهم، مثلاً أهل بلغاريا أقرب بلد لهم مسلم هي تركيا، فلهم الخيار إما أن يأخذوا بتوقيت مكة والمدينة أو بتوقيت تركيا، لأنها أقرب البلاد الإسلامية المعتدلة لهم، وهذا حكم الإسلام في هذا الأمر.
وهم والحمد لله عندهم منظمات إسلامية قوية ومعتدلة، وينظمون هذا الأمر، والحمد لله النت حسب لكل الناس كل ما يحتاجون إليه في كل البلاد، فلو دخلت على النت تجد الصيام مثلاً في اسكتلندا من الساعة كذا للساعة كذا، الصيام في النرويج من الساعة كذا للساعة كذا، الصيام في كندا من الساعة كذا للساعة كذا.

مزايا رمضان لمن تقضي أيام رمضان

هل تحصل المرأة على مزايا رمضان عندما تعيد صيامها بعد رمضان، مثل الفرض بسبعين، والسُنَّة بفرض، وختم القرآن، وغيرها من عطاءات الله عزَّ وجلَّ؟
----------------
المرأة ما دامت امتثلت لما حكم به عليها الله؛ فإن لها الأجر موفورًا في أي وقت تعيد فيه هذه الأيام، فضلاً من الله عزَّ وجلَّ لأنها امتثلت لأمر الله سبحانه وتعالى، وإذا كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:
(مَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُصَابُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، إِلَّا أَمَرَ اللَّهُ الْحَفَظَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ، مَا كَانَ مَحْبُوسًا فِي وِثَاقِي)
وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم يقول:
( إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا )
لأن المرض ليس بيده، ولم يجلبه لنفسه، فما دامت المرأة لم تمتنع عن الصيام من نفسها وإنما طاعة لأمر ربها؛ أعطاها الله كل أجور الأعمال التي كانت تعملها في صيامها، حتى لو أدتها في أي وقت من العام.
على سبيل المثال، المرأة التي تحافظ على صلاة التراويح في المسجد في جماعة في ليالي شهر رمضان، وأفطرت مثلاً خمسة أيام، وهي في غير رمضان لن تجد صلاة تراويح، فعليها أن تجتهد من نفسها، ويعطيها الله أجر الجماعة التي كانت تصلي فيها في وقت رمضان؛ لأنها اجتهدت على قدر استطاعتها:
(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (286البقرة)
وهذا فضل من الله عزَّ وجلَّ وإكرام في قوله تعالى:
(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (16الأحقاف)

الفطر لممارسة الرياضة كمهنة

هل يجوز الفطر للاعبي كرة القدم في المباريات الدولية؟
----------------
إذا كان لاعبًا محترفًا وهذه هي حرفته التي يأكل منها عيشه، ويأخذ أجره من الكره، وتصادف ميعاد اللعب في نهار رمضان في أي مكان، ولا يستطيع أن يغيره، لأن الذي يحدد المباريات اتحادات دولية أو إقليمية وجهات رسمية لا يستطيع أن يتدخل فيها، هنا أباح له العلماء الفطر، على أن يعيد هذا اليوم بعد ذلك، لماذا؟ لأن الضرورات تبيح المحظورات، مادام ذلك عمله.
لكن الدول الإسلامية كمصر مثلاً ينبغي أن تراعي اتحاداتها ظروف رمضان فتجعل المباريات في الليل.
أما الهواة الذين يلعبون في الشارع وفي الملاعب الصغيرة وفي مراكز الشباب، أو يلعبون دورة رمضانية مع بعضهم، فلا يجوز لهم الإفطار بأي حال.

وضع الزينة للصائمة

هل يجوز للمرأة الصائمة أن تضع أحمر الشفاه أو مرطب للشفاه؛ مع العلم أنه يوجد مرطبات بطعم الفراولة، والكاكاو وغيره؟
-----------------
- المرأة الصائمة، إذا كانت في بيتها ولا يراها إلا زوجها، لها أن تضع على وجهها كل شيء يجعلها تنال إعجاب ورضا زوجها.
- على أن تلاحظ أن هذه الأشياء يجب ألا تحجب الماء عند وضوئها عن الوصول إلى أصل الجسم.
- أما التي تخرج من بيتها ويراها الغير، فلا ينبغي لها أن تفعل ذلك لا في رمضان ولا في غير رمضان.
لمن تتزين المرأة؟ .. لزوجها .. متى؟ .. إذا كان لا يطلع عليها سواه! فإذا كان هناك من يراها غيره؛ فلا ينبغي لها أن تضع زينة.
والزينة شرطها كما قلنا:
- ألا تمنع وصول الماء لجلد الإنسان، أو منبت شعر الإنسان إذا كانت على الرأس.
- وكذلك لا تقصد بذلك إغراءه وقت الصيام.
- وأحمر الشفاه يمنع وصول الماء خاصة وأن به مادة شمعية ليلتصق بالشفاه، فكيف تتوضأ إذا أرادت الوضوء؟ فلابد عليها أن تزيله عند الوضوء.
- والنساء اللاتي يضعن مساحيق على وجوههن، يضعن أولاً كريم أساس، وكريم الأساس يمنع وصول الماء إلى البشرة؛ فلا يصح الوضوء عليه، لذلك يجب على المراة أن تلاحظ فقط ألا تضع شيئًا يمنع وصول الماء إلى البشرة، حتى يكون الوضوء صحيحًا إذا أرادت أن تتوضأ، وألا يراها غير زوجها الذي لا ينبغي أن تتزين لسواه.

حكم من مات في رمضان

هل هناك فضل لمن يتوفاه الله عزَّ وجلَّ في رمضان؟
-------------
إن كان هذا المتوفى من الأتقياء فإنه يزيد فضله لموته في رمضان ... وإن كان هذا المتوفي من الأشقياء فلا شأن له بالموت في رمضان ولا في غير رمضان، لأن في رمضان يموت كثير من الكافرين، وكثير من المشركين وكثير من الجاحدين، فهل هؤلاء يكرموا من أجل رمضان؟! لا!!!
الذي يكرم من أجل رمضان الذي عرف حدوده وفضله وقام بها متابعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي له نصيب عظيم من الفضل الإلهي إذا مات في شهر رمضان .. وكذلك له نصيب من فضل الله إذا مات في أي زمان غير رمضان.
لأن المؤمن مع الله حيثما كان وأياً كان، لا يحيطه زمان ولا مكان، ولا يمنعه عن عطاء الرحمن زمان ولا مكان، عطاء الرحمن للمؤمنين خارج نطاق الزمان وخارج نطاق المكان لأن الله عزَّ وجلَّ لا يحده زمان ولا مكان وهو يحيط عباده المؤمنين بهذه العناية خارج نطاق الزمان والمكان.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأُمَّة في صلاة التراويح

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وفَّقنا لما يحبه ويرضاه، والصلاة والسلام على حبيب الله ومصطفاه، نور الله الدال بالله على الله وشمس الحق المشرقة بنور هُداه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وكل من مشى على هديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين آمين آمين يا رب العالمين.
نريد أن نبين لمحة من رأفة ورحمة وشفقة وحنانة النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة ... فإنه صلى الله عليه وسلم كما وصفه ربه بالنسبة لنا أجمعين:
(بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (128التوبة)
وقد خاطبه أمير الشعراء أحمد شوقي فقال:
فإذا رحمتَ فأنت أمٌ أو أبٌ
هذان في الدنيا هم الرُحماءُ

والله عزَّ وجلَّ قال عن حضرته:
(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) (6الأحزاب).
فمن حرصه صلى الله عليه وسلم رأى أن الله عزَّ وجلَّ فتح لنا باب المغفرة في الصيام، فسنَّ لنا صلاة القيام، وقال صلى الله عليه وسلم عن شهر رمضان:
(إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ)
إذاً صلاة القيام سُنَّة وليست فريضة، ولذلك صلَّاها صلى الله عليه وسلم ليلة - ووقِّتها من بعد العشاء إلى مطلع الفجر - وصلَّى خلفه جماعة بصلاته، وفي اليوم الثاني صلَّى صلى الله عليه وسلم فصلَّى جماعةٌ أكثر بصلاته، وفي اليوم الثالث أو الرابع امتلأ المسجد عن آخره في انتظار النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلم يخرج حتى مطلع الفجر!!، وخرج عليهم وقال:
(فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا) .
لو أصبحت فريضة فلن يستطيع الكل أن يؤدِّيها .. فهذا من رحمته صلى الله عليه وسلم. فكان أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُصلُّونها؛ فمنهم من يصليها بمفرده، أو ثلاثة معاً، أو خمسة معاً، أو في بيته ... وكل هذا جائز.
فصلاة التراويح جائز أن أصليها في البيت، وجائز أصليها في المسجد، وجائز أصليها جماعة، وجائز أصليها بمفردي ... لأنها نافلة.
وظلُّوا على هذا الحال حتى جاء سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه في عصر خلافته، فوجد الناس في المسجد متفرقين، فهذا يصلي في ركن، وذاك يصلي في ركن آخر، فتشاور مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أن يجمع المسلمين على إمام واحد، فوافقوه الرأي - وأن هذا يكون أفضل وأتَّم - فجمع عمر المسلمين على إمام واحد؛ وهو أُبَيِّ بن كعب لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه:
(وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ)
يعني: أقرؤكم في القرآن ... صلَّى أُبي بن كعب رضي الله عنه بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعة ... ومشى على هذا الهدي السلف الصالح أجمعين ... ولذلك نجد في وقتنا هذا أن المسلمين يصلُّون في الحرمين عشرين ركعة، وفي بيت المقدس عشرين ركعة، وكذلك المساجد الكبرى في مصر؛ كمسجد عمرو بن العاص، ومسجد السيدة زينب، ومسجد الإمام الحُسين، لأنهم يمشون على هذا الهدي.
نفرض أننا صلينا ثمانية ركعات، فليس فيها شيء فهو خير موضوع، فكل إنسان يأخذ ما يستطيع، فلا أحرم نفسي ولو ركعتين إثنين، المهم أنني دخلت في صلاة القيام، قال صلى الله عليه وسلم:
(مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) .
المهم أن لا تفوتك صلاة القيام .. لماذا؟ لأن حضرة النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها:
(مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
وصلاة القيام تتأكد أكثر في العشر الأواخر، فالمعتاد أن المسلمين العوام في أول رمضان يملأون المسجد في صلاة القيام، وفي العشر الأواسط يتخلخل المسجد قليلاً فيصبح نصفه، وفي العشر الأواخر نبحث عنهم فنجد الناس كأنهم يعملون بعقد موسمي، فالمستديمين موجودون، والموسميين لا يريدون حتى أن يكملوا العقد لآخر الشهر، مع أنها تتأكد في العشر الأواخر، وتتأكد أكثر في الليالي الوترية من العشر الأواخر.
يعني من لا يقدر أن يحافظ عليها فليحافظ على ليلة واحد وعشرين، أو ثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين، أو سبعة وعشرين، أو ليلة تسعة وعشرين، فتتأكد صلاة القيام في هذه الليالي الوترية ... لماذا؟ لأن حضرة النبي قال في شأنها:
(مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
فكيف نحييها؟ ... بصلاة القيام أو التراويح في هذه الليلة فمن صلَّي أربع ركعات فلا بأس، ولا يجوز لأحدٍ من المسلمين أن يعيب عليه لأن عنده أعذار وليس في استطاعته أكثر من ذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ومن صلي ثمانية يكون أفضل، ولو صلى عشرين يكون أفضل، بشرط أن لا يرى نفسه أفضل من غيره، لأنه ليس المهم العمل، ولكن المهم هو قبول العمل عند الله عزَّ وجلَّ، ولا يعلم أحدٌ من يكون عمله مقبول، وحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وضح هذا الأمر، فتوضأ أمام أصحابه ثم قال:
(مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يعيننا على ذكره وشكره وحُسن عبادته، وأن يوفقنا دائماً وأبداً لطاعته، وأن يجعلنا من أهل مغفرته وعفوه ورحمته.

بين التراويح والتهجد

بين التراويح والتهجد
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
(مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً)
استند كثيرٌ من المعاصرين إلى هذا الحديث استناداً غير صحيح!! على أن صلاة التراويح كان يصليها حضرة النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة، مع أن الرواية واضحة: ((مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ))، يعني: كانت هذه الصلاة في رمضان وقبل رمضان وبعد رمضان، فهي صلاة مستمرة، وهي التي نسميها صلاة التهجد.
أما صلاة التراويح فهذه خصوصية لشهر رمضان، وحضرة النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ثلاثة ليال، ثم ترك أصحابه بعد ذلك يصلونها كما يشاءون.
الذي جمعهم على هذه الصلاة وحدَّد العدد، سيدنا عمربن الخطاب رضي الله عنه، فقد جمع أصحاب النبي عندما رآهم يصلون متفرقين، وجمعهم على سيدنا أُبَيِّ بن كعب، وصلَّى بهم عشرين ركعة ... فهذا النهج الذي رأوه وارتضوه من سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ... لكن من قلَّل عن ذلك فليس فيه شيء لأنها نافلة، والنافلة يأخذ منها الإنسان على قدر جهاده وكدِّه وعمله.
وصلاة التراويح اسمها (التراويح) لأنها بعد كل أربع ركعات نروِّح عن أنفسنا، نذكر الله بأي ذكر، أو نقرأ قل هو الله أحد، أو نصلي على رسول الله، أو نستغفر الله، أو نرِّوح عن أنفسنا ونشرب ماء.
سيدنا عمر بن العزيز رضي الله عنه تولى إمارة المدينة المنورة، والأمير هو من يصلى في مسجد رسول الله، فسمع أن أهل مكة كل أربع ركعات ترويحتهم فيها أن يطوفوا بالبيت سبع مرات، فقال: كيف أعوضها؟ أعوضها في عدد الركعات، فكان يصلي بمن معه من أهل المدينة ستة وثلاثين ركعة، لماذا؟ ليتساوى مع أهل مكة لأن أهل مكة لهم بين كل أربع ركعات طواف بالبيت الحرام سبعة أشواط.
لكن صلاة التهجد والتي هي إحدى عشرة ركعة، فهذه التي أمر الله عزَّ وجلَّ حضرة النبي صلى الله عليه وسلم بها في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ • قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (1، 2:المزمل)
وقال فيمن أراد أن يكون معه في معيته:
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (20:المزمل)
فمن يُرد أن يكون مع رسول الله يُلزم نفسه بصلاة التهجد لله وإن كان لم يُلزمها علينا الله عزَّ وجلَّ ، حتى يدخل في المعية التي ذكرها الله في هذه السورة المباركة.
ولذلك عندما نطالع دواوين الصالحين نجد أنه لا يوجد أحدٌ منهم أبداً يترك صلاة التهجد في الثلث الأخير من الليل طوال العام، حتى قال الله فيهم:
(كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) (17:الذاريات)
ومتى تكون هذه الصلاة؟ قال: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (18:الذاريات) .. وهو وقت السحر قبل الفجر مباشرةً، والنبي صلى الله عليه وسلم حفَّزهم على ذلك فقال لهم:
(عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ)
صلاة قيام الليل تجعل الإنسان مع الصالحين، وتطهره من الأمراض، ولذلك من حافظ على هذه الصلاة النافلة التي سنَّها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تطول أعمارهم، ويظلون شباباً حتى يلقوا ربَّهم، وتملأ القلب بشحنات ربانية إيمانية تجعل صاحبه لا يقع فيما يُغضب الله، ولا تتحرك جوارحه في معصية الله .. ثم هي بعد ذلك فيها رضاء الله عزَّ وجلَّ .
فكانوا يحافظون دائماً على هذه الصلاة، وكان سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وأرضاه يقول: ((ركعتان في جوف الليل الآخر خيرٍ من ألف ركعةٍ بالنهار))، فكانت عادة الصالحين ودأبهم على الدوام يستيقظون قبل الفجر ويصفُّون الأقدام بين يدي الله؛ يصلون لله، ومتابعين رسول الله، وطامعين أن يُحشروا معه صلى الله عليه وسلم.
ويُبين لنا هذه المكانة الإمام الجنيد رضي الله عنه، وكان سيد طائفة الصوفية، وألهمه الله بعلومٍ وهبية وإشارات قرآنية كان يُعجز العلماء والفقهاء بها، فبعد موته رآه أحد أصدقائه في المنام وقال له: ما فعل الله عزَّ وجلَّ بك؟ قال: طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبقَ إلا ركيعات كنا نركعها في وقت السحر.
العلم قد يكون فيه إعجابٌ بالنفس، وقد يكون فيه رغبة في الشهرة أو السمعة بين الخلق، لكن هي ركعات يصليها في هذا الوقت ولا يراه إلا الله، فتكون هذه الركعات خالصةً مخلصةً لوجه الله عزَّ وجلَّ.
ولذلك من أراد فتح الله، وأن يُفتح عليه كما فُتح على الصالحين والعارفين فلا بد أن يحافظ على صلاة التهجد طوال العام لله عزَّ وجلَّ، نسأل الله أن يُعيننا على ذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك، وأن ينفعنا جميعا بذلك.

حكمة صلاتي التراويح والتهجد

ما الحكمة من صلاة التروايح وصلاة التهجد؟
صلاة التراويح لها حِكَمٌ لا تُعدُّ ولا تُحدّ، أولها: الحكمة الطيبة، حيث يقول صلى الله عليه وسلم:
(أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاةِ)
وقد تعرضنا لهذا الموضوع في كتابنا: (مائدة المسلم بين الدين والعلم)؛ حيث ذكر الأطباء أن الإنسان عندما يتناول الطعام بعد أذان المغرب، وتمتلأ المعدة بالطعام فإن الدم كله يتجه إلى المعدة، ليعاونها في عملية الهضم، فيشعر الإنسان بالكسل والوخم والخمود والجمود.
فإذا صلَّى الإنسان فإن الركوع يجعل الإنسان يضغط على أجزاء جسمه التي تفرز العصارات الهاضمة كالكبد والبنكرياس والمرارة، منها ما يهضم المواد البروتينية، ومنها ما يهضم المواد السكرية، ومنها ما يهضم المواد الدهنية.
فإذا سجد فإن تيار الدم يمشي إلى مخه، وبالتالي فإن تيار الدم يسري في جسمه كله، فيشعر بالحيوية والحركة، وتكرار ذلك يساعد على هضم الطعام، وهو خير من المهضمات الطبية، أو المهضمات الغازية الصناعية التي يدَّعي صانعوها أنها مُهضمة، مع أنها مُهرمة لأعضاء جسم الإنسان.
فإن المواد الغازية سبب رئيسي لكل الأمراض التي تصيب الجهاز الهضمي، ولذلك يُحبذ الاختصاصيين البعد عنها بالكلية، والرجوع إلى المشروبات الطبيعية.
ففي رمضان وبالذات في أيام الحر ينصحون بشرب التمر الهندي، والعرقسوس لمن لم يكن ضغطه عال، لأنه يرفع الضغط، وحتى من كان ضغطه منخفض فلا يشرب منه إلا كوباً واحداً، أو أي مشروباً آخر من المشروبات الطبيعية والتي عاش عليها أسلافنا وكانت صحتهم جيدة ... أما المشروبات الصناعية التي نراها فإنها كلها تؤدي إلى هدم أعضاء الجهاز الهضمي، إلا إذا اتجه الإنسان إلى العصائر الطبيعية وصنعها الإنسان بنفسه في منزله، حتى لا يضع عليها مواد حافظة، وما شابه ذلك.
ومع ذلك كله صلاة التراويح، فهي الصلاة الهاضمة التي وضعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكي تهضم لنا ما نتناوله من طعام في ساعة الفطور، فهذا فضل الله علينا، وبركة رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا أجمعين.
أما صلاة التهجد فقد ورد في الموسوعات الطبية الحديثة أن الإنسان إذا نام وأدام النوم لفترة طويلة، فإن ذلك يُعرِّض القلب - وهو دينامو الجسم – للتباطؤ والتثاقل، وإذا تمادى في ذلك قد تأتية نوبة قلبية أو سكتة قلبية وهو نائم ولا يشعر، فلذلك قالوا: إن الإنسان إذا كان نائماً يجب أن يستيقظ كل ساعتين على الأكثر، ولو أن يذهب إلى دورة المياة ليُحرك جسمه فيُحرك قلبه معه.
فإذا نام الإنسان واستيقظ في آخر الليل وصلَّى صلاة التهجد فإنه يشم نسيم الهواء الخالي من الشوائب، لأن هواء الفجر يكاد يكون من الجنة، ليس فيه أكسيد كربون كثير، وليس فيه أتربة وغبار لسكون الليل، وليس فيه العوادم التي كثرت في زماننا إن كان من السيارات أو من الأجهزة، وكلها تسبب أمراضاً معضلة للإنسان.
ولذلك نحن ننصح أحبابنا دائماً بعدم شراء طعام من الذين يجلسون على الطرقات العامة، والسيارات تمرُّ عليهم ذهاباً وإياباً، فبائع الفاكهة الذي يقف على الطريق كل عوادم السيارات ستكون على الفاكهة، فأنت تشتري فواكه ملطخة بعوادم السيارات، وكلها أشياء تفسد الجهاز الهضمي للإنسان، وتسبب الأمراض العصرية المزمنة؛ كالفشل الكلوي، وأمراض الكبد، وغير ذلك من الأمراض التي انتشرت وأصبحت كوباء في بلادنا الآن.
لكن نسيم الفجر ليس فيه شيء من ذلك، ولذلك قال بعض الصالحين: ((نسيم الفجر من الجنة)) .. كأنه نازل من الجنة ليس فيه ما نخشاه، فإذا تنفسه الإنسان بقوة امتلأ صدره بالهواء الطبيعي الإلهي الذي يُحيي الرئتين ويُحيي جسم الإنسان.
فإذا حرَّك الإنسان أعضاءه بالصلاة احتيا قلبه، وأخذ وقاية من مرض الشيخوخه، ولذلك لو لاحظنا في مجتمعنا أو غيره من المجتمعات الإسلامية نجد أنه من يحافظ على صلاة الفجر وقبلها ما تيسر من قيام الليل، لا يصيبه الهرم ولا أمراض الشيخوخة، بل يظل شاباً حتى يلقى الله عزَّ وجلَّ، وهذا فضلٌ عظيم وإكرامٌ عميم من الله عزَّ وجلَّ لنا جماعة المسلمين.
ومن العجب أن بعض المصحَّات في البلاد الأوروبية وضعت للمسنين عندها شيئاً شبيهاً بقيام الليل عندنا ليكتسبوا هذه الفوائد الطبية، وإن كانوا لا يكتسبون ثواباً عند رب البرية، لأنهم لا يعملون العمل وفق الشريعة المحمدية، ولا يؤمنون بالله، ولا يتوجهون بالعمل قبل ذلك إلى الله.
ففضل الله علينا بصلاة التراويح وصلاة التهجد عظيمٌ لأجسادنا، ناهيك عن الثواب العظيم عند إلهنا، والفتح القريب لمن دنا:
(وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (78:الإسراء)

إجادة صلاة التراويح

نصلي التراويح ولكننا نشعر فيها بالتعب والنعاس .. كيف نتغلب على هذا الأمر؟
شيء طبيعي إذا كان الانسان معدته خاوية من الطعام، وعند المغرب يريد أن يعوض ما فاته فيجمع وجبة العشاء والغداء معاً في الفطور عند المغرب، ويريد بعدها أن يأكل حلويات وخلافه، فكيف يصلي هذا؟!.
ذهب رجل للإمام الجنيد وقال: يا إمام إني لا أجد الخشوع في الصلاة، فماذا أفعل؟ ... فقال رضي الله عنه: ((يعمد أحدكم إلى الصلاة فيجعل بطنه مخلاه يملؤها بأنواع الطعام فكيف يجد الخشوع بين يدي الله عزَّ وجلَّ ؟!)) .. حيث يكون الدم كله متدفقاً ناحية المعدة للهضم، ومن هنا يأتي الخمول والنعاس في الصلاة أو قبل الصلاة، ولذلك نجد البعض بعد الإفطار مباشرة ينام .. وهذا ضرر كبير من الناحية الطبية.
فماذا يعمل الإنسان؟ ... وجبة الفطور نقسمها لنصفين؛ نصف بعد المغرب ونصف بعد صلاة التراويح، فتظل معدته خفيفة، ففي الأولى ينفذ السُنَّة المحمدية، حيث يأكل التمر والماء ثم يُصلى المغرب، فتتأهب الأعضاء وتتجهز، فالمرارة تفرز المادة الصفراء لهضم المواد الدهنية، والبنكرياس يفرز الأنسولين حتى إذا دخلت السكريات تهضمها، وغير ذلك ... وبعد صلاة المغرب يأكل بقدر، ويعمل بقول الصحابة الكرام: ((نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع)) حيث يبعد عن البطنة، فإن البطنة تذهب الخشوع والفطنة.
فعندما يذهب لصلاة التراويح تساعده على الهضم، وإذا أراد أن يأكل شيئاً حلواً يأكله بعد التراويح، ويا حبذا لو كانت فاكهة فهي أفضل من المعجنات التي تضعها في المعدة والتي تحتاج الي مجهود لهضمها، واسمع الي قول الله عزَّ وجلَّ في أهل الجنة:
(وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ • وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) (20، 21:الواقعة)
فالفاكهة مقدمة على أي طعام، حتى أن الأطباء ينصحون بأكل الفاكهة، فالفاكهة خفيفة على المعدة، وفيها كل القيم الغذائية والأملاح التي يحتاجها الانسان، ولذلك يقولون: الفاكهة طعام الصالحين.
فإن عمل الإنسان هذا سيشعر بالخشوع، وإذا مشى على هذا المنهاج النبوي سيصحح الأجساد والقلب، وستهيم الأرواح ... وهذا هو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، والصالحين من عباده إلى يوم الزحام.

مسائل شرعية

هناك مسألتان لا غنى لنا أجمعين عن معرفتهما.
صلاة الفرض في جماعة خلف من يصلي نافلة
المسألة الأولى: إذا دخل أحد المؤمنين المسجد وقد فاتته الجماعة الأولى، والمسلمون في رمضان يصلون نافلة التراويح والتهجد في جماعة، فلا يقيم جماعة أخرى في المسجد، لأن هناك جماعة مقامة، ولكن أجاز له السادة العلماء؛ الإمام الشافعي وغيره، أن ينوي الفريضة خلف الجماعة التي تصلي نافلة، فإن أدرك الركعتين، بعد تسليم الإمام فيكمل، وإن أدرك ركعةً واحدة أيضاً بعد تسليم الإمام فيُكمل، وإن أدركهم في التشهد فيكون قد أدرك الجماعة ويأخذ ثواب الجماعة، وعندما يسلِّم الإمام يُكمل.
نفرض أننا في غير رمضان ودخلت والإمام الراتب للمسجد صلَّى بالجماعة ولا يوجد أحدٌ في المسجد لأصلي معه جماعة، ووجدت الإمام يصلي ركعتي السنة؛ أنوي خلفه الجماعة، ولو جاء أحدٌ بعدي ينوي أيضاً جماعة خلف الإمام مع أنه يصلي السُنَّة، لكن لا مانع أن أصلي الفريضة خلفه.
فلأجل ثواب الجماعة أراد الله عزَّ وجلَّ أن يمكننا جميعاً من هذه الطاعة، فأباح لكل مؤمن أن يصلي الجماعة خلف من يصلي النافلة في أى وقت، حتى نكون على علمٍ بالحكم الشرعي في هذا الباب.
قراءة الإمام في الصلاة
المسألة الثانية: نحن جميعاً معرضين للإمامة في الصلاة، والله عزَّ وجلَّ كما قال صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ)
فإذا صلَّيتَ إماماً لا تتوتر ولا تقرأ كأنك في محفل، لأن ذلك سيؤثر على القلب ويؤثر على الأعضاء بهذه التوترات ... فكيف أُصلي إذاً؟ قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ) .. وفي رواية أخرى: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ)
والتخفيف هنا ليس معناه أنني أهضم القراءة وأسرع فيها، ولا أُشبع الغُن والمد، وقواعد التجويد في القراءة، لكن أقرأ القراءة التي اصطلح عليها السادة العلماء وإسمها "الحدر"، والحدر يعني إخراج المخارج الصحيحة والألفاظ الصحيحة مع المشي في القراءة، فكلمة (السماء) فيها ست مدود فيكفي اثنين، وهكذا، لأنك لا تقرأ في محفل، وحتى لا تتعب صوتك، ولا توتِّر نفسك، ولا تهيج قلبك، ولا تؤثر على أعضاءك، وهي القراءة التي اختارها السلف الصالح والتي يمشي عليها القُراء الأماجد حتى في الحرمين.
فمن صلى في الحرمين المباركين في مكة والمدينة يجد أن قراءتهم مستمرة بالحدر، فلا يقرأون كمن يقرأ في محفل حتى لا يرهق نفسه ولا يؤثر على أعضائه، وفي نفس الوقت يقرأ قراءة واضحة ومفهومة لمن حوله، ولا يطيل عليهم، لأن الصلاة فيها شيء من الأناة ومن الخفِّة والسرعة إن شاء الله.
بشرط أن لا يُسرع كما نرى بعض الأئمة في صلاة المغرب في رمضان، يقرأ ومن سرعته لا تستطيع أن تميِّز الحروف في قراءته، بحجة أن من يصلي خلفه صائم ويريد أن يأكل!! لكن إما أن تصلي صلاةً فيها تأنِّي، أو تذهب لتأكل أولاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ) .
إن كنت جوعان فكُل أولاً، وأباح لك الشرع ذلك، وبعد الأكل قم فصلِّي.
فالأئمة الكرام في الصلوات الفرائض المفترضات، استحسنوا أن الإنسان يقف عند كل آية من آيات الفاتحة، وفي هذا خشوع للحاضرين، لكن في صلاة التهجد أو في صلاة التراويح استحسنوا قراءة الفاتحة على جزئين فيكون فيها شيءٌ من السرعة، مع الحفاظ على مخارج الألفاظ وعلى إجادة نُطق الحروف، وهذا ما كان عليه السلف الصالح، وكما قالوا: ((من شابه أباه فما ظلم)).
وما أتعب الناس في زمننا هذا أن الشباب لا يريدون الاقتداء بالأماجد الأجداد، ويريدون أن يخرجوا لأنفسهم نهجاً جديداً، لكن ديننا يأمر بكمال الإقتداء، قال صلى الله عليه وسلم: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)
لم نَرَهُ صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، ولكن رآه الصحابه فمشوا على نهجه، والتابعون رأوا الصحابة فمشوا على نهجهم، وتابعو التابعين رأوا التابعين فمشوا على نهجهم، ومن جاء بعدهم مشوا على نهجهم، فإذا مشينا على هذا النهج فنكون ممن يتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فلا يصِّح أن يصنع كل واحدٍ منا نهجاً جديداً ولا تصح صلاته إلا به، لكن لا بد لنا أن نسير على نهج الجماعة الذين قال لنا فيهم صلى الله عليه وسلم:
(عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذ)
أرجو من المسلمين أجمعين أن يرجعوا إلى الأصول، ويبحثوا عن حقيقة هذه الأصول من صحيح النقول لأنه قيل: ((إنما حُرموا الوصول بتضييع الأصول)).
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يعيد لنا وللمسلمين أجمعين النهج الوسطي الذي اختاره لنا رب العالمين، والذي كان عليه الحبيب المصطفى وصحابته المباركين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الإقلاع عن التدخين

كيف يمكن للمدخن الإقلاع عن التدخين في رمضان؟
التدخين عادة للمُدخن، ورمضان شهر الجهاد والتخلي عن أي عادة تهيمن وتسيطر على الإنسان، فإذا كان الإنسان يرتبط بمواعيد ثابتة في الطعام والشراب ففي رمضان يجعله الصيام يتخلى عن هذه العادات، لأنه يدخل في طور العبادات.
إذا كان الإنسان تعوَّد بعد الأكل أنه لا بد أن يُدخِّن سيجارة، وكذلك إذا دخل الحمام - مثلاً - لا بد وأن يدخن سيجارة، فهذه عادات ذميمة، وتتحكَّم فيها النفس الإبليسية اللئيمة التي تُجبر الإنسان على هذه العادات، والمؤمن كما قيل في بعض الحكم: ((لن يخرق الله لك العوائد حتى تخرق من نفسك العوائد)) لأنك لن تصل إلى مقام الكرامات والإكرامات إلا إذا تخلصت من جميع العادات التي تعوَّدت عليها.
وهذه كانت بدايتنا ونحن صغار في روضة الصالحين؛ أنه لا بد للإنسان أن لا يسيطر عليه شيء، حتى ولو كان شُرب الشاي، فكنا نغيِّر فمرة نشرب الشاي، ومرة نشرب الحلبة، ومرة نشرب اليانسون، ومرة لا شيء، حتى وصلنا إلى أنه يستوي الجميع ولو لم نشرب شيئاً.
ولم يعد هناك مشكلة بعد أن تخلصنا من هذه العادات، والطعام ليس له عادة، فمتي نأكل؟ لا نأكل إلا إذا جعنا، وإذا أكلنا لا نشبع، فليس هناك ميعاد للأكل، فوقت ما جاع الإنسان والجسم طلب الطعام يأكل.
وكذلك النوم ليس له ميعاد سابق ولكن النوم غلبة، فعندما يشعر بالنعاس والتعب وأنه لا يستطيع المقاومة فينام، لكن جالس وصاحي وجسمي قوي ومتين فلماذا أنام؟! فأقرأ في كتاب الله، أو أدرس علماً، أو أتعبَّد، لكن أتكلف النوم وأبقي في السرير وأتململ يميناً وشمالاً ويأتيني أرق وأقول ما الذي أتناوله ليذهب الأرق لأنام؟ فمن يقول لي خذ حبوبا منوِّمة، ومن يقول لي خذ حبوباً مهدئة، لماذا؟! لن تُخرج منك العوائد حتى تخرق من نفسك العوائد، فلا يكون لك عادة.
طالما هناك عوائد تسيطر عليك فأنت عبدٌ لهذه العادة، والله عزَّ وجلَّ يحب أن يكون العبد حُرّاً مما سوى الله، ويكون عبداً فقط لحضرة الله، وحُراً مما سواه، وهذا هو الإسلام في هذه الأمور إن شاء الله.
فكيف يكون مسلماً وهو عبدٌ للسيجارة؟! فهذا مسَلِّم نفسه للنفس، والمسلم يجب أن يكون مُسلِّم لله، وأنا أتعجَّب من السيجارة! وهل فيها من فائدة؟! فأنا لم أجربها نهائياً، حتى لو كان هناك جارٌ لي ويدخن فرائحة الدخان تضايقني وأشعر بضيق من رائحتها.
سمعت أحد الأطباء وقد واجه مدخنًّا وطلب منه ورقة بفرة، والتي يُلَف فيها دخان السجائر، وطلب منه أن يأخذ نَفَساً من سيجارة ويخرجه على الورقة فاسودَّت، فقال له: الرئتان تكونان هكذا أسودان، فكما فعلت بورقة البفرة فالسيجارة تفعل ذلك بالرئتين.
ولذلك كان الناس في الزمن السالف من باب الطرفة يقولون: أن للسجائر ثلاث فوائد، منها أن صاحب المنزل يظل طوال الليل يسعل "يكُح" فلا يدخل بيته سارق، لأن السارق يظن أن صاحب البيت مستيقظاً.
فالمدخن من البداية يعزم إذا كان يريد أن يكون سالكاً في طريق الله فيتوب منها توبة نصوحاً، وبالطبع شهر رمضان سيعينه على ذلك لأنه تارك للسيجارة طوال النهار، فيستعد لعدم تدخين السيجارة على الإفطار، لأن هناك من يفطر على السيجارة، فيشعل المسكين السيجارة قبل أن يأكل، فكيف يأكل بعد ذلك؟!.
فهي فرصة أن تقلع عنها فتُخففها تدريجياً، والحمد لله الطب تقدم الآن فيضعون لاصقة في الجسم لتمتص النيكوتين الذي يجذب الإنسان للتدخين فلا يتأثر به ويستطيع أن يتوب منها توبةً نصوحا.
والأسوأ من السيجارة الشيشة، وهي أشد ضرراً من السيجارة آلاف المرات، والشيشة تتنقل من هذا الفم لهذا الفم ثم لفمٍ آخر وهكذا، فلو أحدهم - والعياذ بالله - مصابٌ بفيروس فسيعدي سائر المدخنين معه.
وهناك مصيبة أخرى تنتشر في الصعيد، وهي عادة المضغ، حيث يضع الرجل منهم تبغ معين في فمه لفترة من الزمن، ويضع عليه حجراً صغيراً يُسمى (عطرون) يذوب مع اللعاب، ولا أعرف ما فائدته؟!!، وهناك الشم، وفي القديم كان يُسمَّى (بالنشوق) وكانوا يقولون أنه لتسليك الأنف، مع أنه يسد قنوات الشم فيها؟!.
لماذا يستعملون هذه الأشياء السيئة؟! وهي مصيبة أصابتنا، فالعالم يتقدم وشبابنا يتخلف، فكلها عادات يجب على المؤمن أن يتخلص منها ليكون عَبْداً لله، من أراد أن يكون عَبْداً لله لا بد أن يُحرِّر نفسه مما سواه؛ من كل العادات الظاهرة والباطنة.

خير الصدقة

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ) .. لِمَ جعل رسولنا الكريم خير الصدقة تكون في شهر رمضان؟
جعل خير الصدقة في رمضان لأن الصيام له ثمار، وأول ثمار الصيام أن يتعود الصائم على الجوع والإحسان، فإذا تعوَّد على الجوع يعني ذلك أنه استفاد من الصيام وأن صيامه هو الصيام الصحيح المقبول.
إذا صام ولم تنفرد يده إلى إطعام الطعام، أو إلى التسابق على الفقراء والمساكين معني ذلك أن صيامه فيه خلل، وأن عمله فيه ذلل، وأنه غير مقبولٍ عند الله عزَّ وجلَّ، فخير الصدقة صدقة رمضان لأنها:
أولاً: تُعوِّد الإنسان على البر والجود والإحسان.
ثانياً: تُعين الصائمين الفقراء والمساكين على طاعة الرحمن، لأن الفقير والمسكين الذي يعتمد على يده يتأثر جهده في رمضان لأجل الصيام فيحتاج لمن يُعوضه، فإذا أنا عوضته فأكون قد ساعدته على طاعة الله عزَّ وجلَّ في رمضان، ولذلك جعلها حضرة النبي خير الصدقات لأنها تُعين الفقراء والمساكين على عبادة الله وطاعة الله جلَّ في علاه.

كيفية صلاة الفجر والعشاء في جماعة

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةِ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَعِشَاءِ الآخِرَةِ أُعْطِيَ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ" .. ما أيسر طريق لتطبيق هذا الحديث؟ وهل النساء اللائي يصلين الفجر في بيوتهن لهن نصيبٌ في هذا الحديث؟
لم يقل صلى الله عليه وسلم جماعة في المسجد أو في بيت الله، ليفتح الباب للأمة على مصراعيه، والمهم أن نصلي في جماعة، إذا صليت الجماعة في المسجد فلا شك أن هذا أفضل، والأجر أكرم وأتمُّ، لكن إذا حالت الظروف دون الجماعة في المسجد فأصلي في المنزل أنا وزوجتي، أو أصلي أنا وأخي، أو أصلي أنا وأمي، أو أصلي أنا وابنتي، فليس هناك مانع في ذلك، المهم أن تكون جماعة.
وبذلك أصبحت الجماعة في المسجد في الفجر كالجماعة في المنزل إلى شروق الشمس، بمعني أننا لم نستيقظ إلا قبل شروق الشمس بثُلث ساعة فنصلي جماعة معاً، فوقتها واسع، والفضل واسع، والله ذو الفضل العظيم.
فالمهم أن يحرص المؤمن على صلاته في جماعة، وهذا يدل على أن الله حريصٌ على ترابط المؤمنين إن كانوا جماعات أو أسر، فلو صلينا في جماعة في المسجد فيكون هناك ترابط بين أهل المسجد، فيسألون عن بعضهم فمن كان مريضاً لا بد من زيارته وهكذا.
وكذلك يكون الترابط بين العائلة فلا يصلي كل واحدٍ بمفرده، بل نحرص على الجماعة أيضاً في المنزل، فيسأل زوجته هل صليتِ؟ فتقول له: ليس بعد، فيقول لها: هيا نصلي معاً جماعة، لتتعود على ذلك فتطلب صلاة الجماعة على الدوام.
حتى أن بعض الأئمة الكرام أباحوا لمن يصلي جماعة في المسجد بعد أن يعود من المسجد أن يصلي مع أهله في البيت جماعة مرة ثانية إن كانت زوجته لا تستطيع الذهاب إلى المسجد، لتتعود على الجماعة، وهو بهذه الصلاة يكمل مما عليه من الأوقات السابقة لأنه لا يوجد أحدٌ منا ينال مائة في المائة في الفريضة، فيكمل هذه الفرائض في هذه الجماعة.
وكذلك إذا كان في البيت أولاد فتكون الجماعة تامة، وتُعوِّد الأولاد على عدم التخلف عن هذه الجماعة.
لكن معظمنا يترك الأولاد ولا يهتم صلوا أم لم يصلوا ويكتفي بصلاته هو، فهذا لا يصِّح مع أهل بيتي، وبعد زمن أجد إبني قد دخل الجامعة ولا يصلي، وكذلك إبنتي أنهت الدراسة وستتزوج ولا تصلي!!، لماذا؟ لأنني تركتهم ولم أعوِّدهم على صلاة الجماعة.
فلابد أن يكون لي تفقُّدٌ لهم وليس لي عذر في ذلك، لأن الرجل الذي أعطاه الله سلطة على الجن والإنس والوحش والطير والهواء لم يترك شيئاً من هذا كله إلا ويتفقده:
(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ)
(20النمل)
وهو واحد من الهداهد من كل الفصيلة، فلم ينس واحداً منهم، وهي حالة المشايخ الوارثين الكُمَّل للنبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن يكون عليها حالة المريد السعيد مع أهل بيته على الدوام، فلابد أن يتفقدهم، فإذا ذهبت لأصلي في المسجد، فما المانع أن أصلي معهم أيضاً؟! أو ذهبت لصلاة التراويح ثمان ركعات في الجامع، فما المانع أن أصلي معهم ثمان ركعات أخرى، وأكمل بعد ذلك أربعة بمفردي فأكون أتممت بذلك العشرين ركعة، إلا إذا صلوا معي في المسجد فلا مانع أن نصلي معاً، لكن لا بد وأن يكون لي بعض الضوابط معهم.
فلا بد لي من التفقد فلو طلبت منهم أن يصلوا فأعرف من يصلي ومن لا يصلي، ويظهر لي ذلك من التفقد، لكن لو لم أتفقد فلن أعرف هذا من ذاك، قال صلى الله عليه وسلم:
(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)
فالجماعة حثَّنا الله عزَّ وجلَّ عليها، وأظن بهذه الإجابة يُصبح للنساء نصيبٌ كبيرٌ في صلاة الجماعة على الدوام إن شاء الله رب العالمين.

أبواب العتق من النيران

ما أبواب الخير التي إذا فعلتها في رمضان كُنتُ من عتقاء الشهر؟
الأعمال التي تعتق الإنسان من النار أولها: إفطار صائم، بشرط أن يكون الإفطار لله، ولا تنتظر أن يرد لك هذا الإفطار. إذا أردنا الأجر من عند الله فلا يكون شيئاً مقابل شيء، لكن يجب أن يكون العمل لله.
ودليل العمل لله أني أفطِّره ولو أنه لم يفطرني فلا أحاسبه ولا أتغير من جهته، ولا أقول في يوم من الأيام: أنا فطَّرت فلاناً ولم يدعُني ليفطرني، فهذا العمل لغير الله، فلا بد من تطهير النوايا وتزكيتها تماماً بتمام، قال صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ)
من فطَّر فيه صائماً .. كم منحة له؟ ثلاثة: يغفر الله عزَّ وجلَّ له ذنوبه، ويُعتق رقبته من النار، ويكون له مثل أجر الصائم تماماً بتمام.
ولذلك كان الناس في الزمن الجميل يسارعون لإفطار الصالحين، لماذا؟ يقولون: أنت لا تستطيع أن تصوم صيام الصالحين، فإذا فطَّرت أحد الصالحين فلك مثل أجره تماماً بتمام، فضلٌ من الله عزَّ وجلَّ، وإكرامٌ من حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم.
وهذا العمل الذي ينال به الإنسان العتق من النيران في شهر رمضان وهو إفطار الصائمين ولو على تمرة أو على شربة ماء أو على مذقة لبن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
أما إشباع الصائم فله منحةٌ أخرى قال فيها صلى الله عليه وسلم:
(وَمَنْ أَشْبَعَ فِيهِ صَائِمًا، سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ)
في يوم القيامة، وهو يوم مقداره خمسون ألف سنة، والشمس فوق الرءوس، والحرارة من شدتها تغرق الناس في العرق، فمن أين يشرب؟ لا يوجد غير حوض الكوثر الذي يقول فيه حضرة النبي صلى الله عليه وسلم:
(حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْه فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا)
هذا الحوض شرب منه أناسٌ في الدنيا وليس في الآخرة فقط، فالسيدة أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مهاجرة إلى المدينة بمفردها، فوجدت قافلة فطلبت منهم أن يصحبوها إلى المدينة، وكانوا يهود، فلما عرفوا أنها مسلمة أمرهم كبيرهم أن لا يطعموها ولا يسقوها، ويتركوها حتى تموت، قالت رضي الله عنها: فمشيتُ حتى كدت أفقد السمع، ثم مشيتُ حتى كدتُ أفقد البصر ولا أرى، وبينا أنا كذلك إذا بدلوٍ يتدلَّى بحبلٍ من السماء فيه ماءٌ بارد، فأمسكتُ به وشربتُ، وأردتُ أن أستزيد وإذا بالحبل يُشد - لأنها لو شربت مرةً واحدة تُصاب بالإستسقاء على الفور - ثم نزل مرةً أخرى فشربتُ، وفي المرة الثالثة شربتُ حتى أخذتُ ما أريد، ثم صببت الباقي على جسمي من شدة حرارة الشمس.
رأى اليهودي ذلك فسارع إلى الماء الذي معهم فوجد الآنية كما هي، فعنَّف من معه وسألهم: هل أطعمتم هذه المسلمة وسقيتموها؟ قالوا: لا، فقال لها: من أين لك بالماء؟ فذكرت له القصة، فأسلم هو ومن معه.
والشاهد أنها كانت تقول: كنت أتحيَّن اليوم الشديد الحر وأصومه فلا أجد عطشاً، وكنتُ أطوف حول الكعبة في شدة الحرارة لعلي أجد الظمأ أو العطش فلا أجد، لماذا؟ لأنها شربت من الحوض الذي قال فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ شَرِبَ مِنْه فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا)
وهذا لمن أشبع الصائم لوجه الله عزَّ وجلَّ.

حكمة الإفطار على تمر

ما الحكمة في الإفطار على تمرٍ في الصيام؟
وهذه أيضاً كلها فوائد طبية ... وقد ذكرناها في كتابنا: (مائدة المسلم بين الدين والعلم) وأشرنا إلى أن الدكتور أنور المفتي - وكان في زمانه أكبر طبيب باطنة في مصر، وكان طبيب الملك في وقته - ذكر أن الإنسان إذا أكل مواد دهنية في بداية الإفطار كالسمن أو القشدة أو ما شابه ذلك، فإنها تحتاج إلى أربع ساعات على الأقل حتى يتم هضمها، وإذا أكل مواد بروتينية: كاللحم والأسماك وغيرها، فإنها تحتاج إلى ساعتين على الأقل حتى يتم هضمها، وإذا أكل مواد سكرية فإنها تستغرق دقائق وتعم الجسم كله ... والجسم في ساعة الغروب يكون فيه قدرٌ من الذبول والنحول والهدوء والخفوت، فيحتاج إلى إعادة النشاط والحيوية، فلا يعيد النشاط والحيوية في ذاك الوقت إلا مادةٌ سكرية.
قد يقول البعض: نستطيع أن نُذيب السكر في كوب ماءٍ ونشربه، لكن من عجيب القدرة الإلهية والحكمة المحمدية أن التمر فيه ألياف، فعندما يدخل إلى المعدة يكون كالمنشاف الذي كنا ننشِّف به الحبر في الزمن الماضي، فيمتص الماء بهدوء، ثم يسِّربه إلى المعدة بدون أذى، لأن الإنسان لو شرب الماء مرةً واحدة فقد يؤثر على الكبد، ويمكن أن يُصاب بالإستسقاء والعياذ بالله، وخاصة إذا كان الماء بارداً، ولذلك قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم - معلماً لنا كيفية شُرب الماء بالكيفية الصحيحة:
(إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا، وَلا يَعُبُّ عَبًّا فَإِنَّ الْكِبَادَ مِنَ الْعَبِّ)
معظم أضرار الكبد يأتي بأن يكون الإنسان عطشاً والجو حار سواء في رمضان أو غير رمضان، ثم يشرب ماءاً مثلجاً، ويشرب مرةً واحدة، فينزل على الكبد، والكبد مطبخ الجسم، فيهضم كل المواد الغذائية التي قمت بإدخالها بعد هضم المعدة، لأنه يطبخ الطعام ويحوله إلى الأنواع التي تلائم وظائف الأعضاء، فأنت تأكل كل الطعام وهو الذي يصنِّفه: فهذا صنفٌ يصلح للعين، وصنفٌ يصلح للمخ، وصنف للأذن، وصنفٌ للقلب.
فلو ذهب الطعام الذي تحتاجه العين إلى الأذن لا تنظر العين ولا تسمع الأذن، ولو ذهب الطعام المعد للسان إلى المخ، يتوقف اللسان والمخ عن الحركة، فكل جزء من أجزاء الإنسان له طعامٌ خاص شغَّله الله عزَّ وجلَّ، وأعطى هذه الخواص للكبد، والكبد الذي يُشغِّله هو خالقه وباريه عزَّ وجلَّ.
هل يوجد مكتب في الوجود معه برامج التشغيل ويستطيع أن يستعيدها ويجهزها كما كانت؟ لا، إنما هو الصانع عزَّ وجلَّ، كل عضوٌ من أعضاءِك له تشغيل خاص؛ تشغيل خاص بالعين، وتشغيل خاص بالأذن، وتشغيل خاص باللسان ... فسبحان الصانع القدير عزَّ وجلَّ:
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (64غافر).
فالبلح أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نضعه إما في لبن وإما في ماء، حتى إذا كان الغروب نأكل البلح، أو نشرب الماء ومعه البلح، فالماء يروي والبلح يغذي، ويُشرف على تنظيم القيمة الغذائية السكرية والماء النازل في المعدة إلى الإنسان فلا يتعب الإنسان.
هذا بالإضافة إلى أن البلح يتكون من ألياف، فتجعل الإنسان دائماً طبيعته عادية، والإنسان عندما يتعرض للصيام ثم يأكل عند الغروب ويأكل عند السحور فقد تغيرت أوضاعه في الطعام، فهذا يؤدي إلى تغير أوضاع الإنسان.
وأهم ما يُتعب الإنسان في ذلك جهاز الإخراج، فيتعرض للإمساك، وما أدراكم ما الإمساك والآثار الوخيمة التي يتعرض لها الإنسان إذا أُصيب بالإمساك؟! ما الذي يحمي الإنسان من الإمساك؟ الألياف الموجودة في البلح والتي أوجدها لنا الله عزَّ وجلَّ.
ولذلك هناك بعض التعاليم الطبية لمن أراد صوماً لا يشعر فيه بجوعٍ ولا عطشٍ، فقالوا: يتناول السحور ويفضل أن يكون من الفول، وإذا تناول السحور من الفول يأكل بعد ذلك ثلاث بلحات من التمر، وواحدة موز، لماذا؟ قالوا: لأن البلح والموز فيهما مادة البوتاسيوم، ومادة البوتاسيوم إذا دخلت المعدة تجعل الإنسان لا يشعر بجوعٍ ولا عطشٍ طوال اليوم.
فأصبح البلح ليس للإفطار فقط ولكن نحتاجه في السحور أيضاً، والأولاد الذين ندربهم على الصيام واليوم طويل والحركة كثيرة، ولا يستطيع أن يكمل يومه، لابد أن نعطي الولد مادة بروتينية في السحور ولو كانت بيضة، لأن خلايا جسمه في طور البناء، فتضعف بنية الغلام على عكس الكبير، ومع المادة البروتينية نعطيه البلح، فإن البلح لا يشعره بجوعٍ ولا عطشٍ طوال اليوم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في هذه الثمرة المباركة:
(أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النَّخْلَةَ)
وبالنسبة لمريض السكر والذي يحتاج للعلاج، أيضاً يتناول ثلاث بلحات حتى لا يأتي آخر النهار فينتهي السكر منه ويضطر للإفطار قبل المغرب بلحظات، وبشرط أن يكون هذا مع العلاج.

أفضل عبادة للصائم

ما أفضل عبادة؟ وما أفضل عمل للصائم؟

يقول الله عزَّ وجلَّ: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (185البقرة)
القرآن خير كلامٍ أنزله الله عزَّ وجلَّ، وأنزله على خير نبيٍّ اختاره من بين أنبياء الله، وأنزله على خير أمة اختارها من بين الأمم أجمعين، وجعل الإحتفال بنزوله لمدة شهر، حتى نعلم عظم القرآن، وإذا كان شهر رمضان احتفاءاً بنزول القرآن، فإن خير عبادة فيه قال فيها صلى الله عليه وسلم:
(أَفْضَلُ عُبَادَةِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)
لكن التلاوة تكون مع التدبر ومع الفهم ومع التمعن، فالآفة التي يُصاب بها معظم المسلمين هي أن المرء يريد أن يعُد على الله ختمات في رمضان، فيقول: أنا ختمت أربع مرات أو خمس مرات، وماذا تريد بذلك؟ الأجر والثواب؟ خذ الأجر والثواب، ولكن ليس هذا المطلوب، لكن ما المطلوب؟
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (17القمر)
لم يقل: هل من تال؟ ولكن قال: (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)،
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (29ص)
فكله تدبر!! .. ونعى الله عزَّ وجلَّ على الذين يعدون الختمات ولا يتدبرون فقال:
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24محمد).
وأعطى لنا صلى الله عليه وسلم المثال .. فكان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن مع الأمين جبريل في رمضان في كل عامٍ مرة واحدة، فأحياناً يقرأ والأمين يسمع، وأحياناً يقرأ الأمين وهو يسمع ... وكم مرة؟ .. كانت مرة واحدة .. إلا في العام الذي انتقل إلى جوار الله عُرض عليه هو والأمين جبريل مرتين في العام.
فيريد منا في رمضان إما ختمة واحدة بتدبر، أو ختمتين إذا أحكمنا فيهما التدبر، أما ختمه ستة وسبعة وثمانية مرات فيه فهذا موضوع ليس لنا شأنٌ به.
قد يقول قائل: نسمع أن بعض الصالحين والفقهاء كان له عدة من الختمات تفوق الوعي والعقل في رمضان، فيحكون أن الإمام الشافعي كان له ستين ختمة في رمضان، ثلاثين في الليل وثلاثين في النهار، لكن هذه قراءة لا يستطيع أحدنا الوصول إليها بذاته لأنها تحتاج إلى منة ومنحة إلهية لأنه رضي الله عنه يبين طريقة قراءتها فيقول: ((ما بين وضع قدمي في سرج دابتي وامتطائي دابتي يمر القرآن كله من أوله إلى آخره على فؤادي)) ... هذه قراءة أخرى!!، ولما لم نصل نحن إلى هذه الحالة، فلماذا ندخل أنفسنا في أحوال هؤلاء القوم؟! فقد وصلوا إلى حالة روحانية يقرأون كما يقول رب البرية: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (3العلق)
والواو هنا واو المعية، يعني اقرأ مع ربك ... والقراءة التي مع الله كيف تكون هيئتها؟ يقول الله عزَّ وجلَّ: (كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)
وفي رواية أخرى: (وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ)
إذاً نحن مطالبون بالقرآن وهي أفضل عبادة في رمضان مع التدبر والتمعن والتفهُّم، ولذلك أستحسن للأحباب أن يقرأ القرآن الذي يُسمَّى بالقرآن المفسَّر، وهو مطبوع الآيات في منتصف الصفحة وحولها التفسير وهو عبارة عن: سبب النزول وشرح لبعض الكلمات الغريبة في الآية، والمعنى الإجمالي للآية حتى أُحيط على قدري بمعني يليق بهذه الآيات القرآنية.

ثواب العمرة في رمضان

: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ مَعِي) لِمَ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم العُمرة في رمضان تعدل حجة معه صلى الله عليه وسلم؟
جعل النبي صلى الله عليه وسلم العُمرة في رمضان تعدل حجة معه لعدة أمور:
أولاً: لتلمُّس أعمال الخير في رمضان، وذلك ترغيباً للصائمين في الذهاب إلى بيت الله الحرام والطواف والسعي بين الصفا والمروة، ولمَّا كانت هذه الأعمال إذا عملها الإنسان وهو صائم فيها مشقة بالغة، جعل الله عزَّ وجلَّ الأجر أجراً عظيماً، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ مَعِي)
لكن لا تُسقط الفريضة، تساوى في الأجر والثواب حجة مع رسول الله لأنه أدَّاها وهو يتحمَّل مشقة الجوع والعطش، فكانت هذه العمرة لها هذا الأجر والثواب تشجيعاً من رسول الله للصائمين على تلمُّس أعمال الخير في رمضان.
ثانياً: علو النشاط والهمة، فهي أبلغ ردٍّ في عصرنا على من جعل رمضان شهراً للكسل والخمول وترك الأعمال، وكلما عُرض عليه عملٌ يقول: بعد انتهاء رمضان، فالناس يؤجلون الأعمال من قبل رمضان بأسبوعين إلى ما بعد رمضان بأسبوعين! فيأخذون أجازة شهرين من الأعمال!!.
والحبيب صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك، فغزوة بدر كانت في رمضان، وفتح مكة كان في رمضان، وأمرنا إن لم يكن عندنا غزوٌ نسافر من بلادنا إلى البيت الحرام في رمضان لنعلم ان هذا الشهر شهرٌ للعبادة وللسفر وللكفاح وليس للنوم ولا للكسل كما يظن بعض الناس في عصرنا هذا.

ختم القرآن

ما ثواب ختم القرآن؟ وكم مرة يجب على المسلم ختمه في رمضان؟ وما أيسر طريقة لختمه؟
يجب أن نقول ثواب قراءة القرآن وليس ثواب ختم القرآن، فثواب قراءة القرآن يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ)
فله بكل حرف يقرأه عشر حسنات، فإذا قرأ واستزاد دخل في الحديث الشريف الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ)
والقانتين يعني الطائعين، والمقنطرين أي يأخذ أجره بالقنطار، والأجور على قدر النيات، أما عند ختم القرآن فللمرء منحة من الحنان المنان أن له دعاءٌ مستجابٌ عند ختمه للقرآن، وقيل أن الله عزَّ وجلَّ يُرسل سبعين ألفاً من الملائكة يستغفرون له الله إن ختم بالنهار إلى أن يُمسي، وإن ختم بالليل إلى أن يُصبح.
ولذلك ورد عن السلف الصالح أنهم كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويدعون الله عزَّ وجلَّ ويؤَمِّنون ليشهدوا الإجابة، وكانوا يستحسنون أن يكون ختم القرآن مع صلاة المغرب أو في سُنَّة المغرب البعدية حتى تستغفر له الملائكة إلى أن يُصبح، أو في صلاة الصبح، أو بعد صلاة الصبح لتستغفر له الملائكة إلى أن يُمسي، فختم القرآن له دعوات مستجابات واستغفارٌ من الملائكة كما أنبأ صلى الله عليه وسلم.
وأيسر وسيلة لختم القرآن أن يُقسِّم الإنسان القرآن على حسب وقته إلى أجزاء كما كان يفعل الصحابة الكرام، فكثيرٌ منهم كان يختم القرآن كل سبعٍ مرة، فكانوا يبدأون يوم الجمعة ويختمون ليلة الجمعة، أو يبدأون يوم الخميس ويختمون ليلة الخميس، المهم في ذلك في كله العمل بقوله صلى الله عليه وسلم:
(أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)
فآفة المسلمين المعاصرين وكثيرٌ منا معهم في هذا الأمر أننا نقرأ القرآن في رمضان، وليلة العيد يدخل القرآن في التخزين فلا يُفتح إلا في رمضان القادم، وهذا يُعرِّض الإنسان لشكوى يقدمها القرآن في حقه يوم القيامة لحضرة الرحمن: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (30:الفرقان).
فبدلاً من أن يكون القرآن شفيعاً له يكون خصماً له، ولذلك ينبغي المداومة على التلاوة طوال أيام العام، فلا يسمح الإنسان أن تلعب به نفسه ويخرق التلاوة بعد رمضان، لكن الصالحين - نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون منهم أجمعين - رمضان عندهم العام كله.

المَسُّ بين الملائكة والمصلين

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حَوْلَ الْعَرْشِ مَوْضِعًا يُسَمَّى حَظِيرَةُ الْقُدْسِ، وَهُوَ مِنَ النُّورِ فِيهَا مَلَائِكَةٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ عِبَادَةً لَا يَفْتُرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا كَانَ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ اسْتَأْذَنُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ، فَيُصَلُّونَ مَعَ بَنِي آدَمَ، فَيَنْزِلُونَ كُلَّ لَيْلَةٍ الْأَرْضَ فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا) .. ما الفرق بين من مسَّهم ومن مسُّوه؟
هناك مقام من مسوه بدون أن يراهم أو يسمع حديثهم ونجواهم، وهذا مقام عام، وهناك مقام من يراهم ويتكلم معهم ويسمع حديثهم ويرد عليهم، هل يستويان؟!,
فالمقام الأول وهو مقام العوام تمسه الملائكة الكرام، لكنه لا يشعر بمجيئهم ولا يستأنس بحديثهم، لكن المقام الأعلى يقول فيه الله عزَّ وجلَّ:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) (30-32:فصلت)
كان رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيدنا عمران بن الحصين رضي الله عنه يرى الملائكة وكانوا يجالسونه ويلقون عليه السلام، وكان حاضراً والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول في حديث:
(يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ، لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)
فأصيب بداء البواسير، فعرضوه على الأطباء في زمانه، وقالوا لا علاج له إلا الكي بالنار، وقد سمع الحديث وأن من أراد أن يكون من هذا الصنف لا يكتوي بالنار، فألَّح عليه أخوه من أجل صلاح جسمه واكتوى بالنار، وبعد أن اكتوى بالنار طاب جرحه وذهب داؤه ولكن زاد عليه المرض فقال: يا أخي حيرتني مالذي زاد مرضك؟ قال الذي زاد مرضي أن الملائكة كانت تأتيني وتجالسني وتسلم عليَّ، فلما اكتويت امتنعت عن المجيء إليَّ والسلام عليَّ.
هذا ما زاد به المرض، وإن كان بعد ذلك عافاه الله ورجعت الملائكة إلى عهدها به وكانت تجالسه وتُلقي عليه السلام.
فهذا هو المقام العلي الذي نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُرقينا إليه، وأن يجعلنا من الذين تتنزَّل عليهم الملائكة على الدوام.

العبادات وتزكية النفس

هل لكثرة العبادات في رمضان من صيامٍ وقيامٍ وقراءة القرآن أثر في تزكية النفوس؟
العبادات كلها وسائل تؤدي إلى نتائج، ومن جملة هذه النتائج تزكية النفوس، وتزكية النفوس يعني طُهرتها، فإذا صحَّت العبادات ونالت القبول من خالق الأرض والسماوات، نرى نتائج ملموسة لهذا الشخص تُبرهن وتُدلل على تزكية نفسه.
أولها وجوهرها وأهمها: حُسن خلقه ... أي يكون متشبهاً بالحبيب صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الخلق وتعامله مع أهله وتعامله مع الناس أجمعين. لكن إذا وجدنا رجلاً يصل الليل بالنهار بصيامٍ وقيامٍ وتلاوة للقرآن، وتعامله مع من حوله دائماً بشدِّة وعُنفٌ وقهرٌ، وربما سبٌّ وشتمٌ ولعنٌ، فهذا دليل على أن صاحب هذا العمل غير مقبولٌ عند الله عزَّ وجلَّ، لأن الأعمال لم تؤدِّ إلى النتائج.
ثانياً: الصلاة، يقول الله عزَّ وجلَّ في بيان ذلك: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) (45العنكبوت). ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ تَزِدْهُ مِنَ اللَّهِ إِلا بُعْدًا)
ثالثاً: الصيام، يقول فيه عليه أفضل الصلاة وأتم السلام: (إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) ... إذا خرج عن هذه الحدود وظهرت عليه هذه الأمراض وهذه الأعراض، فهل لصيامه ثمرة ونتيجة؟ لا، قال صلى الله عليه وسلم: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ)
و (جُنَّة): يعني وقاية، يقي الإنسان من الأخلاق السيئة، والعادات السيئة، ويقيه بعد ذلك من النار، ويقيه من البعد عن العزيز الغفار، ويقيه من كل سوءٍ يخشاه في هذه الدار، ومن كل همٍّ وغمٍّ يخشاه يوم لقاء الواحد القهار، فهذه نتيجة الصيام.
رابعاً: الحج، قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) - ما علامة القبول؟ - (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ) وصل إلى مقام المراقبة أيضاً، وماذا يعمل هناك في الحج؟ يتزوَّد: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (197البقرة).
إذا لم تظهر هذه الأخلاق الكريمة على الحاج وظهر ضدها كالجزع والفزع وعدم الرضا عن المخالطين والضجر منهم وسبهم وشتمهم، فهل يوجد قبولٍ للعمل؟ لا.
خامساً:ً الصدقات، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) (103التوبة) .. فما الغاية من الصدقة؟ تطهير النفس من داء الشُّح والبخل: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (9الحشر)
سيخرج الزكاة مُرغماً، لكنه في نفسه شحيحٌ على عباد الله الفقراء، بخيلٌ في الإنفاق على ولده وأهله، فهل ينال القبول؟!! ... لا، لأن أساس الصدقة والزكاة علاج مرض الشُح ومرض البُخل، فيكون كريماً ليحبه الكريم عزَّ وجلَّ.
وهكذا نجد أن نتائج الأعمال كلها تؤدي إلى محاسن الأخلاق ومكارم الشيم التي كان عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الفطر وصلاة المغرب

ما الأفضل أن أُفطر ثم أُصلي المغرب، أم أُصلي المغرب ثم أُفطر؟
هذا السؤال بهذه الكيفية ليس صحيحاً، الأفضل في كل الأحوال الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ)
وإنما منا من يفطر على تمر وماء ثم يصلي المغرب، ويكمل بقية الفطور بعد الصلاة، وهذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ومنا من معه أولادٌ صغار لا يستطيعون الصبر حتى تُؤدَّي الصلاة، أو عنده ضيوف فلا يستطيع أن يقول لضيوفه: هيا بنا أولاً نؤدي الصلاة، ولكن هذا يعمل بالقول الوارد في الأثر: ((سيروا على قدر ضعفائكم)).
فإن كان معي أطفال صغار ولن يتحملوا أن أُصلي في المسجد، فأُفطر معهم أولاً، لكن المهم هنا أنه عقب الإفطار مباشرةً أقوم إلى صلاة المغرب، فلا أُؤجل الصلاة إلى وقت العشاء، فكثيرٌ من الناس - وهذا من المؤسف ـ يؤجل الصلاة ويقول: حتى تقترب العشاء فينسى نفسه وإذا به يسمع آذان العشاء ولم يؤدي صلاة المغرب!!.
إذاً الكيفية السديدة هي تعجيل الفطر، إما على جرعة ماء، وإما على تمر، وإما على لبن، وإما على شيء حُلو، كعصير، وإذا كنت أقوى على الصلاة ولا أنشغل وأنا فيها بالطعام، فأُصلي أولاً، وإذا كنت أرى أن الصلاة تكون غير تامة لأني مشغولٌ بالطعام فعلىَّ أولاً أن آكل، لقوله صلى الله عليه وسلم:
(إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ)
فإذا كان عندي ضيوف فليس من أدب الضيافة أن أقول لهم: تعالوا نصلي أولاً في المسجد ثم نعود فنأكل، ولكن أقول لهم: هيا بنا للإفطار ثم نؤدي الصلاة لله عزَّ وجلَّ.

سر تعجيل الفطر وتأخير السحور

لِمَ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعجيل الإفطار وتأخير السحور في قوله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ) ؟
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعجيل الإفطار رحمة بنا وشفقة لأجسامنا، لأن الجسم يكون في عناءٍ من طول اليوم لإمتناعه عن الطعام والشراب، فيحتاج إلى إعادة الحيوية والنشاط فلا بد أن يُعجِّل الفطر.
وأمرنا بتأخير السحور حتى يستطيع الإنسان أن يعيش طوال النهار إلى آخره لا يُحسُّ بألم الجوع، ويستطيع كذلك أن يؤدي صلاة الفجر في وقتها، فمن تسحَّر الساعة الثانية عشرة أو الساعة الواحدة هل يستطيع أن يقاوم النوم؟! مهما يصنع فسينام، لأنه عندما يأكل الإنسان فإن الدم كله يتحول إلى المعدة حتى يساعد على هضم الطعام فتصعد أبخرة الطعام إلى الطبقات العُليا من المخ فتجلب النوم فوراً، وحتى في الإفطار من يُفطر ويزيد في إفطاره قليلاً يريد أن ينام، ولو حضر صلاة القيام يصلي وهو ينام لأنه ملأ المعدة لنهايتها.
إذاً لن يستطيع صلاة الفجر في وقته، وإذا صلى صلى متبرماً ومتضرراً، ناهيك عن الوخم والكسل الذي يعتريه طوال اليوم.
فنبهنا الحبيب على الطريقة السديدة الرشيدة: وهي أن الإنسان يتسحر ثم يقوم إلى الوضوء فينشِّط الأعضاء، ثم يذهب إلى الصلاة وحركاتها من الركوع والسجود تهيئ هضم الطعام، فإذا انتهى من الصلاة يكون الإنسان قد استقرَّ طعامه في معدته، وحتى لو نام بعد ذلك نام في خيرٍ وسلام، فما أعظم هدي الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، يقول سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه:
{ تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً }
وانظر كيف كانوا يحسبون الوقت؟ قدر قراءة خمسين آية، وهو وقت الثُلث ساعة التي بين الإمساك وبين الآذان، فهذا الهدي الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يقول لنا فيه الله عزَّ وجلَّ: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (54النور).

بيت العزة

قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ((أُنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا)) .. ما بيت العزة؟ .. وما وصفه؟ .. وأين يوجد في السماء؟ .. وهل في السماء بيوت؟!!
هذه الأسئلة كلها عقلية والأمور الغيبية لا ينبغي أن نُحكِّم فيها العقول وإنما قال الله عزَّ وجلَّ لنا فيها: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (3البقرة) .. هذه نُقُول، ونصدق فيها النُقول الصحيحة الواردة عن حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
بيت العزة: (بيت) ما ماهيته؟ وما شكله؟ أنحن ذهبنا هناك ورأيناه؟! أو الذي ذهب بروحه ورآه أيستطيع أن يصفه لنا؟! أنستطيع أن نستوعب هذا الوصف؟! أين هو؟ الحديث واضح (في السماء الدنيا) وأين هي السماء الدنيا؟ أأحد في الكون كله إلي وقتنا هذا يعرف السماء الدنيا أين هي؟!! لا أحد يعرف أين هي السماء الدنيا؟.
الكل يخمن فقط لأن السماء التي نراها بعيننا ليست هي السماء الدنيا، هذا غلاف جوي فوق الأرض له منافع لا تعد ولا تحد، يحفظ الجاذبية الأرضية، ويمنع الشوائب من النزول على الأرض، ويلطف حرارة الشمس .. فوائد لا عدَّ لها ولا حَّد لها.
فبيت العزة بيت نوراني في عالم السماء الدنيا، لأن السماء كلها عالم من نور، وسُمي بـ (بيت العزة) لأنه عزيز، أعزَّ الله الأشياء التي توضع فيه، فلا يستطيع إبليس ولا جنده ولا غيرهم أن يصلوا إلي ما فيه، ولو حاولوا أن يسترقوا السمع إلي ما فيه كان لكل واحد منهم شهاباً رصداً.
فأنزل الله تعالي القرآن على حسب رواية سيدنا عبد الله بن عباس جملة واحدة في السماء الدنيا في ليلة القدر التي قال فيها الله عزَّ وجلَّ: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ) (3الدخان) ...
ثم نزل به أمين الوحي جبريل من السماء الدنيا على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدة ثلاثة وعشرين سنة: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ) .. وهذا وقْف!! .. فماذا تعني كلمة: (كَذَلِكَ)؟ أي أنه حصل بالفعل، فلماذا أتي مفرقاً؟ (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) (32الفرقان) وهذه جمعت الحسنيين.

دعوة الوليمة

دعيت لوليمة عند صديق، فهل يجوز لي أن أصطحب أحداً بدون إذن صاحب الضيافة؟
هذا موضوع اختلف فيه الفقهاء الأجلاء، فكانت تحدث مناظرات بين الفقهاء في هذا الأمر حتى كانت تصل إلى المزاح في بعض الأحيان، بمعنى أن بعض العلماء دُعوا إلى مائدة ودخلت قطة فقالوا: هل يجوز أن نعطي القطة من هذا الطعام؟ أم نستأذن من صاحب الطعام؟ يريدون أن يعرفوا آراء المذاهب، أنت دعيت لطعام لتأكل لا لتناول، بمعنى أن تأخذ شيئا من الطعام وأنت منصرف، أو تناول قطة، هذا لا يجوز، لكن لا بد من إذن من صاحب الطعام.
وأنت ذاهب للمائدة قابلك أحد الناس في الطريق فقلت له تعالى معي، فهذا ليس من شرع الله، الحبيب صلى الله عليه وسلم دعاه أحد الأنصار على مائدة فقال له صلى الله عليه وسلم: وعائشة؟ أي تأتي معي عائشة أم لا؟ فقال الرجل: وعائشة، أي وافق الرجل على مجيء عائشة، فالرسول صلى الله عليه وسلم علَّمنا هذا الأمر بأن نقدم الآداب الإسلامية التي علَّمها لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نفترض بأنه لقاء عام وقال لي أحد الناس إني أدعوك لمائدة أنت والأحباب، أقول له: نأتي في حدود كم؟ حتى يستعد لذلك، وخاصة إذا كان إفطار مع المغرب، فلا يجوز أن يدعوا مائة ويفاجأ بمائتين في وقت المغرب! فماذا يصنع وقتئذ؟! سيقع في كرب، والإسلام لا يأمر بذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ دُعِيَ فَلْيُجِبْ) ... أي بنفسه فقط، ولا يصطحب معه أحد إلا بإذن من صاحب الضيافة، ولا بد أن يكون هناك تواصل بينهما حتى يعرف المدعو مدى استعداد الداعي لعدد الضيوف، وماذا سيصنع لاستقبال الضيفان، لكن لا أدعو رفاقي وجيراني بلا حساب ليذهبوا معي للوليمة!! ... هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته التي مشى عليها وعلَّمها لصحبه الكرام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

معونة العباد على الطاعة

كيف أعين الصائمين والقائمين والمتعبدين على طاعتهم لله؟
أيسر لهم المكان الذي يطيعون فيه الله عزَّ وجلَّ، أيسر لهم الجو الذي يستطيعون أن يطيعوا الله فيه، ويشعروا بروحانية وصفاء، أحضر لهم قارئًا حسن الصوت يقرأ لهم، أحضر لهم عالمًا يذكرهم ويجعلهم تهيم قلوبهم إلى الله، أهيئ لهم الجوّ على أن تكون فيه نسمة من الهواء العليل؛ حتى لا يشعروا بملل في عبادة الله عزَّ وجلَّ، أجهز لهم الماء حتى لا يضطروا إلى الخروج من الصف والرجوع إلى الخلف للحصول على الماء، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ فِي مَوْضِعٍ يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَإِنْ سَقَاهُ فِي مَوْضِعٍ لا يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا نَسَمَةً مُؤْمِنَةً)
أحضر لهم ما يعينهم على العبادة؛ أحضر لهم المصاحف التي يقرأون فيها، وكذلك الكتب السهلة اليسيرة التي تعينهم على الفقه في الدين، وعلى معرفة الأعمال التي يعملونها لرب العالمين، إذا كانوا صائمين أجهز لهم طعام الإفطار، إذا كانوا معتكفين أجهز لهم المكان وما يحتاجون إليه من سحور وفطور لصيام شهر رمضان، كل هذه الأمور وكثير غيرها يعين بها الإنسان أخاه على طاعة الله عزَّ وجلَّ.

الدعاء

: كيف ندعوا الله عزَّ وجلَّ؟
يقول الله عزَّ وجلَّ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (60:غافر) ... فمن الذي طلب منا أن ندعوه؟ الله عزَّ وجلَّ، وقال للحبيب صلى الله عليه وسلم: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (186:البقرة).
فماذا بعد ذلك؟! ... وقال صلى الله عليه وسلم:
(إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ، فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ)
لماذا؟ لأن المؤمن عندما يدعوا الله عزَّ وجلَّ فإن الله عزَّ وجلَّ يُحب أن يسمع صوته، فيقول للملائكة:
{ إِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُو اللَّهَ عزَّ وجلَّ وَهُوَ يُحِبُّهُ، فَيَقُولُ الله عزَّ وجلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اقْضِ لِعَبْدِي هَذَا حَاجَتَهُ وأَخِّرَّهَا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو اللَّهَ عزَّ وجلَّ وهُوَ يُبْغِضُهُ، فَيَقُولُ: اقْضِ لِعَبْدِي هَذَا حَاجَتَهُ بِإِخْلاصِهِ وعَجِّلْهَا، فَإِنِّي أُبْغِضُ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ }
فنحن مأمورون بأن ندعوا الله عزَّ وجلَّ، ونسأل الله عزَّ وجلَّ .. وقد وردفي الأثر: أن الله عزَّ وجلَّ قال لسيدنا موسى عليه السلام: (يا موسى سلني في ملح طعامك، وفي شسع نعلك، قال: يا رب إن لي حاجة أستحي أن أسألك عليها، قال: يا موسى وهل تقضيها إلا بإذني؟!).
وكان سيدنا موسى يسأل الله في كل شيء من أول: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) (143:الأعراف) ... إلى الرغيف: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (24:القصص).
فسؤال الله في كل شيء هذا حال الأنبياء والمرسلين وحال الصالحين والمقربين وحال المؤمنين المسلمين لله رب العالمين، فقبل أن يفعل شيئاً يطلب من الله عزَّ وجلَّ التوفيق، ويطلب من الله عزَّ وجلَّ المعونة، ويطلب من الله عزَّ وجلَّ المساعدة، حتى عبادة الله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (5:الفاتحة) ... أعِنِّي يا رب في هذه العبادة، فلو تخلَّى الله عنا طرفة عين، فهل يستطيع أحدنا أن يعبد الله عزَّ وجلَّ؟ لا، لذلك يجب أن نسأل الله عزَّ وجلَّ على الدوام.

كيفية تدبر القرآن

كيف يتدبر الإنسان في قراءة القرآن؟
خير لك أن تقرأ في مصحف مفسر، فهناك في السوق مصاحف مفسرة، المصحف يكون في منتصف الصفحة وعن يمينه وعن يساره معاني الكلمات، وبعد ذلك معاني مجملة للآيات، وأسباب النزول، فالإنسان عندما يقرأ في مثل هذا المصحف، ويقرأ معنى الكلمة، ويقرأ معنى الآية، ينشغل بالمعاني، ويبدأ يتفكر ويتدبر في هذه المعاني ... وعندما يسترسل في هذا الأمر يمنُّ عليه المنان عزَّ وجلَّ فتُفتح له عيناً في قلبه تُفاض عليه منها المعاني من جمال الله وجلال الله جل في علاه.

الإعتكاف

ما معنى الإعتكاف؟ وكيف نعتكف؟
الإعتكاف معناه: حبس النفس على طاعة الله في بيت الله عزَّ وجلَّ، وأن الإنسان يتفرَّغ لطاعة الله في بيت الله سبحانه وتعالى ... والإعتكاف له أربع صور:
النوع الأول: إعتكاف كامل، وفيه يدخل الإنسان في ليلة الحادي والعشرين من رمضان قبل المغرب إلي المسجد، ويظلُّ في المسجد إلى صلاة العيد، ولا يخرج من المسجد إلا للضرورات كالأكل أو لدخول الحمام أو للوضوء أو ما شابه ذلك، ولا يخرج حتى لتشييع جنازة ولا لزيارة مريض لأنه معتكف .. وهو إعتكاف كامل لأن الإنسان متفرغ وليس له مصالح تحتاجه أو يحتاجها بالنهار.
النوع الثاني: إعتكاف كل ليلة، وهو أن الإنسان يعتكف كل ليلة، فيدخل المسجد عند غروب الشمس قبل أذان المغرب وينوي الإعتكاف، فيصلي المغرب ويظل الليلة كلها حتى صلاة الفجر، وله أن يذهب ليفطر، ويتوضأ، ثم يرجع مرةً ثانية للمسجد، ويصلي التراويح، ويحتاج لتجديد وضوءه ويأكل مرةً ثانية ويعود ثانيةً للمسجد، ويرجع للتهجد، وهذا الإعتكاف ينويه الإنسان كل ليلة.
النوع الثالث: الإعتكاف بالنهار، وهذا النوع لمن عنده مصالح في الليل ومتفرغ بالنهار، فيدخل المسجد قبل أذان الفجر وينوي الإعتكاف ويخرج بعد أذان المغرب.
النوع الرابع: الاعتكاف قبل كل صلاة، وهذا الإعتكاف ميسَّر على المسلمين ويكون في أى وقتٍ من العام، فعندما يدخل الإنسان المسجد قبل أى صلاة ما دام متوضئاً بعد أن يصلي ركعتي السنة ينوي الإعتكاف لله عزَّ وجلَّ.
والإعتكاف بأنواعه كلها يجب فيه على الإنسان أن يشغل وقته بطاعة الله عزَّ وجلَّ، وذكر الله، والإستغفار، والصلاة على حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتلاوة القرآن، أو سماع درس علم، لكن لا يشغل نفسه بحديثٍ مع جاره، فإذا تكلم مع جاره فيكون قد خرج من الإعتكاف، وعليه أن يجدِّد النية مرةً ثانية.
وما ثواب الإعتكاف؟ قال صلى الله عليه وسلم:
(من اعتكف قدر فُواق ناقة ـ يعني قدر وقت حلب الناقة ـ كُتب له أجر حُجتين وعُمرتين تامتين مقبولتين)
ولذلك المؤمن العاقل في أى وقتٍ من العام إذا كان داخلاً بيت الله للصلاة فيكون في المسجد قبل الصلاة ولو بعشر دقائق، فيُصلي السنة وينوي الإعتكاف ويُجهِّز نفسه للصلاة، فعندما يدخل في الصلاة فيصلي في حضور مع الله عزَّ وجلَّ.
أما الذين يعتكفون في العشر الأواخر ويجلسون طوال الليل والنهار يقرأون الصحف والمجلات ويتكلمون مع بعضهم، فهذا يُسمَّى اعتكاف لكن مضمونه يخالف شروط الإعتكاف الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الإعتكاف - كما وضحناه - أصبح سهلاً ميسراً، أننا في الليالي العشر الأواخر نستطيع أن نعتكف كل ليلة، وطوال العام نستطيع أن نعتكف في أى وقتٍ ندخل فيه بيت الله عزَّ وجلَّ، نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يفقهنا في ديننا، وان يُلهمنا رشدنا، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يجعلنا من العاملين بما علمنا، وأن يورثنا من عنده علماً وهبياً، وفضلاً قدسياً ونوراً قرآنياً.

أدب الاعتكاف

ما أدب المؤمن في الاعتكاف؟
أدب المؤمن في الاعتكاف أنه ينبغي عليه أن يكون متوضئاً، وأن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة والجماعة، فلا يجوز الاعتكاف في المنزل، أو في مسجد لا تؤدي فيه صلاة الجمعة والجماعة حتى لا يضطر إلي الخروج من المسجد لصلاة الجمعة والجماعة، ولا يخرج من معتكفه إلا لضرورة شرعية كأكل أو قضاء الحاجة أو الوضوء، ولا يخرج لتشييع جنازة ولا لعيادة مريض ولا لأي أمر آخر لأنه اعتكف، أي حبس نفسه على طاعة الله في هذا الوقت.
وينبغي عليه أن لا يشغل نفسه في معتكفه بالحديث مع غيره في أمور الدنيا، أو أمور اللغو أو السياسة أو ما شابه ذلك، وإنما يشتغل بذكر الله، أو تلاوة كتاب الله، أو الاستغفار، أو الصلاة على حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو أي طاعة يتوجه بها إلي الله.
وينبغي عليه إذا تحدث مع غيره في أي أمر غير ديني أن يجدد النية، لأنه بذلك يكون قد خرج من الاعتكاف وعليه أن ينوي مرة أخرى.
هذه الآداب الشرعية التي ذكرها لنا الأئمة الكرام، والتي هي مجمل ما كان عليه الحبيب المصطفي وصحابته العظماء، نسأل الله أن يجملنا بها أجمعين.

هل يجوز الإعتكاف للنساء؟

نعم يجوز الإعتكاف للنساء لأن النبي صلى الله عليه وسلم في عامه الأخير اعتكف نساؤه جميعاً، كل واحدة بمفردها، ولا يجوز لرجل أن يعتكف ويغلق عليه باب واحد مع زوجته، لأن الله عزَّ وجلَّ قال: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (187:البقرة).
فيجوز الاعتكاف للنساء إذا كان المسجد فيه مكان خاص لهم، وأجاز بعض الأئمة - وهذا من يسر الإسلام للمرأة - أن تعتكف بمسجد خاص تصنعه في بيتها، لأنها غير مكلفة بصلاة الجمعة والجماعة .. فاعتكفت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في عصره، وكن يعتكفن بعد انتقال النبي إلي الملأ الأعلى كذلك، وهذا أقوى دليل علي مشروعية الاعتكاف للنساء، لأن اللائي يعتكفن هن نساء النبي .

الاعتكاف والظروف الأمنية

في ظل الظرف الأمنية التي تمر بها البلاد هل يجوز الاعتكاف في البيت أو في مكان غير المساجد؟
الظروف الأمنية لا تمنع من الاعتكاف، الدولة لم تمنع الاعتكاف .. كل ما طالبت به - للتوثيق - أن الذي يريد الاعتكاف يخبر إمام المسجد الذي سيعتكف فيه باسمه وبياناته ويعطيه صوره بطاقة الرقم القومي، حتى يكون الأمر سهلاً ميسوراً، والإمام ينظر إلي المكان المجهز في المسجد وسعته، المكان يسع عشرة مثلاً فلا يضع فيه عشرين، لراحة المعتكفين، فيراعي العدد المناسب للمكان بحسب الجزء المجهز له، لأن الاعتكاف ليس في المسجد كله .. فجزء للاعتكاف والباقي يترك للمصلين.
فيتم تسجيل الأفراد بما يتسع به المكان .. حتى توجد روحانية وصفاء، ويبلغ بذلك الجهات الرسمية، والجهات الرسمية كل ما تصنعه تتحرى عن قصد هؤلاء، حتى لا يندس في وسطهم من يسيء للجميع، وخاصة أننا في عصر يندس فيه المخربين في أي مكان ... هذه الجهات الأمنية لا تمنع من الاعتكاف، بل تصحح الاعتكاف وتجعله آمناً، والمعتكفين آمنين ومطمئنين ومرتاحين، وأهل المكان يكونون في راحة لأنهم مطمئنين أنه ليس في مسجدهم إرهابيون يُرِّوعونهم.
فلا يوجد مانع أو داعي لمنع الاعتكاف في أي مسجد من مساجد الجمهورية، الحمد لله لا توجد أي مشاكل .. لكن لا بد من الضوابط الرسمية.

شروط صحة الإعتكاف

ما معني قول الله تعالي: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (187:البقرة).
ما المسجد الذي يصح فيه الإعتكاف؟ ... اشترط الأئمة في الإعتكاف أن يكون في مسجد يُؤدَّى فيه الجمعة والجماعة، فلا يصح الإعتكاف في المسجد الخاص الذي صنعه الإنسان لنفسه في منزله، وإن كان بعض الأئمة أباح ذلك، لكن الإجماع اشترط أن يكون مسجداً تُؤدى فيه الجمعة والجماعة.
من شروط الإعتكاف ألا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لضرورة، كأن يخرج لإحضار طعام أو يخرج لقضاء حاجة، أو يخرج للوضوء، فظنَّ بعض المعتكفين في بداية الدعوة أن من قضاء الحاجة أنه ربما يحتاج إلى الجنس، فيخرج لقضاء الجنس ثم يرجع، فنهى الله عزَّ وجلَّ عن إتيان الجنس طالما الإنسان معتكفاً، فقال عزَّ وجلَّ: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (187:البقرة).

أي لا يجوز للمعتكف الكلي أن يقرب النساء طالما هو في فترة الإعتكاف، لأنه لا يخرج من المسجد إلا لضرورة شرعية .. وليست من الضرورات هذه الضرورة، مع أنها ضرورة لازمة للإنسان، إلا أنه يتشبه في هذه الحالة في الإعتكاف بالملائكة، والملائكة ليست لديهم هذه الحالة، فهو يتشبه تمام التشبه بملائكة الرحمن عزَّ وجلَّ.

ليلة القدر وتسميتها

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وصحبه ومن والاه. ونحن في هذه الليالي الكريمة في العشر الأواخر من رمضان ليالي القدر، خصَّ الله عزَّ وجلَّ ليلة القدر بأعظم المنح الإلهية والعطاءات الربانية، لماذا؟ لأنها الليلة المباركة التي أنزل الله عزَّ وجلَّ فيها القرآن الكريم: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (1:القدر) .. فهذه الليلة كلها بركة وفضل ونفحات وعطاءات من الله عزَّ وجلَّ.
ولماذا سُميت بليلة القدر؟ لأسباب كثيرة:
أولاً: لأن فيها قدرٌ من الأنوار الإلهية، والعطاءات الربانية، تنزل على المؤمنين وخاصَّة أهل الخصوصية ولا يعلم قدرها ومقدارها إلا الله عزَّ وجلَّ.
ثانياً: أن الله يختار في هذه الليلة الملائكة ذوي القدر والمكانة والوجاهة عند الله في السماوات لينزلوا على المؤمنين ذوي القدر عند الله في العبادات والطاعات والعمل الصالح لله عزَّ وجلَّ في كل الأوقات، فينزل فيها ملائكة ذوي قدر، على مؤمنين ذوي قدر، ليبلغونهم السلام من السلام عزَّ وجلَّ.
ثالثاً: قيل أن هذه الليلة ينزل فيها عددٌ لا يُحصى من ملائكة الله، حتى أن الأرض تضيق من كثرة نزولهم.
فكلمة القدر في اللغة لها معنى آخر غير المنزلة والمكانة، وهو الضيق، فتضيق الأرض من كثرة الملائكة النازلين من السماء، يقول فيها سيد الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلم: (إذا كانت ليلة القدر أمر الله عزَّ وجلَّ جبريل أن ينزل من السماء ومعه ثلاثة ألوية - ثلاثة أعلام - لواء ينصبه على ظهر الكعبة، ولواءٌ ينصبه على بيت المقدس، ولواءٌ ينصبه على مسجدي هذا، ثم يأمرهم أن يتفرقوا في الأرض، فلا يجدون عبداً لله تعالى قائمٌ أو قاعدٌ أو راكعٌ أو ساجد يعبد الله تعالى إلا ويسلمون عليه ويصافحونه)
فالملائكة من كثرة عددهم تضيق الأرض بهم، وحبيبنا صلى الله عليه وسلم ضرب لنا المثال في ذلك، فسيدنا جبريل عليه السلام نزل من السماء فقال:
(يَا مُحَمَّدُ، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ الْيَوْمَ، فَقَدِ اسْتَبْشَرَ بِمَوْتِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ؟!!، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لا أَعْلَمُهُ إِلا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَدْ أَمْسَى دَنِقًا، مَا فَعَلَ سَعْدٌ؟ فَقَالُوا: قُبِضَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) .
وكيف عرفت الملائكة بموت سعد؟ قال صلى الله عليه وسلم:
(اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)
ولا يهتزَّ العرشُ إلا لموت عظيمٍ عند الله في الأرض، نعيه ليس بالميكروفون ولكن باهتزاز العرش لتنزل ملائكة السماء وتحضر جنازته.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا حُمِلَتْ جَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جَنَازَتَهُ، وَذَلِكَ لِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ)
وروت السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي في جنازة سعد على أطراف أصابعه، فسئل بعد ذلك، وقالوا: يا رسول الله رأيناك تصنع شيئاً ما صنعته من قبل، رأيناك تمشي على أطراف أصابعك، فقال صلى الله عليه وسلم: من شدة زحام الملائكة الذين نزلوا لتشييع جنازة سعد .. فقد ورد أنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:
(لَقَدْ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، شَهِدُوا جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مَا وَطِئُوا الأَرْضَ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ)
فسُميت ليلة القدر - كما قلت لكثرة نزول الملائكة - والملائكة ينزلون في هذه الليلة للقائمين الراكعين الساجدين الذاكرين والمستغفرين والمصلين على النبي الأمين، الطائعين لله في هذه الليلة أجمعين.
لكن هل الملائكة تنزل لإنسان يجلس أمام التليفزيون يشاهد المسلسلات؟! وهل تنزل الملائكة لإنسان جالس على النت ويشاهد الممنوعات والمحرمات؟! لا، هؤلاء تنزل عليهم الشياطين، فهؤلاء يقول فيهم الله عزَّ وجلَّ: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) (221، 222:الشعراء)
فالملائكة تنزل على المطيعين والعابدين والذاكرين لله عزَّ وجلَّ في هذه الليلة، يبشرونه بفضل الله وبرحمة الله وبإكرام الله وبأمان الله عزَّ وجلَّ، فكلمة (السلام): تعني الأمان، يعني أنت قد نلت الأمان، ويوم الخروج من الدنيا تحظى بقول الرحمن: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (27:إبراهيم) .. وفي الآخرة تكون من الذين: (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (62:يونس).
فتكون قد نلت الأمان من الله عزَّ وجلَّ بسبب طاعتك لله، واختيار الله لك لهذا العطاء: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) (4:القدر) يعني من كل عالم من عوالم الأمر، وعوالم الأمر يعني عوالم السماوات: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (5:القدر).

الليلة التي فيها القدر

كما قلنا من قبل أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كل ليلة بعد صلاة الفجر يلتفت إلى أصحابه فيقول: أيكم الليلة رأى رؤيا؟ فيقصون له رؤياهم ويئولها ويفصِّلها لهم صلوات ربي وتسليماته عليه.
والإنسان إذا كان منشغلاً بطاعة الرحمن فلحظة المنام تودِّع الروح الجسم وتصعد إلى عالم الملكوت الأعلى، وتأتي من هناك بطرائف الحكمة وبغرائب العلم، وبمكاشفات ومؤانسات، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله أصحابه عن ليلة القدر قال لهم:
(أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ)
إقرارٌ بأن هؤلاء القوم قد وصلوا مقام المقربين، وقلوبهم وصلت إلى مقام الرضا عن الله عزَّ وجلَّ والقرب من حضرته سبحانه وتعالى.
ذهبوا مرةً ثانية يُلِّحون عليه ويقولون: نريد أن تُعرفنا ليلة القدر - ولماذا يريدون معرفة ليلة القدر؟!! .. لأن طبيعة النفس الكسل، فتريد أن تعرفها لتحيي ليلة واحدة، وتنام بقية الليالي، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ذلك، ولكن يريدنا أن نجتهد في العشر الأواخر كلها وليست ليلة واحدة - فخرج عليهم وهم منتظرون، وأثناء ذلك تجادل اثنان معاً جدالاً حاداً قليلاً وعلت أصواتهما، فقال صلى الله عليه وسلم:
(إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ)
يعني لو تجادل جماعة من المسلمون فلن يكشف الله لهما عن أمر هذه الليلة الكريمة، لأنها تحتاج إلى صفاءٍ ونقاءٍ، ولم يوضِّح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة لكي يجتهدوا في العشر الأواخر، وفي النهاية قال لهم:
(فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ)
ولا يزالون يريدون معرفة هذه الليلة بالضبط، ففي خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه وهم مجتمعون معه ويتناقشون في مثل هذه الأمور عقد مؤتمراً صحفياً كبيراً وطلب من الصحابة أنَّ من سمع شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر فليخبر به، فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: هي ليلة واحد وعشرين، وكانت حجته:
(إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ)
سيدنا عبدالله بن أنيس رضي الله عنه كان يقول هي ليلة ثلاث وعشرين، وحجته حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:
("أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ"، قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَانْصَرَفَ، وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ)
سيدنا عبد الله بن عباس قال: هي ليلة سبع وعشرون، واستنتج ذلك بقوله: عدد آيات سورة القدر ثلاثون كلمة، وكلمة (هي) رقمها سبعة وعشرون، كذلك كلمة (ليلة القدر) مكونة من تسع حروف، وتكررت في السورة ثلاث مرات فيكون عددهم سبعة وعشرون، وأن الرقم سبعة جعله الله الأساس في كل العبادات، فالطواف سبعة، والسعي سبعة، والسجود على سبع كما قال صلى الله عليه وسلم:
(أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ)
وصفات الله سبع، والأيام سبع، والأراضين سبع، فلذلك هي ليلة سبع وعشرون.
سيدنا أُبي بن كعب رضي الله عنه قال:
(وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، وَأَكْثَرُ عِلْمِي هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ)
هم يجتهدون حتى يُحيوا هذه الليلة ليحظوا بمنح الله وعطاءات الله للمؤمنين، هذه الليلة يقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصفها:
(لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَلْجَةٌ، لا حَارَّةٌ وَلا بَارِدَةٌ، وَلا سَحَابٌ فِيهَا، وَلا مَطَرٌ، وَلا رِيحٌ، وَلا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ، وَمِنْ عَلامَةِ يَوْمِهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ لا شُعَاعَ لَهَا)
وفي النهاية اتفقوا على أن الله عزَّ وجلَّ لم يحدد هذه الليلة لقوله صلى الله عليه وسلم عن شهر رمضان:
(أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ، فِيهِ خَيْرٌ يُغَشِّيكُمُ اللَّهُ فِيهِ، فَتَنْزِلُ الرَّحْمَةَ، وَتُحَطُّ الْخَطَايَا، وَيُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ، فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلائِكَتَهُ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مِنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ)
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُشرق علينا بأنوار ليلة القدر، وأن يجعلنا من أهل المنح الإلهية التي تُوزَّع في ليلة القدر، وأن يُعلي قدرنا عنده، ويرفع شأننا عنده، ويجعلنا من المقربين لديه

المنح الإلهية في ليلة القدر

ليلة القدر لها أجر ومنح من الله؛ أما الأجر فقد ذكره الله عزَّ وجلَّ في قوله: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (3:القدر)
يعني من أحيا ليلة القدر كان له عند الله عزَّ وجلَّ من الأجر أكثر من ألف شهر؛ ليلها قيام ونهارها صيام، وكلها طاعة مقبولة عند الملك العلام عزَّ وجلَّ .. وهذا الأجر يتحقق بإحياء الليلة في طاعة الله، والليلة تكون كما قال صلى الله عليه وسلم:
(الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)
الليالي الفردية من العشر الأواخر من رمضان، وأدني إحياء لهذه الليلة يجعل الإنسان يصيب هذا الأجر أن يحافظ المرء علي صلاة الفجر في جماعة والصبح في جماعة في ليالي العشر كلها، لأن ليلة القدر ستكون ليلة منها، وبذلك يكون قد ضمن هذه الليلة وضمن هذا الأجر من الله عزَّ وجلَّ، قال صلى الله عليه وسلم في ذلك:
(مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ)
وفي رواية أخرى:
(مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ)
وفي رواية ذكرها الحبيب صلى الله عليه وسلم لأصحاب الأعذار فقال:
(مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
وهناك منح إلهية لأهل الجد والاجتهاد من أهل الخصوصية الذين يقضون هذه الليالي في طاعة الله وعبادة الله جل في علاه، بعد أن اجتهدوا في تصفية النفوس وخلو القلوب من جهة الخلق ومن جهة الحق، من جهة الخلق صفو القلوب من الغل والكره والبغض والغش والحقد والحسد لجميع خلق الله عزَّ وجلَّ، ومن جهة الله سبحانه وتعالى صفو القلوب من الشك في الديان، أو الشرك معه بأن يتوجه بالعمل لله يقصد به نفعاً من بني الإنسان، أو يكون على غير يقين في موعود الله في القرآن، لكن لا بد أن يكون الإنسان عنده يقين كامل في حضرة الرحمن عزَّ وجلَّ.
إذا صفا القلب من هؤلاء،واجتهد في الطاعات والعبادات تتوالى عليه المنح من الله عزَّ وجلَّ، وأهم هذه المنح التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة إجابة؛ يستجاب فيها الدعاء، واستجابة الدعاء تحتاج لشروط إجابة الدعاء وأولها أن يتحرى الداعي المطعم الحلال، لأن الله عزَّ وجلَّ يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (27:المائدة)
وسيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: يا رسول الله ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ) .
إذاً من هو حريص على اللقمة الحلال فهو ولي لله، ودعاءه مستجاب لله؛ إن كان في ليلة القدر، أو في أي ليلة، أوفي أي يوم، أو في أي وقت من العام؛ ما دام يتحرى المطعم الحلال.
لكن إذا كان لا يحرص على المطعم الحلال، وصادف إحياءه ليلة القدر، وأخذ يدعوا الله، هذا قال فيه صلى الله عليه وسلم: (الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) ... لا يستجيب له حتى ولو كان وقت إجابة،حتى ولو كان يطوف بالبيت الحرام، حتى ولو سمحوا له وفتحوا له باب الكعبة ودخل الكعبة، لأن مطعمه حرام، فلا يستجيب الله دعاه، ولا يسمع الله نداه، ولا يعطيه الله مناه، لأنه خالف أول أساس في دين الله وهو المطعم الحلال: (كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (172:البقرة) .. فهذا أول شرط في إجابة الدعاء وتحقيق الرجاء.
الشرط الثاني في إجابة الدعاء: أن لا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم, ولذلك فإن حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد هذه الليلة، فكل شخص متخاصم مع آخر يدعوا عليه في هذه الليلة، وكثير منا يظن أن السماء ملك أيدينا نحركها كما نريد، وهذا الذي يحدث في المجتمع، شخص حدث بينه وبين شخص خلاف، وهذا الرجل حدث له أمر فيقول: أرأيتم كيف أتي الله لي بحقي منه؟!! كأن هذا الرجل ولي من أولياء الله والله غار عليه وأتي له بحقه!! وهذا أمر منتشر، شخص حدث بينه وبين آخر خلاف فيقول له سترى ما سيحدث لك ويهدده ويتوعده، كأن الكون ملك يديه يُصرفه كيف يشاء، وكأن الحق - حاشا لله - يأتمر بأمره، لكن المؤمن لا يدعو بإثم ولا بقطيعة رحم حتى لمن أذاه، لأنه ما أوذي أحد كما أوذي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما قالوا له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً) .. وعندما كانوا يشتدون في الإيذاء، كان يدعو الله ويقول: (اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ، وفي رواية: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ)
لكي يستجيب الله عزَّ وجلَّ الدعاء لا بد من أن يكون على خُلق أمير المرسلين وسيد الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب لنفسه قط، لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله عزَّ وجلَّ، لكني أدعو على هذا، وأدعو على هذا، فنقضي على بعضنا بالدعاء ونحن مؤمنين!! هل يجوز ذلك؟!! قال صلى الله عليه وسلم: (يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ)
يدعو على شخص أن يقع في المعاصي، أو أن يدعو على ولد أن يكون عاق لأمه, أو يدعو على أم أن يكون أولادها غير برره بها ... كل هذه الأدعية لا تجوز في الشريعة المحمدية, ولا يجوز لمن تأدب بأدب القرآن أن يستخدم هذا السلاح لإرهاب عباد الرحمن الذين آمنوا بالله وصدَّقوا برسوله، وسيقفون يوم القيامة بين يدي الله يحاسب كل نفس على ما جنت.
إذاً المسلم لا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم, وإذا دعا فلا بد أن يكون ناصح أمين لنفسه، لأنه يوجد أناس عندما يدعون يطلبون الدنيا وينسون الآخرة، لكن الله عزَّ وجلَّ يعلمنا الدعاء ويقول: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (201:البقرة) فكما أنك تدعو للدنيا فلا تنسى أن تدعو بشيء لنفسك في الآخرة، ولذلك السيدة عائشة تقول: يا رسول الله أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو، قَالَ: (تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي)
دعاء بالعفو، والعفو يكون يوم القيامة، فإذا دعا الإنسان يخلص الدعاء لنفسه ولأولاده وبناته في الدنيا، ولا ينسى الآخرة، ولا بد من الإخلاص عند الدعاء، قال صلى الله عليه وسلم: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) .
لا يجوز أن يدعو باللسان والقلب مشغول بأمرآخر، لكن لا بد أن يكون قلباً وقالباً منفعل بما يتوجه به إلي مولاه، لكي يستجيب الله سبحانه وتعالى لدعاه.
إذا تحقق المرء بشروط الدعاء ودعا فإن الله عزَّ وجلَّ يستجيب له دعاه، والمنح الإلهية في هذه الليلة لا تعد ولا تحد نكتفي منها بهذا القدر، نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يستجيب لنا دعائنا، وأن يفتح لنا أبواب السماء لقبول دعائنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

معنى ليلة القدر

ما المقصود بليلة القدر؟
كلمة القدر قد يراد بها أن هذه الليلة لها قدر من التعظيم لأن الله عظمها، أو قد يراد بها أن الذي يراها ويُكاشف بها يكون له قدر عظيم عند الله، أو قد يراد بها أن الذين ينزلون من الملأ الأعلي إلي الأرض فيها ملائكة لهم قدر عند الله، أو قد يراد بها – كما قيل في المعنى اللغوي – أن كلمة القدر أي الضيق، أي أن السماء تضيق من كثرة الملائكة النازلين في هذه الليلة ليبلغوا الصالحين من القائمين في الأرض سلام الله جل في علاه ... فيها معاني كثيرة لا تُعد ولا تحد، فمن يراها له قدر.
وهي ليلة لها شرف عند الله عزَّ وجلَّ وقدر، فلا تنزل ليلة القدر إلا على رجل له عند الله قدر، ولا يُبلغه بشأنها إلا ملك له عند الله عزَّ وجلَّ قدر، فكلها تقدير من الله لكل من تنزل عليه أو ينزل بها أو تظهر له أو يُحييها في طاعة الله فضلاً من الله عزَّ وجلَّ والله عليم حكيم.

تجليات ليلة القدر

كيف يرى الإنسان ليلة القدر؟
قد يرى نورها أنها ليلة غامرة بنور الله عزَّ وجلَّ، نور مخصوص ينزل في هذه الليلة ولا يراه إلا عبد مخصوص، وقد يرى الملائكة المخصوصين الذين ينزلون يُبلغونه السلام من رب العالمين، وهذه أيضاً كرامة له، وقد يرى أمين الوحي وزعيم الملائكة في هذه الليلة وهو جبريل، وقد يرى – وهذا هو المقام الأعظم – سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب أكبر قدر من الأنوار الإلهية الدنيوية والبرزخية والأخروية والجنانية.
إذاً يري على قدره ما يرى، قد يرى نور إسم من أسماء الله عزَّ وجلَّ، أو سر صفة من صفات الله عزَّ وجلَّ، أو يري مشهداً غيبياً من جمالات الله وكمالات الله عزَّ وجلَّ .. المهم يري شيئاً من الجمال، أو شيئاً من الكمال خصَّ به الله عزَّ وجلَّ أهل الوصال في هذه الليلة المباركة إن شاء الله.

ليلة القدر بين الثبات والتغير

هل ليلة القدر لها ميعاد ثابت في شهر رمضان أم أنها تتغير؟
الدول الإسلامية تختلف في توقيت صيام شهر رمضان، فقد تكون الليالي الوترية في مصر غير الليالي الوترية في ليبيا مثلاً، فأيهما فيها ليلة القدر؟! لكن ليلة القدر ليلة للأجر والثواب، أجرها كأجر من عمل ألف شهر نهارها صيام وليلها قيام في طاعة الله، وأجرها مغفرة الذنب:
(مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
وهذا الأجر لكل من أحيا الليالى العشر الأواخر من رمضان، ولو بصلاة العشاء في جماعة وصلاة الصبح في جماعة، وهذا أقل القدر في إحياء ليلة القدر، وهذه ليلة القدر في الأجر والثواب لجميع المسلمين.
لكن ليلة القدر في الحقيقة ليلة ذات قدر، لرجل أعطاه الله عزَّ وجلَّ من عنده تكريماً له قدر، وبشره بهذا القدر في هذه الليلة، إن كان البشير ملك من الملائكة، أو كان البشير أمين وحي السماء جبريل، أو كان البشير حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان البشير حضرة الله عزَّ وجلَّ إن كان بأسماءه أو بصفاته أو بكمالات ذاته أو بجمالات حضرته أو بأي نعت من نعوته الخاصة لحضرته .... كل هذه أنواع للبشارات، وهذا الذي تُشير إليه الآية القرآنية: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) أي: القرآن – (فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (1القدر).
والقرآن نزل كما رُوي من اللوح المحفوظ إلي بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر، واختلفت الروايات فقيل في ليلة ثلاث وعشرين، وقيل في أربع وعشرين، وقيل في ليلة سبع وعشرين، ثم نزل مفرقاً على حضرة النبي في ثلاث وعشرين سنة، لكنه أين نزل؟ والفاء للظرفية، (فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
إذاً أصبحت ليلة القدر هنا هي صاحب القلب المنير الذي نزل عليه كتاب العلي الكبير: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (193-195:الشعراء) .. وقال في ذلك إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه:
هيكل المختار ليل جامع
كل أنواع الملائك والعباد

ولذلك من رأى الحبيب فقد رأي ليلة القدر، وأصبح له عند الله قدر، والليلة التي يتمتع فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم بشري له بهذا القدر.
فليلة القدر باختصار هي عبارة عن بشرى إنسان عند الله بأنه صار له قدر عند مولاه، من الذي يُبشره؟ ... إما ملك من الملائكة: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) )4:القدر( .. وإما أمين الملائكة، وإما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالأولياء العاديين يبشرهم الملائكة العاديين، والأولياء الراسخين يُبشرهم جبريل بذاته، والأولياء المتمكنين الوارثين يُبشرهم سيدنا رسول الله بذاته، أما المُصطفين الأخيار والمُخلصين من الأطهار يُبشرهم الواحد القهار عزَّ وجلَّ: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ) (21:التوبة) ولذلك لم يتقيد الصالحون بقيود الزمان في ليلة القدر التي تحمل هذه المعاني الحسان، لكنهم تقيدوا بقيود الزمان في ليلة القدر التي تتعلق بالأجر والثواب.
لكن من يريد أن يكون له قدر ويصل إلى أن الله عزَّ وجلَّ يُرسل له من يبشره بهذا القدر، فهذا ليس له زمان ولا مكان، لأن الملائكة وأمين الوحي وروح رسول الله ليس عندهم زمان ولا مكان ... وهذا الذي قال فيه الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: (وما ليلة القدر؟ كل ليلة من ليالينا ليلة قدر)!! ... وقال فيه الإمام أبو العزائم رضي الله عنه مبيناً السبيل إلى ذلك: (إذا أشرقت أنوار القرآن علي قلبك فكل ليلك ليل قدر وكل يومك يوم بدر) لكن الليلة التي فيها الأجر والثواب فهي في العشر الأواخر من رمضان، على حسب توقيت كل بلد.

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up