بحث متقدم

مائدة المسلم بين الدين والعلم

مائدة المسلم بين الدين والعلم

مائدة المسلم بين الدين والعلم

اقرأ الكتاب
  • عنوان السلسلة

    الدين والحياة

  • تاريخ النشر

    27 - يوليو - 2013

  • عدد الصفحات

    176

  • رقم الطبعة

    الطبعة الثانية

  • مرات التحميل

    387

  • كود التحميل

    غير موجود
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

مائدة المسلم بين الدين والعلم

مقدمة الطبعة الأولى والثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله، بفضله نوال كل جاه، وحصول المرء على ما يتمناه. والصلاة والسلام على سيدنا محمد عالى الشأن رفيع القدر عظيم الجاه، وآله وصحبه وكل من والاه، وبعد...
كلما زادت المدنية الحديثة زاد الإسراف والنهم في الشراب والطعام من بني الإنسان؛ فكثرت الأمراض الجسمانية ومعها الأمراض العصبية والتوترات النفسية؛ فاخترع المعاصرون أنواعاً جمَّة من الريجيم منها الطبي ومنها الرياضي، ومنها عن طريق الأعشاب، ومنها باستخدامات الماء، ومنها كذلك قاعات الجيم الحديثة والساونا باختلاف أنواعها وألعابها، لأن معظم أمراض العصر في نظر المستحدثين سببها الأول هو السمنة والإسراف في تناول الأطعمة ذات السعرات الحرارية التى لا يلزم الجسم منها إلا شيء قليل.
وقد أدرك الإسلام بما فيه من توجيه قرآني وطب نبوي وحياة مثالية طيبة عاشها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم‏ وأصحاب النبي الطريقة المثلى للحفاظ على قوة الأجسام في أعلى درجاتها، وعلى نضج الذاكرة واستمرارية ذلك حتى آخر نفس في حياتها، والتوازن النفسي والإنضباط السلوكي مع رشاقة الجسم وجمال قوامه؛ فوضع للمسلم نظاماً فريداً في تحضير طعامه وتجهيزه، وكيفية تناوله، ونظام الوجبات الذي ينبغي أن يلتزم به ... ثم الرياضة الدائمة التى لا غنى له عنها في نمو عضلاته والإحتفاظ بقدراته. وقد بينا ذلك كله في هذا الكتيب النافع لكل مسلم حتى يسير على هدي دينه المثالي، فيصيب سعادة الدنيا ويكسب الفوز والفلاح في الدار الآخرة.
ولما رأينا شدة حاجة المسلمين لهذه التعاليم الإلهية - وانزلاق أكثرهم إلى استبدالها بأنظمة مستوردة أجنبية تزيد الداء ولا تشفي من سقم - استجبنا لإلحاح كثير من طلاب المعرفة وروادها وناشروها في هذا الزمان، فقررنا إعادة طباعة هذا الكتاب للمرة الثانية بعد مراجعته وضبط آياته وتصحيح أحاديثه وتحديث معلوماته.
أسأل الله عزَّ وجلَّ أن ينفع به كل من قرأه في حياته وسلوكه وتوجهاته، وأن يجعله في صحيفة حسناته مدخراً له بعد مماته، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الجميزة، السبت 4 رمضان 1434هـ/ 13 يوليو 2013م.
فوزي محمد أبوزيد

البريد : الجميزة ـ محافظة الغربية ،جمهورية مصر العربية
تليفون : 5340519-40-0020
موقع الإنترنت: WWW.Fawzyabuzeid.com
البريد الإليكترونى : fawzy@Fawzyabuzeid.com
fawzyabuzeid@hotmail.com, ، fawzyabuzeid@yahoo.com

 (الطبعة الأولى)
الحمد لله رب العالمين غمرنا بنعمائه ووسعنا بخيراته فى أرضه وسمائه وأمرنا أن نتمتع بها كلها على أن نقتدى فى ذلك سبيل سيد رسله وأنبياءه فمن اتبع هداه فقد أطاع الله ونال فى دنياه ماتمناه، ونال فى آخرته حسن الجزاء من عند حضرة الله ومن خالف سيد رسل الله، ومشى وفق حظه وهواه، ضل سعيه فى دنياه، وحبط عمله فى أخراه، ونال التعاسة يوم لقاء الله عزَّ وجلَّ.
سبحانه .. سبحانه! مد لنا موائد النعم، وأكثر لنا عليها من أصناف الخير والبر والكرم، حتى نتعرف على حسن صنيعه فنشكره، ونتغذى بنعمائه فنذكره، ونرى جميل فضله علينا فلا نكفره.
وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له هو وحده الذى يمد كل الكائنات، فى جميع الجهات الظاهرات والخفيات بكل شىء تحتاجه فى دنياها الى الممات.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله لفت الأنظار الى جميل صنع المنعم الستار حتى تنساق النفوس رغبة الى العزيز الجبار فتنال الأمن والرضا يوم القرار.
فصلِّ اللهم وسلِّمْ عليه، واحشرنا جميعا بين يديه، واجعلنا مع عبادك الأطهار الأبرار فى جنتك فى دار القرار، آمين. وبعد ...
هذا الكتاب يتألف من عدة محاضرات ألقيت بمسجد النور الكائن بشارع 105 بحدائق المعادى بالقاهرة، وقد سجلها وكتبها الأخ صاحب الهمة العالية والعزيمة الماضية الحاج السيد ابراهيم المحلاوى مدير مبيعات الشركة المصرية للتسويق والتجارة الدولية، وقد قمنا بمراجعتها وتخريج آياتها وأحاديثها، وإضافة ما لابد منه، لكى يكتمل الموضوع، وهدفنا من هذا الموضوع هو إنارة الطريق لإخواننا المسلمين، الذين اندفعوا الى الحضارة الغربية بدون تروِّى، ظانين أن كل ما فيها خير، وقد تساهلوا أو تهاونوا فى سبيل ذلك بكثير من هدى دينهم الحنيف، مع أنه من دواعى العظمة والفخر لأبناء هذا الدين أنه جاء بما يوافق أحدث النظريات العلمية فى كل شأن من الشئون، وليس هذا فقط بل إن البشرية لن تنال سعادتها ولن تبلغ أوج رقيها وازدهارها الا إذا صدقت فى اتباع هذا الدين، وصدق الله عزَّ وجلَّ ‏إذ يقول:
( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (97النحل)
فيا أخى المسلم: أقبل بإخلاص وصدق على كتاب الله وعلى سنة رســول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، متفهماً لهما، عاملاً بهما، ترزق الحياة الطيبة فى الدنيا، وتنال السعادة يوم لقاء حضرة الله.
( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) ( 8آل عمران)

الباب الأول: عناية الله بمائدة المسلم

الباب الأول
عناية الله بمائدة المسلم
إخوانى وأحبابى: سمعنا سوياً آيات بينات قبل الصلاة من كتاب ربِّنا عزَّ وجلَّ، والذى أخذنى ليس سر الآيات، فتفسيرها يحتاج إلى أوقات كثيرات، لكن حسبنا أن نقف عند تسمية السورة: بـــ (سورة المائدة).
فقد علم الله أننا لا غنى لنا فى الصباح أو فى المساء عن الجلوس على مائدة النعم، نأكل منها ونشرب عليها ما نستعين به على عناء هذه الحياة، وما نستعين به على حسن طاعة الله عزَّ وجلَّ‏.
ولما كان الله عزَّ وجلَّ ‏رحيما بنا وشفوقا علينا وعطوفا علينا فإنه لم يترك لنا الحبل على الغارب بل علمنا كيف نعد المائدة ؟، وكيف نجلس على المائدة ؟، وكيف نتناول من المائدة ؟ حتى ننال رضا الله عزَّ وجلَّ ‏ حتى لا نقول إن دينننا فى بيوت الله صلاة أو ذكر أو تلاوة كتاب الله وفقط، بل إن دينك معك عندما تتناول لقيمات يقمن صلبك، ودينك معك عندما ترفع كوب الماء لتنال به الرىّ فى ظمأ هذا الصيف ، بل إنه جعل على هذه المائدة عبادة من أجلّ العبادات وهى التفكر والتدبر فى نعم الله عزَّ وجلَّ ‏ .
تجهيز الرجل للمائدة
هذه المائدة كلفك أنت أيها الرجل أن تجهزها لزوجك ولأولادك وبناتك قبل أن تجهزها الزوجة فى المنزل فهى تجهز الطعام ولكنك تحضر الطعام أو تحضر مابه تشترى هذا الطعام كيف؟
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (172البقرة)
فتحرى الطرق الطيبة بالعمل الحلال البعيد عن الغش والبعيد عن السرقة والبعيد عن الخداع والتغرير بالمؤمنين والمؤمنات وهذا موضوع يطول شرحه وإنما عليكم جميعا أن تدرسوه وتتعلموه حتى لا تأكلوا الحرام وأنتم لا تشعرون وليس لكم حجة تجادلون بها من يقول للشىء كن فيكون.
تحرى المطعم الحلال
ولا يستطيع واحد منا أن يقول لله : إنى لم أكن أعلم أن التحصيل عن هذا حرام أو فيه إثم أو مظلمة أو فيه مخالفة لشرع الله لأن الأمر كما قال سيدنا ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
{ الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ }
وإذا كانت الحيوانات التى لاتعقل ولا تتعلم تعرف الحلال من الحرام، فهذه القطة إذا ألقيت لها قطعة لحم وهى بجوارك تجلس بهدوء وتأكلها فى سكينة وهى غير خائفة، ولكنها إذا أخذتها رغما عنك تفر هنا وهناك وهى مسرعة وتتلفت وراءها لأنها تعلم أنها ارتكبت ذنبا وأنها فعلت جناية وأنها عملت جريمة سرقة أو خطف أو أخذ بغير حق . فالحيوان يعرف الحلال من الحرام فما بالكم بالإنسان؟ .
فاعلم يا أخى علم اليقين، واسمع بأذنك قول سيد الأولين والآخرين حين يقول:
{ لكل شىء أساس، وأساس هذا الدين المطعم الحلال، ورُبَّ لقمة حرام يأخذها الإنسان لا يلقى لها بالاً، لا يتقبل منه عملاً لمدة أربعين يوماً }
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏: { إِنَّ العَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلُ أَرْبَعِينَ يَوْماً، وأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فالنَّارُ أَوْلى بِهِ}
من لقمة واحدة!! لأنه لم يتأكد أو لم يتحرى فى أخذها بل يبيح لنفسه أخذها ويأتى لنفسه بالحجج الواهية، كالغلاء وضعف المرتبات كمبرر له، ولا يدرى أنه ينتحل تلك المبرارات ويقول تلك الحجج ليخدع نفسه، وفى ذلك
يقول الله تعالى: ( يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ )(9البقرة)
فرُبَّ لقمة حرام قد تتناول منها صدفة فيأتى منها ولد فيخرج عاقا لوالديه، ولذا عندما رأى رجل صالح ولدا يضرب أباه وتحدث المجاورون له فى ذلك وسبوا أمه، قال لا تسبوا أمه فهو ابن أباه ولكن ربما أتى عن طريق الطعام فقد يكون الرجل أخذ لقمة حرام فتكونت منها النطفة فجاء ابن حرام ،والسبب الأب وليس الأم فيخرج الولد عاقا لوالديه أو يخرج كما نرى فى حياتنا الدنيا شقيا تعيسا بعيدا عن الله عزَّ وجلَّ ‏، بل إن إجابة الله تعالى وكلنا يطلبها ويبتغيها لم يجعلها رسول الله بالعبادات فهى ليست بطول الصلاة ولا بكثرة الصيام ولا بتكرار الحج، وإنما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ }
فالذى يتناول الطعام الحلال ولي لله عزَّ وجلَّ ‏ لو سأله أعطاه ولو دعاه لباه ولو طلب شيئا أسرع إليه الله لأنه أحكم الأساس الأول فى دين الله .
طعام المائدة
فاذا أحكمنا هذا الأساس ... فمن أى شىء نصنع المائدة؟
من الأرزاق التى أحلها الله، ومن الأقوات التى أباحها لنا الله، وبالكيفية التى وضحها لنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏، ومن يتساهل فى هذا الأمر فهو يمرق من هذا الدين كما يمرق السهم من الرمية وهو لا يشعر.
ولكى نصنع هذه المائدة لابد أن تعرف زوجتك وأولادك وبناتك بالأطعمه التى حرمها الله كالخنزير واللحم الذى لم يذكر اسم الله عليه (الميته) والدم وقد ذكرها الله عزوجل فى قوله تعالى:
( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ ) (173 البقرة)
وقوله عزَّ وجلَّ:
( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ) (3 المائدة)
وقوله تبارك وتعالى (145 الأنعام):
( إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ)
وقوله عز شأنه:
( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ) (115 النحل)
فأبين لهم هذه الهيئات، وأوضح لهم هذه الحالات، وأعرفهم أن الله عزَّ وجلَّ ‏ لم يمنع شيئاً عنا الا لمصلحتنا، ولم يحرم شيئا علينا الا لفائدة تعود علينا من ذلك، ولذا عندما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالْمَيْتَتَانِ الحوتُ وَالْجَرَادُ, وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ } .
ولم يحل غيرهما من أصناف الميتة أو من أصناف الدم، وذلك لحكم علمية كثيرة نعجز عن ذكرها كلها، ولكننا سنحاول قدر الإستطاعة ذكر بعضها على ضوء ما وصل إليه العلم الحديث، حتى ينتبه إخواننا المؤمنين الى أخطارهم وشرورهم، ويعلموا عظمة دينهم، ورحمة الله عزَّ وجلَّ ‏بهم حين منعهم من تناولها، وحرَّم عليهم أكلها.
أولاً: حكمة تحريم الميتة
الميتة هى الحيوانات التى أباحت لنا الشريعة أكلها وماتت قبل ذبحها، أو لم يذكر اسم الله عزَّ وجلَّ عليها، وهى أنواع: منها ما ذكره الله فى قوله تعالى:
( وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ) (3المائدة)
المنخنقة: وهى التى تموت اختناقا، بأن يلتف حبلها على عنقها ،أو تدخل رأسها فى مضيق أو نحو ذلك .
الموقوذة: وهى التى تضرب بالعصا ونحوها حتى تموت.
المتردية: وهى التى تتردى من مكان عال فتموت ومثلها التى تتردى فى بئر.
النطيحة: وهى التى تنطحها أخرى فتموت.
ما أكل السبع: وهى التى أكل حيوان مفترس جزءاً منها فماتت.
ومثلها كذلك مايفعله أهل البلاد غير الإسلامية من إزهاق أرواح الحيوانات بالصدمة الكهربائية أو القتل بمسدسات، أو حتى ذبحها فى المجازر الآلية بدون ذكر اسم الله عزَّ وجلَّ ‏عليها فكل هذه الأنواع حرّمها الله عزَّ وجلَّ علينا لحكم كثيرة ذكر منها الدكتور يوسف القرضاوى بعض هذه الحكم الشرعية فى كتابه: (الحلال والحرام فى الإسلام)، فقال ص ٤٦ - فى تحريمها حكماً جليلة منها:
۱- أن الطبع السليم يعافها ويستقذرها، والعقلاء فى مجموعة يعدون أكلها مهانة تنافى كرامة الانسان، ولذا نرى أهل الملل الكتابية جميعا يحرمونها، ولايأكلون الا المذكّى، وإن اختلفت طريقة التذكية .
۲- أن يتعود المسلم القصد والإرادة فى أموره كلها فلا يحرز شيئا أو ينال ثمرة إلا بعد أن يوجه إليها نيته وقصده وسعيه .
۳- أن من مات حتف أنفه فيغلب أن يكون قد مات لعلة مزمنة أو طارئة، أو أكل نبات سام أو نحو ذلك، وكل ذلك لا يؤمن ضرره .
٤- أن الله تعالى بتحريم الميتة علينا /نحن بنى الانسان / قد أتاح بذلك فرصة للحيوان والطيور، لتتغذى منها، رحمة منه تعالى .
٥- أن يحرص الإنسان على مايملكه من الحيوانات فلا يدعه فريسة للمرض والضعف حتى يموت فيتلف عليه، بل يسارع بعلاجه، أوّ يعجل بإراحته .
أما الحكم العلمية التى من أجلها حرّم الله عزَّ وجلَّ الميتة فكثيرة، منها ما ذكره الدكتور السيد الجميلى فى كتابه (الإعجاز الطبى فى القرآن) ص ٦٩ حيث يقول :
(حرم الميتة : لأنها تضر بالصحة لإحتباس الدم فيها وتزاحم الميكروبات عليها وهى تهدد الإنسان بالحتف والدمار) .
بينما يجمل الدكتور عادل أبو الخير بعض الأمراض التى تنتج عن أكل الميته فى كتابه:
(إجتهادات فى التفسير العلمى) ص ۱۱٤ فيقول:
(ينتج عن أكلها النزلات المعوية وعفوية الأمعاء، والأمراض المعدية جميعها من تيفود وتيتانوس، وتسمم الدم وغيرها كثيرا) .
هذا مع العلم أن إباحة أكل هذه الأصناف ممكن إذا ذبحت ذبحا شرعيا وذكر اسم الله عزَّ وجلَّ ‏ عليها بشرط أن يكون فيها رمق من الحياه كأن تحرك يدا أو رجلا لأنه بذلك سيراق دمها .

ثانيا : حكمة تحريم الدم
جاء تحريم الاسلام للدم منذ أربعة عشر قرنا آيه دالة على صدق هذا الدين، وأنه من عند الله عز وجل، فهذه الجموع من الدول غير الاسلامية التى كانت تأكل الميتة مع دمها وذلك بإماتة الدجاج والطيور بخنقها أو بالتيار الكهربائى، ويميتون البهائم بالكهرباء بدءوا يرجعون إلى الذبح بعد أن تبين لهم فائدة سفك دم البهائم .
( فحين يترك الدم فى الميته بدون أن تذبح وبدون أن يسفح، فإنه يكون عنصراً ملائماً جدا لنمو البكتيريا والميكروبات التى قد تكون موجودة فى الجسم أثر دخولها عن طريق أى بؤرة صديدية أو بين اللثة والأسنان، أو أنها تدخل الى الدم خلال جدار الأوعية الدموية للأمعاء الغليظة أوخلال الأغشية المخاطية للمجارى الهوائية العليا فيحدث تنتن الدم وعدم تخثره أى سيولته، وتنتشر الميكروبات الى جميع أعضاء الجسد الداخلية فتملؤها بفقاقيع الغازات النتنة ويدوب فيها العفن والنتن) .
أما الدم إذا سفح وشرب، أو طبخ و أكل كما يحدث أحيانا فى بعض دول شمال القارة الأوربية حيث يستهلكون كميات كبيرة منه فى ملىء المقانق مع حشوها بالأرز والملح، ويتروكونه ليتجمد ويتجلط ثم يأكلونه مقليا فقد نتج عنه إنتشار مرض: (Haemosidrosis) ويعنى هبوطا حادا وظائف الكلى لقيام الدم الذى لم يهضم بسد القنوات الجامعة بها ....، بينما هذا المرض لا يوجد فى البلاد الإسلامية إلا نادرا، هذا بالإضافة إلى ما ذكره الدكتور محمد عادل أبو الخير فى كتابه السابق ص ۱۱٧حيث يقول :
( ومن ناحية أخرى فان الدم حين يوجد فى أمعاء الانسان الموجودة بها أصلا مختلف أنواع الجراثيم والفطريات والميكروبات والفيروسات ـ فإنه يتفاعل معها وتتفاعل معه ويتصاعد من ذلك التفاعل الأحماض الأمينية الضارة وكذلك النوشادر أو الأمونيا السامة، التى تدخل إلى الدورة الدموية بعملية الإمتصاص، وتصل إلى الوريد البابى ثم إلى الكبد فتتجه هذه المواد الأمينية الضارة إلى المخ وتؤثر عليه تأثيرا ضارا حيث أنها تؤدى الى هبوط وظائف الكبد فتتجه هذه المواد الأمينية الضارة الى المخ وتؤثر على خلاياه أيضا محدثة خمولاً وذهولاً، وأخيراً غيبوبة يعقبها الموت، كما ينبعث من الفم رائحة هذه المواد الأمينية الكريهة) .
فسبحان الله العليم الخبير، الذى يعلم ماينفعنا فأباحه لنا، ويعلم مايضر أجسامنا فنهانا عنه رحمة بنا ! .
ثالثا : حكمة تحريم الخنزير
وهذا الموضوع لابد من معرفته، خاصة وأن كثيرا من شبابنا يرتاد البلاد الأوربية والأمريكية، والخنزير من الأطعمة الأساسية على موائدهم، وأسوق فى هذا المجال ما حدث مع الأمام محمد عبده حينما سافر إلى فرنسا، وسألوه عن سر تحريم الخنزير فى الإسلام وقالوا له : إنكم تقولون أن الخنزير محرم لأنه يأكل من القمامة ويوجد به الدودة الشريطية وغيرها من الميكروبات والجراثيم وقد انتهت هذه الأشياء الآن، ثم أخذوه الى المزارع الحديثة وكلها تقوم على النظافة البالغة والرعاية البيطرية الفائقة وقالوا كيف لهذه الخنازير أن يأتى لها الدودة الشريطية والجراثيم أو الميكروبات ؟ وأنت ترى أننا نراعى الكشف الدورى الذى يتم عليها وأصناف العلاج الطبى الذى تتناوله بانتظام، ولكنه لفطانته قال لهم احضروا لى ديكين ودجاجة وخنزيرين من الذكور وأنثى، قالو ولم ؟ قال افعلوا ما أريد حتى أكشف لكم عن السر.
فأحضروا ما يريد، فأمر بإطلاق الديكين على الأنثى فتقاتلا وتعاركا وكل واحد منهم يريد أن يظفر بها بمفرده حتى كاد يفتك الواحد منهم بالآخر، فأمر بحبسهما ثم قال أطلقوا الخنزيرين والخنزيرة، فوجدوا عجباً، وجدوا الخنزير يساعد رفيقه على هذا الأمر وليس عنده غيرة وليس عنده شهامة ولا نعرة لكى يحمى أنثاه عن رفيقه، فقال : ياقوم : إن لحم الخنزير يقتل الغيرة عند آكله وهذا ماحدث لكم فيرى الرجل منكم زوجته مع رجل آخر ولا يتحرك ولا يغار ويرى الرجل مع ابنته ولا يتحرك ولا يغار وأن هذه المأكولات تورث آكليها مافيها من صفات، ثم ضرب لهم المثل الأعلى فى الشريعة الغراء عندما حرمت علينا صنفا من الدجاج والطيور الداجنة فى بيوتنا وهى الطيور التى تأكل روثها فقد أمرت الشريعة من يريد ذبح دجاجة أو بطة أو أوزة تأكل روثها أن يحبسها لمدة ثلاث أيام ويطعمها بنفسه ويشرف على أكلها بنفسه حتى تطهر معدتها من هذا الروث بما فيه من جراثيم وبما فيه من الميكروبات ؛ لأن هذ المرض ينتقل الى الإنسان وهو لايدرى ولايشعر، تلك شريعة الله، وتلك حكمة الله .
هذا وقد اكتشف العلم الحديث كثيراً من الأمراض التى يسببها تناول لحم الخنزير، ومن ذلك ما أشار اليه الدكتور المسلم مراد هوفمان الألمانى الجنسية فى كتابه (يوميات ألمانى مسلم) حيث يقول فى ص126من هذا الكتاب: [إن تناول لحم الخنزير لا يعتبر ضاراً فحسب إذا كان اللحم مصابا بدودة الخنزير، وإنما يتسبب أيضاً فى زيادة نسبة الكولسترول، وإبطاء ايقاع عمليات التمثيل الغذائى فى الجسم (مع مايترتب على ذلك من خطر الإصابة بسرطان الأمعاء)، كما يتسبب أيضا فى ظهور الدمامل والإصابة بالإكزيما والروماتيزم، ألا يكفى أن تعرف فيروسات الأنفلوانزا الخطيرة تعيش أثناء الصيف بفضل كرم وفادة الخنزير لها ؟ ]
وقد أجمل الدكتور محمد عادل أبو الخير فى كتابه (اجتهادات فى التفسير العلمى فى القرآن الكريم) الأمراض التى يسببها لحم الخنزير، فقال ص۱۲۲: [ لحم الخنزير موجود به حويصلات الدودة الشريطية، ودودة التريكينا اللولبية، وهذه الديدان تنتقل الى الإنسان، وجدير بالذكر أن أقول هنا أن أجيال الخنازير لم تتخلص من هذه الديدان حتى يومنا هذا .
والأمراض الأخرى التى ينقلها الخنزير كثيرة منها أيضا :
۱- كوليرا الخنزير : وهى مرض حاد يسببه فيروس .
۲- الإجهاض النتن : وتحدثه بكتريا ابروسيلا الخنزيرية .
۳- الحمرة الجلدية : الحادة والمزمنة، والأولى مميته فى بعض الأحيان، والثانية تحدث تورم المفاصل.
٤- مرض التقشر الجلدى .
٥- طفيل الإسكارس:وهو مع الإنسان .
ويكفى لصرف الانسان - أى إنسان - عن لحم الخنزير أن يعلم عنه مايلى :
۱. أنه حيوان شره فى أكله شراهة لا توجد فى غيره من الحيوانات، حيث أنه يأكل حتى يأتى على الأكل كله الذى أمامه، واذا أكل حتى تمتلىء بطنه أو انتهى الأكل كله، أخذ يتقيأ ويرجّع الأكل الذى أكله، ليأكل ثانية ويشبع شراهته ؛ فهو حيوان لا يستنكف بل يحب أن يأكل ما تقيأ .
۲. أنه يأكل أى مأكول أمامه، ويأكل أى فضلات أمامه بشرية كانت أم حيوانية أو نباتية ،حتى أنه يأكل فضلاته أى برازه، حين لا يجد أمامه أى شىء يؤكل .
۳. أنه يبول على طعامه وأكله إذا وجده أمامه، ثم يأكله ثانية .
٤. أنه يأكل القمامة والعفن والتعفن وروث البهائم .
٥. أنه الحيوان الثدي الوحيد الذى يأكل الطين، ويأكله بكميات كبيرة ولساعات طويلة اذا ترك بدون إزعاج .
٦. تنبعث رائحة عرق كريهة جدا من آكلى لحم الخنزير وشحومه .
٧. ثبت بالأبحاث العلمية الحديثة فى قطرين من أقطار العالم الشرقى والغربى وهما الصين والسويد، أحدهما معظمه وثنى والآخر معظمه ملحد، أثبت علماء هذين القطرين أن أكل لحم الخنزير مسئول هام عن سرطان المستقيم والقولون الذى ترتفع نسبته ارتفاعا مذهلا فى دول أوربا وأمريكا أساسا، وفى دول آسيا التى تأكل الخنزير كالصين والهند، بينما تنخفض إنخفاضا ملحوظا يصل إلى واحد من الألف فى الدول الاسلامية .
ولقد صدر هذا البحث فى سنة ۱٩٨٦ ميلادية من هاتين الدولتين فى المؤتمر السنوى العالمى لأمراض الجهاز الهضمى الذى عقد فى ذلك العام فى ساو باولو.
فاذا أضفنا الى هذا أن الاسلام حرّم علينا أكل كل ذي ناب، والخنزير له ناب كبير يستعمله فى جرح عدوه، علمنا الحكمة العظيمة التى من أجلها حرّم الله عزَّ وجلَّ ‏ علينا لحم الخنزير وشحمه.
ولذا فانى أحذر إخوانى المسلمين - ليس من لحم الخنزير فقط - بل من المأكولات التى يضاف إليها شحم الخنزير، كالمسلى الصناعى، وبعض أنواع الحلويات والشيكولاتة، وكذلك بعض أنواع الخبز (التوست) حيث يطلى أعلاها بشحم الخنزير. وبالجملة فأى شىء تستخدم فيه الشحوم الحيوانية يتنبه إليه الإنسان المسلم قبل أن يأكله، ولا يتناوله إلا اذا تأكد أنه خالٍ من شحم ودهن الخنزير؛ حتى لا يقع فى معصية الله عزَّ وجلَّ‏، ولا يتعرض للأضرار البالغة التى من أجلها حرّم الله عزَّ وجلَّ علينا لحم وشحم الخنزير.
امتناع المؤمن عن الجلوس على مائدة عليها طعام أو شراب محرّم
عندما أوضح لكم يا عباد الله مائدة الله التى تجلسون عليها لتأكلون منها ما أباحه لكم الله عزَّ وجلَّ، فإذا وضعنا عليها الحلال وهذه حجة يتذرّع بها كثير من الناس يقول: أجلس مع صديق لى غير ملتزم، وأنا لا أشرب الخمر ولكنه يشرب الخمر، وأنا ليس لى شأن به. ولا يدرى أن الشريعة منعت المؤمن حتى الجلوس على المائدة التى يصب عليها الخمر أو يشرب عليها الخمر وإن كان لا يشرب حتى لا يرى المنكر ولا يغيره، فينزل عليه عذاب الله عزَّ وجلَّ وسخطه فإن الله عزَّ وجلَّ عندما أمر جبريل أن يهلك قرية من بنى اسرائيل وكان وكان فيها ستون ألفاً، وكان فيها ستمائة رجل من الصالحين، وقال: يا ربِّ إن فيها ستمائة من الصالحين هم فلان وفلان الى آخرهم!!، فقال عزَّ وجلَّ: بهم فابدأ، قال: ولم يارب؟ قال: لأنهم رأوا المنكر فلم يغيروه، ورأوا الآخذين فى المنكر ولم يمنعهم ذلك من مجالستهم ومن مخالطتهم والجلوس على مائدتهم والبيع لهم والشراء منهم.
فحرم الإسلام على المؤمن أن يجلس على المائدة التى يدار عليها الخمر وإن كان لا يشربه، وإن كان يحرمّه، حتى يبتعد المؤمن عن هذه الشبهات كلها. قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فيما رواه الطبرانى عن ابن عباس:
{ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يَقْعُدْ على مائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الخمرُ }
فاتقوا الشبهات كما أمر رسولكم صلَّى الله عليه وسلَّم‏، قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{الرجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السماءِ يا ربِّ يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وقَدْ غُذِيَ بالحَرَامِ، فأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ}
إباحة الطيبات
يا إخوانى ويا أحبابى مادام الإنسان قد أحضر الطعام من الحلال وتحرى فيه أن يكون بعيدا عن الأصناف التى نهى عنها الله وحرّمها سيدنا رسول الله فليس هناك شىء محرم بعد ذلك.
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (32الأعراف)
فليس هناك شيء حرام على المسلم من الخيرات التى أباحها الله عزَّ وجلَّ،‏ بل إنه يأكل أفضل المأكولات ويشرب أفضل المشروبات مادامت من حلال وبعيدة عن الأصناف التى حرّمها ذى الجلال والاكرام .
النهى عن الإسراف
لكن عليه أن يراعى فى ذلك وصيتين نبويتين اسمعوهما وعوهما :
قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏: { كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فـي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيـلَةٍ }
ألا يكون هناك إسراف فإن الإسراف إتلاف ويحاسب الله عزَّ وجلَّ ‏صاحبه على ذلك الإسراف، إياك أن تقول كما يقول بعض الناس هذا مالى ومن حلالى وأنا حر فيه لا، لقول الله عزَّ وجلَّ ‏ فى المؤمنين:
( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) (67الفرقان )
ومما زاد فى مشاكلنا فى هذا الزمان الإسراف الذى نراه . فالشاب الذى يجمع قرشا من هنا وهناك ليتزوج لماذا يصنع حفل الزواج فى ناد يكلفه عشرين آلاف جنيه أو يزيد؟
أليس هذا إسرافاً؟
والأم التى تريد أن تصنع عيد ميلاد لإبنها أو بنتها تكلفه خمسة ألف جنيه أو يزيد، هل هذا أمر به الحميد المجيد؟!! وهل هذا من سنة النبى الرشيد؟!!
لقد كان يحتفل بعيد ميلاده ليس كل عام ولكن كل أسبوع، فكان يصوم يوم الإثنين فلما سئل لِمَ يصوم ذلك اليوم؟ قال هذا يوم ولدت فيه، أى أصوم فيه شكراً لله عزَّ وجلَّ‏ على هذه النعمة .
والذى يصنع الطعام ويكلفه سمناً ولحماً وخضاراً وغيرها من بقية الأصناف ثم يأكل منها الشىء اليسير ويلقى بالباقى فى القمامة!!
ما هذا الصنيع؟
تلقي بنعم الله يا عبد الله إلى الحيوانات الضالة! تلقى مالاً استخلفك عليه الله عزَّ وجلَّ وأنت تظن أنك لست محاسباً أو معاتباً على هذا الأمر! ..
لقد رأى نبيكم الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم‏ على الأرض المنزل لقيمات، فأمر السيدة عائشة بجمع هذه اللقم وقال:
{ يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهَا قَلَّ مَا نَفَرَتْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ }
وذلك لأنهم لا يهتمون بها ولا يعبأون بها ماذا قال الله لي ولك؟
عاقبة الإسراف
( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )
(31الأعراف)
فمن يسرف فى الحلويات يقول له الطبيب: احبسوه عنها الى الممات لأنه كان يجب أن تكون فيها وسطا تتمتع بها الى ما شاء الله. والذى يسرف فى البروتينات يأتى طبيب النقرس ويقول له: ممنوعة عنك إلى الممات لا تأكل اللحم ولاتتذوق هذه الأشياء لأنه تعدى وتجاوز هذه الأشياء
( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (1 الطلاق).
الوسط المحمود
إن الدين يا أيها المؤمن يأمرك أن تجعل على مائدتك كل مايحتاج إليه الجسم من الأملاح والفيتامينات والمعادن والدهون والبروتينات والنشويات التى يحتاجها الجسم فعلا لأن الزيادة ترهق الجهاز الهضمي ثم تمرض الإنسان ثم تتحول إلى ما تعلمون وربما يتعب فى إخراجها ولا يخرجها إلا بالذهاب إلى طبيب. وعندما ذهب إلى الحسن البصرى رجلان؛ أحدهما يشكو من ألم فى معدته، فسأله عن السبب قال: لأنى لم أتناول طعام منذ كذا، والآخر يشكو مغصاً فى بطنه، قال ولم؟ قال: لأنى أكثرت من الطعام. فقال: لو كان ما زاد على هذا فى بطن هذا، ما اشتكى هذا ولا هذا!
حسن تصرف المسلم
فدينك يأمرك أن تأكل الطيبات وتأكل المستحسنات لكن تأكلها بالقدر الذى يحتاجه الجسم وما تبقى عنك من الملابس أو من الأغذية أو المتاع لا ترميه بل تتصدق به على الفقراء والمساكين.
وقد ورد أن رجلاً كان فى اللحظات الأخيرة وقال وهو لا يشعر بما يقول: ليته كان كلها ليتها كانت الجديدة فأخبروا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ وقالوا ما هذا الأمر؟
قال: إنه كان يأكل ذات يوم فحضر إليه مسكين فقطع جزءً من الرغيف وناوله إياه، فلما رأى وعاين الأجر والثواب قال: ليته كان كله للمسكين، أى ليتى أعطيته الرغيف كاملاً.
وكان لا يلبس ثوباً جديداً إلا إذا خلع القديم وأعطاه لفقير، فلما عاين الأجر والثواب قال: ليتها كانت الجديدة، أى ليتى أعطيته الثوب الجديد وليس الثوب القديم. ألا تستحى يا عبد الله أن تأتى بالات محملة بالملابس من أوربا خلعها الكافرون ويمنون بها على المسلمين؟!! ونحن نخلع الملابس ونلقى بها هاهنا وهاهنا لا ننتفع بها فى الدنيا ولا فى الآخرة .
عدم المباهاة بالطعام
إن المؤمن يلبس ما يحتاجه ويتصدق بالباقى على المساكين، ويأكل ما يسد جوعته ويتصدق بالباقى على الجائعين ولا يلقيه فى أماكن القمامة والزبالة، وفى نفس الوقت لا يتكبر بطعامه
{ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فـي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيـلَةٍ }
مخيلة يعنى مباهاة أو كبرياء، أى يصنع المائدة ليباهى بأنه صنع كذا وأعد كذا وهذا مما حرمه الله عزَّ وجلَّ.
أما آداب الجلوس على المائدة وكيفية الجلوس عليها وكيفية تناول الطعام فهذا يحتاج الى وقت آخر.
أرجو من إخوانى وفَّقهم الله أن يتدارسوا هذه الأحكام ويعلموها لأولادهم ولبناتهم ولأزواجهم فتلك مسئولية فى أعناقنا جميعاً ويا حبذا لو جلسنا معهم على مائدة الطعام وأخذنا نناقش مثل هذه الأمور على طعامنا حتى يكون طعاما مباركا .
نسأل الله عزَّ وجلَّ ‏ أن يفقهنا فى ديننا ... وأن يلهمنا رشدنا ...
وأن يعلمنا ماجهلنا ويذكرنا ما نسينا ..
وأن يوفقنا لحسن طاعته ورضاه
اللهم ارزقنا وبناتنا وأولادنا رزقاً حلالاً طيباً.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثاني: آداب المائدة فى الاسلام

الباب الثانى
آداب المائدة فى الاسلام
أيها المؤمنون:
إن ديننا الحنيف تدخل فى جميع شئون حياتنا، فلم يترك شاردة ولا واردة للمؤمنين إلا وعلَّمها لنا الله، وبيَّنها لنا سيدنا ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏، حتى بيَّن لنا كيف نمشى؟ وكيف نتكلم ونتحدث؟ وكيف ننظر؟ وكيف ننام؟ وكيف نأكل أو نشرب؟ وكيف نجلس؟ حتى فى شمس الشتاء أو فى شمس الصيف الحارقة فلم يترك شيئاً كثيراً أو قليلاً إلا وبيَّنه.
والحمد لله عزَّ وجلَّ ‏ فإن ما جاءنا به الله وما علَّمه لنا سيدنا ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ هو ما يدعونا إليه العلم الحديث، وما ينادى به أساطين العلماء بعد طول البحث والعناء، لأن الله عزَّ وجلَّ ‏الذى خلق هذا الجسم وسواه، هو وحده الذى يعلم ما ينفعه وما يضره فى هذه الحياه، وهو الذى وضع فى الآيات القرآنية كل شىء يصلح هذه الأجهزة التى صنعها الله، حتى نخرج من هذه الدنيا على خير وفى خير، وقد رضى عنا الله عزَّ وجلَّ.
وسنتحدث عن هذه الآداب إن شاء الله بالتفاصيل، حتى يعلمها أولادنا ويقومون ممثلين ومنفذين لأمر الله عزَّ وجلَّ:
( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (7الحشر)
فإنما سرُّ ضعفنا وتخلفنا من تركنا لهدى الإسلام واستيرادنا هدياً أقل منه فى الجودة والأحكام من أمم الغرب، مع ما به من عيوب لمسناها جميعاً يا معشر المسلمين.
بعض الأخوة الأفاضل طلب منى أن أجمل الآداب الواجبة على المسلم حتى تكون مأدبته ومائدته على هدى الله وعلى منهج الله وعلى سنَّة سيدنا ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏، وسنذكرها إجمالاً لأن الوقت لا يسع التفصيل.
وسنقسمها الى ثلاثة أقسام:
۱. آداب يجب اتباعها فى تجهيز المائدة، أى قبل تناول الطعام.
۲. آداب يجب علينا مراعتها عند تناول الطعام .
۳. آداب يجب علينا عملها بعد الانتهاء من الطعام.
آداب تجهيز مائدة المؤمن
وقد تكلمنا عنها فيما سبق ونوجزها فيما يلى :
1. أن يكون هذا الطعام من مال حلال أحلَّه الله عزَّ وجلَّ.
۲. أن يكون هذا الطعام مما أحلَّه الله لنا من أصناف المأكولات، فنبتعد عن المحرَّمات التى نهانا عنها الله عزَّ وجلَّ.
۳. ألاَّ يكون على المائدة التى نجلس عليها - وإن لم نتناوله - شىءٌ حرَّمه الله، كالخمر أو البيرة أو الهيروين أو الكوكايين أو ما شابه ذلك من هذه الأصناف التى حرّمها الله عزَّ وجلَّ، وكذلك الخنزير أو الميتة أو الدم، فأنا حتى لو لم آكل هذه الأصناف فيجب علىَّ ألا أجلس على المائدة التى توضع عليها هذه الأصناف، لقول الله عزَّ وجلَّ:
( فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )( 68الأنعام)
ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يَقْعُدْ على مائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الخمرُ }
4. أن أجلس إلى المائدة الجلسة النبوية، فقد نهى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ عن الأكل وأنا متكأ أو نائم، وقد قام النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ عندما جاءه الطعام وهو مضطجع، فقالوا: لم قمت يا رسول الله؟ قال:
{ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَشْرَبْ كَمَا يَشْرَبُ الْعَبْدُ }
وتعلمون جيداً الأضرار الصحية التى تعود على من يأكل مضطجعاً أو نائماً.
٥. أما الأدب الخامس أن نجتمع على هذا الطعام، أى يجلس عليه جميع من فى المنزل أو فى الشقة، فنجلس مجتمعين غير متفرقين، فقد اشتكى إليه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ نفرٌ من أصحابه أن طعامهم لا يكفيهم، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ اجْتَمِعُوا عَلى طَعَامِكُم وَاذْكُروا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ}
وقال فى حديث آخر :
{ خير الطعام ما اجتمعت عليه الأيدى }
فنجمع أولادنا ونأكل سوياً حتى نعلِّمهم الأدب الواجب أن يتعلموه فى تناول الطعام، ولن يتسنى لنا ذلك إلا إذا جلسوا معنا وأكلنا سويا كما أمرنا رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم .
وعندما حدثت مجاعة في البادية وجاء أهل البادية يشكون إليه من القحط والمجاعة فقال لهم صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ إن الأشعرين إذا أصابهم القحط جمعوا ما معهم من زاد وجعلوه فى مكان واحد ثم اجتمعوا عليه، فأنا منهم وهم منى}
أى أنه يحض ويحث على هذا العمل .

نيَّة المؤمن فى تناول الطعام
أما الآداب التى يجب علينا اتباعها أثناء الطعام وعلينا أن نعيها جيدا فإن الإتيكيت الذى جاء به نبي الإسلام خير من الذى نستورده من باريس أو لندن أو واشنطن أو غيرها من عواصم العالم لأنه هو الذى أنزله الله وارتضاه الله عزَّ وجلَّ‏ من خلق الله وجعله لنا عبادة ولكنه لهم عادة، فأنت تتناول الطعام ولكنه يكتب لك عبادة عند الملك العلام حتى قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ}
فعندما يرفع اللقمة بيده ويدخلها فى فم زوجته لتزيد المحبة بينهما فإن هذا يؤجر عليه من الله عزَّ وجلَّ‏، لماذا؟.
لأنه يجلس على الطعام يستحضر نية طيبة فى أكل هذا الطعام [فكل الأعمال نَـيَّة (نيئة) ولا تصلحها إلاّ نِـيَّة]، فنحن نأكل ولا ننتهى من الأكل، لكن من الذى يثاب على الأكل؟ .
من يستحضر النية عند الطعام؟
وما النية التى يستحضرها ؟ .
1. ينوى فى فؤاده أن يتقوَّى بهذا الطعام على طاعة الله.
2. وأن يتقوَّى به على السعى على المعاش ليكف نفسه وزوجته عن سؤال الناس وعن الحاجة إلى الناس.
3. وينوى به أن يتقوَّى به ليستطيع أن يؤدى به ما كلفه به الله نحو نفسه وزوجته وبنيه وجيرانه والمسلمين أجمعين .
آداب تناول الطعام
۱- فاذا استحضر هذه النية، غسل فمه ويديه لتنظيفها من آثار العمل والتلوث مما مسَّتا من مصادر العدوى، وقاية من الأمراض التى تحدث العدوى بها عن طريق الهضم كالتيفود والكوليرا، ثم يبدأ بــ (بسم الله)، وإذا أنساه الشيطان فى البداية فليسم عندما يتذكر حتى ولو كان انتهى من الطعام، فليسم فى آخره، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{إذا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْـيَذْكُرِ اسمَ اللَّهِ تَعالـى فـي أوَّلِه، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسمَ اللَّهِ تعالـى فـي أوَّلِهِ فَلْـيَقُلْ: بِسمِ اللَّهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ }
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ}
۲- وبعد أن يسمى الله عزَّ وجلَّ ‏ يأكل بيمينه ويأكل بثلاث أصابع، الاصبع الكبير والسبابة والاصبع الوسطى وقد قال الامام الشافعى رضي الله عنه وأرضاه: من أكل باصبع واحدة فهو من المتجبِّرين، ومن أكل باصبعين فهو من المتكبّرين، ومن أكل بثلاث أصابع فهو من خيار المتّبعين لسيد الأولين والآخرين، ومن زاد على ثلاث فهو من الشرهين. فيأكل بثلاث أصابع ويصغر اللقمة ويمضغها جيداً، ولا مانع من استخدام اليدين معاً للمعاونة فى إصلاح الطعام .
۳- ويأكل مما يليه إذا كان طعاماً عادياً، فإذا كانت فاكهة يتخير مما يرى ومما أمامه لأن الطعام العادى كله سواء لكن الفاكهة ليست سواء فيتخير ما يروق له، لقول عزَّ وجلَّ:
( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ) (20الواقعة)
على أن يراعى فى أكل الفاكهة أن يأخذ وتراً؛ واحدة أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة، وأن يكون أكله بثلاث، وألاّ يضع النوى فى نفس الطبق الذى يأكل فيه الفاكهة، بل يضع النّوى فى طبق آخر غير الذى فيه الفاكهة، لأن تلك سنة رسولكم الكريم صلوات الله وسلامة عليه.
٤- فإذا كان الطعام حاراً (ساخناً) فهدينا فيه هو قول سيد الأولين الآخرين:
{ لا تأكلوا الطعام حاراً ولا تنفخوا فيه }
فلو أكلناه حاراً فإنه يتعب صدورنا، ويتعب رئتنا وأمزجتنا،
ولو نفخنا فيه فإن هواء الزفير الخارج من أفواهنا وكله كما تعلمون جراثيم وميكروبات ستحل بالطعام وتلوث الطعام، ولذا نهانا نبى الإسلام أن ننفخ فى الطعام، أو نأكله وهو حار، بل نتركه حتى يبرد لأن تلك من سنة الله، وتلك الحكمة العلمية والصحية التى علمها لنا الله فى هذه الحالة.
٥- فإذا كنا نأكل يأمرنا نبى الإسلام بألا نأكل صامتين بل نتكلم، على أن يكون الحديث فى غير مأثم كغيبة أو نميمة، لأنه يحلو عند الطعام بين الزوجة وزوجها إلا الحديث عن فلانة وفلانة وماذا صنعت؟ وماذا عملت؟ فنحن نتحدث لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ ما معناه: { تحدثوا على طعامكم ولو بثمن أسلحتكم }
ولأن الحديث يجعل للإنسان الفرصة لأن يمضغ الطعام برفق، وأن يبتلعه بتؤدة، فلا يصاب بغصة ولا يصاب بشىء يحبس الطعام، لأنه يأكل بأناة، لكن عليه أن يراعى أن يكون الحديث فى شىء من دين الله، أو فى قصص عن أصحاب رسول الله، أو فى شىء من سيرة الصالحين من عباد الله، حتى يكون الحديث فيه أجر وفيه ثواب لهم عند الله عزَّ وجلَّ‏.
٦- فإذا جلسوا وكانوا مجتمعين يعلِّم الصغار ألا يبدءوا بطعام إلا إذا بدأ الكبير، أى الكبير فى السن أو الكبير فى المقام، يبدأ هو أولاً ثم يأكل الجميع، فقد جلس صلَّى الله عليه وسلَّم‏ وجاءت امرأة مسرعة تريد أن تضع يدها فى الطعام فأمسك بها ومنعها، ثم جاء رجل مسرعاً ويريد أن يضع يده فى الطعام فأمسك به ومنعه، وقال: إن هذه أرسلها الشيطان ليستحل الطعام قبل أن نسمى الله فأمسكت بيدها ومنعتها، فجاء بهذا ليستحل به الطعام قبل أن نسمى الله عزَّ وجلَّ ‏ فأمسكت بيده ومنعته، ثم قال بسم الله كلوا على بركة الله عزَّ وجلَّ) . ‏ فعلينا أن نعلم صغارنا ذلك.
وعلى الكبير أيضاً مقابل ذلك ألا يتركهم فترة طويلة والطعام أمامهم وهم صغار لا يتحملون؛ بل يسرع فى الإذن لهم بالطعام، ولذلك نهى ديننا الحنيف أن يترك الرجل أولاده على مائدة الإفطار فى رمضان جائعين ويقول لهم لا تأكلوا حتى أصلى المغرب وهم لا يستطيعون الصبر على ذلك، فهذا الصنيع ليس من دين الله عزَّ وجلَّ ‏ بل إنك إما أن تأكل معهم وتؤجل صلاة المغرب وتلك سنة فعلها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإما أن تصلى المغرب أولاً وتأذن لهم أن يأكلوا ولا ينتظرونك وفى كلتا الحالتين تكون قد حظيت بسنة سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه.
أيضاً يدخل الرجل من العمل ويجد السفرة معدَّة وأولاده جالسين ومتهيئين فيتركهم حتى يخلع ملابسه ويتوضأ ويصلى الظهر ويختم الصلاة ثم يأتى إلى الأكل بأناة وهم قد جعلهم طول الإنتظار ضجرين، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم:
{ إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَالْعِشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ }
أى نبدأ بتناول الطعام مادامت المائدة قد مدّت حتى لا نصلى ونحن نفكر فى الطعام، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فى الحديث الآخر:
{ لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ } .
كما أنه لا يجوز للزوجة أن تؤجل الصلاة حتى يدخل الزوج فيدخل متعبا ومتلهفا على الطعام فتفتح له الباب ثم تسارع الى الوضوء وإذا حدثها تقول له تريد أن لا أصلى! وهنا قد يقول لها لم جعلت الصلاة عند رجوعى؟ أو لمَ لمْ تصلِّ قبل مجيئي أو تؤجليها حتى أنتهى من الطعام؟ فتلك مشاكل نصنعها بأنفسنا وهى من المتنطعين فى دين الله عزَّ وجلَّ.
٧- نتفكر أثناء الأكل فى بعض نعم الله عزَّ وجلَّ علينا فى الطعام ونستحضر فى ذلك الفيلم الذى يصوره لنا القرآن فى قول الله عزَّ وجلَّ:
( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) (24: 32عبس)
وقد قال فى ذلك الإمام أبو العزائم رضيَ الله عنه: [من أكل ولم يشهد المنعم فقد سرق]، أى أن الذى يأكل ولم يشهد فضل الله عزَّ وجلَّ عليه فى هذا الطعام، وعناية الله تعالى به فى هذه الكثرة الكاثرة من ألوان الطعام على اختلاف أشكالها وألوانها، وتنوع مذاقاتها وتوفر العناصر الضرورية التى يحتاجها الجسم بها، فقد جحد المنعم عزَّ وجلَّ، ثم بعد ذلك يشهد أن القوة التى ظهرت عليه أو فيه إنما هى من اسمه المقيت عزَّ وجلَّ وليست من الطعام لأن الطعام سبب والقوة والفعل من مسبّب الأسباب عزَّ وجلَّ وفى ذلك قيل :
من يشهد الغير فعالاً فمنقطعٌ
لأنه مشركٌ قد مال للسفل

فلو كانت القوة من الطعام لكان الأغنياء - الذين يجمعون على موائدهم كل ما لذ وطاب من أنواع الطعام والشراب - أقوى من الفقراء الذين لا يكادون يسدون ضروراتهم من الطعام والشراب إلا بمشقة بالغة، ولكننا نجد العكس هو الصحيح، فالصحة والقوة والعافية نجدها مع الفقير الذى لا يأكل إلا لقيمات يقمن صلبه، بينما نجد الكسل والتراخى والضعف مع النَّهم الذى يأكل كل شىء!!، حتى نتيقن أن القوة من القوى عزَّ وجلَّ ‏ فهو وحده:
( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) (54الروم)
آداب ما بعد الأكل
فإذا انتهينا من الأكل ... فهناك آداب يجب أن نراعيها،
وأبرزها ما يلى :
١ يجب أن نقوم قبل أن تمتلأ المعدة بالطعام، أى لا تصل إلى حد الشّبع للحكمة التى تقول :
{نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع، فمن أين يأتينا المرض؟ }
وعملا بالحديث الشريف الذى يقول :
{ الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ, وَالْحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ }
وقد أثبت العلم الحديث أن معظم أمراض المعدة والأمعاء بل والجهاز الهضمى إنما يرجع سببها الرئيسى إلى الشبع والتخمة.
٢ ثم نحمد الله عزَّ وجلَّ ‏ بأى صيغة أو بما ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{ مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّةٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ }
ثم نقول: (اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار)، إلا إذا شربنا لبنا فنقول بعد شربه كما كان يقول صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{من سقاه اللَّه لبنًا، فليقل: اللَّهُمَّ بارك لنا فِيهِ وزدنا منه، فَإنَّهُ لَيْسَ شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن}
٣ وبعد أن ننتهى من الطعام ونحمد الله عزَّ وجلَّ ‏ نغسل الفم واليدين كما غسلناهم قبل الطعام وذلك لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ}
والوضوء هنا معناه غسل الفم وغسل اليدين لإزالة ما بهم من دسومة، والمحافظة على نظافتهم، ولذا فمن المستحسن غسلهم بالصابون أو أى منظف حتى لا نسمح بتكون الجراثيم عليهم.
٤ ويستحسن بعد ذلك أن نخلل أسناننا سواء بالخلة أو بما شابهها من مستحدثات العصر ولا نبتلع بقايا الطعام التى تخرج من بين الأسنان، ولا يخفى ما فى بقايا هذه الأطعمة إذا تركت بالفم من عفونة وروائح كريهة يشمئز منها المحيطون بالإنسان، والإسلام حريص على ألا ينبعث من فم المؤمن إلا الروائح الطيبة، ولذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا}
ولما شق ذلك على أصحابه قال لهم صلَّى الله عليه وسلَّم‏ موجها الى الطريقة الصحيحة فى أكل الثوم والبصل :
{ أميتوها بالطبخ }
أى كلوها مطبوخة لأن الطبخ يذهب برائحتها وبقيت الكراهة لها إذا أكلت نيئة لأن أكلها نيئة يبقى رائحتها وهذا ما لا يقبله الإسلام وهذا ما جعله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ يقول: { حبَّذا المتَخلِّلونَ مِنْ أُمَّتي} .
السواك بين الدين والعلم
٥ إذا أردنا أن نذهب إلى الصلاة نستاك لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ صَلاَةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِيْنَ صَلاَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ }
وقد نوّهت الأحاديث النبوية إلى أكثر من سبعين فائدة للسواك أهمها أنه يطهر الفم، ويرضى الرب، ويبيض الأسنان، ويطيب النكهة، ويشدّ اللثة، ويصفى اللون، ويجرى اللسان، ويذكّى الفطنة، ويقطع الرطوبة، ويحد البصر، ويبّطء الشيب، ويسوّى الظهر، ويضاعف الأجر، ويسهل النزع، ويذكر الشهادة عند الموت.
أما عن العلة الطبية الداعية إلى استخدام السواك، فيذكرها الدكتور/ محمد ناظم النسيمى فى كتابه: (الطب النبوى والعلم الحديث)، فيقول صـ 284 من الجزء الأول : [ بسبب إتصال الفم بالمحيط الخارجى يكون مضافاً لكثيراً من الجراثيم التى نسمّيها الزّمرة الجرثومية للفم، وأكثر هذه الجراثيم تكون عاطلة عند الشخص السليم، وتنقلب مؤذية إذا أهمل الإنسان صحة فمه أو إذا طرأ عليه ما يضعف مقاومة بدنه، وإن تكاثر تلك الجراثيم فى الفم وما تؤدى إليه من تخمر وتفسّخ فى الفضلات الباقية فيه يسىء إلى رائحته ـ ثم يضيف قائلاً: والسواك كما أنه واسطة لتنظيف الأسنان فهو واسطة لتدليك اللثة، وتدليكها ولو بالأصبع ضرورى للحفاظ على صحتها ونموها وإبقاء سترها لعنيقات الأسنان].
وقد أثبت الطب الحديث علاج السواك لكثير من أمراض الفم والأسنان نستطيع أن نلخصها ونجملها من رسالة ( السواك ) للصيدلى الكيماوى السيد صلاح الدين الحنفى فيما يلى:
١- نخر الأسنان: وهو ينشأ عن عاملين :
أولهما: بعض الخمائر التى تفرزها بعض الجراثيم وهى تؤثر فى الهيكل العضوى للمينا .
وثانيهما: المواد الحمضية الناشئة عن تخمر السكاكر والتى تحل الأملاح الكلسية فى المينا، فينشأ عن كلا السببين تصدّع فى المينا وبالتالى تنخر فى السن .
٢- التيح السنخى: وهو داء يصيب الحافة السّنخية للسن .
٣- القلح: وهو رسوب بعض الأملاح الكلسية على سطوح الأسنان، وبازدياد تراكمه يصبح قاسيا ويشكل طبقة كثيفة مصفرة، ولا شك أن السواك يمنع تراكم هذه الأملاح.
٤ التهاب الفم واللثة.
٥- التهاب الفم القرحى.
٦- التهاب الفم القلاعى.
٧- التهاب اللوزات والتهاب البلوغ.
ومن الاختلاطات الجسمية الناشئة عن أمراض الأسنان:
• التهاب المعدة وتقيحها.
• الالتهابات الرئوية.
• الآلام العصبية والوجهية بسبب وجود تقيح فى الأسناخ السنيّة.
• التهاب الشبكية العينية بسبب النخر فى الأسنان.
• إنتانات عامة كانت جراثيمها أو حماتها الراشحة فى الفم.
ومن هنا يتبين لنا حكمة سنية السواك فى هدى الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم‏ وخاصة فى ابتداء كل وضوء، وعقب الطعام، وعند تغير رائحة الفم، وقبل النوم، وعقب الاستيقاظ.
خواص السواك
هذه الفوائد العجيبة والغريبة للسواك دعت كثيراً من الباحثين لدراسة الأراك - الذى يتخذ منه السواك - دراسة علمية نلخص نتائجها فيما يلى عن (رسالة السواك):
١- أنه فرشاة بأليافه الدقيقة للتنظيف وإزالة الفضلات من بين الأسنان. وهو ألطف من السواك المتخذة من أعواد الأشجار الأخرى.
٢- وهو كمعجون صحى للأسنان بما يحويه من مواد مطهرة وبلورات السيسليس وحماض ات ومواد عطرية وأملاح معدنية ومواد صمغية ونشاء. والبلورات المذكورة تفيد كمادة منظفة وزالقة للأوساخ، وهى بسبب صلابتها تحك القلح من الأسنان، وباستعمال الماء مع السواك وبالمضمضة تنطرح تلك الأوساخ .
٣- فى الأراك مواد مضادة للعفونة وقاتلة للجراثيم، ولقد بيّن العالم رودات مدير معهد علم الجراثيم والأوبئة فى جامعة روستوك فى ألمانيا أنه وضع مسحوق عود الأوراك المبلل على مزارع الجراثيم فظهرت على المزارع آثار كتلك التى يقوم بها البنسلين، ولقد استعمل هذا العالم مزارع المكوّرات العنقودية وهى أهم الجراثيم الموجودة فى الفم ومن أسباب أمراضه كالتقيح السنخى.
٤- فى الأراك مادة عطرية زيتية منحلة فى الأثير تعطى الفم رائحة زكية وطعما مستحسنا ومن أجل تلك الفوائد يحسن إدخاله فى المستحضرات السّنية بأن يدق وتؤخذ خلاصته المعروفة باسم Poudre de Sauak.
ومما سبق تتبين لنا الحكم الصحية الكثيرة فى استعمال الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم‏ والمسلمين للسواك المتخذ من عود الأراك وصدق صلَّى الله عليه وسلَّم‏ إذ يقول :
{ عَلَيْكُمْ بِالسوَاكِ فَنِعْمَ الشَّيْءُ السوَاكُ، يَذْهَبُ بِالْحَفْرِ، وَيَنْزِعُ الْبَلْغَمَ، وَيَجْلُو الْبَصَرَ، وَيَشُدُّ اللَّثَةَ، وَيَذْهَبُ بِالْبَخَرِ، وَيُصْلِحُ الْمَعِدَةَ، وَيَزِيدُ فِي دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ، وَيُحَمدُ الْمَلاَئِكَةَ، وَيُرْضِي الرَّبَّ وَيُسْخِطُ الشَّيْطَانَ }
وإن كان هذا لا يمنع من استخدام معجون الأسنان والفرشاة بل إننا نحبّذ الجمع بينهما .
طريقة استخدام السواك
١- ينقع عود الأرك فى الماء ثم يدق ذلك الطرف حتى تتفرق ألياف العود وتصبح بشكل الفرشاة، مع نزع القشرة الخارجية .
٢- تمرر على الأسنان من أعلى لأسفل على أن تبدأ من الناحية اليمنى.
٣- تغسله بالماء وتنشفه جيدا عقب كل استعمال.
٤- كلمـا تـآكل الجـزء الداخـلى يقطـع هذا القــسـم الأخير ويصنع من جديد من نهاية العود فرشاة جديدة.

الباب الثالث: مائدة المسلم فى الصيام

الباب الثالث
مائدة المسلم فى الصيام
نظرا لشدة عناية الرحمن بأهل الإيمان فقد أمرهم بصيام شهر واحد فى العام هو شهر رمضان .. لماذا؟
حتى ترتاح المعدة من عناء العمل ليل نهار طول العام!! وهذه الراحة من عناء العمل المستمر لازمة وضرورية لإراحة الجهاز الهضمى وغدده المساعدة كالكبد والبنكرياس، مع تجديد ما تلف من خلايا وأنسجة. أضف إلى هذا تقليل العبء الملقى على الجهاز الدورى - القلب والأوعية الدموية والدم - إذ تقل كمية الطعام المهضوم الممتص والذى يحمله الدم عبر الأوعية الدموية إلى جميع أجزاء الجسم كل حسب نوعه، كما أن نواتج التمثيل الغذائى وفضلاته تكون أقل، وبالتالى فلن ترهق الكليتين فى إزاحة نفايات الغذاء، وكذلك ترتاح الأجهزة الأخرى بالجسم، ويكون الصوم فرصة طيبة لكى تقوم هذه الأعضاء بتجديد حيويتها، وتعويض ما تلف منها.
ولو أردنا أن نكتب عن فائدة الصوم الطبية - وقائية كانت أو علاجية - لاحتجنا لكتابة كتب، ولكن يكفى أن نشير إليها على لسان طبيب غير مسلم هو الدكتور شخاشيرى الذى حدد فوائدالصيام فى عدة نواح هى:
• علاج اضطرابات الهضم، واضطربات الأمعاء وبالذات المزمنة منها .
• كعلاج لزيادة الوزن.
• إقلال السكر فى الدم، والعمل على إخفائه من البول.
• إلتهاب الكلى الحاد والمصحوب بتورم فى القدمين والساقين، وتضخم حجرات القلب.
• التهابات المفاصل الروماتيزمية.
ومن هنا نفهم الحكمة العظيمة فى قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ صُومُوا تَصِحُّوا }
ولم يكتف الإسلام بفرض الصيام على المسلم؛ بل بيَّن له الأسلوب الأمثل لصيامه، كما وضَّح له الطريقة المثلى للغذاء استعداداً للصيام فى وجبة السحور، وبعد انتهاء الصيام فى وجبة الإفطار.
وهذا ما سنوضحه فيما يلى:
إفطارالمسلم الصائم
يوجه النبى الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم‏ المسلم أن يفطر على التمر أو الماء، وذلك فى قوله:
{ إذا أفْطَرَ أحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ على تَمْرٍ فإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ على ماءٍ فإِنَّهُ طَهُورٌ }
لماذا نفطر على تمر أو رطب أو ماء؟.
إن وراء هذا الهدى النبوى حكمة رائعة، وهدياً طبياً عظيماً، فقد اختار الرسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم‏ هذه المأكولات دون غيرها، وإن كانت بحكم بيئته الصحراوية متوفرة، ولكنه لم يلجأ لأشياء أخرى رغم توافرها، لماذا؟، هذا لحكم عظيمة يشير إليها الدكتور/ أحمد عبد الرؤوف هاشم فى كتابه: (رمضان والطب) ص ٣٣ فيقول: [إن تناول الرطب أو التمر يزوِّد الجسم بمادة سكرية بكمية كبيرة، فضلاً عن السرعة فى التزويد؛ لأن المعدة خالية وكذلك الأمعاء، ومستعدتان للعمل والامتصاص السريع، وبخاصة فى وجود نسبة من الماء العالية فى الرطب، أو وجود التمر منقوعاً فى الماء، بالإضافة لوجود ثلثى هذه المادة السكرية فى صورة كيمائية تخطت مرحلة الهضم الأولى، وبذلك يرتفع مستوى سكر الدم فى وقت وجيز. والنسبة العالية من الماء بالرطب، أو وجود التمر منقوعا يزوِّد الجسم بالماء بكمية معقولة تذهب منه إحساس العطش].
ويعلق على ذلك الأستاذ الدكتور/ أنور المفتى فيقول :
[إن الأمعاء تمتص الماء المحلى بالسكر فى أقل من خمس دقائق، فيرتوى الجسم وتزول أعراض نقص السكر والماء، فى حين أن الصائم الذى يملأ معدته مباشرة بالطعام يحتاج إلى 3 أو 4 ساعات حتى تمتص أمعاؤه ما يكون فى إفطاره من سكر، وعلى ذلك يبقى عنده أعراض ذلك النقص، ويكون حتى بعد أن يشبع كمن لا يزال يواصل صومه].
فالمعدة حال صومها وراحتها تحتاج للعمل على شىء ينبهها تنبيهاً رقيقاً دون إرهاق لها، وذلك لا يكون إلا بهضم وامتصاص مواد سكرية، حيث أن الدهون والبروتينات تحتاج لساعات طويلة لهضمها، ومن هنا كان اختيار النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ للرطب والتمر لأنهما يكادان يخلون من الدهون والبروتينات، بينما يحتويان على نسبة كبيرة من المواد السكرية، فإذا أضفنا إلى ذلك وجود الألياف السليولوزية بنسبة عالية فى تركيب الرطب والتمر وهى تعمل كأسفنجة تمتص الماء داخل الأمعاء، فلا تترك الماء يندفع مباشرة إلى الدم والأنسجة فيؤذيها، وإنما تتركه يتسرب منها ببطء فترتوى الأنسجة بطريقة سليمة، فضلا عن عدم الإحساس السريع بالعطش ،وما يؤدى إليه من شرب مزيد من الماء والسوائل يؤدى إلى ارتباك الهضم وإحساس الصائم بعد فطره بالامتلاء الكاذب وتمييع نفسه .
وكل هذا يزيدنا يقيناً فى الحكمة النبوية فى الإفطار على الرطب أو التمر، فإذا لم يتوافرا فلنفطر على ماء كما فعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏، أو يكون الماء فى صورة حساء دافىء ( كالشوربة ) لأنها من أقوى المنبهات للمعدة لتبدأ ممارسة عملها، أو نفطر على عصير فواكه محلى بالسكر كالبرتقال أو الليمون أو الجوافة، أو منقوع التين الجاف أو كوب ماء مذاب فيه ملعقة من العسل الأبيض أو الأسود، فكل هذه الأطعمة تشترك فى الخصائص الأساسية، حيث تمد الجسم بالماء والسكريات بنسبة عالية .
والخشاف الذى تتناوله بعض الشعوب الإسلامية عند الإفطار والذى يتكون من التمر والتين الجاف والزبيب والمشمش المجفف والقراصيا .... يؤدى كذلك إلى نفس الغاية حيث أنه يحوي زيوتا طيارة تساعد على تنبيه خلايا المعدة والأمعاء لتزيد من عصارتها وخمائرها ليتم الهضم بسرعة وكفاءة، هذا إلى جانب أنه يحتوى على الكثير من الفيتامينات و الأملاح المعدنية القلوية التى تعادل من حموضة الدم فتعمل على ترويقه .
الهدى النبوى فى الفطر
كان الهدى النبوى الشريف فى الصيام هو تعجيل الفطر لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{قَالَ اَللَّهُ عز وجل: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا}
وقد حضّ على ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فقال :
{لاَ يَزالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ}
وذلك لأن التعجيل يذهب شعور العطش والظمأ وبخاصة في أوقات الحر الشديد، وكذلك لأن الجسم يحتاج إلى الطاقة الحرارية ليستطيع مواصلة الحياة، وخاصة بالنسبة للأطفال الذين هم فى مرحلة بناء الأجسام، والشيوخ والناقهون، والحوامل اللاتى سمح لهن بالصوم، والذين يعملون فى أعمال شاقة ومتعبة ويفقدون الكثير من الطاقة والماء والأملاح بصورة أكبر من الإنسان العادى، هذه الحالات تحتاج لتعجيل الفطر لتعويض الفاقد بصورة سريعة لتعطى الجسد توازنه الحيوى فيستفيد من فترة الصوم المعقولة ولا يحدث له أى أثر سلبى على حالته، فأنسجه أجسام هذه الحالات فى أشد الحاجة للماء والطاقة والتعويض السريع يحفظها من الإنهاك والضعف.
هذا بالإضافة إلى الحكم الصحية لتعجيل الفطر التى يشير إليها الدكتور/ أحمد عبد الرؤوف هاشم فيقول:
[ وتعوّد المسلم تعجيل الفطر يسب جهازه الهضمى ارتياحا وانتظاما فى عمله، فالفطر فى وقت معّين ينبّه إفرازات اللعاب بالإضافة لرؤية الطعام الذى يزيد إفرازات اللعاب والعصارة المعدية وينبّه حركات عضلات المعدة ويعدّ الجهاز الهضمى لبدء عمله بنشاط بعد مدة راحة أثناء الصيام، ومع انتظام هذه الأفعال الفسيولوچية فى أوقات محددة يوميا يتكّيف الجهاز الهضمى لبدء عمله فى هذا التوقيت المحدد من كل يوم ـ وقت الغروب ـ ومخالفة النظام بتأخير الفطر يربك الهضم فتحدث حموضة زائدة وحموّ بالجوف وتجشؤ، وقد يصل الأمر لالتهاب حاد بفم المعدة أو قرحة بها ] .
غير أنه كان من سنته صلَّى الله عليه وسلَّم‏ تعجيل الفطر وتعجيل الصلاة حيث كان يقدم صلاة المغرب على إكمال طعام فطره ،ووراء هذا الأدب النبوى حكما وفوائد طبية كثيرة نوجزها فيما يلى :
١- صلاة المغرب عقب تناول الرطب أو التمر أو عصير الفاكهة، تمكن المعدة والأمعاء من امتصاص المادة السكرية، فيحدث ارتفاع سريع لمعدل السكر فى الدم يؤدى إلى عودة النشاط والحيوية للجسم، ويساعد على إزالة الشعور بالجوع، حتى أنه حين يعود المسلم من الصلاة لإكمال فطره فإنه لا ينقض على الطعام بنهم وشراهة، وإنما سيأكل قدرا معتدلا .
٢- إن دخول كمية بسيطة من الطعام ثم تركها فترة ـ هى فترة الصلاة ـ دون إدخال طعام آخر عليها إلى المعدة يعد منبها معقولا لحال المعدة والأمعاء حيث ينبه جدار المعدة للتقبض، وينبه الغدد اللعابية، وغدد جدار المعدة لبدء إفرازاتها بصورة أكبر لتستعد لعمل أكبر على بقية طعام الفطور بعد الصلاة ولتتم الهضم بكفاءة أكبر .
٣- أما عن المشاكل التى يسببها إدخال الطعام مرة واحدة إلى المعدة بكميات كبيرة فيجملها الدكتور/ أحمد عبد الرؤوف هاشم فيقول: [تؤدى إلى انتفاخ المعدة والأمعاء، والتقليل من قدرة التقبض والتقلص لعضلات جدرانها مع تقليل معدل إفراز عصارتها مع حدوث تلبك معوى فى صورة انتفاخ وآلام تحت الضلوع فى الجانبين وغازات حتى ليحس المرء بضيق فى التنفس واضطراب ضربات القلب وضيق بالصدر وتراخ فى الحركة وكسل ... إلخ] .
فإذا أضفنا إلى ذلك أن الوضوء للصلاة يجعل الجهاز العصبى ينشط بغسل الوجه واليدين والقدمين، لأن نهايات أطراف الأعصاب فى هذه المناطق تتنبه فتساعد فى زوال الفتور.
كما أن ترطيب الجسم بماء الوضوء يساعد على تقليل الشعور بالعطش، وتقليل مايشربه الصائم بعد الصلاة فلا يرتبك الهضم بكثرة السوائل .
ثم تكون الصلاة فى صورتها كمجهود بدنى متوسط منظم الإيقاع وبخاصة حركات الركوع والسجود حيث يضغط المرء على الأمعاء فينبهها وينشط من حركتها الدورية، فتساعد فى منع الإمساك وتنظيم فعل التبرز، وهذا الضغط يقع على الكبد إلى الأمعاء الدقيقة فتكون العصارة حاضرة للتعامل مع ما يقابلها من غذاء كل هذا وغيره يجعل المسلم شديد التمسك بهديه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فى الإفطار أولا على تمرات أو رطب أو ماء ثم أداء صلاة المغرب وبعدها يعود ليكمل إفطاره العادى:
لسنته فاحفظ وكن متأدباً
وحاذر فحصن الشرع باب السلامة

إلا إن كان معه ضيف أو أطفالٌ صغار أو أصحاب أعذار لا يستطيعون الإنتظار؛ فعليه أن يسير على قدرهم ويفطر معهم، مع تجنب الإسراف، ويبتعد عن الأطعمة والسوائل المثلجة والشديدة البرودة لأنها تؤدى إلى بطء عمل المعدة وإرباكها مع حدوث التهابات بها.
وليبتعد أيضاً عن شرب السوائل بكميات كبيرة، لأنها تؤدى إلى امتلاء البطن بسرعة فيحس المرء بالشبع الكاذب، فضلاً عما تقوم به من إحداث إحساس بالميوعة وفقد الشهية وتخفيف العصارات الهاضمة والخمائر، مما يؤدى إلى بطء عملية الهضم واضطرابها.
وليتجنب كذلك التوابل والمواد الحريفة كالشطة وغيرها كالمخللات والمشهيّات، وكذلك الأكلات الدسمة والأطعمة الدهنية والأكلات المسبكة والمقلية والصلصات، فهى ثقيلة على المعدة السليمة وتسبب الإنتفاخات والعطش، فهي تهيّج المعدة والأمعاء والمصران الغليظ، فضلا عن عسر هضمهما واتعابها للكبد.
ولا ينسى بعد ذلك أن يقوم سريعاً لصلاة المغرب بعد الإنتهاء من الإفطار مباشرة، ولا يؤجلها لقرب العشاء لأن وقت المغرب قليل فإذا أجّلها فربما لا يتمكن من أدائها فى وقتها فيكون بذلك آثماً، وقد قال الله عزَّ وجلَّ:
(إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا )( 103النساء)
بركة السحور
وجه الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم‏ إلى أهمية السحور فقال:
{تَسَحَّرُوا، فإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكةً}
وألمح صلَّى الله عليه وسلَّم‏ إلى الوقت المفضّل لتناوله فقال:
{لاَ تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الإفْطَارَ وَأَخَّرُوا السَّحُورَ}
وقد زاد هذا الزمن وضوحا الصحابى الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنهُ حيث قال:
{تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ, قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ: قَدْرَ خَمْسِينَ آيَةً}
وقد أشار إلى الحكم العظيمة التى تحملها هذه الأحاديث الإمام/ عبد الله بن أبى جمرة فى كتابه: ( بهجة النفوس ) ص 195 من الجزء الثانى فقال:
[ ظاهر الحديث يفيد بأن تأخير السحور من السنة لأن النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ تسحر وكان بينه وبين الفجر قدر قراءة خمسين آية وإنما فعل ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم‏ لأنه عليه السلام: كان أبدا ينظر ما هو أرفق لأمته فيعمل عليه لطفا منه بهم. وسحوره عليه السلام من جملة الألطاف لأنه لو لم يتسحر لكان أبدال أهل الفضل من أمته لا يتسحرون لاتباعهم له وقد يكون على بعضهم فى ذلك مشقة.
وكذلك أيضا لو تسحّر فى جوف الليل لكان عليهم فى ذلك شىء آخر، وذلك أن المراد إذا أكل فى جوف الليل فالغالب عليه أنه ينام بعد الأكل، وليس كل الناس يقدر على السهر، والنوم عقب الأكل فيه ضررٌ كثيرٌ على البدن لأن بخاريه الطعام تطلع إلى الدماغ فيتولد من ذلك علة أو مرض.
ولو سهر الإنسان من وقت أكله وكان الأكل فى جوف الليل لوجد بذلك مجاهدة لأن الأكل والشرب يستدعيان النوم فيكون ذلك إلى أن يكون النوم يستدعيه فى وقت الحاجة إلى العبادة وهو وقت صلاة الصبح }.
هذا بالإضافة إلى الحكم الصحية لتأخير السحور:
حيث أن توزيع كمية الطعام على وجبتين إفطار وسحور وبينهما فترة زمنية متباعدة يمكن الجهاز الهضمى من أداء عمله فى كفاءة وسهولة وراحة، مع تمتع المسلم بمرونة الحركة ويقظة الذهن وتلافى مضاعفات إدخال الطعام على الطعام فى أوقات متقاربة، وما يحدثه من اضطرابات بالهضم وثقل بالحركة وتبلد للذهن والميل الى الكسل والراحة.
والسحور ضرورة لكل صائم لأنه يعد بمثابة تموين للجسم بالغذاء والطاقة الحرارية. ولذا فالتأخر فى السحور يقلل من إحساس الجوع والعطش.
وكذلك فقيام المرء بصلاة الصبح بعد السحور يقيه من الإحساس بثقل الطعام على الصدر وصعوبة التنفس، والميل إلى الكسل والتراخى ويحميه من الأحلام المزعجة والكوابيس وغيرها من الأشياء التى تصيب من ينم بعد الأكل مباشرة ناهيك بما يشعر به الذى يؤدى صلاة الفجر من انشراح صدر وشعور بالرضى والسكينة والطمأنينة، وإحساس بالنشاط وراحة البال، وصدق الله عزَّ وجلَّ ‏ إذ يقول:
(وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) (78الإسراء)
هضم الطعام
أن من مظاهر زهو المسلم بدينه واعتزازه بتعاليمه، أنه قدَّم له حتى ما يهضم به طعامه وذلك حيث يقول صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاَةِ وَلاَ تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوا قُلُوبُكُمْ}
ومن أسرار إعجاز هذا البيان النبوى أن العالم المتحضر بدأ الآن يدرك فساد المواد التى استخدمها لهضم طعامه، ونهى عنها الإسلام أتباعه لفسادها كالخمر والبيرة، أو لأضرارها كالمياه الغازية بأنواعها بما تحويه من مواد حافظة كالصودا، أو مكسبات لون أو طعم أو رائحة، وكلها ذات أضرار بالغة بحياة الإنسان وصحة الإنسان، ويكفى أنها تفسد معدة الإنسان وتعرضه للإصابة بسرطان الأمعاء، بل وأدعى إلى العجب أن العالم بدأ ينتبه إلى الحكم الصحية النبوية الخالدة، فهنا يدعونا النبى الكريم إلى الاستعانة على هضم الطعام بذكر الله عزَّ وجلَّ سواء تسبيح أو تحميد أو تلاوة قرآن أو صلاة على النبىِّ، لماذا؟
لأن ذكر الله يمنح النفس سكينة، والأعضاء طمأنينة، والقلوب رضا، وهذه الحالة النفسية أكبر معاون على صلاحية عمل أجهزة الإنسان، فإن معظم أمراض العصر سببها القلق والهم والغم، حتى أن دكتور/ ماير الأمريكى يقول فى ذلك: (إن القلق يجعل العصارات الهاضمة تتحول إلى عصارات سامة تؤدى فى كثير من الأحيان إلى قرحة المعدة.
بل إن الدكتور/ كارل يونج وهو أعظم أطباء النفس يقول فى كتابه: (الإنسان العصرى يبحث عن نفسه):
[ إن كل المرضى الذين استشارونى خلال الثلاثين سنة الماضية من كل أنحاء العالم، كان مرضهم هو نقص الإيمان، وتزعزع عقائدهم، ولم ينالوا الشفاء إلا بعد أن استعادوا إيمانهم ] .
أما الصلاة فأثرها الطبى على هضم الطعام لا يستطيع أن ينكره أحد، بل إن من الحكم العظيمة لصلاة التراويح فى شهر رمضان هو ما تقدمه للمصلى من مساعدة بالغة فى هضم الطعام.
ويكفى لبيان أهميتها فى ذلك أن نسوق هذا النص للدكتور/ أحمد عبد الرؤوف هاشم فى كتابه: ( رمضان والطب ) ص ٤٥ حيث يقول:
{ فأثناء الصلاة فى الركوع يضغط المرء على بطنه وأمعائه وكذلك أثناء السجود والنزول إليه، وهذا الضغط وبالذات على الكبد وقنواته يزيد من العصارة الصفراوية الذاهبة إلى الأمعاء والمساعدة فى هضم الدهون وتحويلها بواسطة انزيم الليباز إلى أحماض دهنية وجلسرول، والتى قد يتعسر هضمها في غيبة هذا الإنزيم.
والضغط على الأمعاء ينبِّه الحركة الدودية للأمعاء الدقيقة والغليظ فيعاون فى أداء عملية الهضم وأداء فعل التبرز بكيفية سليمة، فيجنب حدوث الإمساك.
وحركة العضلات أثناء الركوع والسجود والقيام يؤدى إلى تقويتها وبخاصة عضلات جدار البطن فتمنع ترهلها فيتلافى المرء السمنة وتشويه القوام وتكوين الكرش .
وحين يركع المسلم وحين يسجد يزيد معدل تدفق الدم إلى النصف العلوى من الجسم وبخاصة المخ والرأس، وتكرار هذا الفعل يجعل كمية الدم وما يحمله من غذاء للخلايا أكبر، وبالتالى يزداد معدل التنبه والتركيز والقدرة على التفكير بعمق ] .
هذا بالإضافة إلى الجو الروحى الذى تجلبه الصلاة والذى يؤدى إلى راحة النفس وهدوئها، فيتم الهضم فى جو سليم وصحى من الناحية النفسية بكفاءة وتنتفى أسباب حدوث الأمراض المتعلقة بالهضم والتى ثبت أن لها أسباباً عصبية ونفسية: كقرحة المعدة والإثنى عشر، والقولون العصبى، واضطرابات الهضم العصبى، وصعوبة البلع العصبى، وفقدان الشهية العصبى، وغير هذا من أمراض القلب والضغط والأمراض العصبية والنفسية.

وهكذا يؤكد العلم الحديث أن هناك ارتباطا وثيقا بين إتمام الهضم وتناول الطعام فى جو نفسى طيب وبين سير أمور الهضم وعملياته بكفاءة، وصدق الله العظيم إذ يقول :
( إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) (19: 23المعارج) .

الباب الرابع: الشراب بين الدين والعلم

الشرب بين الدين والعلم
إخوانى وأحبابى لما كان لابد لكل منّا من الشرب قبل الأكل أو معه أو بعده، أن نعمل جميعا بهدى نبيِّكم الكريم صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول :
{ اذا شَرِبتُمُ الماءَ فاشْرَبوه مَصًّا، ولا تَشْرَبُوهُ عَبًّا، فإن العَبَّ يُورِثُ الكُبادَ . يعني داءَ الكِبِدِ }
فيأمرنا أن نشرب الماء مصّا ....وألا نشربه فى جرعة واحدة بل على ثلاث مرات وليس مرة واحدة وفى كل مرة نقول قبل الشرب: بسم الله وبعدها الحمد لله ونتنفس خارج الإناء وليس فى الإناء وفى المرة الثالثة نقول: الحمد لله الذى جعله عذبا فراتا ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا .
والحكمة فى التثليث لأن عبّ الماء يعني شربه دفعة واحدة يمرض الكبد وهذا ما فهمناه فى زمننا وفى عصرنا هذا فإن مايزيد على 80% من أمراض الكبد الرئيسية فى مصر وغيرها أن الإنسان يكون متعبا ومنهكا والعرق يتصبب منه ثم يأخذ زجاجة ماء مثلج بسرعة ومرة واحدة .. فما الذى يحدث؟
تنزل على الكبد وهو مستقر طبخ الطعام فى الجسم فهو الذى يحوّل الطعام الى الدم ينتفع منه الأعضاء بأمر ممن يقول للشىء كن فيكون فينزل عليه هذا الماء فيتلف أنسجته وتتلف أعضاؤه ويصاب بداء الكبد فيتضخم الكبد أو يتليّف وذلك لأنه لم يتبع نهج النبى الأمين صلوات الله عليه وسلامه فقد أمرنا أن نشرب أثناء الطعام وبالكيفية التى ذكرناها فنمص الماء ونشربه على ثلاث جرعات أما اللبن فلا خوف منه ولا خطورة منه ولو كان باردا وتلك حكمة الله عزَّ وجلَّ ‏ ولذلك يقول ما معناه: مُصُّوا الْمَاءَ مَصّاً وعبّوا اللبن عباً، ولذا فإنه يحمى الإنسان فى الحر الشديد من العطش والظمأ، فإذا انتهينا من الطعام فيرشد صلَّى الله عليه وسلَّم‏ بما معناه لاتجلعوا آخر زادكم ماءاً، أى لا تشربوا بعد الانتهاء من الأكل ماءاً، وإنما نشرب ساخنا لأنه لا يضر.
أما خطر شرب الماء بعد الإنتهاء من الطعام: فقد أثبت الأطباء أن الإنسان بعد الانتهاء من الأكل (الطعام) يبدأ الهضم فتنزل المعدة أنزيماتها التى تساعد على الهضم، فإذا كان فى الطعام مواد سكرية أرسلت إشارة إلى البنكرياس ليفرز من عنده العصارة البنكرياسية التى تعمل على هضم السكر، وإذا كان فيه الدهون أرسلت إشارة عاجلة إلى الصفراء لتفرز عصارتها الصفراوية التى بها يتم هضم الدهون، وإذا كان بها مواد نشوية أكثرت من نزول اللعاب مع الطعام لتعمل على هضم المواد النشوية، وبعد أن يحمد الإنسان الله تغلق المعدة أبوابها بعد أن أنزلت عصارتها وتقوم بالحركة الرحوية لهضم الطعام. فإذا جاء الإنسان بعد ذلك وشرب الماء فإن الماء يخفف هذه العصارات، ويغير نسب هذه الأنزيمات فيصاب بالتخمة، وبعد ذلك يصاب بمرض عسر الهضم ومرض سوء الهضم، وذلك ما أراد أن يحمينا منه نبى الإسلام.
وقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم‏ - كما يروى عنه صاحب سقايته عبد الله بن مسعود رَضِيَ الله عنه - لا يشرب الماء إلا بعد الأكل بما يساوى ساعتين، وإذا أكل لا ينام إلا بعد أن يتأكد من هضم الطعام.
ونحن إذا ذهبنا إلى أطباء المعدة، أو إلى أطباء الباطنة، نشكو من القولون، أو من آلام بالمعدة، فلنعلم جيداً أن معظمها ناتج من النوم عقب الأكل مباشرة، ولكننا لو نفذنا تعاليم الله وسنَّة رسول الله نعيش فى صحة وفى حالة إيمانية وفى هناءة اقتصادية، ولن يكون عندنا مشاكل فى أجسامنا ولا مشاكل لجيوبنا ولا مشاكل فى بيوتنا ولا مشاكل فى مستشفياتنا، لأن معظم الأمراض سببها المعدة، (فالمعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، وصدق الله عزَّ وجلَّ ‏ إذ يقول (31الأعراف):
﴿ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

حكمة تحريم الخمر
حرّم الإسلام الخمر؛ بل وجعلها أم الخبائث، وقد نفى بعض الجهال تحريمها لأنها لم يقترن معها فى آيات القرآن لفظ يدل على التحريم مع أن النص الذى جاء لتحريمها فى كتاب الله عزَّ وجلَّ ‏ أشد وقعا، وأبلغ زجرا فى ردع مرتكبى هذا الإثم وهو قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (90المائدة)
والمتأمل فى الآية يجدها:
- تفتتح بأسلوب الحصر (إِنَّمَا) لتأكد على شدة تشابه هذه الأشياء الأربعة، ولذا وصفتها كلها بوصف واحد - تستقذره النفوس الفاضلة ولا تستسغيه - وهو أنها (رِجْسٌ)، ثم تذهب إلى أبعد مدى فى التحريم، فتصفها بأنها (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) حتى يسارع الإنسان المؤمن إلى تركها.
- ثم تأمر أمراً صريحاً لا يقبل مواربة بترك هذه الأشياء كلها جملة واحدة، وذلك فى قوله عزَّ وجلَّ ‏ (فَاجْتَنِبُوهُ)، ولم يقل فاجتنبوهم - لينبه على أن حرمتهم واحدة.
- فكأن من أباح الخمر قد يكون قد أباح القمار وأباح عبادة الأصنام لأن حكمهم واحد ... وهذا ما لا يقوله عاقل.
ناهيك بعد ذلك بالأحاديث الصحيحة الكثيرة التى حرمت الخمر، بل كل مسكر، ومن ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ}
بل إنه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ ذهب أبعد من ذلك، فحرم الأشياء التى لا تسكر إلا بعد العبّ منها بكثرة - ولا يسكر الإقلال منها - دراءاً للشبهات، وذلك فى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ مَا أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ }
وقد نبَّه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ إلى ما سيحدث من بعده فى شأن الخمر، حيث يسميها البعض بغير اسمها هروبا من الإثمن وذلك حيث يقول:
{لَيَشْرَبَنَّ أناسٌ من أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بغيرِ اسْمِهَا}
هذا وقد سدَّ الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم‏ الذريعة أمام من يزعمون أنهم يتداوون بها، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{إنَّ الله أنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءَ فَتَدَاوَوْا، وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ}
وروي: { أَنَّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ: سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ سَأَلَ النَّبيَّ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: إِنَّما أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ النَّبيُّ : إِنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ}
حتى أنه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ لعن كل من يمس الخمر ولو لم يشربها، وذلك حيث يقول أنس بن مالك رَضِي الله عنه فيما رواه ابن ماجه والترمذى:
{أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ لَعَنَ فِي الْخَمْرَةِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَالْمَعْصُورَةَ لَهُ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَالْمُسْقَى لَهُ، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ لَهُ، وَالْمُشْتَرِيَ، وَالْمُشْتَرى لَهُ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا}.
أضرار الخمر
وذلك التشديد فى تحريم الخمر يرجع إلى أنها تخمر العقل وتستره مما يجعل لها أضراراً جسيمة على الجسم والأعصاب والعقل والأخلاق، وتفصيل تلك الأضرار التى اكتشفت حتى الآن يحتاج إلى مجلدات، ولكن حسبنا أن نشير الى ما ذكره الدكتور محمد وصفى فى كتابه: (القرآن والطب) ص 138 حيث يقول:
[وللخمر تأثير على المراكز العصبية حيث تنبهها فى أول الأمر، ولكن لا يلبث الحال أن ينعكس فيحدث الخمول فى هذه الأعصاب، وينتهى الأمر بتخديرها وتعطيل عملها، ومن ثم يتسبب فى الموت الذى يكون نتيجة مباشرة لإيقاف عمل المراكز الحيوية فى الجسم.
هذا الحال هو ما نشاهده فى شارب الخمر فتراه أولاً قد انعدمت عنده فضيلة المروءة والحياء، وينطق لسانه بألفاظ لو كان حافظا لقواه العقلية ما فاه بها، وتصدر عنه أفعال وحركات تضحك الثكلى، وشر البلية ما يضحك.
هذه الفترة هى التى تجعل من الإنسان حيواناً مهيناً مستهتراً بالكرامة والدِّين، معرضا للوقوع فى حبائل الرذيلة والعناد، وهى قصيرة الأمد لا تلبث فترة الخمول أن تأتى عليها، فترى الشاب وقد اختلت أعمال مخه، وفقد إحساسه، وتجسمت فيه البلاهة بأقبح أشكالها، وسرعان ما يدخل السكران فى الفترة الثالثة، وعندها يكون السم قد عمل عمله فى المراكز العصبية الحيوية فى الجسم فيعطل عملها، ويحدث الوفاة، وقد يكون سبب الموت تعطيل الخمر لعمل مراكز التنفس والدورة الدموية جميعاً.
فالخمر هى الدافع الأساسى لجميع الموبقات، بل أنها تقتل العواطف السامية فى الإنسان كالحنان والعطف والواجب، وتعمل كذلك على إضعاف الإرادة وتعطيلها، وتسلب قوة السيطرة على النفس.
آثار الخمر المرضية
هذا بالإضافة إلى الأمراض التى تسببها والتى قد ألمح اليها الدكتور/ السيد الجميلى فقال (نلخص هنا فى إيجاز وتركيز أضرار الخمور والمواد الكحولية):
1. غياب المرء عن ذكر ربِّه واقترافه الإثم وارتكابه الذنب والمعصية دون إدراك.
2. قرحة المعدة أو قرحة الإثنى عشر والتهابات الجهاز الهضمى.
3. احتقان الجهاز التناسلى.
4. التهاب الأعصاب المتطرفة المتعددة والضعف الجنسى.
5. اليرقان وتليّف الكبد.
6. الإدمان حيث يصبح الإنسان أسير العادات السيئة، مع عدم الاستجابة للتخدير العام.
تأثير الخمر على الأعضاء التناسلية
يدعى كثيراً من ضعاف العقول أن تعاطى الخمر يقوى الناحية الجنسية ومن أجل ذلك يلجؤون لشربها، ويرد على هذه الدعوى الدكتور محمد بكر إسماعيل فيقول:
{والحقيقة أنه ليس للخمر تأثير طيب من هذه الناحية، وأما ما يشاهد من تنبه بعض الناس فى المراقص جنسيا بشرب القليل من الخمر، فليس هذا يرجع إلى تنبيه الخمر للباه، ولكنه يرجع إلى تأثير الخمر على المخ، ولا يتعدى هذا التأثير إمالة ميزان العقل، والشعور بعدم الحياء أو المبالاة.
وهناك حقيقة علمية خطيرة، يجب أن يعلمها الناس جميعا وهى أن شارب الخمر ينتهى عادة بالارتخاء التام، وذلك نتيجة ردّ فعل شديد فى أعصاب المراكز العليا والسفلى فى الجسم}.
وهكذا يتضح لنا حكمة الله عزَّ وجلَّ ‏فى تحريمه علينا الخمر بكافة أنواعها وأشكالها للآثار الوخيمة التى تعود على الأفراد والأسر والمجتمعات من جرائها، وصدق الله عزَّ وجلَّ إذ يقول:
﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ (78الحج)
حكمة تحريم البيرة
لقد انتشر استعمال البيرة كثيراً فى البلاد الأوربية والأمريكية حتى أضحى تجرعها جزءاً من الحياة اليومية، ترتشف بدل الماء مع كل طعام، وتطلب فى النزهات، وتؤخذ بدون مناسبات.
ولقد أخذت تلك العادة الذميمة تنمو فى بلدان العالم حتى سرت إلى البلاد العربية والإسلامية، حتى لاحظنا تساهل بعض المسلمين المصلين فى أمر شربها عن جهل لحكم الإسلام فيها، أو لتوهم منافعها، أو عن مجاملة لصديق غير متَّقٍ يشربها أو يقدمها، مع أن تلك المجاملة من شر السبل، لأنها تقوم على ارتكاب معصية الخالق عزَّ وجلَّ ‏فى سبيل إرضاء أحد مخلوقاته.
هذا مع أن النصوص واضحة وقاطعة فى تحريم البيرة. فالبيرة تصنع من الشعير وهو من الأصناف التى ذكرها الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم‏ ليحرم المشروبات التى تصنع منها.
فقد روى أصحاب السنن عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ قال:
{ إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْبُرِّ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا }
وروى الإمام البخارى ومسلم وأحمد عن أبى موسى الأشعرى قال:
{قلتُ: يا رسولَ الله، أَفْتِنَا في شرابينِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا باليمنِ؛ البِتْعِ من العسلِ نَنْبِذُهُ حَتَّى يَشْتَدَّ، والمِزْرِ من البُرِّ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ نَنْبِذُهُ حَتَّى يَشْتَدَّ، قالَ: وكانَ النبيُّ قد أُعْطِيَ جَوَامِعَ الكَلِمَ وخَوَاتِمَهُ وقالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»}
بل هناك نصٌّ خاصٌ صريحٌ بها، فقد ذكر أبو داود والنسائى عن علىٍّ كرّم الله وجهه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ نهاهم عن الجعّة وهى نبيذ الشعير (أى البيرة).

أضرار البيرة
وهكذا نجد الإسلام يحرِّم البيرة للأضرار الكثيرة التى تصيب متعاطيها، ومنها: (تحدث فرط السمن واتساع المعدة والبيلة الآحينية وضخامة القلب وهى تؤهب للبيلة السكرية والنقرس والعصائد الشريانية تؤدى بمن يستعملها كثيراً إلى التهاب المثانة ثم التهاب الكلى. إن إدمانها يضعف المناعة وينقص المقاومة تجاه الأمراض الإنتانية وخاصة ذات الرئة، ويضعف وظائف الكبد، وقد يؤدى إلى فقر الدم المصحوب بنقص الفيتامينات) .
أما ما يدعيه البعض بأن البيرة توقف مفعول الهرمون الذى يمنع إدرار البول، وبذلك يتم إدرار البول بكثرة، فإن بعض السوائل تستطيع أن تؤدى نفس المفعول مثل عصير القصب وماء الشعير.
وكذلك ما يدعيه البعض من تأثير البيرة على الناحية الجنسية فهى حجة واهية إذ من الثابت علميا أن البيرة بما تحدثه من إدرار البول تعوق الانتصاب وتسبب العنة.
فما أعظم هذا الدِّين الذى يرشد أتباعه إلى ما فيه صلاح أجسامهم، وسلامة أبدانهم، ورجاحة عقولهم: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ (7الحشر).
وقد لجأت بعض الشركات لترويج بضاعتها لدى المتدينين إلى كتابة عبارة (بيرة بدون كحول) على زجاجة البيرة، وقد محّص الدكتور محمد ناظم النسيمى هذا الموضوع علمياً وتوصل إلى النتيجة التالية:
إن البيرة من المسكرات بما تحتويه من كحول، ولا توجد (بيرة بدون كحول)، ولو أطلق هذا الاسم بعض الألمان الغربيين على البيرة الخفيفة، وذلك لشغفهم بالمسكرات واعتيادهم عليها، فأضحوا لا يسكرون بالبيرة الخفيفة التى تسكر الشخص فى المرات الأولى لبدء تناوله المسكرات، فسموها بيرة بدون غول، ومع ذلك فهى تزودهم بكمية من الغول تعوض ما نقص من دمائهم منه، وتدفع أعراض الحرمان التى تظهر عند المدمن إذا انقطع فجأة عن المسكرات، كما أنها تعطى النشوة لغير المدمن إذا لم يسرف فى شربها وإلا انتابه عوارض السكر. وبما أنه ثبت أن البيرة من المسكرات، فهى إذا محرمة كباقى المسكرات)) .
وهناك فتوى للدكتور يوسف القرضاوى تجيز شربها يقول فيها:
)إن وجود ما نسبته (5/1000) من الكحول لا أثر له في التحريم، لأنها نسبة ضئيلة جداً، خاصة إذا كانت بفعل التخمر الطبيعي، وليست مصنعة، ولذلك لا أرى حرجاً من تناول هذا المشروب. وأضاف أن الشريعة الإسلامية شريعة واقعية، ومن واقعيتها هنا أنها وضعت قاعدة مهمة جاء بها الحديث، وهي أن (ما أسكر كثيره، فقليله حرام)، وأشار إلى أن (أي إنسان شرب من هذا المشروب ما شرب فلن يسكره، ولذا لا يحرم القليل منه).
ونبه القرضاوي إلى أن هذه النسبة من الكحول وما في حكمها، إذا أضيفت عمداً إلى المشروب لغير حاجة صحية أو طبية، أو نحو ذلك، فإن من أضافها يأثم على ذلك، وإن لم يكن مؤثرا في إباحتها لشاربها، معتبراً أن إضافة أي شيء حرام بنسبة قليلة عمداً لا يجوز، وإن كان آكلها لا شيء عليه(.
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=9263&issueNo=98&secId=16
جريدة العرب اليومية عدد7240 تاريخ 8/4/2008
وقد أجاز الشيخ بن عيثمين شربها وقال فى نهاية فتواه: { وقد ظن بعض الناس أن قول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم‏ (ما أسكر كثيره فقليله حرام) أن معناه: ما خلط بيسير فهو حرام ولو كان كثيراً، وهذا فهم خاطئ، الحديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) يعني: الشيء الذي إذا أكثرت منه حصل السكر، وإذا خففت منه لم يحصل السكر، يكون القليل والكثير حرام، لماذا؟، لأنك ربما تشرب القليل ثم تدعوك نفسك إلى أن تكثر فتسكر، وأما ما اختلط بمسكر والنسبة فيه قليلة لا تؤثر فهذا حلال ولا يدخل في الحديث}. اللقاء المفتوح (63)

تحريم المخدرات وحكمته
المخدرات نوع من السموم، يؤدى تعاطيها إلى حالة تخدير كلى أو جزئى مع فقد الوعى أو دونه، وهى تعطى شعوراً كاذباً بالنشوة والسعادة مع الهروب من عالم الواقع إلى عالم الخيال.
وقد تكون صلبة، أو سائلة، أو مسحوقاً ناعماً أو بلورات، أو فى شكل أقراص، أو كبسولات وفقاً لطبيعة ونوع المخدر، وهى أنواع كثيرة، منها: الأفيون، والمورفين، والكوكايين، والدايونين، والهيروين، والحشيش، وغيرها .. وقد حرمتها الشريعة بكافة أنواعها، ومشتقاتها، ومركباتها المختلفة بالنص النبوى الصريح الذى يقول:
{كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ}
والحديث الآخر الذى يقول:
{مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ}
فكل ما يخمر العقل ويغطيه يسمى خمراً شرعاً، ولا عبرة بخصوص المادة التى يتخذ منها، ولو كانت خبزاً أو ماءً - كما ورد عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت:
{لا أُحِلُّ مُسْكِرًا وإن كان خبزا أو ماء} .
والذى دفع الشريعة المطهرة إلى تحريم هذه المخدرات، هى الآثار الضارة التى تحدثها للفرد وللمجتمع، والتى يذكر بعضها الدكتور محمد سعيد السيوطى فى كتابه: (معجزات في الطب للنبىِّ العربى محمد) ص 135 فيقول:
(ويفعل الحشيش ما يفعله المسكر من أضرار بصحة متناوله وبعقله، فترى الحشاش مضطرب الفكر، متناقض الخيال، كثير الأوهام والأحلام صامتا، أو كثير الكلام حتى درجة الهذيان. وأول ما يصاب به الحشاش تنبه فى المعدة، وانقباض فى الصدر، وضغط وثقل فى الرأس، وتخدر الأطراف، واضطراب فى السمع، ويبوسة فى الفم والبلعوم، وتنبه فى ملكات الدماغ، ثم تشوش فى الدماغ. ومع الإدمان ينقلب الحشاش إلى شخص عبوس الوجه، متبلد الذهن، بطىء الحركة، ضعيف البنية، بطىء الهضم، منمل القوى، ضعيف النفس والقلب، فاقد النخوة والشهامة والمروءة، وقد تنتابه حالات من الهذيان حتى الجنون الذى قد يدفع به إلى الانتحار)
هذه المضار التى تحدثها المخدرات جعلت بعض الفقهاء كإبن تميمة يرى أنها شرًّا من المسكر، ولذا فإنه يرى أن قصاص الحشاش يجب أن يكون أشد من (الحدِّ) الذى هو قصاص شارب الخمر.
أضرار المخدرات
إن حكمة تحريم المخدرات على تعدد أنواعها هى لأسباب صحية واقتصادية وخُلقية واجتماعية عامة لا يسعنا ذكرها الآن، ويكفى أن تعلم أن الشيخ قطب الدين العسقلانى قال فى شأن إحداها:
(فى الشيشة مائة وعشرون مضرة دنيوية وأخروية، وإنها تورث أكثر من ثلاثمائة داء فى البدن، كل داء لا يوجد له دواء فى هذا الزمان) .
وقد أشار الطب الحديث إلى بعض هذه الأمراض التى تصيب المدمن فقال:
(ويسبب الكوكائين والإدمان عليه تسمم شبيه بالتسمم الناجم عن السكر، يصاحبه أوهام وهذيان ونشاط شديد بسبب تنبه الجملة العضلية والعصبية، ويلاحظ عند متعاطى الكوكائين خفقان فى القلب وكثرة التبول وضعف الشهوة، واضطراب فى النظر والسمع، وضعف فى العقل، وتقبيض للعروق، وضعف فى الحس اللمسى، ونقص فى الذاكرة، وضعف الإرادة.
وإن الإدمان على الكوكائين عند الأب أو الأم يعرض أولادهما إلى التراث الكوكائينى، ومنه: مرض السل والإندفاع نحو الإجرام) .
ولذا فقد حرمها الشارع المعظم حفظاً للحياة الصحية والاجتماعية والبشرية العامة، ووقاية لتسرب المفاسد إليها.
ولعل إدراك الأمم الغربية والشرقية لمضار المسكرات والمخدرات فى العصر الحديث، والذى تمثل فى عقد المؤتمرات الصحية الأممية العامة فى مختلف العواصم الأوربية، والقرارات التى تمنع الاتجار بالمسكرات والمخدرات، أو تداولها أو حملها أو تهريبها أو زراعتها، أو تشجيع الاشتغال بها، وقيام جمعيات محلية كثيرة فى كل بلد لمحاربتها، كل ذلك مما يؤيد التشريع الإسلامى ويشهد بحكمته البالغة وبنفعه العام.

أضرار تناول المفترات
المفتّر هو الذى إذا شرب حمى الجسد، وصار فيه فتور أى ضعف وانكسار، وخدر فى الأطراف وهو مقدمة السّكر، وهو أنواع كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : القت، والداتورة، وجوزة الطيب، والبانجو، والدخان .
وقد جاء ذكر المفتّرات فى الحديث الشريف الذى يرويه الإمام أحمد فى المسند، وأبو داود فى السنن عن السيدة أم سلمة رضى الله عنها حيث قالت :
{نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ}
والمفتّرات بكافة أنواعها لها أضرار صحية واجتماعية واقتصادية، فالتعوّد على مضغ القات يؤدى إلى ظواهر اجتماعية واقتصادية معوقة للفرد والمجتمع؛ لفقدان ساعات العمل، وضياع الدخول، وسوء التغذية، وتفشى الأمراض.
والداتورة من النباتات السامة والمفتّرة، وقد تؤدى إلى قتل متعاطيها، إذ أن الداتورة تنتمى إلى العائلة الباذنجية المشهورة بنباتاتها السامة، وتبدأ أعراض التسمم فى الإنسان عند دقائق من تعاطى بذورها، والأعراض تتمثل فى جفاف الحلق وزيادة العطش الذى لا يزول بشرب الماء، ويتبع ذلك إغماء وعدم وعى وتتسع حدقتا العين، كما يحدث التشنج، وينتهى فى كثير من الحالات بالوفاة.
أما جوزة الطيب فإذا أخذت بكميات كبيرة أحدثت تقلصات عنيفة، وقد تشمل الجهاز التنفسى، وقد تسبب الاختناق والموت .
والبانجو قد يؤدى إلى التخدير، أو إلى الإسكار ويورّث الخبال ويذهب بالمال (وإن كان يجوز عند الضرورة كإجراء عملية جراحية، أو رفع ألم حاد أن يعطى الطبيب المريض شيئاً من البنج (المصنع من البانجو) ونحوه بطريق الفم، أو بطريق الشم، أو بالحقن، لأنها ضرورة (والضرورات تبيح المحظورات) كما يدل عليه عموم قوله تعالى:
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (173البقرة) .
ولأن هذه المفتّرات لا تبلغ حدّ السكر، وإن كان يحدث لمتعاطيها مقدّماته، فقد ذهب العلماء إلى تحريمها لقول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ ﴾ (157الأعراف)
ومنهم من كرّهها وحمل النهى فى الحديث السابق: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِر} - على الكراهة.
ونحن وإن كنا نقول بكراهتها حيث أنها لا تصل بمتعاطيها إلى حد السكر إلا أن أضرارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية المشار إليها آنفا - تجعل كل مسلم، بل كل إنسان عاقل يرفض تعاطيها حفاظا على قواه الصحية والنفسية والعقلية، واحتفاظا بمكانته الاجتماعية، وصونا لمقتنياه الاقتصادية.
تناول الدخان
ونظرا لعموم انتشار البلاء بالدخان فى مختلف البلدان، وبين مختلف الأوساط، ولكثرة ما تحدثت الهيئات الطبية، والجهات التى تحرص على المحافظة على البيئة وغيرها، فقد أفردناه بالبحث الخاص من بين المفتّرات.

تأثير الدخان على صحة الإنسان
للدخان تأثيرات ضارة جداً على صحة الإنسان سواء كان تناوله عن طريق الفم كما فى التدخين المعتاد، أو بمضغه بعد مزجه بمواد أخرى ووضعه بين الشفة واللسان (المضغ أو الشمة).
ـ أو باستنشاقه عن طريق الأنف (النشوق)،
ـ أو باستنشاقه عن طريق استعمال النارجيلة (الجوزة).
فضرره محقق والتسمم به واقع كيفما أدخل إلى الجسم بالطرق المتنوعة السابقة أو غيرها، وقد أشار إلى بعض هذه الأضرار الدكتور محمد سعيد السيوطى فقال:
( ويؤثر الدخان فى الغشاء المخاطى للفم فيقلل حساسيته، كما أنه يقلل الإحساس بالجوع، ويحدث التهاب مزمن فى المنخرين ولثات الأسنان والأغشية المخاطية.
وشوهد إصابة المدخنين بمرض ضعف المعدة الوخيم، مع وجود أعراض يبوسة اللسان، وضعف الاشتهاء لتناول الطعام، والامتلاء الريحى المعدوى، وانعدام المادة الهاضمة (بيبسين) من عصارة المعدة، مما يؤدى إلى إصابة المدخنين بالتهاب الأمعاء الشديدة المزمنة، مع آلام مبّرحة فى المعدة قد لا تفيد فى شفائها المعالجات الدوائية، وإنما تزول عقب ترك الدخان ببضعة أيام) .
هذا والدخان يحدث التهابا فى الأنف والبلعوم والحنجرة والقصبات ويجعلها متهيجة ومستعدة لدخول وتوطن الجراثيم المرضية الخاصة بالجهاز التنفسى بسهولة، فتحدث نزلات الأنف والبلعوم والحنجرة والقصبات والرئة. أما تأثير النيكوتين فلا يخفى على أحد، فهو يؤثر على القلب والأوعية تلك التأثيرات الدائمة التى لها دخل كبير فى تصلب الشرايين وارتفاع درجة الضغط الدموى فيها ويسبب أيضا الخفقان القلبى وعدم انتظام النبضات وتقطعه.
كما أنه يؤثر فى العصب البصرى مباشرة فيضمره ويسبب ذلك العمى، بينما تظهر تأثيراته فى الجملة العصبية بحصول الأرق والصداع والدوار وارتجاف الأصابع والأطراف واهتزاز والضعف العصبى العام.
وهكذا وبعد أن تبين لنا هذه الأضرار الجمّة التى يحدثها التدخين، فينبغى على العقلاء ـ ولو لم يكن التدخين محرما ـ أن يتركوه لكى يحصلوا على الفوائد الصحية والجتماعية والاقتصادية العظمى والتى تتوقف على تركه.

كراهة التحريم للتدخين
للعلماء ثلاثة مذاهب فى حكم التدخين:
فمنهم من أطلق القول بالتحريم، وإن لم يعتبره من الكبائر إلا عند الإضرار، وذلك اعتماداً على النصوص القرآنية الكثيرة ومنها:
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (157الأعراف)
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ( 29النساء)
وقوله عزَّ شأنه: ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ (26الإسراء)
وكذلك الأحاديث النبوية الكثيرة والتى منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{ لا ضَرَرَ , وَلا ضِرَارَ فِي الإِسْلامِ }
وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا }
كما نهى الرسول عن كل مسكر ومفتّر وعن إضاعة المال.
ومنهم من أطلق القول بحلّه، لأن الأصل فى الأشياء الإباحة، وردُّوا أدلة الأولين بأنها ظنيَّة الدلالة فلا تثبت التحريم.
ومنهم من قال بالتفصيل: فقد يكون حراماً، وقد يكون حلالاً، بل تعتريه الأحكام الخمسة، فقالوا: إن التدخين حرام إن كان فيه إسراف محرم، بأن كان الشخص محتاجاً إلى ثمنه فى نفقات واجبة عليه، أو كان فيه ضرر صحى لا يحتمل، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ولابد من إخبار الطبيب الثقة بخطورته على الشخص.
ويكون مكروهاً إن لم يكن فيه ضرر صحى أو مالى، وذلك لأنه لا يخلو من بعض الأضرار، كما أن فيه إضاعة للمال فى غير ما يفيد، وأولى أن يوجه إلى مجالات هى فى أشد الحاجة إليه، كما أن فيه إيذاء للغير برائحته كالثوم والبصل.
ونحن نميل إلى هذا الرأى، وخاصة أن التدخين له أثر سيئ على الكثير من المدخنين صحياً، وكذلك له أثره الاقتصادى على المجتمع كله، فما يحرق يومياً من الدخان يمكن الاستفادة به فى مشروعات إنتاجية لرفع مستوى المعيشة، أو مشروعات خدمية كبناء مدارس أو مستشفيات وغيرها لرفع مستوى الأفراد .

الباب الخامس: آداب الضيافة

آداب الضيافة
جعل الله عزَّ وجلَّ ‏ إطعام الطعام، والضيافة من أجلِّ العبادات الإسلامية التى يتقرب بها المؤمن إلى الله عزَّ وجلَّ،‏ فأثنى الله عزَّ وجلَّ ‏ على من يطعمون الطعام فقال:
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا ﴾
(8، 9الإنسان)
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم:{إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلانَ الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ}
وقال أيضاً:
{ مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حَتَّى يُشْبِعَهُ، وَسَقَاهُ حَتَّى يَرْوِيَهُ بَاعَدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ}
بل إنه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ رفع مكانة مطعم الطعام وقال فى حقه:
{ خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ }
وحذّر من البخيل الذى لا يضيف أحداً فقال فى حقِّه:
{لا خَيْرَ فِيمَنْ لا يُضِيفُ}
وقد كان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه، إذا أراد أن يأكل خرج ميلا أو ميلين يلتمس من يتغذى معه، ومن أجل ذلك سمى (أبو الضيفان) وقد مدحه عزَّ وجلَّ ‏ على ذلك فى قرآنه حيث قال:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ. فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ. فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ. فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾ (24: 28الذاريات).
فقد كانوا ثلاثة نفر ويكفيهم دجاجة أو شاه؛ لكنه دعاه كرمه وسخاؤه أن يذبح لهم عجلاً سميناً ويشويه لهم: لأن هذا أدب الإسلام. وقد أدرك الأنصار هذا المقصد العظيم فقاموا به خير قيام، حتى وصل الأمر بهم إلى التنافس الشديد فيما بينهم للحصول على الضيف، يدفعهم إلى ذلك - غير ما سبق - قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ ما معناه: { يدخل الضيف والرزق معه، ويخرج بذنوب أهل الدار فيلقيها فى البحر }، حتى ورد عنهم فيما يرويه البخاري ومسلم عن أبى هريرة رَضِيَ الله عنه قال :
{ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏، فَبَعَثَ إِلَى نِسَاءِهِ، فَقُلْنَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: مَنْ يَضُمُّ هَذَا، أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، وَانْطَلَقَ بِهِ لَهُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ : أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَانِ، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السّـِرَاجَ فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏، فَقَالَ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا}، فنزلت الآية الكريمة:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾(9الحشر).
والأخبار الواردة فى فضل الضيافة والطعام لا تحصى، وإنما أردنا بذكر هذه النّبذة اليسيرة، أن يتنبّه شبابنا إلى أخلاق سلفنا الصالح فيتشبهون بها، بعد أن غلبت عليهم فى الآونة الأخيرة القيم المادية الغربية، وهى هنا - بحسب مبدأ المنفعة الذى تنبنى عليه كل نواحى حياتهم - تنبنى على الأثرة والأنانية والشح، إلا إذا كان هناك مصلحة للفرد أو للشركة أو للهيئة فيظهر الكرم، والغرض منه هنا شراء الذمم، وتحقيق أكبر قسط من الأرباح - ولو بالحيلة، وهذا ما يتنافى مع ديننا الحنيف، الذى يوجه المسلم إلى أن يقصد بعمله كله وجه الله عزَّ وجلَّ‏، فهو إذا أضاف فإنما يبتغى بذلك رضاء الله، وإذا أطعم فإنه يطلب الأجر والثواب من الله. وبمثل هذا الخلق الكريم أدخل سلفنا الصالح الناس أفواجا فى دين الله عزَّ وجلَّ ‏ وصدق الله عزَّ وجلَّ ‏ إذ يقول :
﴿ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ (90الأنعام)
أولا : آداب الدعوة
يرسم الإسلام للمسلم الآداب السديدة، ويذكر له التعاليم الرشيدة التى تجعله إذا سار عليها يسعد فى نفسه، ويسعد من حوله، بل وينال السعادة يوم لقاء الله عزَّ وجلَّ، وكذا تجنِّبه المشاكل والأعراض والأمراض التى من يلقى بطريق الله جانباً سر قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ (124طه)
والآداب الإسلامية التى ينبغى أن يلاحظها المسلم حين يدعو غيره إلى مائدته ما يلى:
- أن يدعو لضيافة الأتقياء دون الفسّاق والفجرة لقول النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ}
- ألاّ يخص بضيافته الأغنياء دون الفقراء لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ}
- أن لا يقصد بضيافته التفاخر والمباهاة، بل يقصد بها وجه الله عزَّ وجلَّ ‏، والاستنان بالنبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ والأنبياء من قبله كإبراهيم عليه السلام .. كما ينوى يها إدخال السرور على إخوانه المؤمنين فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{ مَنْ صَادَفَ مِنْ أَخِيهِ شَهْوَةً غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ سَرَّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ تَعَالَى }
- ينبغى أن لا يهمل أقاربه وجيرانه فى ضيافته، فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم، وكذلك يراعى الترتيب فى أصدقائه ومعارفه، فإن فى تخصيص البعض إيحاشاً لقلوب الباقين، إلا إذا كان هناك ضرورة تستدعى ذلك .
- لا يدعو إليها من يعلم أنه يشقُّ عليه الحضور لبعد المسافة، أو كثرة المشاغل أو غيره، وكذلك لا يدعو من يتأذى ببعض الإخوان الحاضرين، أو يتأذى به بعض الحاضرين.
ثانيا: آداب إجابة الدعوة
ولها فى كتب السنة آداب كثيرة نكتفى منها بما يلى:
• أن يجيب الدعوة ولا يتأخر عنها إلا لعذر ضرورى، كأن يخشى حدوث ضرر له فى دينه أو بدنه، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم :
{مَنْ دُعِيَ فَلْيُجِبْ}
• وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ , وَلَوْ أُهْدَى إِلَيَّ كُرَاعٌ أَوْ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ} . فالإجابة سنة مؤكدة، وقد قيل بوجوبها فى بعض المواضع.
• أن لا يميز فى الإجابة بين الفقير والغنى، لأن فى عدم إجابة الفقير كسراً لخاطره، كما أن فى ذلك نوع من الكبر، والكبر ممقوت فى الإسلام، بالإضافة إلى أن ذلك خلاف السنة فقد ورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ أنه: {أَنَّهُ كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ ودَعْوَةَ المسكين} . ومما روى فى ذلك أن الحسن بن على رضى الله عنهما مرَّ بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نشروا كسراً على الأرض وهم يأكلون، وهو على بغلته، فسلَّم عليهم، فقالوا له: هلمَّ إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏، فقال: نعم، وإن الله لا يحب المستكبرين. فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلَّم عليهم وركب وقال: قد أجبتكم فأجيبونى، قالوا: نعم. فوعدهم وقتاً معلوماً، فحضروا فقدَّم إليهم فاخر الطعام، وجلس يأكل معهم.
• ليس من السنة إجابة من يستثقل الإطعام، وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا، لما رواه ابن عباس، أن النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ {نهي عن طعام المُتَبَارِيْنَ} ، والمتبارين أى المتعرّضان بفعلهما للمباهاة والرياء .
• أن لا يفرق فى الإجابة بين بعيد المسافة وقريبها، فإن وجِّهت إليه دعوتان أجاب السابقة منهما، واعتذر للآخر، إلا إذا جاءتا فى وقت واحد فيجيب أقربهما إليه لحق الجوار إن كانا سواء، وإلا بدأ بالأقرب لحق القرابة.
• أن لايمتنع لكونه صائماً، بل يحضر فإن كان صاحبه يسرّ بأكله أفطر، وليحتسب فى إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب فى الصوم وأفضل، وذلك فى صوم التطوع، وإلا دعا لهم بخير لقول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصِلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ }
• وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ لمن امتنع بعذر الصوم: { تَكَلَّفَ لَك أَخُوك وَصَنَعَ ثُمَّ تَقُولُ إنِّي صَائِمٌ، كُلْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ } .
• أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة، أو يقام فى الموضع منكر كشرب الخمر أو أغانى خليعة أو رقص، أو استماع للغيبة والنميمة والزور والبهتان والكذب - فكل ذلك مما يمنع الإجابة واستحبابها - أو مبتدعاً أو فاسقاً أو شريراً، أو متكلِّفاً طلباً للمباهاة والفخر.
• أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن، فيكون عاملاً فى أبواب الدنيا، بل يحسِّن نيَّته، ليصير بالإجابة عاملاً للآخرة. وذلك بأن تكون نيته الاقتداء بسنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فى قوله: {لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ} ، والحذر من معصية الله لقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ}
وينوى إكرام أخيه المؤمن، وإدخال السرور على قلبه، امتثالاً لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{مَنْ أَكْرَمَ أَخَاهُ فَإِنَّمَا يُكْرِمُ اللَّهَ} .
ثالثا : آداب حضور الدعوة
وينبغى على المدعو آداباً جمَّة نشير إلى بعضها:
• ألا يتأخر كثيراً عن الميعاد المحدد فيطول انتظارهم ويصيبهم القلق، وكذلك لا يتعجّل الحضور فيفاجئهم قبل الاستعداد، وأن ينصرف عقب الطعام لقوله عزَّ وجلَّ:
﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ (53الأحزاب)
ولأن أهل الدعوة يكونوا متعبين فيحتاجون للراحة .
• أن لا يصحب معه أحداً إلا إذا كان مدعواً، أو علم فرح صاحب الدعوة بحضوره معه.
• أن لا يبتدىء بالطعام ومعه من يستحق التقديم، بكبر سنٍّ أو زيادة فضل، إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به، فحينئذ ينبغى أن لا يطول عليهم الإنتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له.
• إذا دخل فلا يتصدر المجلس بل يتواضع فى المجلس، إذا أشار إليه صاحب المكان بالجلوس فى مكان جلس فيه ولا يفارقه، قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ إِنَّ مِنَ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى الرضَا بِالدُّونِ مِنْ شَرَفِ الْمَجَالِسِ } .
• لا ينبغى أن يجلس فى مقابلة باب الحجرة الذى للنساء وسترهم، ولا يكثر النظر إلى الموضع الذى يخرج منه الطعام، فإنه دليل على الشَّره.
• أن لا يحوج صاحب الطعام إلى أن يقول له كُلْ، فقد قال جعفر بن محمد رضى الله عنهما: (أحب إخوانى أكثرهم أكلاً، وأعظمهم لقمة، أثقلهم علىَّ من يحوجنى إلى تعهده فى الأكل).
• أن لا يبادر إلى رفع يده من الطعام قبل أن يرفع الآخرين حتى لا يخجلهم.
• أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون، بل يغض بصره عنهم ويشتغل بنفسه.
• ألاّ يفعل ما يستقذره غيره؛ كنفض يده فى الإناء، أو يقدّم إليه رأسه عند وضع اللقمة فى فيه، وإذا أخرج شيئاً من فيه صرف وجهه عن الطعام، ولا يتكلم بما تتقزّز منه النفوس أو تستقذره.
• إذا دخل فرأى منكراً غيَّره إن قدر، وإلا أنكر بلسانه وانصرف.
• أن ينصرف الضيف طيَّب النفس، وإن جرى فى حقه تقصير، فذلك من حسن الخلق والتواضع، قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ} .
• إذا نزل ضيفاً على أحد فلا يزيدنَّ على ثلاثة أيام إلا أن يلحّ عليه مضيفه فى الإقامة أكثر، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {الضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا زَادَ فَصَدَقَةٌ} ، ولا ينصرف إلا بعد استئذان صاحب المنزل.
• أن لا يعيب المسلم الطعام الذى قدّم إليه فإذا اشتهاه أكله وإن لم تقبله نفسه تركه لغيره، وإن رأى فيه عيباً لم يتكلم به ولو بعد ذلك، فقد روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضِي الله عنه قال: {مَا عَابَ رَسُولُ اللّهِ طَعَاماً قَطُّ. كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئاً أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ} .
• ولا بأس أن يقول المسلم لأخيه: هذا الطعام لا أشتهيه ولا أرغب فيه، أو لا يريحنى ونحو ذلك من الكلام الذى لا يحمل محمل الذّم له، وذلك لما رواه البخارى ومسلم فى صحيحهما: عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: {أُتِىَ النَّبِىُّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ بِضَبٍّ مَشْوِىٍّ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ضَبٌّ، فَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِى، فَأَجِدُنِى أَعَافُهُ } .
• يستحب أن يدعو الضيف لأهل البيت بالخير والبركة، فقد روى أبو داود عن جابر رَضِي الله عنه قال: {صَنَعَ أبُو الْهَيْثَمِ بنُ التَّيِّهَانِ لِلنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ طَعَاماً، فَدَعَا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏‏ وَأصْحَابَهُ، فَلمَّا فَرَغُوا قال: أثِيبُوا أخَاكُمُ. قالُوا: يَارَسُولَ الله وَمَا إثابَتُهُ؟ قال: إنّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فأَكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إثَابَتُهُ}.
رابعا : آداب صاحب الطعام
يستحب لصاحب الطعام آدابا كثيرة منها :
 ترك التكلف، وذلك يعنى أن لا يستقرض لأجل ذلك، فيشوّش على نفسه، بل يقدّم ما حضر عنده فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {لَا تتَكَلَّفُوا لِلضَّيْفِ فَتُبْغِضُوهُ; فَإِنَّهُ مَنْ أَبْغَضَ الضَّيْفَ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ, وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ أَبْغَضَهُ اللَّهُ} . ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده، فيجحف بعياله ويؤذى قلوبهم، بل لابد أن يدخر لهم شيئا حتى يحبُّون الضيفان ولا يبغضونهم، ولا تضيق صدورهم، وتنطلق فى الضيفان ألسنتهم .
 أن يهشَّ ويبشَّ للضيف ويحسن استقباله، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ} ، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {إِذَا جَاءَكُمُ الزَّائِرُ فَأَكْرِمُوهُ} .
 أن يشهّى المزور أخاه الزائر، ويلتمس منه الاقتراح، مهما كانت نفسه طيبة بفعل ما يقترح. فذلك حسن، وفيه أجر وفضل جزيل فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{ مَنْ صَادَفَ مِنْ أَخِيهِ شَهْوَةً غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ سَرَّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ تَعَالَى } .
 أن لا يقول له هل أقدّم لك الطعام؟ بل ينبغى أن يقدّم الطعام ويدعوه إليه، فذا من أدب الكرام.
 يعجِّل إحضار الطعام ؛ لأن ذلك من إكرام الضيف، وقد قال حاتم الأصم رَضِي الله عنه: العجلة من الشيطان إلا فى خمسة فإنها من سنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: (إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنوب).
 يستحب لصاحب الطعام:
- أن يباسط الإخوان بالحديث الطيب وحكايات الصالحين.
- ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب.
- ومع الفقراء بالإيثار.
- ومع الإخوان بالانبساط.
- ومع العلماء بالتعليم والاتباع:
قال الإمام أحمد: (يأكل بالسرور مع الإخوان، وبالإيثار مع الفقراء، وبالمروءة مع أبناء الدنيا) .
 أن يقدّم لضيفه قدر الكفاية، إذ التقليل نقص فى المروءة، والزيادة تصنّع ومراءاة، وكلا الأمرين مذموم، إلا إن قدَّم الكثير، وهو طيِّب النفس، أو نوى أن يتبرّك بفضلة طعامهم، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {ثلاثة لا يحاسب العبد عليها : أكلة السحور، وما أفطر عليه، وما أكل مع الإخوان} .
 أن لايبادر إلى رفع الطعام قبل أن ترفع الأيدى عنه، ويتم فراغ الجميع من الأكل، وكذا لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم، فإنهم يستحيون، بل ينبغى أن يكون آخرهم أكلاً.
 إذا دخل ضيف للمبيت، فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول القبلة وموضع الوضوء، وكذلك يستحب أن يكون عنده فراش للضيف النازل، لقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏‏: {فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لاِمْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ} .
 أن يشيّع الضيف إلى باب الدار وهو سنّة، وذلك من إكرام الضيف قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{إِنَّ مِنْ سُنَّةِ الضَّيْفِ أَنْ يُشَيَّعَ إلى بَابِ الدَّارِ} .
وقال أبو قتاده:
{ قدم وفد النجاشى على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏‏ فقام يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يارسول الله، فقال: كَلاّ، إِنَّهُمْ كَانُوا لأَصْحابِـي مُكْرِمِينَ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُكَافِئَهُمْ} .
خامسا : الموائد المسنونة
سَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ صنع الطعام والدعوة إليه فى عدة مناسبات، وذلك ليتحلى المؤمن بصفة الكرم التى يحبها الله عزَّ وجلَّ‏، وتوسعة على الفقراء والمساكين، وزيادة للمودة والمحبة بين المؤمنين، ومواساة للمحزونين، وأبرز هذه المناسبات ما يلى:
 وليمة العرس أو النكاح: وهى مستحبة لما رواه أنس رَضِي الله عنه قال: {أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏‏ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏‏ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا»، قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»} . والهدف منها إضفاء البركة على هذا النكاح والشكر لله على نعمة الزواج.
 العقيقة : وتستحب فى اليوم السابع من الولادة فيقوم والد الطفل أو من يسدّ مسدّه - بذبح شاة، ويطعم من لحمها الفقراء والمساكين والجيران وغيرهم لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {كُلُّ غُلاَمٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى} ، والذبيحة عن الولد فيها معنى القربان والشكران والصدقة وإظهار الشكر لله على هذه النعمة، ويجوز تأخيرها عن اليوم السابع ... هذا ولا يجزىء فى العقيقة إلا ما يجزىء فى الأضحية، والمستحب أن يفصل أعضاءها ولا يكسر عظمها لما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: {السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ عَنِ الغُلاَمِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ، تُطْبَخُ جُدُولاً، وَلاَ يُكْسَرُ عَظْمٌ، وَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ، وَيَتَصَدَّقُ} وذلك تفاؤلا بسلامة أعضاء المولود .
 يستحب أن يصنع الطعام ويحمل إلى أهل الميت، وهو من السنة لما ورد أنه لما جاء نعى جعفر بن أبى طالب قال عليه السلام: {إِنَّ آلَ جَعْفَرٍ شُغِلُوا بِمَيِّتِهِمْ عَنْ صُنْعِ طَعَامِهِمْ فَاحْمِلُوا إِلَيْهِمْ مَا يَأْكُلُونَ } .
 الحج: بعد عودته، وقد استحسن له كثيرٌ من العلماء أن يصنع طعاما للفقراء بعدما يستقر فى أهله شكراً لله عزَّ وجلَّ ‏ على هذه النعمة الكبرى والمنة العظمى، ولا مانع أن يطعم منه أهله ومعارفه.
 مائدة الإفطار فى رمضان : ويستحب للمسلم أن يصنع مائدة فى رمضان ولو مرة فى الشهر أو مرة فى العمر، يطعم منها الصائمون ليفوز بالأجر العظيم الذى أشار إليه النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فى قوله :
{مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِماً كَانَ لَهِ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، يُعْطِي اللَّهُ تَعَالَى هذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً عَلَى مُذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِماً سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لاَ يَظْمَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ} .
وبالجملة فإن المسلم كلما تفضل الله عليه بفضل فى نفسه أو ولده أو ماله أو أهله شكر الله تعالى على ذلك بإطعام الفقراء وتوزيع الصدقات عليهم وذلك لقوله عزَّ وجلَّ :
﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ (11: 17البلد)

الباب السادس: أحكام وآداب متفرقة

الباب السادس
أحكام وآداب متفرقة
يجب على المسلم أن يتحرز من كثير من البدع التى انتشرت فى هذا الزمان، مثل أن يكون للرجل طعام خاص به، وآنية خاصة به لقول السيدة عائشة رضى الله عنها:
{ إِنْ كُنْتُ لآتِي النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالإِناءِ فآخُذُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ، فَيَأْخُذُ فَيَضَعُ فَاهُ مَوْضِعَ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَإِنْ كُنْتُ لآخُذُ العَرْقَ مِنَ اللَّحْمِ فآكُلُهُ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَأْكُلُهُ}
وإذا كان له طعام خاص به فهو يأكل بشهوة نفسه، بينما المؤمن كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم:
{الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ}
وينبغى له أيضا أن يتحرّز من الأكل وحده لما ورد :
{أَلاَ أُنَبئُكَ بِشَر النَّاسِ: مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَضَرَبَ عَبْدَهُ} .
إلا أن يكون معذوراً فى ذلك بسبب حمية، أو مرض، أو صوم، أو غير ذلك من الأعذار الشرعية .
حكم استخدام آنية الذهب والفضة
يحرم على المسلم استعمال أوانى الذهب والفضة، وكذا مفارش الحرير الخالص وذلك لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم :
{الَّذي يَشْرَبُ في آنِيةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ }
وكذلك ما رواه البخارى عن حذيفة رَضِي الله عنه قال:
{ نَهَانَا النَّبِىُّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ أَنْ نَشْرَبَ فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ، وَقالَ: هِيَ لَهُمْ (أى الكفار) فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ}.
حكم الانتفاع بجلود الميتة وعظمها وشعرها
إن تحريم الميتة يعنى تحريم أكلها، أما الانتفاع بجلدها أو قرونها أو عظمها أو شعرها فلا بأس به هو أمر مطلوب، لأنه مال يمكن الاستفادة منه فلا تجوز إضاعته. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاَةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللّهِ فَقَالَ:
{هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابِهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا }
وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن الحِلَّ يشمل كل أنواع الجلد استناداً إلى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ} . فعلى هذا الحديث يعلّق الدكتور / يوسف القرضاوى فيقول: ( وهو عام يشمل كل جلد ولو كان جلد كلب أو خنزير، وبذلك قال أهل الظاهر، وحكى عن أبى يوسف صاحب أبى حنيفة، ورجّحة الشوكانى ) .
حكم السمن الذى ماتت فيه فأرة
إذا كان السمن جامداً وكذا كل ما شابهه كعسل ونحوه ووقعت فيه فأرة فماتت، طرحت وما حولها منه، إذا تحققنا أن شيئاً من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك منه، وأما إذا كان مائعاً فإنه يلقى كله، وذلك لما رواه البخاري عن مَيمونةَ أَنَّ رسولَ اللّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ سُئلَ عن فأْرةٍ سَقطتْ في سَمنٍ، فقال:
{ألْقُوها وما حَوْلَها وَكُلُوا سَمْنَكُمْ}
أكل السمك المملح
ما حكم الدين فى أكل السمك المملح كالسردين، والفسيخ، والرنجة، والملوحة، وغيرها؟
كل هذه الأنواع طاهرة، ويحلُّ أكلها ما لم يكن فيه ضرر فإنه يحرم لضرره بالصحة حينئذ، وقد نقل الشيخ/ السيد سابق عن الشيخ/ الدرديرى (وهو من شيوخ المالكية ) قوله: [ الذى أدين الله به أن الفسيخ طاهر لأنه لا يملح ولا يرضخ إلا بعد الموت، والدم المسفوح لا يحكم بنجاسته إلا بعد خروجه، وبعد موت السمك إن وجد فيه دم يكون كالباقى فى العروق بعد الذكاة الشرعية، فالرطوبات الخارجية منه بعد ذلك طاهرة لا شك في ذلك] . وعقّب الشيخ/ السيد سابق على ذلك قائلاً: إلى مذهب الأحناف والحنابلة وبعض علماء المالكية.
اللحوم المستوردة
ما حكم أكل اللحوم المستوردة والمعلبات؟
اللحوم المستوردة من خارج البلاد الإسلامية، إذا كانت من بلاد أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فهى حلال لقول الله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ (5المائدة) ، وذلك بشرطين:
أن تكون من اللحوم التى أحلها الله، وأن تكون قد ذبحت ذبحاً شرعياً. فإن لم يتوفر فيها هذان الشرطان بأن كان من اللحوم المحرمة - مثل الخنزير - أو كانت ذكاتها غير شرعية فإنها فى هذه الحالة تكون محظورة لا يحل أكلها، أما الدول الكافرة فلا يحل أكل لحومها إلا إذا تولَّى ذلك جماعة من المسلمين.
طعام اليهود والنصارى
ويجدر بنا أن نشير إلى أن قول: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ﴾ (5المائدة) كلمة عامة تشمل كل طعام لهم: ذبائحهم وحبوبهم وغيرها، فكل ذلك حلال لنا، ما لم يكن محرَّما لعينه، كالميتة والدم والمسفوح ولحم الخنزير، فهذه لا يجوز أكلها بالإجماع، سواء أكانت طعام كتابى أو مسلم.
وقد ذهب الدكتور/ يوسف القرضاوى إلى قاعدة عظيمة فى هذا الأمر فقال: ( قاعدة: ما غاب عنا لا نسأل عنه، وليس على المسلم أن يسأل عما غاب عنه: كيف كانت تذكيته؟ وهل استوفت الشروط أم لا؟ ، وهل ذكر اسم الله على الذبيحة أم لم يذكر؟، بل كل ما غاب عنّا مما ذكّاه مسلم - ولو جاهلاً أو فاسقاً - أو كتابى فحلال أكله.
وقد ذكر من قبل حديث البخارى عن عائشة رضى الله عنها: أن قوما سألوا النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فقالوا:
{إِنَّ قوماً يَأتونَنا باللحمِ لا نَدْري أذَكَروا اسمَ الله عليهِ أم لا؟ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: سَمُّوا الله عليهِ وكُلوهُ}.
وقال العلماء فى هذا الحديث : (هذا دليل على أن الأفعال والتصرفات تحمل على حال الصحة والسلامة، حتى يقوم دليل على الفساد والبطلان) .
حكم المضطر
للمضطر أن يأكل من الميتة ولحم الخنزير وما لا يحلّ من الحيوانات التى لا تؤكل وغيرها مما حرّمه الله، محافظة على الحياة وصيانة للنفس من الموت، والمقصود بالإباحة هنا وجوب الأكل لقوله تعالى:
﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ (29النساء)
وحدُّ الضرورة أن يبقى يوماً وليلة لا يجد فيهما ما يأكل أو يشرب، ولو كان مملوكاً للغير. فإن كان مضطراً ووجد طعاماً مملوكاً للغير فله أن يأكل منه ولو لم يأذن صاحبه به.
غير أن المضطر لا يتناول من الميتة إلا القدر الذى يحفظ به حياته ويقيم أوده.
أكل الحيات والأفاعى والحشرات
يحكى صاحب الفقه الواضح عن مالك وابن أبى ليلى والأوزاعى جواز أكل الحيات والأفاعى والعقارب والفأر والقنفد والضفدع إذا ذكِّيت، وحجتهم فى ذلك قول ابن عباس وأبى الدرداء:
{ مَا أحَلَّ فَهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ. وقالت عائشة فى الفأرة: ما هى بحرام، وقرأت: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ (145الأنعام)) .
وإن كان الشافعى وأبو حنيفة وابن شهاب وعروة من علماء المدينة لا يجيزون أكل كل شىء من خشاش الأرض وهوامّها مثل الحيّات والأوزاغ والفأر وما أشبهه، وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله ولا تعمل الذكاة عندهم فيه}، ويستندون إلى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَواسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: العَقْرَبُ وَالحِدَأَةُ وَالغُرَابُ وَالفَأْرَةُ وَالكَلْبُ العَقُورُ} .
أكل الطيور
ما أنواع الطيور التى يحلّ أكلها؟ والتى لا يحل أكلها؟
الطيور التى يجوز أكلها كثيرة: كالحمام والدجاج والبط والأوز والسمان والقنبر والزرزور والقطا والكركى والكروان والبلبل، وما إلى ذلك. ويحرم أكل كل ذى ظفر يصطاد به، كالصقر والنسر والعقاب والباز والشاهين ونحو ذلك، وذلك لما روى عن ابن عباس قال:
{ نَهَى رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ عنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَعنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ} .
المحلل والمحرم من البهائم
يجوز أكل جميع أنواع البهائم كالإبل والبقر والجواميس والضأن والماعز، والظبى وبقر الوحش والأرنب، وما إلى ذلك كالحمر الوحشية وغيرها.
ويحرم أكل كل ذى ناب يسطو به على غيره من سباع البهائم؛ كالأسد والنمر والذئب والدب والفيل والفهد والنمس والكلب والهر (القط)، وذلك لما يرويه مالك فى الموطّأ عن أبى هريرة عن النبى صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{أَكْلُ كُلِّ ذي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ} .
وكذلك يحرم أكل الحمر الأهلية والبغال لما ورد عن جابر رَضِي الله عنه قال:
{فَنَهَانَا رسولُ الله يومَ خَيْبَرَ عن البغالِ والحميرِ،
ولم يَنْهَنَا عن الخيلِ}
حكم الجلاّلة
والجلاّلة هى التى تأكل العذرة، من الإبل والبقر والغنم والدجاج والأوز وغيره حتى يتغير ريحها، وقد ورد النهى عن ركوبها، وأكل لحمها وشرب لبنها، وتناول بيضها إذا تغيّر ريحها، لما ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال:
{نَهَى رسولُ الله عن الجَلاَّلَةِ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا ويُشْرَبَ لَبَنُهَا، ولا يُحْمَلَ عَلَيْهَا}، وفى رواية: { نهى عن ركوب الجلاّلة }
وذلك إلا حبست بعيدة عن العذرة وعلفت طاهراً فطاب لحمها، وتزول الكراهة بحبسها أربعين يوماً في الإبل، وثلاثين يوماً فى البقر، وسبع فى الشّياه، وثلاثة فى الدجاج.
حكم الأكل والشرب ماشيا وقائما
يباح للمسلم أن يأكل ويشرب قاعداً وقائماً وماشياً، ويكره له أن يأكل متكأ أو مضجعا أو مستلقيا على ظهره أو على بطنه، إلا إذا كان مضطراً إلى ذلك كأن يكون مريضاً أو نحوه وذلك لما ورد فى الصحيحين من حديث ابن عباس رضى الله عنهما:
{أَنَّ النَّبِيَّ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ، مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ}
وفى البخارى عن علىٍّ كرَّم الله وجهه أنه: { ثُمَّ أُتِىَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهْوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ النَّبِىَّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ}
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
{ رأيْتُ رَسولَ الله يَشْرَبُ قَائِماً وقاعداً }
وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال :
{ كُنَّا نَأَكُلُ على عَهْدِ رَسُولِ الله وَنَحْنُ نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ }
شروط الذكاة الشرعية
والذبح لكى يكون صحيحاً لابد أن تتوفر فيه الشروط الآتية:
1. أن يذبح الحيوان أو الطـائر بـآلة حـادة مما ينهر الدم ويقطع الأوداج ولو كان حجراً أو خشبا.
2. أن يكون فى الحلق واللّبة (النحر)، وأكمل الذبح أن يقطع (الحلقوم والمرىء)،ـ وهو مجرى الطعام والشراب من الحلق،ـ والودجان وهما عرقان غليظان فى جانبى ثغرة النحر.
3. ألا يذكر عليها اسم غير اسم الله لقوله تعالى:
﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ (121الانعام)
4- أن يذكر اسم الله على الذبيحة لقوله تعالى:
﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ (118الانعام)
ويجوز الذبح بعد ذلك متى تحققت هذه الشروط:
- من الرجل والمرأة حتى لو كانت حائضاً.
- ومن المسلم والكتابى مادام الذابح عاقلا.
والذى يفقد أهلية الذبح هو:
- السكران أو المجنون أو الصبى غير المميز.
- فضلا عن المشرك من عبدة الأوثان .
- والزنديق والمرتد عن الإسلام
ضرورات فى التذكية
ويجوز إنهار الدم من أى موضع إذا تعذر الذبح لعذر ضرورى كأن يتردّى الحيوان فى بئر من جهة رأسه أو يندّ ويتمرد على طبيعته المستأنسة فهنا يعامل معاملة الصيد، ويكفى أن يجرح بمحدد فى أى موضع مستطاع منه . وكذلك إذا خرج الجنين من بطن أمه وفيه حياة مستقرة وجب أن يذكى .
فإن ذكّيت أمه وهو فى بطنها فذكاته ذكاة أمه إن خرج ميتا أو به رمق لقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فى الجنين عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قالَ:
{قُلْنَا: يا رسولَ الله أَحَدُنَا يَنْحَرُ الناقةَ ويَذْبَحُ البَقَرَةَ والشاةَ، وفي بَطْنِهَا الجنينُ، أَيُلْقِيهِ أَمْ يَأْكُلُهُ، فقالَ: «كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ}
وكذلك إذا ذبح الحيوان وفيه حياة أثناء الذبح ـ بحركة اليد أو الرجل أو الذنب ـ حلّ أكله ولو لم تكن هذه الحياة مستقرة يعيش الحيوان بمثلها .
آداب التذكية
 يستحب حد الشفرة قبل الذبح بعيدا عن الحيوان الذى يراد ذبحه لئلا يتألم من النظر إليها .
 يستحب أن تذبح الشاة أو الطائر أو غيرها بعيداً عن الأخرى حتى لا تنزعج بما تراه، رفقاً بها.
 يستحب أن يساق الحيوان إلى المذبح برفق، ويضجع برفق، ويعرض عليه الماء قبل الذبح، ونحو ذلك مما يريح الحيوان، ويسكّن روعه.
 يستحب أن تنحر الإبل معقولة وهى قائمة، والنحر قطع العرق أسفل العنق. ويستحب فى البقر والغنم الذبح وهى مضجعة لا قائمة.
 يستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة، كما يستحب أن يتوجه الذابح بوجهه إلى القبلة.
 يستحب أن لا يكسر عنق الحيوان أثناء الذبح، وألا يسلخ جلدها قبل أن تبرد.
مكروهات التذكية
 يكره فى التذكية ترك سنة من السنن المتقدمة.
 يكره فى الذبح أو النحر فصل رأس الحيوان عن جسمه كراهة شديدة، وإنما يفصل الرأس بعد أن تسكن حركة الحيوان تماماً.
 يكره جدا الذبح من القفا، إلا فى حال الضرورة .
تجنب لعاب الكلب
روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ قال:
{طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ} .
وقد برهنت كشوف عصرنا على صدق ما دلّنا عليه هذا الحديث فقد قال الدكتور / محمد سعيد السيوطى: فى كتابه (معجزات فى الطب) ص 93:
( وفى ذلك إشارة إلى أن جرثومة داء الكلب لا تستأصل إلا بالترابة المسماة Humus والتى هى أحد عناصر البنسلين، وكان عليه السلام يدوى الجراحات بالريق، وكشف الطب الحديث أن ريق الإنسان يحوى من الفيتامينات نحو مائة ضعف ما يوجد فى غيره ).
- ولذلك فيجب عدم مداعبة الكلاب، وتعويد الأطفال التوقى منها فلا تترك تلعق أيديهم.
- ولا يجوز إبقاء الكلاب بمحال نزهة الأطفال وميادين رياضتهم.
- ويجب ألا تطعم الكلاب فى الأوانى المعدّة لأكل الناس.
- وأن لا يسمح لها بدخول متاجر المأكولات والأسواق العامة أو المطاعم .
- وعلى وجه عام يجب إبعادها عن كل ما له صلة بمآكل الإنسان ومشربه لحماية الإنسان من الديدان الشريطية التى ثبت أن جميع أجناس الكلاب حتى أصغرها حجما لا تسلم من الإصابة بها.

الباب السابع: الورع

الباب السابع
الورع
فضل المطعم الحلال
لعل الكثير من الناس يسأل عن سرّ عناية الإسلام البالغة بتحرّى الحلال فى المطعم والمشرب والملبس وغيره حتى جعل الإسلام هذا العمل فريضة وذلك فى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{طَلَبُ الْحَلاَلِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ} .
فنجيبه بأن ذلك يرجع إلى أن أساس قبول الأعمال عند الله يرجع فى المقام الأول إلى اللقمة الحلال ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{إِنَّ لله مَلَكاً عَلَى بَـيْتِ المَقْدِسِ يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ: مَنْ أَكَلَ حَرَاماً لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ}
فقيل الصرف النفلة، والعدل الفريضة . وقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{مَنْ اشْتَرَى ثَوْباً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وفِيهِ دِرْهَمٌ مِنْ حَرَامٍ لَمْ يُقْبَلِ الله عزَّ وجلَّ ‏ لَهُ صلاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ}
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{أَيُّمَا لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلى بِهِ}
وكذلك لأن لقمة الحرام تطفىء نور القلب، فقد قيل: (من أكل الشبهة أربعين يوما أظلم قلبه)، وهو تأويل قوله تعالى :
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (14المطففين)
وأعراض ذلك: الإعراض عن ذكر الله عزَّ وجلَّ ‏، والتصامم عند سماع آيات كتاب الله، والتكاسل عند القيام للصلاة، والتباعد عن مجالس العلم النافع، والتثاقل عند القيام بأى عمل من أعمال البر، وفى ذلك يقول سهل رضِي الله عنه: (من أكل الحرام عصت جوارحه، شاء أم أبى، علم أو لم يعلم، ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه، ووفقت للخيرات)، ولذلك قال ابن عباس رضى الله عنهما: (لا يقبل الله صلاة امرىء فى جوفه حرام)، وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: (لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز).
أساس العبادة الورع
وأما من أراد الإقبال على الله، والفتح من الله، والمداومة على طاعة الله فلن يصل إلى ذلك إلا بالورع عماّ حرّمه الله ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{العِبَادَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ: تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي طَلَبِ الحَلاَلِ}
وقال أيضاً:
{خَيْرُ دِينِكُمُ الْورَعُ}
وحذّر من الذى لا يتحرّى الحلال فى جمع ماله، ويدّعى أنه يذكّيه بالإنفاق منه فى وجوه الخير، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم:
{مَنْ أَصَابَ مَالاً مِنْ مَأْثَمٍ فَوَصَلَ بِهِ رَحِماً أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جُمِعَ ذلِكَ جَمِيعاً ثُمَّ قُذِفَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ}
وقال أيضاً:
{مَنِ اكْتَسَبَ مَالاً مِنْ حَرَامٍ فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ وَرَاءَهُ كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ}
ولذلك ورد أن الصديق رَضِي الله عنه شرب لبناً من كسب عبده، ثم سأل عبده، فقال: تكهنت لقوم فأعطونى، فأدخل أصابعه فى فيه وجعل يقىء حتى ظننت أن نفسه ستخرج، ثم قال: (اللهم إنى أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء)، ولما أخبر صلَّى الله عليه وسلَّم‏ بذلك قال:
{ أَوَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الصِّدِّيقَ لاَ يَدْخُلُ جَوْفَهُ إِلاَّ طَيِّباً؟}
وكذلك شرب عمر رَضِي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطاً فأدخل إصبعه وتقيّأ.
هذه العبادة التى يغفل عنها أكثر الناس، وقد نبّهت إليها السيدة عائشة رضى الله عنها فقالت: (إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة وهو الورع). وأشار إلى ذلك إبراهيم بن أدهم فقال: (ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه). وقال فى ذلك سهل التسترى أيضاً: (من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا حلالاً، ولا يعمل إلا فى سنة أو ضرورة).
وقد روى أن بعض الصالحين دفع طعاماً إلى بعض الأبدال فلم يأكل، فسأله عن ذلك فقال: (نحن لا نأكل إلا حلالاً، فلذلك تستقيم قلوبنا، ويدوم حالنا، ونكاشف الملكوت، ونشاهد الآخرة، ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام، لما رجعنا إلى شىء من علم اليقين، ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا). فقال له الرجل :فإنى أصوم الدهر وأختم القرآن فى كل شهر ثلاثين مرة . فقال له البدل : (هذه الشّربة التى رأيتنى شربتها من الليل، أحب إلىَّ من ثلاثين ختمة فى ثلثمائة ركعة من أعمالك). وكانت شربته من لبن ظبية وحشية.
منزلة الورع
لما كان الورع هو ترك الشبهات، فقد ظهرت منزلته بين العباداست الإسلامية، فإذا كان المطعم الحلال وترك الشبهات هو أساس قبول العبادات واستجابة الدعوات؛ فإن الورع وترك الشبهات هو أساس الترقى فى الدرجات الإيمانية، والمنازلات الإحسانية وهذا ما يشير إليه الحديث النبوى الشريف :
{كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ}
والحديث الآخر الذى يقول:
{لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ، حَذَراً لِمَا بِهِ الْبَأْسُ}
ولهذا نجد أن سلفنا الصالح رَضِي الله عنهم اهتموا بالورع غاية الاهتمام حتى قال الإمام أبو بكر الصديق رَضِي الله عنه:
{كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع فى باب من الحرام}
وقد أسّسوا ورعهم بالإضافة إلى ما سبق على قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ (51المؤمنون)
حيث رتّب الله عزَّ وجلَّ ‏ العمل الصالح على أكل الطيبات (الحلال) وقوله سبحانه وتعالى :
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ ﴾ (109التوبة)
واستعانوا على ذلك بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: {دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إلى مَا لاَ يَرِيْبُكَ} ، وقد توسّعوا فى هذا المجال حتى أنهم أدخلوا الورع فى كل شىء ولم يقصروه على التورّع فى المطعم فقط. فهناك ورع فى المنطق، وورع فى المناصب والرياسة، وورع فى حركات الظواهر، وورع فى خواطر السرائر، وأسّسوا ذلك على قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ}
صورمن ورع السلف الصالح
وقد بلغ سلفنا الصالح رَضِي الله عنهم فى الورع مبلغاً عظيماً قلّ أن يجود الزمان بمثله، حتى جعلوه الأساس الذى يصلح الدِّين، فقد دخل الحسن البصرى مكة فرأى غلاماً من أولاد على بن أبى طالب رَضِي الله عنه قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس، فوقف عليه الحسن وسأله: ما ملاك الدين؟، فقال: الورع. قال: فما آفة الدين؟ فقال: الطمع. فتعجب الحسن منه وقال: (مثقال ذرة من الورع السالم خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة) .
وكان إمامهم فى ذلك سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ فقد روى أبوهريرة رَضِي الله عنه:
{أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم‏: «كخ كخ، ارْمِ بِها. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟ }
أى ألقها. وكذلك ما روى عنه صلَّى الله عليه وسلَّم‏ أنه أرق ليلة فقال له بعض نسائه: أرقت يا رسول الله؟ فقال:
{ إنِّي وَجَدْتُ تحتَ جَنْبِي تَمْرَةً أكَلْتُهَا، وكانَ عِنْدَنا تَمرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ منْهُ }
وأيضا ما روى عن الخلفاء الراشدين، ومن ذلك أن عمر رَضِي الله عنه وصله مسك من البحرين فقال: وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة: أنا أجيد الوزن. فسكت عنها، ثم أعاد القول فأعادت الجواب، فقال: (لا أحببت أن تضعيه بكفة، ثم تقولين فيها أثر الغبار، فتمسحين بها عنقك، فأصيب بذلك فضلاً على المسلمين) .
وكان يوزن بين يدى عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين، فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة، وقال : (وهل ينتفع منه إلا بريحه؟).
أما ما ورد عن السلف الصالح فى ذلك فشىء كثير جداً لا نستطيع ذكره كله، ولكن نكتفى ببعض النماذج المضيئة فى هذا المجال:
فمن ذلك أن أخت بشر الحافى ذهبت إلى أحمد بن حنبل وقالت: إن نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاغل الظاهرية ويقع الشعاع علينا أفيجوز لنا الغزل فى شعاعها؟ فقال أحمد: من أنت عفاك الله تعالى؟ فقالت: أخت بشر الحافى، فبكى أحمد وقال: (من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلى فى شعاعها).
ومن ذلك أن ابن المبارك رجع من مرو إلى الشام فى قلم استعارة فلم يرده على صاحبه.
ومن ذلك أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رهن سطلاً له عند بقال بمكة، فلما أراد فكاكه أخرج البقال إليه سطلين وقال: خذ أيهما لك. فقال أحمد: أشكل على سطلى فهو لك والدراهم لك، فقال البقال: سطلك هذا وأنا أردت أن أجربك. فقال: لا آخذه، ومضى وترك السطل عنده.
ومن ذلك أن ابن سيرين اشترى أربعين حباً سمنا، فأخرج غلامه فأرة من حبّ، فسأله من أى حب أخرجتها؟ فقال: لا أدرى. فصبّها كلها .
ومن أعجب ما روى فى ذلك أن أبا يزيد البسطامى رَضِي الله عنه اشترى بهمذان حب القرطم ففضل منه شىء، فلما رجع إلى بسطام رأى فيه نملتين فرجع إلى همذان فوضع النملتين.
ويحكى أن أبا حنيفة كان لايجلس فى ظل شجرة غريمه: ويقول: فى الخبر - كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، وقيل إن أبا يزيد غسل ثوبه فى الصحراء مع صاحب له، فقال صاحبه: تعلق الثوب فى جدار الكرم (الحديقة)؟، فقال: لا، لا تغرز الوتد فى جدار الناس. فقال: نعلقه فى الشجر، فقال: لا، إنه يكسر الأغصان. فقال : نبسطه على الاذخر (الحشائش)، فقال: لا، إنه علف الدواب لا نستره عنها. فولَّى ظهره إلى الشمس والقميص على ظهره حتى جفّ جانب، ثم قلبه حتى جفّ الآخر.
آثار ترك الورع
يؤدى عدم الاهتمام بدقيق الورع إلى فقدان حلاوة الطاعة فى القلب كما روى عن أبى بكر الدقاق قال: تهت فى تيه بنى إسرائيل خمسة عشر يوماً، فلما وافيت الطريق استقبلنى جندى فسقانى شربة من ماء فعادت قسوتها على قلبى ثلاثين سنة. وقيل أيضا خاطت رابعة شقا فى قميصها فى ضوء شعلة سلطان ففقدت قلبها زمانا حتى تذكرت فشقّت قميصها فوجدت قلبها .
كما قد يؤدى إلى أكل الشبهات والإكثار من الطعام وذلك يؤدى إلى قساوة القلب، وجفاء الطبع، قال سهل بن عبد الله رَضِي الله عنه: (من لم يصحبه الورع أكل رأس الفيل ولم يشبع).
وقيل فى شدة ورع بشر الحافى رَضِي الله عنه: "أنه دعى إلى دعوة فوضع بين يديه طعام فجهد أن يمد يده إليه فلم تمتد، ففعل ذلك ثلاث مرات، فقال رجل يعرف ذلك منه: إن يده لا تمتد إلى طعام فيه شبهة، ما كان أغنى صاحب الدعوة أن يدعو هذا الشيخ؟".
والأخطر من ذلك أن ترك دقيق الورع بالنسبة لأهل المقامات قد يعرضهم للنزول من الدرجة التى وصلوا إليها لأنهم يأخذون أنفسهم بالشدة فى معاملتهم لها، وذلك من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن ذلك ما روى عن إبراهيم بن أدهم قال: "بت ليلة تحت الصخرة ببيت المقدس فلما كان بعض الليل نزل ملكان فقال أحدهما لصاحبه : مَنْ ههنا؟ فقال الآخر: إبراهيم بن أدهم، فقال :ذاك الذى حطّ الله درجة من درجاته!!، فقال: لم؟، قال: لأنه اشترى بالبصرة التمر فوقعت تمرة على تمره من تمر البقال، فلم يردّها على صاحبها. قال إبراهيم: فمضيت إلى البصرة واشتريت التمر من ذلك الرجل وأوقعت تمرة على تمره ورجعت إلى بيت المقدس، وبت فى الصخرة فلما كان بعض الليل إذا أنا بملكين نزلا من السماء، فقال أحدهما للآخر: من ههنا؟ فقال الآخر: إبراهيم بن أدهم. فقال: ذاك الذى ردَّ الله مكانته، ورفعت درجته. قال: نعم .
مكانة الورع فى الدار الآخرة
أما منزلة الورع فى الدار الأخرة فقد ورد فيها كثير من منامات ومكاشفات الصالحين، فمن ذلك: أن سفيان الثورى رؤى فى المنام بعد موته وله جناحان يطير بهما فى الجنة من شجرة إلى شجرة، فقيل له: بم نلت هذا ؟ فقال: بالورع.
وكان حسّان بن أبى سنان لا ينام مضطجعاً، ولا يأكل سميناً، ولا يشرب ماءً بارداً ستين سنة، فرؤى فى المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: خيراً إلا أنى محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردّها.
وكان لعبد الواحد بن زيد غلام خدمه سنين وتعبّد أربعين سنة، وكان ابتداء أمره كيّالا فلما مات رؤى فى المنام فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: خيراً، غير أنى محبوس عن الجنة، وقد أخرج على من غبار القفيز (المكيال) أربعين قفيزاً.
ومرَّ عيسى بن مريم عليه السلام بمقبرة، فنادى رجلاً منها فأحياه الله تعالى فقال: من أنت؟ فقال: كنت حمَّالا أنقل للناس فنقلت يوماً لإنسان حطباً فكسرت منه خلالا تخلّلت به فأنا مطالب به منذ وقت.
وهكذا يتضح لنا المنزلة الدقيقة للورع بين العبادات الإسلامية حتى نحرص على مراعاته فى كل أحوالنا ؛ بل ولا نحيد عنه فى كل أنفاسنا، ولا تعبأ بوعورة الطريق مع قلة السالكين، ولا تغتر بظاهر الشهوات مع كثرة الهالكين، فقد قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾ (24)
درجات الورع
للورع أربع درجات:
الدرجة الأولى :
ترك المحرّمات واجتناب المعاصى والمخالفات، والتى بارتكابها يقع المرء فى الفسوق والعصيان، ويسسها يستوجب عذاب النار، وتسقط عدالته، وتزول مروءته، والمحرّمات هى كل ما حرّمته الشريعة المطهرة، ويعاقب الله عزَّ وجلَّ ‏ على فعله، وتحاسب الشريعة على عمله . وهو ورع العدول من المؤمنين .
الدرجة الثانية :
اجتناب الشبهات: وهى الأمور المشتبه فيها، والتى لم يظهر أمرها واضحا مثل الحلال البيّن الذى حكم الدين بحلّه، ولا مثل الحرام البيّن الذى حكم الشرع بحرمته، فهى تقع بين الحلال والحرام، وتخفى على كثير من المسلمين وإليها الإشارة بالحديث الشريف:
{الحلالُ بيّنٌ والحرامُ بيّنٌ وبينَهُمَا مشتَبِهاتٌ لا يعلَمُهَا كثيرٌ منَ الناسِ، فمنِ اتَّقَى الشبهاتِ استبرأَ لعرضِهِ ودينِهِ، ومنْ وقَعَ في الشبهاتِ وَقَعَ في الحرامِ، كالراعي يرعَى حولَ الحِمَى فيوشِكُ أنْ يواقِعَهُ، وإنَّ لكلّ مَلِكٍ حمىً وإنَّ حمَى اللَّهِ محارمُهُ} .
وهذه الأمور يقع الخلاف بين العلماء المسلمين فى حكمها فمنهم من يحلُّ ومنهم من يحرّم، وقد كان كثير من السلف الصالح يتورع عن فعل هذه الأشياء التى اختلف فيها خوفا من مظنّة الوقوع فى الأثم، وفى ذلك يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع فى الحرام)، وحكى عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أربعة آلاف درهم، لأنه حاك فى قلبه شىء، مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به.
وقد ظهر فى هذا العصر صور كثيرة لهذه الشبهات ذكر معظمها الشيخ محمد على سلامة رَضِيَ الله عنه فى كتابه: (قطرات من بحار المعرفة)، ومنها على سبيل المثال:
(النبيذ، قبلة الرجل لزوجته وهو صائم، سرقة الإبن من مال أبيه أو أمه، شهادات الاستثمار (أ، ب)، فوائد البنوك، التأمين على الحياة والتأمين على الكوارث، ثمن الكلب، العمولة أو السمسرة، بول وروث الحيوانات والطيور التى يؤكل لحمها، لبس جلود السباع و النمور ونحوها من الوحوش، بيع اللبن فى الضرع والسمك فى الماء والجنين فى بطن أمه، والثمار قبل ظهور صلاحها، ما لا يعلم الإنسان أصل ملكيته، بيع التوريه ( وهو أن يبيع إنسان لآخر شيئا ما وعند التسليم يسلمه شيئا آخر مشابها له ويقول له كنت أقصد بالبيع هذا الشىء) وبيع العيّنة (وهو أن يبيع تاجر سلعة للمشترى بعشرة جنيهات فى ذمته يدفعها له بعد ستة أشهر من تاريخ البيع، وقبل انتهاء الأجل اشتراها البائع منه بستة جنيهات مثلا ودفعها فورا إليه عند حلول الأجل )، بيع شىء مخلوط بشىء محرم ) .
كل هذه الأشياء وغيرها من الأشياء التى يتفق العلماء على حكمها، واختلفوا فى حلّها وتحريمها، يتورع المؤمن الطالب لرضوان الله عزَّ وجلَّ ‏ عن إتيانها ؛ وإن كان لم يثبت تحريمها، وهذا ورع الصالحين.
الدرجة الثالثة :
اجتناب المباحات خوفا من الوقوع فى المحذورات: والورع هنا يكون فى شىء أصله حلال، ولكنه يتورع عنه خوفا أن يجرَّه إلى معصية أو إثم، ومن ذلك الإقلال من الأكل، واستعمال الزينة - للمتعزب - خوفا من تحرك دواعى الشهوة عنده. ومن ذلك أيضا الامتناع عن النظر إلى أثاث ورياش ودور الأغنياء، حتى لا يتهيج على العبد الحرص، وتدعوه نفسه إلى طلب مثله، وربما لا يستطيع الوصول إلى ذلك إلا بارتكاب ما لا يحلُّ فى تحصيله، وأيضا الامتناع عن بعض اللهو المباح خوفاً من الوقوع فى الغفلة عن الله عزَّ وجلَّ ‏، فكل هذه الأشياء مباحة ولا حرمة فى فعلها، ولكن الذى يتركها إنما يدفعه لذلك خوفا من أن تجرَّه إلى ما لا يجوز فى حقّه. ومما يروى فى ذلك أن عمر رَضِي الله عنه لما ولى الخلافة كانت له زوجة يحبُّها فطلقها خيفة أن تشير عليه بشفاعة في باطل، فيعطيها ويطلب رضاها، وهذا كله من باب قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:
{لا يَبْلُغُ العبدُ أَنْ يكونَ من المُتَّقِيْنَ حتَّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَراً لِمَا بِهِ البَأْسُ}
ومن هنا قالوا لمن أراد الوصول إلى درجة المتقين:
(لابد من ترك فضول المنام لاغتنام بركات القيام، ولابد من ترك فضول الطعام لتحل عليه بركات الطعام، ولابد من ترك فضول الكلام اشتغالا بذكر الملك العلام ليتهنى بالإكرام والإنعام ويدخل فى معية القوم الكرام، جعلنا الله بفضله معهم فى الجنة فى دار السلام).
الدرجة الرابعة:
وهو ورع الصديقين : وهم الذين يتورعون عن الدخول فى شىء أو تناول شىء لحظّ فى أنفسهم أو لشهوة بداخلهم، بل كل شىء يأخذونه من الله ويتناولونه بالله، ويطلبون به رضا حضرة الله .
فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم فى أسبابه معصية، ولا يستعان به على معصية، ولا يقصد منه فى الحال والمآل قضاء وطر، بل يتناول لله تعالى فقط، وللتقوّى على عبادته ،واستبقاء الحياة لأجله، وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس لله حراما، امتثالا لقوله تعالى :
﴿ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ (91الأنعام)
وهذه رتبه الموحدين المتجرّدين عن حظوظ أنفسهم ،المنفردين لله تعالى بالقصد. وهؤلاء القوم لا يعملون عملاً ولو مباحا إلا إذا استحضروا فيه نية طيبة لله، ويتورعون عن القيام بأى عمل لا يسبقه نيَّة لله فى فعله.
ومن ذلك ما روى عن يحيى بن كثير أنه شرب الدواء، فقالت له امرأته لو تمشيت فى الدار قليلاً حتى يعمل الدواء؟ فقال: هذه مشية لا أعرفها، وأنا أحاسب نفسى منذ ثلاثين سنة، فكأنه لم تحضره نية فى هذه المشية تتعلق بالدِّين، فلم يجز الإقدام عليها.
وعن السرى رحمة الله أنه قال: انتهيت إلى حشيش فى جبل، وماء يخرج منه، فتناولت من الحشيش، وشربت من الماء، وقلت فى نفسى، إن كنت قد أكلت يوما حلالا طيبا فهو هذا اليوم، فهتف بى هاتف: إن القوة التى أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هى؟ فرجعت وندمت.
ومن هذا ما روى عن ذى النون المصرى: أنه كان جائعاً محبوساً، فبعثت إليه امرأة صالحة طعاماً حلالاً على يد السجان فلم يأكل، ثم اعتذر وقال: جاءنى على طبق ظالم، يعنى أن القوة التى وصَّلت الطعام إلىَّ لم تكن طيبة. وهذه الغاية القصوى فى الورع.
وهكذا تتفاوت المنازل فى الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات فى الورع، فإذا احتطت فلنفسك، وإذا ترخّصت فعلى نفسك .
مواهب أهل الورع
إذا أراد الله عزَّ وجلَّ أن يرتقى بعبد إلى المقامات العلية، وفقه لجهاد نفسه لأنها أشد أعدائه، وجهادها هو الجهاد الأكبر.
ولما كان أعظم شهوة تتسلط بها النفس على المرء هى شهوة البطن وشهوة الفرج، وشهوة البطن هى أعظم هذه الشهوات جميعا لأن امتلاء المعدة بالطعام هو الذى يؤدى إلى فضول النظر والكلام والمشى والجماع وغير ذلك من أنواع الحركات المؤذية؛ كانت عناية الشريعة:
- بتجنّب الحرام المحقّق أولاً.
- ثم بالورع فى الشبهات المظنونة ثانياً.
- ثم بعدم ملء البطن بالطعام والشراب ثالثاً.
- ثم بمراعاة النوايا الصالحة قبل كل عمل رابعاً
حتى يترقى العبد فى المقامات السامية والمنازل العالية، والأحوال الراقية عند الله عزَّ وجلَّ.
ومن هنا نجد عناية الصالحين بهذا الأصل الأعظم من الجهاد يحدوهم إلى ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏ :
{مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. حَسْبُ الآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ}
أى يتناول من الطعام ما به تنشط الجوارح إلى الطاعات، ويتفرغ القلب إلى المناجاة، ويتهيىء اللسان للتلاوة والذكر، والعين للسهر، ولذلك قال إبراهيم بن آدهم رَضِي الله عنه: "للقمة تتركها من عشائك مجاهدة لنفسك خير لك من قيام ليلة"، وقال أيضاً: "أطب مطعمك ولا تبال ما فاتك من قيام الليل وصيام النهار".
فإذا أحكم العبد هذا الأساس وتحرّى الورع التام فى مطعمه ومشربه وملبسه أراه الله تعالى من الآيات والبشريات ما به تقرُّ عينه، ويطمئن قلبه.
وذلك مثل الحارث المحاسبى رَضِي الله عنه الذى مات أبوه وترك ثلاثمائة ألف درهم فما أخذ منها شيئا تورّعا، وقال: إن أبى كان يقول بالقدر وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏: {لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ} ، فأكرمه الله عزَّ وجلَّ ‏ ببركة هذا الورع فكان لا يمد يده إلى طعام فيه شبهة إلا وضرب عرق على إصبعه، فيعلم أن هذا الطعام به شبهة فلا يأكله.
ولذا لما اختبر رجل أبا العباس المرسى فدعاه إلى طعام، وقدّم له دجاجة مخنوقة، نظر إليه ثم انتفض وقام وهو يقول: إذا كان الحارس المحاسبى كان له عرق ينفض، فأنا كلى عروق تنفض.
وهذا ابن القاسم تلميذ الإمام مالك رَضِي الله عنه ترك له أبوه مالاً كثيراً فأبى أن يأخذه وقال: إن أبى كان تاجراً، وكان لا يحسن العلم، فربما دخل عليه ربا وهو لا يشعر، أكرمه الله عزَّ وجلَّ ‏ بسبب ذلك، بأن جعل على يديه حفظ مذهب الإمام مالك ونشره، حتى أنه لا ينسب إلا غيره من المسائل فى المذهب إلا أقل القليل.
وبالجملة فإن من يتمسك بهذا الأصل يفيض الله عزَّ وجلَّ ‏ عليه من عنده كرامات كثيرة منها:
• أن يحفظ عليه طعامه وشرابه ولباسه بعلامات يلقيها الله تعالى له إما فى نفس الشيء:
- كأبى يزيد البسطامى مادامت أمه حاملة به لا تمتد يدها إلى طعام حرام.
- ومنهم من ينادى ويقال له: تورّع.
- ومنهم من يأخذه الغثيان.
- ومنهم من يصير الطعام أمامه رصاصاً.
- ومنهم من يرى عليه سواداً.
- ومنهم من يراه خنزيراً.
- ومنهم من يشم منه رائحة كريهة.
إلى غيرها من العلامات التى خص الله بها أولياءه وأصفياءه.
• أن يكرمه الله عزَّ وجلَّ ‏ بالميراث النبوى فى تكثير الطعام فيشبع من الطعام القليل الرهط الكثير: كما حكى عن بعضهم أنه جاءه إخوان وكان عنده ما يقوم برجل واحد خاصة، فكسر الخبز وغطّاه بالمنديل وجعل الإخوان يأكلون من تحت المنديل حتى أكلوا عن آخرهم وبقى الخبز كما كان. والأخبار فى هذا الباب كثيرة .
• ومن كرامات هذا المقام أيضا أن ينقلب اللون الواحد الذى فى الإناء ألواناً من الطعام فى حاسة الآكل إن اشتهاه بعض الحاضرين.
• ومن كرامات هذاالمقام أيضا يأتى لصاحب هذا المقام الجن أو الملك بغذائه من طعامه وشرابه ولباسه.
• ومن مواهب هذا المقام أيضا أن يتحول له الماء الزعاف والأجاج عذبا فراتا.
• ومن منن هذا المقام أيضا أن يأكل صاحبه طعاماً، وله أخ فى الله عزَّ وجلَّ ‏غائبا، فيشبع الأخ الغائب فى موضعه، ويجد ذلك الطعام بعينه وكأنه أكله.
• وأعظم منازل هذا المقام أن يرتقى إلى الغذاء الروحانى الذى به بقاء النفس، ويغنى عن هذا الغذاء الجسمانى، فلا يزال من العالم الأدنى يرتقى فى أطوار العالم أغذية وحياة حتى ينتهى إلى الغذاء الأول الذى هو غذاء الأغذية وهى الذات المطلقة فيتحقق بالإرث المحمدى:
{ إنِّي أَبِيت عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي } .
• ووراء ما ذكرناه أموراً غريبة، وأحوالاً عجيبة تحدث من الله عزَّ وجلَّ ‏ لأهل الورع، أو على أيدى أهل الورع، أضربنا عمد ذكرها لعلو شأنها، وسمّو إدراكها لغير أهلها، وفيما ذكرناه كفاية للمستبصر، وزادا للمقصّر، وقد اقتصدنا فى ذكر الأمثلة من حكايات الصالحين حتى لا يطول البحث فيفضى إلى الملالة، وحسبنا فى ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ‏
﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
(105البقرة)
خاتمة
الحمد لله عزَّ وجلَّ ‏ الذى وفّق وأعان على إتمام هذا الكتاب، والذى هو ضرورى لكل مسلم وخاصة الأقليات الإسلامية فى البلاد الأجنبية، والذين تقتضى طبيعة عملهم العمل فى جهات أجنبية كرجال فى السلك الدبلوماسى أو العاملين فى هيئات تابعة للأمم المتحدة، وكذلك كثيرى التردد على البلاد الخارجية كالطيارين والمضيفين والبحارة والصحفيين، وأيضا المسافرين إلى البلاد الأجنبية لأى غرض من الأغراض كالتعليم أو السياحة أو العلاج أو العمل . وكذلك الذين يتعاملون مع الأجانب فى بلادنا كالعاملين فى الفنادق والنوادى والسفارات وغيرها، كل هؤلاء وغيرهم يحتاجون لهذا الكتاب لشدة اختلاط أمر الأطعمة والأشربة فى هذه البلدان فلا يراعون فيهما حرمة، ولا يرقبون فيهما دين، ولا يستمعون إلى نصح الناصحين، لأن أهم شىء عندهم هو تحقيق الثراء الواسع السريع بأى أسلوب ولو فاحش، وبأى طريق ولو خاطىء .
وقد جمعنا فيه بفضل الله عزَّ وجلَّ ‏ كل ما جمع فى أبواب الأطعمة والأشربة من كتب الفقه بأسلوب ميسّر يناسب العصر، مع ذكر ماجمعته كتب الآداب عن الهدى النبوى الكريم فى تناول الطعام والشراب، وآداب الضيافة، بالإضافة إلى ما توصلت إليه البحوث الطبية الحديثة، وعلوم الأغذية فى هذا المجال، وخاصة أنها تتفق حتى فى آخر ما وصلت إليه مع مانادى به الإسلام منذ أكثر من 1400 سنة.
وقد ذكرنا أيضا أهمية الغذاء فى التربية الروحية، ودوره فى الوصول إلى المقامات العالية عند الصوفية، مع إثبات الأصول الشرعية لهذه المناحى الصوفية، حفزا لهم، وإثارة للعزائم .
ولم ننسى بعد ذلك أن نذكر كيفية علاج الأمراض الجسمانية، والنفسية، والاجتماعية التى تفشّت فى عصرنا عن طريق الهدى الإسلامى فى الغذاء .
ونسأل الله عزَّ وجلَّ ‏ أن ينفع به كل من قرأه أو ساهم فى طبعه أو نشره، أو تيسير تداوله أو قراءته لمسلم، وأن يجعله فى ميزان حسناتنا يوم لقائه ، وهذا أوان الفراغ منه يوم الأربعاء بعد صلاة العصر فى العشرين من المحرم سنة ألف وأربعمائة وخمس عشرة من الهجرة النبوية الشريفة الموافق للتاسع والعشرين من شهر يونية سنة ألف وتسعمائة وأربع وتسعون ميلادية، فما كان فيه من خير وصواب فهو من الله عزَّ وجلَّ ‏ وما كان فيه من خطأ وزلل فمنى لغفلتى ونسيانى .
﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ (88هود).

فهرس الكتاب

صفحة موضوع الفهرست
3 مقدمة الطبعة الثانية
5 مقدمة الطبعة الأولى
7 الباب الأول: عناية الله بمائدة المسلم
10 تجهيز الرجل للمائدة
10 تحرِّى المطعم الحلال
13 طعام المائدة
15 أولا: حكمة تحريم الميتة
18 ثانيا: حكمة تحريم الدم
20 ثالثا: حكمة تحريم الخنزير
25 المؤمن لا يجلس على مائدة فيها محرمات
26 إباحة الطيبات
27 النهى عن الأسراف
29 عاقبة الإسراف
30 الوسط المحمود
30 حسن تصرف المسلم
31 عدم المباهاة بالطعام
33 الباب الثانى: آداب المائدة فى الاسلام
37 آداب تجهيز مائدة المؤمن
40 نّية المؤمن فى تناول الطعام
41 آداب تناول الطعام
48 آداب ما بعد الأكل
51 السواك بين الدين والعلم
54 خواص السواك
56 طريقة استخدام السواك
57 الباب الثالث: مائدة المسلم فى الصيام
61 إفطار المسلم الصائم
64 الهدى النبوى فى الفطر
68 بركة السحور
71 هضم الطعام
77 الباب الرابع الشراب بين الدين والعلم
79 الشراب بين الدين والعلم
81 حكمة تحريم الخمر
85 أضرار الخمر
86 آثار الخمر المرضية
85 تأثير الخمر على الأعضاء التناسلية
87 حكمة تحريم البيرة
90 أضرار البيرة
93 تحريم المخدرات وحكمته
95 أضرار المخدرات
97 أضرار تناول المفترات
99 تناول الدخان
100 تأثير الدخان على صحة الإنسان
102 كراهة تحريم الدخان
105 الباب الخامس: آداب الضيافة
111 آداب الدعوة
113 آداب إجابة الدعوة
116 آداب حضور الدعوة
120 آداب صاحب الطعام
124 الموائد المسنونة
129 الباب السادس: أحكام وآداب متفرقة
131 حكم استخدام آنية الذهب والفضة
133 حكم الانتفاع بجلود الميتة وعظمها وشعرها
134 حكم السمن التى ماتت فيه فأرة
134 أكل السمك المملح
135 اللحوم المستوردة
136 طعام اليهود والنصارى
137 حكم المضطر
138 أكل الحّيات والأفاعى والحشرات
139 أكل الطيور
140 المحلل والمحرم من البهائم
141 حكم الجلالة
141 حكم الأكل والشرب ماشيا وقائما
143 شروط الذكاة الشرعية
144 ضرورات فى التذكية
145 آداب التذكية
146 مكروهات التذكية
146 تجنب لعاب الكلب
149 الباب السابع: الورع
151 فضل المطعم الحلال
153 أساس العبادة الورع
155 منزلة الورع
157 صور من ورع السلف الصالح
161 آثار ترك الورع
162 مكانة الورع فى الدار الآخرة
164 درجات الورع
169 مواهب أهل الورع
175 خاتمة
177 ترجمة المؤلف وقائمة مؤلفاته المطبوعة
172 قائمة المكتبات ودور النشر

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي