Advanced search

همة المريد الصادق

همة المريد الصادق

همة المريد الصادق

Read book
  • Series title

    الطريق إلى الله

  • Publish date

    21 - أكتوبر - 2019

  • Pages number

    256

  • Edition number

    الأولى

  • Downloads

    249

  • Download code

    Not found
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

همة المريد الصادق

نبذة عن الكتاب

جملة من النصائح والتوجيهات التى وجهنا بها الأحباب السالكين الصادقين في طريق الله في بعض المناسبات وفي أماكن متفرقة بحسب زيارتنا لتلك الجهات، والأصل فيها تفقد أحوال السالكين وملاحظة أحوالهم وأفعالهم وأخلاقهم وسلوكياتهم وتوجيههم إلى الأفضل فيها أجمعين، وكذلك تَبَيُنْ الحجب والقواطع التى تمنعهم من الوصول إلى فتح الله، ومن حصول كل سالك على ما يتمناه من عطاءات الله وإكرامات الله وفضل الله، وإماطة الستائر عن هذه الحجب حتى يظهر للسالكين الصادقين الحقيقة التى ينبغي أن يواجهوا بها أنفسهم ليعبروا إلى مقامات العارفين والصديقين، وإحاطتهم بالعوائق المعنوية إن كانت في النفس أو في الآداب أو في السلوك وتجاوزها وعدم الوقوع فيها فيحجب الطالب بسببها

الصدق

الصدق
ما العلامة التي أعرف بها أن هذا الرجل يمشي بصدق في طريق الصالحين؟
العلامات البدائية ذكرها الله في الآيات القرآنية، وفي الحقيقة هذه هي التي أطبقها، فليس لي علاقة بالمظاهر ولا بالظاهر، وأول هذه العلامات: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }الزمر33
كيف يكون إنسان مُنتسب إلى الصالحين، أو يمشي في طريق الله سبحانه وتعالى ويسمح لنفسه بالكذب؟!! وليس في الدين كذب في المزاح، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنِّي لأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إِلا حَقًّا }
وقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا }
يعني أنا ضمينٌ ببيت في أدنى الجنة لمن ترك الجدال ولو كان مُحقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً.
فليس هناك شيء اسمه كذب في مزاح، حتى ولو مع أطفاله وليس أطفال غيره!!، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ:
{ دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ، قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذِبَةٌ }
إذاً أول صفة يُوطِّن المريد نفسه عليها الصدق، لأنه يريد أن يمشي مع الذين أشار الله إليهم في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }التوبة119 فلا بد أن يكون مثلهم؛ أن يكون من الصادقين لكي يمشي مع الصادقين.
لكن إذا نفسه ضحكت عليه، وأباح لنفسه الكذب ولو مزاحاً، ويظن أنه بهذا ليس عليه شيء، فهذا قد خرج من الدائرة وليس له علاقة بطريق الصالحين مطلقاً.
فالصالحين يقول فيهم الله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}الأحزاب23 فأول شيء يأخذه المريد على نفسه الصدق، وكان السادة الصالحين - ولا يزالوا إلى وقتنا هذا - لو جرَّبوا على المريد ولو كذبة واحدة يقولون له: اعتزلنا حتى تُصلح من نفسك أولاً ثم تأتينا بعد ذلك، لماذا؟ لأنه لا يضيع الثقة بين الناس إلا الكذب.
إذا لم أثق في أقوال أخي الذي معي في طريق الله، فمن الذي أثق فيه؟!! فأنا آخذ كلمته كلمة ثقة مطلقة، ولذلك لا ينبغي للمؤمن أن يتهاون في ذلك أبداً.
وأنا ذكرتُ لكم قبل ذلك أن سيدنا الإمام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه وأرضاه قد مات أبوه وهو صغير، وكان له أخ، وحُبِّب إليه العلم، فطلب العلم في بلده حتى حصَّله من كل العلماء عنده في بلده، فطلب المزيد، فقالوا له: إن كنت تريد المزيد من العلم فاذهب إلى بغداد، وكان من بلدة اسمها جيلان في بلاد فارس الآن، مع أنه كان في الأصل عربي لكن كان أجداده يخرجون في الجيوش ويسكنون هناك.
فاستأذن أُمه، فقالت له: أبوك ترك لك أربعين ديناراً، وترك لأخيك أربعين ديناراً، وطالما أنت تريد طلب العلم فخذ معك الأربعين دينار لتستعين بهم على طلب العلم حتى لا تحتاج إلى أحد، لأنهم كانوا يشترطون لطالب العلم أن يكون عزيزاً، أي عنده العزة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}المنافقون8.
قال لها: كيف أحملهم؟ لأن الأربعين ديناراً كانوا يعتبروا مبلغاً كبيراً في هذا الوقت، وكانت الدنانير ذهباً وليست ورقاً كما في عصرنا هذا، فأمه وضعت له الدنانير في مكان في جلبابه وخاطت عليهم بقطعة قماش، لأنهم كانوا يمشون مسافات طويلة وكانوا يمشون جماعات أي في قافلة، والقافلة كان لها حرس يحرسونهم من قُطَّاع الطريق، وقُطَّاع الطريق كانوا كثيرون في هذا الزمان.
وأثناء سيرهم في الطريق خرج عليهم قُطَّاع طريق وأخذوا كل ما مع القافلة، ثم جاءه بعضهم وسألوه: ماذا معك؟ قال لهم: معي أربعين ديناراً، فضحكوا منه ثم أخذوه إلى كبيرهم، وقالوا معنا ولد يقول أن معه أربعين ديناراً، فسأله: ماذا معك؟ قال: معي أربعين ديناراً، فقال: وأين هم؟ قال: هنا في جلبابي، قال له: ولِمَ لَمْ تكذب؟ قال: لأن أُمي أخذت عليَّ العهد قبل أن أسافر أن لا أكذب أبداً.
فقال الرجل: إذا كان هذا الولد أخذت عليه أُمه العهد أن لا يكذب، فماذا نفعل نحن وقد أخذ الله علينا العهد؟!! أنا سأتوب إلى الله فما رأيكم؟ فقالوا له: كلنا معك، فتابوا على يديه، وهو لم يزل يذهب لطلب العلم، لالتزامه بصفة الصدق.
فقال لهم كبيرهم: ما دمتم قد تبتم إلى الله فردُّوا للقافلة كلها ما أخذتموه منها، وأُكرمت القافلة كلها بسبب صدق سيدنا عبد القادر الجيلاني الذي كان لم يزل صبياً صغيراً.
فقبل الإسلام لماذا أرسل الله سيدنا رسول الله في الجزيرة العربية بالذات؟ هؤلاء القوم كان عندهم أخلاق طيبة حسنة من أجلها أكرمهم الله وأرسل لهم حضرة النبي، ومن جملة هذه الأخلاق أنهم كانوا لا يكذبون، مع أنه لم يكن هناك حكومة ولا مباحث ولا شيء من هذا القبيل، ولكنهم تعاهدوا مع أنفسهم أن لا يكون بينهم كذب، والذي يكذب يفضحوه وهذه كافية له، لأنه تسقط كرامته في كل الجزيرة العربية.
حتى أن زعيم الكفار أبو سفيان عندما أرسل سيدنا رسول الله رسالة لعظيم الروم هرقل، فقال لحاشيته: ابحثوا لي عن رجل من بلد هذا النبي، فوجدوا أبو سفيان ومعه جماعة، فقال له: سأسألك عن الرجل الذي ظهر عندكم وإياك أن تكذب، وقال لمن معه: لو كذب ردُّوه.
فأخذ يسأله أسئلة كثيرة عن سيدنا رسول الله، هذا الرجل ممن فيكم؟ قال: من أوسطنا نسباً، ومَن أتباعه؟ هل الفقراء أم الأغنياء؟ قال له: الفقراء، فقال: هل يزيدون أم ينقصون؟ قال: يزيدون ولا ينقصون.
الشاهد أن أبو سفيان بعد هذه المحادثة قال: لولا أني خشيتُ أن ينتشر عنى بين العرب أني كاذب لكذبتُ في ذلك اليوم!!، يعني لولا أني أخشى أن يفضحوني ويقولون: إن أبو سفيان كذاب، لكذبتُ في وصف هذا الرجل، لأن العداوة كانت شديدة بينه وبين رسول الله، ومع ذلك لم يكذب!!.
فكان العرب مع ما فيهم من مساوئ لاعدَّ لها ولا حدَّ لها، إلا أنهم كانوا يلتزمون بالصدق في الحديث على الدوام، لا يقول الرجل منهم إلا ما يزيد به شرفاً، وما الذي يزيد به شرف؟ الصدق، وأن لا يعرف الناس عنه أنه كذاب.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قبل الرسالة كان اسمه الصادق الأمين، وأنت تريد أن ترث شيئاً من بضاعة الصادق، فهل يصح أن يرث كاذب في بضاعة الصادق؟!! لا يجوز ذلك.
أنت تريد أن ترث شيئاً من ميراثه النوراني أو الروحاني أو الرباني، فأول شيء تعاهد نفسك عليه هو الصدق، ولذلك قال الله: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }الزمر33
فلا بد للإنسان أن يعرف أن المريد الذي يمشي على العهد والنهج يمشي بالصدق، لكن إذا كذب ولو مرة فكيف أأمن غدره؟! أو كيف أطمئن إلى أقواله؟! أو كيف أثق في أفعاله؟! فقد انتهت الثقة، لأن الثقة التي بيننا وبين بعضنا هي الصدق.
هذا هو الأساس الأول الذي عليه المعوَّل، والذي يقول فيه الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
الصدق نور يقين كشف حقيقتي
به تنجلي الأسرار حال الشهادةِ

فبماذا تنجلي الأسرار؟ بالصدق، وهذه هي الوصية البسيطة التي نحتاج أن نقف عندها أولاً لكي تُقبل أوراقنا في المدرسة، وهي شهادة حُسن السير والسلوك، بالصدق.
لأن الإنسان قد يقوم الليل، ويصوم النهار، ويداوم على الأذكار، ولكنه لا يصدق في القول فماذا نصنع به؟ فهذا لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، لأنه كذاب، ومقام الصديقية الأعظم هو الصدق:
{ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا}
ولذلك أنا أعجب عندما يدَّعي أحدهم الحب، ويدَّعي أنه من أهل القرب، ويكذب ويظن أنه يضحك علينا أو يخدعنا!!، لكن أفلا تذكر كلام الله: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ }البقرة9؟!!
حتى ولو وقعت في ورطة، فالإمام علي قال: ((إذا كان الكذب يُنجي، فالصدق أنجى)) فربما الكذب يُنجيك من موقف، لكن الصدق يُنجيك من كل متاعب الدنيا ومصائبها، ويجعلك مع الأبرار في الدنيا وفي مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر في الدار الآخرة.
فهذا الذي نريد أن نعاهد أنفسنا عليه أولاً، ويكون عليه المعوَّل، فنحن لا نحتاج أن نعمل كتائب، ولن نحارب أحداً، ولكن نحتاج إلى تربية رجال، والرجل منهم بألف، نربيهم على الأوصاف الإلهية، والأخلاق المحمدية التي كان عليها خير البرية، وأصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار.
التطهر من أوصاف النفاق
وهذا ما يحتاجه الناس في هذا الزمان، وخاصة بعد اندثار الأخلاق الإسلامية، وازدياد أخلاق النفاق والمنافقين، والتي أصبحت في كل وادٍ وحين، مع أن الحبيب صلى الله عليه وسلَّم بيَّن ووضح بأجلى بيان فيقول:
{ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ }
وفي رواية أخرى:
{ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ }
فالذي يدخل مع الصادقين لا بد في البداية أن يُطهر نفسه من أوصاف المنافقين تطهيراً كلياً، فهل يجوز أن يكون فيه أوصاف المنافقين ويصحب الصالحين؟!! كيف يصحب الصالحين، وهو إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان؟!! لا يجوز ذلك أبداً.
لا بد له من البداية أن يمحو هذه الأوصاف، حتى يتجمَّل بالأوصاف الإلهية، ويسمونها عندنا في علم الصفاء والأصفياء (التخلِّي للتحلِّي) لكي أُحلي هذا الحائط وأُزينه، لابد أن أمحو الأشياء السيئة من عليه أولاً، لأنه لا يصح أن أضع الأشياء الحسنة على الأشياء السيئة، وكذلك نفس الأمر، أو إذا كنت ألبس قميص غير نظيف، وأنا أريد أن أكون كما قال حضرة النبي:
{ أَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ }
فهل ألبس القميص الحسن على السيئ؟! لا، بل يجب أن أخلع هذا أولاً.
فلا بد للإنسان أن يتخلى عن أوصاف المنافقين، ليتجمَّل ويتحلَّى بأوصاف المؤمنين الصادقين، ويبدأ بعد ذلك فيتخلى عن أوصاف المؤمنين، ويتحلى بأوصاف العارفين الذين هم عباد الرحمن، وهم أعلى في المقام، ثم يتخلى عن أوصاف العارفين ليتحلى بأوصاف الوارثين، ويكون هنا على خُلق سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.
ونضرب مثلاً لنُوضح هذه الإشارة: إذا كان هو من المؤمنين فسيكُف أذاه عن الآخرين، لكن إذا ارتقى سيعمل بقول النبي صلى الله عليه وسلَّم:
{ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ }
جهاد الصادقين
فهل هذه الأوصاف أرقى أم لا؟ أرقى، لأنها أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لمن أراد أن يكون وارثاً للحضرة المحمدية، فلا بد له أن يرتقي لهذه الأخلاق.
كل هذا يحتاج إلى جهادك في أن تمسح وتُجمِّل، كأن معك كراس وتريد أن تكب شيئاً حسناً، ولكن الكراس فيه كتابة، فماذا تفعل أولاً؟ تمسح هذه الكتابة، وتنظف الصفحة جيداً، حتى تكتب بخط آخر جيد.
فلا بد من هذا الجهاد، لأن جهاد الصادقين في المحو؛ محو الصفات السلبية، وإثبات الصفات القرآنية، والصفات المحمدية، والأوصاف الإلهية حتى يندرج الإنسان في أهل المعية، ويحظى بنصيب من ميراث خير البرية.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يُجملنا جميعاً بذلك، وأن يؤهلنا لذلك، وأن يوفقنا لذلك
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

القدوة

القدوة
ما الشيء الذي إذا التزمتُ به أسير منضبطاً على المنهج القويم والطريق المستقيم، وأصل بفضل الله إلى الرءوف الرحيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم؟
هذه نقطة جوهرية وكلنا لا بد لنا أن نلاحظها، الكبير فينا والصغير، والعالم، والذي جعل نفسه شيخاً، أو مريداً، أو سالكاً .. كلنا يجب أن نضع هذه النقطة موضع تقدير عندنا، لأننا لا نلاحظ أنفسنا.
لكن يجب أن تلاحظ أنك أمام الناس قدوة يُقتدى بك، واجعل دائماً ذلك في مُخيِّلتك، وتذكره دائماً؛ الناس تعتقد أنك قدوة، لماذا؟ لأنك تمشي مع الصالحين، ويقولون عنه: أنك تسمع الشيخ فلان، فيريدون أن يروا منك الصورة الطيبة.
مَن هؤلاء الناس؟ كل الناس وأولهم زوجتك وأولادك وبناتك، لا يريدون أن يروا منك إلا الصورة الطيبة التي سمعوها عن رسول الله، وعن الإسلام، وعن الصحابة الأجلاء، وعن الصالحين والأولياء، فلو اهتزت هذه الصورة فأنت لم تهز نفسك فقط، ولكن تهز نفسك وتؤذي إخوانك الذين تمشي معهم، ويُقال: كيف يمشي مع هؤلاء الناس ويفعل كذا ويفعل كذا؟!!.
ولذلك من العجب الذي أتعجب له وهو شيء غريب فعلاً، كيف لأُناس معنا ويمشون معنا ولهم سنين وأولادهم وبناتهم - بتأييد من زوجاتهم - شاردين ويمشون في طريق المتشددين ويحاربون أباهم الذي رباهم والذي يُنفق عليهم ويحاربون الصالحين؟!! لماذا؟ لأنهم لم يروا القدوة الطيبة التي سمعوا عنها في الصالحين.
فعندما يكون رجل يمشي مع الصالحين، وأراه في البيت مع الأولاد يشتُم: يا ابن كذا وكذا، وشتيمة بأقذع الألفاظ، فبالله عليكم هل هذا الولد يعتقد في يوم من الأيام أن أباه هذا من الصالحين أو مع الصالحين؟!! لا، ولكنه سيقول أن المشايخ كلهم مخادعين!.
وعندما يكون هذا الرجل معاملته لزوجته في منتهى الشدة والقسوة، جائز - ومعذرة في العبارة - لو كان فلاح وعنده حمارة سيعطف عليها، ويبحث في أغراضها، ويحضر لها أكلها، ويسقيها، ويغسلها، ويحافظ عليها، وزوجته كلما رآها يضربها أو يشتمها .. ولا تجد منه غير ذلك، فبالله عليكم ماذا تفعل؟!! قد لا تطلب الطلاق، ولكن حالها حال طلاق من هذا الرجل، وهذه هل ستحب الصالحين؟! وهل ستدعو أولادها وبناتها للسير مع الصالحين؟! لا، بل ستقول لهم: إياكم أن تمشوا مع أبيكم، أو مع من يمشي معهم، فهذا صفته كذا وكذا وفعل بي كذا وكذا، لماذا؟ لأنه نسي أنه قدوة.
فإن كنتُ في العمل - وهي من المآسي التي تحدث وأنا أتأذى منها - يسألون أين فلان؟ فيقال: غائب وله يومين في مولد السيدة زينب، أو مولد سيدي إبراهيم الدسوقي، لأنه درويش، وهل يغيب الإنسان عن العمل بدون إذن أو أجازة؟!! هذا الدرويش لمن أساء؟ أساء لكل الدراويش، وكلمة درويش يعني أدار وجهه إلى الله، بعد أن قام بكل ما عليه، لأنه لا يترك ما كُلِّف به، بل يفعل كل ما عليه.
فلا بد للإنسان أن يتذكر دائماً أنه قدوة في كل زمان ومكان، أنا في مكان ما في البلد، وأذن الأذان، فيجب أن أقول: هيا بنا نصلي، لماذا؟ لأنني قدوة، لكن لا يصح أن أجلس بعد أن يؤذن الأذان، وأقول لهم: لا يزال الوقت متسعاً نصلي قبل العصر بقليل، أو قبل المغرب، كيف ذلك؟ فأنت قدوة ويجب أن تكون أسبقهم في فرائض الله سبحانه وتعالى، فأنت قدوة.
الأب توفاه الله، وترك شيئاً من حطام الدنيا الفاني، فعلى الفور أجمع إخوتي وأقول لهم: أهم شيء أُلفتنا ومحبتنا ومودتنا لكي نُرضي الله ورسوله، ونقر عين أبونا وهو في مكانه ومقامه عند الله سبحانه وتعالى، وهذه التركة كل واحد يختار ما يحب وما يرضيه، ومن يختار الأقل فأنا واثق أن الله سيُغنيه، ومن يطمع يُفنيه، وهي حقيقة نراها في المجتمع.
لكن يقولون: فلان يحضر مع الصالحين ويذكرون الله، ويقول لأخواته البنات: ليس لكُنَّ شيئ، هل تريدون أن أرض فلان الفلاني تذهب لفلان وعلان، وهم أزواج البنات، ومن تطالب بحقها لا تأتينا هنا ولا نذهب عندها، فمثل هذا سيكون سُبة في جبين الصالحين، ولن يكون ذلك لنفسه، ولكن سيكون سُبة لكل الصالحين الذين مشى معهم هنا أو هنا.
لكن مَن يمشي مع الصالحين تكون كلمته موثقة من رب العالمين وليس من الشهر العقاري، فيقولون: إذا قال فلان كلمة ينتهي الأمر، لأن كلمته موثقة ولا تنزل الأرض.
لكن أسمع أن فلان قال كذا، فيقولون: إن فلان هذا كذاب، فيقال: إنه يمشي مع الصالحين، فيقولون: لا يغرك ذلك، صحيح هو يمشي مع الصالحين لكنه يكذب على الدوام.
فلو نسي الإنسان في لحظة أنه قدوة سيزلّ أو يضلّ أو يكلّ والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فكيف تُحفظ على المنهج القويم والطريق المستقيم؟
أن تتذكر دائماً أنك قدوة لأولادك ولزوجتك ولبناتك، ثم لجيرانك ولأحبابك من حولك.
لماذا لا تحضر مجالس الصالحين يا فلان؟ يقول: إن فلان وفلان لا يحضرون، فما شأنك أنت بهم؟! أنت مسئول عن نفسك، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال لنا:
{ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الْإِسْلَامِ، اللَّهَ اللَّهَ لَا يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ }
وفي بعض الأثر: ((فإذا تهاون إخوانك فاشدد لئلا يُؤتي الإسلام من قِبَلِك).
أنا أحضر لأُنفذ أمر الله، وأمر رسول الله، فإذا حضر فلان أو لم يحضر لا شأن لي به، ولا أقتدي به، ولكن نقتدي بأهل الهُدى، وأهل المنهج القويم والصراط المستقيم.
أنا احتجت لمبلغ من المال، فهذا يوسوس لي، وهذا يُزين لي ويقول: اذهب إلى البنك واقترض منه، فأقول: إن القرض من البنك حرام، فيقول: وهل أنت أفضل من الشيخ فلان، فهو يخطب الجمعة واقترض، والشيخ فلان مدرس في الأزهر واقترض، فما شأني بفلان أو غيره، رب العزة قال في هذا الأمر في كتاب الله: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ " (279البقرة) وهل أقدر على حرب الله ورسوله؟! فلماذا أضع نفسي في هذا الأمر؟ فليس لي شأن بغيري، لأن غيري غير منتبه، وألقى بنفسه تحت القطار أو تحت السيارة، فهل أقلده؟!!.
ولكن أمشي كالصالحين والمتقين والمفلحين، حتى يأتي يوم القيامة فينادون عليَّ ويقولون: امشي مع هؤلاء: " يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا " (85مريم) فهذا وفدَك، وعند الجنة ينادون: امشي مع هؤلاء الذين اتقوا ربهم: " وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً " (73الزمر) يعني جماعة مع بعضهم.
إذا يجب على الإنسان منا أن يزن دائماً نفسه بهذا الميزان، ولا يتركه من قلبه طرفة عينٍ ولا أقل، وهذا يقتضي بأنه يضع أمامه صورة الحبيب الأعظم، كيف أتكلم؟ كما كان يتكلم، كيف أعامل زوجتي؟ كما كان يعامل نساءه، كيف أعمل أولادي؟ كما كان يعامل أولاده، وكذلك جيراني وإخواني، وكيف أمشي؟ وكيف أنام؟ وكيف آكل؟ فأُراجع نفسي بالقدوة الأعظم صلى الله عليه وسلَّم.
فإذا مشيتُ على هذا المنهاج فقد مشيتُ على هُداه، وأصبحتُ صورة على قدري من معاني حضرته، وما دمتُ قد أصبحتُ صورة من معاني حضرته، فقد أصبح لي الحق في أن أكون في كشوف ورثته، أي صورة منه، وعلى الفور عندما يأتي إعلام الوراثة الإلهي أكون فيه: " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا " (32فاطر).
فأجد نفسي موجود في الكشف ويقال لي: هذا نصيبك من العلم النبوي، ونصيبك من النور الإلهي، ونصيبك من السر الرباني، ونصيبك من التجلي الأحدي، فتأخذ أنصبتك على قدرك، وكلما زدتَ في التخلق تزيد في التعلق، وتزيد في التحقق، وتزيد في حقوق الميراث التي تحصل من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بحُسن الاقتداء بحضرته.
فهذا هو الميزان، وقد سُقت نماذج بسيطة لكن التفصيل واسع، وهذا هو الباب لوصلة الأحباب.
فإذا نسيت في أي لحظة أنك قدوة، فإنك ستخضع للنفس والأهواء وتقع في السهو والنسيان والخطأ وما أُستكره عليه، لأن هؤلاء سيلعبون بك، وإذا لامتك نفسك سيُئَوِّلون لك، وتظل ماشياً على هذا المنوال وأنت تظن أنك في عين القرب!، وأنت في الحقيقة في عين أعيان البُعد والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فالميزان الذي نريد أن نزن به أنفسنا - ولا نزن به غيرنا - أن أتذكر دائماً أنني قُدوة، فإذا أذن الأذان وأنا بين أولادي لا أتركهم وأذهب لأُصلي وحدي بل أقول لهم: هيا نصلي معاً في المسجد، ولكن باللطف وباللين، وهكذا.
سؤال: ما شأن من ينظر لعيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه؟
قيل: من نظر في عيب نفسه لم ير عيوب غيره، وحضرة الرسول قال ذلك:
{ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ }
وهل انتهيتُ من عيوبي حتى أبحث عن عيوب غيري؟! فكل واحد منا يُسلط كاميراته الظاهرة والباطنة التي فيه على نفسه، فينظر في عيوبه ويُصلحها، فإذا انتهيتُ من إصلاح نفسي أبحث عن إصلاح غيري، لكن النفس تشغلنا بأن فلان عيوبه كذا، وفلان عيوبه كذا، فانشغلتُ، وهل بحثتُ عن عيوبي؟ لا.
وإذا أهدى إنسان لي هدية، كما قال سيدنا عمر: ((رحم الله امرُءاً أهدى إليَّ عيوب نفسي)) جعلها هدية، فإذا أظهر لي عيوب نفسي فهل أتخذ منه موقفاً وأُخاصمه وأُقاطعه؟!! وأقول: كيف يُظهر لي أن فيَّ عيوب؟!! لكن رحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوب نفسي، فالمؤمن دائماً مشغولٌ بعيوب نفسه.
ولذلك حتى الصالحين كانوا كذلك، فالإمام البوصيري رضي الله عنه وأرضاه، الذي كان يرى سيدنا رسول الله في المنام، والذي مسح عليه عندما أُصيب بالشلل فشُفي في الحال، وقال قصيدة البُردة التي لها الشهرة العظيمة، وهذه الشهُرة تكون علامة رضا الله.
الإمام الشعراني رضي الله عنه وأرضاه عندما سُئل: المذاهب الفقهية أكثر من ثلاثين، فلماذا اشتهر هؤلاء الأربعة؟ فقال: لصدق أصحابها وتقواهم ورضا الله تبارك وتعالى عنهم، أيدهم وشهرهم.
الصلوات على النبي كثيرة جداً، فلماذا (دلائل الخيرات) للجازولي هي التي اشتهرت؟ قال أيضاً: لصدق صاحبها، لأنه صدق مع الله، مع أنها صلوات عادية، ولكنها رُزقت حب الناس، والحب رزقٌ من الله، فسيدنا رسول الله عندما تكلم عن السيدة خديجة رضي الله عنها قال:
{ إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا }
فلكي أكون من هؤلاء الأقوام لا بد أن أشتغل بنفسي، والإمام البوصيري بعد أن قال هذه البُردة كلها قال:
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به
وما استقمت فما قولي لك استقمِ

هذا هو كلام الصالحين، وهو دليل الصلاح والتُقى، يجاهد نفسه، ومن يرى نفسه لن ينال أُنسه، لكن لا بد للإنسان أن يجاهد نفسه، كيف؟ يُسلِّط عينه على عيوب نفسه، وعلى حسنات إخوانه، وليس لي شأنٌ بعيوبهم، وأُلقي وراء ظهري حسناتي حتى لا أراها فاغترُّ وأنضرُّ وكذلك عيوب إخواني، فا أنشغل بالبحث عن هذه العيوب، فهذه العيوب إذا كانت ذنوب فأمرها موكل إلى حضرة علام الغيوب.
وكان كثيرٌ من الصالحين نراهم ونسمعهم يعملون أعمالاً ظاهرها غير مقبولة، وهي عند الله أقرب الأعمال إلى حضرة الرسول، ولكن الناس مشغولين عنها، يقول فيها الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
لي نوايا صرفتها في الشرور
غير أني أوَّلُتها بالنور

سافر شيخٌ من المشايخ إلى ليبيا في شهر رمضان واستقبله آلاف مؤلفة، فلما رأى كل هؤلاء الناس مجتمعين حوله فرحت نفسه، فأحب أن يؤدب نفسه، فقال لأحدهم أريد أن أشرب، والمسافر له أن يُفطر، لكن الآخرين لا يعرفون هذا الكلام، ويريدون شيخاً كما يريدون.
ولذلك كثيرٌ من الأحباب يجعل الواحد منهم الشيخ فوق مرتبة البشرية، الشيخ عندهم يعني لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا أي شيء، لماذا يا بني؟! وأين البشرية؟! فيطلبك بالتليفون الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً، لماذا؟ يقول: لأنه شيخ لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، فهذا فكر غريب وأحوال عجيبة.
فشرب الشيخ الماء، فانفضَّ الجمع من حوله، لأنهم لا يرون إلا الظاهر، فهل أحدٌ منهم قال: إن الشيخ على سفر؟ لا، لأنهم غير موفقين في هذه الناحية.
فمثل هذه الأمور يلجأ إليها الصالحون وخاصة الذين يسمونهم الملامتية، الذين يلومون أنفسهم، وهم أكبر الدرجات عند رفيع الدرجات بعد سيد السادات صلى الله عليه وسلَّم، ومن يلوم نفسه يعني يفتش على نفسه، وهذا مشغول عن البحث في عيوب غيره.
فلو سألني أحدكم عن فلان ماذا كان يلبس؟ أقول له: لا أعرف، فلا أنتبه لمثل هذه الأمور التي لا تشغلني، فيقول لي بعضهم: الجلباب الذي كنت تلبسه اليوم كان شكله كذا، فأقول له: لماذا تشغل نفسك بمثل هذا الجلباب؟ فهل أنت مشغول بالجلباب أم بصاحب الجلباب؟! شيئٌ غريب.
فشُغل الصالح بنفسه، يلوم نفسه لكي يخرج من لبسه وينال أُنسه، ويكون من كُمَّل المقربين، ولذلك يقولون: الأخ الذي تجده دائماً يذكر عيوب الآخرين، اعلم علم اليقين أنه ساقط من نظر رب العالمين، ولذلك تجده يخوض في هذا، ويخوض في هذا، فماذا بقي لك؟! لو كان معه حسنات ليل نهار فالشيكات التي ستتحول للآخرين لن تكفيهم، وليس عندنا وقت لهذا الكلام.
ومثلها تماماً أن الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه قال: ((من أكثر من الحديث عن نفسه، فاعلم أن ذلك من نقصٍ في عبوديته، وأنه لن تكمل مرتبته عند الله عز وجل إلا إذا نسي نفسه وأخذ يتحدث عن ربه وعن حبيبه صلى الله عليه وسلَّم)).
فأي واحد فينا عنده شيء من العلم هل يدعو الناس لنفسه؟! فماذا معي لأعطيه لهم؟! وماذا أفعل لهم؟! لكن أنا أدعوهم إلى طريق النبي، وحضرة النبي يدعوهم لله رب العالمين.
وما الذي ضيَّع المسلمين؟ أن كل واحد يريد أن يدعو الناس لنفسه هو، وماذا يفعلون بك؟! لكن أنت وأنا لو اتفقنا على هذا المنهاج ودعونا الخلق إلى رسول الله، فهل تحدث فُرقة أو مشاكل أو فتن أو ما شابه ذلك؟ أبداً.
لكن كل واحد منهم يريد أن يقف الناس عنده هو، ويغضب من الواحد منهم عندما يتركه ويذهب لآخر أو ثالث، مع أن المهم أنه ذاهب لرسول الله ولشرع الله، فطالما أنه ذاهب لرسول الله فيا هناه.
ونحن كلنا هل سندخل الجنة من باب واحد؟ لا، سيدنا يعقوب قال لأولاده: " يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ " (67يوسف) لأن نفوسنا متباينة، فكل واحد يدخل من باب.
أنت تريد أن يدخل الناس كلهم من باب واحد، ولا يجوز ذلك، فأنت ترى أن بابك هو باب الأبواب، فهذا لك، ولا تُجبر عليه غيرك، ولا تلوم على عدم السير فيه غيرك، لكن أنت مشيت فيه، فاترك الآخر يمشي من الباب الذي يستريح فيه، وهذا حال الصالحين.
المهم أن الإنسان ينشغل بعيوب نفسه، وأول شيء كما قلت في البداية أن يرى نفسه أنه قدوة، وهل هو الآن قدوة كما ينبغي أم يحتاج أن يُكمَّل، وذلك قبل أن يجعل نفسه شيخاً، حتى إذا اقتدى به أحدٌ يقتدي بي كما ينبغي، وبهذا يمشي الإنسان على المنهج القويم إلى الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

مهمة المسلمين

مهمة المسلمين
نَسي أو تناسى المسلمون في عصرنا مهمتهم التي كلَّفهم الله تعالى بها، بسبب أن نفوسهم شغلتهم بالمضمون من الأرزاق، أو بالفتون من المناصب والشهوات، والتطاول في البنيان، والأشياء التي نراها وعليها تقاتل وصراع بين بني الإنسان.
فما المهمة التي أنزلنا الله بها إلى الأرض وكلفنا بها؟ الأغلبية نسوها، فقد قرأتُ في أحد الصحف خبر أزهلني؛ قرأت أن هناك فندقاً في العلمين تؤجر فيه الفيلا في الليلة الواحدة بسبعين ألف جنيهاً، والسويت بثلاثين ألفاً لليلة الواحدة، والحجرة الفردية على البحر بثلاث عشرة ألف جنيه، والحُجرة الفردية بتسعة آلاف، وللأسف محجوز لعدة شهور مسبقة، والحاجزين كلهم مصريين!!.
هؤلاء الناس لو أن أموالهم هذه مصدرها حلال هل يستهينوا بإنفاقها في هذا الباب؟!! لا، كما ورد في بعض الأثر: ((كل مال جاء من حرام سلَّط الله صاحبه على إنفاقه في الذنوب والآثام)).
وهذا غير طريقة الإنفاق والمناظر والسهرات وكلها قسم من جهنم مفتوح في الدنيا.
وقد تقول لأحدهم: هناك جماعة من الفقراء، يقول لك: ليس معي شيء وأنا مدين!، لأنهم لا يخرجون زكاة أموالهم، ولا يفكرون فيها، ولا يفكرون في عمل شيء لله، فالصدقة ولو قليلة تدفع عنه البلاء، لكنه لا يفكر في ذلك.
فنسي المسلمون في الزمن الذي نحن فيه - إلا من رحم ربي - المهمة التي كلَّفنا بها الله، والتي يقول فيها لنا الله: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ " (110آل عمران) هذا قراركم الأزلي، فلم يقُل: ستكونون، ولكن أنتم مكتوبون في القرار في اللوح الإلهي، وليس حتى في اللوح المحفوظ، لأن اللوح المحفوظ يخرج منه الأمور الإلهية للملائكة فيفعلونها، أما نحن فمكتوبون: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " (110آل عمران) أُخرجت للناس وليس لأنفسكم، وماذا تفعلون للناس؟ " تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ " (110آل عمران) فإذا فعلتم ذلك ستدخلون في: " وَتُؤْمِنُونَ بِالله " (110آل عمران).
والإيمان كان من المفترض أن يأتي في البداية لكن لحكمة يعلمها رب البرية أخَّر الإيمان عن الأمر بالعروف والنهي عن المنكر، كأن الذي لا يأمر نفسه بالمعروف، ولا ينهاها عن المنكر يُخشى عليه في دائرة الإيمان، لأن المحو والإثبات لا ينتهي: " يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ " (39الرعد).
فالله عز وجل أخرجنا للناس لأننا عُمَّال عند الله، ولذلك عندما نذهب إلى هناك يقول لنا: " نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ " (58العنكبوت) من هم العاملين؟ الذين يعملون عندنا، وما عملنا؟ كلنا مكلَّفون بعرض البضاعة الإلهية لمن حولنا، ولمن معنا، وللغير.
البضاعة الإلهية وعرضها
إذاً كل واحد منا مكلف بعرض البضاعة الإلهية، وكيف أعرضها؟ هذه البضاعة الإلهية تحتاج إلى سلوك وفعل مع الناس، وما بينك وبين الله لا شأن لأحد به: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا " (15الجاثية).
لكننا نريد أن نرى جمال هذه البضاعة الربانية، فأين نراها؟ نراها في أخلاقك وفي سلوكياتك وفي تعاملاتك، فهذه التي تُظهرها.
أنت طوال الليل والنهار تعبد الله في المسجد بجدٍّ، فما شأني أنا؟!! ولِمَ تحاسبنا على هذه الأعمال؟! حتى أنك لا يجب أن تحاسب رب العزة على هذه الأعمال، لأن الله غير محتاج لعبادتك هذه، والمفترض أن تشكره أنه أعانك وأقامك فيها، فقد أقامك في مقام العابدين لذاته، ويعينك على أدائها، فيجب أن تشكره على ذلك، لأنه لو لم تكن معنا معونته فمن منا يستطيع أن يقوم بعبادة من هذه العبادات؟!! لا يستطيع أحدٌ فعل ذلك.
هل يستطيع أحدٌ منا أن يصوم يوم إلا إذا أعانه الحيُّ القيوم؟! مستحيل، لأنه لو جاع في الصباح، فمن الذي يبلغ أعضاءه ويطعمهم ويريحهم؟ رب العزة تبارك وتعالى، فالمعونة من الله سبحانه وتعالى.
هل معك الآن في الكمبيوتر الذي يُشغل جسمك هذا زرٌّ تستطيع به أن تُحرك مفاصلك وتوقفها؟! لا، فلو أنك تريد أن تُصلي والله أعطى أمراً لعضو من الجسم أن يتوقف، هل يستجيب لك أحد من الأعضاء؟! لا، وتظل واقفاً فلا تستطيع الركوع ولا تسجد ولا تتحرك ولا اللسان ينطق.
وهذا سيحدث يوم القيامة مع المنافقين، فعندما يُدعى إلى الصلاة جامعة هناك، فينادي مناد الله: الصلاة جامعة، فيُصلي سيدنا رسول الله بكل أهل الموقف، أما المنافقين الذين كانوا يصلون في الدنيا ويخدعون الناس، ويقولون الناس عنهم: هؤلاء أُناسٌ طيبين وأُناسٌ كرامٌ، وأُناس كذا ويثقون فيهم، فيأتي الأمر الإلهي بأن لا تطيعوه: " وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ " (42القلم) لا تطيعوه في شيء، والأعضاء تطيع الله، ولذلك سيُعطي إشارة للأعضاء ويُعطيها لسان بيان وتتكلم: " يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (24النور).
فإذا أرادوا الكلام: " الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ " (65يس) لا يتكلم، والأعضاء هي التي تتكلم: " وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " (65يس) اللسان يصمت والباقين هم الذين ينطقون، لأن قدرة رب العزة في هذا اليوم إظهار الحق الجلي وهو الحق سبحانه وتعالى.
فالعبادات التي أعبدها لله هي لنفسي، والله لا يريد منها شيء، ولكن الله سبحانه يريد مني أن أعمل شيئاً لذاته، شيء أنتفع به، ويخدم دينه، وشيئ أعين به رسوله على نشر شعائر دينه، وهذه الأمور التي يعطيني بها الله تعالى الأجر العظيم.
بماذا؟ بأخلاقي وصفاتي وأفعالي وسلوكياتي مع الآخرين، وهي التي شوَّهت صورة الإسلام والمسلمين في هذا الزمن بين الناس، وهي التي جذبت الآخرين للإسلام في الأزمان الفاضلة، الدول الكبرى التي دخلت في الإسلام كأندونيسيا، ومن في الصين من المسلمين، ومن في الهند من المسلمين، وباكستان، ومن في أفريقيا من المسلمين، كيف دخلوا في الإسلام؟ عن طريق التجار، وليس عن طريق العلماء، ولكنهم تجار يعملون بقول الحبيب:
{ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
فعندما رأوا هؤلاء التجار كلهم انبهروا بهم، ما هذه الأمانة؟ وما هذا الصدق؟ وما هذه المروءة؟ وما هذه السماحة في التعامل؟ لأنهم كان عندهم سماحة، سمعوا النبي يقول:
{ رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا، إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى }
فكان عندهم سماحة في كل شيء، أين هذه السماحة الآن؟!! وأين نجدها؟!! لكن هذه السماحة التي كانت معهم والأخلاق الكريمة هي التي شدَّت الناس للإسلام، فيسألوهم: من أين جئتم بهذه الأخلاق؟ يقولون: من ديننا الذي أمرنا بها، فيقولون لهم: اعرضوا علينا دينكم، فدخل الناس في دين الله بهذه الطريقة، ولم يسمعوا خطبة، ولم يروا حلقة تلفزيونية، ولم يروا فيس بوك، ولم يقرأوا كتاباً، كل الموضوع عبارة عن أخلاقيات، فرأوا العارضين الذين يعرضوا بأخلاقهم وبأفعالهم وسلوكياتهم جمال هذا الدين، فانجذبوا إلى دين الله سبحانه وتعالى.
لكننا الآن عندما نرى أحوال العارضين أصحاب التدين الشكلي، والذين يرون أنفسهم أنهم هم على الحق، وتجد التشدُّد والغلظة والفظاظة والقسوة والجفاء، وهذه معاملتهم، فهذه المعاملة كيف تشد الناس للإسلام؟! هل تجذب أم تُنفِّر؟ تنفِّر، وهذه المعاملة من أين أتوا بها؟ هل أتوا بها من كتاب الله؟! أبداً، فالله عز وجل يقول لحبيبه صلى الله عليه وسلَّم: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ " (159آل عمران).
هل أخذوا هذا الجزء ونفذوه؟! لا، وهذا من عدم التوفيق، بل أخذوا الفظاظة والغلظة والقسوة ونفذوها، فأصبحوا نافرين عن الوسطية الإسلامية، ويُسر الإسلام، وأصبحوا منفرين للمسلمين ولغير المسلمين، وبالتالي شوهوا هذا الدين تشويهاً رهيباً كما نرى.
فما العلاج إذاً؟ العلاج يحتاج إلى طائفة يقول فيها حضرة النبي:
{ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ }
هذه الطائفة هم الذين ورثوا: " محمد رسول الله والذين معه " (29الفتح) هؤلاء ورثوا الشدة على الكفار، وورثوا الرحمة بينهم: " أشداء على الكفار رحماء بينهم " (29الفتح) بينهم وبين بعضهم الرحمة والمودة والأُلفة والمحبة واللين، والناس يحتاجون في هذا الزمان لا يحتاجون غير ذلك.
الأموال - والحمد لله - كثيرة، والنعم كثيرة، وكل بلدان العالم وأولهم أمريكا وأوربا يحسدون المسلمين على النعم التي حباهم بها رب العالمين، لأن الله اختار لنا في الدنيا أفضل أماكن في العالم، وأفضل جو في العالم عندنا، ومن كان في شمال أوروبا يتمنى كل واحد منهم أن يأتي ولو يوماً يستمتع بالشمس عندنا، لأنه لا يراها هناك.
فكل خيرات الدنيا موجودة في أرضنا، ولذلك يأتون متكالبين يريدون أن يحرمونا منها ويأخذونها، والحروب التي يفتعلوها والفتن وغير ذلك لماذا؟ ليستنفذوا هذه الموارد ويحرمونا منها.
أوروبا كلها أين البترول الذي فيها؟ قليل منه موجود في انجلترا فقط، ولا يوجد غير ذلك، فالبترول والغاز كله من عندنا، مع أنهم لم يبنوا حضارتهم إلا بالمال الذي نهبوه منا أيام الاستعمار، فقد أخذوا أموالنا وصنعوا بها نهضتهم، لأنهم كانوا همج ورعاع.
ولكن كل الخيرات عندنا، تبحث عن اليورانيوم تجده عندنا، وتبحث عن الذهب تجدهعندنا، أغنى بلد في العالم في الذهب مصر، ففي مصر حوالي خمسة وثلاثين منجم ذهب، والمنجم الذي يُستخرج منه الذهب منجم واحد فقط، والباقين كما هم، وهناك اتجاه الآن لسياسة حكيمة بعمل مصانع لتنقية الذهب في مصر بدلاً من تنقيته في كندا أو غيرها.
فمصر كلها كما قال سيدنا يوسف: " اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الارْضِ " (55يوسف) فخزائن الأرض كلها عندنا هنا، ولكنها تحتاج لرجال مخلصين يخرجونها، ولا يكون فيهم ظَلَمَة، لأن الظلم وخيم.
فهم يحسدوننا على أفضل جو في العالم، وأفضل مكان فيه مأكولات في العالم كله، فجنة فواكه العالم كلها عندنا هنا، هل عندهم أنواع هذه الفواكه؟ لا، وجنة المسليات التي في العالم كله في أرضنا، من أول اللب والفستق واللوز وعين الجمل وغير ذلك.
فاختار لنا الله تبارك وتعالى من عنايته الأرض في عالم الدنيا، وملأها بالأنهار، وملأها بالخيرات، لماذا؟ لكي نقوم بالرسالة، ونبلغ رسالة الله إلى جميع خلق الله:
إذا كنت في نعمةٍ فارعها
فإن المعاصي تزيل النعم

وحافظ عليها بشكر الإله
فإن الإله سريع النقم

حتى في البحار لن تجد بحار فيها أسماك في العالم كأسماك بحارنا، وبحارهم فيها صنفٌ واحدٌ وهو الحيتان، لكن هل عندهم أصناف أسماك كالتي عندنا هنا؟ لا.
فكل خيرات الدنيا مُجمعة في هذه المنطقة، وهذا الذي جعلهم يتحسرون ويريدون أن يحرمونا منها ويأخذونها كلها نهباً، فإذا لم يستطيعوا أن ينهبونها بشكل مباشر ينشرون بين المسلمين الفتن والحروب.
ولذلك لا توجد حروب إلا بين المسلمين والمسلمين في العالم كله، فنحن نحارب بعضنا لكي يبيعوا لنا سلاحهم، وينفذون بعد الدمار بشركاتهم إعمار بلادنا التي دمرناها، وهكذا الوضع الذي نحن فيه الآن.
فأصبحنا الوليمة لأمريكا وأوروبا، ودخلت معهم الآن روسيا والصين، وكل واحد يأخذ جزءاً من الوليمة، وإن أظهروا الخلاف ظاهراً مع بعضهم، لكنهم باطناً مع بعضهم متفقين علينا، فهل يتم شيء في سوريا بدون وفاق روسيا وأمريكا؟ لا.
وكل هذا سببه أننا انشغلنا بالمضمون، والله سبحانه وتعالى ضمنه لنا وقال لنا: " وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ " (132طه) نحن مكلفين بالرزق.
وماذا بعد ذلك؟!! ألا توجد ثقة في الله؟!! ألا يوجد ضمان؟!! وكما ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه: الإنسان لو كان عنده صرَّاف يهودي، فهل يضمن أن يأخذ راتبه من الصراف، ولا يضمن الرزق الذي يأتي به الرزاق سبحانه وتعالى؟!.
فنحن وظيفتنا إظهار مكارم هذا الدين على نفسك أولاً، ثم على أولادك وأهل بيتك ثانياً، ثم الأقرب فالأقرب، وهذا لا يحتاج لكلام، فسيدنا عمر كان يقول: لا تقرأ آية، وكن أنت آية].
أنت نفسك تكون الآية، فمن يراك يرى آية الصدق، آية المروءة، آية البر، آية الوفاء في تعاملك ومعاملتك مع الآخرين .. فهذه الأخلاق التي نحتاجها الآن، وهي تحتاج إلى الرجال التي أمر الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يُبشر بهم، وهؤلاء يقول فيهم حضرة النبي وهنيئاً لهم:
{ طُوبَى لِلْمُخْلِصِينَ، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الدُّجَى تَنجَلِى عَنْهُمْ كُلُّ فِتْنَةٍ ظَلْمَاءَ }
هؤلاء المخلصين بربهم يقول فيهم صلى الله عليه وسلم:
{ إِنَّ لِلَّهِ عز وجل عِبَادًا يُحْيِيهِمْ فِي عَافِيَةٍ، وَيُمِيتُهُمْ فِي عَافِيَةٍ، ويَبْعَثُهُمْ فِي عَافِيَةٍ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ فِي عَافِيَةٍ }
نسأل الله عز وجل أن نكون منهم أجمعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

كتمان الأسرار

كتمان الأسرار
أريد أن أتناول خُلقاً واحداً نستفيده من الهجرة المباركة، وهو الدرس الأول في روضة المحبين الذي كان يعلِّمه لهم سيد الأولين والآخرين.
أول درس كانوا يُلقنوه للجُدد؟ كتمان السر، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بدأ الدعوة سراً، فلم يكن يستطع الذهاب للمسجد لأن الكفار متواجدين فيه على الدوام، فأحد الصحابة الكرام - وللعجب كُتب التاريخ لم تذكر لنا إلا اسمه وهو الأرقم بن أبي الأرقم - فتح بيته لرسول الله، وأصحابه يذهبون معه، فكيف يذهبون إليه؟ سراً، حتى لا ينكشف أمرهم، وإلا سيتعرضون لشتَّى أنواع العذاب.
فكيف يفتح لهم الباب؟ علَّمهم سيدنا رسول الله طرقة مخصوصة على الباب، فمن ينقر هذه النقرة يعرفون أنه منهم فيفتحون له الباب، وإذا نقر نقرة غير المتفق عليها كانوا يختبأون، ويخرج صاحب البيت الأرقم لينظر ماذا يُريد الطارق، وكان هذا أول أمر في دعوة الله ورسوله وهو كتمان هذا السر.
مكثوا على هذا الوضع ثلاث سنوات، ولم يكشف أحدهم هذا الأمر لأحد أبداً، فانظروا للأدب المحمدي في الروضة الأولى للمسلمين!، ومشوا على هذا المنوال حتى في تعليم أولادهم بعد هجرتهم إلى مدينة النبي الأمين.
جاء الأمين جبريل للنبي وأمره أن لا يبيت هذه الليلة في فراشه، وأخبره أن يخرج إلى المدينة، لأن الله أذن له بالهجرة إليها، وكان النبي من البداية يسشعر بقلبه الهجرة، وقال لإخوانه:
{ إِنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا، وَدَارًا تَأْمَنُونَ فِيهَا }
(لقد جعل الله لكم مخرج صدقٍ إلى المدينة).
فاستأذنه سيدنا أبو بكر في الهجرة، فقال له:
{ لا تَعْجَلْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ صَاحِبًا }
ففهم سيدنا أبو بكر أن حضرة النبي اصطفاه واختاره لصُحبته ففرح، وكتم ذلك في نفسه ولم يُعرف أحداً بذلك.
وسيدنا رسول الله عندما كان يذهب إلى أبي بكر كان يذهب له في الأوقات المتعارف عليها، في الليل، أو قريب من المغرب، ولم يكن متعارف أن أحداً من أهل مكة يمشي في الفترة بين الظُهر والعصر لشدة حرارة الشمس هناك.
ففوجئ سيدنا أبو بكر بحضرة النبي يأتيه في هذا الوقت في القيظ الشديد وطرق الباب، فقال: لا بد أن هناك أمرٌ مهمٌ، وكانت قلوبهم كالرادار، ولكن الرادار الذي يلتقط الأنوار وهو الرادار القلبي الرباني.
ودخل سيدنا رسول الله، وكانوا يحبون سيدنا رسول الله أكثر من أنفسهم، فجاءت زوجة سيدنا أبو بكر، وجاءت السيدة عائشة والسيدة أسماء ليسلموا عليه، وفرحوا بحضرة النبي، وجلسوا حوله ولا يريدون تركه، فطلب منه النبي أن يخلي المكان، فقال له: لا تخش يا رسول الله، فهذه زوجتي وبناتي وأنا أدبتهم وعلمتهم كتمان السر، فقُل ما تشاء ولن يخرج شيء من مجلسنا هذا.
فأنا أريد أن أعرفكم كيف كانوا يُعلِّمون أولادهم، لتعرفوا أننا عجزنا عن تربية أولادنا، فلعلنا نتدارك هذا الأمر ونبدأ مرةً ثانية في تعليم أولادنا كتمان الأسرار.
فقال له:
{ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ }
ووضعا الخُطة، فالسيدة عائشة والسيدة أسماء ومعهما ابن سيدنا أبو بكر عبد الله، كانوا يعلمون أن حضرة النبي وسيدنا أبو بكر خرجا من مكة إلى غار ثور، فكانوا كل يوم يجهزون الطعام، وتحمله أسماء، ويمشي معها أخوها عبد الله، وخلفهم راعي غنمهم ليمحوا آثار أقدامهم بأرجل الغنم، وظلوا كذلك لمدة ثلاثة أيام، ولم يشعر بذلك أحدٌ من أهل مكة، ولا حتى أحد من الأقارب.
والد سيدنا أبو بكر كان لا يزال غير مسلم، وكان كفيفاً، فلما سمع أن الرسول صلى الله عليه وسلَّم قد هاجر، سأل: أين أبو بكر؟ فقالوا له: لا نعرف، فعرف أنه هاجر معه، ثم قال: أظن أنه قد فجعكم في أمواله وأخذها كلها معه، والمال كان عبارة عن قطع من الذهب، وكان عندهم طاقة في الحائط يضعون فيها أموالهم، وكان سيدنا أبو بكر قد أخذ كل ما عنده من ذهب ولم يترك في خزينته أي شيء منه، فالسيدة أسماء أحضرت بعض الحجارة ووضعت عليها شيء من القماش في صُرة، وقالت لجدها: يا أبت إنه ترك لنا الخير كله، وهات يدك، ووضعتها على الحجارة، فظن أنها قطعاً من الذهب، فقال: إن كان قد ترك لكم هذا فقد ترك لكم خيراً كثيراً، وهي حجارة! فانظروا إلى ذكاء وفطانة أبناء الصديقين.
من أين لهم بذلك؟ من التربية التي تربوا عليها، فهل قالت له: إن أبي هاجر وخرج مع حضرة النبي؟ لا، ومشوا كلهم على هذه الصفة الكريمة وهي كتمان السر.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم هاجر إلى المدينة، والسيدة أم سليم - وهي سيدة من الصالحات - كان حضرة النبي يُحبها، ومن حبه لها كان يذهب ليقيل عندها في وقت الظهيرة.
جاءها رجل ليخطبها وهو أبو طلحة وكان فارساً من فُرسان المدينة ومن أغنى الأغنياء، لكنه كان على الكفر، فقالت له: مثلك تتمنى كل امرأة أن تتزوجه وأنا أُريد أن أتزوجك ولا أُريد منك شيئاً إلا أن تنطق بالشهادتين، وهذا مهري، فقال لها: أنظر، فذهب ثم عاد وقال لها: أنا موافق، فنطق بالشهادتين وتزوج بدون مهر ولا شيء من ذلك.
وكانت متزوجة قبله وأنجبت أنس، وقبل أن تُنجب أنس كان قد أبطأ عليها الحمل، فنذرت لله إن ولدت ولداً أن تجعله خادماً للكعبة، ولم يكن قد ظهر الرسول صلى الله عليه وسلَّم وقتها، وعند هجرة الرسول إلى المدينة كان أنس قد بلغ عشر سنوات، فجاءت به إلى رسول الله وقالت: يا رسول كنتُ نذرت لله إن وهبني أنساً أن أجعله خادماً للبيت الحرام، واليوم أجعله خادماً لك.
وكان عند أنس عشر سنين ولا يزال صبياً، فكانت تمشي ذات يوم فوجدت أنس، فسألته: أين أنت ذاهب؟ فقال لها: حضرة النبي كلفني بعمل شيء، فقالت له: وما هو؟ قال لها: لا ينبغي أن أُذيع سر حضرة النبي!!، هؤلاء الصبيان غلبوا الرجال في زماننا، فأين الرجال في زماننا كهذا الصبي؟!! يوجد ولكن نادراً، فلم تعاتبه ولم تؤنبه ولكنها احتضنته وقبَّلته وقالت له: هكذا فكن.
لكن كثير من الأمهات الآن يقول لها زوجها: أنا أُريد زيارة فلان، تقول له: خذ معك هذه البنت أو هذا الولد، ولها مقصد، وبعد أن يعود تسأله: ماذا صنعوا معكم؟ وماذا أطعموكم؟ وكيف قابلوكم؟ وهذا ليس من الدين، لكننا نريد أن نعلمهم أن يكونوا أكابر، وكيف يكونوا أكابر؟ بكتمان الأسرار.
السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها عندما كان صلى الله عليه وسلَّم في النزع الأخير همس في أذنها فبكت، ثم همس في أُذنها فضحكت، فالسيدة عائشة قالت لها: لِمَ بكيت ولمَ ضحكت؟ قالت: ما كنتُ لأُفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وبعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى بزمن قالت لها: النبي انتقل فلماذا بكيت؟ ولماذا ضحكت؟ قالت لها: أخبرني بأنه سيلحق بالرفيق الأعلى فبكيت، ثم أخبرني بأنني أول أهله لحوقاً به فضحكتُ.
المريد الكتوم للسر
فالكل كان حريصاً على كتمان السر، لذلك الورثة للنبي الكريم من الصالحين والعارفين، أول خُلُق يريدونه من المريدين هو كتمان السر، فالمريد الغُربال لا يصلح معهم، والغربال هو الذي لا يمنع نزول الماء منه، والإمام أبو العزائم يقول: ((نحن قومٌ نكتم أسرارنا عن الطالب حتى لا تكون له شهوةٌ إلا في الحق)).
وليست هذه الأسرار التي تُذاع، ولكن الأسرار التي تُبَّث، فهناك علوم تُذاع وتشاع، وهناك علومٌ تُبث، ومنه: " إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ " (86يوسف)
أمن القلوب إلى القلوب شرابي
ومن الفؤاد إلى الفؤاد خطابي

بثٌ مباشر من القلب إلى القلب في غيبة الأجساد وغيرها.
فطالما المريد كان غربال وما يسمعه يُذيعه ويُشيعه لمن يستحق ومن لا يستحق فإنه سيثير المشاكل، هو إذا أسمعه لمن يستحق فلا مانع، لكنه ليس معه الكشاف الذي يبين له من الذي يستحق، ومن الذي لا يستحق، فإذا سمعه المعترض سيصنع مشكلة لأنه سيُبيح الأسرار لمن ليس من أهلها، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام كان يقول: ((لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير، والحكمة خيرٌ من الجواهر، والذي لا يقبل الحكمة شرٌ من الخنزير)).
فالحكمة أغلى من جواهر الدنيا كلها، لأنها قد تفُّك لك المغاليق فتجد نفسك غريقاً في بحر التحقيق، وتتوالى عليك الأنوار والمشاهدات في لحظة أو أقل.
والإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه ذكر أن الصالحين يصنعون إمتحاناً صغير للمريدين ليعلموا المؤَهَّل من الغير المؤهَّل، كيف؟ قال: قد يُبيح لك المرشد بعضاً من أسراره الخاصة ليختبرك، فإن أذعتها فلست أهلاً لحمل غيرها.
لن تصلح بعد ذلك ولو حضرت معهم عشرين سنة أو خمسين سنة، فلن تنال شيئاً نهائياً من الأسرار الخاصة التي خصَّ الله بها عباده الصالحين، لماذا؟ لأنك غير قادر أن تكون من الأُمناء، ومن هو الأمين؟ الذي يحفظ أسرار الله، وأسرار رسول الله، وأسرار الصالحين من عباد الله، وأسرار خلق الله أجمعين.
نفرض أن أخاً من إخوانك - وهذا وارد - عندما يحدث لأحدنا أي مشكلة، وتؤثر فيه نفسياً فإنه يحتاج لأن يُفضفض لشخص آخر ليستريح، وكأنه قد ألقى الحمل الذي عليه، فإذا فضفض إليك أخ بشيء، فهل تُذيع؟! لا، ولكن كما يقولون: ((صدور الأحرار قبور الأسرار)) صدري هذا قبر، والسر الذي يدخل فيه لا يُذاع ولا يُشاع، ولا حتى لزوجتي لأنها قد تُذيعه لغيرها، لكن لا يخرج لأحد أبداً كأسرار المهنة.
وهذه الأحوال التي يركِّز عليها الصالحين في البداية، والتي نحن نريد مع بداية العام الهجري أن نراجع أنفسنا فيها، وننظر ماذا بلغنا في حفظ الأسرار وكتمان الأخبار، لكي نستحق عطاءات الأخيار، ومواهب الأبرار، فإذا وجدتُ أنه لا يزال فيَّ شيئاً فأهجره.
إذاً هجرتنا التي نريدها الآن شيئاً واحداً هو هجرة الإذاعة والإشاعة لما أستمع إليه من أقاويل، ومن أخبار، ومن أسرار، ولا أُذيع شيئاً أسمعه مهما كامت الظروف تجبرني عليه، من أجل: " وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا " (34الإسراء).
إذا اجتزت هذه العتبة، أصبحت مؤهلاً للروضة المحمدية لأتلقى الحقائق القرآنية، والعلوم الوهبية، والأسرار اللدنية، لأنني أصبحتُ أهلاً لحفظ الأسرار، والإمام ابو العزائم يقول في ذلك رضي الله عنه:
احفظن سري فسري لا يُباح
من يبُح بالسر بعد العلم طاح

علمنا فوق العقول مكانةً
كيف لا وهو الضيا الغيب الصُراح

خصَّنا بالفضل فيه ربنا
ذاك سرٌ غامضٌ كيف يُباح

والفتى المجذوب بالحب له آيةٌ
إن ذاق خمر الحب صاح

وهو محمول العناية إن يبح
بالحقائق ما على الفانى جناح



وقال لنا أيضاً في حِكَمه رضي الله عنه وأرضاه:
أخفوا علومكم صوناً لها عمن
مالوا إلى الحظ من زورٍ وبهتان

لا تُظهر مكنون العلوم التي تسمعها، ولا حقائق الفهوم التي تستوعبها لغيرك، تريد أن تتكلم معه فتكلم معه فيما سمعته في خطبة الجمعة أو في المسجد، لأنه درساً عاماً للكل، لكن تفكُّ شفرة أو رمز!! لا، بل اجعلها لنفسك لكي تنل أُنسك.
والأسرار الخاصة مع بعضكم فهي تحتاج أن يكون الإنسان على قدم أصحاب النبي العدنان، فأنت لا تُبح ولا تُذع أي سرٍّ قاله لك أي أخٍ مهما كانت منزلته، ومهما كانت مكانته، فتكون أميناً في الأرض وأميناً في السماء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم

فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم
الصلوات على رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فتح الله بها الله عز وجل على الإمام أبي العزائم رضي الله عنه وأرضاه كلها فتوحات، وهي الصلوات التي فتح الله بها علينا في طريق الله عز وجل، فأنا كنت أُردِّدها مرة صباحاً، ومرة مساءاً وبمفردي، وكنت أترنَّم بها، كما يترنَّم إنسان بأنشودة عظيمة، أو قطعة موسيقية راقية، تشد كل ما في كيان الإنسان، وكانت هي سبب الفتح الذي فتح به علينا حضرة الرحمن.
لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ذاتها بأي كيفية هي سرُّ أي فتح، ولذلك ارجع إلى دوواين الصالحين تجد أن السبب الأعظم في كل فتوحات الصالحين هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم: " إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " (56الأحزاب) ما الذي يحدث لكم بعد ذلك؟ سلِّم، لأنها فتوحات، وفيوضات، وألطافٌ خفية، وحقائق عرفانية لا تتحملها القوى البشرية، وإنما تتحملها الأرواح التقية النقية إذا سمت وغابت عن البشرية بالكلية في حضرة الحبيب المصطفى خير البرية صلى الله عليه وسلَّم.
وطريق الله لا ينفع فيه التمثيل، والذي يُمثِّل يغُش نفسه، لكنه يحتاج إلى الصدق من البداية، يعني إنسان يريد أن يجعل نفسه شيخاً، ويُمثِّل على من حوله أنه شيخ، فيُضيِّع نفسه، لكن اصدُق يصدق الله تبارك وتعالى معك.
أنواع الصلوات على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
والصلوات على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الواردة عن العارفين والصالحين أنواع، منها الصلوات العددية كالكتاب المشهور (دلائل الخيرات) للشيخ الجزولي رضي الله عنه، وكل الصلوات فيه أعداد، مثل: اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد عدد قطر البحار، وعدد ذرات الرمال، وعداد كذا وكذا، فكلها مبنية على الأعداد.
واشتهرت لصدق صاحبها، والإمام الشعراني يقول في ذلك: المذاهب الفقهية أكثر من ثلاثين، ولكن الذين اشتهروا منهم وعمَّت مذاهبهم ربوع الأرض الأربعة المشهورين، وذلك لصدقهم مع الله سبحانه وتعالى.
لكن المذاهب كثيرة، وسيدنا الإمام الجُنيد رضي الله عنه وأرضاه كان مذهبه على مذهب أبي ثور، وهو مذهب من المذاهب الفقهية لأبي سفيان الثوري.
فالشيخ الجزولي رضي الله عنه فتح الله عليه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهو من بلاد المغرب، وقد مات عن ثمانين عاماً، وبعد ثمانين عاماً من موته أرادوا نقله من موضعه إلى موضع آخر فوجدوه كهيئته يوم مات لم يتغير منه شيء!!.
وبداية قصته أنه كان يشعر بالعطش، وذهب إلى بئر ليشرب منها فوجد الماء في القعر، ولم يستطع أن يصل إليه، وإذا بصَبِّية في قصر مطل على هذه البئر تنظر إلى البئر فيرتفع الماء حتى يصل إلى فمها وتشرب!، فدُهش وقال لها: كيف وصلتِ إلى هذا المقام؟ فقالت: بالصلاة على النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
فاشتغل بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وألَّف كتابه دلائل الخيرات، أي الدلائل التي تدل على الخيرات، واسمها الصلوات العددية.
الإمام أبو العزائم سمَّى كتابه في الصلاة على رسول الله (نيل الخيرات) ووضع به أربع فتوحات فقط للصلاة على رسول الله، ولكنه ترك أكثر من خمسمائة فتح، والمطبوع منهم حوالي ثمانين فتحاً في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
النوع الثاني من الصلاة على رسول الله نسميها الصلاة المددية، يعني تأتيه الصلاة مدد من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكلٌ على قدره يغترف من بحره صلى الله عليه وسلَّم.
فمنهم من يمده حضرة النبي بصلاة واحدة في عُمره كله، ويسعد بها ويلقنها للمريدين، ومنهم من يمده حضرة النبي بأكثر من صلاة، ورأينا رجالاً يمدهم الله في كل أنفاسهم بعدد لا يعد ولا يحد بصلوات على سيدنا رسول الله.
منها صيغة سيدي أحمد البدوي، وصيغة سيدي عبد السلام بن مشيش، وصيغة سيدي إبراهيم الدسوقي، وغيرهم، وهذه الصيغ جمعها الإمام يوسف النبهاني رحمة الله عليه في كتاب جامع اسمه (سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين) وهو كتاب كبير حوالي سبعمائة صفحة، جمع فيه كل الصلوات الواردة من عصر الصحابة من أول صيغة سيدنا علي، وصيغة سيدنا عبد الله بن مسعود إلى وقته.
وكان يعمل قاضي بالمحكمة العُليا في بيروت في الأربعينيات، فجمع كل هذه الصيغ التقريبية التي وصلت إليه، وبالطبع هناك صيغ لم تصل إليه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يُحيط بالعلم كله، هذه الصيغ التي أمد بها حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم الأقطاب والعارفين والصالحين والحكماء الربانيين في كل زمان ومكان.
النوع الثالث الأرقى والأعلى كصلوات الإمام أبو العزائم، وهي الصلاة الشهودية، أو إن شئت (الصلاة العينية) لأنه قالها وهو في حالة الشهود لفرد الوجود في نوره الذاتي الذي أفرده الله تعالى به، وتجده في قوله سبحانه: " وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ " (3البروج).
فسيدنا رسول الله له صورةٌ ظاهرية والتي وصفها الواصفون في زمانه، وله صورة نورانية لا تلوح إلا لأهل القلوب إذا مُحيت الحُجب، ورُفعت الستائر، واستنارت البصائر، ورأوا نور النبي صلى الله عليه وسلَّم ظاهر يرونه عياناً صلوات ربي وتسليماته عليه.
وكان يقول فيها الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه: ((رأيتك كشفاً لا سماع رواية)) ليس سماعاً عن فلان وعن فلان، ولكن كشفاً، وتَغنَّى الإمام أبو العزائم بقصيدة يقول فيها:
لا يغيب النور عن أهل اليقين
كيف ذا والنور في الأُفق المبين

شمسنا طه الحبيب المصطفى
لم تغب يا طالب الحق اليقين

من يقُل غابت فذاك لحجبه
كيف يخفى نور رب العالمين

نورتنا الشمس أصبح نورها
مشرقا في كل فرد في أمين

شمسنا طه الحبيب المصطفى لم تغب عنا نحن وليس عن الناس، فنور رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ظاهر لهؤلاء القوم عياناً، وعندما يرى أحدهم أنوار حضرته يصف ما يرى مما يظهر من جمال سدرته، فيُوصف سيدنا رسول الله كما يرى من جماله الباطني، ومن نوره الإلهي وهذا الوصف الذي نقرأه في صلوات الإمام أبو العزائم.
ولذلك كثيرٌ من الأحباب عندما يقرأ الصلوات في البداية يقول: هذه طلاسم!، لأنه لم يفهم فيها شيئاً، فهي ليست بالفهم ولكنها بالذوق والشهود، فطالما أنك تشعر بنفسك، وترى نفسك، والأنانية موجودة، والأثرة موجودة، وحب الظهور فإن النور سيكون مفقود.
لكن إذا فنيت عن نفسك، وغبت عن وجودك الباطل بوجودك الحق الذي أبقاك به ربك، يرى ما فيك من نور الحق أنوار سيد الخلق صلوات ربي وتسليماته عليه في غيبة عن الخلق، ويقول في ذلك سيدي الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه:
النور محظورٌ على أهل الهوى
والحظ بادر نعطك الأقداح

لكن طالما الحظ يذهب بك إلى هنا وهناك، والهوى هو الذي يُسيرك، وهو الذي يُحيرك ويديرك، فماذا ترى؟! لن ترى إلا نفسك، يقول فيها الإمام أبو العزائم في أولها:
أنا غارقٌ في بحر نورٍ مطلقٍ
لا برَّ يحصرني ولا ملَّاح

من رام يعرفني تجرَّد عن سوى
نصِّ الشريعة إن أراد فلاح

النور محظورٌ على أهل الهوى
والحظ، بادر نعطك الأقداح

فلما الإنسان يهيم في حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم ويعلوه الشوق والغرام، ويُعينه الله على جهاد نفسه، فيتخلص من حظها وهواها، يرى بما فيه من أنوار حضرة الله الحقائق الجلية التي استودعها الله في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فعندما يقرأ الصلوات يكون كمن يرى فيلماً ولكن:
بعين الروح لا عين العقول
شهدتُ الغيب في حال الوصول

لن يرى بعين الرأس، لأن هذه العين لا ترى إلا المحسوسات، ولا شأن لها بالأنوار، فعندما يقرأ يرى فيلماً نورانياً ربانياً يُبين الحقيقة المحمدية في أبهى جمالاتها وكمالاتها الإلهية، كما وصفها العارف عند شهوده صلى الله عليه وسلَّم.
وأنا أعجب عندما أجد كثير من الأحباب لا يعرف يُغني على ذكر، ولا يستطيع أن يضبط حلقة ذكر، وذلك لأنه لم يعش الدور.
فقد كنت بعد أن أقرأ الصلوات أعمل حضرة بمفردي ولكن، كان يُهيأ لي أن ملائكة السماء وعمار الأرض حاضرين معي، بالعشق والشوق أصفِّق وأُغني وأذكر الله سبحانه وتعالى!!.
فلا بد من الشوق الذي يُحرِّك القلب، حتى يهز الجسم ليمحو الأوصاف الدنية وتظهر الأنوار الخفية التي جعلها فيك رب البرية سبحانه وتعالى.
وبعد ذلك لو مسكت الذكر ستهيج كل الأرواح التي فيه، لأن واحد يهيِّم الكل، وواحد ينيِّم الكل، فإذا قالوا لك: غنِّي ستُغني، ولو لم يكن عندك صوت، سيُعطونك صوتاً تُغني به، لماذا؟ لأنك تعرضت لفضل الله تبارك وتعالى:
إذا تعرض عبدي
لنيل فضلي تحلى

بحلة الحُسن مني
وبالشهود تملى

يراه أملاك قدسٍ
نور الهُدى يتدلى

يُحبه كل خلقي
والحب منيَّ قبلا

إليك أقرب منك
بمحكم الذكر يُتلى

فالإنسان يعيش في هذه الأحوال، وكلها بدايتها هذه الصلوات، ولكن المهم الملازمة والمواظبة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ }
وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ كانَ عَمَلُهُ دِيمَةً }
يعني يديم عليه، والعمل إذا كان بالقلب كشف الحُجب، وأظهر الحقائق، وظهرت البوارق الإلهية في القلب فصَّفته، والأنوار المحمدية على الفؤاد فأطلقته، فيرى الإنسان ويشهد ما لا يراه الناظرون، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أهل ذلك أجمعين.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

ميراث الصالحين

ميراث الصالحين لأحبابهم
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على هُداه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد حبيب الله ومصطفاه، وآله وورثته والقائمين بدعوته إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين بمنِّك وفضلك وجودك يا أرحم الراحمين.
أحباب الصالحين ينقسمون في الأمر العام إلى قسمين.
أحباب الصالحين
القسم الأول: المحبين، وهم الذين يحبون الصالحين، ويحبون أحوال الصالحين، ويحبون سماع سِير الصالحين، ويحبون زيارة الصالحين، ويحبون الكلام المروي عن الصالحين، وهؤلاء ليسوا على درجة هيِّنة، ولكنهم على درجة عالية يقول فيها سيدي أبو اليزيد البسطامي رضي الله تبارك وتعالى عنه: من أحبَّ سماع هذه العلوم فهو من أولياء الله، ومن تجمَّل بها - يعني من يتكلم بها - فهو من الكُمَّل، والكمَّل قليل.
يعني كون الإنسان يحب هذه العلوم، ويحب هؤلاء الأقوام، فهو في منزلةٍ عظيمة عند الله تبارك وتعالى، ودخل في الصالحين: " وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ " (9العنكبوت) دخل في الصالحين في الدنيا وفي الآخرة إن شاء الله.
وهؤلاء الصالحون من تمسك بهم، ومن اقتفى أثرهم لا يتخلون عنه طرفة عين في الدنيا ولا في الآخرة، لأنهم قومٌ كرام السجايا، حتى كان الناس وإلى وقتنا يقولون: ((من لازم الأعتاب ما خاب)) يعني من لزم أعتاب الصالحين لا يخيب أبداً.
والأعتاب ليس معناها كما يفهم الناس، الأعتاب الموصلة للأضرحة، ولكن هي المجالس التي توصل إلى أحوال هؤلاء الرجال، والتي فيها نهجهم، وفيها علومهم، وفيها أورادهم، وفيها فتح الله تبارك وتعالى عليهم، فهذه هي الأعتاب النورانية التي توصل إلى المراقي العلية التي بها ينال الإنسان أن يكون مع الصالحين.
فهذا يكفيه شرفاً وفخراً قوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حَشَرَهُ اللَّهُ فِي زُمْرَتِهِمْ }
فماذا نريد أحسن من ذلك؟!! ولمَّا ذكر سيدنا رسول الله هذا الحديث قال كثير من الصحب الكرام: نحن نحب الرسول، ونحب أبو بكر، ونحب عمر، ونحب الصحابة الأجلاء، فيا ربنا أكرمنا بهم وأدخلنا في زُمرتهم.
ونحن كلنا نُكرر هذا القول، فنحن كلنا نحب رسول الله، وصحبه المباركين، والأولياء والصالحين المُكرمين إلى يوم الدين.
فهؤلاء سيشفعون له عند الله، فلو حتى وقع في هفوة أو وقع في ذنب واستغاث بهم، فإنهم يرفعون أكُفَّ الضراعة إلى الله وكأنهم يقولون: يا ربنا من أجلنا اعفُ عنه وسامحه ولا تؤاخذه بهذا الذنب، ولا تعاقبه بهذا الوزر، ويستجيب الله تبارك وتعالى لهم.
رُوي أن الإمام الجُنيد رضي الله تبارك وتعالى عنه، كان له تلميذ، وكان يُصلي، وهو في أثناء الصلاة حدَّثته نفسه بشهوة حتى أنه أنزل وهو في الصلاة!!، فخرج من الصلاة ونام، ولما استيقظ من النوم فإذا وجهه مُسوَد!! من جُرم الذنب الذي فعله، فيذهب إلى الإمام الجنيد رضي الله عنه فيعاتبه، ولكن لا يوبخه توبيخاً شديداً، لأن الصالحين يأخذون المريدين بالأخذ الهين اللين على منوال رب العالمين سبحانه وتعالى، فليس عندهم الزجر ولا التهديد وإنما بالملاطفة واللين، لأنهم يعرفون أن البشرية لو تحكمت في الإنسان إن لم تتدراكه عناية الرحمن فمصيره الوقوع في الذنب أو الخسران والعياذ بالله تبارك وتعالى، والله سبحانه وتعالى من أجل ذلك سمَّى نفسه الغفور الرحيم التواب الكريم.
حتى أنه يُروى في بعض الأثر أن آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام لما وقع في الذنب، استغاث بربه وقال: يا رب ألا عصمتني من الذنب؟ فقال الله: يا آدم إذا عصمتك وعصمت بنيك فلِمَ سميتُ نفسي بالتواب والغفار والعفو؟!!.
لمن أغفر؟! ولمن أعفو؟! ولمن أتوب؟! ولكن الله سمَّى نفسه بذلك لأنه يعلم أننا سنقع في ذلك، المهم أن يرجع المرء إلى الله فوراً، ولا يؤجل ولا يُسوِّف، يقول إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه:
اسمعوا فالذنب سرُّ الاقتراب
من هو المعلوم فى حلٍّ غياب

يكِسر الذنب القلوب بوقعه
كسره قُربٌ إلى نور الكتاب

وهي التي قال فيها ابن عطاء الله رضي الله عنه: ((رُبَّ معصية أورثت ذُلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكبارا)) الذنب يجعل الإنسان يشعر بأنه وضيع القيمة، وليس جليل الشأن، فيحجبه من مرض الكبر، ومن رداء الفخر، ويجعله يعلم قيمته وحقيقته، فيرجع إلى ربه تائباً منيباً، وهذا ما يُحبه الله وقال فيه في قرآنه: " إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " (222البقرة).
فصلَّى الإمام الجنيد رضي الله عنه ركعتين واستغاث بمولاه، فإذا بهذا الرجل يذهب عنه سواد وجهه، ويرجع إلى بياضه وحالته، فقال له رضي الله عنه: استغثتُ بالله سبحانه وتعالى وتشفعتُ فيك سبعين مرة، حتى تاب عليك ولم يؤاخذك بهذا الذنب، وكشف عنك هذا الأمر.
وهذا الكلام لو تصفحنا سير الصالحين نجده كثيرٌ جداً لا يعد ولا يحد، لأن الله جعل لهم خاطراً عنده، فإذا سألوه أعطاهم، وإذا دعوه أجابهم، وإذا طلبوا منه لباهم في أي أمر من الأمور، وهم لا يطلبون من الله إلا ما فيه نفعٌ وفيه رفعةٌ لإخوانهم وأحبابهم، نسأل الله تبارك وتعالى أن نكون منهم أجمعين.
السالكون والمريدون
القسم الثاني: السالكين
المحبون لهم ما لا نستطيع ذكره ولا حصره من الألطاف الإلهية والعناية الربانية، لكن لا يرثون من أحوال الصالحين إلا بقدر قليل، من الذي يرث أحوال الصالحين؟ وفتوحات المقربين؟ السالكين الذين يمشون على منوالهم، ويتبعوا هديهم، ويُلازموا أورادهم، فمن يمشي على هذا المنهاج نسميه سالك، يعني هو الذي يمشى في الطريق الموصل إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.
أو نسميه مريد، لأنه يريد الفضل العلي، ويريد القرب من حضرة النبي، ويريد أن يكون ذا مكانة علية في جوار الصالحين والأبرار والمتقين.
له همةٌ عليه تدعوه إلى سلوك هذا المنهج وهذا الطريق الذي جاء به الصالحين، والذين جاءوا به من كتاب الله، ومن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
سر الوصول
لكن الله سبحانه وتعالى لما كان نبينا صلى الله عليه وسلَّم نبيُّ الختام، فإنه جعل لكل عصر رجل من الرجال يُلهمه الدواء النافع لأهل هذا العصر، ولذلك أعجبتني كلمة قالها أحد إخواننا المغاربة بارك الله فيه: (لو كان الانتفاع في طريق التربية يتمُّ بأصحاب الأضرحة الأموات، لكان الأَوْلى أن يقف الإنسان عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم!!) فلماذا أذهب لفلان أو فلان؟!! فأنا أذهب مباشرة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لكن الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه قال: ((الله حيٌّ قيوم، ولا يصل إليه واصل إلا بحيٍّ قائم)) لا بد أن يكون حياً بيننا، وأحياه الله بنوره، وأحياه الله بروحه: " وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ " (9السجدة) سرُّ الحياة: " يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ " (15غافر) فأصبح قائماً أقامه الله، وأقامه سيدنا رسول الله، ليأخذ بأمر الله بأيدي المرادين والمطلوبين ليوصلهم إلى حضرة الله، وإلى مائدة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
هذا المنهج يكون من القرآن ومن السُنة، ولكن الملائمة للزمان والملائمة للعصر، والتي بها وحدها تنكشف الظلمات عن القلوب، وينمحي غين الطبع عن النفوس، ويكون الإنسان في طرفة أو أقل لو أخلص وصدق في حضرة المليك القدوس سبحانه وتعالى.
فجاءونا بهذه الأوراد، وهذا سر اختلاف أوراد الصالحين، أن كل واحد منهم جاء بما يناسب أهل عصره، ويناسب أهل زمانه، فنجد أن كثيراً من المنتسبين للصالحين مستمسكين بأوراد السابقين، فنتركهم على ما هم عليه، لأن الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه علَّمنا في (مذكرة المرشدين والمسترشدين) وقال لنا: إذا ذكروا مشايخهم فتَرَضَّى عنهم، وأثني عليهم، وحدِّثهم بما لا يعرفون في مشايخهم!!.
عرفهم ما لا يعرفون عن هؤلاء المشايخ في طريق الله، وفي تربية المريدين والسالكين إلى الله سبحانه وتعالى.
لكن البضاعة المعتمدة التي توصل إلى الله، هي التي اعتمدها سيدنا رسول الله، وجعلها في هذا العصر المنير، وهي سر الحياة لكل قلب يتصل بالعبد الصالح، يريد أن يكون مراداً لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الأوراد سر الإمداد
هذه الأوراد هي سرُّ الإمداد، ولذلك قالوا: (من لا ورد له، لا وارد له) يعني ليس له وارد من الله، إن كان من الفتح الإلهي، ومن العلم الإلهامي، ومن النور القدسي، ومن الحكمة الربانية، ومن كل أنواع الهبات والعطاءات الإلهية جعل الله عز وجل سرها في العمل بالأوراد، لأن الأوراد هي الدليل والبرهان على صدق الإتباع.
فمثلاً أنا أُردد أنني من أتباع الإمام أبي العزائم رضي الله عنه وأرضاه، لكن ما الدليل على ذلك والذي أتقدم به لحضرة الله ولحضرة رسول الله ليكون لي نصيباً من الفتح الإلهي الذي خصَّه به مولاه؟! أن أمشي على هُداه، وعلى منهجه الذي اختاره له الله سبحانه وتعالى، ولذلك ما رأينا إخواننا الصادقين والذين فتح الله عليهم الفتح المبين إلا وهم محافظون على هذه الأوراد، مهما كانت الأغراض والأعراض التي تعترضهم في هذه الحياة.
لم أرَ أحداً من إخواننا السابقين ترك ورد ختم صلاة الصُبح للإمام أبي العزائم، وعندما كنا نتعلل ونقول: معنا مذاكرة أو سفر أو مشغول، يقولون: لا مانع، والإمام أبو العزائم قال وقت الختم حتى الظهيرة، فحتى لو أردت النوم قليلاً بعد الفجر فلا مانع، ولكن بعد أن تستيقظ لا تنسى أن تُكمل الورد، ومعك الوقت إلى صلاة الظهر، فتُعود النفس، والنفس على ما تعتاد عليه تسير بك إلى الله سبحانه وتعالى.
إذا فُتح بابٌ من الغيب، وبدأت ترى بعض الرؤيا المنامية، أو حتى بعض الأسرار القرآنية، أو أُفيض عليك بعض العلوم الوهبية، فاحذر أن تقول: أنا قد وصلت، فإلى أي شيء وصلت؟! هل وصلت للعلوم ولفهوم؟! أم وصلت لحضرة النبي وللحي القيوم؟! فهذا هو الوصول، لكن ما العلوم؟! وما الفهوم؟! وما الرؤيا المنامية؟ إن إبليس قد ضحك عليك ويُريها لك.
الوصول
لكن الوصول هو الوصول إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بحيث يتمتع العبد بمرآه، ولا يغيب عنه نَفَساً في اليقظة ولا في المنام، وفي هذه اللحظة يوجهه ويرشده ويُوصيه، ويتولى الرسول صلى الله عليه وسلَّم كل أموره بذاته الشريفة.
فيكون هنا قد اطمأن الإنسان أنه على المنهج القويم، وعلى الصراط المستقيم، لأنه مع الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم، لكن قبل ذلك لا يطمئن إلى النفس طرفة عين ولا أقل، يقول إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه: (لا يزال العبد في جهاد النفس حتى خروج النَفَس الأخير) ويقول أيضاً: (لو ظن أكمل مريد في طريقي أنه استغنى عن الإخوان طرفة عين فقد ضل وأضل) لأنه في حاجة إلى الإخوان ليشدُّوا عزيمته، ويشدوا أزره.
فإذا كان نبي الله، وكليم الله موسى طلب من الله أن يشدَّ أزره بأخيه هارون، لماذا؟ بيَّن في الطلب سبب طلبه هذا الطلب من ذي الجلال والإكرام سبحانه وتعالى: " وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي " (29طه) ثم حدَّده بالاسم: " هَارُونَ أَخِي " (30طه) لماذا؟ " اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا " (31-34طه).
فأنت مهما بلغت من الرقي والعُلو في الدرجات فلن تستطيع أن تذكر الله ذكراً كثير إلا بمعاونة إخوانك في الله، الذين يُعينونك على بلوغ المنى ببركة أنوار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فالسالك في طريق الله تبارك وتعالى لا بد له من جهاد النفس في منعها عن غيها، وعن غفلتها، عن المعاصي وعن الغفلة، وشغلها بطاعة الله والأوراد التي يُقبل بها على مولاه سبحانه وتعالى.
وما الأوراد السريعة في التوصيل إلى الله؟ هي التي أعطاها لنا المرشد العصري الذي أكرمنا الله بأن نكون في زمانه وعصره وأوانه.
أوراد الإمام أبو العزائم
أولاً: ختم صلاة الصُبح:
ختم صلاة الصُبح ورد أساسي لا يستطيع الإنسان أن يتركه يوماً من الأيام، بل والله ربما أكون ساهراً إلى قريب من الفجر، وعندما أُصلي الصبح لا أستطيع أن أنام إلا إذا أكملتُ ختم صلاة الصُبح للإمام أبي العزائم لما وجدتُ فيه من الفتوحات الإلهية والأنوار الربانية.
جمع فيه الإمام أبو العزائم رضي الله عنه الأذكار النبوية التي تُقال في الصباح، وأدعية أنبياء الله التي استجابها لهم الله، وعلَّمنا أيضاً كيف ندعوا بأدعية هؤلاء الأنبياء بطريقة نورانية بهية، والإنسان هنا: " أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ " (90الأنعام).
ثانياً: قراءة الصلوات:
وهذه الصلوات كما وضحنا قبل ذلك وقلنا أن هناك صلواتٌ عددية، وصلواتٌ مددية، وصلواتٌ شهودية أو عينية، وقلنا أن صلوات الإمام أبي العزائم صلواتٌ شهودية، لأنه قالها وهو في حالة الشهود لحضرة الحبيب النورانية صلى الله عليه وسلَّم.
فتكشف لك عن جمال الذات المحمدية الذي خُصَّت به من رب البرية، وتزيل الغشاوة عن الفؤاد، وتفتح عين البصيرة، وتجعل الإنسان داخلاً في قول الرحمن: " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي " (108يوسف).
ولذلك ونحن في مرحلة السير والسلوك إلى الله كنا نقرأها مرة صباحاً، ومرة مساءاً، ولكن كنا نترنَّم بها، ولا نقرأها قراءة عابرة، ولكن بترنُّم، ويستحضر الإنسان عند تلاوتها الحبيب صلى الله عليه وسلَّم حاضرٌ بذاته الشريفة وأنواره البهية.
بركة المداومة
وعندما يستغرق الإنسان بهذه الكيفية، فعندما ينام يرى الحبيب صلى الله عليه وسلَّم أولاً في المنام، ثم يُلاطفه ويُؤانسه بالكلام، ثم يمده بعلوم الإلهام، ثم يكون بينه وبينه تواصلٌ على الدوام، المهم كل هذه الأوراد تحتاج إلى قوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ }
سر فلاح الصالحين المداومة، لأن الإنسان قد يمشي على هذا المنهج شهراً، ويرجع مرة ثانية والنفس تُثبطه وتكسله، وقد يمشي عليه سنة، والنفس أيضاً تكسله، وقد يمشي عليه سنين ولكنه طالب للفتح، وليس طالباً لله، فلا يأتيه الفتح، فنفسه تُيئسه فيتوقف عن هذه الأوراد.
لكن أنا لا أعمل للفتح، بل أعمل لله، ولسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فالذي يعبد الله للفتح، فهذه عبادة معلولة، والذي يعبد الله للكشف، فهذه عبادة معلولة، والذي يعبد الله ليُحصِّل علوم الإلهام، فهذه عبادة معلولة، والذي يعبد الله ليحصِّل الكرامات، فهذه عبادة معلوله، لكن أعبد الله لذاته: (فاعبدنُه لذاته أفردنُه) اعبد الله لأنه أهلاً للعبادة.
أنا ماذا أحتاج؟ هو أعرف بي، وأولى بي مني، يُقيمني حيث شاء، فكن له حيث شاء، يُقيمك حيث شاء سبحانه وتعالى في محابه ومراضيه، ليكون الإنسان محفوظاً بحفظ الله، ولا تستطيع النفس ولا الهوى ولا الشيطان أن يلعبوا به ولا يؤثروا فيه، فأهم شيء إخلاص القصد لله سبحانه وتعالى.
سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه يحكي وهو في بدايته، وكان يتعبد في غار في جبل شاذُلة في تونس بالقرب من بلد اسمها شاذُلة، فيقول: قضيت في الغار سبع سنين، وفي يوم من الأيام وجدتُ امرأة من أهل الكشف تمر أمام الغار الذي كنت فيه، وتقول: هو يقول: اليوم سيُفتح عليَّ، غداً سيُفتح عليَّ، فهل تعبد الله للفتح أم لله؟!! وهي بهذا الكلام تريده أن ينتبه، قال: فتيقظتُ إلى ما انتابني وحرمني، لأنه كان يعبد الله من أجل عطاء، وإن كان هذا العطاء غالي وعالي، لكن الذي يعبد الله يعبده لذاته: (فاعبدنه لذاته أفردنه).
لا يخطر في قلبك يوماً أنك تعبد الله لأي أمل، أو لأي أجرٍ، سواءٌ في الدنيا، أوالآخرة، والإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه يقول لنا في ذلك: (إن مولانا تنزَّه عن علل) لا يريد أصحاب العلل، ولكن يريد الذين يُفردوه بالقصد، وهؤلاء الذين قال فيهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
{ سَبَقَ الْمُفْرِدُونَ، قَالُوا: وَمَا الْمُفْرِدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْتَهْتَرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافًا }
وفي رواية: الْمُفَرِّدُونَ، وفي رواية أخرى: الْمُفْرَدُونَ.
فنحن جميعاً نريد أن يكون لنا نصيبٌ من ميراث الصالحين، وميراث الصالحين هو الذي يقول فيه سيد الأولين والآخرين:
{ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ }
ميراث الصالحين الذي ورثوه من رسول الله العلم الإلهي، والنور الرباني،والكشف وغيره، ونحن نريد أن يكون لنا نصيبٌ فيه، ومتى يكون لنا نصيبٌ فيه؟ إذا واظبنا على الأوراد طلباً لرضاء الله، وطلباً للتشبه بحبيبه ومصطفاه، وطلباً للسير على منهاج العبد الموصول الذي سيُوصلنا إلى حضرة الله.
لا لعلة نفسية، ولا لأغراض دنيوية، وإنما بهذه الكيفية إذا سرنا على هذا المنهاج.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين اجتباهم واصطفاهم، وجعل لهم قسطاً من الأنوار، وغرف لهم فيضاً من العلوم الإلهية والأسرار، ومتَّعهم ظاهراً وباطناً بحضرة النبي المختار، وجعلهم من العالِمين الدالين على حضرته في الدنيا، والشفعاء لدنه يوم القرار
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

فضل ذكر الله تعالى

فضل ذكر الله تعالى
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الحمد لله الذي جعلنا من عباده الذاكرين، ورزقنا من عنده روح الهُدى والنور واليقين، وجعلنا من عباده الذين هم عليه مقبلين، ولحضرته طالبين، وفي النظر إلى جمال وجهه طامعين، نحن وأحبابنا وإخواننا أجمعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد تاج رءوس العارفين، والسراج المنير في قلوب الأتقياء والصديقين، صلى الله عليه وآله وصحبه وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين وعلينا معهم أجمعين آمين آمين يا رب العالمين.
شباب الذاكرين
لو لاحظنا إلى زمن قريب، كنا نجد أن القوم الذين يواظبون على ذكر الله في جماعة لا ينتابهم الهِرم، ولا تظهر عليهم الشيخوخة، بل يظلون في شباب دائم، كأنهم أخذوا وصف أهل الجنة وهم في الدنيا، فإن أهل الجنة قال فيهم صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يَبْلَى شَبَابُهُمْ }
وقال:
{ إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ }
فهم لا يهرمون، ولا يموتون، ولا يسقمون، ولا يتبولون ولا يتغوطون، ولا يبلى شبابهم، بل يظلون في شباب في الجنة على الدوام، يظلون في أبهى سن الشباب وهو سن الثلاثة والثلاثين على الدوام، خالدين فيها، ولا يغادر هذا السن أبداً، حتى لا يشعر بالشيخوخة، ولا أمراض الشيخوخة.
وكأن وصف أهل الجنة هذا يأخذه الذاكرون الله والذاكرات، وهم في الحياة الدنيا، وهذا الكلام رأيناه في القوم الذين كانوا مواظبين ومحافظين على ذكر الله في جماعة، حتى الأُميين والجهلاء منهم.
الطاقة السلبية والايجابية للإنسان
وانتبه لهذه الحقيقة المجتمع الأمريكي والغربي من قريب، كيف؟ وجدوا أن الإنسان معرض في حياته للتوتر، ولشيء يُصيبه بالحُزن، ولشيء يجعله يُصاب بالغم والهم، أو لموقف يُسبب له حرج، كل هذه الأمور تزيد من الطاقة السلبية الموجودة في جسم الإنسان، وعندما تزيد الطاقة السلبية الموجودة في جسم الإنسان تُؤثر في الأعضاء، فقد تؤثر في البنكرياس فيُصاب الإنسان بالسكر، وقد تؤثر على المرارة فيُصاب الإنسان بفشل المرارة، أو حصوات المرارة، وقد تؤثر على الكبد، أو أي عُضوٌ من أعضاء الجسم، أو تؤثر على ميزان من موازين الجسم، كضغط الدم.
كل ذلك بسبب القوى السلبية الموجودة في الجسم، ولكي يعيش الإنسان سليم وصحيح يحتاج أن يُفرِّغ القوى السلبية التي فيه على الدوام، وتزيد فيه القوى الإيجابية التي تُعطيه روحٌ وريحان، وتُعطيه طاقة نورانية، تجعله دائماً متفائلاً ومبتسماً، ويواجه الحياة، ولا يعبأ بما يواجهه من مشكلات، لأن عنده ثقة في بارئ الأرض والسماوات الذي لا يُعجزه شيء.
لأن مشكلاته هذه لا تساوي بالنسبة لحضرة الحق سبحانه وتعالى شيء، فعندما يرفع الأمر إلى الله يجد الحل سريعاً جداً كما قال الله: " وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا " (2الطلاق) في أي أمر يتعرض له: " وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ " (3الطلاق).
فالإنسان عندما يدخل في دائرة ذكر الله، والذكر الجماعي بالذات، ويُؤخذ، ويغيب عن نفسه، وينشغل بالكلية بربه تبارك وتعالى، ويتحرك يميناً وشمالاً، أو أماماً وخلفاً، لكي يزيد من حركة خروج الطاقات السلبية التي فيه، لأنها تحتاج إلى الحركة، وتملأ الإنسان بالطاقة الإيجابية الحيوية التي يحتاج إليها في الدنيا قبل الآخرة، حتى يعيش مستريح البال إلى أن يلقى الواحد المتعال سبحانه وتعالى.
راحة البال
هناك أناسٌ كثيرون اختلفوا في تعريف السعادة، ولكن أنا أرى أن السعادة باختصار شديد هي راحة البال، إذا كان الإنسان باله مرتاح، ولا يشغله شيء يُصيبه بهم ولا غم، فهذا هو السعيد.
ولا يوجد إنسان يستطيع أن يمنع الهموم عن نفسه، إلا إذا رفع الهموم وألقاها على ربه، ويخرج هو سليم ومستقيم، وحاله كما قال فيه الله: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " (97النحل).
وقد كان، وربما لا زال في بعض القُرى، مع أُميتهم كانوا يستخدون أُسلوباً قد تعترض عليه الشريعة، فكانوا يجمعون النساء اللواتي أصبن بهموم وغموم الحياة، وكذلك الرجال، وكانت الآفة أن يجتمع رجال مع نساء، ويشغلوا الموسيقى، والموسيقى تجعلهم الواحد منهم يغيب عن نفسه، فيُخرج الطاقات السلبية والهم والغم، وبعد أن ينتهي يجد نفسه سليماً ومرتاحاً تماماً، هذه الحلقات كانوا يسمونها الزار.
ونحن عندنا ما يُغنينا عن هذه الحلقات، وهي الحركات الشرعية لذكر الله، فتؤدي نفس المهمة وأكثر، لأنها تجعل الإنسان يغتسل تماماً من كل هم وغم وألم وطاقة سلبية، ويخرج منها صحيح القلب والفؤاد بين يدي رب العباد سبحانه وتعالى.
يعني حلقة الذكر تعتبر كدُّش، ولكنه لا يغسل الجسم، ولكن يغسل القلب من الهموم التي تُصيبه، والغموم التي تشغله، والمشاكل التي تحيره، يغسل كل هذه الأمور، لأنه في هذه اللحظات ينشغل بمولاه وينسى هذه الأمور.
ولكن الذكر الذي ينخرط فيه الإنسان، وينشغل بالذكر، ويتعلق بالمذكور حتى عمن حوله، وينسى نفسه نهائياً، مع أنه يتحرك ويذهب ويأتي!!، وهذا الذي يجعل الإنسان شباب إلى أن يلقى حضرة الرحمن سبحانه وتعالى.
حتى إن بعض الأوربيين عندما يأتون إلى العالم الإسلامي هنا يبحثون عن حلقات الذكر ويشاهدونها، وعندما يبدأ الذكر ويغيب الذاكرون في المذكور يدخلون معهم!!.
مجلة (منار الإسلام) والتي تصدر في أبو ظبي، قامت بعمل استطلاع على مستوى الوطن العربي لأكبر دولة عربية يدخل فيها الأوروبيون في الإسلام، وما الأسباب؟ فوجدوا أن أكبر دولة عربية يدخل فيها الأوروبيون في الإسلام هي المغرب، وكان السبب حلقات الذكر الكثيرة هناك، حيث يأتي الأوروبيون فيشاهدون حلقة الذكر، وبعدها لا يستطيع منع نفسه من الدخول في الحلقة، فيدخل في حلقة الذكر فينشرح صدره، وبعدها يسأل عن هذا، فيدخل في دين الله سبحانه وتعالى.
وعندنا في مصر الموالد، وفيها هذه المحاسن، كالموالد الكبيرة مثل مولد السيد أحمد البدوي، حيث يأتي أُناس من أوروبا وأمريكا خصيصاً للدخول في حلقات الذكر، وكان من ضمنهم سفير أمريكا في فترة من الفترات، فكان يذهب إلى هناك، وكان يلبس لباساً مخصوصاً كالجلابية والطاقية ويدخل في حلقات الذكر.
لماذا هم يريدون ذلك؟ لأن الأوروبيين عندهم متاعب الحياة شديدة وليس فيه هوادة، فالعمل هناك عمل جاد، لذلك حتى الناس العاديين منهم يأتون في عُطلة نهاية الأسبوع عندهم ويذهبون لأي مكان ليُخرجوا الطاقات السلبية التي أُصيبوا بها أثناء العمل، فيذهبون مثلاً إلى ملاهي أو ما شابهها، لماذا؟ يريد أن يُخرج الطاقة السلبية التي في داخله، ويريد أن يعيش حياة أُخرى غير حياة الجد التي يعيش فيها، وبعد ذلك يقول: أستطيع أن أواصل العمل.
ولذلك تجدهم ليسوا ككثير من الناس عندنا، فمعظم الناس عندنا يعيشون بالأدوية والعلاج، من أول الصبا إلى الشيخوخة، لكنهم ليسوا كذلك لأنهم يُخرجون الطاقات السلبية أولاً بأول في عُطلة نهاية الأسبوع، وهذا بالنسبة للناس العاديين.
أما بالنسبة العقلاء منهم، فقد بدأوا من الستينييات في أمريكا وفي أوروبا إدخال حلقات مخصوصة للذكر، ولكن للأسف نحن كمسلمين ركزنا على محاربة بعضنا، وقتل بعضنا، وتركنا الدعوة الإسلامية، وللأسف الذي تولى هذا الأمر معهم الهنود، وعلَّموهم اليوجا.
فيقول له: أنت تحتاح كل يوم إلى نصف ساعة، تتأمل وتذكر بذكر اليوجا فتغيب عن نفسك، وتُخرج القوى السلبية التي عندك لكي تعيش حياة نقية لا فيها مرض ولا هم ولا غم.
مع أننا الأصل الذي قال لنا فيه الله: " إِنَّ الانْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا " (19المعارج) ولم يقُل المؤمن، فالمؤمن ليس عنده هلع: " إِنَّ الانْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلا الْمُصَلِّينَ " (22) (المعارج) فالمصلين ليس عندهم هذه الأمور، لماذا؟ لأن المداومة على ذكر الله هي العلاج الوحيد لإنهاء الطاقة السلبية، وتأثيرها على أعضاء جسم الإنسان، وجعل الإنسان يعيش كما يريد منه حضرة الرحمن تبارك وتعالى.
ذكر الله أكسير الشباب
فذكر الله نستطيع أن نسميه الأُكسير الذي يجعل الإنسان في شباب دائم، فهم يبحثون الآن على أدوية يريدون أن يكتشفوها ويخترعوها لكي ترد الإنسان للشباب، لكننا عندنا دواؤنا، ولا يكلفنا مال ولا شيء مادي، وكل ما يكلفنا أننا نجتمع مع بعضنا ونذكر الله، ونتحرك.
كيف نتحرك؟ القلب إذا وُجد فيه شيء من الهُيام لحضرة الله، وشيء من الوجد لسيدنا رسول الله، سيُحرك الجسم:
فإنا إذا طبنا وطابت نفوسنا
وخامرنا خمر الغرام تهتَّكنا

فلا تلُم السكران في حال سُكره
فقد رُفع التكليف في سكرنا عنا

فيجعل الإنسان يعيش في حالة فيها إقبالٌ شديدٌ على حضرة الله، وهي الحالة الوحيدة التي تجعل الإنسان يحيا الحياة الإيمانية، ومعها الحياة الجسدية: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ " (24الأنفال) فهي الحياة التامة الإيمانية اليقينية.
فالمداومة على حلقات الذكر هي الأُكسير الوحيد في الوجود الذي يجعل الإنسان شاباً في قواه الظاهرة والباطنة حتى يلقى الله تبارك وتعالى، وهذا من فضل الله علينا، وإكرام الله سبحانه وتعالى لنا، ويكفينا في الذكر قوله سبحانه وتعالى في حديثه القدسي للملائكة:
{ إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، فَإِذَا وَجَدُوا أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ، وَيَذْكُرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: فَهَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ تَحْمِيدًا، وَأَشَدَّ تَمْجِيدًا، وَأَشَدَّ لَكَ ذِكْرًا، قَالَ: فَيَقُولُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا لَهَا أَشَدَّ طَلَبًا، وَأَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالُوا: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا مِنْهَا أَشَدَّ هَرَبًا، وَأَشَدَّ مِنْهَا خَوْفًا، وَأَشَدَّ مِنْهَا تَعَوُّذًا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاءَ لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَهُمْ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى لَهُمْ جَلِيسٌ }
فيكفي أن الواحد منا يقوم من حلقة الذكر مغفوراً له، لماذا؟ لأنه تم غسل القلب بالكلية: " إِلا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " (89الشعراء) كان صلى الله عليه وسلَّم مسافراً من المدينة إلى مكة، ومرَّ بجبل يُسمى جُمدان فقال لأصحابه:
{ سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ }
وفي رواية أخرى قال:
{ سَبَقَ الْمُفْرِدُونَ، قَالُوا: وَمَا الْمُفْرِدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْتَهْتَرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافًا }
وكلمة مستهتر في اللغة العربية ليس معناها كما في اللغة العامية، وهو الذي لا يهمه شيء، لكن في الحديث يعني مُكثر، فالمستهترون بذكر الله يعني المكثرون بذكر الله.
وهؤلاء كل الأثقال التي عليهم، والأوزار التي عليهم، والهموم والغموم التي عليهم يُزيلها ذكر الله تعالى: " أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " (28الرعد) ومن أين تطمئن؟ من جانب الدنيا، فلا يخاف من هم، ولا غم، ولا كرب، ولا شدة، ولا مرض، ولا بأس، لأنه مستند على حضرة الله، ومن كان مع الله كان الله معه.
ولا يخاف من الآخرة، لأنه سيخرج في أعلى الدرجات التي ذكرها الله في الآيات القرآنية: " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ " (35الأحزاب) أعلى درجة فيهم: " وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ " (35الأحزاب) ماذا لهم؟ " أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا " (35الأحزاب) وكلمة الأجر العظيم عند الله لا يستطيع أي إنسان أن يحسبه أو يعده أو حتى يكشفه، فكلمة أجر عظيم من الله ليس لها حدٌّ ولا مقدار.
فهنيئاً للذاكرين الذين يديمون على ذكر الله سبحانه وتعالى في كل وقتٍ وحين، نسأل الله تبارك وتعالى أن نكون من عباده الذاكرين الشاكرين الفاكرين الحاضرين بين يديه في كل وقت وحين.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

الرؤيا الصالحة

الرؤيا الصالحة
المقصد الأعظم عندنا جميعاً وجه الله، وأي شيء من البشريات التي يبشرنا بها الله فهي للتشجيع، مثلاً: ابنك متفوق في المدرسة فتشجعه وتأتيه بهدية أو شيء طيب حتى يستمر.
كذلك الإنسان إذا مشى في طريق الله بصدق فإن الله يشجعه، ويُعطيه بشريات، هذه البشريات تبدأ بالرؤيا الصادقة، يراها كأنه يعيش فيها، وتتحقق، وبعدها بفترة يحظى برؤيا الصالحين، وبعدها يحظى برؤيا سيد الأولين والآخرين، وكل هذه بشريات.
فإذا وقف عند هذه البُشريات فلن يصل لمراده الذي يريده وهو وجه الله، لماذا؟ لأنه انشغل ووقف.
مثلاً أنا ذاهب إلى القاهرة، وفي الطريق وقفت عند محل أعجبني، وتوقفت لأشاهد ما فيه، فهل سأصل إلى وجهتي؟! لا.
فالإنسان الذي يقوم الليل حتى صلاة الفجر، ثم يريد أن ينام ليرى رؤيا طيبة، فأصبحت العبادة للرؤيا وليست لله!، لكن إذا رأيت رؤيا أو لم أرى رؤيا فهذا أمر لا يشغلني ولا أقف عنده.
أو أنا أريد أن يظهر على يدي بعض الكرامات، ليُعظمني الناس، وهذا اسمه حب الظهور، وحب الظهور يقسم الظهور، ولن أصل للمطلوب.
طلَّاب الوجه العليّ
لكن المريد الصادق كلما ظهر له أي نوع من أنواع البشريات مهما عظُمت، لا يقف عندها، لأنه يطلب وجه الله.
الشيخ أبو اليزيد البسطامي رضي الله عنه وأرضاه، كان يُصلي العشاء، وبعد صلاة العشاء ذهب إلى بيته، ودخل خلوته، ولكن أحد المريدين أراد أن يرى ماذا يفعل الشيخ في الخلوة، فمشى خلفه دون أن يستأذنه، ودخل الشيخ ونوى أن يُصلي ركعتين لله، ووقف كأنه لوحٌ من الخشب، لا يتحرك يميناً ولا شمالاً حتى قبيل الفجر بقليل، ثم أكمل الركعتين وسلَّم.
ماذا كان يفعل في وقوفه؟ كان في مشاهدات عالية، فالتفت، فوجد المريد، فقال له: منذ متى وأنت هنا؟ قال: منذ صلاة العشاء، ثم قال المريد: أستحلفك بالله أن تصف لي شيئاً مما رأيت الليلة؟ فقال: لا تتحمَّل، فأخذ يُلِّح عليه ويُقسم عليه بأغلظ الأيمان ويتوسَّل إليه، فقال له: سأُخبرك ببعض ما تتحمله، فقد أخذ الله تبارك وتعالى روحي في تلك الليلة، فأطلعني على كل عوالم ملكه - كل ما في الأرض - فقلت: وعزتك وجلالك لا أُريد هذا - يعني لا أريد ذهب ولا فضة ولا ياقوت ولا زمرد ولا أي شيء من ذلك - فأطلعني على الملكوت الأعلى، فقلت: وعزتك وجلالك لا أُريد هذا، فأدخلني الجنة، فقلت: وعزتك وجلالك لا أُريد هذا، فأطلعني على عوالم العرش وعوالم الكرسي، وأنا أقول: وعزتك وجلالك لا أُريد هذا.
فأوقفني بين يديه، وقال: ماذا تريد؟ قال فقلت: أُريد أن لا أُريد - يعني لا أريد إلا ما تريد - فقال: أنت عبدي حقاً ووليِّ صدقاً، لأنه لا شيء شغله عن وجه الله سبحانه وتعالى.
وهؤلاء الذين مدحهم الله في القرآن وقال لحضرة النبي: " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ " (28الكهف) ماذا يريدون؟ هل الجنة، أو الدرجات العُلى؟ لا، ولكن: " يُرِيدُونَ وَجْهَهُ " (28الكهف) هؤلاء الذين تصبر معهم وتعيش معهم لتبلغ المنى معهم، لأن هؤلاء الرجال في المقام الأعلى عند الواحد المتعال سبحانه وتعالى.
لكن الإنسان لو وقف عند بعض البُشريات حُجب، ولم يكمل المشوار، ولن يصل، كما قالوا: (مُتلفِّت لا يصل) يعني انشغل بالمقامات الصغيرة وبالتالي لن يصل.
فالذي يرُيد أن يرى رؤيات منامية، وكلما جلس مع قوم يقول لهم: أنا رأيت كذا، ورأيت كذا، ويفرح بهذه الأمور، فلن يأخذ أكثر من ذلك، لأن هذا ما يريده.
أو يريد أن تكون له بعض الكرامات حتى يقول الناس عنه أنه من الأولياء لأن له كرامات، وهو يفرح ويسعد بذلك، فأنت بذلك أخذت ما تريد، ولن تصل إلى المراد الأعظم عند الله سبحانه وتعالى.
أو يريد أن يكون معه بعض العلم الوهبي، حتى إذا تكلم به يقول الناس: نحن نسمع علماً من هذا الرجل لم نسمعه من أحد، وهو يسعد تماماً عندما يسمع هذا الثناء، وأين يذهب بعد ذلك؟ لا شيء له، لأنه أخذ ما يريد.
وهذا غير الذي يُريد هذه الأمور من أجل الدنيا، وهذا لا شأن لنا به، لأنه قد خاب وخسر من طلب هذه الأمور ليطلب بها الدنيا، وحتى يُعطيه الناس الدنيا، فهذا - والعياذ بالله - خاب وخسر الدنيا والآخرة.
لكن الذي يُريد وجه الله لا يلتفت إلى سواه طرفة عين ولا أقل، حتى يصل إلى مولاه سبحانه وتعالى، وهذا معنى: (مُتلفِّت لا يصل)
قد يقول البعض: هل أروي الرؤيا الطيبة لغيري؟ وهؤلاء نقول لهم: الرؤيا الطيبة بشرى، ولا مانع من أن تحكيها لبعض المبتدئين لتُشجعهم ولكن بشرط أن تكون مطمئناً أن نفسك لا تحب هذا الأمر، فتريد أن يعلو شأنك ويثنون عليك ويمدحونك ويلتفوا حولك، لأن هذا سيكون مقصد دني وليس مقصداً عليّ.
تفريد الله بالقصد
لكن الذي يُريد الله كما يقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه: ((من كان الله مراده فمقعد صدق وراء ظهره)) حتى ولو أجلسوه في مقعد صدق يقول: وماذا أفعل به؟!! أنا أُريد الله، فإذا كان مقعد صدق في حضرة الله فيا هناه ولا مانع، لكن من غير الله فماذا أصنع به؟!!.
وأضرب مثلاً: أنا جئتُ لأزورك في بيتك، وسألت عنك فقالوا: إنه موجود، وأتوا لي بالطعام، وأتوا لي بالشراب، وكل أنواع التحية، وقالوا لي: إن فلان يعتذر ولن يقابلك، فهل أستطيع أن آكل وأشرب؟!! لا، لأني هل جئت للطعام وللشراب أم جئتُ لصاحب البيت؟ لم آتي للبيت، ولا للنعم التي في البيت، ولكن جئت لصاحب البيت.
فالذي يدخل الجنة، ويأتون له بالحور، وبالقصور، والطعام والشراب، وهذه الأمور التي يسمع عنها، وليس له نصيب في النظر إلى وجه الله، فهل تنفع هذه الجنة؟! لا، لكن الجنة جمالها في: " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " (22-23القيامة) كما كان يقول الرجل الصالح:
فنظرة منك يا سؤلي ويا أملي
أشهى عليَّ من الدنيا وما فيها

نظرة واحدة أفضل من الدنيا كلها وما فيها، لأن الدنيا كلها وما فيها سأتركها إن آجلاً أو عاجلاً، لكن هذه النظرة شيء عظيم، وهي سر الرقي، وسر القرب من الله، ومجاورة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فالإنسان لا ينشغل إلا بالله: " قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " (162-163الأنعام) والإمام أبو العزائم يقول عن هؤلاء الرجال:
وجنة الخلد لو ظهرت بطلعتها
لفارقت حسنها بالزهد همتهم

ماذا نصنع بالجنة؟!!
لا كُفء لله يحجبهم فيمنعهم
أحدٌ تعالى تعلمه سريرتهم

المؤمن لحظة الموت يرى منزلته في الجنة، سيدنا عمر بن الفارض رأى في اللحظات الأخيرة المنزلة الكريمة له في الجنة، فقال:
فإن تكُ منزلتي في الحب عندكم
ما قد رأيتُ فقد ضيعتُ أيامي

يعني أيامي كلها ذهبت سُدىً، وماذا يريد؟ قال:
أُمنية ظفرَت نفسي بها زمناً
واليوم أرءاها أضغاث أحلامٍ

يعني أنا عندي أُمنية واحدة وهي أن أرى وجه الله، بتوفيق الله، ومعونة الله، وإشراقات أنوار الله سبحانه وتعالى، فعندما لم ير ما كان يتمناه أصبح لا يريد الجنة وما فيها، وهذا ما يتطلع إليه العارفون، عينهم على وجه الله سبحانه وتعالى، وهذا المقام الأعلى والأرقى.
الذي يُريد هذا لا يلتفت إلى شيء آخر، وإذا كان مقصده هذا ولم يلتفت لشيء آخر فإن القادر عز وجل - ولأنه أخلص إلى أن وصل واتصل - سيُسخِّر له كل شيء، ويأتي له بكل شيء أفضل من الذين طلبوا واشتدوا في الطلب، لأن هذا أمر الله على عباده الصالحين.
أحد الصالحين وهو سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه وأرضاه، ضرب مثلاً لأصحابه في هذا الباب ليوضح لهم هذه الحقيقة، فقال لهم: كان هناك ملكاً وأتى بالمقربين له وقال لهم: اطلبوا ما تريدون وأنا أصدر أمراً فورياً بما تريدون، فقال أحدهم: أنا أريد أن أكون أميراً على إمارة كذا، فأصدر له أمراً بذلك، والثاني قال: أنا أريد أن أكون من الأغنياء الوجهاء ويكون عندي من الأملاك والأموال كذا وكذا، فقال لهم: أعطوه، وأعطى لكل واحد منهم ما أراد، وبقيت جارية كانت تخدمه، فسألها: ماذا تريدين؟ قالت: أُريدك أنت، فقال لها: إذاً القصر والمملكة كلها طوع أمرك، يعني كل شيء أصبح تحت أمرها!.
كذلك فإن كل من يطلب من الله شيئاً سيُعطيه له، فالذي يريد الجنة لا مانع، أو يريد الغنى في الدنيا سيُعطيه ذلك إذا كان من الصالحين، لكن الذي لا يريد إلا وجه الله فإن الأكوان كلها تحت يده بأمر الله: " سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ " (13الجاثية) ما دام قد سخَّر نفسه لله، ولم يلتفت عن وجه مولاه، فكل الكون في خدمته ومُسخَّر لحضرته، لأنه بأمر الله، وهذا الحال الذي نراه في أئمة الصالحين في كل زمانٍ ومكان.
فالناس يقولون: إن فلان من الصالحين عمل كذا وكذا، وهو لم يفعل ولكنه التفت بالكلية إلى الوجه، والله سبحانه وتعالى والاه بكل ما كانت نفسه تشتهيه، وهو لا يشتهي في الحقيقة غير وجه مولاه، وهذه سُنَّة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الغاية من صحبة الصالحين

الغاية من صحبة الصالحين
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.
أي إنسان يُريد أن يكون له شأنٌ ومتفوقاً في أي مجال، لا بد أن تكون عينه عن المهارات التي يودُّ أن يكتسبها لكي يبرز في هذا المجال ويكون له شأن، ويكون أمامه قُدوة في هذا المجال ويحاول أن يسير على هُداه، وأن يقتدي به ليصل إلى مُناه.
وذلك في أي أمر من الأمور، فمثلاً في مجال الرياضة، الذي يُريد أن يكون لاعباً مرموقاً وله شأنٌ عالميٌّ، فتكون عينه على مهارات معينة لا بد أن يكتسبها بالتدريب والمثابرة والجد، فإذا وصل إليها يُشار إليه بالبنان، ويكون أيضاً أمامه لاعب وصل إلى هذه المهارات يتخذه قدوةٌ له ومثال، ويقتدي به في كل أحواله.
كذلك في تلاوة القرآن، وأيضاً في الغناء، وأيضاً في التمثيل، حتى في السياسة وفي الاقتصاد، وفي أي أمر من الأمور لا بد من ذلك، وهذا هو المنهج العلمي.
هل يصح لأحد أن يبرُز في أي مجال عشوايئاً بدون تدريب ولا تمرُّس؟! لا، وهل يصلح تدريب وتمرُّس بدون أهداف يريد الحصول عليها؟! إذا كان اللاعب همُّه كله أن يلعب الكرة كل يوم من الصباح إلى المساء في الشارع، فماذا يصل في النهاية؟ لاعب في الشارع، وليس له شأن.
لكن لا بد أن يُركِّز على مهارات معينة، ويحاول أن يتدرب عليها، ولا يتركها إلى مهارة أُخرى إلا بعد التأكد أنه اكتسب هذه المهارة، ولا يزال على هذا النمط.
كذلك لماذا نصحب الصالحين؟ نُريد أن نأخذ المهارات التي وصلوا بها إلى رضا الله، وفُتحت لهم أعين البصيرة، وصاروا ينظرون بنور الله، وصاروا ولهم صلة وثيقة بسيدنا رسول الله مناماً، أو يقظة، أو يقظة ومناماً.
نُريد أن نصل إلى هذه الحالة، فماذا نفعل؟ لا بد أن نعرف المهارات التي وصلوا بها، وما الأوصاف التي جمَّلوا أنفسهم بها، والله يحبها؟ حتى نتجمَّل بها، لكن الذي يمشي على هواه هل سيحقق مناه؟! أبداً، وقد يصل الواحد منهم إلى ستين أو سبعين أو حتى تسعين وهو كما هو، (محلَّك سرّ) لأنه لم يتمرَّس بالمهارات التي يُحبها الله من الصالحين.
وآفة الآفات أن يكون الإنسان لم يبلغ درجة العيان، ويجعل نفسه صاحب كيان، وأنه أصبح شيخاً من المشايخ، واستغنى عن المجاهدات، وهذه مصيبة المصائب الكُبرى.
كيف لأحد أن يلعب في الشارع ويقول: أنا أحسن لاعب في العالم! هل ينفع ذلك؟! ومن الذي يسمع له أو يأخذ برأيه؟! ومن الذي يُشركه في أي مسابقة من المسابقات؟!.
كذلك نفس الأمر، فهو يقول في نفسه: لا يوجد أحد مثلي، لكن قُل في نفسك ما تشاء من الآن إلى يوم القيامة، فمن يسمعك؟!! لأن هناك موازين، والميزان: " قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ " (108يوسف) فهل فُتحت عين البصيرة؟ لا، إذاً فهناك مرض، وأنت تركت المرض حتى استفحل، ولا تريد أن تكلف خاطرك أن تكشف عن المرض وتعالج هذا المرض أو هذا الداء.
هل تم وصل بينك وبين الذات المنيرة؟ لا، إذاً فأنت لا زلت متأخراً، والله عز وجل ذكر في القرآن بعض الأوصاف التي يتصف بها الإنسان، وهذا جهاد الصالحين ومن أراد أن يكون من الصالحين، نسأل الله أن نكون منهم وأن نلحق بهم أجمعين، فبيَّن الله هذه أوصاف في القرآن يتصف بها الإنسان، وعلى الإنسان أن يجاهد ليتخلص من هذه الأصاف لكي يُحبه حضرة الرحمن.
العجلة والأناة
نأخذ مثال واحد لهذه الأوصاف، قال الله: " وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً " (11الإسراء) طبيعة الإنسان العجلة، والعجلة يعني التسرع في كل شيء، التسرع في الكلام، والتسرع في اتخاذ القرار، والتسرع في اتخاذ الرأي، والتسرع في الحركة، والتسرع في كل الأمور، وهي طبيعة الإنسان، وما المطلوب؟ قال الله تعالى: " سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ " (37الأنبياء).
الذي يُريد أن يكون من الصالحين يستبدل العجلة بالأناة، أي يتأنَّى في كل أموره، ولا ينطق بجملة حتى يُفكر فيها ملياً، وينظر فيها، هل سيتحرر له محضر بسببها؟ فإذا كانت فيها مخالفة لا يُخرجها، ولا بد أن يُمرِّن نفسه على ذلك.
يُمرن نفسه أن لا يُبدي أي رأي مع جماعة حاضرين، لأن النبي ذاته صلى الله عليه وسلَّم عندما نزلت: " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " (159آل عمران) قال:
{ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ غَنِيَّانِ عَنْهَا }
لا يحتاجان إلى المشورة ولكن لتتعلموا، فكان يشاورهم في الأمر ليُعلِّم من كان مثلنا، لذلك لا تتسرع وتقول رأيك، وترى أن رأيك هو الرأي الصواب، لكن من الجائز أن غيرك معه رأي أصوب، لأن رأيك عن نفسك، والآخر ربما يكون رأيه عن برهان من ربه، وهذا يفرق بين هذا وذاك، فلا يتسرع الإنسان ولا يعجَّل في أي أمر.
مدح النبي للأشجّ
تعالوا معي ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو يمدح في رجلٍ من هذا الصنف، فعندما جاءت القبائل العربية في عام الوفود تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على الإسلام، جاءت قبيلة من القبائل العربية اسمها قبيلة قيس، وهي قبيلة كبيرة ومشهورة، وعندما وصلوا إلى باب المدينة أسرعوا كلهم ليذهبوا لحضرة النبي، وهم متعجلون لرؤية حضرة النبي، إلا رجل منهم، وكان كبيرهم وأعقلهم، وأكثرهم حكمة، وكان اسمه الأشجُّ، وسُمِّي الأشج لأنه وهو صغير وقع فشُجَّت رأسه، فسُمي بالأشجِّ.
وقال لهم: لا بد أن أغتسل أولاً قبل مقابلة رسول الله، وقد جلبتُ معي ثوبان ألبسهما في هذه المناسبة، وهذه حالة الرجل العاقل الحكيم، فانتظر حتى اغتسل ولبس الثوبان وذهب، وعندما ذهبوا إلى هناك ورآهم سيدنا رسول الله مُسرعين إليه، فأراد أن يُعطيهم صلى الله عليه وسلَّم درس، فسأل عن الأشجُّ؟ فقالوا: تأخر لكذا وكذا، فعندما جاء قال له أمام الكل:
{ إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا، قَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ }
فيك خصلتين اثنتين يُحبهما الله ورسوله، الخُصلة الأولى وهي الحلم: " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ " (114التوبة) والحليم الذي لا يغضب، ولا يبدو منه غضبٌ إن كان بلسانه أو بأعضائه ما يُسيء إلى غيره، لأنه وصل إلى ضبط النفس، والذي يصل إلى ضبط النفس فهو من الكُمَّل.
حتى أنه في علم النفس قالوا: أن أكمل إنسان في الوجود الذي يضبط انفعالاته، لأن من لا يضبط انفعالاته فقد تُسبب له مشاكل لا عد لها ولا حد لها، فقد يحدث له خُرسٌ، أو يحدث له شلل، أو غير ذلك، وكل هذا لأنه غير قادر على ضبط انفعالاته.
فصاحب الأناة وصاحب الحلم يضبط انفعالاته، حتى لو تظاهر بالانفعال إلا أن باطنه وأعضاؤه ثابتة لا تتزلزل ولا تتغير، إلا في حالة واحدة تأسياً بحبيب الله ومصطفاه، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
{ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ }
كان صلى الله عليه وسلَّم لا يغضب لنفسه قط، لا يغضب إلا إذا انتهكت حُرمات الله تعالى، مع ضبط الانفعال.
علامة الرجل الصوفي
والأناة في كل أمر، ولذلك عندما كان يقول الناس: فلان رجلٌ صوفي، لأنه لا يتكلم إلا نادراً، وكانت علامة الصوفي كثرة الصمت، لأن الرجل الصوفي لا يُريد أن يُضيِّع عمره، وعمرك هو أنفس نفائسك، فأغلى رأس مال عندك هو عمرك وليست أموالك التي في البنك، وكل نَفَس يخرج في غير ذكر الله يكون حسرةً يوم لقاء الله: " يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ " (56الزمر).
الشيخ كمال الدين الأخميمي رضي الله عنه، وكان من أئمة المذهب الحنفي الكبار، ذهب ليزور سيدي عبد الرحيم القنائي في روضته، وكانوا كلهم من أهل المكاشفة، فشاهده ورآه، وبعد أن أنهى المحادثة قال له: يا سيدي أوصني، فقال له: يا بُني لا تغفُل عن ذكر الله طرفة عين، فأنا كما ترى في روضات عالين، ومع ذلك أقول: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله.
حتى من يدخل الجنة قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
{ لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى شَيْءٍ إِلا سَاعَةً مَرَّتْ بِهِمْ، لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا }
ولذلك دائمًا الصالحين لا يُحبون الكلام الكثير، فإذا جاءه رجل يسأله يقول له: اختصر في سؤالك حتى لا تشغلني عن ذكر الله، وقته كله يُريده أن يكون مع الله في ذكر الله سبحانه وتعالى، أو في الاستغفار، أو في الصلاة على حضرة النبي، أو في أي طاعة مع الله، وخاصة أنهم سمعوا الحديث الذي يقول:
{ أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي }
فهل أجلس مع الله أم أجلس مع الآدميين؟! كيف أترك مجالسة الله؟! فعلامة الصوفي الذي مشى وسلك ومَلك قلة الكلام مع الخلق، وكثرة الذكر للحق تبارك وتعالى.
إذا وجدت إنسان يتكلم في أمر مع أحد، ثم يتركه ويفتح كلامًا آخر مع إنسان آخر، فاعلم أنه قلبه فارغ، ولا يتذكر آخرة، ولا يتذكَّر ذكر، ولا يتذكر مستقبل، ولا يُريد مهارة من المهارات التي يُحبها الله ورسوله ليُنميها حتى يكون من الصالحين، ويظل هكذا حتى يخرج من الدنيا وهو فقير من الطاعات والقربات وذكر الله وأحوال الصالحين والمتقين، لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلَّم قال:
{ وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ }
ومن هم الثرثارون؟ الذين يتكلمون كثيراً، وهل الشيء الذي يكرهه النبي تمشي فيه، والشيء الذي يُحبه تتركه؟!! فكيف تكون مع النبي وأصحاب النبي ومع الأولياء المتابعين للنبي؟!! لكن يجب أن تمشي مع هواههم، وتمشي على هُداهم.
أساس الطريق الأول
ولذلك أساس الطريق الأول الذي ينبغي أن يرتكز عليه أي مريد، ويُريد أن يكون من أهل اليقين؛ الحديث الشريف:
{ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ }
شيء لا يعنيني فلماذا أُقحم نفسي فيه؟!! كثير من الناس يدخلون في خصوصيات الناس، ويسأله: ماذا تفعل مع زوجتك؟ وفلان هذا ماذا يفعل معك؟ وما شأنك وشأن هذه الأمور؟!! النبي صلى الله عليه وسلَّم حذَّر أنه إذا حدث بين أحد وزوجته خلافٌ فلا تسأله لماذا هذا الخلاف؟ لماذا؟ لأنه ربما هذا أمر لا يستطيع أن يُحدثك به، فلماذا تسأله وتحرجه؟!! " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " (78الحج)
معظم مشاكل المجتمع في البيئات الوظيفية سببها هذه الأسئلة، فيسأله: زميلك ماذا فعل معك؟! وزميلتك ماذا تفعل معك؟! وفلان هذا كيف يعاملك؟! لكن ما شأنك وهذه الأمور؟!! هو لم يشتك لك، ولم يسألك، ولم يُكلمك، فهل أنت فارغ عن ذكر الله لتشغل نفسك بما يُباعدك أضعافاً عما أنت بعيدٌ فيه عن حضرة الله؟!! فاجعل نفسك مع الله وفقط!!
هذا أساس الفُرقة في أي زمان ومكان، في أي مجتمع أيا كان، حتى ولو كان في بيت الله!!، فلو جاء إنسان وسأل أحد العاملين في مسجد وقال له: ماذا يفعل زميلك فلان معك؟! ويذهب للآخر: ماذا يفعل معك فلان؟! وهل هذا يليق من أي مسلم أياً كان؟ ما دام هم لم يشكوا لك فانتهي الأمر، ولكنك يجب أن تعمل على زيادة المحبة، وزيادة المودة، وزيادة الأُلفة، وزيادة الصفاء، وزيادة النقاء، ولا تكون سببًا للجفاء، والجفاء يأتي من التدخل فيما لا يعنيك، فلماذا أتدخل في شيء لا يعنيني؟!!.
حتى كذلك لا تتدخل في شئون أولادك إذا كانوا متزوجين، ليعتمد كلٌ منهم على نفسه، فلا أسأله ماذا أكلت؟ أو ماذا شربت؟ أو إلى أين تذهب، حتى يتحمل مسئولية نفسه، لأني لن أزيد بمعرفتي أين ذهب؟! أوماذا فعل؟! ولكن كما ورد في الأثر: ((لاعبه سبعاً وأدبه سبعاً وصاحبه سبعاً ثم ألقي له الحبل على الغارب)) يعني اتركه يتصرف كيف يشاء ليعتمد على نفسه، ولا يعتمد عليك، طالما لم يطلب منك شيئاً، فهو حرٌ، وحتى لو طلب منك فلا مانع، ولا أقول له لماذا؟!.
فالإسلام يُريد منا ذلك، لأن الإنسان الحكيم الذي يُريد أن ينضم لمعية الحُكماء فلا بد أن يصون لسانه عن القيل والقال، ويشغله بذكر الواحد المتعال على الدوام، والإمام أبو العزائم يقول لنا:
أديموا لذكر الله فالذكر نوره
لأهل الهُدى والغي لا شكَّ فارقوا

فلابد أن تفارق أهل الغواية، وبعض الأحباب يُريد أن يصل إلى الله، وتُفتح له عين البصيرة، ويكون شيخاً وحوله مريدين، وهولم يتخلَّص بعد من بدايات المريدين والسالكين، يُريد أن يسأل عن هذا، ويتكلم مع هذا، ويتحدث مع هذا، وهل عندك فراغ لهذا الكلام؟!!
كثير من الصالحين لم يرض أن يخرج من الخلوة ليهدي المريدين إلا بعد التهديد، فسيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه وأرضاه، يقول: (لم أخرج للقاء الخلق إلا بعد أن هُددتُ بالسلب!!) إما أن تخرج أو نأخذ الذي أعطيناه لك.
لماذا؟ لأنه يريد أن يكون مع الله على الدوام، وليس مع خلق الله، مع الله في صفاء ونقاء ونورانية وشفافية ولذة قلبية وروحية لا يستطيع الإنسان وصفها ولا وصف كُنهها، لكن مع الخلق بماذا يتلذذ؟ بالقيل والقال، وفلان قال، وفلان عمل!!.
جهاد اللسان
سيدنا أبو بكر من جملة جهاده لنفسه في هذا الباب أنه كان يضع زلطة صغيرة - حصاة صغيرة - تحت لسانه كالفرامل حتى لا يتكلم إلا قليلًا، فسألوه عن ذلك، فقال: (هذا الذي أوردني الموارد) يعني هذا الذي يأخذني هنا وهناك وأُريد أن أُوقفه عن ذلك.
فأول علامة لمن يُريد أن يكون من أهل المواهب العلية في طريق الله، وأن يكون رجل له امتياز، وله تفرُّد، وله توحُّد أن يمسك لسانه:
{ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ }
أُقلل الكلام مع الخلق، وأشغله بالكلام مع الحق: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً " (41الأحزاب) والذكر الكثير ما نهايته؟ ليس له نهاية، لكن مع الخلق: " لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ " (114النساء) الباقي ليس فيه خير، وماذا أفعل؟ لا بد أن أفرز الكلام أولاً قبل النطق به، فقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ }
فهذه أول علامة من علامات الصادقين في طلبهم لرب العالمين سبحانه وتعالى.
نسأل الله عز وجل أن يُجمِّلنا بهذه الأخلاق الراقية، والأحوال العالية، وأن يرزقنا نفوساً صافية، وقلوباً بنور الحضرة المحمدية مضيئةً على الدوام.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

علامات الصادقين في طريق رب العالمين

علامات الصادقين في طريق رب العالمين
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.
أي إنسان يُريد أن يكون له شأنٌ ومتفوقاً في أي مجال، لابد أن تكون عينه على المهارات التي يودُّ أن يكتسبها لكي يبرُز في هذا المجال ويكون له شأنٌ، ويكون أمامه قُدوة في هذا المجال؛ يحاول أن يسير على هُداه، وأن يقتدي به ليصل إلى مُناه.
وهذا في أي أمر من الأمور، حتى في مجالات الرياضة، فالذي يريد أن يكون لاعباً مرموقاً وله شأنٌ عالميٌّ، فتكون عينه على مهارات معينة لا بد أن يكتسبها بالتدريب والمثابرة والجد، حتى إذا وصل إليها يُشار إليه بالبنان، ويكون أيضاً أمام إنسان آخر وصل إلى هذه المهارات يتخذه قدوةٌ له، ومثال، ويريد أن يقتدي به في كل أحواله.
كذلك تلاوة القرآن، وأيضاً في الغناء، والتمثيل، حتى في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي أي أمرٍ من الأمور لا بد من ذلك، وهذا هو المنهج العلمي.
هل يصِّح لأحد أن يبرُز في أي مجال عشوائياً بدون تدريب ولا تمرُّس؟! لا، وهل يصلح تدريب وتمرُّس بدون وضع أهداف يريد الوصول إليها؟! لاعب همُّه كله أن يلعب الكرة كل يوم من الصباح إلى المغرب مع أي أفراد، فماذا يصل في النهاية؟! لاعب في الشارع، لكن هل يكون لاعباً له شأن؟! لا، لكن لا بد أن يُركِّز على مهارات معينة، ويحاول أن يتدرب عليها، ولا يتركها إلى مهارة أُخرى إلا بعد التأكد أنه اكتسب هذه المهارة، ولا يزال على هذا النمط.
لماذا نصحب الصالحين؟ لأننا نُريد أن نأخذ المهارات التي بها وصلوا إلى رضا الله، وفُتحت لهم أعين البصيرة، وصاروا ينظرون بنور الله، وصاروا ولهم صلة وثيقة بسيدنا رسول الله، مناماً، أو يقظةً، أو يقظةً ومناماً.
ماذا نفعل لنصل إلى هذه الحالة؟ لا بد أن نعرف المهارات التي وصلوا بها، وما المهارات التي وصلوا بها؟ الأوصاف التي جمَّلوا أنفسهم بها، والله يحبها ليُجمِّلوا أنفسهم بها، لكن الذي يمشي مع هؤلاء ولكنه يمشي على هواه فهل سيحقق مناه؟! لا، وقد يصل الواحد منهم إلى سبعين أو ثمانين أو تسعين عاماً وهو كما هو (محلَّك سرّ) لأنه لم يتمرَّس بالمهارات التي يُحبها الله من الصالحين.
وآفة الآفات أن الإنسان لم يبلغ درجة العيان، ويجعل نفسه صاحب كيان، وأنه شيخ من المشايخ، ويستغنى عن المجاهدات، وهذه مصيبة المصائب الكُبرى.
كيف لأحدٍ يلعب في الشارع ويقول: أنا أحسن لاعب في العالم؟!! ومن الذي يسمع له؟!! ومن الذي يأخذ برأيه؟!! ومن الذي يُشركه في أي مسابقة من المسابقات؟!!.
وكذلك نفس الأمر، فهو يقول في نفسه: أنا لا أحد مثلي، قُل في نفسك كما تشاء من هنا إلى يوم القيامة فمن يسمعك؟!!، ولكن عندنا موازين، والميزان هو: " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ " (108يوسف) هل فُتحت عين البصيرة؟ لا، إذاً فهناك مرض، وأنت تركت المرض حتى استفحل، ولا تريد أن تكلف خاطرك حتى أن تكشف عن هذا المرض وتعالج هذا المرض أو هذا الداء.
هل تم وصل بينك وبين الذات المنيرة؟ لم يحدث، إذاً فأنت لا زلت متأخراً.
جهاد الصالحين
الله عز وجل ذكر في القرآن أوصاف للإنسان، وهذا جهاد الصالحين، ومن أراد أن يكون من الصالحين، نسأل الله أن نكون منهم وأن نلحق بهم أجمعين، فبيَّن الله أوصاف في القرآن يتصف بها الإنسان، وأن جهاد الإنسان في أن يتخلص من هذه الأوصاف لكي يُحبه حضرة الرحمن.
وكمثال واحد قال الله تعالى: " وَكَانَ الانْسَانُ عَجُولا " (11الإسراء) طبيعة الإنسان العجلة، وماذا تعني العجلة؟ تعني التسرع في كل شيء، كالتسرع في الكلام، والتسرع في اتخاذ القرار، والتسرع في اتخاذ الرأي، والتسرع في الحركة .. التسرع في كل أموره، وهي طبيعة الإنسان.
ولكن ما المطلوب؟ قال الله: " سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ " (37الأنبياء) الذي يريد أن يكون من الصالحين يستبدل العجلة بشيء اسمه الأناة، أي يتأنَّى في كل أموره، ولا ينطق بجملة حتى يُفكر فيها ملياً، وينظر فيها هل سيكافأ عليها، أم سيتحرر له محضر؟!! إذا كان سيتحرر له محضر بسببها فلا يقولها، وإن كان سيكافأ عليها يقولها، ولا بد أن يُمرن نفسه على ذلك.
يُمرن نفسه أن لا يُبدي أي رأي في أي أمر مع جماعة، لأن النبي ذاته صلى الله عليه وسلَّم عندما نزلت: " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " (159آل عمران) قال:
{ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ غَنِيَّانِ عَنْهَا }
لا يحتاجان إلى المشورة، ولكن لتتعلموا، فكان يشاورهم في الأمر ليُعلِّم من كان مثلنا، فلا تتسرع وتقول رأيي كذا، وترى أن رأيك هو الرأي الصواب، لأنه من الجائز أن غيرك معه رأي أصوب، لأن رأيك عن نفسك، والآخر ربما يكون رأيه عن إلهام من ربه، وهذا يفرق بين هذا وذاك، فلا يتسرع الإنسان، ولا يتعجَّل في أي أمر.
الحلم والأناة
تعالوا ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو يمدح في رجل من هذا الصنف، فعندما جاءت القبائل العربية في عام الوفود تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على الإسلام، جاءت قبيلة اسمها قبيلة قيس، وعندما وصلوا إلى باب المدينة أسرعوا كلهم ليذهبوا لحضرة النبي، ما هذا؟ هذه اسمها العجلة!!.
إلا رجل منهم وكان أعقلهم، وأكثرهم حكمة، وكان اسمه الأشجُّ، وسُمِّي بالأشج لأنه وهو صغير وقع فشُجَّت رأسه، فقالوا له: هيا بنا لمقابلة رسول الله، فقال لهم: لا بد أن أغتسل أولاً قبل مقابلة رسول الله، وقد جلبتُ معي ثوبان جديدان لألبسهما في هذه المناسبة، فانظر إلى الرجل العاقل الحكيم!!، فانتظر حتى اغتسل ولبس الثوبان وذهب.
فعندما ذهبوا إلى هناك ورآهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مُسرعين إليه، أراد أن يُعطيهم درس، فسأل عن الأشجُّ، لأنه كان كبيرهم، فقالوا: تأخر بسبب كذا وكذا، فعندما جاء قال له أمام الكل:
{ إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا، قَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ }
أي أنت فيك خصلتين يُحبهما الله ورسوله، الخُصلة الأولى الحلم: " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ " (114التوبة) والحليم الذي لا يتعصب، ولا يغضب، ولا يبدوا منه إن كان بلسانه أو بأعضائه ما يُسيئ إلى غيره، لأنه وصل إلى ضبط النفس، والذي يصل إلى ضبط النفس فهو من الكُمَّل.
حتى أنه في علم النفس؛ أن أكمل إنسان الذي يضبط انفعالاته، لأن الذي لا يضبط انفعالاته فقد تُسبب له مشاكل لا عد لها ولا حد لها، فقد يحدث له خُرسٌ، أو يحدث له شلل، أو كذا وكذا، وكل هذا لأنه غير قار على ضبط انفعالاته.
فصاحب الحلم يضبط انفعالاته بحيث حتى لو تظاهر بالانفعال إلا أن باطنه وأعضاؤه ثابتة، لا تتزلزل ولا تتغير، إلا في حالة واحدة تأسياً بحبيب الله ومصطفاه، قالوا:
{ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ }
كان صلى الله عليه وسلَّم لا يغضب لنفسه قط، لا يغضب إلا إذا انتهكت حُرمات الله تعالى، وأيضاً مع ضبط الإنفعال.
الصمت
والأناة في كل أمر، ولذلك عندما كان يقول الناس: فلان رجلٌ صوفي، لأنه لا يتكلم إلا نادراً، فكانت علامة الصوفي كثرة الصمت، لأن الرجل الصوفي لا يُريد أن يُضيِّع عمره، وعمرك هو أنفس نفائسك، فأغلى رأس مال عندك هو عمرك، وليست أموالك التي في البنك، وكل نَفَسٍ يخرج في غير ذكر الله سيكون حسرةً يوم لقاء الله: " يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ " (56الزمر).
الشيخ كمال الدين الأخميمي رضي الله عنه، وكان من أئمة المذهب الحنفي الكبار، ذهب ليزور سيدي عبد الرحيم القنائي في ضريحه، وكانوا كلهم من أهل المكاشفة، فشاهده ورآه وتحدث معه، وبعد أن أنهى المحادثة قال له: يا سيدي أوصني، فقال له: ((يا بُني لا تغفُل عن ذكر الله طرفة عين، فأنا كما ترى في روضات عالين، ومع ذلك أقول: يا حسرتى على ما فرط في جنب الله!!)) حتى الذي يدخل الجنة قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:
{ لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى شَيْءٍ إِلا سَاعَةً مَرَّتْ بِهِمْ، لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا }
لا يندم أهل الجنة وهم في الجنة إلا على الساعة التي مرت بهم دون ذكر الله، ولذلك كان الصالحون دائماً لا يُحبون الكلام الكثير، فإذا جاءه رجل يسأله يقول له: اختصر واجعل سؤالك في كلمة واحدة حتى أردُّ عليك بكلمة، ولا تشغلني عن ذكر الله، فأنا مشغول بالذكر عن ذلك.
وقته كله يُريده أن يكون مع الله، في ذكر الله سبحانه وتعالى، أو في الاستغفار، أو في الصلاة على حضرة النبي، أو في أي طاعة مع الله، وخاصة أنهم سمعوا الحديث الذي يقول:
{ أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي }
فهل أجلس مع الله، أم أجلس مع الآدميين؟!! كيف أترك مجالسة الله؟!! فعلامة الصوفي الذي مشى وسلك وملك قلة الكلام مع الخلق، وكثرة الذكر للحق تبارك وتعالى.
إذا وجدت إنسان يتكلم مع آخر في أمر، ثم يتركه ويفتح كلاماً مع آخر، فأعرف أن قلبه فارغ، ولا يتذكر آخرة، ولا يتذكَّر ذكر، ولا يتذكر مستقبل، ولا يُريد مهارة ليُنميها، لأنه لو أراد أن يكون من الصالحين لا بد أن يُنمي هذه المهارات في الأخلاق التي يُحبها الله ورسوله.
لكن مثل هذا يظل حتى يخرج من الدنيا وهو فقير من الطاعات، والقربات، وذكر الله، وأحوال الصالحين والمتقين، لماذا؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ والْمُتَفَيْهِقُونَ }
الثرثارون هم الذين يتكلمون كثيراً، فإذا كان هناك شيء يكرهه حضرة النبي هل تفعله؟!! والشيء الذي يُحبه تتركه؟!!، فكيف تريد أن تكون مع النبي، وأصحاب النبي، ومع الأولياء المتابعين للنبي؟!! يجب أن تمشي على هواهم، وتمشي على هُداهم!!.
ترك ما لا يعني
ولذلك أساس الطريق الأول الذي ينبغي أن يرتكز عليه أي مريد يُريد أن يكون من أهل اليقين الحديث الشريف:
{ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ }
شيء لا يعنيني فلماذا أُقحم نفسي فيه؟!! لأن كثير من الناس يدخلون في خصوصيات الناس، ويسأله: كيف حالك مع زوجتك؟ وفلان هذا كيف حاله معك؟ وغير ذلك، لكن ما شأنك وشأن هذه الأمور؟!! والنبي صلى الله عليه وسلَّم حذَّر أنه إذا حدث بين أحد وزوجته خلافٌ أن تسأله لماذا هذا الخلاف؟!، لأنه ربما هذا أمر لا يستطيع أن يُحدثك به، فلماذا تسأله وتحرجه؟!! " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " (87المائدة).
فمعظم مشاكل المجتمع في البيئات الوظيفية سببها هذه الأسئلة، فيسأله: فلان زميلك ماذا يفعل معك؟ وفلانة زميلتك ماذا تفعل معك؟ وفلان هذا كيف يعاملك؟ ما شأنك وهذه الأمور؟!! فالرجل لم يشتكي لك، ولم يسألك، ولم يُكلمك، فهل أنت فارغ عن ذكر الله لتشغل نفسك بما يُباعدك أضعافاً عما أنت بعيدٌ فيه عن حضرة الله؟!! لكن اجعل نفسك مع الله.
هذا أساس الفُرقة في أي زمان ومكان، وفي أي مجتمع أياً كان، حتى ولو في بيت الله، فلو جاء إنسان وسأل العاملين في المسجد عن حالهم مع بعضهم، وتدخل في ذلك، فربما يوقعهم في بعضهم، وهل هذا يليق من أي مسلم أياً كان؟!! ما دام هم لم يشتكوا لك فلا شأن لك، ولكنك تعمل على زيادة المحبة، وزيادة المودة، وزيادة الأُلفة، وزيادة الصفاء، وزيادة النقاء، لكن لا تكون أنت عامل للجفاء، والجفاء يأتي من التدخل فيما لا يعنيك.
ولماذا أتدخل في ما لا يعنيني؟!! حتى لا تتدخل في شئون أولادك إذا كانوا متزوجين، أنا ابني متزوج ومعي في البيت، فلا أسأله: ماذا أكلت؟ أو ماذا فعلت؟ وإذا كان خارجاً لا أسأله: أين أنت ذاهب؟ إذا قال لي فلا بأس، وإذا لم يقل فلا شأن لي!!، لأنه رجل يتحمل مسئولية نفسه، لكن هناك كثير من الآباء المتسلطين يريد أن يعرف كل شيء، ولا بد أن يستأذنه ابنه في كل شيء، لكنه رجل يتحمل مسئولية نفسه، وأنا لن أزيد شيئاً بمعرفة أحواله كلها، وهل هذا من الإسلام؟! لا،.
لكن كما ورد في الأثر: ((لاعبه سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً، ثم ألقي له الحبل على الغارب)) يعني اتركه يتصرف كيفما يشاء ليعتمد على نفسه، ولا يعتمد عليك، فطالما لم يطلب منك شيئاً، فهو حرٌ، وحتى لو طلب منك فلا مانع، ولا أقول له لماذا؟ ومن أجل ماذا؟ فالإسلام يُريد منا ذلك.
الإنسان الحكيم الذي يُريد أن ينضم لمعية الحُكماء لا بد أن يصون لسانه عن القيل والقال، ويشغله بذكر الواحد المتعال على الدوام، والإمام أبو العزائم يقول لنا:
أديموا لذكر الله فالذكر نوره
لأهل الهُدى والغي لا شكَّ فارقوا

لا بد أن تفارق هذه الأشياء، فبعض الأحباب يُريد أن يصل إلى الله، وتُفتح له عين البصيرة، ويكون شيخاً وحوله مريدين، وهو لم يتخلَّص من بدايات المريدين والسالكين، يُريد أن يسأل عن هذا، ويتكلم مع هذا، ويتحدث مع هذا، وهل عندك وقت لهذا الكلام؟!!.
كثير من الصالحين لم يكن يرضى أن يخرج من الخلوة ليهدي المريدين إلا بعد التهديد، فسيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه وأرضاه يقول: ((لم أخرج للقاء الخلق إلا بعد أن هُددتُ بالسلب)) إما أن تخرج أو نأخذ الذي أعطيناه لك، لماذا؟ لأنه يريد أن يكون مع الله على الدوام.
هل مع الله، أم مع خلق الله؟! مع الله صفاء، ونقاء، ونورانية، وشفافية، ولذة قلبية وروحية لا يستطيع الإنسان وصفها، ولا وصف كُنهها، لكن مع الخلق بماذا يتلذذ؟ بالقيل والقال، وفلان قال، وفلان عمل.
سيدنا أبو بكر كان من جملة جهاده لنفسه في هذا الباب كان يضع زلطة صغيرة تحت لسانه كالفرامل حتى لا يتكلم إلا قليلاً، فسألوه عن ذلك، فقال: (هذا الذي أوردني الموارد) يعني هذا الذي يأخذني هنا وهناك، وأُريد أن أُوقفه عن ذلك.
أمسك عليك لسانك
فكانت أول علامة لمن يُريد أن يكون من أهل المواهب العلية في طريق الله، وأن يكون رجلاً له امتياز، وله تفرُّد، وله توحُّد؛ أن يمسك لسانه:
{ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ }
أمسكه عن الكلام مع الخلق، وأشغله بالكلام مع الحق: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً " (41الأحزاب) هل قال: اذكروا الله ذكراً قليلاً؟! لا، ولكنه قال: (كثيراً) وكثيراً هذه ما نهايتها؟ ليس لها نهاية، لكن مع الخلق: " لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ " (114النساء) والباقي كله ليس فيه خير.
فماذا أفعل؟ لا بد أن أفرز الكلام أولاً قبل أن أنطق به، فقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ }
هذه أول علامة من علامات الصادقين في طلبهم لرب العالمين سبحانه وتعالى.
نسأل الله عز وجل أن يُجمِّلنا بهذه الأخلاق الراقية، والأحوال العالية، وأن يرزقنا نفوساً صافية، وقلوباً بنور الحضرة المحمدية مضيئةً على الدوام
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

الآداب الشرعية لزيارة الأحباب

الآداب الشرعية لزيارة الأحباب
هناك نقطة جوهرية أوصانا مشايخنا في طريق الله أجمعين أن نلتزم بها، وجعلوها علامة على إخلاص وصدق السالكين لطريق رب العالمين سبحانه وتعالى.
هذه العلامة، أو هذا الأدب هو أدب الإلتزام بالشريعة المطهرة في التعامل مع جميع الأنام، وخاصة مع من بين الإنسان وبينهم علاقة مودة وقرب، وتبادل زيارات، وما شابه ذلك، فلا بد للمؤمن أن يُراعي هذه الآداب جيداً.
والله سبحانه وتعالى بيَّن هذه الآداب في كتاب الله، وزادها توضيحاً بفعله وقوله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فنحن إخوة في الله، وبيننا مودة، وبيننا تراحم، وبيننا صلات قربى، وبيننا تجانس فيما نهدف إليه أجمعين وهو رضوان الله، وطلب القرب منه سبحانه وتعالى، والجمع على حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.
مودة الأحباب
هذا الترابط يقتضي تبادل الزيارات لزيادة المودة، ولزيادة المحبة، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ تَوَادُّوا تَزِيدُ فِي الْقَلْبِ حُبًّا، وَتَذْهَبُ بِغَوَائِلِ الصُّدُورِ }
توادُّوا تحابُّوا، لا بد أن يكون هناك مودة حتى تكون المحبة، وكيف تكون المودة؟ لا بد أن تكون على الأُسس الشرعية المرعية، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلَّم عند الذهاب إلى المنازل أن نُطبق آيات كتاب الله سبحانه وتعالى الموجودة في قرآن الله الذي يُتلى إلى يوم الدين.
فلا بد للمؤمن أن يستأذن، وعند الاستئذان لا ينبغي أن يقف في مواجهة الباب، بل لا بد أن يكون في جانب من الباب، بحيث لو فُتح الباب لا يرى من بالداخل، يراه من بالداخل ولكن هو لا يطَّلع عليه ولا يراه: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا }النور27.
وانظر إلى كلام الله اللطيف؛ فلم يقُل (حتى تستأذنوا) ولكن: " حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا " وما الفرق بين تستأذنوا وتستأنسوا؟ قد أئذن لك ولكني متضرر ولا أريدك، أما الأُنس فمعناه أني فرحٌ بمجيئك، وفرحٌ بالجلوس معك، وفرحٌ بدخولك منزلي، فهناك فرق بين الإثنين.
فأحياناً يأذن الإنسان لشخص وهو لا يُحب أن يراه، ويُدخله البيت وهو متضايق، ويتركه في حجرة الجلوس ويذهب لزوجته ويطيل في الكلام ولا يريد أن يجلس معه نهائياً، وكأنه يقول له: قم وانصرف، مع أنه أذن له.
لكن الاستئناس يعني الترحيب، والبشاشة، والقبول، واللطف، والفرح بمجيئه، ولا يريد أن يتركه، وكلما أراد أن ينصرف يطلب منه عدم الانصراف.
فنطرق الباب ونحن على جانب منه، وإن كان بالجرس فلا نفعل مثل البعض الذي لا يرفع يده من على الجرس حتى يكاد يحرقه، فالجرس مثل الطرق، اطرقة واتركه، كم مرة؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ }
لكنه من يضع يده على الجرس باستمرار قد يحرق الجرس، ويسبب إزعاج لمن في المنزل، إن كان أحد نائم، أو طفل صغير ونائم، فلماذا ذلك؟!!، فالإسلام أمرنا بالرأفة والرحمة حتى في استخدام هذه الوسائل المادية، فيفتح الباب برفق، ويُغلقه برفق، ويرفع أي شيء برفق، ويضعه برفق، وكل أمور المؤمن مبنية على الرفق، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ }
فيستأذن ثلاث، لماذا؟ قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ الاسْتِئذَانُ ثَلاث، فَبِالأُولَى يَسْتَنصِتُون، والثَانِيةَ يَسْتَصلِحُون، والثَالِثَة يَأذَنُونَ أَو يَرُدُونَ }
ويستصلحون يعني إذا كانت امرأة في البيت وغير مرتدية الزي الشرعي، فتلبس الملابس الشرعية لتفتح الباب، وبعد الثلاث مرات، ينتهي الأمر: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}النور28.
شيخنا في الطريق الشيخ محمد علي سلامة رحمة الله عليه قال: نفرض أنني وصلت من مشوار طويل لزيارة أخي في الله، وقالوا لي أنه غير موجود، فهل يصِّح أن أدخل؟ لا، وماذا أفعل؟ قال: اذهب إلى بيت الله، وقُل لهم: أنا في المسجد الفلاني الذي بجواركم وأنتظره هناك عندما يأتي.
لكن كيف تدخل وليس في البيت رجلٌ؟! بهذا تكون قد خرقت صدر الشريعة المطهرة، قال صلى الله عليه وسلم:
{ لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا }
ونحن محافظون على الشريعة المطهرة، فلو أن بيني وبين أخي فلان مودَّة، وزادت المودة حتى صارت بين زوجاتنا، فزوجتي قالت لي: خذ هذه الأشياء وأوصلها لبيت فلان، فهل يجوز أن أذهب لبيت فلان وأنا أعلم أنه غير موجود؟!! لا، ولكن أعطيها له هو، لأن هذا هو الأدب الشرعي.
لو كنت أتسوَّق ومعي مشتريات، وهناك صديق عزيز سيذهب معي للبيت، فهل يصح أن أجعله يفتح لي الباب؟!! لا، لأن زوجتي تعلم أنني قادم بمفردي، وليس معي أحد، فتظل بملابسها الحاسرة، فلماذا تتهجَّم على بيوت الناس، وتخالف شرع رب الناس تبارك وتعالى، والإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه قال لنا أجمعين:
من خالف الشرع الشريف فليس من
آل العزائم فافهمن برهاني

هل من الأدب الشرعي أن تكون هناك مودة بيني وبين شخص مودة وأخوة في الله، فأقول لزوجته أعطني رقم هاتفك لنتواصل؟!! هذا لا يصح في طريق الله، لكن لو احتجت لشيء من أخي في الله، ولا أستطيع التواصل معه، فأقول لزوجتي اتصلي بزوجة فلان واسأليها عنه، واطمئني منها على أحوالهم وأخبارهم.
الحبيب صلى الله عليه وسلَّم وهو من تعلمون أدباً وكمالاً ولُطفاً وجمالاً، كان صلى الله عليه وسلَّم معتكفاً في مسجده المبارك في أواخر شهر رمضان، وراحت السيدة صفية زوجته تزوره، وكان في الليل، فخرج يمشي معها حتى لا تمشي بمفردها، وإذا باثنين من الصحابة، فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كأنهما يُريدان أن يتهامسا، وأسرعا، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ!، قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا }
الشيطان بداخل الإنسان وليس خارجه يجري مجرى الدم، ولذلك كان بعض المتشددين يلتصق بي في الصلاة، ويضع أصابع رجليه على أصابع رجلي، وأنا أتأذَّى من هذا الوضع، فقلت له: لماذا هذا يا بني؟! يقول لي: من أجل الشيطان، فأقول له: الشيطان بداخلك وليس بيني وبينك، كما ذكر الحديث.
لكن هل الشيطان في المسافة التي بيني وبينك؟ لا، ولكن بداخلك، ولو كان في المسافة التي بيني وبينك فلماذا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؟!! نحن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لأنه بداخلنا.
فهذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي علَّمه لأصحابه المباركين رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين.
فمهما توطدت العلاقة بيننا، ومهما زادت أواصر المحبة بيننا، ومهما كانت درجة الثقة بيننا، فإن الذي يحافظ على الذي بيننا اتباع شرع الله الذي جاء به حبيب الله ومصطفاه.
وأظنكم تشاركوني في الرأي أن أي واحد منا يفرح عندما يجد أخاه محافظاً على شرع الله، ويحزن في نفسه عندما يجد أخاه وقع في مخالفة شرعية في بيته أو مع زوجته أو غير ذلك، فكلنا هذا الرجل، فلماذا نضع أنفسنا في هذا المنوال؟!!.
ونفرض أن إنسان لا يعرف هذه الآداب الشرعية وأخطأ، فلا ينبغي السكوت علي ذلك، بل لا بد أن أُوجّهه ولكن بلُطف ولين، لكن لا أسكت، لأني لو سكتُ سيظن أن ما يفعله ليس فيه شيء، وقد يزيد منه، وأكون أنا السبب لأنني لم أوجهه.
مثلاً: هو اتصل بزوجتي، فأقول له: لِمَ تفعل ذلك؟ لماذا تتصل بزوجتي؟ لو أردت شيئاً فأنا موجود، وحتى لو اتصلت بي ولم أرد عليك، فزوجتك موجودة وهي تتصل بزوجتي.
وهذا هو الأدب الإسلامي الذي لا ينبغي التنازل عنه أبداً، أنت تتنازل عن حق لنفسك، لكن حق الشريعة حق لله، فهل من حقك أن تتنازل عن حق الله؟! لا، حق الله لا يتنازل عنه الإنسان أبداً، حتى ولو كان مع أقرب الناس إليه.
نفرض أنني أعيش في بيت واحد أنا وأخي كما كان في الماضي، وجاء أخي ودخل المكان الذي أنام فيه أنا وزوجتي، فهل أسكت؟! لا، لأن هذا شرع الله، وحتى لو كان أبي لا أسكت عن ذلك، فشرع الله لا يتنازل عنه الإنسان أبداً مهما كانت درجة القرابة، لأن هذا هو الحد الفاصل للمشاكل بين جميع البشر.
الشريعة حصن الأمان
فلو نظرنا نجد أن معظم المشاكل سببها الأساسي التهاون في أمر من أمور الشريعة، وبعض المنتسبين إلى الصالحين يُعطي لنفسه تصريح أنه يخترق الشريعة المطهرة مع الآخرين، وهي الطامة الكُبرى التي تحدث في طريق الله، وهذا كلام لا نسمح به بيننا أبداً.
ما بيننا وبين بعضنا الشريعة المطهرة التي أنزلها الله، والتي جاءنا بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فالشريعة هي الحصن، ولا بد أن نحافظ على هذا الحصن ما حيينا حتى نخرج من الدنيا ونحن كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الإِسْلامِ، اللَّهَ الله، لا يُؤْتَى الإِسْلامُ مِنْ قِبَلِكَ }
كل مسلم على ثغرٍ من ثغور الإسلام، فإذا تهاون إخوانك فاشدد أنت لئلا يُؤتى الإسلام من قِبَلِك.
كذلك لا يصح شرعاً ولا عُرفاً أن أكون مقيم في القاهرة مثلاً، وأخي مقيم في أحد الأقاليم وأعطيه مفتاح سكني حتى إذا حضر وأنا غير موجود يدخل مباشرة!!، فلماذا أمر الله بالاستئذان؟!! فلابد من الاستئذان أولاً، والإستئذان الآن أصبح له وسيلة سهلة ومُيسرة وهي التليفون، فأكثر الناس الآن عندما يريد زيارة أحد يتصل بالتليفون، ليستأذن في الزيارة، وهذا إذ لم يأخذ ميعاد سابق، ولكن من الأفضل أن يأخذ ميعاد سابق لينتظره، وهذا الأصوب في دين الله، وفي شرع الله سبحانه وتعالى.
سيدي أبو اليزيد البسطامي رضي الله عنه وأرضاه، كان من الصالحين، وكان يُحب أن يزور الصالحين، فسمع عن رجل من الصالحين في بلد بجواره، فأخذ أحد رفقاؤه وقال له: هيا نزور هذا الرجل الصالح، وهذا الرجل كان إمام مسجد، فسألوا عنه، فقيل لهم: لم يأت بعد، فتوجه للقبلة فوجد بُصاق في القبلة – يعني هذا الرجل يبصق في القبلة، - فقال لرفيقه: هيا بنا نرجع، فقال له: لماذا؟! قال: إذا كان هذا غير مؤدب مع الله سبحانه وتعالى، فكيف نجلس معه؟!!، يعني كيف يبصق في القبلة وهي موضع نظر الله سبحانه وتعالى؟!! وقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى }
وفي الأثر: ((الله في قبلة المصلي)) من الذي في القبلة؟ الله، فكيف يبصق في القبلة؟ فقال له: هذا غير ملتزم بالآداب الشرعية، فلا يجب أن أُسلم عليه ولا أنتظره.
فميزان الشريعة هو الميزان الذي أمرنا به الله، والذي أوصانا به على الدوام سيدنا رسول الله، نسأل الله عز وجل أن يُجملنا بالشريعة المطهرة على الدوام أجمعين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

سووا صفوفكم

إشارات في حديث (سووا صفوفكم)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ, فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ }
هناك لمحة في هذا الحديث استشفها الصالحون، لأنه كما أن لكل آية في القرآن ظاهر وباطن، فإن لكل حديث للحبيب صلى الله عليه وسلم ظاهر وباطن، فالظاهر نذكره للكل في المساجد، أما الباطن فلأهل السير والسلوك إلى ملك الملوك سبحانه وتعالى.
موضع نظر الله في الصلاة، هل الجسم أم القلب؟ القلب، قال صلى الله عليه وسلم:
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ }
والأحاديث النبوية بيَّنت الأدب الظاهر الذي ينبغي للإنسان أن يتأدب به عند دخول المساجد يوم الجمعة، بأن يغتسل بالماء، إذا كان غير مسافر، ويلبس أحسن ما عنده، ويغسل أسنانه، ويتعطر.
وبالمناسبة أريد من الأحبة جميعاً أن يبثُّوا في إخوانهم أمر العناية بالأسنان من أجل رائحة الفم، فلا يبنبغي لرجل يمشي في ركاب الصالحين أن تكون رائحة فمه كريهة، وكثير ما يأتيني أحد ليكلمني، فلا أستطيع شمَّ رائحة فمه، لماذا؟ لأنه لا يمشي على السُنَّة، قال صلى الله عليه وسلم:
{ اسْتَاكُوا وَتَنَظَّفُوا }
وقال صلى الله عليه وسلم:
{ صَلاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ }
وقال صلى الله عليه وسلم:
{ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ }
لكي تكون الرائحة طيبة، ومع السواك معجون الأسنان والأطباء يقولون: على الأقل لا بد من استخدام المعجون مرتين في اليوم، مرة في الصباح بعد الفطور لأنه سيخرج ويقابل الناس، ومرة قبل النوم لكي ينام وأسنانه ليس فيها شيء، فيُبلِّغها الله مزيدٌ من العمر تعينه على طاعة الله عز وجل.
لذلك على الأقل لا يتهاون الإنسان في ذلك في السفر، فإذا سافرت يكون معك معجون الإنسان والفرشة، والفرشة قالوا: لا تزيد مدة استخدامها عن شهرين أو ثلاثة كحد أقصى.
فلا يجب التهاون في ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلَّم عندما وجد البعض يدخلون عليه بهذا الوضع من الرائحة الكريهة والأسنان الصفراء، قال لهم:
{ مَالِي أَرَاكُمْ تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا؟! اسْتَاكُوا }
يعني لا تدخلوا علي بهذه الصورة، نريد الصورة الطيبة، فالإنسان إذا كان ذاهباً لصلاة الجمعة لا بد أن يغسل أسنانه، ويوجد الآن في الصيدليات بخاخة للفم، تجعل رائحة الفم طيبة.
وأنت وزوجتك يجب أن تتعودا على ذلك قبل النوم، لأن كثير من الأحباب عند النوم يدير وجهه في الجهة الأخرى من رائحة فم زوجته، وهي نفس الأمر، فلماذا؟!! فيجب أن نغسل الأسنان بالمعجون، ونبخ بالبخاخة، فالرسول قال لنا كلنا:
{ إِنَّكُمْ قَادمُونَ عَلى إِخْوانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكمْ، وأَصْلحوا لبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَة في النَّاسِ، فَإِنَّ اللَّه لاَ يُحبُّ الفُحْشَ وَلاَ التَّفَحُش }
لا بد أن يكون المسلم أعظم الناس شأناً في كل أموره، فيغسل أسنانه ويلبس أحسن ما عنده، ويجب أن نبخر المسجد كل يوم جمعة صباحاً، لأنها سُنَّة، أما معطر الجو فقد قيل أنه يُتعب الأنف والصدر ويصيب الإنسان بحساسيات، لكن البخور لا يصيب بحساسيات ولا بأي شيء، بل أيضاً يطرد الأرواح الشريرة التي توسوس للناس، وتصيبهم بالهواجس.
حتى البيوت يجب أن نبخرها ولو كل أسبوع مرة، في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة صباحاً كالمساجد، لكي تطرد هذه الأرواح الشريرة التي تعاكسنا وتشاكسنا.
والسواك يتم استخدامه قبل الوضوء، ومن أعلى الأسنان إلى أسفل كمعجون الأسنان، وبعد أن أستخدمه أغسله وأنشفه، لأن كثير من الناس يستخدمه ثم يضعه في جيبه، وكل فترة يضعه في فمه ويمصُّه، فهذه عادة وليست سُنَّة، وليس لنا شأنٌ بذلك، فالمفروض أن كل مرة نستخدم فيها السواك، يجب أن نغسله وننشفه بعدها، وكذلك يجب إزالة الجزء الذي استكنا به بعد استخدامه مرتين أو ثلاثة.
وإذا كان بعض الناس لِثَّته لا تتحمل السواك فيستعمل فرشة أسنان ناعمة، حتى لا تؤذي لثة الإنسان.
فهذه الآداب الظاهرة قبل دخول المسجد لصلاة الجمعة، فإذا أخذت كل هذه الآداب الظاهرة ودخلت المسجد وقلبي مشغول بمن في البيت، وبمن في العمل، وبالكلام الذي تحدثت به بالأمس مع فلان ومع فلان، فهل أكون بذلك موضع نظر الله؟ لا، لكن موضع نظر الله لا بد أن أغسل قلبي من الأغيار مما سوى الله، كما أنني أغسل جسمي أغسل قلبي.
فأنا شخصياً عندما أستحم، ومن السُنَّة الدعاء أثناء الاستحمام، فأقول: اللهم اغسل قلبي من سواك.
فلا بد من ذلك، لأنني لا أستطيع أن أغسل قلبي، فمن الذي يغسله؟ الله عز وجل، فأنا أغسل جسمي، والله يريد قلبي، فهو يتولاه، لذلك أقول: اللهم اغسل قلبي من سواك، لكي أغسله من الأغيار، وأدخل مع الأخيار والأبرار والأطهار الصالحين لنظر العزيز الغفار عز وجل.
أطهِّر أسناني من الطعام، وأطهر لساني من الخوض في حق الغير، كالغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن والكذب والخداع .. كل هذه الأمور التي تأتي عن طريق اللسان، حتى الخوض فيما لا يعني، قال صلى الله عليه وسلم:
{ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ }
لكن إذا دخلت في الصلاة، وصُحفي مملوءة بما خُضته في عباد الله، فهذه الصلاة لن تكفي دَين واحد من هؤلاء الذين خضت في حقهم.
ماذا سيحدث؟ سيأخذوا من حسابي ويُعطوه لهم، وحسابي كله ربما لا يكفي واحد فقط منهم، لماذا؟ لأنني على الدوام أخوض في هذا، وأخوض في هذا: " وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ " (45المدثر).
لذلك يجب أن أُطهر لساني من الخوض في عباد الله، وفيما لا يحبه الله تبارك وتعالى ولا يرضاه، وألتزم بقول الله: " لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ " (114النساء).
الذي يستطيع الآن أن يضبط نفسه، ويصون لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه، فأنا أعتبره من كبار أولياء الله الصالحين، لأن النفس تريد تعرف أخبار فلان، وماذا عمل؟! ويترك هذا ويبحث في هذا، ثم غيره، فهذا - والعياذ بالله - يكون مؤشراً في علم السيميا الذي يُعطيه الله للصالحين، أنه مسكين باطنه خراب!!.
لأن من كان باطنه مليء لا يتكلم مع الناس، لأنه مشغول مع رب الناس على الدوام، ومن كان مفلساً من باطنه فيريد أن يتكلم ويأتنس مع الناس، لكن من يأتنس برب الناس: " وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ " (13الشعراء) أنا مشغول لا أستطيع الكلام مع هؤلاء، فأرسل إلى هارون ليتكلم معهم.
وقد قالوا: ((علامة الإفلاس الإئتناس بالناس)) يجلس مع هذا فإذا انتهى الحديث يجلس إلى آخر، لكن العمر فيه كم نَفَسٍ حتى تضيعه مع هذا ومع ذاك؟!!.
فإذا جاء النَفَس الأخير فأين رصيدك عند العلي الكبير؟ ورصيدك الذي عملته لن يكفي أصحاب الديون عليك، فلان وفلان والثالث، والرابع، فالجهاد الأعظم:
{ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ }
أضع العطر وأنا ذاهب للمسجد، هذا العطر من الذي سيشمه؟ المصلين، لكن أنا أريد عطر القلوب الذي يشمه رب العالمين، وهو ذكر الله بصدق ويقين، قلب ذاكر فاكر لله سبحانه وتعالى.
أدخل بقلب: " رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ " (37النور).
سألبس أحسن ما عندي من الثياب، من البِدَل، أو جلباب صوف، أو جوخ، وعباءة، حتى أظهر أمام الناس، لكن ما شأن الله بذلك؟!! يجب ان أنظر إلى الدولاب الثاني، فألبس حلة الخشوع، وألبس جلابية الحضور، وألبس عباية الثقة بعلام الغيوب، وألبس حلة الإنكسار التي يقول فيها:
{ أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي }
ألبس حلة من هذه الحلل العظيمة، وهذه اسمها ملابس الحُسنى، فهناك دولاب للخلق، وهناك دولاب فيه ملابس الحُسنى التي أجهز قلبي بها للحق، والتي قال الله فيها كلها: " وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ " (26الأعراف).
فلباس التقوى، وملابس الحُسنى، هي التي أتزيَّا بها باطنياً حتى يحدث لي شيء من التجليات الإلهية، أو شيء من العطاءات الربانية، أو شيء من النفحات القدسية، وأنا في الصلاة بين يدي من يقول للشيء كن فيكون.
ونأتي للجزئية التي بدأنا بها أولاً، فحضرة النبي كان يقول:
{ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ }
فتسوية الصفوف الظاهرة لإظهار جمال الإسلام، وأنهم أُناسٌ منظمين، ولهم نظام ككل شيء في الكون منظم بحسب صنعة الله تبارك وتعالى للأنام، فكل شيء في الكون مُهندس هندسة إلهية، فلا بد عند الصلاة أن يكون في المسجد هندسة نبوية في الصفوف.
لكن إذا سوينا الصفوف، وكل واحد وقف بجسمه، وقلبه في مكان آخر، فهل هذا صفه متساوي؟ لا، فأنا أريدك أن تسوي صفوفك أنت: ((سَوُّوا صُفُوفَكُمْ)).
وما صفوفك؟ يكون الجسم مع القلب مع العقل مع الروح صف واحد في مواجهة الواحد، ففي الأثر الوارد: ((إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج)) أنا أقف بين يدي الله بجسمي، ولكن القلب في مكان آخر، والعقل في مكان آخر، والروح في مكان آخر، فهذا صفٌ أعوج، ولن ينظر له الله عز وجل.
فلمن ينظر؟ إلى صاحب الصف القويم المستقيم، المقبل بكله على ربه سبحانه وتعالى، تأسياً بالحبيب الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلَّم.
هذه بعض إشارات للسالكين والمقبلين على الله وهي خاصة بنا، فلا يصح أن يقولها بعض المحدثين على منبر، ولا يشرحها في مسجد، لكن تقولها لمن عنده قابل يقبل هذه العلوم، فإذا لم يكن عنده قابل يقبل هذه العلوم فستُحدث فتنة: ((من أظهر ما لا يُطاق أوقع غيره في النفاق)).
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

كيف تُفتح الكنوز والرموز للسالك؟

كيف تُفتح الكنوز والرموز للسالك؟
كشفوا الرموز عن الكنوز الخافية
فتلألأت درر المعاني الصافية

هذا كلام الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه في حالة الإشراقات الإلهية، فأنت أيها الإنسان فيك كنوز لا تُعدّ ولا تُحدّ، أودعها فيك حضرة الرحمن سر قوله سبحانه وتعالى في القرآن: " إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا " (72الأحزاب) ومن الذي حملها؟ " وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا " (72الأحزاب) كان ظلوماً جهولاً قبل حمل هذه الأمانة، لكن بعد أن حمل أمانة الله سبحانه وتعالى وصار فيه خلافة الله سبحانه وتعالى، وهو خليفة الله في أرضه، أصبح فيه كنوز، عليها رموز، لا يكشفها الله عز وجل إلا لمن جاهد نفسه، وصفَّى مرآة قلبه، وأصبح قلبه يتلقَّى مباشرة من حضرة ربه سبحانه وتعالى: " إِلا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " (89الشعراء) يريد سلامة القلب.
القلب السليم
وسلامة القلب ليس سلامته من الأمراض الجسمانية، لأن القلب ليس هو الصورة الجسمانية الموجودة في جسم الإنسان، فقلب الشيء حقيقته، وقلب الإنسان الذي فيه سر أسرار الإنسان التي أودعها فيه الرحمن تبارك وتعالى، الذي فيه الإيمان، والذي فيه الحب، والذي فيه الرضا والتسليم، والذي فيه العشق والهُيام للحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، والذي فيه الخشية والخشوع والحضور.
وهل هذا في القلب الذي نراه؟ لا، فهذا رمز لكنز، وأين الكنز؟ كما قال الله في القرآن: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ " (37ق) إما أن يكون له قلب نوراني روحاني رباني غير القلب الجسماني، فيه هذا الجمال، وفيه هذا العطاء، ويُلقي السمع القلبي للمولى العليِّ وهو شهيد، أي يشاهد: " أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ " (17هود) ليست تلاوة عادية: " كَلا إِنَّ كِتَابَ الابْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ " (18-21المطففين) لم يقُل يقرأه، ولكن: (يشهده المقربون).
فأسرار الفتوح تلوح للإنسان بعد صفاء القلب من الأكوان، ولذلك يقول سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري في حكمة البهية: ((كيف يرحل قلبٌ إلى الله وصور الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟)) كيف يسافر؟! هل تستطيع أن تكتب في كراسة مكتوبٌ فيها؟! لا، لكن لا بد أن تمحُو ما فيها من الكتابة لتكتب، لكن كتابة على كتابة فلن تقرأ الأولى ولا الثانية.
كذلك لا بد أولاً من أن تمسح الأغيار لتظهر لك الأنوار، ولا تنشغل بالأنوار لتُفاض عليك الأسرار، ولا تنشغل بالأسرار لتتمتع بوجه النبي المختار، وإذا ظهر وجه النبي المختار فيا هناؤك، سيُعرِّفك بكل الحقائق الإلهية والقدسية والنورانية التي جمَّل الله بها مبناك.
سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه أخذ يبحث عن قُطب الوقت الذي يأخذه إلى الله، فسافر من بلاد المغرب إلى تونس، ثم إلى مصر، ثم إلى الحجاز، ثم إلى الشام، ثم إلى العراق، وفي العراق قابله سيدي أبو الفتح الواسطي وكان التلميذ النجيب لسيدي أحمد الرفاعي، وهو الذي جاء إلى مصر ونشر الطريقة الرفاعية في مصر وضريحه الآن في الأسكندرية رضي الله عنه وأرضاه.
فعندما رآه قال له: جئت تبحث عن القطب هنا، والقطب عندك في بلاد المغرب!! فذهب إلى بلاد المغرب، فوجد سيدي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وأرضاه وكان ساكناً في أعلى قمة جبل في منطقة طنجة الآن، وبنى لنفسه خلوة صغيرة أعلى الجبل ومكث يتعبد فيها، وتحت الجبل كانت هناك عين ماء، فعندما يريد الوضوء أو الغسل ينزل يتوضأ ويغتسل فيها ويرجع مرة ثانية.
فذهب إليه، وعندما سلَّم عليه قال: مرحباً بك يا عليِّ يا بن عبد الجبار يا ابن كذا يا ابن كذا يا ابن كذا إلى سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه، فذكر له نسبه كله!!.
وقال له: يا علي سيكون لك خيراً كثيراً من الله على أيدينا ولكن انزل واغتسل، فنزل واغتسل من العين وصعد، قال: انزل واغتسل، فنزل واغتسل مرة ثانية، فقال: انزل واغتسل، قال: ففهمتُ أنه لا يريد الغُسل الظاهر، وإنما يُريد أن أغسل معارفي وعلومي التي حشوتُ بها قلبي ليملأني بالمعارف الإلهية.
فلا بد للإنسان أن يُطهِّر القلب مما سوى حضرة الرحمن إن أراد أن تُفتح له هذه المعاني، وأن يكون من أهل الوُدّ للنبي العدنان صلى الله عليه وسلَّم.
حتى أصحاب حضرة النبي في بداية الدعوة كانوا هكذا، فيُحكى أن لبيد بن ربيعة كان من الشعراء المشهورين أصحاب المعلقات، فكانت قصائدهم الكبيرة تُكتب بماء الذهب وتُعلَّق على الكعبة، وحتى أن النبي صلى الله عليه وسلم استشهد ببيت له، وقال:
{ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ }
ألا كل شيء ما خلا الله باطلٌ
وكل نعيمٍ لا محالة زائلُ

ولكن الصالحون قالوا: إلا نعيم وجه الله، فهو الذي لا زوال له، فنعيم خلق الله يزول، ولكن وجه الله دائمٌ لا يزول: " وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالاكْرَامِ " (27الرحمن).
هذا الرجل قال له ذات مرة سيدنا عمر وهو خليفة: أسمعنا بعض قصائدك، فغضب وحزن وقال: يا أمير المؤمنين ما كنتُ لأملأ جوفي بهذا القيح بعد أن ملأتُه بالقرآن!.
فأعطانا النموذج، يعني بعد أن ملأت القلب بالقرآن فهل أعود لهذا الكلام مرة ثانية؟! ولذلك الصالحون يقولون: (التحلي بالتخلي) لو أردت منهم أن يحلوك، لا بد أن تُخلى القلب أولاً، مثلاً لو أردت من مهندس ديكور أن يرسم لك لوحة جميلة على حائط، فلا بد أن تمحو ما على الحائط أولاً، لأنه لن يرسم على لوحة أخرى!.
فقال الشيخ ابن عطاء الله السكندري: ((كيف يرحل قلبٌ إلى الله، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! أم كيف يرحل إلى الله وهو مُكبلٌ بشهواته؟!)) والمرآة هي القلب، والشهوات تُقيده.
أنت تريد أن تسوح، فعندما يأتي الإنسان لينام وهو مشغولٌ بالشهوات والدنيا، تكون الروح كأنها مقيدة، فأين تذهب الروح؟ تظل في دنياه التي هو فيها، لكن لو أراد أن تسرح روحه في عالم الملكوت الأعلى، فلا بد أن يُخفف من المناظر الدنيوية، والشهوات الظاهرة والخفية، وكل العلائق التي تربطه بالدار الدنيوية.
وتكون همته كلها في عالم البقاء، وفي عالم الملكوت الأعلى، فيكون كأصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، كان سيدنا رسول الله بعد أن يُصلي الصُبح يلتفتُ إليهم يقول:
{ أَيُّكُمْ رَأَى اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ }
فكثيرٌ من الأحباب كل يوم يقول لي: فسِّر لي هذه الرؤيا، فأبحث في الرؤيا أجدها حلم ويلعب به الشيطان، فأقول له: إنها حُلم، فيغضب، فأقول له: إن الرؤيا لها شروط، ولها أوصاف ونعوت، فالروح تسوح وتجلب لك من عند المليك القدوس عز وجل.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأذان في ليلة المعراج وسمعه، ولكنه يريد أن يُظهر مكانتهم، فشاورهم في كيفية النداء على الصلاة، فباتوا مشغولين، والروايات تحكي أن أكثر من سبعة عشر رجلاً رأى الأذان في المنام، وليس سيدنا عبد الله بن زيد فقط، أو سيدنا عمر فقط، ولكنهم سبعة عشر رجلاً رأوا نفس الرؤيا!، فعن عبد الله بن زيد قال:
{ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ طَافَ بِيَ اللَّيْلَةَ طَائِفٌ: مَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، وَجَعَلَهَا وِتْرًا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ }
من أين أتوا بالأذان؟ من عالم الملكوت الأعلى، ما هذا؟ عندما ينام الجسم فإن الروح تتهنَّى، وتخرج إلى عالم الحي القيوم الذي لا يغفل ولا ينام، فتتمتع وتتهنى ويُصبح الصباح ومعه من الإشراقات، ومن المعارف العلوية التي لا توجد في كتب مؤلفة أرضية.
سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كم تفسير قرأه؟ لم يقرأ أي تفسير، أو كتاب، لكنه كان جامعة كاملة، فكان يأتيه في الصباح الذين يريدون علم الفقه ثم ينصرفون، ثم يأتيه الذين يريدون علم تفسير القرآن ثم ينصرفون، ثم يأتيه الذين يريدون علم اللغة ثم ينصرفون، ثم يأتيه الذين يريدون علم الأصول .. كل هذه العلوم كان هو القائم بها وحده في هذه الجامعة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلَّم قال في شأنه:
{ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ }
فمن الذي علَّمه التأويل؟ العلي القدير عز وجل: " الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ " (1-2الرحمن) فهو الذي علَّم القرآن.
هذه الصورة المفروض أن تكون موجودة في كل زمان ومكان، لأنها إثباتٌ لمعجزة النبي العدنان إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، لا تُمحى في أي زمان أبداً، لأن كل ولي كراماته معجزة للنبي الذي يتبعه هذا الولي والدليل على أنها النبوة الخاتمة إلى يوم الدين؛ الإكرامات التي يُظهرها الله على يد أفراد من أُمة سيد الأولين والآخرين حتى لا نقول أن القصة انتهت، لكن الفتح موجود، فهناك من يكون عنده فتحٌ في العلم، وهناك من يكون عنده فتحٌ في الحكمة: " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ " (296البقرة).
وهل انتهت هذه الحكمة؟ لا، هل كنوز الحكمة أُغلقت؟ لا، ولكن لا يصح أن أبحث عن كنوز الذهب والفضة ويُعطوني كنوز الحكمة، فإما هذه أو تلك.
فهذه تحتاج إلى إفراد الله بالقصد، وتخليص القلب من الأغيار، والاقتداء ظاهراً وباطناً بالنبي المختار، ومصاحبة الأخيار، ومفارقة الأشرار، حتى يحظى الإنسان بهذا الفضل من العزيز الغفار، في لحظة في ليلٍ أو نهار، وليس ذلك على الله بعزيز.
هذه الرموز والكنوز، فالرموز فيك، والكنوز فيك، ولكنها تحتاج منك أن تتوجه إلى خالقك وباريك، وهو يفتح لك هذه الكنوز، ويرسل لك حضرة النبي المهندس الرباني ليفك لك هذه الألغاز والرموز، فتكون على الفور: " وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ " (175الصافات) يعني عرِّفهم كيف يرون؟ وكيف يذهبون؟ وكيف يجئيون؟.
نسأل الله عز وجل أن يشغلنا به آناء الليل وأطراف النهار، وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وأن يفتح لنا فتحاً وهبياً، ويُعلمنا علماً لدُنِّياً، ويُشرق على قلوبنا بأنوار حبيبه ومصطفاه، ويرفع عنا كل حجاب حتى نشاهده ونتمتع بجمال مُحيَّاه، ويزيد في إكرامنا حتى نتعلم منه ونتلقى وصاياه، ونكون في الدنيا دائماً وأبداً سائرين على هُداه، وفي الآخرة تحت لواء شفاعته، وفي الجنة في جوار حضرته أجمعين
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

جهاد النفس للوصول إلى الفتح

جهاد النفس للوصول إلى الفتح
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الحمد لله والصلاة والسلام على نور الله الدال بالله على الله، سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.
كثير من السالكين يظن أنه ملتزم بالطريق إلى الله، ولا أحد يقول أنا غير ملتزم!!، فيسأل ويقول: أنا لي فترة كبيرة ملتزم بالفرائض، وملتزم بالأوراد، وملتزم بكذا وكذا، فلِمَ لا يُفتح عليَّ كما نسمع عن الصالحين؟!!.
الناس في زمننا هذا غير الزمن السابق، فالزمن السابق ربما يكون أهله كانوا بُسطاء في الثقافة، وبسطاء في العبادة، لكن كان عندهم إرادة قوية في الصراع مع النفس، وإرادة قوية في فرض القوامة التي أعطاها له الله على الزوجة ولكن باللطف وبالذوق والأدب الشديد.
أما زمننا فآفة الآفات فيه أن الناس تركت النفس تلعب بهم كما تريد، ووضعوا معها أيضاً الهوى، وإذا كانت مملكة فيها النفس والهوى، فماذا تنتظر منها؟!!.
وكعادة العصر الجدال، ولا يريد أن ينسب لنفسه القصور ولا التقصير، فأين يكون العيب؟ يعتقد أنه عند الشيخ، والشيخ عنده الكنوز جاهزة ولا يريد أن يعطيها له، ولا يريد أن يفتحها له!!.
لكن هل الشيخ يبخل بها عليك؟! لا، فلو بحثنا بحثاً بسيطاً مع أهل الفتح الأعظم من الأولياء والصالحين، من أول أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم إلى يومنا هذا، نجد فيه أصل أصيل ملتزمين به، ونحن غير قادرين على أنفسنا لكي نلتزم به، وهذا أصل الأصول لمن أراد الوصول، ما هذا الأصل؟ ما العمل الذي يُحبه الله منا؟ حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم بيَّن وأظهر، وهو نفسه عمل بما بيَّن وأظهر، فيقول:
{ أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ }
والسيد عائشة سألوها عن عمل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فقالت رضي الله عنها:
{ كانَ عَمَلُهُ دِيمَةً }
يعني يداوم عليه، وهذا الشي الصعب الذي لا نجده في عصرنا هذا من المنتسبين للصالحين، وأدعياء السلوك في كل وقت وحين، يلتزم أسبوعاً، وبعدها تضحك نفسه عليه وتقول له: هل ستظل في هذا الورد على الدوام؟! غيِّره واجعل لك ورداً آخر، وتقول له: هل ستظل في قيام الليل دائماً؟! اعمل شيئاً آخر!!.
وهذا المرض الأساسي الذي انتشر الآن، لا أحد يستطيع المداومة، لماذا؟ لأن الإرادة مذبذبة وليست قوية، والعزيمة هشة، فالنفس تلعب به كما تشاء، ولعب النفس الذي يُبعد الإنسان عن الفتح، أن تجعل الإنسان دائماً لا يثبت على أمر مع الله ورسوله، ويظل يتذبذب، فيمشي قليلاً وبعدها يقف، ولو كلَّمته تجد باب الجدال مفتوح، وباب الأعذار جاهز، فيجادل عن نفسه، ويلتمس الأعذار لنفسه!!.
الوصول إلى الفتح
فهذا متى سيصل إلى الفتح؟! لن يصل، لكن الذي يُريد أن يصل إلى فتح الله لا بد أن يلتزم بأي عمل صالح يعمله لوجه الله، يبتغي به مرضاة الله، حتى ولو كان هذا العمل مع الأطفال الصغار.
شيخنا الشيخ محمد علي سلامة رضي الله عنه وأرضاه، كان من طبيعته عندما ننزل البلاد يأتي - وقتها - بعملات فئة خمسة قروش جديدة ويوزعها على الأطفال، وأنا كنتُ أحاول أمشي القد بالقد، والقدم على القدم، فلما أصبحت أنزل البلاد مشيت على الأثر، وذات مرة قلت: وهل أنا مثل الشيخ؟! هذا الأمر خاص بالشيخ وأنا ليس لي شأنٌ به، وأُريد أن أمتنع عن هذا الأمر.
وبعد ذلك تصادف أنني قابلتُ الشيخ رضي الله عنه فقال لي: يا بني من عوَّد الناس على عادة لا يقطعها، حتى تنتقل من عادة إلى عبادة، فإذا عودتهم على أمر لا بد أن تواظب عليه دائماً.
سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أعماله كلها كانت لخدمة من حوله، وليست صلاة وركوع وسجود، وأنتم تحفظون حديث سيدنا رسول الله يسأل بعد صلاة الفجر:
{ مَنْ أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنْكُمْ صَائِمًا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا نَوَيْتُ مِنَ الْبَارِحَةِ فَأَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَقَالً: مَنْ تَصَدَّقَ الْيَوْمَ بِصَدَقَةٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، تَطَرَّقَ مِسْكِينٌ، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا كِسْرَةٌ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا، فَأَعْطَيْتُهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْيَوْمَ عَادَ مَرِيضًا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قِيلَ لِي إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ عَوْفٍ مَرِيضٌ فَذَهَبْتُ فَعُدْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا اجْتَمَعَتْ فِي رَجُلٍ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي يَوْمٍ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ }
وفي رواية أخرى:
{ فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا }
فأعماله كلها للناس من حوله، وقال صلى الله عليه وسلم:
{ خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ }
أنفعهم للناس وليس لنفسه!، والناس نسوا هذا الأمر، يظنون أن الإقبال والفتح على الله بالركوع والسجود والصيام وتلاوة القرآن وما شابه ذلك، وهذه العبادات لو وزنتها بميزان الإخلاص فالله أعلم بها، لكن خير الناس أنفعهم للناس.
وذات مرة كنتُ أتصفَّح كتب أسيادنا العظماء، فوجدتُ أن من جملة ما كان يفعله سيدنا أبو بكر لبِرّه بجيرانه، أنه كان يحلب لجيرانه بنفسه أغنامهم وماعزهم وجمالهم، فلما تولَّى الخلافة، تحدَّث جيرانه مع بعضهم وقالوا: لن يعد يحلب لنا بعد ذلك، فقد انشغل بالخلافة، وإذا به يذهب إليهم يقول: أنا كما أنا، حتى مع الخلافة!!، لأنه عوَّدهم على ذلك، ولا يريد أن يقطع هذه العادة لكي يعمل بالحديث:
{ أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ }
لا بد أن يداوم على العمل، وهذا كان هدي أصحاب رسول الله جميعاً.
وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه بالشام فهبط عليه جبريل فقال:
{ يَا مُحَمَّد إِنَّ مُعَاويَة بن مُعَاويَة المَزنِي مَاتَ بِالمَدِينَة أَفَتُحبُّ أَنْ تُصَلِّي عَليْهِ؟ قَالَ: نَعَم، فَضَرَبَ بِجَناحِه الأَرضَ فَتَضَعْضَعَ لَهُ كُلّ شَيء وَلَزَقَ بِالأَرضِ، وَرُفِعَ لَهُ سَرِيرُه فَصَلَّى عَلِيه، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّمَ: مِنْ أَيِّ شَيءٍ أُتِىَ مُعَاوِيةَ هَذَا الفَضْل؟! صَلَّى عَلَيْهِ صَفَّانِ مِنَ المَلائِكًة فِي كُلِّ صَفٍ سُتَّمائَةَ أَلْفِ مَلَك!، قَالَ: بِقِراءَة (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد) كَانَ يَقْرَؤُهَا قَائِمَاً وَقَاعِدَاً وَجَالِسَاً وَذَاهِبَاً وَنَائِمَاً }
التعوذ من الجان
كان يداوم على قراءة سورة الإخلاص، والشكاوي المرّة في هذه الأيام في المجتمع كله من الجن، وفي كل مكان، لماذا؟ " وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ " (36الزخرف) فماذا نفعل حتى لا يأتينا الجن؟ الحديث واضح، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
{ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا }
علِّموا أولادكم ونساءكم وبناتكم بعد أن يصلوا الفجر أن يقرأوا سورة الإخلاص ثلاث مرات، وسورة (قل أعوذ برب الفلق) مرة، وسورة (قل أعوذ برب الناس) مرة، ويكرروا ذلك بعد صلاة المغرب مرة، وقبل النوم مرة.
وأنا أقول هذا الكلام مراراً وتكراراً، فمن الذي يداوم؟ القليل، ويقول لي: يا شيخ أنا عملت بوصيتك ولكن الجن يفعل بي كذا وكذا!، فماذا أصنع لك؟! أنت مثلك كمثل الذي ذهب للطبيب وكتب له الدواء، وتناوله ليومين ثم توقف، وبعد ذلك ذهب للطبيب ليُعيد الكشف وقال له: داؤك غير نافع!، هل الدواء الذي لا ينفع أم أن أنت الذي لا تنفع؟!!.
أنت غير مداوم على الطريقة التي وصفوها لك، وحتى المداومة على الأعمال التي فيها الحفظ والصيانة للإنسان لا يداوم عليها، فعدم المداومة هو آفة العصر.
الخير في المداومة
فالذي يريد فتح الله، ويريد أن يكون كالصالحين السابقين في القرب من حضرة الله، يأخذ باباً واحداً فقط، بشرط أن يأخذه من الصالحين ويُوظفوه فيه، ولا يُوظف نفسه هو، ولا يكل ولا يمل ولا يتخلى عن هذا العمل، حتى يأتيه فتح الله سبحانه وتعالى، وهذا يحتاج إلى ما قاله الله: " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ " (24السجدة).
ولذلك الصعوبات التي نواجهها في هذا الزمن، ولم تكن في الزمن السالف مع الصالحين، كان الواحد منهم الذي يُكلَّف بعمل يظل في هذا العمل حتى يُورِّثه لأحدٍ من أولاده، ولا يتركه طرفة عين.
لكن الآن تُكلِّفه بالعمل فيمشي عليه أسبوعاً أو شهراً، ثم يتركه، ويحتاج منك إلى متابعته، لتسأله عن سبب تركه لهذا العمل، وهذا لا يصح في طريق الصالحين، فإن لم يكن الإنسان يُقوِّم نفسه، ويتابع نفسه ويُلزم نفسه، لا يُنتظَر فتحه.
فالفتح يحتاج مني أن أتابع نفسي، وأنا الذي معي النفس اللوامة التي تلومني فأُنشِّطها، حتى تلومني إذا قصَّرت، وأُرقيها لتنتقل إلى النفس المطمئة، فأطمئن بما ووجهت من فضل الله، ومن إكرام الله، ومن عطاءات الله، لثباتي على العمل الذي كُلِّفت به من وارث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فهذا أصل الأصول لمن أراد الوصول، لكن النفس لا تترك الإنسان، تريد أن تُكسِّل الإنسان بأي كيفية، فلا تتركه أبداً يداوم على عمل ليخرج من هذا الإطار؛ إطار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وصحبه المباركين، والأولياء والصالحين أجمعين رضوان الله تبارك وتعالى عليهم إلى يوم الدين.
وكان الواحد منهم بالنسبة للعبادات كما بلَّغ سيدنا رسول الله، فقال:
{ خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا }
فلا يُحمِّل نفسه أعباء كثيرة ثم لا يستطيع القيام بها، ولكنه يختار أعمالاً بسيطة وسهلة، ولكنها كبيرة القدر عند الله، وعظيمة الأجر والثواب بين المقربين من عباد الله، طريقٌ سهل لفتح الله سبحانه وتعالى.
الرفعة في التواضع
سيدنا الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه وأرضاه وهو يبحث على ما يُقرِّبه إلى الله يقول: ((طرقتُ سبعين باباً، فما دخلتُ إلا من باب الذُل)) والذل يعني التواضع لله، ولخلق الله جل في عُلاه.
فلو أي مريد مهما علا قدره وارتفع شأنه حدَّث نفسه أنه خيرٌ من هذا أو ذاك، فهو يحتاج أن يرجع إلى نقطة البداية فوراً، لأن الله عز وجل كما قال سيدي جعفر الصادق رضي الله عنه: ((إن الله أخفى ثلاثاً في ثلاث، أخفى رضاه في طاعته فلا تُحقِّرن من الطاعات شيئاً فعسى أن يكون فيه رضا الله، وأخفى غضبه وسخطه في معاصيه فلا تُحقِّرن من المعاصي شيئاً فعسى أن يكون فيه سخط الله وغضبه، وأخفى أولياءه في خلقه فلا تُحقِّرن من الخلق أحداً فعسى أن يكون ولياً لله)).
فالولاية سرٌ في القلب، وأنت لا تعرف في أي شيء سره؟ فإنه يضع سره في أضعف خلقه!، هل يوجد أحدٌ يستوعب قول الله لحبيبه: " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ " (28الكهف) مع من؟ " مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " (28الكهف) إياك أن تتركهم طرفة عين، لأنك لو تركتهم ستطولهم خسارة الدنيا والآخرة.
ولذلك عندما حدث خلافٌ في الرأي بين سيدنا أبو بكر وبين بعض أهل الصُفَّة، وذهب يحكي لحضرة النبي، وظن أن حضرة النبي سينتصر له، فقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ يَا أَبَا بَكْرٍ: لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي }
إياك أن تكون قد أغضبت هؤلاء الجماعة، مع أن هؤلاء كانوا مقيمين في مسجد رسول الله في مكان معروش اسمه الصُفَّة، وهم فقراء ومساكين!.
يحكون أن الواحد منهم كانت ملابسه عبارة عن قميص فقط، ولا توجد ملابس داخلية ولا سراويل، وكان يحاول جاهداً ستر عورته أثناء الصلاة، وكان عندما ينام إذا غطَّى رجليه ينكشف وجهه، وإذا غطَّى وجهه تنكشف رجليه!، هم فقراء ولكنهم عند الله أُمراء!، لأن قلوبهم صافية من النفاق، ومن سوء الأخلاق، ومملوءة بالإخلاص الذي جعلهم به الله من عباده الخواص.
هؤلاء الناس يُغير الله في نوايا قلوبهم، وما يحدث في أفئدتهم، حتى لو لم تتفوَّه ألسنتهم، يقول فيهم الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
نعم لرجال الله وصف الحنانة
وإمهالهم للعز لا للمذلة

وسيفهمُ ماضٍ إذا سُلَّ لحظةً
يُقطِّع أعناقاً بعزم النبوة

وسهمهم إن قوَّسوه لرمية
له كل أركان الوجود تُدكّ برمية

رجالٌ لهم حالٌ مع الله ظاهرٌ
وحالٌ مع المختار في كل حضرة

هؤلاء هم الرجال، سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه كان أحد تلامذته في الإسكندرية، وكان قاضي القضاة بالإسكندرية لا يُحب الصوفية، بل ويقدح فيهم ويذُمهم، فرآه المحتسب - مفتش التموين وقتها - وأخذه وعرضه على القاضي، فحبسه القاضي بدون سبب، وهذا ظلم، ولا يوجد شيء أشد ألماً في الدنيا من الظلم، قال صلى الله عليه وسلم:
{ إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
وأشد الظلم الذي لا ينتبه له الناس في الدنيا هو سوء الظن، فلا أحد يحاسب نفسه على أنه ظُلم، لكن كونك ظننت في أخيك ظن سوء فهذا ظلم لأنك تتغير من جهته، ولا تتعامل معه كما ينبغي، وأنت في الحقيقة ظالم له، وهذا أشد الظلم وأقبح الظلم، ولذلك والحمد لله ليس عندنا سوء ظن أبداً:
سُلَّمِ الإرتقا وباب التداني
حُسن ظنٍ بالله في كل شان

فلما حبسه القاضي، أرسل المريدون للشيخ في دسوق، فأرسل لهم الشيخ وريقة وقال لهم: أعطوها للقاضي واجعلوه يقرأها، فلما وصلت الوُريقة للقاضي، أراد أن يُشهِّر بالصوفية أكثر، فهي بالنسبة له فرصة، فجمع الجموع من الناس ليقرأ الورقة، وبعد أن قدح في الصوفية، وذمَّ فيهم بدأ يقرأ ما في الورقة، والورقة كانت أبيات من الإلهام الإلهي لسيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه، وكتب له فيها:
سهام الليل صائبة المرامي
إذا وُترت بأوتار الخشوع

يُصوِّبها إلى المرمى رجالٌ
يُطيلون السجود مع الركوع

إذا أوترن ثم رمين سهماً
فما يُغني التحصُّن بالدروع

فالرجل لما قرأ: (إذا أوترن ثم رمين سهماً) وهذا العجب، خرج سهمٌ من الوريقة في صدره وخرج من ظهره ومات في الحال.
فهذه إكرامات الله لعباد الله الصالحين نتيجة تقواهم وورعهم ومداومتهم على العمل الذي يُحبه الله ويرضاه في كل وقت وحين.
النجاة في مخالفة الهوى
فنحن الذي يلوم لا يلوم إلا نفسه، فإذا أردت أن تكون من أهل الأنوار، أو تُريد أن تغرف من بحار النبي المختار، أو تُريد أن يجري في قلبك الأسرار، أو تُريد أن تكون من العارفين، تُديم على عملٍ يوجِّهك له رجلٌ من الوارثين.
أما إذا أردت أن تظل على هواك، وتعمل ما يعجبك، ولا تعمل ما لا يعجبك، أو تحضر اليوم الذي يريحك، ولا تحضر الأيام التي لا تريحك، وتظل هكذا خالي البال، فلا تطمع في شيء من هذا الكلام، لأن الذي يريد أن يأخذ من الغنائم، لا بد أن يُعلي العزائم، ويُسلِّم لأصحاب الغنائم.
لكن الذي يريد أن يكون حُراً طليقاً، ولا شيء يربطه، ولا شيء يُلزمه، ويكون كما يريد، ويُهيأ له - وهذه مشكلة المشاكل في زماننا - أنه قد حقق المراد وأصبح من الصالحين، لماذا؟ لأنه سمع أن اليوم مولد السيدة سكينة مثلاً فذهب ليحضر المولد، أو سمع أن اليوم مولد السيدة زينب فيحضر المولد، ويدور في الموالد، لكن ماذا تفعل في الموالد؟!، أو يكون مصاحباً لشيخ فيدور معه هنا وهناك، لكن إذا كلَّفه أحد بعمل، يقول: أنا ضيف شرف وليس لي عمل، فكيف تأخذ الغنائم؟!!، فالذي يأخذ الغنائم يقولون فيه: الغُنم بالغُرم.
الذي له دور في الميدان هو الذي يأخذ في الغنائم، لكن من ليس له دور ماذا يأخذ من الغنائم؟ لا شيء، لذلك لا بد أن يكون لكل لواحد منا دور ليكون مع رجال الله، ويدخل في قول الله: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ " (29الفتح).
فإذا أدَّى هذا الدور، ولكنه يحتاج إلى من يتابعه، فلا يصلح في طريق الصالحين، لأن الصالحين مبدأهم: " إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ " (128النحل) يشعر أنه في معية الله.
يعني لو مريد كُلِّف بالرد على الأسئلة الدينية التي ترد على صفحة على الإنترنت، فيعمل على ذلك شهر أو شهرين ثم يترك الصفحة، وتأتي الأسئلة ولا يرد عليها أحد، والناس تستفسر ولا يُكلمهم أحد!، أفلا تُكلِّف أحد غيرك في حال غيابك؟!! فهذه أصول العمل، إن كنت مشغولاً قُل: يا فلان قُم مكاني، ولا تترك العمل هملاً، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الإِسْلامِ، اللَّهَ الله، لا يُؤْتَى الإِسْلامُ مِنْ قِبَلِكَ }
مثلاً: رجل مكلَّف بالأذان للصلاة، وفي يوم من الأيام ذهب لقضاء بعض المصالح دون أن يُكلِّف أحداً أن يؤذن مكانه، فهل هذا يصح؟! لا، ولكن اذهب واقضي مصالحك، بعد أن تُكلِّف أحد أمين غيرك، وتتأكد أنه سيقوم بالرسالة، وهذا النظام الإسلامي في أي أمر من الأمور.
فرجال الله هذا نظامهم، ولذلك سادوا وقادوا ورفعوا لواء الإسلام في كل مكان، لأنهم مشوا على نظام الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
وكل مريد منكم له باب يعمل فيه، ولكن المهم أن يداوم عليه، ومن ليس له باب فليبحث لنفسه عن باب، وهذا نظام الله، لكن لو تركت النفس بدون تكليف فستكون كما أنت إلى أن تخرج من الدنيا، لأنك لم تعمل ما عليك، ولم تقتد بالحبيب المختار، ولا أصحابه المبرزين بالأنوار، ولا الصالحين والأخيار والأبرار والأطهار من بعدهم إلى يوم القرار، وهذه سُنَّة الله في الكون؛ أن يكون لكل واحد منا دور في الرسالة الإلهية.
ولا يُوجد دور تستطيع أن تقول أنه الأفضل، فمعظم الناس الذين يصلون إلى رُتب الكشف هم الذين يقومون بأدوار الخدمة، وقد رأيتُ كثيراً من الصالحين كذلك، وقد رأيت أحدهم عنده الكشف الجلي، كان يُنظِّف مراحيض مسجد سيدنا الحسين لوجه الله، ومشى على ذلك حتى فتح الله عليه فتوحاً ربانياً.
وذات مرة من المرات كان عندنا في بلدنا، والإمام تقدم لصلاة العصر، فقال له: ياسيدنا الشيخ اذهب واغتسل أولاً وبعدها صلِّ، واستجاب الرجل، لأنه كان ناسياً أنه جُنب!!، فانظر إلى الكشف، وكيف وصل له؟ بخدمة الأعتاب.
هذه أحوال الصالحين، لا بد أن يكون له عملٌ دائمٌ لوجه الله، فإذا لم يكن له عمل فليس له أمل، وما زال مليء بالعلل، ولن يأخذ شيء بعد لأن معه حظه، ومعه هواه، ومعه الدنيا كلها.
هل يجوز أن تُباح أسرار هذه الدولة الأرضية إلى غير أهل الثقة؟! لا، وأهل الثقة هم الذين يُظهرون تمام الإخلاص لقادتهم على الأقل.
الرئيس محمد حسني مبارك كان نائماً وقام ولم تعلم زوجته أنه ذاهب ليقود الطائرات في حرب السادس من أكتوبر، لأن هذا سر لا يُخرجه!!.
وعندما يحضر معنا شخص هنا وهنا، وكلما سمع كلمة يذهب ويُذيعها على الملأ، فهل هذا يؤتمن على أسرار ربانية أو أسرار عليه؟!! لا، لأنه ليس أميناً حتى على الأسرار الإنسانية، وكل هذا يأتي من النفوس:
جاهد نفوساً فيك بالشرع الأمين
واحذر قوى الشيطان في القلب كمين

لا بد أن نجاهد النفس، ونحدد الوجهة، ونبحث لنا عن عمل ليتحقق الأمل.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يُعلي قدرنا، وأن يرفع شأننا، وأن يُعلي عزائمنا، وأن يجعلنا من الذين يديمون العمل طلباً لمرضاة الله، واقتداءاً بحبيبه ومصطفاه
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الفراسة

الفراسة
كثير من الناس يقعون في الحيرة في أمورهم، ولا يدري ماذا يفعل في هذا الأمر؟!! لكن أي مسلم عندما ينتظم في تعاليم الإسلام، ويدخل المعسكر الرحماني للفرائض الإلهية، ويلتزم بما كان عليه الحبيب المختار، فإن الله سبحانه وتعالى يتفضَّل عليه ويعطيه نوراً في قلبه.
هذا النور تفضَّل الله عزوجل به علينا كلنا من البداية، ولكن هذا النور أحياناً تُغطيه الذنوب والعيوب، فلا يرى الإنسان به، ويُصبح كالأعمى الذي يتخبط في الدنيا.
والمؤمن ليس كذلك، فالمؤمن يستنير بهذا النور ويرفع ما عليه من ضباب، وما عليه من ستائر، فينكشف النور ويمشي على الدوام بنور الله في كل أحواله في هذه الحياة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ }
هذا النور نسميه الفراسة، وهو أن ينظر بنور الله الذي عنده ، ويرى الحقائق كما هي.
وأصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم جميعاً كانوا على هذه الشاكلة، فسيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه يروي عن نفسه أنه كان ذاهباً ليزور سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما كان أميراً للمؤمنين، وهو في الطريق نظر إلى امرأة وأطال النظر، مع أننا ممنوعون من إطالة النظر، فقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ }
يعني الأولى لك لكي تعرف من هي، ولكن لا تُطيلها، لأنها ستكون عليك: " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ " (30النور) وقال صلى الله عليه وسلَّم:
{ النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ }
وبعدها ذهب سيدنا أنس إلى سيدنا عثمان ودخل عليه، فسيدنا عثمان رضي الله عنه قال له: ((أما يستحي أحدكم أن يدخل عليَّ وفي عينيه أثر الزنا؟!! قال: أوحيٌ بعد رسول الله يا أمير المؤمنين، قال: لا، ولكنها فراسة المؤمن))
كيف إذا نظرت إلى أحد في عينيه تعرف من عينيه أنه نظر في الطريق لامرأة أو اثنتين أو ثلاثة؟!! هل يوجد أحد يستطيع أن يصل إلى هذا الحال؟ كلنا بلا استثناء عندنا إمكانية الوصول للفراسة، ولكننا تركناها ولا نستخدمها، ولا نريد أن نتدرب على هذه الخصوصية التي أعطاها لنا الله عز وجل.
فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كلهم على هذه الشاكلة، والله عز وجل يقول فيهم: " أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا " (122الأنعام) ليس في الآخرة، ولكن: " يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ " (122الأنعام) نوره مشرق ويمشي به وسط الناس في الدنيا.
من كان معه هذا النور، عندما يحاول أحدٌ أن يخدعه بالكلام، فإن النور سيكشف له أن كلام هذا الرجل مخادع ولن يسمع كلامه، أو يحاول أحد أن ينصب عليه، فإن هذا النور سيبين له.
كيف ذلك؟ الله عز وجل قال هذا للنبي صلى الله عليه وسلَّم، فهناك أناس: " تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ " (273البقرة) بمجرد أن ينظر في وجه أحدهم يعرف ما بداخله، لأن هذا الوجه هو الشاشة التي يظهر عليها كل ما في القلب، فعندما يرى الشاشة ينكشف له كل ما في قلب الإنسان، فإذا حاول أن يخدع أو يحاول أن يكذب، فلن ينطلي على أصحاب الأنوار العلية الذين يتابعون خير البرية صلى الله عليه وسلَّم.
وهناك أناس: " وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ " (30محمد) عندما يتكلم فإن طريقة إخراج الكلام تُظهر ما في القلب من نوايا وطوايا وخفايا في هذا الكلام، فإذا كان الكلام كذب، فيظهر في الكلام الذي يقوله، وإذا كان الكلام فيه خداع يظهر.
حجاب القلب
فالفراسة موجودة مع المسلمين، حتى مع أطفالنا الصغار والذين لا يزالون في الأطوار الأولى، فعندما تقول له أُمه مثلاً: أنت كذا وكذا، فيقول لها: أنت تضحكي عليَّ، ويكون صادقاً، وهي تعرف أنه عرف أنها تضحك عليه، كيف؟! لأن الإحساس الإيماني عنده لا يزال طازجاً لم يُحجب بغطاء، وبم يُحجب؟ كما قال حضرة النبي:
{ إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) }
والران يعني الغطاء أو الستارة: " كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " (14-15المطففين) فيكون هنا في حجاب عن نور الله، وعن نور الإيمان الذي معه، وعن السير على هدي الله، وعلى هدي كتاب الله، وهدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
ومن أخصَّ خصائص المبتدئين في السير والسلوك إلى الله مع الصالحين، أن يكون عنده قدرٌ من الفراسة، فيعرف هذا من ذاك، فإن لم يأخذ هذه الفراسة، فمتى يأخذها؟! هي البداية، فمن لم يعرف كيف يمسك بالقلم ويكتب، هل سيأخذ ماجستير أو دكتوراه؟!! لا، كذلك لا بد أن يكون معه هذا النور ليكون كما قال الله: " إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا " (29الأنفال) وفرقاناً يعني نوراً بداخله يميز به الطيب من الخبيث، والسيئ من الحسن، والحلال من الحرام، فيعرف هذا من ذاك بمجرد أن ينظر إليه نظرة بالنور الباطني الذي معه.
هذه الفراسة الحكايات فيها عن الصالحين ليس لها عد ولا حد، فمثلاً الإمام الشافعي كان جالساً مع محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة في الحرم، ومرَّ رجلٌ أمامهما، فقالا لبعضهما: ما عمل هذا الرجل؟ فالإمام الشافعي قال: يعمل نجاراً، والإمام محمد الحسن قال: يعمل حداداً، فقالا ننادي عليه، فقالا له: ما عملك؟ قال: كنت أعمل نجاراً، والآن أعمل حداداً!!.
يعني هذا كلامه صحيح، وهذا كلامه صحيح، فكانت الفراسة لا تُخطئ معهم أبداً.
طريق نيل الفراسة
الإمام عبد الكريم القشيري رضي الله عنه صاحب الرسالة القشيرية يحكي عن رجلٍ من الصالحين كان لا تُخطئ فراسته أبداً، وهم كانوا كذلك، يقول: أحد الصالحين اسمه شاه كرماني رضي الله عنه، هذا الرجل مكث خمسة وعشرون سنة لا ينام الليل طامعاً أن يحظى بنظرة إلى وجه مولاه تبارك وتعالى، ولا يريد غير ذلك، فهذا الرجل قالوا له: الذي يريد أن ينال الفراسة ماذا يفعل؟ قال: ((غُض البصر عن المحرمات، ومنع النفس عن معاصي الله، ودوام مراقبة الله بالقلب، والمداومة على أكل المطعم الحلال، والمداومة على المتابعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، من عمل بهذه الخمس لم تُخطئ فراسته أبداً)).
الأولى: غُض البصر عن المحرمات، وهي أصعب شيء في زماننا هذا، وهي البلاء الذي عم الكثير، طالما يمشي في الطريق ينظر هنا وينظر هنا، ويلتفت هنا ويلتفت هنا، ويسوِّد صحائف القلب والعياذ بالله، فكيف يرى؟! مستحيل.
والثانية: منع النفس عن معاصي الله، فينتهي عن المعاصي كلها ما ظهر منها وما بطن.
والثالثة: دوام مراقبة الله بالقلب، فيكون باستمرار مستحضراً في قلبه أن الله يطَّلع عليه ويراه، فيخشاه، ويخشى أن يعصاه، أو يعمل عملاً ينظر إليه مولاه فينزل عليه سخطه وغضبه تبارك وتعالى في الوقت والحال.
الرابعة: المداومة على أكل المطعم الحلال، لأن لُقمة واحد فيها شُبهة ستُعكر كل أنوار القلب.
الخامسة: المداومة على المتابعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
قال: من عمل بهذه الخمس لم تُخطئ فراسته أبداً، وعلى الفور ينظر بنور الله على الدوام.
فراسة الجنيد
الإمام الجُنيد رضي الله عنه وأرضاه، كان لا يزال تلميذاً، وشيخه كان خاله واسمه السَري السقطي رضي الله عنه، فلما وجد عليه إخوانه معالم الفتح الإلهي طلبوا منه أن يحدِّثهم بما فتح الله به عليه، لكنه كان عاقداً في نفسه العزم أن لا يتحدث حتى يأخذ الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
فذهبوا إلى الشيخ السَري السقطي، وقالوا: مُر الجنيد أن يحدثنا بما فتح الله به عليه، فقال الشيخ بعد أن استدعاه: يا جنيد حدِّث إخوانك بما فتح الله به عليك.
وعندنا قاعدة كان عليها الصالحون، فعندما كان الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يطلب من بعض المتحدثين أن يتحدث، ويتحدث من شيء قرأه في كتاب، أو سمعه، كان يقول له: يا بني لا تحدثنا عن غيرك، ولكن حدثنا بما فتح الله به عليك.
فكلام الغير نستطيع أن نقرأه نحن أيضاً مثلك، أو نسمعه منهم مثلك، لكننا نريد أن نسمع الكلام الطازج النازل من عند الله في الحال، فالمياه الموجودة في بركة هل ينفع أن نروي منها زرعاً؟!! سيهلك الزرع ويموت، لكن المياه النازلة من عند الله هي التي تصلح للزراعة، فقالوا: ((كما أن كل ماءٍ لم ينزل من السماء لا ينفع - بالنسبة للزراعة - فكذلك كل علمٍ لم ينزل من سماء رسول الله لا يرفع)) لن يرفع الإنسان، فيسمع سنين طوال وهو كما هو محلك سر.
فأنا لا أُحضر الكتب وأقرأ فيها لأُبلِّغ رسالة الله، لكن أُجهز نفسي، وأُجهز قلبي إلى أن يتصل القلب بربي وتنزل فيه الخواطر الإلهية والعلوم الإلهامية، هذه هي التي فيها النفع للسالكين والطالبين بصدق لطريق رب العالمين سبحانه وتعالى.
فالشيخ السَري قال: يا جُنيد حدِّث إخوانك بما فتح الله تعالى به عليك، وهو كما اتفقنا كانت عنده العزيمة بداخله أن لا يتحدث إلا بإذن من رسول الله.
وفي ليلة رأى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في المنام وقال له: يا جُنيد حدِّث إخوانك بما فتح الله تعالى به عليك لينتفعوا بك، واستيقظ من النوم وكان لا يزال على الفجر ساعة، فذهب يطرق باب الشيخ السَري ليبشره، فسمع الشيخ يقول له: نحن الذين أرسلناه إليك، ما دمت لا تريد أن تتكلم إلا إذا أذن لك رسول الله، فقد أرسلناه إليك لكي لا تكون لك حُجَّة.
وهم كما قالوا: إذا أقاموك أعانوك، لماذا يتعجَّب الناس من أحوال الصالحين؟! الناس لا ينتبهون لذلك، فالرجل الصالح الذي يُقيمه الله يُسخر له الأسباب ليعينه على إبلاغ دعوة الله، فهو لا يريد شيئاً من الناس ولا من الدنيا، ولا يريد إلا رضا الله، ولأنه صادق فإن الله يُسخِّر له الأسباب.
فذهب الجنيد ليُصلي الظهر، وصلاة الظُهر كما نعلم يكون وقتها وقت عملٍ، والناس يكون عددهم بسيط، ففوجئ بعد الصلاة بجماعة يحملون كرسي مدرس العلم وأجلسوه عليه ويقولون له: حدثنا بما فتح الله به عليك، والمسجد مملوء عن آخره!، من الذي جاء بهؤلاء الناس كلهم في ساعة الظهر؟! هي كما قالوا: إذا أقاموك أعانوك.
وقبل أن يبدأ في الكلام قام رجل وكان نصرانياً، ولكنه كان متخفياً بلبس العمامة، وكان المسلمون عموماً في هذا الزمان وهو زمن الدولة العباسية وإلى وقت قريب يلبسون عمامة، وقد رأينا آباءنا كانوا حريصين على لبس العمامة، لماذا؟ لأنهم سمعوا حضرة النبي يقول:
{ الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ }
تاج العربي العمامة، وورد في بعض الأثر: ((تعمموا فإن الشياطين لا تُعمَّم)).
فالمؤمنون كانوا يلبسون العمائم، وأصبح بالتالي النصراني واليهودي ظاهر، لأنهم لا يلبسون العمائم، فكانوا يعرفون النصراني واليهودي لأنه لا يلبس العمامة.
فلما همَّ الجنيد أن يفتتح الكلام فوجئ بهذا الرجل يقف ويقول: يا شيخ ما معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي يقول:
{ اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ }
فسكت الجُنيد لحظة وبعدها نظر إلى الأرض، ثم نظر إليه وقال: معناها أنه آن أوان إسلامك يا نصراني.
يعني وقت إسلامك قد حان، فنطق الرجل بالشهادتين وقال له: جزاك الله خيراً يا تاج العارفين، لقد طُفتُ على سبعين رجلاً ممن يدَّعي المعرفة بهذه القضية فلم يكشفني واحدٌ منهم، فأعرف أنهم مُدَّعين وليسوا صادقين.
فالجنيد كشف بنور الفراسة أنه نصراني، مع أنه كان لابساً الزي الإسلامي، وأن هذا أيضاً الوقت الذي يُسلم فيه لله، وهي معرفة عالية، كيف يعرف الوقت القدري الذي قدَّره الله لإسلام هذا الرجل الوجه لله؟!.
فعلى هذا الأمر كان ولا يزال العارفون في كل زمان ومكان، ولكنهم أُمروا بالستر، فلا يُظهرون ما يرون حفظاً للخلق، وحفظاً لأسرار الربوبية، لكن - كما قلت - إذا كان الإنسان عنده ولو قليل من هذه الفراسة النورانية فلن يُحيره شيء في حياته.
حتى أنه لا يحتاج حتى إلى ركعتين سُنَّة الاستخارة، لأنه يستخير الله مباشرة، ومعه نور من عند الله، ويُلهمه الله سبحانه وتعالى بالإلهام السديد.
ولكن بشرط أن يكون مسيطراً على نفسه، ومسيطر على هواه، لأن ما ينزل في القلب قد يكون خطرة من النفس، أو خطرة من الشيطان، أو خطرة من الهوى، فلا بد أن يُلجِّمهم حتى لا ينزل في القلب إلا الخواطر النازلة من حضرة الرحمن سبحانه وتعالى.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا هذه الأنوار العلية، وهذه الأسرار الخفية، وهذه الألطاف الربانية، وأن يجعلنا من أهل الفراسة النورانية
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

نصائح للسالكين

نصائح للسالكين
الأمر الأول: مشايخنا علَّمونا أنه لو اجتمع الأحباب، وقرأوا الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلَّم على أي نية يستحضرونها في قلوبهم فإن الله عز وجل يُحقق ذلك لهم، وقد جربنا ذلك مراراً وتكراراً، وهذا أمرٌ أكيد ليس فيه شك.
الأمر الثاني: لا يعتذر الإنسان عن حضور هذه الصلوات، فلو أن الإنسان قال: أنا متعب اليوم ولن أذهب لأؤدي الواجب الذي عليَّ، فهذه فرصة للنفس لتُثبِّط همة الإنسان، ولذلك كان الصالحون يقولون: ((سيروا إلى الله عُرجاً ومكاسير)) يعني لو كنت تعرج برجلك أو كُسرت فلا تكسِّل.
فإذا كنت ذاهباً للمسجد فإياك أن يمنعك شيء عن صلاة الجماعة، إلا إذا كان شيء فوق الطاقة والإحتمال، لكن شيء يُمكن تحمله فلا يمنعك عن الطاعة، لأن العمر قصير، ومطلوب منا تحصيل أجر كبير نجده عند العلي الكبير.
فلو اعتذرت اليوم من هذا، واليوم من هذا، فمتى أُحصِّل؟!! والعمر يجري، ولا أسرع من الأيام كما نرى!، ولذلك كانوا يقولون: ((المحب لا يعتذر)) يسدُّ باب العُذر على النفس، إلا إذا كان عُذراً شرعياً تجيزه الشريعة، أو شيء فوق طاقة الإنسان يجعله لا يتحمَّل الحضور في مثل هذا المكان.
الأمر الثالث: لم يرد تقبيل الرجل للرجل في حديث صحيح أو ضعيف، فإذا أردت التقبيل قبِّل يديه، والعلم الحديث قال: أن العدوى تنتقل بسرعة عن طريق التقبيل، وخاصة أصحاب المناعة الضعيفة، والعلماء قالوا: التقبيل على الوجه ممنوع بالنسبة للرجال.
وكذلك للأطفال الصغار، لأن الأطفال مناعتهم ضعيفة وسيُصابون بالعدوى سريعاً، وتصر النساء أن يُقبِّلن الأطفال، ولكن نعمل كما كان يفعل حضرة النبي، فقد كان يُقبِّل الطفل من رأسه أو من جبهته في الأعلى، لكن ليس من الخدين.
لأن التقبيل على الخدين يجعل الأنف على الفور يُصاب، والفم يُصاب، وينتقل الفيرس بسرعة رهيبة، والطفل يتألم ويشكو، ونسأل من أين أُصيب؟! من العدوى.
الأمر الرابع: قد يحسد الإنسان ابنه، أو يحسد زوجته، أو يحسد سيارته، أو يحسد أي شيء عنده، فما الوقاية؟ أقول: (بسم الله، ما شاء الله، لاقوة إلا بالله).
لو سمعت قاريء يقرأ القرآن أقول: (بسم الله، ما شاء الله، لاقوة إلا بالله) أو عالم على المنبر أو على كرسي يعطي درساً، أقول: (بسم الله، ما شاء الله، لاقوة إلا بالله) وأقولها بصوت مرتفع حتى يعرف كل من بجواري ويقولون مثلي.
فإذا دخلت لأي مكان ولو كان بيتي، فلا بد وأنا داخل أقول: (بسم الله، ما شاء الله، لاقوة إلا بالله) فهي الوقاية التي جاء بها لنا الله من العين.
والعين لها مفعول غريب وعجيب يطول شرحه، فقد تفعل بدون أن يشعر الإنسان بذلك، ولذلك هناك أُناس مشهورين بذلك، ونسميه: (عائن) وعينه لا بد وأن تُصيب، وهل هذا العائن يعرف أن عينه تُصيب؟ نادراً، لكن كل ما في الأمر أنه لا بد أن يتحصَّن حتى لا يؤاخذ على ذلك من الله، ويُعاتب من حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.
فإذا رأيت أي شيء أعجبك في نفسك أو في بيتك أو في أولادك أو في جيرانك أو في مسجد أو في أي مكان فعلى الفور المؤمن يكون دائماً على لسانه: (بسم الله، ما شاء الله، لاقوة إلا بالله).
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الإسراء والمعراج والطريق إلى الله

الإسراء والمعراج والطريق إلى الله
رحلة الإسراء والمعراج هي قصة الطريق إلى الله تبارك وتعالى، فالذي يُريد أن يسافر إلى الله يتأسَّى بإسراء ومعراج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم صلى الله عليه وسلَّم.
طهارة القلب
ففي البداية كان صلى الله عليه وسلم نائماً في الحجر، أو في بيت أم هانئ بنت أبي طالب بنت عمه، وجاء ملائكة وأخذوه وأرقدوه وشقوا بطنه، وأتوا بطست من ذهب، وأخرجوا قلبه ووضعوه في هذا الطست وغسلوه بماء زمزم، فالذي يُريد أن يسير إلى الله لا بد أولاً أن يفتح قلبه بأحكام الشريعة الغراء، فلا يجعل فيه غير أحكام الشريعة، ويُطهِّره ويُصفيه.
ما ماء زمزم الذي يُطهره؟ ماء زمزم هو العلم الوهبي الذي ينطق به العارفون، لأنه قادم مباشرة من حياض كوثر سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.
لذلك الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وقف أمام البحر الأبيض المتوسط، وكان أيامها يسمونه بحر الروم، وخاطب البحر وقال له:
قليلك قد يُطهِّر كل جسمي
يُطهر بحر رومٍ كلَّ رسمي

وقلبي لا تطهره بحارٌ
يُطهِّره العليُّ بنيل علمي

يعني بعض الماء منه يُطهر الجسم، لكن هل يُطهر البحر والماء القلب؟ لا، فما الذي يُطهر القلب؟ العلم الوهبي المكنون.
مرحلة الدنيا
بعد أن يُطهِّر القلب يتجه إلى الله، فالمرحلة من البيت الحرام إلى بيت المقدس هي مرحلتك أنت من الميلاد إلى الموت، وهي مرحلتك التي أنت فيها بالجسم، وكل الحقائق فيها موجودة.
تريد أن تمشي سليماً ومستقيماً حتى تحظى ببركة الرءوف الرحيم، وتحظى من الله عز وجل بالقبول، تنظر إلى الرسول ماذا رأى، وتعمل، فماذا رأى سيدنا رسول الله؟ رأى أولاً مشاهد للأعمال الصالحة، ومشاهد للأعمال السيئة، فأنظر أنا إلى هذه المشاهد، وأتجنب الأعمال السيئة، وأعمل الأعمال الصالحة.
وأثناء سيره صلى الله عليه وسلم كان هناك جماعة ينادون عليه: يا محمد انظرنا، وهو لا يلتفت، فسأل عنهم جبريل؟ فقال له: هذا الشيطان، وهذه الدنيا، وهذا داعي اليهود، وهذا داعي النصارى.
فأنت في طريقك إلى الله، ما الذي يعطلك؟ وما العقبات التي ستقف أمامك وتصُدَّك؟ إبليس والدنيا، وللأسف وقع الكثير من المسلمين في زماننا الآن، فيقلدون اليهود والنصارى في الحضارة والحداثة التي يعيشون فيها.
من الذي يُقلد النبي المختار وأصحابه الأبرار وآل بيته الأطهار؟!! قليل، لكننا نقلد الآخرين في كل شيء، قال صلى الله عليه وسلَّم، وكان يكلمنا نحن ولا يُكلم الجماعة الذين كانوا معه:
{ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ فَمَنْ؟! }
ألا يحدث هذا الآن؟! فمن أين تخرج الموضة؟ من عندهم، ونحن نمشي خلفهم سريعاً، لكن الذي يريد الله يتبع رسول الله وصحابته الأخيار وآل بيته الأطهار؟!!.
وهل نترك الحضارة؟ لا، ولكن لا نتبعهم في القيم والأخلاق والمفاسد والمرازل التي ملأوا بها الدنيا في كل واد وفي كل مكان، وهي المصائب التي نحن فيها جماعة المؤمنين الآن، فهؤلاء أعداءك لذلك يجب أن تحذر منهم جيداً لتمشي إلى الله.
علامة الوصول
فما علامة الوصول؟ أن روحك تحظى بالرؤيات الصالحة، للصالحين والأنبياء والمرسلين والمتقين، كما جمعهم الله لسيدنا رسول الله في بيت المقدس أجمعين.
بيتك قدِّسه بحضرة القدوس، ونزِّهه عن الأغيار، واملأه بالأنوار فلن تجد فيه إلا النبي المختار والأطهار والأبرار في كل لحظة في ليلٍ أو نهار، ولكن يتخلص من الأكدار التي فيه.
عروج الروح
بعد ذلك العروج، وهذا يكون إذا صفت الروح، فيشاهد المشاهد الملكوتية، وتسافر إذا كان الإنسان نائماً أو متيقظاً إلى العوالم العلوية.
وهذا كان يحدث مع أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فكان كل واحد منهم بمجرد أن يضع جسمه على الأرض وينام فإن الروح تسافر على قدر ما يسمح لها به الملك العلام.
فمنهم من تذهب روحه وتجالس الملائكة وتتحدث معهم وتختطف منهم طرائف العلم والحكمة.
ومنهم من تدخل روحه الجنة وتشاهد ما فيها، وترى البهاء والجمال والنور الإلهي والجمال الرباني الذي يملأها.
ومنهم من يذهب إلى اللوح المحفوظ ويعلِّمه الله فك هذه الرموز، ويكشف له عن قبس من هذه الكنوز؛ كنوز الأقدار التي أودعها الله في هذا اللوح المحفوظ.
وكل واحد منهم يصعد على قدره، إذا الأرواح فُكَّت من عقالها وخرجت من سجن جسدها:
تجذب الروح الهياكل
في الصفا أعلى المنازل

إن أداروا الراح صرفاً
أسكرت عالٍ وسافل

هذا ملمحٌ بسيط في الإسراء والمعراج لعل الله عز وجل أن ينفعنا به ويُكرمنا به.
المعين على الوصول
ما الوسائل التي ستُعينني على السير إلى الله لكي أُحقق المنى؟
أعظم وسيلة التي نزَّلها الله في تلك الليلة وهي الصلاة، والصلاة صلة، والوسيلة الثانية التي تساعدني التي أوصانا بها سيدنا إبراهيم على لسان الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال له:
{ يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَغِرَاسُهَا قَوْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ }
فالذي يُعينني على الوصول ثلاث أشياء:
الأولى: الصلاة لأنها من عند الله.
الثانية: ذكر الله.
الثالثة: زيارة الصالحين كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فقد قال له جبريل: انزل هاهنا فصلِّ، فهنا قبر أخيك موسى، وقال له: انزل هاهنا فصلِّ فهنا وُلد أخيك عيسى.
فيطوف الإنسان على الصالحين المتقين، لأن هؤلاء سيختصرون له الطريق، ويعجلون بوصوله إلى ما يريد من فضل الله، وإكرام الله، لأن الله عز وجل جعلهم أعينهُ التي ينظر بها في قلوب المتقين في هذه الحياة.
إذاً فالإسراء والمعراج يختصر لك كل الطريق إلى الله، فهل يوجد شي آخر نريده في الطريق؟ لا، فهذا الطريق، وهذه العقبات، وهذه الأمور التي تعينك، وهذه البداية وهذه النهاية.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

حب النبي هو سر الوصول

حب النبي هو سر الوصول
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ – الحمد لله الذي أنعم علينا ووالانا بإسعافه، وجعلنا أهلاً لعطاياه وإتحافه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد جوهرة الحق المكنونة، ولؤلؤة ذاته تبارك وتعالى المصونة، الذي جعل رؤيته لنا أجمعين مضمونة، في الدنيا والآخرة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وكل من مشى على هديه، واختاره الله عز وجل ليكون من السعداء برؤية وجهه، ونسأل الله تبارك وتعالى أن نكون منهم أجمعين.
الإمام أبو العزائم رضي الله عنه كان من الأفراد الممنوحين مِنحاً عليَّة من الله سبحانه وتعالى على يد رسوله صلى الله عليه وسلَّم.
فكان إذا تنزَّل عليه الإلهام يغيب عن نفسه، وينطق بلسانه قصائد، ويقول في ذلك:
أغيب عني وأُملي
لمن بسري تحلَّى

لستُ المغني بقولي
إلا إذا الفرد أملى

ويقول عن هذه القصائد:
ليس شعراً ما قلت حال ورودي
بل هو الخمر يُحتسى في الوجود

راح قدسٍ قصائدٌ من قصودي
خصَّنا بها حضرة المعبود

ولذلك هذه الحكم النظمية ليست شعراً، ولكنها حكمٌ عُلوية في صورة نظمية، فيها عُلومٌ إلهامية تتضح للنفوس التقية، والأرواح البهية المتعلقة بذات الله بالكلية.
فالناس تعشق وخاصة مَن عندهم رغبات عالية في القرب من الله، وآمال رفيعة في الوصول إلى حضرة حبيب الله ومصطفاه، ويحتارون في السبيل إلى ذلك والكيفية التي توصلهم إلى هنالك، ويظن الكثير منهم أن ذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات، إن كان في قيام الليل، أو صيام النهار، أو الأذكار، أو الصلاة على النبي المختار، أو غيرها من العبادات، وأرقاها وأعلاها تلاوة القرآن، لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ أَفْضَلُ عُبَادَةِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ }
لكن في الحقيقة العبادات توصِّل إلى درجات في الجنات، ومهما كثُرت ومهما زاد إخلاص العبد فيها لا تدخله الجنة، قال صلى الله عليه وسلم:
{ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ }
وفي رواية أخرى:
{ إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ }
فدخول الجنة برحمة الله، أو بفضل الله، والجنان الحسية التي فيها الحور والقصور وما لذَّ وطاب من الطعام والشراب، فإن دخولها برحمة الله.
أما الجنان المعنوية، حيث أنوار القرب، وحيث لوائح الحب، وحيث النظر إلى وجه الله، ومجاورة حبيب الله ومصطفاه، فهي بفضل الله: " ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ " (54المائدة) لا بحسب، ولا بنسب، ولا بعبادة، ولا بزهادة، إنما هي فضلٌ من المتفضل تبارك وتعالى على أهل هذا المقام.
ولا ينالون ذلك، ولا يُحصِّلون ذلك إلا بالأدب العالي، فالسر الغالي لا ينُال إلا بالأدب العالي مع الله ومع حبيبه ومصطفاه، ومع الصالحين من عباد الله.
جاء وفدٌ من كُبراء العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكانوا من المؤلفة قلوبهم، يعني الذين كان يحاول حضرة النبي تأليفهم لأنهم زعماء، وكل واحد زعيم قبيلة، والقبيلة رهن إشارته، فيُؤلفهم لأن أتباعهم من ورائهم، يعني على سبيل المثال، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:
{ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ!، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟! إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ }
هذا الرجل كان يسمونه الأحمق المطاع، فهو أحمق ولكنه مطاع لدى قومه، فكان خلفه مائة ألف سيف يأتمرون بأمره، وشر الناس من اتقاه الناس مخافة شره.
جاء هؤلاء الكبراء، فرأو بعض الفقراء من المهاجرين حول النبي جالسين في رحاب حضرته، سيدنا بلال، وسيدنا عمار بن ياسر، وسيدنا عبد الله بن مسعود، وسيدنا صُهيب الرومي، وسيدنا خباب بن الأرت، وكان هؤلاء القوم قد تركوا خلفهم كل ديارهم وأموالهم وما يخصُّهم من الدنيا طمعاً في القرب من الله ورسوله، وهذا طريق البداية، لأن معظم الناس في هذا الزمان يريد الاثنين معاً، ولا يحدث هذا، فهل يكون وزيراً وفي نفس الوقت أمير أهل الحب والغرام؟! لا يجتمعان أبداً.
هؤلاء القوم من فاقتهم أقامهم النبي صلى الله عليه وسلَّم في مسجده المبارك، وكان المسجد ليس له سقف، وليس له فرش في الأرض، بل تراب، ولما أرادوا أن يجددوه أمرهم النبي أن يأتوا بحصى من وادي العقيق القريب من المدينة وفرشوه به، فلم يكن هناك فرش، ولا أحد يأخذ معه مصلاة، ولكنهم كانوا يصلون على الأرض.
ولذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وكان من كُمَّل أهل الاتِّباع لحضرته صلى الله عليه وسلَّم، لما تولى ولاية المدينة، وكان الوالي يؤم الناس في الصلاة وفي خطبة الجمعة وفي غيرها من الفرائض، وكان المسجد قد فرشوه أيام الوليد بن عبد الملك، فأمر عمر بن عبد العزيز أن يزيلوا الفرش الذي يسجد عليه حتى لا يكون بين جبهته والأرض حاجز، كأيام حضرة النبي، فترك الفرش كما هو من تحت رجليه ولكن يُرفع من تحت منطقة سجود الرأس، لماذا؟ كان النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول في سجوده:
{ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، وَكَانَ دَاوُدُ النَّبِيُّ إِذَا سَجَدَ، قَالَ: عَفَّرْتُ وَجْهِيَ فِي التُّرَابِ لِخَالِقِي وَحُقَّ لَهُ }
يعفر وجهه بالتراب، ونحن نستنكف من التراب الذي على السجاد!!، لكنه يسجد على التراب نفسه.
ولما سألوا سيدنا أبو سعيد الخدري عن ليلة القدر؟ قال: إني سجدتُ في صبيحتها على ماء وطين، يعني المياه نزلت فصلوا على طين، قال صلى الله عليه وسلم:
{ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ  فَانْصَرَفَ، وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ }
فهؤلاء القوم أقامهم النبي في مسجده المبارك، وصنع لهم عريشاً يقيهم المطر والحر، وهذا العريش سماه (الصُفَّة)، والعريش كان من النخل، وكل شيء هناك كان من النخل، فالأعمدة التي نراها في الروضة، مكان كل عمود كان جزع نخله، ومكان الصُفَّة موجود إلى وقتنا هذا خلف منزل السيدة فاطمة.
فكانوا ينامون في المسجد، ويعيشون في المسجد، وسيدنا رسول الله يُطعمهم مما أفاء الله عليه، فماذا كانوا يلبسون؟ ليس معهم مال ليشتروا ملابس، فكان كل واحد منهم يلبس جلد ضأن – جلد خروف - يخيطوه ويلبسوه، وجلد الخروف مع الحر ومع العرق يُعطي رائحة كريهة.
فلما أتى هؤلاء القوم وشموا هذه الرائحة، قالوا: يا رسول الله إنا لا نطيق هذه الرائحة، فاجعل لهؤلاء وقتاً ولنا وقت، وإن العرب يأتونك من كل مكان، فإذا رأونا مع هؤلاء سقطت منزلتنا عندهم، يعني كيف نكون من الوجهاء ومن الأكابر وننزل نجلس مع هؤلاء الأصاغر؟! يعني في نظرهم.
فهمَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم لتأليفهم أن يوافقهم، فقالوا: اكتب لنا كتاباً، يعني يريدون الأمر رسمياً، فدعا الإمام علي بورقة وقلم ليكتب، فنزل فوراً قول الله تعالى: " وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ " (52الأنعام) فأمر الإمام علي أن ينصرف، وأن يرفع القلم والورق، ورفض أن يكتب لهم، يروي ذلك سيدنا خباب بن الأرت رضي الله عنه فيقول:
{ جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، فَوَجَدَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ صُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ، وَعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ، قَاعِدًا فِي نَاسٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَقَرُوهُمْ، فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ، فقالوا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا، فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ، فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُدِ، فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنْكَ، فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابًا، قَالَ: فَدَعَا بِصَحِيفَةٍ وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ، فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: "وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ" ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، فَقَالَ: "وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ" ثُمَّ قَالَ: "وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"، قَالَ: فَدَنَوْنَا مِنْهُ حَتَّى وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْلِسُ مَعَنَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ" وَلَا تُجَالِسْ الْأَشْرَافَ: "تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا" يَعْنِي: عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ "وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"، قَالَ: هَلَاكًا، قَالَ: أَمْرُ عُيَيْنَةَ، وَالْأَقْرَعِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ، وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قَالَ خَبَّابٌ: فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ }
هؤلاء هم أصحاب الوجاهة في الدنيا والآخرة، وأصحاب المنزلة العالية عند الله ورسوله، بم نالوا ذلك؟ وكيف وصلوا إلى ذلك؟ بحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فهي الوسيلة الوحيدة.
الصحابي الجليل الذي كان يحمل لواء رسول الله في غزوة أُحد وهو أول مبعوث يرسله إلى المدينة ليبشر أهلها بالإسلام، وهو مصعب بن عُمير رضي الله عنه، وجدوه بعد المعركة شهيداً، وكان يلبس جلد ضأن، إذا غطوا رجليه انكشف وجهه ورأسه، وإذا غطوا وجهه ورأسه انكشفت رجليه!، هذا الرجل رآه النبي مقبلًا وعليه إِهاب كبش فقال:
{ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يُغَذِّوَانَهُ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَدَعَاهُ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ }
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُهُ وَيَقُولُ:
{ مَا رَأَيْتُ بِمَكَّةَ أَحْسَنَ لِمَّةً وَلَا أَرَقَّ حُلَّةً وَلَا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ }
أمه كانت من أغنى الأغنياء في مكة، لكنه عندما أحب الله ورسوله ترك ذلك كله، وحتى عندما كان في غزوة بدر، رأى أخاه أسيراً ويمسكه اثنين من الأنصار، فأحب أن يوصيهما، فقال لهما: استمسكوا بأسيركم هذا فإن أُمّه غنية وستفديه بمالٍ كثير، فقال أخوه: أهذه وصيتك بأخيك؟ قال: لست أخي، هؤلاء إخوتي والإسلام فرَّق بيننا.
أين أمثال هؤلاء الرجال؟ ما الذي أوصله إلى هذا المقام؟حب الله ورسوله.
سيدنا صُهيب الرومي كان من أغنى تجار مكة، فقال: لن أستطيع العيش في مكة بدون رسول الله، فخرج مهاجراً، ولما سمع أهل مكة أسرعوا خلفه حتى أدركوه، وكان يجيد الرمي بالسهام، فأخرج كل ما معه من سهام وجهَزها، وقال لهم: والله لن تصلوا إليَّ حتى تنفذ هذه السهام - وهم يعلمون أن سهمه يُصيب ولا يخيب - ولكن هل أدلكم علي شيء خيرٌ من هذا؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أدلكم على مالي فتأخذوه وتتركوني، وكان ماله قد دفنه تحت عتبة الباب، فدلهم على ماله وتركوه.
وقبل أن يصل إلى المدينة كانت الحقيبة الإلهية نازلة بالآية القرآنية: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " (207البقرة) فلما وصل إلى سيدنا رسول الله قال له:
{ رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى }
وابنه كان اسمه يحيى، فاشترى نفسه منهم بماله، لماذا؟ حتى يكون بجوار رسول الله.
فكان الرجل منهم يضحي بالنفس والنفيس ليحظى بنَفَسٍ يكون فيه جليس لحضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم.
إذا وصل الإنسان إلى هذا المقام، يعلم علم اليقين أنه من المصطفين الأخيار، وله عند الله قدرٌ ومقدار، وله عند حضرة الحبيب صلى الله عليه وسلَّم عطاء كعطاء الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء، لأنه يحبه الحب الذي أمر به الله، والذي طلبه منا حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.
والحب ليس كلام، لكن دعوى تحتاج إلى عمل وبرهان يدل على ذلك.
فأحوال الصالحين في حب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يجب أن نطالعها، كان الواحد منهم يريد النوم في الليل فلا يأتيه النوم، لماذا؟ لأنه في شوقٍ شديد إلى رؤية وجه الحبيب صلى الله عليه وسلَّم، يقول فيها الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
كيف نومي بعد عشقي
والحبيب هو الإمام

الذي يحب امرأة من أهل الدنيا لشهوة جسدية جسمانية فانية، لا يأتيه النوم، فما بال من يُحب الذات النورانية المكملة بالكمالات القدسية؟!! والتي أفردها الله سبحانه وتعالى بكل كنوز فضله وعطاءاته الذاتية؟!! لا يأتيه النوم إلا إذا خصَّه الله ولو بنظرة من حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.
كان هناك جماعة من الأحباب مع الإمام أبو العزائم رضي الله عنه ويدَّعون الحب الشديد، وذهبوا معه إلى الحج طمعاً أن يصحبوه، وفي ذات ليلة في الثُلث الأخير من الليل بعد أن انتهوا من السهرة طلب منهم أن يصحبوه لزيارة بيت الله الحرام، وكان من ضمنهم الخادم الذاتي للإمام أبو العزائم، وكان اسمه الشيخ أحمد السُبكي رحمة الله عليه، فذهبوا معه إلى الكعبة، ولما وصلوا كانوا قد تعبوا ويريدون النوم، فقال الإمام:
أحمد السُبكي تنام وتدَّعي حبنا
نوم أهل الحب في الزُلفى حرام

كيف ينام أهل الحب وهم في هذا القرب القريب من الله عز وجل؟!! فالذي يدَّعي حب الله عز وجل وينام حتى تطلع الشمس، فهل هذا حب أم دعوى؟!! لكن الذي يُريد أن يكون في الدرجة العُليا لا ينام إلا إذا لاح له نَفَساً على الأقل من حبيبه يبل به ريقه، فينام متعطشاً إلى تمام الجمعية الكبريائية على الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلَّم.
إذاً الوسيلة الوحيدة هي المذكورة في كتاب الله، والمبينة في سُنَّة رسول الله لنيل العطاء ورفع الدرجة إلى معية السعداء، ودخول حضرة الهناء، هي الحب لسيد الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلَّم، وعلى هذا كان أصحابه الكرام وكان الصالحين إلى يوم الدين:
سر الوصول إلى الجناب العالي
حب النبي محمد والآل

والآل يعني الورثة لحضرته؛ لمقاماته وكمالاته وعلومه وهيئاته وإشاراته.
والعبادة؟ قال:
كم عابدٍ في ظلمة لا يشهدن
إلا وساوس نفسه بخيال

والفضل لا يُعطى لعلة عاملٍ
نزِّه إلهك عن سوىً ومثال

والفضل فضل الله يُعطى منةً
بالحب في طه العزيز الغالي

من لحظةٍ في الحب تشهد وجهه
وتفوز منه بسره والحال

كل الحُجب التي على عين الفؤاد ما الذي يكشفها؟ لا شيء غير الحب، فديناميت المحبة هو الذي يكشف الحُجب عن الأحبة، وكلما يقوى الحب كلما يكشف الحُجب، فالحب يظل حتى يصبح في الفؤاد نار تحرق الأغيار، حتى يظهر وجه النبي المختار:
نار المحبة كم أذابت مهجتي
وأخو المحبة لا يميل لغيرها

فإذا لاح وجه الحبيب انتهى الأمر:
من لحظةٍ في الحب تشهد وجهه
وتفوز منه بسره والحال

من لحظة في الحب تشهد وجهه وتأخذ منه كل شيء:
تُعطى العلوم وتشهدن فتترجمن
بلسان أهل القرب والأبدال

تُعطى العلوم الإلهية الإلهامية الشهودية:
تُعطى الجمال فلا يراك مصدقٌ
إلا ويشهد نوره المتلالي

من أين هذا العلم والنور الذي
أُعطيته من لحظةٍ في الحال؟

من حب قلبي للحبيب محمدٍ
نلتُ المنى بل نلتُ كل أمالي

هذا الحب ليس له شأن بالأقدميات، فجائز إنسان يُحب فيرفع له الحجاب، وآخر يمكث خمسين سنة يدَّعي الحب، ولا يُفتح له نَفَس من الباب، لماذا؟ الحب هو المقياس.
والحب في الحقيقة فضلٌ من الله، وإكرامٌ من الله، وعطاءٌ من الله، يُنال ببركة صُحبة الصالحين رضوان الله تبارك وتعالى عليهم في هذه الحياة.
وكيف ننال الحب مع هؤلاء؟ إذا صحبناهم لله، وصدقنا معهم لوجه الله، فقد يمنُّوا علينا فيدعون لنا الله عز وجل بدعوةٍ صادقة تُنيل العبد مناه، وتجعله من عباد الله المجتبين عند الله تبارك وتعالى.
فهذا كل الأمر باختصار شديد، ولكن كل ما على الإنسان أن يكون القلب ليس فيه غير الحب، ليس فيه حسد ولا كُره ولا بُغض ولا دنيا ولا شهوات ولا حظوظ ولا أهواء ولا ملذات.
إذا رأى أخاً له مفتوحاً عليه وحسده يعلم علم اليقين أنه محرومٌ من فتح الله: " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ " (54النساء) ليس من رزقه ولكن من فضله، سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه كان يقول: ((نحن المخصوصون بهذه الآية، لأننا معنا فضل الله)).
ففضل الله هو العطاء الخاص من الله، لا يحسده على الرزق؟ لأن الرزق الدنيوي الفاني أمره واسع، لكنهم يحسدونهم على الفضل الإلهي الذي عمَّهم به الله سبحانه وتعالى، والحسود لا يسود، ولا تُفتح له الرايات ولا البنود.
إذاً لا بد للإنسان أن يُحب حضرة النبي، ويُحب كل من أُكرموا بحب حضرة النبي.
نسأل الله عزوجل أن يرزقنا الحب الخالص لوجهه الكريم، والحب الصادق لسيدنا محمد الرءوف الرحيم، وأن يبلِّغنا منه غاية المراد، وأن يفتح لنا به فتحاً مبيناً، ويهدنا به إلى طريق الرشاد، ويجعلنا به من الأفراد الذين يفوزون به في الدنيا، ويكونون تحت لوائه يوم الميعاد.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

جهاد اللسان

جهاد اللسان
دائماً هناك موازين يزن الناس بها من ينتسب إلى الصالحين، فما أهم هذه الموازين التي يزن بها الناس العاديين وغير العاديين المنتسب للصالحين؟ نحن في بلادنا الإسلامية علَّمنا العالم كله الذوق واللطف والأدب في الكلام، فلو أنك رجعت للسلف الصالح أيام حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم والخلفاء الراشدين تجدهم كأن معهم دكتوراه في الكلام الذي يُرضي الله، ويسر خلق الله، وأظن أنكم تحفظون بعض الأمثلة على ذلك.
يسألون سيدنا العباس بن أبي طالب رضي الله عنه: أيهما أكبر، أنت أم حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم؟ فقال رضي الله عنه: ((هو أكبر مني وأنا وُلدتُ قبله)) ما هذا الأدب؟ وكلهم كانوا على هذه الشاكلة.
سيدنا عمر ذهب ليزور جماعة في الليل، فوجد عندهم ناراً شديدة، فوزنها وقال: لو قلت يا أهل النار فستكون بُشرى سيئة، فقال: يا أهل الضوء، فكانوا يزنون الكلام، لماذا؟ بحكم اتباعهم لحضرة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
وهو نفسه رضي الله عنه الذي قال: ((كنا ننتقي أطايب الكلام، كما تنتقون أطايب الطعام)) كما تذهب إلى تاجر الفاكهة فتنتقي الفاكهة من عنده، كذلك كانوا ينتقون الكلام الذي يقولوه حتى يكونوا: " وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ " (20الواقعة) كلامهم فاكهة، الكل يريد أن يسمعه ويستزيد منه.
فكيف يعرف الناس أن هذا قد استفاد من صحبة الصالحين؟ يمشي الإنسان مع الصالحين وكان قبل ذلك يُخرج من لسانه كلاماً سيئاً، فيجرح هذا بكلمة، ويؤلم هذا بكلمة، فإذا وجدوه تهذَّب في الألفاظ، وأصبح محترماً في الكلام، ولا يخرج منه كلمة تسيئ الخاطر، ولا تؤذي القلب، ولا تجرح إنسان، فيقولون: هذا تربية الصالحين.
لماذا؟ قال الله عن الصالحين في القرآن: " وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ " (24الحج) إذا اهتدى للقول الطيب فهذا دليل على أنه: " وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ " (24الحج) فيكون قد اهتدى ومشى على الصراط الحميد.
لكن إذا مشى مع الصالحين خمسين سنة أو أكثر أو أقل والحال كما هو لم يتغير، فيكون محسوباً على الصالحين، ولكنه ليس منهم، ولم يستفد منهم شيئاً، لأن من كان منهم يكون كلامه بلسم وشفاء لكل من يسمعه من الأحباء والأحياء.
حتى أنني عندما أرى أحوال بعض ممن حولنا، وأحوال السابقين، أتعجب، كيف كانوا وكيف نحن الآن؟ هل كانوا ملائكة ونحن جن؟!! لا أعرف!، لم يكن أحدهم يكلم الآخر إلا وهو مبتسم، ما هذا؟ سُنَّة عن رسول الله، فكان لا يُرى إلا باسم الوجه، فبكم تشتري هذه البسمة؟! وماذا تكلفك؟! لا شيء، وستكون صدقة.
والكلمة الطيبة أيضاً صدقة، عندما يقول الله لنا: " فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ " (الإسراء) فما بالكم بما يحدث في هذه الأيام؟!! ما يحدث في هذه الأيام كم يساوي؟!! ويقول بعدها: كنت متضايق، أو كنت غضبان، لكن ما ذنبه هو؟! إن كنت غضبان صلِّ ركعتين لله إلى أن تستقر أحوالك ويستريح بالك، ثم تحدث مع أباك وزوجتك وعيالك.
لكن هؤلاء ما ذنبهم أنك كل يوم تؤذيهم بالضرب؟! والضرب قد يكون بالكلام، ووقع الكلام أشد من وقع السهام، وأشد من وقع الحسام، فكلمة واحدة تجعل المرء لا ينام طوال الليل، ويظل يُفكر فيها، وخاصة إذا خرجت من عزيز، وأعز الأعزاء الابن، فلا يجب أن تخرج منه كلمة، ولا ينفع بعدها الاعتذار.
أيضاً مع الأحباب، فقد كنت أرى الأحباب مع بعضهم ليس كما أسمع الآن، ينادي علي أخيه: يا فلان يا فلان، وهل الإسلام علَّمنا هذا؟ إذا كان الرسول بذاته لم يكن ينادي على أحد إلا ويقول له: يا أبا فلان، ومن لم ينجب يقول له: يا أبا يحي، استبشاراً أنه سينجب ولداً ويسميه يحي، والسيدة عائشة كان يقول لها: يا أُم عبد الله، حتى لا يناديها باسمها.
فكنا نسمع الأحباب ينادون على بعضهم: يا سيد فلان، لأن عندنا الأدب الراقي العالي الذي يُظهر جمال نعمة الإسلام، ونعمة الإسلام لن تظهر إلا في التعامل الحسن مع جميع الأنام.
ولا تؤاخذوني في هاتين الكلمتين اللتين سأٌقولهما، فالموضة في هذه الأيام عند بناتنا وأزواجهم أن ينادي عليها باسمها: يا فلانة، وهي تقول له: يا فلان، فلم نرى ذلك مع آبائنا وأمهاتنا، فكان يقول لها: يا أم فلان، وهي تقول له: يا أبو فلان، فنُعظِّم بعضنا، وكان يقول: أنا أعظِّم زوجتي حتى يلتزم غيري بتعظيمها، وهي تقول لي: أنا أعظِّم زوجي حتى يلتزم الكل بتعظيمه، ولِمَ نُعظِّم بعضنا؟ كما أمر الإسلام، وكما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، يقول في ابنه:
{ إنَّ ابْني هذا سيِّدٌ، وسَيُصلِحُ اللهُ بِهِ بَينَ فِئَتَينِ عَظِيمَتَينِ مِنَ المُسلِمينَ }
وهو سيدنا الحسن، كم كان عنده من العمر؟ كان عنده خمس سنوات تقريباً!!، ودخل عليه الحسن والحسين وهما لا يزالان طفلين صغيرين فقال:
{ الحَسَنُ و الحُسَيْنُ سَيِّدا شَبَابِ أهْلِ الجَنَّةِ }
وهل الجنة فيها كهول؟! لا، فكل من يدخل الجنة سيكون شباباً، فسيدا شباب أهل الجنة يعني هما سيدا أهل الجنة، وهما لا يزالان صغيران.
كان يلعب معهما، ويجعل نفسه جمل وهما راكبان عليه، فقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: نِعْمَ الْمَطِيَّةُ مَطِيَّتُكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
{ وَنِعْمَ الرَّاكِبانِ هُمَا }
وكانوا لا يزالون صغار، ولكنهم عودوا ألسنتهم على الكلام العظيم الذي فيه رضا الله، وفيه جبر الخاطر لخلق الله.
الإنسان؛ أي إنسان في أي زمان ومكان يحتاج لكلمة تجبر خاطره، والذي لا يجبر خاطر الإنسان فهو ليس من أهل التُقى والإيمان، لأنه لو أخرج أهل التُقى والإيمان ألفاظاً تهز الكيان، وتجعل الإنسان تظلم الدنيا في وجهه ويريد أن يفر من هذا المكان بسبب هذه الكلمة التي يسمعها.
فمن أين يسمعون الكلام الجميل؟!!، هل من أهل اليابان؟! نحن الذين علمناهم، وهل من أهل أوروبا؟! نحن الذين فتَّحناهم، فهل كان عندهم حضارة أو تقدم؟! لا، بل كان عندهم همجية، وأخذوا الصفات الطيبة التي عندنا وسادوا بها، ونحن رجعنا - ويا ليتنا رجعنا إلى الجاهلية - لأن زمن الجاهلية كان فيه أخلاق نقية تقية، ولكننا رجعنا إلى مجاهيل الجاهلية.
فما العلامة السديدة الرشيدة للعبد أنه سلك ومشى في طريق الله؟ أنه لا يُخرج إلا الكلام الذي يُرضي الله، ويسر خلق الله سبحانه وتعالى، فينتقي كلامه، ولذلك الحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
{ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ }
سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول في هذا الحديث: يكاد يكون ربع الإسلام.
شيء ليس لي به شأن، فلِمَ أُدخل نفسي فيه؟ لماذا انشغل الناس بالناس؟! هذه علامة الإفلاس، يقول: فلان كذا، وفعل كذا، وعنده كذا، لكن ما شأنك بهذا؟! هل أنت المعطي؟! أنت عبد المعطي، وهو قال: " يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا " (49-50الشورى).
لماذا تدخل في أمر لرب العزة تبارك وتعالى؟!! فأنت بهذا تعترض على أقداره، فما يجري في الكون كله قدَّره تبارك وتعالى، فلِمَ تعترض على أقدار الله؟!!:
ألا قل لمن كان لي حاسداً
أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في فعله
لأنك لم ترض لي ما كتب

فلِمَ يشغل الإنسان نفسه بالناس؟ أنا أشغل نفسي بالله، والمشغول بالله لا ينشغل بسواه.
ولذلك أعجب عندما أجد بعض الأحباب يجلسون مع بعضهم ويتحدثون عن فلان وفلان وغيره، لو تحكون عن حضرة النبي فأهلاً وسهلاً، أو تحكون عن الخلفاء الراشدين والصحابة الهاديين المهديين فهذا تمام التمام، أو تحكون عن الصالحين وأحوال الصالحين فهذا عين المرام، لكن يحكون على بعضهم، فلان كذا، وفلان كذا، وفلان كذا، فكيف يكون هؤلاء إخوان؟!! الإخوان يقول فيهم الله: " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ " (47الحجر) الإخوان دائماً يتقابلون على السرور.
وكنا نقول لبعضنا كما علَّمنا مشايخنا: لقاء الإخوان يُذهب الأحزان، عندما يكون الإنسان عنده مشاكل أو همّ أو غمّ، يقول: أذهب لأخي فلان أزوره وأجلس معه، فيُزاح منه هذا الهم وهذا الغم ويذهب بلا رجعة، لماذا؟ لأنه جلس مع أخٍ في الله تعالى.
لكن يجلس مع فخ يقول له فلان وعلان، فهذا فخ كبير، وسيضيع العمل الذي عمله، فيا ليتنا نركز في هذا البند، وهو سلامة الإنسان في سلامة اللسان، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ }
ليتنا نركز في الجهاد على جهاد اللسان، والمرحلة الأولى في الجهاد في القرآن: " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا " (83البقرة) والناس يعني كلهم، الكافر والمشرك وكل الناس، فكيف يكون مع المؤمنين؟! كما قلنا: " وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ " (24الحج) يختاروا الكلام الطيب الذي يروق البال، والذي يسر الخاطر.
فكيف يكون مع المتقين؟ " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " (269البقرة).
نسأل الله عز وجل أن يجعل نطقنا ذكراً، وصمتنا فكراً، ونظرنا عبراً.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

درجات القرب

درجات القرب
كثير من الأحباب يحبون الصالحين للتبرك، يعني التبرك بأحوالهم، والتبرك بالسلام عليهم، والتبرك بأكل طعامهم ومشربهم، والتبرك بمجالستهم ومؤانستهم، والتبرك بمعاشرتهم، وهؤلاء نبشرهم بقول الحبيب:
{ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
وهناك قلة قليلة أعطاهم الله عز وجل مؤهلات روحانية عالية، وحقائق قدسية راقية، تاقت هذه الحقائق إلى بلوغ الأماني ونيل التهاني، ولا يكون ذلك إلا بالقرب والتداني من الله ومن حبيب الله ومصطفاه.
لا يرغبون إلا في الفتح الإلهي، والقرب القريب من حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فيصحبون الصالحين من أجل هذه الغاية، لأنهم من الذين سبقت لهم العناية.
وقد رأوا أنوار الفتح، وأحوال أهل الفتح ظاهرةً جلية في الصالحين، إن كان الفتح في العلوم الوهبية، أو كان الفتح في الإشارات العلية القرآنية، أو كان الفتح في الوصف الكامل الأكمل لما شاهدوه من أنوار الحضرة المحمدية، أو كان الفتح في تجليات الأسماء والصفات الربانية، وأنواع الفتح لا حد لها ولا عد لها، فيصحبونهم من أجل هذا الفتح.
وهؤلاء غير هؤلاء، فالأولون غير مطالبين إلا باستمرار الحب للصالحين، والمحافظة على الفرائض التي فرضها علينا رب العالمين، والاجتهاد في الأخذ بالسنن الواردة عن سيد الأولين والآخرين ليلحقوا بالصالحين.
أما الآخرون، فأين موضع الفتح؟ في قلوب الأتقياء بعد الصفاء، فما دام في حال أهل الجفاء لن يأتيه نَفَسَاً حال أهل الصفاء والأصفياء، ولذلك لا بد أن يكون له دور؛ بأن يجاهد نفسه، ويجاهد بعد ذلك في تصفية قلبه، حتى يكون جاهزاً لتنزُّل الأنوار، ونزول الأسرار، وبلوغ مقامات الأخيار، وختامها أن يكون في قرب القرابة من النبي المختار صلى الله عليه وسلَّم.
هؤلاء جماعة، وهؤلاء جماعة، فالأولين من أهل اليمين: " وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ " (90-91الواقعة).
والآخرين في المرتبة الأعلى التي ذُكرت أولاً: " فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ " (88-89الواقعة) يُقذف في قلوبهم من روح الله، سر قوله جل في عُلاه: " يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ " (15غافر) من أمره يعني من عالم الأمر، لأن هذا العالم الذي نحن فيه فهو عالم الخلق، أما عالم الملكوت اسمه عالم الأمر، لأنه لم يصدر فيه نهيٌ لأهله، لأنهم في الحقيقة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون.
فهذا عالم الأشباح، والثاني عالم الأرواح، وهذا عالم الشهادة لأننا نشهده بعيون الرأس، والثاني عالم الغيب: " عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى " (26-27الجن) سبحانه وتعالى.
نار المحبة
فرَوحٌ تنزل على قلبه من الله تحرك فيه بَواده الشوق، ولواعج الحب إلى حبيب الله ومصطفاه، فإذا تأججت نار الغرام أحرقت كل الأغيار التي تحجب العبد عن مقامات الكرام، ولا يُوجد دواءٌ يشفي من الأغيار إلا الحب الصادق لحضرة النبي المختار صلى الله عليه وسلَّم:
نار المحبة كم أذابت مهجتي
وأخو المحبة لا يميل لغيرها

يا لائمين محمداً رفقاً به
فهو الذي ذاق الجحيم وحرها

قسماً بمن أنا فيه مَيْتٌ مغرمٌ
لو قُفِّلت أبوابها لفتحتها

فلا بد لكي نحرق الأغيار ونؤهل القلب للأنوار، من إيقاد نار المحبة من رجل واصل من المقربين والأخيار، هؤلاء الذين معهم الزناد الذي يُولِّع القلوب في حب الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلَّم.
فإذا أُوقدت هذه النار، فهذا دليل على أن هذا الرجل في سابق العناية الإلهية في الأزل القديم مكتوبٌ من الأخيار: " فَأَمَّا إِنْ كَانَ " كان في الأزل القديم: " مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ " (88-89الواقعة) بعد الروح يأتي الريحان من رياض الحبيب العدنان صلى الله عليه وسلَّم:
يا نسيماً من رياض المصطفى
بالتهاني مرَّ يُنبي وبالوفا

فيستطيع أن يبدأ يشم روائح الحضرة المحمدية، وهي لا تشمها آناف الرأس، وإنما كما قال الله عن نبي الله يعقوب: " إِنِّي لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ " (94يوسف) لم يقُل قميص يوسف، ولم يقُل: رائحة يوسف، ولكن قال: ريح يوسف.
رجال الله
فهؤلاء القوم لا بد لكل رجل منهم من إمام، فتح عليه الفتَّاح، وسقاه من صرف الراح، حتى صار فانياً بالكلية عن حضرة الأشباح، ويرى الحضرات الإلهية أنواراً كفاح، فيأخذه ويُربيه ويُغذيه ويُنميه، حتى يوصِّله إلى الحضرات الإلهية، وإلى أنوار خير البرية صلى الله عليه وسلَّم، ولكن - كما وضحنا - هو عليه دورٌ كبير في جهاد النفس، وفي تصفية القلب.
وأغلب الناس في زماننا - كما يحدث في الدنيا - يريدون أن يكونوا مثل الشيخ في أمور القرب وأمور الآخرة، كما نرى شبابنا الآن يريد أن يكون في طرفة عين من كبار الأثرياء والأغنياء بدون تعب ولا عمل ولا مجهود، يحفر في الأرض حتى يجد كنزاً ويكون في طرفة عين من الأغنياء والأثرياء، ويضحك عليه السحرة والمنجمين، ويدفع أموالاً ويبيع طين طمعاً في أن يجد الكنز بدون تعب ولا عمل.
نفس الأمر أيضاً لكثير ممن يصحب الصالحين، يعيش في دائرة الوهم، وإذا عاش الإنسان في دائرة الوهم أُغلق عليه باب الفهم، فلا يسمع لأحدٍ آخر، ولا يسمع إلا نفسه، ويريد أن يكون في طرفة عين قطب الأقطاب، أو الوارث الكلي لسيدنا رسول الله، ويترجم هذه الأمور - كما نرى بعض الناس الشذاذ هنا وهناك - فيعمل لنفسه ساحة - مكان واسع - هل أنت الذي عملت الساحة، أم هم الذين عملوا لك الساحة؟!! نظام الصالحين ليس هكذا، فلم يعمل أحدُ من الصالحين لنفسه شيء، فمن الذي يعمل له؟ رب العالمين تبارك وتعالى، لأنه لا يريد شيئاً، سيدنا الشيخ أحمد أبو شرقاوي رضي الله عنه وأرضاه كان يقول:
قد رمت نهجاً خفياً أستريح به
لكن رب العلا للخلق أبداني

فصرتُ لله مشكاةً ومئذنةً
طوبي لمن بالبشر والروح يلقاني

هذه هي أحوال الصالحين، عندما يصل إلى حالة الصفاء، ويلوح له النور والجمال والبهاء والضياء، لا يريد أن يرجع للأرض مرةً ثانية، ولا يريد أن يتكلم مع الآدميين وهو مخالط للملائكة المقربين، ولا يريد أن يجالس الناس وهو في حضرة رب الناس تبارك وتعالى، لكنهم يقيموه ليأخذ بأيدي أحبابهم المكتوبين والمسجلين في حضرة القدس عند رب العالمين تبارك وتعالى.
يقول سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه عن نفسه: ((إن لله رجال ما خرجوا إلى الخلق إلا بعد أن هُددوا بالسلب بعد العطاء)) يعني إما أن تخرج إليهم أو نأخذ ما معك.
إذاً من الذي أقامه؟ الله، وإذا أقامك أعانك، فهؤلاء الرجال الذين نبحث عنهم، وكان الرجل منهم يمشي آلاف الكيلومترات من هنا إلى هنا وإلى هنا حتى يقع على رجل من هؤلاء الرجال، لماذا؟ لأنه يريد أن يحظى بالوصال، ويكون من أهل الفتح الكبير عند الواحد المتعال، ولا ينال ذلك إلا على يد رجل من الرجال.
لن يصل أحدٌ إلى هذا الفتح عشوائياً، وليس في الأمور الإلهية إلا الأسباب الربانية، والرسل أسبابٌ للهداية، والأولياء الصادقين أسبابٌ لنيل العناية.
أهل اليمين
هذا باختصار شديد الأمر الذي أريد أن أوضحه، فأهل اليمين محبين، ونجد كثير منهم معه جدول لموالد الصالحين، يقول: يوم كذا مولد سيدي فلان في المكان الفلاني، ويوم كذا مولد سيدي فلان في المكان الفلاني، وهمّه كله حضور الموالد، وهذا لا مانع منه، وهذا عمل خيِّر، لكن هل هذا العمل له دور في فتح الله؟ لا.
أنت تذهب لتزور الصالحين في روضاتهم، وستستريح نفسياً في زيارتهم، لأنهم في روضة من رياض الجنة، ودائماً الجنة عندما يدخلها الإنسان يذهب عنه الحزن: " الْحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ " (34فاطر) يذهب عنه الهم والغم والحزن، لكن الفتح كما قال السادة الأئمة الكرام: ((الله حيٌّ قيوم ولا يصل إليه واصل إلا بحيٍّ قائم)).
التربية بعد وفاة الشيخ
سؤال: لو مات شيخي الذي أتربى على يديه ماذا أفعل؟
يتركه ويذهب لغيره، فالبيعة أصلاً لرسول لله وليست لأحد، لأن أي رجل من الصالحين عندما يُعطي البيعة لأحد ماذا يقول؟ يقول له: قل بايعتُ الله ورسوله.
والصالحون كانوا يقولون: إذا مات شيخك ولم تكمل تربيتك - يعني أنت لم تبلغ الكمال - ولم يوصي بك إلى غيره فابحث عن رجل على شاكلته حتى تكمل تربيتك.
سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه، وكان شيخ الإسلام، تربى على يد سيدي علي الخواص، مع أن سيدي علي الخواص كان أُمياً لا يقرأ ولا يكتب، لأن قراءتنا غير القراءة في عالم الأرواح، لما انتقل الخواص ولم يكمل أخذ يبحث حتى وقع على رجل يُسمى الشيخ محمد الشناوي من بلدة بجوار طنطا وأكمل تربيته على يديه حتى تخرج.
فكان هذا شيء عادي عند الصالحين، لكن العصبية الموجودة في زماننا ليست من الدين، ولا من شريعة الربانيين ولا الروحانيين ولا الصوفية الصادقين، لأنها عصبية جاهلية، فماذا يريد الشيخ من المريدين؟!!.
هب أن أهل الأرض كلهم مشوا خلفه، فماذا يفعل بهم؟! وماذا يريد منهم؟! الشيخ لا يريد إلا المؤهلين لفتح الله تبارك وتعالى، فهؤلاء الذين يريدهم، ويريد أن يوصلهم لله بالله طلباً لمرضاة الله، لا يريد منهم غنائم، ولا أموال، ولا إشادة، ولا تقبيل أيدي، ولا تعظيم .. لا يريد هذا الكلام، وكل هذا الكلام طلباً لمرضاة حضرة العظيم سبحانه وتعالى.
لذلك حتى لو كنت أنا مع شيخ، ورأيتُ من هو أعلى منه مقاماً، فماذا أفعل؟ كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه يقول: من رأى رجلاً أعلى منَّا مقاماً فليذهب إليه، ولا يقف عندنا.
حتى سمعنا تخاريف المنسوبين للصوفية في هذا الزمان، إنسان يترك شيخه ويذهب لشيخ آخر فيقولون له: كيف تركت الشيخ؟!! سيحدث لك كذا، وسيفعلون فيك كذا وكذا، وغير ذلك!!، هذا الكلام من أين أتوا به؟! وهل له أساس في دين الله؟! وهل له أساس في أحوال الصالحين الصادقين؟! لا.
كان الصادقون على صلة برب العالمين تبارك وتعالى على الدوام، الشيخ أبو السعود وهو من المشايخ الأقطاب، ومقامه في مصر قريب من السيدة زينب، ذهب إليه أحد المريدين يريد أن يتتلمذ على يديه، فقال له: أنت لست تلميذي، وشيخك الشيخ عثمان المغربي وهو في بلاد المغرب، ولمَّا يأتي بعد، فابق في الفصل عندي حتى يأتي، يعني ابق مستمع وليس أساسي في الفصل.
وبعد خمس عشرة سنة نادى الشيخ: أين فلان؟ فلما جاءه قال له: اذهب إلى الروضة فسيحضر شيخك عصر هذا اليوم، والروضة كانت ميناء القاهرة، فكان القادم من المغرب يأتي في السفينة إلى الأسكندرية، ويركب في النيل إلى الروضة، وهي منيل الروضة الموجودة الآن في القاهرة.
ذهب الرجل إلى الروضة، فنزل الشيخ، فذهب ليسلم عليه، فقال له: جزى الله أخي أبو السعود خيراً إذ حفظك لي طوال تلك المدة.
أرأيتم المشايخ؟! لا أحد يأخذ تلميذ أحد، فهي كشوف تخرج من الحضرة المحمدية للأساتذة المسجلين في الجامعة المحمدية.
هل يوجد أستاذ في مدرسة يستطيع أن يأخذ تلميذ من فصل آخر ويدخله في فصله بدون إذن من ناظر المدرسة؟! لا، كذلك أحوال الصالحين الصادقين.
لكن الذي يريد الدنيا بالدين، ويريد أن يُكثر من المريدين ليُكثر من الخيرات والبركات التي تأتي للساحة، ويُكثر من المصالح التي تأتي للساحة، فليس لنا شأن بذلك، وهذا ليس من الدين، ولا من التصوف في قليل ولا كثير.
أما الصوفي الصادق فهو يمشي على منهج الله: " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا " (9الإنسان) سواء كان الطعام الظاهر أوالباطن، سواء الأكل الحسي، أو الشرب الحسي، أو طعام الحقائق والشرب من بحار الرقائق، كل هذا لوجه الله، لأنهم على منهج رُسل الله: " قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ " (47سبأ).
ومعذرة، كم آخذ منكم في هذه الزيارات؟ لا شيء، لكن أنا آخذ كثير من عند العلي الكبير، لذلك لا يلزمني هذا الأمر، فلان ذهب، أو فلان جاء، فهو حر، فمن كان له نصيب - حتى ولو طردوه - لا بد أن يرجع مرة ثانية ليأخذ نصيبه، ومن لم يكن له نصيب - حتى لو الكل أمسك به - سينفلت منهم ويذهب.
زيادة المريد على شيخه في المنزلة
سؤال: هل يصل المريد لمنزلة أعلى من شيخه؟
لا يصل المريد إلا ببركات شيخه، ومدد شيخه، فكيف له في حياة شيخه أن يكون أعلى من شيخه؟!!.
هذا كلام فلسفي لا يُقال، لأن كلام الله: " وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ " (164الصافات) غاية ما يُقال في هذا المجال، أن الله عز وجل جعل مقامات الصالحين مستمرة وممدودة إلى يوم الدين، فكلما انتقل إلى الله رجل، أقام الله مقامه رجلاً في الوقت والحين، وهذا في قول الله: " مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا " (106البقرة) آية من آيات الله، وأعظم آيات الله هم الصالحون.
فهذا غاية ما يقال، وللأسف كما نرى الآن عندما ينتقل أحد الصالحين إلى الرفيق الأعلى نجد عدداً كبيراً كل واحد منهم يدَّعي أنه وارث هذا المقام.
أنا أعرف مجموعة كبيرة من الأحباب الذين يحضرون معنا، عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى الشيخ أحمد حسن غرباوي، فكل واحد منهم رأى في نفسه أنه أخذ وراثة هذا الرجل، فأين العلامات؟! وأين الدلائل التي معك؟! وأين البراهين التي أعطاها لك؟! فقد رأينا الرجل، ورأينا أحواله، لم نر منك حالة من هذه الحالات!!، لكنه يعيش في الوهم والخيال، وآفة الإنسان أن يسلِّم نفسه للوهم والخيال.
هذا الرجل رأيناه، وكان من جملة ما منحه الله أنه يطِّلع على خواطر الأحباب الجالسين معه!، أفلا تريني شيئاً مثل هذا؟! لكنه ادعاء بالباطل، حتى أنني رأيتُ بعضهم كتب في الفيس بوك: أنا وارث الشيخ أحمد حسن غرباوي.
فبناءاً على أي شيء كتبتها؟! من الذي أقامك في هذا المقام؟! نفسه، لأنه ليس معه برهان، ولا دليل، ولا سمعنا هذا الرجل أشار إليه، أو دلَّنا عليه، لأنه لو دلنا عليه لسلَّمنا، لكن لم نسمع أن الشيخ أحمد أشار إلى أحد وقال: هذا يكون الخليفة من بعدي!.
ما دام الرجل لم يُوصِ فعلى من يدَّعي أن يظهر عليه أحوال هذا الرجل، أحواله الباطنية، وأحواله الإلهية، وأحواله مع الحضرة المحمدية، حتى نرى فيك هذه الحقائق جلية واضحة.
فإذا لم توجد هذه الأحوال، فإن نفسك قد ضحكت عليك، وعليك أن تراجع نفسك، وتنظر في نفسك، وتخلع هذا اللبس، وتعيش في الواقع حتى يكرمك الله كما أكرم الصالحين من عباد الله.
وكما حدث مع الشيخ أحمد حسن رضوان الله تبارك وتعالى عليه، نجد هذا الكلام يحدث أيضاً مع كل الصالحين.
وتلاحظون في بلاد الصعيد أن أي رجل ينتقل من الصالحين نجد من يدَّعي أنه وارث المقام، وهذا يدَّعي أنه وارث الحال، وهذا يدَّعي أنه الوارث الكلي له، ويتبارون في عمل الساحات، ونسج واختراع الكرامات، لأنها ليست حقيقة، لكن لكي يؤيد نفسه يقولها لمن حوله من المقربين، والآخر يُشيعها ويذيعها أن فلان له كرامات كذا وكذا وكذا.
لكن نحن نريد الكرامات الإلهية التي أثبتها الله في القرآن: " أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي " (108يوسف) فأرنا بصيرتك، أو: " آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا " (65الكهف) أو:" وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ " (46الأحزاب) بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
لكن هذه الأوهام التي يعيش فيها كثيرٌ من الأنام في بلادنا وبلاد المسلمين أجمعين، وهذا كله لماذا؟ لأن آفة هذا الزمان أنه لا يريد أحد أن يُسلِّم نفسه لرجل من رجال الله لتربيته، فيرى نفسه أنه كبير عن هذا المقام، ويرى أنه معه كذا كذا، لكن: " فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " (65النساء).
ولذلك الإمام أبو العزائم رضي الله عنه يقول حكمة عالية: ((عجبتُ لمن سجد لاثنين فوحَّد، ولمن سجد لواحد فأشرك)) لا بد من السجود لاثنين في كل زمان ومكان، فالذي سجد لآدم لأن الله أمره بالسجود، فهو سجد لاثنين فوحَّد، والذي قال: لا أسجد إلا لك، مع أنه يكلم الواحد، فماذا حدث له؟ أشرك.
كذلك نفس الأمر، التسليم للعبد الرباني، والسجود سجود النفس عن تطلعاتها، وعن زهوها، وعن رغبتها في الشهرة والفخر والرياء والسمعة، وهذا أمر عسير إلا من لمن يسره له العلى الكبير سبحانه وتعالى، ولا بد لمن أراد الوصول أن يسلم لعبدٍ موصول:
أنا الخبير فسلني عنه أنبيك
وسلِّمن لي إلى العليا أُرقِّيك

فاخلع سواه وكن صبابه مغرمٍ
وبعه نفسك والأموال يُعطيك

آفة الناس عدم التسليم، وهي آفة كل زمان ومكان، وهذه حكمة الله، ولمن نُسلِّم؟ لو نظرنا في الحقيقة ليس لفلان، ولكن لصاحب السر الذي استودعه الله فيه، لماذا نسلِّم لفلان؟ فيه سر أودعه فيه ملك الملوك، ولا أسلِّم له لجسمه أو لوظيفته أو لساحته أو لماله، لكن أسلِّم له للسر الذي فيه.
وهي نفس الأمر مع رسول الله: " وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ " (198الأعراف) لا يبصرون الأسرار الإلهية التي أودعها فيه الله تبارك وتعالى، هذه الأسرار لا بعلم ولا بعمل، وإنما فضلٌ من الله على عباد اختصهم الله بعطاياه.
ولا يجوز فيها لماذا فلان؟ هو حر، يهب لمن يشاء الولاية:
قد أكرم الله أهل العجز علمهم
أسرار توحيده بالحال والقال

خلِّ الملام فإن الله مقتدرٌ
يعطي الولاية للساري وللقالي

إياك أن تظن أن الولاية بالشطارة أو بالمهارة، لكن بالإنكسار لحضرة اللطيف الجبار تبارك وتعالى.
ويختار الله عز وجل كما قال: " اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ " (75الحج) أنت لم تسلِّم للرجل الذي اصطفاه الله، لماذا؟ لأنك ترى نفسك أحق بهذا الاصطفاء، لكن هذا ليس شأنك: " لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " (23الأنبياء) نسأل الله الهداية أجمعين.
علامات الشيخ الصادق
سؤال: ما علامات هذا الرجل؟
ذكرناها وقلنا أن العلامة الأولى هي البصيرة: " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي " (108يوسف) والبصيرة لها أحوال عجيبة وغريبة لا يفقهها إلا أهلها.
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، وكان عالم الأولياء وولي العلماء، وكان صاحب بصيرة نيِّرة، تلميذه الأول النجيب كان اسمه أبو يوسف، وكان يتيماً، وأُمّه كانت ترسله لنجار ليعلِّمه صنعة النجارة، فكان يترك النجار ويذهب يجلس في حلقة العلم للإمام أبو حنيفة، فتسأل أُمه النجار فيقول لها: لم يأت، فتبحث عنه فتجده عند الإمام أبي حنيفة، فتوبخه، والإمام أبو حنيفة لا يتكلم، وتأخذ ابنها وتذهب، ولما تكرر هذا الأمر، قال لها أبو حنيفة: اتركيه وليس لك شأنٌ به، فقالت: إنه يتيم، ومن أين يأكل وكيف يعيش؟! فقال لها: هذا سيأكل الفالوذج - يعني المهلبية - بدهن السُمسُم على مائدة الخلفاء، فتعجبت كيف يقول هذا الكلام؟!! وتركته ومشت.
ظل أبو يوسف مع الإمام أبي حنيفة إلى أن جاء الإمام أبو حنيفة لقاء الله، فقال له أبو يوسف: ياسيدي أوصني، وانظر إلى الوصية الغريبة، قال له: يا أبا يوسف إن للوطواط مَنيَّاً كمَنيِّ الرجال، هذه الوصية هل يقبلها العقل؟! لا، لكنها أحوال الصالحين.
انتقل أبو حنيفة إلى الرفيق الأعلى، ودخل هارون الرشيد الخليفة العباسي حجرة نومه، فوجد على السرير مَنيّ كمَنيّ الرجال، هاج وماج وقلب المملكة رأساً على عقب، وزوجته تريد حلاً لهذا الأمر، فأتوا بالعلماء من هنا ومن هنا فلم يعرف منهم أحدٌ شيئاً.
أبو يوسف كان لا يزال في شبابه، وليس مشهوراً، فسمع عن القضية، فقال: أنا عندي حل لها، فقالوا: تعالى، فقال لهم: أدخلوني المكان، فدخل المكان فنظر لأعلى، وكانت الحجرات قديماً لها فتحة من أعلى يسمونها (ناروزة)، فنظر في الناروزة فوجد عش فيه وطواط ووطواطة، فقال: هاتوا لي سلَّم، وصعد وأمسك بهما، وقال: يا سيدي إن للوطواط مَنيّ كمَنيّ الرجال!.
وقرَّبه هارون الرشيد وصار هو عالم الخليفة، ويدعوه في كل مناسبة، وذات مرة أقام الخليفة مأدبة كبيرة، وكان هارون الرشيد رجلا مهذباً ومؤدباً مع العلماء، فكان يُصر - مع أنه الخليفة - أن يصب الماء على أيدي العلماء في البدء وفي الانتهاء تقديراً لهم ولعلمهم.
فقدم له صنفاً من الطعام، وقال له: كل من هذا الصنف كثيراً فإنا لا نصنعه إلا قليلاً، فسأله: ما هذا؟ قال: هذا الفالوذج بدهن السُمسُم!!، فأخذ أبو يوسف يبكي لأنه تذكَّر نبوءة شيخه أبو حنيفة رضي الله تبارك وتعالى عنه ببصيرته.
العلامة الثانية الرحمة: " آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا " (65الكهف) قبل العلم لا بد من الرحمة والشفقة والعطف والحنان، لكن إذا كان معه العلم، ومع العلم ثورة الغضب، ومع العلم العصبية، ومع العلم الانفعال على هذا وذاك، ومع العلم التكبر على المتعلمين، فهل ينفع هذا العلم؟!! لا.
لكن آتيناه أولاً رحمة من عندنا، ثم علمناه من لدنا علماً، نسمع منه علم لم نقرأه ولم نسمعه، ويطابق شرع الله، ولا يخرج عنه طرفة عينٍ ولا أقل، ويفتح مغاليق القلوب، ويقرِّب المسافات للحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلَّم.
العلامة الثالثة الإذن: " وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ " (46الأحزاب) لا يتعرض أحدٌ للدعوة إلا إذا أخذ إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فإذا أقام نفسه، فمن الذي يجتمع حوله؟ ليس الصادقين ولا الصالحين، لأن هؤلاء لن يجتمعوا إلا على أنوار سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم الظاهرة في رجل من أكابر العارفين، والنور الذي يشدهم هو نور رسول الله الظاهر في هذا الرجل، فهذا يكون داعياً إلى الله بإذنه.
العلامة الرابعة أن لا يأخذ أجراً: " اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا " (21يس) الذي لا يطلب منك شيئاً، لكن الذي يقول لك مثلاً: يا فلان نريد منك خروفاً تأتي به للساحة، يا فلان نريدك أن تفعل كذا وكذا للساحة.
والساحة إذا أقامها الله، فسيتولاها الله، ولا شأن لك بها، ولا تنشغل بها، لكن إذا أنت أقمتها لنفسك فاجتهد واكفي نفسك.
لكن الصالحين لا يسألون الناس قليلاً ولا كثيراً، قال إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه: ((شيخك من يعطيك، لا من يأخذ منك)) يُعطيك الدنيا والدين، لأن الله أغناه من فضله وجعله عزيزاُ بين خلقه: " وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " (8المنافقون) وجنَّد له جنود السماوات والأرض، لأنه لا يريد من الكونين سواه، ولا يلتفت نَفَساً عن مولاه تبارك وتعالى في عُلاه.
العلامة الخامسة أن يكون عالماً بالشريعة، قائماُ بها، وعالماً بالحقيقة ولا تطغى عليه أنوارها، فتجعله يتخلى عن الشريعة.
يشهد المشهدين، ولذلك يسمونه (أبو العينين) ينظر بعين الشريعة، وبعين الحقيقة، ولا يقول في يوم من الأيام: أنا ليس عليَّ صلاة فقد وصلت، لأن الذي يقول هذا الكلام فهو جاهلاً من الجهَّال، ولذلك قالوا: ((من قال: إني قد وصلت، وترك الصلاة، فقُل له: وصلت ولكن إلى سقر)) " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ " (42-43المدثر).
هذه الشروط الموجودة في كتاب الله في العارف الذي ينبغي أن نقتدي به ونسير على هداه، نسأل الله أن يوفقنا لذلك أجمعين.
التسليم للشيخ
سؤال: كيف يسلِّم المريد للشيخ؟
طالما الإنسان ليس له في نفسه مطلبٌ دنيٌّ أو عليٌّ، ويجعل نفسه جندٌ لحضرة الولي، ويقول لربه: أقمني حيث شئت، فأنا لا أريد منصباً، ولا أُريد رياسة، ولا أريد دنيا، ولا أُريد حتى الجنة، فهذا إذا وصل إلى هذا المقام ذوقاً، وصل إلى مقام التسليم.
لكن إذا كان لا يزال عنده تطلعات، ويريد أن يكون شيخاً وحوله مريدين، فهذا لا يزال عنده مطلب دني، ويحتاج لجهاد نفسه فيه.
أو يريد أن يُعظمه الناس ويحترموه لأنه يظن في نفسه أنه من الواصلين، فهذا لا يزال له مطلب.
إذاً لا بد أن يُهذِّب كل المطالب، ولا يبقى له مطلب، ويكون فقط لربه طالب ولا يبغي بغيره حولاً: " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " (28الكهف).
هذه غاية التسليم؛ أن النفس لا تنازع في أي مطلب من المطالب الدنية أو العلية، بل لا ترجو إلا فضل الله، ورضا الله، ورضا حبيبه ومصطفاه صلوات ربي وتسليماته عليه.
هذا سيدي أبو اليزيد البسطامي يوضح لنا حال كل ولي وصل إلى الله من هذا الطريق السوي، فقد خرج من المسجد ذات يوم بعد صلاة العشاء، وذهب إلى خلوته، وتبعه أحد المريدين، فوقف بين يدي الله يُصلي، وأطال في الوقوف، وأطال في الركوع، وأطال في السجود، ويظهر لمن رآه أنه مأخوذٌ بروحه عن الأكوان، وأن روحه تسبح في قدس عزة حضرة الرحمن سبحانه وتعالى.
وقبل الفجر بقليل سلَّم، فنظر فوجد هذا المريد، فسأله: منذ متى أنت هنا؟ قال: منذ صلاة العشاء، فقال: وماذا تريد؟ قال: أريد أن تحكي لي شيئاً مما رأيته هذه الليلة من المشاهد العالية؟ قال: لا تستطيع أن تتحمَّل، فجعل يتحايل عليه ويُقبِّل يديه، فقال له: سأحكي لك شيئاً تستطيع تحمّله، فقد أخذني ربي في هذه الليلة، فكشف لي عن كل كنوز عوالم الدنيا، فقلت: وعزتك وجلالك لا أريد هذا، فأطلعني على عالم الملكوت، فقلت: وعزتك وجلالك لا أُريد هذا، فأدخلني الجنة وكاشفني بما في الجنة، فقلت: وعزتك وجلالك لا أُريد هذا، فطاف بي عوالم السماوات وعوالم حضرة الذات، وكله أقول: وعزتك وجلالك لا أُريد هذا، فأوقفني بين يديه وقال: ماذا تريد؟ قال: فقلت: أريد أن لا أريد، وعزتك وجلالك لا أُريد إلا النظر إلى جمال وجهك، فقال: أنت عبدي حقاً ووليي صدقاً.
فالسالك في طريق الله سبحانه وتعالى لا بد له من هذه المزالق وهذه العوائق، فبمجرد السير بصدق في طريق الله، تبدأ الدنيا تظهر معه، فإذا التفت إليها حُجب عن مقصده وعن مراده، وإذا لم يلتفت إلى الدنيا، سيبدأ يظهر له شيء من جمالات الآخرة، وشيء من المكاشفات، وشيء من الأنوار، فإذا اشتغل به، حُجب عن الوصول إلى الأسرار، وعن مقامات المقربين والأخيار، ولا يزال تحدث له هذه الأمور حتى لا يكون في قلبه إلا مولاه، ولا ينشغل بغيره طرفة عين ولا أقل.
فإذا حدث له ذلك تولاه مولاه، وإذا تولاه والاه، وسخَّر له كل ما في الأكوان، لأنه لا يريد منها شيئاً إلا لوجه الله تبارك وتعالى.
هذه عملية صعبة، لكنها حقيقة التسليم لمن أراد أن يكون مع حضرة الكريم سبحانه وتعالى.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

الورع

الورع
الورع عبادة توصل الإنسان إلى مقامات المقربين، وهي أول عبادة يلتزم بها السالكين في طريق رب العالمين سبحانه وتعالى.
والورع أن يكف الإنسان نفسه عن الأشياء التي لا يتبين حقيقة الحِلِّ والحُرمة فيها، أمامه أمر، هل هو حلال أم حرام؟ لا يدري، فيترك الأمر كله ولا يقرب منه، وهذه الأمور نسميها الشبهات.
والشبهات هي التي اختلف الناس فيها، فالبعض يقول حلال، والبعض يقول حرام، والورع ترك هذه الشبهات، وهذا بالنسبة للمبتدئين من السالكين، وهذا يقول فيه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ((كنا نترك سبعين باباً من الحلال، مخافة الوقوع في باب واحدٍ من الحرام)).
يعني سبعين باباً منهم تسعة وستين حلال، وواحد حرام، وهو لا يعرف أين الحرام فيهم، فماذا يفعل؟ يتركهم كلهم، لأنه يريد أن يكون ورعاً، والورِع يقول فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ }
من أعبد الناس؟ ليس كثير الصلاة، ولا كثير الصيام، ولا كثير الذكر، ولكن الورع الذي يتورع عن الحلال.
مثال ذلك: الشيخ ابن سيرين رضي الله عنه كان تاجراً، وكان يتاجر في منتجات الألبان، وفي أيامه اللبن لم يكن يُباع، ولكن يباع الزبد والسمن، فكان يتاجر في هذه المنتجات، فكان يُسيِّح السمن ويضعها في قوارير من الفخار، والتي نسميها (الجرة)، وذات مرة عبأ أحد العاملين عنده أربعين جرة من السمن، وكان ما زال سائلاً ولم يتجمد، ودخل فأر في إحداها، فأخبره هذا العامل أن فأر دخل في إحدى الجرار، فقال له: أي جرة؟ فقال: لا أعرف، قال: إذاً نسكب السمن كله، لأنه يحرم عليَّ أن أبيع لمسلم جرة سمن فيها فأر!.
لأن السمن إذا تجمدت وفيها فأر يحرُم أكلها شرعاً، فأمره أن يُفرغ الجرار كلها لأنه لا يعلم الجرة التي دخل فيها الفأر.
فكافأه الله تبارك وتعالى على ذلك، فإذا به يرى سيدنا يوسف الصديق على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام في المنام، وقال له: افتح فاك، وأدخل لسانه في فمه، وأخذ يدلك به فمه، فاستيقظ من المنام وقد أوتي علم تأويل الأحلام، فكان هذا نتيجة الورع.
وهنا ملحوظة خفيفة: فالكتاب المنسوب لابن سيرين والذي يُباع في الأسواق واسمه (تفسير الأحلام لابن سيرين) هو ليس لابن سيرين، لأن ابن سيرين لم يؤلف كتب، لكن الذين يتاجرون في الكتب يضعون عليها أسماء المشهورين حتى يُباع الكتاب.
لأن تأويل الأحلام لا ينفع فيه الكتب، فكل رؤيا على حسب ما يفتح الله على المئوِّل: " ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي " (37يوسف).
وهو نفسه قد جاءه اثنين ذات يومٍ، فأحدهما قال له: أنا رأيتُ في المنام أني أؤذن، فقال له: ستسرق وتُقطع يدك، ثم دخل الثاني وقال له: أنا رأيتُ في المنام أني أؤذن، فقال له: ستحج بيت الله الحرام.
فسألوه عن ذلك؟! فقال: لما حكى لي الأول خطر في بالي قول الله: " ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ " (70يوسف) فعرفت أن هذه مكانته، ولما حكى لي الثاني خطر في بالي قول الله: " وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا " (27الحج).
فالرؤيا واحدة لكن التأويل ليس واحداً، والموجود في الكتب كيف تفسر كل الرؤيات منها؟!!فكل رؤيا لها تأويل.
ورع السالكين
فأول الورع اتقاء الشبهات؛ أن الإنسان يترك كل الأمور المشتبهات ويعمل بالحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وسلَّم:
{ الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ }
إذاً جهاد السالك في البداية يكون في اتقاء الشبهات، ولا يقول: أنا مثل الناس، وإلا سيدخل في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي قال فيه:
{ لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ أَسَاءُوا أَسَأْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنُوا أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا أَلا تَظْلِمُوا }
هذا الورع يحتاج إلى جهاد شديد، ووقفة عتيدة مع النفس، لأن النفس تميل إلى التسهيل، ولذلك لا بد أن أكون شديد في هذا الأمر، لأن أساس الدين المطعم الحلال، والمطعم الحلال لا بد أن يكون خالياً من جميع الشبهات التي يشتبه فيها العبد، فورع السالكين تجنب الشبهات
ورع العارفين والصديقين
ورع العارفين والصديقين يكون في المباحات، فمباح لنا الكلام، لكنه لا يُبيح لنفسه الكلام إلا إذا كان فيه منفعة لنفسه، أو منفعةٌ لغيره، خوفاً من أن يكون هذا الكلام يجره إلى الذنوب والآثام، فيتورع عن فضول الكلام، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلَّم:
{ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ }
وهذه أول علامة نراها في السالك، فنعلم أنه قد صحَّ في سلوكه وسيصل إلى بغيته، إذا وجدته لا يتكلم إلا في الضرورات، ويحبس نفسه عن الكلام فيما لا يعينه، فلا شأن له بفلان، ولا بالأحداث هنا أو هناك، ويكون كلامه فيما ينفعه في دنياه، أو يرفعه في أُخراه.
والورع عن فضول المنام، فلا ينام معظم اليوم، لكن يكفيه سويعات يحتاجها الجسم، ويستغل باقي الوقت في طاعة الله، أو على الأقل بعد انتهاء عمله في ذكر الله: " فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ " (7-8الشرح).
لأنه يرى أن عمره هو أنفاسه التي يتنفسها، وكل يوم يمر عليه يقرب من لقاء الله بقدر مرور هذا اليوم، فكيف يضيع يوماً في غفلة، أو في سهو، أو في نوم، فيجعل وقته كله - بعد الضرورات - في طاعة الله سبحانه وتعالى في جميع الأوقات.
ولذلك وصف الله أهل هذا المقام فقال في صحيح القرآن: " تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ " (16السجدة) لا أحد منهم ينام ويريد أن يطيل في النوم، فهو ينام ويتعجل أن يقوم ليناجي الحي القيوم الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم.
هل أنام إلى الفجر؟! لا، أنا أريد أن أقوم لأناجي الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء القوم جنوبهم عندما تنام كأن الفراش الذي ينامون عليه - حتى ولو كان فراش وثير - كأنه ينام على شوك، لا يريد النوم، فماذا يريد؟ يريد أن يظل يذكر الله سبحانه وتعالى على الدوام، لتلذذه بذكر مولاه، ورغبته في رضاه، وأمله في الإلتحاق بالصالحين ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
والورع عن فضول الطعام، فيجعل الإنسان منهم الطعام كالدواء، يأخذ الجرعة التي يحتاجها الجسم ليحتي، ولا يأكل ليشبع ويملأ البطن وتظهر بارزةً أمامه!!، فما الذي يحتاجه الجسم؟ كما قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ }
هل فينا أحدٌ يعد لقيماته؟ لا، لكن هؤلاء يعدوهم، حتى لا يُعطي الجسم فوق طاقته، لأنني لو أعطيته فوق طاقته سأُشغل المعدة، وأُشغل الأمعاء، وأنا أحتاج للمحافظة على الوضوء، فسيخرج ريح، وسيذهب إلى المرحاض، لكنه ليس عنده وقت لذلك، وأنتم تعرفون أن منهم أناس كانوا يصلون الفجر بوضوء العشاء قدراً كبيراً من عمرهم.
سيدنا الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه كان ماشياً في الطريق فسمع قوماً يقولون عنه: هذا الرجل الذي يُصلي الفجر بوضوء العشاء!!، فقال: لو لم أعمل بما قالوا سأكون منافقاً، يعني يقولون ما لا يفعلون، فألزم نفسه بصلاة الفجر بوضوء العشاء، كم مكث على هذا الحال؟ أربعين عاماً!، وهو إمام من أئمة الشريعة، قال صلى الله عليه وسلَّم:
{ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ زَنَاءُ }
يعني لا تصلي وأنت تمنع خروج ريح، أو عندك حصر بول، أو تحتاج للإخراج، فلا تصح هذه الصلاة لأنك مشغول البال، لكن إذا صليت يجب أن تكون في راحة تامة.
فكان يمكث طول الليل لا ريح، ولا حصر بول، ولا إخراج، لماذا؟ لأنه لا يُدخل المعدة إلا الضرورات، وما تحتاجه فقط، فمثلاً المعدة لا تحتاج أكثر من خمسين جراماً من اللحم، فإذا أراد أكثر من ذلك فهي شهوة نفس، وتعب للمعدة، وتعب للأمعاء، وفي نفس الوقت يؤخذ من رصيده في وزارة التموين الإلهي.
فأنت مقدر لك كذا كيلو لحم طوال عمرك، فإذا أكلتهم في عشرين سنة مثلاً، يأتيك الحرمان، ويأتيك المرض، ويقال لك: إياك أن تقرب اللحم، لماذا؟ لأنك أخذت حظك منه، ولأنك لا تمشي على المقننات الإلهية، وعلى الآداب الشرعية المحمدية.
وهل الإمام أبو حنيفة لم يكن يعمل؟ لا، بل كان يعمل تاجراً، وتجارته كانت في وسط السوق، لكن لأنه مع مولاه فإن الله يسوق إليه رزقه في وقت قصير حتى لا ينشغل عن الله.
فهناك من يفتح دكانه طوال اليوم ولا يأتيه إلا واحد أو اثنين ليشتري منه، وهناك من يفتح دكانه ربع ساعة ويأتيه الكثير ليشتروا منه، من الذي يسوق الخلق؟ الخالق تبارك وتعالى، حتى لا يشغل هذا الرجل عن الله طرفة عين ولا أقل.
ومثله أيضاً كثير من الصالحين وأئمة الشريعة كالإمام الشافعي رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وغيرهم من الصالحين.
فيترك فضول الطعام، ولا يأكل إلا ما تحتاج إليه الأجسام مما قرره الملك العلام، كالدواء، فيكون الأكل دواء لمرض الجوع، فإن الجوع مرض، والإنسان عندما يكون جوعان قد يتوتر ويغضب ويخرج عن مشاعره، ويفعل أشياء لا ترضي الله أحياناً، أو لا ترضي الخلق آنة أُخرى، ورُبَّ مخمصة شرٌ من التخم، فيسد حاجة الجوع، ولكن بلقيمات يقمن صلبه، والجسم ماذا يحتاج؟ نسأل الطبيب الأعظم؟ قال صلى الله عليه وسلم:
{ مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ }
لم يترك صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا ووصفه وصفاً تفصيلياً، إياك أن تعطيها أكثر من الثُلث، ومشى على ذلك الآن غير المسلمين، فالأوروبيون واليابانيون يأكل الواحد منهم خمس أو ست مرات في اليوم، ولكن أكل خفيف لطيف، لا يثقل الدماغ، ولا يجعله يريد أن ينام ولا يحتاج إلى هاضم كالمياه الغازية أو دواء لأنه يأكل عينات.
وهذا طعام المسلمين، وطعام المؤمنين، وطعام العارفين، وهو ترك فضول الطعام.
كذلك ورع العارفين في الإقلال من مخالطة الأنام، لأني عندما أخالط الناس لا بد أن نتكلم، وأنا قد أضمن نفسي، لكني لا أضمن من أجلس معه ماذا يقول؟! وكما ورد في بعض الأثر: (المغتاب والمستمع شريكان في الإثم).
وماذا أفعل؟ إما أن أرد غيبة أخي الذي يتكلم في حقه، وإما أن أقوم وأترك المجلس: " فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " (68الأنعام) وإلا سأكون شريك معه.
نحن نحاول أن نرضي الناس الآخرين فنقع فيما لا يُحمد عُقباه من الذنوب والآثام من كثرة مخالطة الناس.
وهل أعتزل الناس؟ لا، ولكن يكون الكلام على وفق مراد الله، وعلى نهج حبيب الله ومصطفاه، والذي يقول فيه سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: ((كنا ننتقي أطايب الكلام، كما تنتقون أطايب الطعام)).
أجلس مع أحدهم فنتكلم في سيرة حضرة النبي، أو نتكلم في تفسير آية من كتاب الله، أو نتكلم في معلومة دينية نافعة لنا في الدنيا ورافعة لنا يوم لقاء الله .. نتكلم في أمر يكون لنا فيه منفعة ظاهرة، وهذا ما يجب أن نحرص عليه.
لكن إذا دخل في القيل والقال، أقول له: حضرة النبي قال:
{ إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا، قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ }
فكيف تجعلني أدخل في شيء كرهه الله سبحانه وتعالى؟!!، نحن ليس عندنا وقت للقيل والقال، ولا للغيبة، ولا للنميمة، ولا الذم في خلق الله، ولا التحدث بشرٍّ عن أحدٍ من عباد الله، لأننا كلنا مملوئون بالذنوب، وكلنا عيوب، فلِمَ أتكلم عن عيوب الناس وأنا لا زال فيَّ عيوب؟!!، هل خلصت عيوبي حتى أتكلم في عيوب غيري؟!!، لذلك لا شأن لي بهذا الأمر.
ورع الأئمة الوارثين
أما ورع الأئمة الوارثين، فيتورَّع أن يُنفق نَفَسَاً من أنفاسه في غير عمل صالح يُرضي رب العالمين تبارك وتعالى، وما أسهل هذا الأمر لمن دخل فيه، لأن أسهل شيء:
{ لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ }
ما يمنعنا كلنا في أي زمان وفي أي مكان وفي أي موضع، أن أشغل لساني بذكر الله؟!! إذا تجمَّد اللسان فيكون بسبب معاصي ارتكبها الإنسان، وقدَّر له القدير عقوبة، فجمَّد اللسان حتى لا يحصد الخير من الحنان المنان تبارك وتعالى.
لكن ما دام الإنسان يمشي على الاستقامة، فإن الله يقيمه له من الذاكرين: " يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ " (191آل عمران).
ورع الأفراد الوارثين
أما ورع الأفراد الوارثين، فيتورعون عن شهود غير الله سبحانه وتعالى في أي نَفَسٍ من أنفساهم، أينما جلسوا، وأينما مشوا، وأينما كانوا فإنهم يلوح لهم وجه الله، لشدة قربهم من الله، ورضا الله تبارك وتعالى عنهم.
نسأل الله تبارك وتعالى أن نكون أجمعين من عباده الورعين.
حب الشيخ
سؤال: هل أُحب شيخي لذاته أم لصفاته؟
أنا لا أُحب أحداً سواءٌ شيخي أو غيره لذاته أو لصفاته، لكن إذا أحببتُ أي إنسان كائناً ما كان، أُحبه للجمال الرباني الذي حلَّاه به حضرة الرحمن تبارك وتعالى.
حتى حضرة النبي لماذا نحبه؟ للجمال الإلهي الذي أفاضه عليه مولاه، وجمَّله به ظاهراً وباطناً، وقال في شأنه: " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ " (4القلم) خلَّقه بأخلاقه، وجمَّله بأسمائه وصفاته، فصار محبوباً لله عز وجل.
حتى أن الإمام أبو العزائم رضي الله عنه يقول ناصحاً لنا: ((أحبب ما فيك منه، فهو المحبوب له لا أنت)) حِبَّ ما فيك من جمال الله، المذكور في قول الله: " فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " (29الحجر).
لكن هل أحب الطين؟!! لا، فالطين موجود في كل مكان وزمان: " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ " (55طه) لكن أحب الجمال الأزلي الدائم الذي استودعه فيَّ رب العالمين سبحانه وتعالى.
إذا أحببتُ شيخي أُحبه للجمال الذي جمَّله به الله، وقد يكون الله جمَّله بجمال اسمه العليم، فأصبح ينطق بعلم مكنون، علَّمه به ربه تبارك وتعالى.
فلا أُحبه لأن هذا علمه، لكنه هو الذي يوصِّله لنا، لكن العلم كله من حضرة العليم تبارك وتعالى.
وقد أُحبه لأن الله جمَّله باسمه الحكيم، فيعالج الأمور بروية وبحكمة، وعندما أذهب إليه في أي أمر أجد عنده العلاج النافع بالروية والحكمة، فيجد حلاً لمشكلتي، ويجد حلاً لمعضلتي، وأخرج من أمامه وأنا منشرح الصدر، بعد أن كنت أحمل الهمَّ فوق رأسي.
وعندما أذهب إليه بدون أن يفكر يُلهَم على الدوام، فيجد الحل في طرفة عين، وأنا أقول: هذا الحل كيف غاب عني؟! لأنه هذا رجلٌ مفتوحٌ عليه.
وقد أُحبه لحُسن أدبه، وأدبه الذي أُحبه بسببه هو الأدب الذي اتَّبع فيه حبيب الله ومصطفاه، فيمشي في تواضعه على هيئة النبوة، ويمشي في سكينته على هيئة سيد الأولين والآخرين .. في كل أخلاقه يمشي على منهج الإمام الأعظم للأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.
فأُحبه لأخلاق النبوة التي ظهرت على يديه، على قدره لا على قدر النبي الأعظم صلى الله عليه وسلَّم.
وقد أُحبه لكرمه، ومَنْ أكرم الكرماء؟ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فهو تابع منهج النبوة في إكرام الضيف، وعمل بقوله صلى الله عليه وسلَّم:
{ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ }
إذاً أُحب شيخي إذا ظهرت فيه أنوار حضرة الله، أو أوصاف كمالات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فأحبه من أجل ذلك لا لذاته، لأن الذات صنع الله سبحانه وتعالى، ولا يجب عندنا أن نقف عند الذات، وإنما نقف عند الجمالات والهبات والعطاءات التي جمَّله بها الله سبحانه وتعالى.
لكن أُحبه لذاته وعندما أراه أقف وأمشي حوله وأبحث عن العمل الذي يلزم هذا الجسم، وهذا غير ممدوح بين الصالحين، وإنما الممدوح عند الصالحين أن يكون الحب بالقلب، للكمالات التي تَكمَّل بها واتَّبع فيها سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.
الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه كان جالساً في مجلسه، فوجد رجلاً يجلس في هيئة معينة، ويرى أنها كمال الأدب، يعني جالس مربع، وينظر إلى الأرض، ومُكتِّف نفسه، فقال: يا أخي ما هذا؟! قال: الأدب مع حضرتك، قال: يا أخي أنا بالنسبة لك إما أبٌّ رفيق، وإما أخٌ شقيق، والأب والأخ لا يحبان لابنهما أو أخيهما أن يكون جالساً متعباً.
ليس هذا هو الأدب، أن تجلس أمامي هكذا، ثم إذا خرجت من أمامي تفعل ما شئت، ولكن الأدب أن تراقب الله في أي مكان ذهبت إليه، حبذا لو كان لا يراك أحدٌ إلا حضرة الله، وهذا هو الأدب المطلوب، وقال رضي الله عنه:
حب الجسوم فلا يفيد نواله
والقلب بيتٌ عامرٌ أنا فيه

حب الجسوم الظاهر الذي نراه في الساحات، ونراه في هذه الأحوال لا شأن لنا به، فهذا تشبه بأعمال الجاهلية، لكن أعمالنا كلها قلبية، لا نقصد بها إلا رب البرية تبارك وتعالى.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up