Advanced search

إشارات العارفين

إشارات العارفين

إشارات العارفين

Read book
  • Series title

    دراسات صوفية معاصرة

  • Publish date

    01 - ديسمبر - 2016

  • Pages number

    256

  • Edition number

    الطبعة الأولى

  • Downloads

    2230

  • Download code

    Not found
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



PDF Preview Tool

إشارات العارفين

نبذة عن الكتاب

إذا لم يكن للحاضر في مجالس العارفين قلب صاف صادق مؤهل للتلقي عن حضرة الله !... فقد تضل الفهوم، لأنه يسمع بعقله وفكره .. وهذه العلوم التى هي تنزلات من حضرة الحي القيوم! يشربها المريد بذوقه! ويفقهها بقلبه .. ولذا تسمى علوم الأذواق، أو علوم القلوب، أو العلوم الوهبية ، أو العلوم اللدنية، أو العلوم الفيضية، أو علوم الإشارات ... وكلها ذوق في أسرار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ...
وقد يكون القائل لهذه العلوم يرمز لها بإشارات في عبارات مقتضبة حتى لا تفك معانيها إلا لأهلها عملاً بقوله  :
{ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ لَكُمُ الْبَيَانَ ، كُلَّ الْبَيَانِ }
فمن لم يكن من أهلها وقف عندها بل ربما اعترض عليها وأولها بفكره وعقله بما لا يناسب ما يريده قائلها ، ربما يرجع لهذا السبب سر اعتراض عدد كبير من الفلاسفة والمتعالمين على عبارات وإشارات الصالحين.
وقد جمع الأحباب كثيراً من هذه العبارات وعرضوها علينا لإظهار الوجه الصحيح لها وتبرئة قائليها مما نسبه إليهم الجهال والمدعين ....
وقد تمكنا بفضل الله  وإمداداته وإلهامته العالية واشرقاته من بيان معانيها وتبيان الفحوى التى يريد أن يوصلها إلينا قائلوها وسميناه "إشارات العارفين" لعلنا بذلك قد أزلنا اللبس والغموض بهذه العبارات وفككنا المضمون الصحيح الذي تحتوى عليه هذه الإشارات، ولله  الفضل والمنة في كل حال.

عين الجود وبذل المجهود

نرجوا تفسير قول أحد الصالحين: (الأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل من بذل المجهود)؟
الأحوال تأتي عن طريق الإمدادات الإلهية، حتى يعرف المرء أنه ليس له في نفسه شيء, وإنما أموره كلها يُجريها من يقول للشيء كن فيكون، لأن الأمر لو بيد الإنسان فمن يريد أن يحزن؟! لا أحد، بل يريد حياته كلها فرح وسرور, لكن يكون الإنسان في قمة السعادة ويأتي له خبر في لحظة لا يخطر على البال يُغير الأحوال مائة وثمانين درجة، لماذا؟ لكي يعرف أن الأمر كله بيد الله، وأن المحرك والمسير له وللكون عاليه ودانيه هو الله جل في علاه، فالحال يتحول.
أما المقامات يثبت فيها قدم الإنسان، ويقيمه فيها حضرة الرحمن، ويثبته فيها النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، لمن هذه المقامات؟ لمن يجاهد فيشاهد، فلا بد أن يسلك سبيل أهل المجاهدة، والمجاهدة للمشاهدة موجودة في كتاب الله، يقول فيها الله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فما أول هذه السبل؟ {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69 أول شيء معية المحسنين، فيكون من أهل مقام الإحسان، ويثبت قدمه في مقام الإحسان،ويستحضر أن الله لا يغيب عنه في أي وقت وآن، وأن عين بصيرته تري دائمًا وأبدًا أنوار حضرة الرحمن عز وجل.
فإذا أراد مقامًا أعلى من ذلك:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}فيفوز بمقام الاجتباء: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} وبعد الاجتباء يرفع الله عنه المعاناة، ومشقة التعب والعناء في العبادات: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (78الحج) لا يوجد مشقة ولا عنت، بل يتلذذ بالعبادة، ويجد فيها الحسنى وزيادة.
كل هذا لا بد له من المجاهدة، فالمجاهدة للمشاهدة, إذا جاهد الإنسان في أي مقام من مقامات الله التي ذكرها في القرآن أدخله الله فيه وأقامه وثبته فيه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ }العنكبوت9سندخلهم في الصالحين ما دام آمنوا وعملوا الصالحات؛  فإذا دخل مع الصالحين، وجالسهم بصدق ويقين، أصبح في مقام مقعد الصدق: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ }القمر54 أين؟
{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }القمر55
أين مقعد الصدق هذا؟ الذي نحن فيه الآن، أن الإنسان يجلس بين يدي العارفين والصالحين بصدق نية وصفاء طوية، لا يريد الدنيا ولا الحظوظ ولا الأهواء ولا المطالب ولا المكاسب، لا يريد إلا وجه الله، فيوجد كثير من الأحبة يكون في البداية هكذا، لكن النفس تغيره، والدنيا والأهواء تحيره، لكن إذا نهى نفسه عن ذلك، وصدق في هذا الطلب، فأين يكون؟
في الحال: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }، إذا واظب على ذلك، ونهى نفسه عن بوادرها التي تحاول أن تغيره عن ذلك، ولم يلتفت إلى ذلك، جعل الله له قدم صدق عنده: { لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}يونس2فينتقل إلى مقام قدم الصدق, وأصحاب هذا المقام هم الذين يضعون أقدامهم على قدم الحبيب المصطفى على الدوام، ليست هذه الأقدام، لكن لا يتحركون حركة، ولا يسكنون سكنة، ولا يفعلون فعلًا إلا إذا استحضروا حضرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وكيف كان يقوم بذلك؟ وكيف كان يفعل ذلك؟ فيقيمهم الله، ويجعل لهم مقام قدم صدق عند ربهم.
وهكذا يرتقي المرء من مقام إلى مقام، والمقامات في كتاب الله لا عد لها ولا حد لها، يوجد منها عشر مقامات في سورة الأحزاب: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }الأحزاب35
ويوجد مقامات في سورة التوبة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }التوبة112
ويوجد مقامات كثيرة منبثة في القرآن، هذه المقامات إذا بلغها المرء ليس بالجهاد في العبادات، ولكن  بجهاده لنفسه، واجتهاده في اتباع نبيه في خُلُقه أقامه الله U في هذا المقام، وثبَّته في هذا المقام على الدوام، فيأمن الفتنة، ويأمن من الإغراءات، ويأمن من الحيرة، ويخرج من الدنيا وهو في المقام الأمين: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ }الدخان51لا حجاب، ولا صد، ولا هجر، ولا بعد، ولا فتن .. يجعله الله في أمان الله، وفي حفظ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن نكون منهم أجمعين.

ما معنى قول الجنيد (الحال نازلة تنزل في القلوب فلا تدوم)

ما معنى قول الجنيد (الحال نازلة تنزل في القلوب فلا تدوم)؟
الحال وارد يأتي الإنسان بغتة أو فجأة بدون استعداد، يعني في لحظة يجد نفسه مبسوط ومسرور بدون أي دواعي أو مبررات لذلك، أو يجد نفسه حزين ومهموم بدون سابق مبررات لذلك، أو يجد نفسه يشعر بالأنس بالله، وعنده حال يحس به بوَلَه وعشق لمولاه .. هذه كلها نسميها أحوال، وسمي حال لأنه يتحول ولا يثبت، فلا يوجد حال من الأحوال يثبت للإنسان.
كما قال الله في القرآن: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى }النجم43 فتارة يضحك، وتارة يبكي، وتارة يشعر بالغنى أو بالفقر، فهذه طبيعة الحياة الدنيا، حتى لا يركن الإنسان إلا إلى مولاه الله، ولذلك قالوا: (دوام الحال من المحال) يستحيل أن يدوم الإنسان على حال واحد، لأن الله جعل الدنيا ونعيمها إلى نفاد.
لكن الحال الذي يدوم في الجنة العالية عندما ندخلها إن شاء الله، أو إذا فزنا بالمقامات العالية من القرب من الله جل في علاه، لكن الإنسان طالما في الدنيا فبكلمة من أحد الناس قد يسعد سعادة بالغة، وبكلمة أخرى قد يحزن حزنا شديداً، لِمَ؟ لأن الإنسان يتأثر، وبالتأثر تأتي الأحوال التي يشعر بها الإنسان، إذا جاءه ما يستدعي انبساطه فرح، وإذا جاءه ما يستدعي انتقاصه أو همه أو غمه حزن، فهذا حال جلال، والأول حال جمال، فيتقلب المرء بين الجلال والجمال، فإذا ما اختصه الله وجعله من أهل الكمال فلا يتأثر بهذه الأحوال، وهؤلاء قلة قليلة جداً بين الرجال.

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up