بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • الأمور التنظمية اليومية لحياة السالك فى طريق الله

    المزيد
  • العبادة ومعرفة الله عز وجل

    المزيد
  • النهج الصحى للمريد ودعوة الإمام أبو العزائم

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • الأمور التنظمية اليومية لحياة السالك فى طريق الله

    المزيد
  • العبادة ومعرفة الله عز وجل

    المزيد
  • النهج الصحى للمريد ودعوة الإمام أبو العزائم

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

كمال الوصول بإتباع رجلٌ موصول

عدد الزيارات:37 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
كمال الوصول بإتباع رجلٌ موصول
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



الموضـــوع : كمال الوصول بإتباع رجلٌ موصول

بسم الله الرحمن الرحيم :

الحمد لله الذى أنزل أحبابه وأصفيائه في منازل حبيبه ومصطفاه وجعله إماماً لهم في الوصل والنور والخير الذي يسعون فيه لنيل مرضات الله .. والصلاة والسلام على الحبيب المحبوب الذي كاشفه مولاه بجميع الغيوب بعد أن طهرّه من جميع العيوب، سيدنا محمد سدرة منتهى علوم الخلائق ومشكاة تنزلات الحقائق والبرزخ الجامع بين الشريع والحقيقة والمحيط الأعظم لجميع معالم الشريعة والطريقة صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله أهل الإقتداء به وأصحابه المستضيئين بصافي نوره وكل من تابعه بعد رؤيا جماله والتمتع بكماله وبهائه وعلينا معهم أجمعين بمنّك وجودك يا أرحم الراحمين .

إخواني وأحبابي بارك الله عزوجلّ فيكم أجمعين :

خير معين يُسرع بالمرء إلى مرضات رب العالمين : إما رجلٌ من أهل التمكين يعطيه الله عزوجلّ التصريف ويمنحه التعريف ويهبه تأليف قلوب المؤمنين على أنوار سيد الأولين والآخرين، وهذا الرجل لا ينال عنده من فضل الله إلا بكمال الأدب مع حضرة الله وكمال الإتباع لسيدنا ومولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فليس عنده محاباة ولا يستطيع لأن يتصرّف في أى عطاء إلا بإذن صريح من حبيب الله ومصطفاه صلّى الله عليه وسلّم .. وفي هذا يقول الإمام أبو العزائم رضى الله عنه :

العبد رحمته العبد نعـــمــــــــــــــــــــــــــــــــــــته     يُحيي القلوب بما يوليه من رفد

من يعرف العبد يعرف ربه فضلاً     من يجهل العبد يُبلى ثمّ بالصدّ

لا يعرف العبد إلا المفردون رأوا     أنواره أشرقت في المطلع الحدِّ

وورد في هذا أثرٌ عن حبيب الله ومصطفاه صلّى الله عليه وسلّم :

( لئن تقف بين يدي ولىٍّ لله قدر شيّ بيضة أو سلخ شاة خيرٌ لك من أن تتقطّع إرباً في سبيل الله عزوجلّ ) ولكي نُجلي هذه الحقيقة : كثرٌ من المريدين يظن بالحديث أنه يقصد بالوقوف بين يديه يعني يقف معه جلسة من الجلسات التى نحن فيها الآن .. ربع ساعة أو نصف ساعة أو ساعة أمامه .. لا .. هي ليست كذلك، ولكن أن تقف بين يديه وهو أنك تساعده وتعاونه وتؤاذره وتعاضده في تبليغ دعوة الله عزوجلّ .

ولابد وأن تكون أمامه ولا ينفع أن يكون هو أمامك وأنت عمال تتفرّج عليه .. فماذا تريد ؟ هل تريد أن تتقدمه ؟ وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا مشى ــ حتى في المشية العادية ليعرف أصحابه أصول الطريق ــ كان يأمر أصحابه أن يمشوا أمامه، وعندما يمشي أحدٌ خلفه كبعض إخواننا المحبين يقول لهم : لا .. ( خلوّا ظهري للملائكة ) أنت تمشي أمامي لكي تكون أمام عيني فهذا هو معنى الحديث .

وليس معنى الحديث أن يقف أمامه نصف ساعة أو ساعة ــ فهذا الكلام قد عفا عليه الزمان، لكن الوقوف هنا وقوف بالمُعاضدة وبالمؤاذرة وبالمناصرة لقول الله عزوجلّ لنا جماعة المؤمنين في شأن سيد الأولين والآخرين صلّى الله عليه وسلّم عندما أراد أن يُعرفنا حقيقة الإيمان ..

فماذا قال ؟ قال : ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ لكي تؤمنوا بالله ورسوله .. وماذا تفعلون ؟

وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ﴾ (الفتح:9) ماذا يعني ؟ يعني تساعدوه وتعاونوه والحقيقة انهم لا يساعدوه ولكن يساعدوا أنفسهم لأنه :

﴿ كَتَبَ الله لاغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ (المجادلة:21) فهو غالبٌ غالب، فقد كتب الله له في خاتم نبوته بالشعر ناحية ظهره في الجهة اليُسرى المقابلة للقلب :

( توجّه حيث شئت فإنك منصور ) .

هذا أمرٌ ليس فيه فصال، لكنهم لكي يسعدوا أنفسهم فلابد وأن يقدموا شيئاً لله ولرسوله .. فهؤلاء الجماعة يا إخوانا يفوزون بالفضل الأعظم والمطلب الأكرم بلا إجتهاد ولا كدٍّ ولا عناء، وإنما فضلاً من الله عزوجلّ لقيامهم وإجتهادهم في تبليغ دعوة السماء وهذا نص كلام الله :

﴿ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا ﴾ (الكهف:30) عندما ننظر إلي الأحسن .. أين ؟ ــ والقرآن يفسّر بعضه ــ فلم يقل الله : إنا لا نضيع أجر من عمل .. بل قال : من أحسن عملا .. وأين الأحسن ؟ :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى الله ﴾ (فصلت:33) وهذا أولاً وهو الدعوة إلى الله قبل العمل الصالح في المقام والفضل والإكرام عند الله عزوجلّ، لأنه يفيد نفسه وينفع غيره ..

وقد ورد لحبيبنا صلّى الله عليه وسلّم أن سيدنا موسى عليه السلام عندما أمره الله عزوجلّ بأن يبلغ رسالته وكلفه بنشر دعوته ــ والرسل إذا كُلفوا بدعوة الله فرّغوا أنفسهم من أعباء الحياة وقاموا بالله لله، وتوّلّ الله شئونهم وما يحتاجون إليه حتى لا يحوجهم إلى غيره طرفة عين ولا أقلّ

فسيدنا موسى قال له : يارب تتركني إلى بني إسرائيل هذا يُطعمني يوماً وهذا يُطعمني يوماً ؟ لماذا ؟ لأنه يترك العمل فهذا يُطعمه اليوم والآخر يُطعمه غداً والثالث بعد غد ــ فقال الله :

( يا موسى أما ترضى أن نعتق من أجلك كل يومٍ رجلٌ من النار ؟ ) هذا لهذه المزيّة التي يقدمها

 لك فينا بها العتق من النار، فمن يكون الفائز ؟ ومن يكون قد جاز ؟ والآن من يساعد ؟ يساعد نفسه .. وأين يفوز بها ؟ يجوز بأكلة .

وهذا أيضاً مع الأولياء .. فعندما أمر الله عزوجلّ سيدي أبي الحسن الشاذلي وقال يا علي إنزل إهدي الناس إلينا، فقال : يا رب أتحوجني لخلقك ؟ فهذا مرة يطعمني وهذا مرة يسقيني ؟ فقال : يا عليّ أنفق وأنا الملىّ : إن شئت من الجيب وإن شئت من الغيب .. ما تريد ..يعني معك ضمان تريد أن تضع يدك في جيبك أو من الغيب فخذ ما تشاء : ( ياعليّ أنفق وأنا المليّ ) .

﴿ سنة الله وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلا ﴾ (الفتح:23) لكن هؤلاء الرجال أهل الكمال يخصّهم الله عزوجلّ بأنواع العطاءات التي لا يتحملها إلا جمعٌ كثيرٌ من الرجال، يعني العطاء الذي عندهم لا يستطيع واحد أن يتحمله، ولكنه يتوزّع لأنه عطاء واسع ويتم توزيعه حسب الأهلية .. وماهي الأهلية ؟ بحسب الغيرة القلبية على الدعوة الإلهية وتحمّل المرء نفسه بالمسئولية وقيامه بهذه المهمة وإن لم يسمع تكليفاتٍ ظاهرية أو باطنية، لأنه جعل نفسه عبداً لذات ربه العلية والعبد وماملكت يداه لسيده ومولاه .

سيدي عبد العزيز الدباغ رضى الله عنه عند لقائه الله فكانت له وظائف باطنية وعطاءات إلهية من تركته التي توزعت له ــ فكل واحد من الصالحين له تركة، وكيف تتوزّع هذه التركة ؟ وعلى من تتوزّع ؟ " الخُلّص " والصادقين بأمر الله عزوجلّ في كل وقتٍ وحين :

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ (فصلت:46) وإذا كان أبي وهو السبب في وجود هذا الجسم هل أستطيع أن أخدعه وأتظاهر بأنّي حريص عليه ليخُصنّي بشيءٍ من التركة .. لكن هذا لا يصلح مع الأب الروحي لأنه صاحب فتوح وينظر إلي القلوب بالنور الذي وهبه له علاّم الغيوب عزوجلّ ــ

فلما حضرت سيدي عبد العزيز الدباغ لحظة الموت فقال له سيدي عبد الله بن المبارك رضى الله عنه : ياسيدي من الذي يرث أحوالك ؟ ــ وهذه الأحوال وليست المقامات أو الأنوار أو المشاهدات ــ قال : أحوالي وُزعّت على ثمانين رجلاً وليتهم يستطيعون حملها لأن التركة كبيرة وهذا كان رجلاً أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان عندما يسأله أحدٌ سئوالاً يقول له : إنتظر حتى أسأل رسول الله، ثم يُطئطئ رأسه لحظات ثم يرفعها ويقول :

[ سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن سئوالك فأجابني بكذا وكذا ] وكان في بلاد المغرب .

فـ 99% من الصالحين يأخذون العطاء وراثة عن السابقين وهي هي نفس الحالة كذلك، ولذلك قالوا :

[ ليس العطاء ببذل المجهود ــ ويقصدون في العبادات وفي الخلوات ــ ولكنه بفيض الجود ] وأين ذلك ؟ من رضا الصالحين عن أحبابهم الذين يعاونونهم في كل وقت وحين .

ما الذي جعل الصديق يصل لهذا المقام ؟ يُروى عن سيدنا ابو بكر رضى الله عنه عندما خرج مع الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم إلى غار ثور، وسيدنا رسول الله بعد أن مشى على الصخر تألمّت قدماه فأشفق عليه الصديق وحمله على كتفيه حتى وصل إلى باب الغار .. وأنتم تعلمون ما صنعه معه في الغار .. فما هو الجزاء ؟ وهو الذي يعلمنا ويقول :

( من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له ) وهذا جزاء العارفين الذين يعاونوهم أو يعملون شيئاً في الدعوة .. وماهو ؟ أن يخلصوا له في الدعاء فيعطيه الله عزوجلّ فوق مايشاء .. فقال لهم :

( اللهم إنّي قد رضيت عن أبي بكر فارض عنه في الدنيا والآخرة ) فلبّى الله طلبه وأنزل في ذلك قرآناً :

﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ (الليل:21) نعطيك حتى ترضى .. لماذا ؟ لدعوة نالها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليست دعوة ظاهرية باللسان أو دعوة طلبها لكى يمتّع بها الأذان .. ولكنها دعوة ليس بينها ستارة أو غينٌ ولا رينٌ إلى حضرة الرحمن عزوزجلّ .

فمعظم عطءات الصالحين من هذا الباب .. وهذا لمن يا إخوانا ؟ لمن يخلص في دعوة الله وفي مؤازرة القائمين بالله لله والمتعاهدين على نُصرة شريعة الله ومن لهم دورٌ في هذا العبئ مع أحباب الله واصفياء الله عزوجلّ .

لكن من لم يكن له دورٌ فماذا يأخذ يا إخوانا ؟ لا شيء .. وهذا باب طويل لا نستطيع أن نوفيه حقّه وفي الإشارة مايُغني عن كثير العبارة . 

فالباب المعين للمريدين وللسالكين وللعارفين وللواصلين على بلوغ فضل رب العالمين غير ماقلناه يا إخواني .. باب المراقبة لا يوجد أحدٌ يفوز ولا يجوز إلا إذا أدخل نفسه في حضرة المراقبة .. كيف ؟ يعني يُحسّ أن الله يراه ويشعر بأنه في كل أنفاسه يرى عظمة وقدرة وجلال حضرة الله عزوجلّ .

لكن من يراقب الخلق يُسمّى منافقاً والعياذ بالله .. أما مراقبة المؤمن والمحسن فلمن يا إخوانا ؟ المؤمن يراقب جوارحه ويراقب عينه وأذنه ويده ولسانه وفرجه وبطنه، فلو كان معه علوم الأولين والآخرين والجوارح منفلتةٌ منه فلا يكون عالماً ويبقى جاهلاً في نظر الله وفي نظر أحباب الله وأصفياء الله عزوجلّ، لأن الهدف من العلم هو ذلك، وقد قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه :

العلم يجعلني أخشــــــــــــــــــــى من الرب      أراقب الله بالأعضـــــــــــــــــــــــــــــــاء والقلب

إن لم أخشى من ربّي فمن جهلـــــي      وإن علمت علوم الكشــــــــف والغيبِ

وإن تحصّلت من عــــــــــــلمٍ ومن فقهٍ     مثل الجبال الرواســـــــي لم يزل حجبي

فمن راقب الجوارح أولاً فربنا قال فيه : ﴿ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ﴾ (طه:54) راعي الجماعة التي معك وأنت راعيهم :

( كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته ) .

فأول رعيّة أنت مسئولٌ عنها من هي ؟ عينك ولسانك وأذنك ويدك ورجلك وفرجك وبطنك .. فهذه هي أول الرعية أنت مسئول عنها، تمنعها من المعاصي والفتن فتسوقها إلي الطاعات والقربات، فإذا واظب على هذا الحال إستضاء نور قلبه :

فإذا أضاء القلب لاح جماه    بجميع أعضائي وتلك مواهبٌ

فبمراقبته لهذه الأعضاء ربنا يُرقيه لمقام أعظم .. فماهو ؟ يراقب خطرات النفس فكلما يخطر على نفسه خطرة يفرزها ويصنّفها هل هو خاطر من النفس الإبليسية ؟ أو من النفس السبعية ؟ أو من النفس الجمادية ؟ أو من النفس الحيوانية ؟ أو من النفس الملكوتية ؟

ويوافق على الخطرة ويمضيها بجوارحه إذا كانت خطرة ملكية أو قدسية .. ويمنعها من التحقق إذا كانت من الخواطر النفسية التي ذكرنا منها أمثلة لها وهذه مايقول فيها الله عزوجلّ :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ (الأعراف:201) وأكبر عائق بل وأعظم عقبة تقطع المريدين في هذا المقام هي الخواطر النفسية الظنية في الآخرين، وهذه لا يخلوا منها أحد وهو الظن .

وتزيد قليلاً عند النساء، وكل تصرّف للإنسان بما يراه فيحاول تأويله بما عنده، لكن أنا لا أعرف تفسيره بحسب من يخرج منه فأحكم بتأويلي وظنّي فربما الفاسد أو الكاسد على عمل هذا المؤمن الذي ربما فعله الخير أو البر أو المعروف وأنا لم أطلع على قلبه .

وهذا ما يحددث يا إخوانا وهذه هي المصيبة العُظمى التي تعوق السالكين، فإذا إستطاع المرء أن يجاهد نفسه في هذا المقام وأخلف الظنون والأوهام فإنه سيرى بنور الله التام في اليقظة والظلام لأنه ستشمله رعاية الله ونظرات حبيب الله ومصطفاه

على الدوام .

ولذلك النبي حذّر : ( إياكم والظن فإنه أكذب الحديث ) أجتنبوا الظن وخاصة السوء فالمريد لا يخطر بباله خاطر سوء أو ظنٍ سوء نحو أحدٍ من إخوانه المؤمنين أبداً أنا ما الذي عرفني أنني وصلت إلى درجة الشفافية فاطلعت بها على خاطره ونيته فعرفت دخيلته وسريرته ؟ فكيف إذن أحكم ؟ فأنا ليس لي علاقة بهذا الموضوع، أقول في نفسي : الله ورسوله أعلم .

وهذا هو الجهاد الأعظم لأهل هذا المقام في دفع خواطر السوء والظنون الفاسدة عن نفسه حتى يكون في جنة الأنس بربه عزوجلّ، وأنتم تعلمون جميعاً أحياناً أن الواحد منا يكون في لذّة روحانية لا مثيل لها والنفس تدخل في لحظة فتُعكّر ما هو فيه من لذّة، إما بخاطر سوءٍ جائز في زوجته وجائز في صديقه وجائز في زميله وجائز في جاره .. فيخرج من الجنة إلي جهنّم والعياذ بالله عزوجلّ لأنها من الظنون السيئة، ولذلك فالحبيب قال لكي يُخرجنا من هذا الموضوع :

( إذا ظننت فلا تُحقّق ) فلنفرض أنك ظننت ولكن هناك دليل شرعي يدُل على ذلك، فإذا كان دليلاً فلا مانع وأنا أيضاً لا أعرف النوايا، لكن لو لم يوجد دليل شرعي فأقول : انا ليس لي شأنٌ بهذا الموضوع، فأبتعد عن هذا الخاطر بالكلية .

ويمكن كلنا سمعنا كثيراً عن ظنون تلبست بعض الناس وبعد فترة من الدهر إكتشفوا أنهم كانوا على خطأ وأنه كان من الصواب عليهم أن يصرفوا هذه الخواطر ويفوضوا أمرهم إلى الله عزوجلّ حتى ولو أننّى ظلمت .. فأسأل نفسي من الذي ظلمني ؟ ويأخذ النفس الفكر من هنا ومن هناك، ويمكن أن تتهم حبيب وهذا الحبيب يغار علىّ .

لكن لو تابعت الخواطر السوء فقد أضعت نفسي، فماذا أفعل ؟ إذا ظننت فلا تُحقّق، لم أحقّق الظن .. بالله عليكم لو أن الإنسان إستطاع أن يمحو الظنّ السيئ من نفسه فماذا تكون حياته ؟

أنا أغيّر نظرتي لفلان أو أغيّر كلامي مع فلان أو أغيّر سلوكي مع فلان، ظننت في هذا الوقت على الفور، فلا أريد أن أجلس معه ولا أتحدّث معه ولا يعرفني ولا أعرفه وهذا بمجرّد الظن وهذا لا يليق بمؤمن ولا بسالك .

فإذا إرتقى الإنسان في هذا المقام سيظن الخير بجميع الأنام، ويُفوّض الأمور للملك العلام عزوجلّ ويقول كما قال سادتنا الصالحين :

[ لا تُدبّر لك أمراً فأهل التدبير هلكي، سلّم الأمر تجدنا نحن أولى بك منك ] فيريح الواحد منا فكره ويريح روحه وبدنه ويريح نفسه ويريح الكل لأن الخاطر السوء يُدمّر الإنسان ويُدمّر علاقته ويُدمّر مصالحه ويجعله على الفور في هواجس نفسه ووساوس شياطينه وفي أحوال أحياناً تكون كُفرية .. لماذا ؟ هذا من ظن السوء .

ولذلك قال الإمام أبو العزائم : من أراد أن يرتقي بسرعة فماذا يفعل ؟

سُلّم الإرتقي وباب التداني      حُسن ظنٍ بالله في كل شانِ

أنا أقول : تكاد تكون كُفرية .. كيف ؟ لأنه يصل به الأمر من ظنه بالعبيد، يظن بالحق الحميد المجيد عزوجلّ، فعندما يبتليه وعندما يختبره فعلى الفور يُحضّر الظنونّ السيئة حتى مع الحق وهذا ما يحدث يا إخوانا وهي مرحلة أشق .

فالسالك المبتدئ في طريق الله يظلّ يجاهد نفسه حتى يمحو جميع الظنون .. فلو قال لي أخي : لا تأتي لهذا المكان اليوم تأخذني الظنون وأقول في نفسي : لماذا لايريدني أن أذهب لهذا المكان ؟ وهل هو أحسن منّي وتدخل النفس السيئة الإبليسية .. ولماذا لا تأخذه على محملٍ خير وتريح نفسك من هذه القضية ؟ فلو أن أولادنا الصغار ذهبوا للسينما فوجودوا كلمة للكبار فقط على الأفلام وقالوا في أنفسهم : لماذا لا يريد أهلنا أن ندخل ؟ فذلك يُتعبهم، ولكن لو أخذوا هذا الأمر ببساطة لأراحوا أنفسهم .

يقول أحدهم : إلي أين أنت ذاهب يا فلان ؟ يقول له : ذاهب لأزور أخي فلان، فيقول له : هل آتي معك ؟ فيقول له : لا .. لا تأتي معي .. فيسأل نفسه : لماذا لايريدنى أن أذهب معه ؟ وما هو الموضوع الذي ذهب من أجله ؟ وهل هو موضوع سرّي بينه وبين فلان ولا يريد أن يعلم عنه أحد ؟

هذه أمورٌ لا يزعل منها أحد، فلو أن إبني لا أريد أن يعرف ما أتحدّث به مع زوجتي في موضوع، فأقول له : إذهب يا بنيّ بعيداً فهل يغضب ؟ لا .. لأنه يعلم أنّني أكلمها في موضوع ليس له به شأنٌ .. فهي نفس الحكاية .

لكن هي مشكلة المريد أنه إذا أستطاع أن يمنع الوساوس والهواجس النفسية والظنيّة هذه، فإنها لا تؤدّي لجهنّم فقط بل إنها تجعل الإنسان يعيش في جهنّم وهو في الدنيا يمكن أكثر من 90% من المشاكل التي تؤدّي للأمراض النفسية سببها هذه الهلاوس وهذه الظنون .

فالسالك لابد وأن يكون فكره صافي .. كيف ؟ لا يظن بالناس إلا الخير، وماذا يضيرني لو ظننت بالناس خيراً ؟ حتى ولو ظهر غير ذلك فهل سيضُرنّي ذلك ؟ ولكنّى بذلك قد بلغت مبلغاً عظيماً في مراتب الرجال الذين ربّاهم الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم .

وعندما حدث خلافاً بين سيدنا سعد بن أبي وقّاص رضى الله عنه وبين سيدنا خالد بن الوليد، ذهب أحد المنافقين لسيدنا سعد وقال له : خالد يقول عليك كذا وكذا، فقال له : لا .. مابيني وبين سعد لم يصل إلي ماذكرت .. نحن تربينا على أن لا يخوض أحدنا في الثاني :

﴿ وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾ (المدثر:45) وهذا ليس موجودٌ بيننا .. نحن في مدرسة ونعرف طلاب هذه المدرسة وما هيئتهم، وهذا الكلام مع الجماعة الذين ليسوا في هذه المدرسة ولم يسمحوا لهم بالدخول فيها وهم المنافقين .

لكن طلاب هذه المدرسة لايوجد أحدٌ منهم أبداً يخطر بباله قط أن أخيه يُدبّر له شرّاً أو يريد به سوءاً، بل دائماً يعتقد تمام الإعتقاد أن أخاه يُحب الخير له أكثر من حبه لنفسه .

هذه هي حالة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والغمّ يا إخوانا لو أن الإنسان إستطاع أن ينقلب عليه كسر باب التبريرات والإستنتاجات والإتهامات وكل هذه الملفات يغلقها ويدخل على باب حضرة الله مفوضاً ومتوكلاً عليه عزوجلّ في كل أمر، وهذه هي الحالة التي كان فيها أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم و رضى الله عنهم، ولذلك كانوا يتمتعوا بحياة تقية نقية .

إذا إرتقى الإنسان ونظر الله إليه ووجده على الحال الذي أشرنا إليه نقله إلى مراقبة خواطر قلبه، وهذا مقام عظيم في ذكر الله عزوجلّ، فوقف بواباً على مدينة قلبه لا يسمح بغير الله أن يمر ذكره على باله أو على قلبه .. وسأعطي لكم مثالاً من تدريبات الصالحين لكى تعلموا أين نحن منهم ؟

الشيخ الشبلي رضى الله عنه وأرضاه ذهب له تلميذ إسمه الشيخ الحصري رضى الله عنه، وكان يميل تارةً للدنيا وتارةً مع الله يعني ليس مداوم على الله، فنصحه كذا مرة وآخر مرة قال له : إسمع : لو خطر على قلبك غير الله من الجمعة إلى الجمعة فلا تأتنا هنا، يعني لا تحضر هنا مرة أخرى بعد ذلك .. ماهذه التربية ؟ يعني لو خطر على باله أحد غير الله من الجمعة إلى الجمعة لايريد أن يراه ؟ إنها مرحلة عالية في التربية يا إخوانا، ولكنها موجودة في دائرة الصالحين فيراقب الخواطر وليست النفسية فقط ولكن الخواطر القلبية حتى لا يمر على البال إلا أضواء وأنوار عظمة الواحد المتعال عزوجلّ .

وهذا ما قال فيه الإمام أبو العزائم رضى الله عنه :

والوارث الفرد محبوبٌ لخــــــــــــــــــــــــــــــــــالقه            فات المقامات تحقيقاً وتيقينـــــــــاً

في كل نفسٍ له نورٌ يشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاهده            من حضرة الحق ترويحـــــاً وتيقيناً

يمشي على الأرض في ذُلٍ ومسـكنةٍ             هام الملائك شـــــــــوقاً فيه وحنيناً

هذا الرجل ماهي علانيته يا إخوانا ؟ مشغولٌ بربه وغير مشغولٌ بغيره، فإذا قلت له فلان هذا ماذا كان يلبس اليوم في المجلس ؟ يقول لك : لا أعرف، فهو غير مشغولٌ بالنظر إلي فلان أو إلي علان .. تسأله ماذا قال فلان ؟ يقول لك لم أسمعه لأن سمعي بالكلية للحضرة البهية، فلست مشغولاً بسماع فلان أو علان .. وماهو شعار هذا الرجل يا إخوانا ؟ :

( من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه ) ولماذا أدخل نفسي في هذا أو ذاك وهذا طبعاً يحتاج إلي جهادٌ عظيم وخاصة مع النساء .. تقول بعضهن : فلانة أين ذهبت وماذا فعلت مع زوجها .. مالك أنتي وهذه المواضيع ؟ ولما تُدخلي نفسك في هذه الأشياء ؟ فلو أن هناك شيءٌ ستحكيه لكي، وإن لم يكن فلن تتتحدّث وإنتهى الأمر .

حتى أن الحبيب صلّى الله عليه وسلّم نبّه على هذا الأمر وقال :

( لا يسأل أحدٌ أخاه فيما أغضب زوجته، ولا يقول له لماذا ؟ ربما يكون بينه وبينها سرٌ ولا يريد أن يذيعه ) .. وهي نفس الحكاية بالنسبة للمرأة تسأل جارتها : لماذا يغضبك زوجك ؟ فمالكِ أنتي بهذا وهذا موضوع لا تسأليها فيه ولا تفتحي كلاماً فيه لأنه أمرٌ خاصٌ بينها وبين زوجها ولماذا تحكيه لكِ ؟

وهكذا في كل أمرٍ وفي كل شأنٍ فالمؤمن لا يسأل إلا عن الله أو عن شمائل وأخلاق حبيب الله ومصطفاه، فهي التي تهمُه في دنياه وترفعه في أخراه .

أما أخبار الناس فماذا أفعل بها ؟ وأحوال الناس ماذا أسوّي فيها ؟ وهل أنا مشغولٌ بهذا الكلام، فإذا رأيت المريد سواءٌ رجلٌ أو إمرأةٌ كل همّه هو سماع الأخبار وتتبّع الأحداث ويريد أن يعرف ماذا فعل هذا ؟ وماذا سوّى هذا ؟ فاعلم أنه منقطعٌ عن الله بالكلية عن السير والسلوك إلي الله عزوجلّ .

السير والسلوك إلي الله لا يحتاج إلي أن يسأل عن هذه الموضوعات .. سيدنا عمر رضى الله عنه عندما أوصاه الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم هو والإمام علىٌ وقال لهما :

( يأتيكم بعدي أويس القرني رجلٌ من اليمن آمن بي ولم يرني منعه من المجيئ إليَّ برّه بأمّه، فإذا لقيتموه فأقرئوه مني له السلام وأسألوه أن يدعو الله عزوجلّ لكم فإن دعاؤه مستجاب ) .. فظلّ سيدنا عمر يبحث عنه كل عام في موسم الحج إلي أن عثر عليه وبعد أن تحدّث معه قليلاً هو والإمام علىّ قال له : يا أويس هل لك إلى أن تصحبنا فنتعلّم منك وتتلّعم منا ؟

ماذا قال له ؟ قال له :

[ يا عمر عجباً لك، من أنس بالله كيف يأنس إلي سواه ] .

الأنس بالله أغناني عن الناس    والأنس بالله معراجي ونبراسي

من يريد الله هل يريد أحدٌ غير الله ؟ فهو مشغولٌ، أما من كان فارغ القلب وغير مشغول بالله يريد أن يعرف أخبار الرياضة وأخبار فلان وأخبار علان وكذا الثاني والثالث .. وهذا ليس سالكاً في طريق الله عزوجلّ لأنه يسوّد صحائفه بما ليس له به شأن .

لكن المؤمن ليس عنده وقت .. يريد الله عزوجلّ على الدوام ..

فإذا إنشغل بالله لم يعمل عملاً ولم ينطق بحرف إلا إذا إستحضر في حشاشة فؤاده وفي تجاويف قلبه أن الله عزوجلّ مطلعٌ عليه ويراه .. وماذا يكون حال هذا يا إخواني ؟ هذا حال الكُمّل :

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله ﴾ ( البقرة:284 ) يعلم أن ربنا يرى كل خفاياه فلا يستطيع أن يقول كلمة ولا يعمل عملاً إلا وهو مستيقن أن الله عزوجلّ يطلع على هذا العمل ويطلع على هذا الكلام، قال صلّى الله عليه وسلّم

( أنا أخوفكم بالله عزوجلّ وأنا أتقاكم بالله سبحانه وتعالى ) لماذا ؟ لأنه وصل إلى الحال العالى في مراقبة الله عزوجلّ في كل حركة وفي كل سكنة وحتى لو وجد أن في هذا الكلام أو في هذا الفعل ما يُقلقه ولن يخاف من الناس ويترك الخشية من رب الناس ويكذب عليهم ؟ لا .. لماذا لأنه يتعامل مع الله .

وهذه يا إخوانا هي بعض الخواطر والسوانح التي جالت في ذهني تلك الليلة وأسأل الله أن ينفعنا بها أجمعين وأن يجعلنا من الذين يراقبون حضرة عظمته في كل وقت وحين وأن يوفقنا للعمل الصالح وصالح العمل وأن يقيمنا في مقام الجهاد الأعظم حتى يمتعنا بما أنعم به على الحبيب الكرم ويفيض علينا من خيره وبره مابه يشفي صدورنا وترتاح له قلوبنا وتطمئن به نفوسنا .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمّ

  

المــــــكان : المعادى ــ مقر الجمعية

التاريـــــخ : الخميس 12/9/2002 موافق 5 رجب 1423 هـ

 

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي