Advanced search

دروس Related

  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ؟

    More
  • ما حكم قطيعة الرحم؟

    More
  • المحبون والمحبوبون

    More
View all

New الدروس

  • المحبون والمحبوبون

    More
  • كيف يمشي المؤمن بنور الله

    More
  • الاعتكاف في وقت الوباء

    More
اعرض الكل

Most visited

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    More
View all

لماذا نحتفل بسيدنا الحسين ونفرح به ونحبه

Visits number:35 Downloads number:5
Download video Watch Download audio Listen
لماذا نحتفل بسيدنا الحسين ونفرح به ونحبه
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



اليوم هو اليوم الذي يقولون عنه الليلة الختامية لمولد سيدنا الحسين، المولد غير هذا اليوم، فهذا اليوم الذي دخلت الرأس الشريفة فيه مصر.

يعني سيدنا الحسين رضوان الله تبارك وتعالى عليه عندما استُشهد في كربلاء قطعوا رأسه، ودفنوا جسمه وهناك روضة للجسم مُقامة في كربلاء إلى الآن، روضة كبيرة ويزورها الجماعة المحبين والشيعة يتحفوا بها إحتفاءً بالغاً.

وأتوا برأسه وأخذوا آل بيت السيدة زينب، وكان سيدنا الحسين في المعركة، وهو الذي بذل كل ما في وسعه لدفع القتال، لكن القائد الذي كان قد بعثه عبيد الله بن زياد والي يزيد على العراق كان رجلاً جباراً.

والحسين كان خارجاً بأهل بيته، وكانوا حوالي سبعين رجلاً وولد وإمرأة، ومعظمهم نساء، وكان أولاده عددهم أربعة عشر، والجيش أربعة آلاف، فتفاوض مع صاحب الجيش وأمسك به عُمِير بن سعد، فقال له: أتركني أرجع للمدينة، فقال له: لا ـ فقال: أذهب إلى إحدى الثغور ـ وهي الجبهات التي فيها الجهاد ـ وأجاهد هناك، فقال له: لا ـ فقال: أذهب ليزيد، فقال له: لا ـ يعني أصَّر على القتل ولم يقبل أي خُطة بديلة.

وقد كان قد ذهب إلى هناك بناءً على طلب أهل العراق، وأرسلوا له رسالة: أن هناك مائة ألف سيف ينتظروك لكي يؤيدوك في طلب الخلافة لأنك الأصلح للخلافة من يزيد بن معاوية، وأثناء سيره قابله أحد الشعراء وكان يحب آل البيت وكان اسمه الفرزدق، فقال له: ما حال أهل العراق؟ فقال له: قلوبهم معك وسيوفهم عليك، وكان رجلاً صادقاً لأنه كان مُحباً لآل البيت، فأرسل إبن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليستطلع الخبر وماذا يفعلون.

فذهب مسلم فصلى بهم المغرب يجتمع حوله وخلفه في صلاة المغرب ما يزيد عن العشرين ألفاً، وبدأ الصلاة فالوالي عبد الله بن زياد سمع فأرسل العساكر، فتركوا الصلاة وخرجوا فلما سلَّم لم يجد أحداً خلفه، ولذلك سيدنا على قال لهم في البداية:

[يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق].

أخذوا مسلم وقتلوه فلم يردَّ على سيدنا الحسين، وكان قد ردَّ أول مجيئه فقال له: الناس هنا كلهم منتظرونك على أساس المقابلة الأولى، لكن عندما قُتل فلم يردَّ على سيدنا الحسين الرد الثاني.

فسيدنا الحسين خرج ومعه أهله ـ من هم؟ نساؤه ونساء إخوته وأولاد سيدنا الحسن وآل بيته، وهم أولاد الحسن والحسين، ومعه السيدة زينب رضي الله عنها وأرضاها.

بدأت المعركة، والمعركة غير متكافئة، أربعة آلاف رجل، وهؤلاء عدد رجالهم لا يزيدون عن الخمسين رجلاً، فسيدنا الحسين ضرب المثل في الفدائية أخذ يحارب وأولاده أمامه يحموه، إلى الأربعة عشر ولداً حتى قُتلو أمامه ـ مذبحة لآل البيت ـ لم ينجوا منها غير سيدنا على زين العابدين وكان مريضاً بالحُمَّى، وبعد المعركة كانوا يريدون قتله أيضاً، لولا أن السيدة زينب احتضنه وقالت لهم: أقتلوني معه، فكانوا يريدون قطع الذرية نهائياً، ولذلك ذرية سيدنا الحسين كلها من سيدنا علي زين العابدين.

 منعوا عنه الماء ورفضوا أن يسمحوا لهم بشرب الماء، ويأتي وقت الصلاة تتوقف المعركة، يصلي الحسين إماماً بمن خلفه وكل أهل العراق أهل النفاق يصلون خلفه، كلهم جميعاً، وبعد المعركة سيوفهم عليه، ما هذا الوضع الغريب العجيب الذي كان في هذا الأمر؟

فالمهم بعد أن أُستشهد وقطعوا رقبته وأخذوه هو وابنه المريض والنساء، أخذوهم ماشيين من كربلاء بجوار البصرة في العراق إلى دمشق وأدخلوهم على يزيد.

وضعوا الرأس أمامه، فأمسك يزيد رُمح أخذ يلعب في أسنان سيدنا الحسين فالسيدة زينب لم تتحمل، وخاطبته ومن حوله بفصاحة أعجزته، فاعتذر على ما حدث وأمر بدفن الرأس الشريفة فدُفنت في دمشق، والموضع الذي وُضعت فيه في دمشق أيضاً فيه مشهد للإمام الحسين إلى الآن.

وبعد ذلك حدثت أمورٌ فخافوا أن أحداً ينبش ويأخذ الرأس فنُقلت إلى بلدٍ اسمها عسقلان في فلسطين الآن، إلى أن حكمت الدولة الفاطمية وهم جماعة من آل البيت وجاءوا من المغرب العربي وهم الذين بنوا القاهرة وبنوا بجوارها الأزهر، وبعد أن استولوا على الشام أرسلوا وجلبوا رأس سيدنا الحسين وعملوا لها المشهد الموجود الآن، والمسجد الذي بجواره وهو مسجد سيدنا الإمام الحسين رضي الله تبارك وتعالى عنه.

متى كان هذا اليوم؟ هو كاليوم الذي نحن فيه الآن، وهذا اليوم الذي دخلت فيه الرأس الشريفة إلى مصر، واليوم الذي دخلت فيه الرأس مصر خرج الخليفة الفاطمي والوزراء والأمراء واستقبلوا الرأس، وذهبوا ماشيين وحفاة إلى العريش واستقبلوا الرأس عند العريش واستقبلوها وجاءوا بها إلى هنا ووضعوها على كرسي أبانوس مصنوع من الأبناوس ووضعوا عليه الرأس وبنوا الضريح وبنوا المشهد وبنوا السجد الحسيني الموجود فيه سيدنا الحسين.

وكل هذا أحببتُ أن أُعرفكم أن هذا اليوم ليس تاريخ ميلاده، ولكن تاريخ دخول الرأس الشريف إلى مصر.

سيدنا الحسين أخو الحسن وهما أولاد السيدة فاطمة الزهراء من الإمام علي بن أبي طالب وكان حضرة النبي يحبهما ويقول:

(إني أحبهما).

وعندما يرى أحدهما كالحسن يقول:

(إني أحب حسناً).

وعندما يرى الحسين يقول:

(إني أحب حسيناً).

وكان صلى الله عليه وسلَّم يتولى شئونهما من صغرهما، وهو من سماهم، سيدنا عليٌّ كان فارساً في الجهاد في الحرب، ولما السيدة فاطمة ولدت ولداً قال: أُسميه حرباً، قال له سيدنا رسول الله: (لا ـ سميه حسناً).

فلما ولداً آخر فقال: أُسميه حرباً، فقال له:

(سميه حُسيناً).

فكان فارساّ وكل مافي فكره الحروب، فمن الذي سماهم؟ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: الحسن والحُسين بالتعريف.

وكان صلى الله عليه وسلَّم إذا ذهبت السيدة فاطمة لقضاء حاجاتها تترك أحدهما وهو رضيع بجواره صلى الله عليه وسلَّم فإذا جاع وبكى وضع لسانه في فيه فيرضع من لسان الحبيب ويشبع، الإثنين كانا هكذا.

ومن عناية الله عز وجل بهما أن السيدة فاطمة رضي الله عنها ـ وكان عّمْر الواحد منهما ثلاث سنوات، لم يكن يتبول على نفسه وهذا من عناية الله فيتطهر وهي توضئه ليذهبوا إلى رسول الله طاهرين، لأن سيدنا رسول الله كان يحبهم فيدللهم، فكان عندما يذهب عندهم يعمل نفسه جملاً ويحملهم على ظهره ويمشي بهما لكي نرى حنان وعطف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وكان يحمل الإثنين معا، فدخل سيدنا أبو بكر فوجد هذه الحالة فقال لهما:

نعم المركوب مركوبكما، فسيدنا رسول الله قال له:

(ونعم الراكبان هما).

لكي يعرِّف منزلتهما، أن لهما منزلةً كريمة عند الله عز وجل، وكان صلى الله عليه وسلَّم يُقبِّل الحسن من فمه، ويُقبِّل الحسين من رقبته، فلما سُئل عن سبب هذا؟ فقال:

(هذا يموت مسموماً وهذا يموت مقتولاً). 

وجاء بتراب وأعطاه للسيدة أم سلمة وأمرها أن تضعه في زجاجة، وقال لها:

(إذا وجدتي هذا التراب قد تحوَّل إلى دماً، فاعلمي أنه قد قُتل الحسين).

ولذلك فالسيدة أم سلمة عندما خرج سيدنا الحسين من المدينة كانت عيناها لا تفارق الزجاجة، وعندما تحوَّل التراب في الزجاجة إلى دم وهذا كان يوم العاشر من شهر الله المحرم، فعرفت أن الحسين قُتل في هذا اليوم.

وكان صائماً وفي هذه الليلة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في المنام وقل له:

(يا حسين غداً تُفطر عندنا إن شاء الله).

فكان صلى الله عليه وسلَّم كثير الحدب والرعاية لهما على الدوام، حتى أنه صلى الله عليه وسلَّم كان يخطب على منبره الشريف ذات مرة وجاء الحسن وقال: أبي أبي أبي، وكان نداءهما له: أبي وليس جدِّي وهذا من شدة أدبهما لكي نتعلم نحن أيضاً هذا الأدب، يقولون للطفل:

قل: جدُّك لا ـ بل يقول: أبي، كما علمنا النبي وعلَّم أولاده، وهذا تعليم النبوة فكان يقول: أبي.

وهو قادم للمسجد والنبي صلى الله عليه وسلَّم كان على المنبر وقع على الأرض فنزل الرسول من على المنبر وحمله واحتضنه وصعد به المنبر وأكمل خطبته صلوات ربي وتسليماته عليه، وقال لأصحابه معتذراً عن ذلك:

(الولد مجبنةٌ مبخلةٌ:

"أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ الله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (28الأنفال)).

وفي مرةٍ ركب الحسن عليه وهو ساجدٌ في الصلاة في المسجد، فسيدنا رسول الله لم يشُدُّه ولم يجرُّه لينزله بل تركه حتى يأخذ حظَّه للنهاية، فطال الوقت وهو لا يزال يتركه على راحته ـ وانظر إلى الحلم الذي يعلمه لنا حتى نفعل ذلك مع أولادنا.

بعد أن نزل أكمل الصلاة، فواحد ممن كان يُصلي خلفه قال: يا رسول الله لقد أطلت السجود حتى ظننا أنك قد قُبضتَ ـ يعني انتقلت إلى جوار الله، فقال:

(إن إبني ـ ولم يقل: إبن بنتي، وهذا من الأدب النبوي ـ إن إبني إرتحلني وكرهتُ أن أُعجله).

لم أرضى أن أزعجه أو أتعجله وتركته حتى يأخذ حظه للنهاية، مشى هذان الفتيان ويكفيهما شرفاً وفخراً قول النبي صلى الله عليه وسلَّم:

(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).

وهل أهل الجنة فيهم شيوخ؟ لا ـ كل من يدخل الجنة يدخل شاباً في سن الثلاثة والثلاثين، وهؤلاء الشباب الذين يدخلون الجنة متى يهرمون؟ لا يوجد أحدٌ يهرم في الجنة:

(لا يبلى شبابهم) ـ فكلمة شباب أهل الجنة معناها أنهما سيدا شباب أهل الجنة كلهم، أم هناك غير ذلك، والحديث واضح.

إنتقل الرسول صلى الله عليه وسلَّم إلى الرفيق الأعلى وكان الحسن والحسين صغيرين في السن، لم يدركا من حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم ما يمكنهما أن يتأسيا به، لكنهما كانا قد إنتشعت قلوبهما بفرط رحمته ومبلغ شفقته وحنانته، فأحبَّاه حباً لا يستطيع أحدٌ وصفه، فكانا جُلُّ اهتمامهم أن يسألوا السابقين المقربين من أصحاب النبي عن أحوال النبي ليتشبهوا به.

أصحاب حضرة النبي لم يكن معظمهم يستطيع أن يضع بصره في بصر النبي حياءً من حضرة النبي، لكن الله ألهم نفراً قليلاً منهم لإجادة الوصف حتى يرد إلينا بالوصف الحقيقي الصحيح لحضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم.

كان للسيدة فاطمة رضي الله عنها أخٌ من أمها السيدة خديجة ـ فقبل زواجها كانت متزوجة فأنجبت رجلاً وكان اسمه هند، وهند اسم للرجل وللبنت، وكان زوجها كان اسمه أبو هالة، فكان هذا الرجل اسمه هند بن أبي هالة ـ فهذا الرجل يُعتبر بالنسبة لهما خالهما، خال سيدنا الحسن وخال سيدنا الحسين، وهذا الرجل كان عنده موهبة الوصف لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

فكان يذهب كلٌ منهما إليه دون علم أحدهما بالآخر، فذهب سيدنا الحسن ويقول له: صف لي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فوصف له هيئته وبعد ذلك يجلس مع سيدنا الحسين ويقول له: أنا ذهبت إلى خالك هند وقلت له: صف لي أحوال حضرة النبي وأوصاف وشمائله، فقال له وماذا قال لك؟ قال لي أوصافه كذا وكذا وكذا ـ وطبعاً هذه الأوصاف ذكرناها في كتاب "الجمال المحدي" وجئنا بالرواية بالتفصيل فلا أطيل عليكم بذكرها.

فقال له: أنا ذهبت له أنا الآخر ولكن سألته أيضاً: كيف كان يخرج وكيف كان يدخل  كيف كان يجلس وكيف كان يمشي وكيف كان يقضي وقته وكيف كان يُجزِّئه.

فكان إهتمامهم كله في معرفة أحوال حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، ويتشبهوا به، ولذلك حتى السيدة عائشة كانت تقول:

[أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلَّم الحسين].

وكان أصحاب النبي إذا رأوه في الصلاة يقولون: ما رأينا صلاةً أشبه بصلاة النبي من صلاة الحسين، مع أنه لم يعاشره كثيراً، لكن القلب كان تواق إلى التشبة بحبيب الكريم الخلاق صلى الله عليه وسلَّم.

تشبهوا بحضرة النبي وأقبلوا على الله بالكلية، حتى أن الإمام الحسين رضي الله عنه حجَّ خمسة وعشرين حجَّة، يخرج من المدينة ماشياً وإلى المناسك في مكة إلى مِنَى وعرفات ماشياً ويرجع ماشياً، والركائب التي يملكها تُقاد أمامه ـ لماذا؟ يريد أن يكون له الأجر الأعظم لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم فخَّم أجر من يحج ماشياً، وقال فيه صلى الله عليه وسلَّم:

(من حجَّ ماشياً كان له بكل خُطوة مائة ألف حسنة).

فكان يحج ماشياً ذهاباً وإياباً خمسة وعشرين مرةً إشتغالاً بطاعة الله عز وجل وإقبالاً على حضرة الله عز وجل على الدوام.

واشتغل أيضاً ـ وهذا كان العمل الإساسي ـ بقضاء حوائج الناس، لم يكن يستقر في بيته فيأتيه الفقراء والمساكين، وذوي الحاجات فيخرج معهم بنفسه ويقضي إليهم حاجاتهم.

حتى أن جماعة ذات مرةِ لاموه وقالوا له: أنت ترهق نفسك، قال لهم:

[حوائج الناس إلينا من فضل الله عز وجل علينا، فأخشى أن أمنع نفسي عنهم بيمنع الله عز وجل فضله عليَّ].

أنا خائف أن أمنع نفسي عن الناس فربنا يمنع الفضل الإلهي الذي يتنزل به عليَّ، وأنتم تعرفون كلكم كيف كان هو والحسن ـ وهذا الكلام أنا ذكرته في مرةِ سابقة في هذه الرحلة ـ كيف كانوا حكماء في الدعوة إلى الله، وكيف كانوا يعلِّمون الرجل الوضوء؟ فهي دعوة مطابقة لمنهج رسول الله، ومُطابقة لكتاب الله.

فكان يقوم بخدمة الخلق طلباً لمرضاة الله عز وجل، لا يرجو منهم جزاءاً ولا شكورا، وهؤلاء الذين نزل فيهم آيات سورة الدهر، لما مرضا هما الإثنان ونذر سيدنا علي والسيدة فاطمة إن شفا الله الغلامين أن يصوما ثلاثة أيامٍ لله عز وجل.

وسيدنا علي كان رجلاً يعمل بمجهوده، فلم يكن يملك أرضاً ولا يملك محلاً للتجارة، ومع ذلك اختاره النبي زوجاً لابنته التقية النقية السيدة فاطمة، مع أنه تقدم لها كبار القوم والوجهاء، فكان يذهب ليعمل فيقف في مكان الناس الذين يعملون باليومية إلى أن يأتي إليهم من يشغلهم باليومية، فيعمل وفي آخر اليوم يشتري من شغله قدحاً من الشعير، والسيدة فاطمة كان عندها رحاية ـ والرحاية لم تعد نراها وغير موجودة الآن.

فتضع الشعير في الرحاية وتطحنه فيها وبعد أن تنتهي تعجنه، وبعد أن تعجنه تخبزه، وهذا كان طعامهم وليس معه غُموس لا فول ولا طعمية ولا شيئ غيره، هو رغيف الشعير وفقط، حتى تعلموا كيف كان آل بيت يجاهدوا في الله عز وجل، كانوا صائمين وعلى أي شيءٍ يفطرون؟ على رغيف واحد، وليس لكل واحد رغيف، وقبل الإفطار بلحظات الباب طُرق، وقال الطارق: مسكين يا آل بيت النبي ولم أذق الطعام منذ يومين، فقالوا: هذا أولى منا.

فأعطوه الرغيف وأفطروا على الماء وأصبحوا صائمين لتكملة النذر.

وذهب سيدنا علي يعمل في اليوم الثاني وكان الشغل شديداً ولم يكن لديه مانع حتى ولو اشتغل عند اليهود، فواحدة يهودية أخذته ذات مرة ليُخرج لها ماءاً من بئرها، ومياه البئر كانت في القعر تحت في أسفل البئر، وكان للبئر بكرة يرفع بها الماء، ويُشغِّل هذه البكرة بيده إلى أن يخرج الدلو أو الجردل، وقالت له: الجردل بتمرة.

أخذ يشتغل إلى إلى أن انتُهكت يديه وأخذ حوالي خمسة وعشرين تمرة ورجع، وقابل حضرة النبي فسأله من أين أتيت؟ فقال له من المكان الفلاني وكنت أعمل عند فلانة اليهودية كذا، فأعطتني هذا التمر، فقال له: وأنا أيضاً جوعان فاعطني من هذا التمر لآكل منه، لكي يشجِّعه على هذا العمل.

إبن من هذا؟ إبن عم حضرة النبي وزوج إبنته.

ذهبت السيدة فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وسمعت أنه جاءه جماعة من الأسرى، والأسير كانوا يأخذونه ويعملونه عبداً إذا لم يُفك أسره، فجاءه عبيد.

فقالت له: أنا أحتاج إلى أحد منهم ليُريحني من عناء الرحى ـ وانظر إلى فعل حضرة النبي مع حبه لها ماذا يقول لها؟

(أأُعطيكي وأترك أهل الصُفَّة؟ لا يكون).

وأنظر إلى العدالة المحمدية، حزنت وعينيها رقرقت بالدموع، فقال لها:

(ألا أدُلكِ على خيرٍ من هذا؟ إذا آويتي إلى الفراش فقولي: سبحان ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين يُذهب عنكٍ عناء اليوم).

فأعطاها لنا سيدنا رسول الله عمل بها أهل البيت، ولذلك سيدنا علي ذات مرةً قالوا له: ألم تتركها حتى ولا في يوم صفِّين؟ ـ وكان فيها الحرب الشديدة ـ قال: ولا في يوم صفين.

منذ سمعها من حضرة النبي لم يتركها، عندما يأوي إلى النوم يقولهن فيذهب التعب ويذهب الهمدان كله، كأن الإنسان قد دخل حمام ويعمل مساجاً ربانياً يردُّ النشاط للجسم كله ببركة التسبيح والتحميد لله عز وجل.

ولكن أنظر للحبيب كيف كانت معاملته، ليس فيها مجاملات حتى مع أعزِّ ما يحبه وهي إبنته المبجلة السيدة فاطمة، ومع أنه كان يحبها حباً لا يستطيع أحدٌ وصفه، عندما تدخل عليه يقف ويحتضنها ويقول لها: إبنتي إبنتي، ويُجلسها بجواره على الفراش، لماذا؟ من حبه لها صلوات ربي وتسليماته عليه.

ففي اليوم الثاني أتى أيضاً بالشعير وصنعت الرغيف، فجاءهم يتيم وقال لهم: يتيم يا آل بيت النبي ولي ثلاثة أيام لم أذق طعام، فقالوا: هذا أولى منا بالرغيف وأعطوه الرغيف.

وفي اليوم الثالث جاءهم الأسير فنزل قول الله عز وجل:

يطعمون الطعام على حبه ـ حب من؟ يعني حب الله وليس حب الطعام كما يقول بعض الجُهَّال حين يُفسِّروها وقالوا: على حب الطعام لأنهم كانوا صائمين ـ لا:

"وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا" (9) (الإنسان).

لا نريد منكم لا جزاء ولا شكور.

أيضاً آل بيت النبي من العارفين والصالحين إلى يوم الدين يطعموا أهل المحبة طعام القلوب الذي يقربهم إلى الحبيب المحبوب، الزاد الموصل إلى رب العباد لمن؟ للمسكين الذي سكن قلبه إلى مولاه وخرج من الدنيا وحظه وهواه، فأصبح مسكيناً والذي يقول فيه الله عندما قال سيدنا موسى:

(يا رب أين أجدك؟ ـ أنت فين؟ ـ قال له: أنا لست في السماء ولا في الأرض ـ قال: تجدني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي).

أنا مع هؤلاء الجماعة، فالله عز وجل لم تسعه سماواته ولا أرضه ولا ملئه الأعلى بل وسعه قلب العبد المؤمن التقي النقي.

واليتيم الذي لم يعد له ملجأٌ يتعمد عليه غير مولاه، لا يعتمد على مالٍ ولا ولدٍ ولا أهلٍ ولا خلانٍ ولا وظيفةٍ ولا علمٍ ولا عملٍ ولا حال، لا يعتمد إلا على فضل الواحد المتعال عز وجل.

 والأسير الذي أسرته العناية الإلهية فجذبته إليها، فأصبح مجذوباً للحضرة الإلهية بالكلية، فلا يميل إلى دار الدنيا الدنية ولا يميل حتى إلى المنازل الأُخروية، ولا الدرجات الجنانية، لا يميل إلا إلى رب البرية عز وجل.

وهي أيضاً أحوال العارفين والصالحين إلى يوم الدين، نسأل الله عز وجل أن يجمعنا عليهم أجمعين. 

فكان سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه إماماً لا يُشق له غبار، صورةً كاملة في حركاته وسكناته وأخلاقه وأقواله وأفعاله من النبي المختار صلى الله عليه وسلَّم.

ولذلك روى الشيخ أبو عيسى التُرمذي صاحب صحيح التُرمذي وكان رجلاً محدثاً ـ يروي ويقول: كأنه رأى القيامة قد قامت ورأى أهوالها وشداتها فتوجَّه إلى رب العزة وسأله: مالذي ينجيني من ذلك؟ ماذا قال له؟ أعطاه دعاء ـ من الذي أعطاه هذا الدعاء؟ الله فقال له:

(قل بعد صلاة الفجر: اللهم بحق الحسن وأخيه وأمه وأبيه وجده وبنيه فرِّج عنا ما نحن فيه).

وهذا الدعاء مجُرب، فلا يقع أحدٌ في شدِّة ويدعُ به إلا فرَّج عنه مولاه ويداوم عليه، ولا يوجد أحدٌ يقع في ورطة ويدعو به إلا جعل الله له مخرجاً جل في علاه، لماذا؟ لأن هؤلاء أهل العباءة المذكورين في كتاب الله.

فعندما جاء الجماعة النصارى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وجادلوه وقالوا: نحن الذين على الحق، فسيدنا رسول الله دعاهم للمباهلة ـ وما معنى المباهلة أن يقفوا هم وأكابرهم وهو والأكابر الذين معه ـ وهؤلاء يدعون وهؤلاء يدعون، ومن يستجيب له الله عز وجل فهو الذي معه الحق، فوافقوا، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(أين علي وفاطمة والحسن والحسين؟ فوقف سيدنا رسول الله على الجبل ومعه فاطمة وعلى والحسن والحسين ووضع عباءته عليهم، فكلهم دخلوا في العباءة وأرادت السيدة أم سلم زوجته ان تدخل، فقال لها: لا ـ أنتِ من أزواج النبي ولستِ من أصحاب العباءة).

فعندما رأى القساوسة آل بيت النبي في عباءة النبي قالوا: هذه وجوه لو دعت على جبلٍ أن يزول لزال، فلن نباهل وليس لنا شأنٌ بهذا الموضوع.

فعرفنا النبي منزلتهم لأنهم أصحاب العباءة في قصة المباهلة مذكورة في كتاب الله:

"فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ـ

ونبتهل ـ يعني ندعوا:

"فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ" (61آل عمران).

فهي موجودة في القرآن لأنها حقيقة.

فعندما يُعطي ربنا هذا الدعاء لإمام من أئمة الحديث ـ وأنتم تعلمون صحيح التُرمذي ـ لماذا؟ لأن هؤلاء يُتوسَّل بهم إلى الله عز وجل.

فعندما يدعوا الإنسان بهذا الدعاء في أي شدة يُفرجها الله:

(اللهم رب الحسن وأخيه وأمه وأبيه وجده وبنيه فرِّج عنا ما نحن فيه).

بقية الدعاء:

(اللهم إنا لا نسألك ردَّ القضاء بل نسألك اللطف فيه).

وهذا الدعاء كتبته أيضاً في مختصر مفاتح الفرج ونصُّه موجود فيه حتى تعرفوه، حتى لا يتوه عنكم، فلو لزمت به لفُتحت لك الأبواب.

ونقف عند القضية التي يثيرها الجماعة أذيال الوهابية ويقولون: أنتم تزورون الحسين فهو ليس في مصر ولا يوجد شيئٌ هنا.

أذيال الوهابية يقولون: الحسين ليس في مصر فمن الذي تزوروه؟

نقول لهم: تعالوا واقعة واحدة فقط، ومن من عالم العصر الشيخ محمد متولي الشعراوي رضي الله عنه، وكان من الصالحين، وكان له وُدَّاً مع آل بيت النبي، ومع حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، كان مُعاراً إلى المملكة العربية السعودية، وبعدها فحدث في فترة خلافٌ بين جمال عبد الناصر والملك سعود فجمال عبد الناصر أمر البعثة كلها أن ترجع ـ وكان شديداً ـ فالشعرواي زعل لأنه في المدينة المنورة وقريبٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

فذهب لرسول الله في الروضة وشكا له وبات مهموماً ـ وهو الذي حكى وأنا أحكي عن لسانه ـ قال فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في المنام وقال لي:

(يا محمد ما الذي يُحزنك؟ وأنا لي بابٌ عندك مصر فإذا أردت أن تأتني فاذهب إلى إبني الحسين، فأنا دائماً موجود عندكم هناك في مصر، وهاهو جارك.

فجاء الشعراوي من هناك ووفقه الموفق أيضاً ـ لأن الموفق هو الله عز وجل ـ فأخذ شُقة إذا نظر من نافذتها تُطل على سيدنا الحسين أيضاً، وواحد بنى له قصراً في الهرم وغيره فرفض طوال حياته ترك هذه الشُقة ليكون بجوار سيدنا الحسين رضي الله عنه.

ليُثبت لنا ـ والحديث الصحيح:

(من رآني في المنام فقد رآني حقاً فأن الشيطان لا يتمثَّل بي).

أن الموجود في القاهرة وفي هذه الروضة هو سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه.

ويحكي واحد من الصالحين أنه كان طالب علم في بداية حياته العلمية في الأزهر، وبعد ذلك أصبح شيخ الأزهر وهو الشيخ صالح العدوي، فكان في بدايته أيضاً متأثر بهذه الأقوال، فذات مرةٍ من المرات نفد ما معه من مال وكان جوعاناً ولا يجد ما يشتري به طعام.

فذهب إلى سيدنا الحسين وجلس هناك فأُلقي عليه النوم ورأى سيدنا الحسين يُعطيه رغيفاً، وقال له: من يُعطيك هذا الرغيف هل الرأس أم كله؟

لأن من أعطاه الرغيف هي اليد، وكان يقول: أن الرأس فقط هي الذي هنا ـ فقام من النوم فوجد الرغيف في يده، فاستغفر الله وتاب وقال: لا أقول بذلك أبداً ـ فلا  أقول: أن الرأس هنا فقط ولا يوجد الجسم، لا ـ إنه هو هنا كله ظاهراً وباطناً لأن الله عز وجل فعَّال لما يريد وله قدرته ولا يدري كنهها أحدٌ من العبيد.

ولذلك الآيات لا تُعد ولا تُحد من الناس الذين كان لهم مطالب لا يستطيعون تحقيقها ويذهبون إلى روضة الحسين أو روضة أخته زيبنب، أو روضة السيدة نفيسة أو غيرهم من أهل البيت ويشكون إلى الله فيُفرِّج الله عنهم ببركة هؤلاء لأن الله قال فيهم:

"رَحْمَةُ اللهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" (73هود).

فبركاته موجوده معهم هنا في روضاتهم، وكلام من هذا؟ كلام الله وهل هناك شيءٌ غير ذلك، فبركات الله عز وجل موجوده عندهم، ونحن عندما نذهب إليهم فمن الذي نسأله؟ نسأل الله ولكن بسرِّ هؤلاء أو ببركة هؤلاء أوبجاه هؤلاء، ونسأل الله عز وجل بجاههم وبسرهم فلا يخيب، لماذا؟ لأن هذه أسرار جعلها فيهم الواحد المتعال عز وجل.

ونحن في هذه الليلة نريد أن نكون في ميدان الحسين لأن الميدان ممتدٌ إلينا هنا، فنريد أن نذكر الله مع الذاكرين هناك لكي يكون الذكر متصل إلى هناك.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up