Advanced search

دروس Related

  • حلقة 14 ساعة صفا _أسئلة حائرة وإجابات شافية_ المقطم الجمعة 19-3-2020

    More
  • سلسلة الفائزين فى سير الأولياء و الصالحين: السيدة زينب حفيدة رسول الله

    More
  • الإتيكيت النبوى فى إمامة المصلين

    More
عرض الكل

New الدروس

  • Hidden power in man

    More
  • How does Islam see widows and orphans?

    More
  • سلسلة الفائزين فى سير الأولياء و الصالحين: السيدة زينب حفيدة رسول الله

    More
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    More
عرض الكل

ما أول فريضة فرضها الله علي خلقه؟ وكيف نتم القيام بها؟

Visits number:58 Downloads number:7
Download video Watch Download audio Listen
ما أول فريضة فرضها الله علي خلقه؟ وكيف نتم القيام بها؟
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



 [أول الفرائض معرفة الله عز وجل]

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

الحمد لله الذي إختارنا من عباده الخواص، وفضلنا على كثيرٍ من خلقه بمعرفته وقربه وكرمه.

والصلاة والسلام على ذات حبيبه وأوصاف نبيه، سيدنا محمد الذي جعله الله سبحانه وتعالى باب الوصول لحضرته، وسر الإرتقا في ميادين معرفته، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار الأبرار، وكل من تبعهم على هذا الهُدى إلى يوم القرار، وعلينا معهم أجمعين آمين آمين يا رب العالمين.

أيها الأحبة:

لقاؤنا لقاء الصفا ـ ساعة صفا ـ مع أسئلة ترد إلينا من كافة أنحاء العالم، وأنا في هذه الليلة ربما أكتفي بالإجابة على سؤال ورد إليَّ من أكثر من رجلٍ في بقاع الأرض، وأظنه سؤالكم أجمعين، فالكل بُغيته إجابة هذا السؤال.

هذا السؤال هو: ما أول فريضة فرضها الله تبارك وتعالى على خلقه؟ وكيف يُتمُّون القيام بها؟

أقوله مرةً ثانية:

ما أول فريضة فرضها الله على خلقه ـ يعني علينا كلنا ـ يعني ما هي أول فريضة فرضها الله عليك وعليَّ؟ وكيف يتُمونها ـ أي يقومون بها كما ينبغي؟

أسوق في هذا المجال قصة نُسبت إلى سيدنا بشر الحافي رضي الله عنه، وسُمي الحافي لأنه كان مستهتراً في صبوته وشبابه، فلما جاء أوان صُلحه مع الله خرج ماشياً حافياً ولم يلبس نعليه، وأصَّر أن يكمل حياته يمشي حافياً ويقول: إصطلحتُ مع ربي حافياً، فلا ألبس حذاءاً قط، هذا الرجل مع شدة إشتغاله في بدء حياته وصبوته باللهو والخلاعة، إلا أنه عندما تاب رفض الزواج، وعرضوا عليه الزواج مرات وكرات ولكنه يرفض، وعندما سأله بعض المقربين منه: لم لم تتزوج؟ والزواج سنة ـ أي أن الزواج عندنا سنة ـ قال صلى الله عليه وسلَّم:

(الزواج من سنتي) ـ وليس فريضة، فقال رضي الله عنه:

[شغلتنا الفريضة عن السنة].

فأنا مشغول بالفريضة، فليس عندي وقت أؤدي فيه السنة.

فما هذه الفريضة؟

قالوا في هذه الفريضة:

[معرفة الله أول الفريضة ولا فريضة قبلها].

أول فريضة نحن كلنا مكلفين بها هي معرفة الله، وحتى الدليل الواضح في حديث جبريل مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، عندما سأله عن أركان الإسلام، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(بُني الإسلام على خمس ـ وما أول الخمس؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله).[1]

وكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي هو وحيٌ يُوحى لا تأخذه على علاته، حضِّر قلبك وروحك لتفقه إشارته التي ساقها النبي صلى الله عليه وسلَّم في عباراته، فهي عبارات فيها إشارات، لم يقُل الإقرار بلا إله إلا الله، فنحن كلنا نُقرُّ.

فنحن في الصلاة عندما نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فما هذا؟ هل إقرار أم شهادة؟ ليس شهادة أبداً، فالشهادة شرطها أن أكون قد رأيتُ وعاينتُ وسمعتُ، وإلا يكون شاهد زور.

واحد لم يرى الحادثة التي حدثت ولم يسمع ما دار بين الطرفين، فهل يجوز له أن يشهد على الواقعة أمام القاضي أو أمام لجنة المصالحة؟ لا لأنه لم يرى.

فكأن شهادة أن لا إلا إلا الله شيئٌ غير عادي يا أحباب الله، فلابد أن تكون شهادة.

والله عز وجل وصف أهل هذه الشهادة وجعلهم في مقامٍ عالي، فقال عز شأنه:

﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ ـ ومن؟ وَأُولُو الْعِلْمِ (18آل عمران).

فهل من حصَّل العلم حالياً في عالم الدنيا من الكتب وصلوا إلى هذه المرتبة؟

لا ـ فأولو العلم هم الذين وهبهم العليم من عنده ومن لدنه العلم، وهو الذي أوهَّلهم لهذا المقام وهم ثًلة قليلة في الكون كله.

فالشهادة لابد أن تكون عن عيان، فكيف نرى الحضرة الإلهية؟ هل بهذه العين الحسية؟

فالعين الحسية تموت، وكل شيئٍ لا يموت فلا يشهد الحي الذي لا يموت، لكن من حكمة الله عز وجل أنه أعطى كل واحد منا ـ ولم ننتبه لذلك ـ وسائل المعرفة، نتعلم ونتعرف ونعرف بأي شيئ يا رب؟ فقال: عندكم ثلاث أشياء:

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (36الإسراء).

والسمع هنا يقصد السمع من الداعي الذي أرسله الله، والذي قال فيه في كتاب الله:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4) (النجم).

فهذا السماع الذي نحن مأمورين به.

وعندما نسمع كلنا ماذا نقول:

﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (285البقرة).

ثم نتذكر أننا كلنا قصور وتقصير، ولن نبلغ الغاية في الطاعة للبشير النذير فنقول:

﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285البقرة).

لأنه كما قيل:

من ذا الذي ما ساء قط؟    ومن له الحُسنى فقط؟  

من هذا الذي لم يسيئ؟

الشيخ ابن الفارض رضي الله عنه وأرضاه ـ عمر ابن الفارض تاه في أودية مكة وصحاريها لمدة خمسة عشر سنة، ماشي ولا يدري لأنه كان مجذوباً، فذات مرة أخذ يُردد:

من ذا الذي ماساء قط     ومن له الحُسنى فقط

قال: فسمعت من يقول:

                    محمد الهــــــــــــــــــــــادي الذي     عليه جبريل قد هبط

هل يوجد أحدٌ غيره؟ هو فقط الذي إسمه الكامل، لكن من منا قرُب حتى من الكمال؟ لا أحد فهو وحده:

محمد الهـــــــــــــــــــــادي الذي     عليه جبريل قد هبط

فهو وحده صلى الله عليه وسلَّم الذي أُختص بالكمال الذاتي، فعندما نسمع، نسمع من سيد الأولين والآخرين أو من أقامه مقامه من الصادقين:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119التوبة).

يعني أبقوا مع هؤلاء الجماعة الصادقين، لأنه سيكون منهلاً واحداً لم يتغيَّر ولم يتعكَّر ولم يتبدَّل، منهج الهُدى والهدي الإلهي.

والبصر طبعاً نحن نُسرع كلنا ونقول: البصر يعني القراءة والاطلاع، ولكن هل أيام حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم عندما كان فاتحاً جامعته التي فيها أصحابه المباركين، هل كان فيها مكتبة أو كتب أو شيئ يطالعوه أو يقرأوه؟

ففي أي شيئ كانوا يطالعوا؟

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (101يونس).

يقرأون آيات الله التي في الآفاق، وآيات الله التي في الأنفس، لأنها ستوصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى.

ولذلك قالوا:

[من كانت معرفته من الكتاب، فالخطأ عنده أكثر من الصواب].

لأن الكتاب فيه رأي فلان ورأي علان، وجائز يميل لهذا الرأي، وشوية يتنكر له ويميل لرأي الآخر، لكن أنت تريد أن تتعلم علم إسمه اليقين:

﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5التكاثر).

فماذا تفعل؟

وإن نظرت عيني إلى أي كـــــــائنٍ      تغيب المباني والمعاني ســـــــــــــــــــواطع

لأن المعاني الشمس والكل أنجمٌ    إذا ظهرت فالنجم بالشمس طالع

أنظر في الآفاق: الله نور السماوات والأرض، فهذه المعرفة، فالوجود كله عاليه ودانيه شاشة، فبماذا ينفعلوا؟

بنور الله المنتشر في السماوات وفي الكائنات العلويات وفي الأرض وفي جميع المخلوقات وهي بداية المعرفة، يقول فيها سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، وكان سائحاً في الصحراء:

[أخذني الحال فشهدتُ كل ذرات الرمال نور، كلها نور وليس رمل، وأراد ربه أن يرده إلى المقام الأكمل مقام العبودية ـ قال: فأخذني حصر البول، فاحترتُ أين أتبول؟ فكل ماحوله نور، فهل يتبول على نور؟ لا ينبغي ذلك فليس هذا أدباً مع حضرة الله، قال: فسألت الله تبارك وتعالى أن يحجبني عن هذا المشهد ـ لأنه غير قادر أن يتحمل حصر البول ـ قال: فنوديت: لو سألتنا بكل أنبيائنا ورسلنا ما حجبناك، ولكن سلنا أن نقويك ـ لأن من يحبه ربنا يدله على الأفضل والأحسن.

فيقول: فسألتُ الله تبارك وتعالى أن يقويني، فشهدتُ بالعينين المشهدين فأصبح أبو العينين، عين الرأس ترى الكائنات، وعين القلب ترى النور الساطع المنبث في هذه الكائنات، وهذا كله في حال واحد وهذا هو العجب العجاب الذي يحدث للأكابر من الأوتاد الأنجاب والأقطاب، يعني أنا أرى هذا وهذا، وبيننا لا يظهر إلا بالعبودية والذل والانكسار والتواضع لأن هذا رداء حبيب الله ومصطفاه.

فلا يفتخر علينا ولا يتباهى في وسطنا ولا يدل على أنه يرى ونحن لا نرى، لا فلا شأن له بهذه الموضوعات، فقد فات هذه المقامات كلها وأصبح على قدم الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلَّم.

فالبصر الذي إذا نظر ينظر بنور الله إلى نور الله المنبث في خلق الله، ولا يوجد مؤمن ليس له نصيب في هذا المقام، حتى قال حبيبنا صلى الله عليه وسلَّم حتى نفرح كلنا:

(إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله).

وفي رواية يرويها الإمام الترمذي رضي الله عنه:

(.... فإنه ينظر بنور الله، وينطق بتوفيق الله).[2]

حتى النطق أيضاً يكون موفق فيه، ولذلك يكون حكيماً قلما يُخطئ لأن الألفاظ تخرج ومعها العناية الإلهية والإكرمات الربانية من الله عز وجل.

ولو لاحظت الحديث: لم يقُل إتقوا فراسة المحسن، ولكنه قال: المؤمن، فكيف يكون المحسن؟ المحسن في الحديث الآخر القدسي الذي يقول فيه سيدنا أبو هريرة وفي كل كتب الصحاح وفي البخاري ومسلم له أكثر من رواية:

(...... كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها).[3]

وهل هذا مثل هذا في المقام؟ لا.

وهذا المقام الذي سيدنا رسول الله ربنا قال له فيه:

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ (38مريم).

لا تسمع لنفسك أنت، ولكن إسمع بالله وأبصر بالله سبحانه وتعالى، لأنه وصل إلى مقام المعرفة التامة بالله سبحانه وتعالى.

فما بالنا بالموقن؟

فهذا مقام لا يُباح في كلام، لأنه لا يتذوقه جميع الأنام، وإنما غاية ما يُقال فيه:

[إصحب أهله وذُق تعرف].

والقلب طبعاً يدرك كل ما غاب عن العين، من يرد أن يرى عالم الملكوت، بماذا يراها؟ بالقلب:

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ (75الأنعام).

الملكوت يعني الشيئ الذي لا يُرى بعين الرأس، وهل هو وحده؟ لا:

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75الأنعام).

فالموقنين كلهم يصلون إلى هذا المقام، وكل شيئٍ في الوجود له مُلك وله ملكوت، الملك هو الظاهر الذي تراه العين، والملكوت هو الباطن الذي لا يراه إلا عين القلب وعين الفؤاد، فكل شيئٍ تراه حتى الجمادات وحتى النباتات، أليس كل شيئٍ في الوجود يسبح الله؟

فهل الأذن تسمع التسبيح؟ لا ـ أُناسٌ معدودون هم الذين يسمعون، وحضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم لما ضرب لأصحابه المثال، أمسك بحفنة من الحصى ـ يعني الزلط الصغير ـ فسبحت في يده والكل سمع التسبيح، ثم وضعها في يد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، فسبحت في يده والكل سمع التسبيح، وفي يد سيدنا عمر كذلك، وفي يد سيدنا عثمان كذلك، وفي يد سيدنا علي كذلك.

يقول صاحب الرواية سيدنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه:

ثم وضعها في أيدينا فلم نسمع لها تسبيحاً ـ يريد أن يعرفنا أن من وصل إلى هذا المقام هؤلاء فقط، ولذلك سألهم:

كيف حالك يا أبا بكر؟ قال: ما نظرتُ إلى شيئٍ إلا ورأيتُ الله قبله.

كيف حالك يا عمر؟ قال: ما نظرتُ إلى شيئٍ إلا ورأيتُ الله بعده.

كيف حالك يا عثمان؟ قال: ما نظرتُ إلى شيئٍ إلا ورأيتُ الله فيه.

كيف حالك يا علي؟ قال: ما نظرتُ إلى شيئٍ إلا ورأيتُ الله قبله وبعده وفيه.

ولذلك يقول عن نفسه هذا الرجل:

[لو كُشف عني الحجاب، ما ازددتُ يقيناً].

يعني أنا أرى ما رآه من كُشف عنهم الحجاب، فلا يفرق معي لو إنكشف الحجاب فلن أزيد يقيناً.

طبعاً أغلب الناس الذين يعيشون في الدنيا لا يُكشف عنهم الحجاب إلا لحظة الخروج من عالم الدنيا:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22ق).

لكن الناس المخصوصين الذين يريدون أن يكونوا من الثُلة المباركة حول أمير الأنبياء والمرسلين، والذين ـ أنتم والحمد لله منهم أجمعين ـ فهذا ليس عنده صبر أن يعيش في الدنيا في هذا الحجاب، يريد أن ينكشف الحجاب في لمح البصر، حتى يتمتع بهذا الجمال المهاب للعلي الوهاب عز وجل.

كان يقول في ذلك الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه:

أبداً إلى هذا الجمال حنيني    لا صبر لي حتى تراه عيوني

يريد أن يصل إلى مقام:

﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3البروج).

يريد أن يدخل في مقام المعرفة اليقينية، أي معرفة اليقين، وهذه المعرفة تحتاج إلى تجهيز ثالث المعرفة التي أعطاها لنا رب العالمين وهي القلب، والقلب ليس الجزء الذي في الإنسان وفي الجزء الشمالي من الجسم الذي يتلقى الدم، ويأخذ منه ثاني أكسيد الكربون ويعطيه الأوكسجين، ويضخه مرةً ثانية في أجزاء الجسم عن طريق الأوردة والشرايين، لأن هذا القلب موجود في كل الكائنات، هل يوجد حيوان ليس له قلب من هذه القلوب؟

أبداً كله موجود، لكن هذا القلب حقيقة معنوية إلهية لا يدري سرها ولا ينكشف أمرها إلا بإذنٍ من رب البرية.

هي الواسطة بين حقائق الإنسان، وبين جسم وهيكل ومباني الإنسان، فهو جسم، وهل هذا الجسم يتحرك من تلقاء نفسه؟

لا بل يُحركه المحرك سبحانه وتعالى لأنه هو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وهذا الجسم لماذا يتحرك؟ بإشارة من العوالم العلوية التي فيه، لأنك فيك عوالم علوية.

تسمع خطرة في داخلك: هيا بنا لنُصلي، هذه الخطرة التي خطرت عليك لو جئنا بكل أشعة الوقود وكشفنا على هذا الجسم، فهل يوجد مكان يُخرج كل هذه الخواطر من الجسم؟ لا يوجد.

هذه العلوم التي تسمعها حالياً وتُسجَّل فيديو، أين هذه الشرائط في الجسم التي فيها هذه العلوم؟ وتأتيك في لمح البصر.

فعندما تقابل شخصاً يقول لك: ألا تتذكرني؟ أقول له: نعم أتذكرك فقد قابلتك في المكان الفلاني، وقلت لك كذا وقلت لي كذا، فأين هذه المعلومات؟ هل يوجد مكان في الجسم فيه هذه المعلومات؟

لا ولكن توجد حقيقة نورانية ربانية جعل فيها الله كل الحقائق الإنسانية، وهذه الحقائق هي التي بها الإنسان له وزنٌ وكيان عند حضرة الرحمن سبحانه وتعالى.

هذا القلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وضع يدنا عليه وقال: السبيل إلى تمام معرفة الله، والسبيل إلى النجاة يوم لقاء الله، والسبيل إلى كل خيرٍ تريده لنفسك ولغيرك في هذه الحياة، هذا القلب:

(ألا إن في الجسد لمضغة ـ ولم يقُل في الجسم، لأن كلام ربنا والنبي كلامٌ دقيق، فالجسد غير الجسم، لأن ربنا يقول في القرآن:

﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ (8الأنبياء).

فهذا الجسد لا يأكل طعامنا هذا، لأنه حقيقة أُخرى غير الحقائق الأرضية التي نعيش فيها:

﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ (8الأنبياء).

هذا الجسد صورتك الحقيقية التي معها جواز مرور لكل العوالم العلوية، ومعها جواز عبور لكل الكائنات الصلبة الأرضية، وإليك مثال صغير لها:

أنت تنام في حجرتك ومُغلق الباب والناقذة أو النوافذ، وترى نفسك في المنام، فأنت نائم فكيف ترى نفسك؟ هي صورتك الحقيقية وحقيقتك التي رأيتها في المنام ولكنك تراها على قدرك.

هذه الحقيقة أحياناً تتركك نائماً وتصعد وتسافر، أحياناً تسافر إلى بيت الله الحرام وتطوف حوله وتسعى، وتقابل أناس هناك يحجون ويحدث وقائع.

وأحياناً تذهب للمدينة المنورة، وأحياناً تذهب لعالم الجنة وترى أيضاً بعض المناظر الجنانية، ويتعرف على بعض الأماكن التي يسكنها المتقون والمقربون في العوالم الجنانية، والتي منها يعرف عنوانه أيضاً هناك، لأنه لابد أن يعرف كل واحد أين عنوانه في الجنة؟ حتى إذا ذهب إلى هناك لا يتوه ولا يسأل، وتستيقظ من النوم تجد الجسم كما هو، فمن الذي ذهب؟

حقيقتك هي التي ذهبت، وهي الحقيقة الإنسانية التي أنت بها إنسان.

طبعاً أنا لا أستطيع مهما آتاني العلي الوهاب من دقة التعبير، ومن غزارة الألفاظ أن أصفها، لكن أنت إذا اتقيت الله وأصلحت بينك وبين مولاك، تستطيع أن تشعر بها وتصطحبها وتعقل ما تشاهده من مناظر وما تتلقاه من معارف، وما تقابله من ملائكة وأنبياء ومرسلين وغيرهم، هذا الكلام سهل ويسير إذا بدأ الإنسان الجهاد، جهاد في تصفية القلب وتطهيره للعلي الكبير عز وجل.

ولذلك أنا أهمس همسة بسيطة في أُذن إخواني الحاضرين والسامعين أجمعين، لأن آفة هذا العصر الذي أنتشرت فيه كالنار في الحطب، أن الناس يريدون أن يأخذوا المنح الإلهية والعطايا الربانية بدون جهاد، فكيف يتأتَّى هذا؟ القاعدة التي أسسها الله وترجمها الصالحون:

[لا عطية إلا بعد بلية، ولا منحة إلا بعد محنة].

فلابد للجهاد يا إخوانا:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (69العنكبوت).

سُبلنا يعني الطرق الموصلة إليها، لأن كل واحد منا له طريق، ولن ندخل كلنا من طريق واحد.

والشيخ أبو العباس المرسي كان يزيد عن ذلك فيقول:

[لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق].

فانظر كم لك من الطرق تصل بها إلى الله سبحانه وتعالى حتى يكون لله الحجة البالغة، فلا تأتي يوم القيامة وتجد لك عُذراً في أنك لم تبلغ مقام معرفة الله اليقينية الشهودية التي طلبها الله عز وجل منا في محكم الآيات القرآنية. وتحتاج فقط منا كلنا:

غُض عين الحس واشهد بالضمير      تشهداً يا صبُّ أنوار القدير

فالجسم حالياً له آلاته، والقلب له أدواته، فطالما آلات الجسم شغالة في الكون عمالة تحصَّل، فالقلب يسكن ويستكين، ومتى يتحرك؟ كما قلنا حالاً في المنام، ولكنه أيضاً يتحرك فيما تعمله أنت في اليقظة.

يعني لو كنت في طوال النهار في مجالس قيل وقال وفلان وعلان، ففي المنام هل أرى حضرة النبي؟ لا يجوز، أريد الأدوات الداخلية القلبية تتيقَّظ وترى، فلابد أن أغضُّ عين الحسِّ، وأقلل السمع للكلام حتى لا أتعرض للملام، وأمسك اللسان فلا ينطق إلا بما يحبه الرحمن، وأمسك هذه الجوارح بعصا الشريعة، وهذه غنماتك ورعيتك:

(كلكم راعٍ وكلم مسئول عن رعيته).[4]

وأول راعٍ لك هي جوارحك، السمع والبصر واليد والرجل والفرج والبطن، فهذه كلها رعيتك وأنت المسئول عنها.

﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَأُ عَلَيَهَا وأَهُشُّ بِهَا عَلَىَ غَنَمِي ﴾ (18) (طه).

يعني عصا الشريعة ـ أراقب بها غنمي، فإذا نظرت عيني إلى شيئ أقول لها: تعالي هنا لا تنظري:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (30النور).

والأُذن تريد أن تتصنت هنا أو هنا أو هنا، أقول لها: إلى أين أنتي ذاهبة؟ هل تسمعي الحق أم تسمعي الخلق؟ فلا ينفع الإثنين معاً، تعالي معي حتى نسمع الحق.

فلابد في بداية الجهاد أن أهُش على غنمي، وأهش يعني بالراحة وباللطف وباللين، فلن أركب سبيل بعض المجاذيب في الشدة، لأننا لن نستطيع أن نتحمل، فالمجذوب يكون محمولاً فلا يدري ما يحدث له، لكنني صاحي فآخذهم بالرفق وباللين إلى أن يكون الإنسان مشغولاً بالكلية برب العالمين سبحانه وتعالى.

فإذا نام فعلى الفور يخرج من عالم الدنيا، ويذهب إلى عالم الملكوت، أو يذهب لعالم الجنان، أو يذهب لعالم الرضوان، أو يذهب لجمالات النبي العدنان، أو يدعوه لزيارة الأنبياء والمرسلين ذوي المقامات الحسان، ويشرحوا له ويدردشوا معه ويتحدثون معه.

فبالله عليك من سيكون في الليل اليوم يدردش مع جماعة من السماء الثالثة، وغداً مع جماعة من السماء السابعة، وبعده مع سيدنا نوح، وبعده مع سيدنا لقمان، فهل هذا يرجع لعالم الدنيا ويستمع لمن في الأكوان؟

فلابد أن تبدأ الحكاية هكذا يا إخوانا، لكن تريد أن تصل لهذا المقام بدون هذا الجهاد لا يكون:

تريد بأن ترى حســــــــــــناً وترقى   بلا حربٍ شديدٍ لا يكون

حرب مع النفس والجوارح وليس مع الناس:

                فمن رام الوصــــــــــال إلى جنابي    أصفيه وفي هذا فتـــــــــــــــــــــــون

               تمسك إن أردت القرب مني    بسنة أحمدٍ فهو الركن الركين

وبعض السادة المريدين ـ وعاملين نفسهم فهلوية وشاطرين شوية، فيقول: أنا لا أتقدم ولا أرتقي لأنني شايف أن الشيخ غضبان عليَّ وزعلان مني ولا يحبني.

وهي مصيبة في عالم السالكين والسائرين في طريق الله، فلم لا يحبك الشيخ؟ إذا كنت أنت محبوب لله، ولا يدخل في هذا المجال إلا المطلوبين والمحبوبين لحضرة الله، فإذا زعل منك فلا يزعل منك ولكن يزعل من الأفعال التي تعملها وأنت راضٍ بها، وهي تبعدك ولا تقربك، وهي التي تؤخرك وهي التي تجعلك في تخلف إلى ما شاء الله، وهو يريد أن ينقذك ويأخذك في أقل من لمح البصر.

لكن ماذا يحدث هنا؟ ومن السالك الذي يمشي على الدوام على البراق؟

الذي يمسك النفس، ويقول للشيخ: هذه نفسي أنا سلمت فافعل فيها ما تريد حتى آخذ ما أريده.

فإذا كان متمسكاً بنفسه ويريد أن يُظهر نفسه ويكون اليوم شيخ، وبعده يكون له مريدين، وبعده يكون له كرامات، فهذا يحتاج إلى أن يذهب لروضات العارفين ليتعلم أصول طريق الله سبحانه وتعالى، وهل يوجد واحد يريد أن يسافر إلى الله ويكون فيه بقية من النفس جواه؟ مستحيل يا إخوانا:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ـ وليس الخوف من جهنم هنا ـ ولكن الخوف من:

ـ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) (النازعات).

فالجنة هنا وهي جنة المعارف وجنة القرب وجنة الوُد وجنة الكشف وجنة المشاهدات فعلى الفور، فإن الجنة هي المأوى له، فتجده في جنة من هذه الجنان الحسان التي ذكرها الرحمن سبحانه وتعالى.

أنا لا أريد أن أُطيل عليكم فالحديث طويل، ولكنني أردتُ أن أُذكر نفسي وأُذكركم، إياك أن تنسى الغاية التي هي من جملة الغايات التي من أجلها أوجدنا الله في الدنيا:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانْسَ ـ هل ليأكلون؟ أم ليشربون؟ أم على الخلق يتسلُّون؟ لا

إِلا لِيَعْبُدُونِ (56الذاريات).

فسيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال:

ليعبدون يعني ليعرفون، يعني خلقنا لحكمٍ كثيرة موجودة في القرآن يضيق الوقت عن عدها فضلاً عن شرحها، لكن أهم غاية "لنعرفه" ومن خرج من الدنيا ولم يعرف الله المعرفة اليقينية والمعرفة الشهودية، فماذا يكون قد عرف من الدنيا؟

يسألون الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه:

أتتمنى أنك متُّ وأنت طفلٌ صغير، قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأنني عشتُ حتى عرفت الله تبارك وتعالى.

فقد جئنا هنا والغاية الأعظم هي أن نعرف الله، وليس خلق الله، وبعد أن تعرف الله هو سيعرفك بخلق الله ولن يضروك، ولا يُؤخروك، ولا يستطيعوا أن يؤذوك لأنك عرفتهم بالله، فإذا عرفت الله الدنيا تجري وراءك، فالخلق كما ترون في الوجود كله هم الذين يجرون وراء الدنيا ولا يحصلون شيئاً، لأنها أخذت الأمر بذلك:

(من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه).[5]

يجرون وراءها ومنهم من يُرد السمعة ومنهم من ُرد الشُهرة، ومن يرد المال ومن يرد المنصب ومن يرد كذا، ومن يرد كذا ولم يأخذوا شيئاً ويتحسروا.

والجماعة الذين عرفوا الله فالدنيا تقبل أقدامهم وتأتي لهم بكل ما تشتهيه الأنفس وهم يقولون: لا نريد إلا الله، فمن كان معه الله فماذا يريد من الله سبحانه وتعالى غير هذا؟

ولذلك الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه ضرب للدنيا مثلاً يحدث معنا كلنا، فماذا قال؟ قال:

[لو كان ظهرك للشمس، فيكون ظلك أمامك، يجري وأنت تجري خلفه فهل تُحصله، ولو كان وجهك للشمس، فيكون ظلك خلفك فأنت تجري وهو يجري خلفك، فقال: هي نفس الحكاية].

فمن كان وجهه للشمس الكلية المحمدية فالدنيا كلها بما فيها ومن عليها تجري خلفه ولا ينظر إليها، فكانت الدنيا تقول له: يا رسول الله أنظرني، فلم ينظر إليها ولم يلتفت إليها صلى الله عليه وسلَّم.

ومن يجعل الدنيا أمام عينيه والحضرة المحمدية والشريعة الإلهية خلف ظهره، تأتيه الأطماع الفانية والآمال الكاسدة في الدنيا وتتشعب به الأمور، ويجري هنا فلا يحصل ويجري هنا وهناك فلا يلحق، ويظل هكذا حتى يأتيه الموت فيقول: يا رب أتركني شوية حتى أرجع أعمل العمل الصالح، فيقول له: لا فأنت لا تنفع معنا.

فيطلب أنه يتركه ولو للحظات حتى يعمل ما يُصلح حاله عند ربه تبارك وتعالى.

فالإنسان طالما يا أحباب مع الله، فالوجود كله طوع أمره وخلف ظهره ومُسخَّرٌ له بإذن الله، واسمعوا في ذلك إلى أمر الله:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ ـ لهؤلاء الجماعة ـ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ (13الجاثية).

فالكل مُسخر لك، لماذا؟ لأنك سخرت نفسك لله سبحانه وتعالى.

ولذلك نصيحة بسيطة أيضاً أهمس بها في أُذن إخواننا الذين يتمنون أن تكثر أموالهم، والذين يتمنوا أن يظهروا في عالم الدنيا ويشتهروا، والذين يتمنون أن تتحقق آمالهم وحظوظهم، فأحسن طريق لهذه الأمور وأسرع طريق أن تتوجه إلى الله، فيُحول لك كل هذه الأمور لأنها في يديه.

لكنك بنفسك ماذا تفعل؟ فتظل تتمنى هذا الشئ ولا تأخذه فتتحسَّر، وتتمنى الآخر فلا تحصله فتندم، فما الذي يجعلك في هذه السكة؟ وخذ سكة الصالحين وتكون مع الله وتتاجر مع الله، فتجد كل أمرٍ وكل شيئٍ وكل شأنٍ في الوجود مُسخرٌ لك بإذن الله.

ويمكن ربنا سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثلة حية في هذا المقام بالصالحين في كل زمانٍ ومكان، ويمكن بعضكم لاحظ هذا في هذا الزمان، يتجهون إلى الله بالكلية كما نرى، فكل ما نبتغيه نحن ـ لن يخطر على بالهم ـ أخذوه وزيادة، من أين؟ من فضل الله:

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21الحديد).

أسأل الله سبحانه وتعالى سبحانه وتعالى أن ينور بصائرنا وأن يمسك علينا جوارحنا، وأن يكشف لنا كل ريبٍ وكل غينٍ وكل بين، حتى تقع العين منا على العين، وحتى نكون من الذين يقول الله تبارك وتعالى فيهم:

﴿ إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128النحل).

الأســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــئلة

إذا كان أحدٌ منكم معه سؤال قد خطر على البال وليس مجهزهه، فليس عندي مانع.

سؤال: هل ذكر المؤمن لأعمال الخير التي عملها تنقص من أجره؟

الجواب:

نحن قلنا يا أخي هذا الكلام، وأنا لا أُحب أن أتحدث عن نفسي، فالإمام أبو العزائم قال:

[إذا رأيت الرجل يشطح في الحديث عن أسرار مزيته، فاعلم أن ذلك نقصٌ في مقام عبوديته].

هذا الرجل الذي أمامك ألم يكن مدرساً فقيراً؟ ولا يُعطي دروساً، ولا له ثروة ولا شيئ، ولكنه ظل مع الله، فمكنني الله وجعلني مديراً بدون واسطة ولا رشوة ولا شيئ، ولكنه إعزازٌ من الله سبحانه وتعالى.

وكل ما كنا نطمح فيه أعطانا الله أضعافاً مضاعفة من عنده، فقد كنا نطمع في زاوية صغيرة نُصلي فيها مع بعض، وليس مبنى كهذا المبنى الذي تم بأمر الله وبإذن الله وبفضل الله سبحانه وتعالى، ومن تمام فضل الله تعالى أنه ليس لأحدٍ علينا فيه منة، والمنة كلها لله تبارك وتعالى.

والأبناء أكرمهم الله عز وجل كما تعلمون مع أنني كنت مشغولاً عنهم، وهكذا في كل أمر تيسير في الدعوة هنا وهناك، فلم أطلب في حياتي أن أظهر في محطة فضائية ولا تلفزيون ولا غيره، وهم الذين يتنافسون علينا الآن والحمد لله، ونحن نتدلل لماذا؟ لأنها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

وهذا ما قلته أن ربنا يقيم رجالاً لله نموذجاً، حتى يكونوا حجة على أهل زمانهم ولا أحد يكون له حجة، فتكون لله الحجة البالغة.

فأي فرصة تلوح لي أٌقدم فيها، سواء للدنيا أو للآخرة، ولكن أقدم فيها كما قال صلى الله عليه وسلَّم:

(أطلبوا الحوائج بعزة الأنفس).

فلا أذل نفسي لإنسان، ولا أتذلل لأحد ليتوسط لي، ولا أحزن إذا فاتتني إن كان فيها خيرٌ لي فستأتيني، وإن لم تأتني فيعلم ربي أنها ليس فيها خير لي، وهذا حال المؤمنين في كل أمرٍ من الأمور إن شاء الله.

سؤال آخر:

هل يجوز الدعاء على من ظلمه؟

الجواب:

نحن لنا أُسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فآذاه أهل الطائف وآذاه أهل مكة، فلم يدعو على أحد منهم، فنزل ملك الجبال مع سيدنا جبريل وقال له: هذا ملك الجبال فمُره بما شئت فإنه طوع أمرك، فقال صلى الله عليه وسلَّم عندما قال له ملك الجبال: إن شئت أطبقتُ عليهم الأخشبين ـ يعني جبلين في مكة ويموتوا كلهم ـ قال له:

 (إني أطمع أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله تبارك وتعالى).[6]

ففي غزوة أُحد ضربوه فنزل ثنيتيه الأماميتين، فقال له أصحابه: أدعُ عليهم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(لم أُبعث لعاناً وإنما بُعثت رحمة).[7]

وقال لي ولك ولنا جميعاً:

(لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم، فعسى أن تُستجاب الدعوة فتندموا).[8]

فكيف تدعو وقد قال: لا تدعو على أحدٍ أبداً، فندعوا له بالهداية، وندعوا له أن يُرد إلى الصواب، وندعوا له أن يرجع له عقله ويُحسن التصرف في الأمور، لكن لا يوجد مسلم أبداً يدعو على مسلم أياً كان مهما آذاه، فإنه يقول لنفسه: مهما آذاني فإنه لم يبلغ أذية أبا جهلٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

وإذا كان رسول الله لم يدعو على أبا جهل، أأدعو على أخي المؤمن؟ بل أدعو له بالهداية وبالصواب، فدائماً أقول: اللهم ردَّه إلى صوابه، أو اللهم أصلح له حاله، فهذا أمر المسلمين أجمعين.

فعلى من ندعوا؟ على اليهود ماشي، أو على الكافرين الذين يحاربوننا ماشي، أو المشركين بأن يهتدي ويكون في صفوف المسلمين.

هذا الأمر بالنسبة لسيدنا رسول الله وللصحابة المباركين والصالحين إلى يوم الدين.

 وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم


[1] صحيح البخاري عن حنظلة بن أبي سفيان رضي الله عنه

[2] القرطبي والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهرضي الله عنه

[3] البخاري وأحمد بن حنبل والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ـ متفق عليه

[5] في الحلية لأبي نعيم عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه

[6] مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها.

[7] الإمام مسلم عن أب هريرة رضي الله عنه.

[8] أبو داود عن جابر بن عبدالله الأنصاري.

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي