Advanced search

فتاوي Related

  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ؟

    More
  • ما حكم قطيعة الرحم؟

    More
  • تثبيت الفؤاد سوره هود 120-123

    More
View all

New الفتاوي

  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ؟

    More
  • ما حكم قطيعة الرحم؟

    More
  • الميراث للبنات

    More
اعرض الكل

Most visited

  • ما الدعاء الوارد عن رسول الله فى ليلة الاسراء والمعراج؟

    More
  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ؟

    More
  • ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن لربكم في أيام دهركم نفحات‏؟

    More
View all

ما معنى قوله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون

Visits number:131 Downloads number:6
Download video Watch Download audio Listen
ما معنى قوله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



"يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ" (5السجدة).

 ما المقصود بيعرج إليه؟ ولم يُوجد تفاوت زمني كبير بين العروجين في الآيتين؟

يدبر الأمر: وهذا في عالم التدبير فالأوامر التي يصدرها رب البرية لتدبير الكائنات من أين تنزل؟ هل من السماء أم من الأرض؟

تنزل من السماء فيُدبر الأمر في السماء ثم يعرج فيها بعد أن يُنهي مهمته وهي ملائكة التدبير ولهم وظائف، فكل واحد منهم يطِّلع على اللوح المحفوظ فيجد لوحه مُجمَّلٌ بالرموز وتحتها كنوز خصَّه بها من يقول للشيئ كن فيكون.

فينزل لكي يقوم بهذه التدبيرات الإلهية، وبعد أن يُنهيها يرجع مرةً ثانية لأنهم ملائكة التدبير، لكي يأخذ أمر شغل آخر لينفذه.

ولذلك الجماعة الكتبة الذين معنا لا يصعدوا ولا ينزلون لماذا؟ لأنهم في الأرض ويظلون معك، وأمر شُغلهم هو أنت فقط:

"كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ" (12) (الإنفطار).

ولم يقل يكتبون لأن كل شيئ مكتوب.

"وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (96الصافات).

فهو يراقب الأقدار ,,,,,: عمل كذا وكذا وكذا، وبعد أن يُنتهي يصعد ويقولون: يا رب أنهينا مهمتنا ـ كما أفصح حضرة النبي وبين صلوات ربي وتسليماته عليه، وهل لهم مهمة أُخرى؟ فيقول الله تعالى:

(سماواتي مملوءة بملائكتي كما ترون ـ وهل فيه حتة فاضية؟ ـ وأرضي مملوءة بملائكتي كما تعلمون، ولكن اذهبوا إلى قبر عبدي فسبِّحوني وحمِّدوني وهلِّلوني وكبِّروني إلى يوم القيامة واجعلوا ذلك كله في صحيفة عبدي).

لأن شغلكم مع هذ الرجل فاذهبوا إلى قبره وتظلون شغالين بالنيابة عنه وكل هذا يذهب لرصيده:

"فَضْلا مِنَ الله وَنِعْمَةً وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (8الحجرات).

وهذا غاية الإكرام من الله عز وجل لنا، فعمل الملائكة لا يُردُّ، وعملي جائزٌ يُرد، وجائز لا وقد ينال القبول وجائز يكون فيه عيبٌ ولا يستحق أن يُلقى به في وجه صاحبه ليس فيه إخلاص وفيه رياء أو سُمعة، لكن عمل الملائكة لا يُرد.

فيعطيك عملاً لا يُرد إلى يوم القيامة وكله في صحيفتك، ناهيك عن أن الملائكة لا تنام ..

الملائكة لا تنام ولا تأكل ولا تشرب ولا تتزوج، فإذا أستخلصتَ لنفسك في طاعة الله في اليوم والليلة ساعة فتكون قد أحسنت، لماذا؟

الملائكة لا تنام ولا تأكل ولا تشرب ولا تتزوج، فإذا أستخلصتَ لنفسك في طاعة الله في اليوم والليلة ساعة فتكون قد أحسنت، لماذا؟

لأنك مشغول فثُلث اليوم والليلة في النوم ومثلهم في الأكل أو المصالح، ومثلهم في اللهو واللعب لكن الملائكة ليس عندهم ذلك فوقتهم في عبادة الله عز وجل، وكل ذلك يُسجَّل في صحيفة العبد يوم القيامة.

لكن ملائكة التدبير يأخذون أمر تشغيل وينزلون به وبعد أن يُنهوا أمر التشغيل يعودوا مرةً ثانية ليستلموا أمراً آخراً من العلي الكبير.

فهلاء إسمهم: التدبير:

"يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ" (5السجدة).

وعروجه في هذا اليوم

"فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ" (5السجدة).

لكن الروح ـ وهنا ربنا يُعرفك منزلة الإنسان الكامل والأكمل عند حضرة الرحمن ـ فالروح الكاملة التي قال فيها:

يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده وهي خاصة بك أنت، فإذا كمُل العبد في المقام ألقى الله عز وجل عليه روحٌ منه:

"يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" (15غافر).

هذه الروح أعطاها الله من القوة الربانية والصلاحيات العُلوية والأرضية أنها تستطيع أن تعُرج إلى السماوات العُلى إلى حيث لا حيث في النفس الواحد ما يُعادل عروج غيرها من الملائكة وغيرهم في خمسين ألف سنة.

وذلك لكي نعرف قدر العبد الرباني والعبد الذي تجلَّى عليه الله بإحسانه، وأفاض عليه من حنانه ونعرف أن معه قدرات لا يستطيع إحصائها أحدٌ من الأولين والآخرين.

والإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه كان من جملة هؤلاء الرجال، فكان يقول:

إن قلتُ أني عبـــــــــــــــدٌ      صدقتُ فيما أقـولُ

أو قلتُ أنــــــــــــــي ربٌ      فأنا الظلوم الجهـول

أو قلتُ أني بحـــــــــــــــــــرٌ      فالبحر شيئٌ قليـــلُ

أو قلتُ أني بـــــــــــــــــدرٌ      فالبدر مني جميــــــــلُ

شيئٌ ولا شيئ فافهم      منه به عليه الدليـلُ

وكان هو في هذا الوقت واقفاً بجوار جبل فقال:

الكون شرقاً وغــــــــرباً      إن مال عني يميــــــــلُ

فنظروا فوجدوا الجبل يهتَّز معه وهو يُردد يميناً يساراً:

الكون شرقاً وغـــــــرباً      إن مال عني يميـــــــــلُ

أُديــــــــره حيث شئتُ      بهمةٍ لا تحــــــــــــــــــــــــولُ

فرد الوجود يقينــــــــــاً      وبنا يكون الوصـــول

الإمام أبو العزائم الكلام عنه لا ينتهي، فنحن نأخذ فقط ونركِّز عليه ما ذكرناه بالأمس في القُدوة والدعوة فقد وصلنا إلى أنه ذهب إلى وادي حلفا وكيف كان يجلس في الخمارات ليأخذ الناس من الخمارة ويشدهم ويُدخلهم بيت الله عز وجل، وليست الدعوة في المساجد، ولكن الدعوة في الخمارات، وكان يأخذهم واحداً تلو الآخر فيجلس مع أحدهم بمفرده ويتكلم معه بُلطفٍ ولينٍ ويستعين بالله في الدعاء فربنا يلينه له ويهديه ويأخذه إلى المسجد.

بعد ذلك طلبت كلية الشريعة في الخرطوم أستاذاً للشريعة فتقدَّم وعمل أستاذاً للشريعة وكان إسمها: "جامعة غُردون" باسم القائد الإنجليزي الذي كان هناك.

وراح الخروطم نفسها وعاش بها وأخذ يُحيي المساجد الكُبرى فيها بما فتح الله عز وجل به عليه، ففي المسجد الكبير كان يشرح فيه تفسير القرآن الكريم، والخرطوم يُسمونها "العاصمة المثلثة" لأن فيها الخرطوم البحري والخرطوم قبلي وفيها أم دُرمان، ثلاث بلاد يكوِّنوا الخرطوم.

فالمسجد الكبير كان يشرح فيه البخاري، والمسجد الكبير الثالث كان يشرح فيه الحِكَم لسيدنا أحمد بن عطاء الله السكندري ـ وللأسف كل هذه العلوم كلها شبه ضاعت وغير موجودة ـ فهذا تراثٌ أضاعه ناقلوه ولم يحافظوا عليه، وهذا أيضاً لحكمة إلهية يعلمها رب البرية عز وجل.

وفي هذا الوقت كان الإنجليز يحكمون مصر والسودان، وكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت تركيا واقفة ضد تحالف الإنجليز والفرنسيين ومن معهم، فكانت تركيا مع إيطاليا ومع ألمانيا تقريباً فكان هؤلاء حزب، وهؤلاء حزب.

فالجماعة الإنجليز وصلوا للشريف حسين وكان حاكماً لبلاد الحجاز وكان مقر حُكمه في مكة فكان يحكمها الشرفاء، الشريف حسين والذي من ذريته حُكَّام الأردن الآن أو ملوك الأردن فهم من ذريته.

فذهب الإجليز إلى الشريف حسين فأقنعوه بأن يعمل معهم تحالفاً ويقف معهم ضد الخلافة العثمانية وضد تركيا.

الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه يُعطينا وظيفة الداعي الإسلامي الصحيح في مثل هذه الأمور، فلابد أن يكون له دوراً في إيقاظ الوعي الإسلامي وتنبيه المسلمين إلى مكايد الكافرين والمشركين والأعداء الذين يُريدون ضُرَّاً للإسلام أجمعين.

فسافر على أنه ذاهب إلى مكة لأداء العُمرة وهو ينوي أن ينصح الشريف حسين، فذهب وقابله وطلب لقاءه على إنفراد وأوصاه ونصحه أن يقف مع الدولة العثمانية لأنها دولة مسلمة، فلا يقف ضد المسلمين ولا يستجيب للإنجليز، وفي نهاية اللقاء إتفق معه أن يكون هذا اللقاء سرِّاً لا يعرف به أحد.

وبمجرد أن عاد الإمام فالشريف حسين أذاع ما دار بينهما، فبدأ الإنجليز يضعون الإمام أبي العزائم رضي الله عنه تحت مراقبتهم، فعرفوا أنه ليس معهم بل هو ضدهم.

فحاولوا أن يستقطبوه في السودان بالهدايا وبالملاطفات وبالخطابات وبالمُغريات، ولكن هؤلاء القوم لا يخشون إلا الله:

"الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللهَ" (39الأحزاب).

فاستدعاه الحاكم الإنجليزي في السودان وقال له: لماذا تقف ضد الإنجليز؟ ولم تقف معنا؟ فقال له الإمام: هل ترضى أن تخون وطنك إنجلترا؟ فقال له: كيف أخون وطني وأنا رجلٌ مُقفق ومتعلمٌ، فقال له: وكيف أخون وطني وأنا مُعلِّم؟

فأنت علشان مُثقف ومتعلم لا تريد أن تخون وطنك، ولكن أنا مُعلم فيكف أخون وطني، فعمل الحاكم إجتماعاً كبيراً في نادي الضباط ودعا الإمام أبي العزائم فرض أن يحضره، وذهب إلى المسجد الكبير وأخذ يُفسِّر قول الله عز وجل:

"لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الاخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الايمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ الله أَلا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (22المجادلة).

فكانت النتيجة أن الإنجليز أصدروا قراراً بإقالته من وظيفته وعدم التصريح له بأي عملٍ حكومي وأن لا يُصرَّح له بأي وسيلة مواصلات تحمله أو تأذن له بالركوب فيها، وأن تُحدد إقامته في بلدته المطاهرة في المنيا وأن لا يُغادرها هو وأسرته.

فانظروا إلى جهاد الأولياء والصالحين، وكان يأخذ أموره كلها بالله، فرأى أن في هذا فتحٌ، فكان كلما نزل ببلدٍ ينزل على مسجدها ويُلقي الدروس التي تُنبِّه الناس وتعرفهم بدين الله عز وجل فهي دعوة.

إلى أن وصل إلى المطاهرة واستقر بها فربنا سبحانه وتعالى يُسبِّب الأسباب للصالحين لأنه لا يختلَّى عنهم في كل وقتٍ وحين.

وكان من الناس الذين اعتقدوا فيه واتبعوه وتربوا على يديه كان رجلاً من كبار أعيان الصعيد واسمه محمد محمود باشا، وكان قد تقلَّد رئيساً للوزراء وكان من كبار أهل الصعيد، وكان رجلاً في غاية الأدب.

لما حدث ما حدث فعمل عقد وسجله حُجَّة في الشهر العقاري بمائة فدان للإمام أبي العزائم، وقال له: يا مولانا لتُنفق منهم على الأحباب وعلى طريق الله عز وجل.

فهؤلاء هم المريدين الصادقين، ولأن الصالحين عندهم عزِّة نفسٍ كساهم بها رب العالمين، فقال له: ما هذا؟ فقال: له كذا، فقال له: أُنظر خلفي فنظر خلف الإمام أبي العزائم فوجد خزائن كخزائن البنك القومي كله، فقال له: من كان عنده هذا فهل يأخذ هذا؟ ورفضها رضي الله عنه وأرضاه.

فهذه أحوال الصالحين تُعرض عليهم الدنيا فيأبوها لأنهم لا يريدون إلا وجه الله جل في عُلاه، فبعد ذلك كلَّم المسؤلين وقال لهم: أنتم لم تستطيعوا مراقبة هذا الرجل وهو في المدينة ـ وهذا مخرج لطيفٌ ـ فاتركوه يذهب للقاهرة فيكون تحت مراقبتكم مباشرةً، فتكون المراقبة أشدُّ ـ لأنهم كانوا مريدين نُبهاء يفكرون بما فيه المنفعة والمصلحة لدعوة مشايخهم.

فأذنوا له أن يأتي للقاهرة، فأحد الوجهاءـ  وكان عندهم خيراً غير أغنياء زمننا هذا، فأغنياء زماننا هذا لأنهم حصلوا على الغنى من السُحت فلا يوفقهم الله لإنفاق هذه الموال في الخيرات.

فلا يوجد توفيق لهم، فمن منهم يعمل مشروعاً خيرياً؟ لا يوجد ـ ولأن هؤلاء كانوا يجمعون هذا المال من حلال، والوراثة أشد الحلال إذا كانت وراثة.

فمنهم من كان يُنشئ معهداً دينياً أو معاهد، ومن يبني مستشفى ومن يبني مسجداً، ومنهم من كان في كل موسم يذبح ثلاثة او أربعة عجول ويوِّزعهم على الفقراء والمساكين، فكان كلهم خيرة، ومنهم من كان يُنفق على طلاَّب العلم للقرية، هنا وهنا وهناك.

ومنهم أُناٍسٌ في زماننا هذا وكانوا موفقين ولكنهم أقل من القليل، فمنهم رجلٌ كان رئيساً لوزراء لبنان وتوَّفى وهو رفيق الحريري، وكان قد أنفق على عددٍ لا يُعد ولا يُحد على أبناء لبنان حتى حصلوا على أعلى الشهادات الجامعية على نفقته الشخصية.

كل نفقاتهم كانت على حسابه لأنه كان يُوجهها إلى الخير، لكن الآخرين مساكين فقد استولوا على أرض المساكين بملاليم من الدولة وجلبوا أرضاً بقروض أيضاً من أموال الفقراء من الدولة وعملوا مشاريع وخرجوا ولم يُسددوا الديون التي عليهم للبنوك، فكانت النتيجة أنهم لا يُوفقون لإنفاقها في الخيرات أبداً.

فكان رجلاً من الأعيان كان قد وصل إلى رتبة فريق في الجيش، وكان عنده سرايا ضخمة فوهبها للإمام أبي العزائم رضي الله عنه وارضاه لتكون مقرَّاً لدعوته.

وهذه السرايا بين شارع مجلس الشعب وشارع بورسعيد والتي فيها البنايات الآن وليست مقراً المشيخة فحسب، بل المسجد ومقر المشيخة التي بجواره والشارع المواجه فهذا نصيب السيد مختار وعمله عمارة ونصيب السيد عبد الله عمله عمارة، ونصيب السيد محمد الحسن عمله عمارة، وكل واحد بنى نصيبه عمارة لأنها كانت مساحة ضخمة، وكان تدخلها العربات النقل مُحمَّلة بما يحتاجه المسلمين من المأكولات والمطعومات وكان كل العمل لوجه الله والناس كانوا يسارعون في الخيرات كلها لإعانة الصالحين على إبلاغ دعوة الله.

فاستقر الإمام أبو العزائم في هذا المكان وأكرمه الله عز وجل وعمل في جزءٍ من المبني مطبعة أسماها: "مطبعة المدينة النورة" يطبع منها كٌتبه ويطبع مجلاته، فعمل أولاً مجلة إسمها "السعادة الأبدية" وبعدها غيَّر إسمها وسماها مجلة: "الفتح" وبعدها غير إسمها وسماها: مجلة "المدينة المنورة".

وهذه المطبعة هي التي كانت تطبع المنشورات السرية في ثورة 19 لثوار سعد زغلول ورفاقه، لأنها كانت حرباً على الإنجليز أينما ذهبوا وأينما ولُّوا لأنهم لا يوجد من ظلم سكان الأرض أكثر من بريطانيا وأهل بريطانيا.

فكانت المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، وكل هذه الثروات من أين أخذوها؟ من هذه الشعوب وهذه البلاد.

القذافي كان كلامه صادق في هذه الجزئية فكان يقول: نحن نريد أن يردُّوا لنا هذه الثروات التي أخذوها منا، وهذه حقيقة فقد قامت أوروبا كلها على أكتاف من؟ على الثروات التي أخذوها من هذه الشعوب، كلهم أنجلترا وفرنسا وألمانيا وغيرهم، كلهم حتى البرتغال وأسبانيا كلهم قاموا على أكتاف هذه البلاد، فذهبوا إلى هذه البلاد واستولوا على ثرواتهم مواد خام وصنَّعوها وأصبح لهم سوقاً تجارياً.

ثم يبعيونها لهم بأغلى الأسعار، فيأخذون المواد الخام مجاناً ويبيعونها لهم بأغلى الأسعار، والمغامرين منهم هم من قاموا بإنشاء مصانع عندنا، وعبد الناصر أمَّم بعضها.

فكانت حرباً لا هوادة فيها على الإنجليز، فالإنجليز أحسُّوا بهذا الأمر فاعتقلوه وأخذوه لكي ليضعوه في قصر النيل فأصرَّ أحبابه أن يذهبوا معه، فلم يستطيعوا منعهم فذهبوا معه، فلما وجدوا أن الأمر كذلك وكلمهم بعض الأحباب الخارجيين وهم رجال السياسة، وقالوا لهم:

هذا رجلٌ ديني، والدين له حُرمته وأنتم الآن ستدفعون الناس لثورة عليكم فاضطروا للإفراج عنه.

كان في هذا الوقت الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه ـ سبحان الله ـ له إتصال بكل المجاهدين المسلمين في كل أنحاء العالم، عن طريق مكاتبات ولم يكن في ذلك الوقت غير المكاتبات فأرسل إلى الهند وباكستان، فكان في باكستان شوكت على وحسن الندوي وغيرهم، فكان على صلة بهم.

وإخواننا الذين يقومون بالثورة في المغرب عبد الكريم الفطيم وعبد القادر الجزائري وأيضا القائمين بالثورة في إندونيسيا أحمد سوكارنوا وغيره على صلة به.

وكانوا يأتون إليه سراً ليزوروه ويلتقوا به، وأحياناً إخواننا في الهند والذين يسافرون لإنجلترا ذهب إليهم سراً وقابلهم والتقى بهم وهم في السفينة ليتحدث معهم ويكلمهم لأنه رجل الدين، وليس لرجل الدين أن يتخلى عن دوره في الوطنية، لأنها مسائل وطنية وهذه المكاتبات كان يجمعها عنده في غرفته الخاصة في صندوق خاصٌ به.

ولما أحسَّ الإنجليز بهذه الموضوعات من المنشورات وغيرها، هاجموا بيته ليبحثوا عن هذه المنشورات ـ وأنظر إلى تأييد الله للصالحين ـ لأنه كان له كرسياً في حجرته وبجواره الصندوق، فجلس على الصندوق، وقال لهم: فتشوا كما تريدون وهو يجلس على الصندوق.

ففتشوا فلم يجدوا شيئاً لأن كل الوراق كان في الصندوق فانصرفوا:

"وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (40الحج).

وبعد ذلك حدث في تركيا أن كمال أتاتورك أساء إلى الدين فألغى الأذان وألغى مدارس القرآن الكريم، وألغى أجازة الجمعة وجعلها يوم الأحد، وقال: نريد أن نعيد تركيا إلى النظام الأوروبي والعلمانية وأشاع التبرُّج وأشاع الخمر وكان أصله يهودي من يهود الدنيا، وقد وصل إلى رُتبٍ في الجيش واستغل سلطته، وطرد السلطان الأخير وهو السلطان عبد الحميد آخر السلاطين العثمانيين.

ومع ضعف السلطان عبد الحميد ـ لأنه كان سلطاناً ضعيفاً ـ إلا أنه رفض أن يُعطي لليهود وعداً بوطن قوميٍ لهم في فلسطين، وحاولوا معه وأغروه بالأموال وغيرها فرفض فكانت النتيجة أن سلطوا هذا الرجل وهو كمال أتاتورك ليستولوا على فلسطين.

فالإمام أبو العزائم بدأ ينادي: يا جماعة نحن الدولة الإسلامية لأكثر من مائة سنة، وصحيح أن منصب الخلافة فقد هيبته ولم يعد للخليفة الذي يؤدي هيبةً كما ينبغي في منصبه، ولكن يكفي أنه كان جامعاً للمسلمين، فنريد أن نعيد الخلافة مرةً ثانية لنجمِّع المسلمين.

سمع بهذا الكلام الملك فؤاد فمن كان حوله قالوا له: هذه فرصة لأن تكون أنت الخليفة  وخاصة أن الدعوة من مصر، فأراد أن يتكلم مع الإمام أبو العزائم في هذا الموضوع، فأرسل رئيس ديوانه الملكي، وقال له: أن الملك يريدك، فرفض فسأله لماذا؟ فقال:

[إن قوماً فقدوا الإسلام في أنفسهم وأهليهم كيف يعطونه لغيرهم؟].

وما له وما للإخلافة الإسلامية؟ فهو نفسه لا يمشي على المنهج الإسلامي، وذهب إلى الحج ورأس زعماء العالم الإسلامي الذين كان على صلة بهم بأن هؤلاء هم القادة وعمل مؤتمراً عاماً للخلافة الإسلامية.

فجاء الملك عبد العزيز آل سعود وأراد أن يكون هو الخليفة، فلما رأى الإمام أبو العزائم أن الأمور دخلت فيها الأغراض الشخصية والأهواء الذاتية إنسحب من الموضوع وتفرَّغ بعد ذلك لدعوة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلَّم.

وبدأ بعد ذلك يضع سياحاته في كتبه وفي مجلاَّته للدعوة التي ركَّز فيها على اليقظة الإسلامية، لأن المسلمين كانوا غافلين فأراد أن ينبههم لحقيقة الدين وإلى الجمع وإلى الفُرقة التي سببها الإستعمار وغيره وغيره، فبدأ في هذا المجال وكان الله عز وجل يؤيده في ذلك وكان من ضمن الأعاجيب في هذا الباب أنه كان يرى أن الإسلام لن يكون له شأنٌ إلا إذا وضع المسلمون هذه المبادئ الثلاثة تحت أعينهم أن الإسلام هو الدين وأن الإسلام هو الوطن وأن الإسلام هو النسب.

تعجب إذا علمت أنه أملى هذه الثلاثة كتبٍ في وقتٍ واحدٍ لثلاثة كُتَّاب، فيُملي هذا صفحة ويُملي للثاني صفحة ويُملي للثالث صفحة، ويرجع مرةً ثانية للأول، لنعرف أن هذا شرابٌ من عند الكريم الوهاب عز وجل.

آفة الآفات التي كانت في هذا الزمن وفي كل زمان هي الفُرقة بين المسلمين، فوضع لها كتاباً سمَّاه: "الشفاء من داء التفرقة" لأن سبب المشاكل كلها الفُرقة، فقالوا له: يا مولانا نريد أن ندخل في الطُرق الصوفية، فقال لهم: هل تريد يا بني أن نزيد الطُرق طريقة؟ فهي طريقة واحدة إلى الله:

"وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ" (153الأنعام).

فسجلها كجمعية وأسماها: "جمعية آل العزائم" فمن أضطروا لتسجيل الطريقة أمرٌ حدث وكان أمراً غريباً، فكان للإمام أبي العزائم أخاً أصغر منه وكان اسمه محمود، وكان قد جُذب إلى الله عز وجل وكان في المطاهرة، فوصل به حال الجذب إلى أن الإمام أبو العزائم وهو في السودان كان يُملي القصيدة، فيُمليها محمود على إخوانه في الوقت والحال.

وفي حالة الجذب هذه حدث له حالة وله فأُخذ ولم يدري بالدنيا من حوله ولا المظاهر، فيأتي شهر رمضان فيُفطر، ولا يُصلي عند وقت الصلاة، فحاول الإمام أبو العزائم أن ينصحه مرة وإثنين وثلاثة، فلا فائدة.

والمصيبة أن الناس يميلون إلى متابعة هذه الأصناف والذين يُيِّسرون لهم الحكاية فلا يريد أن يُصلي ولا يصوم ولا شيئ ويريد أن يدخل الجنة بغير حساب وهي مصيبة كبيرة، فوجد حوله هؤلاء، فذات مرة قال له: يا محمود أأتركهم مؤمنين وأرجع أجدهم كافرين؟

هؤلاء كفار يا بني ـ فلما زاد الأمر ولم يجد فائدة وهذا ما إضطره إلى أن يُسجل هذه الطريقة الصوفية ـ ولذلك سجلها قبل وفاته بسنتين، سجَّلها ليُعلن البراءة من أفعال هؤلاء لأنهم كانوا منتسبين إليه، يعني تابعين لأبي العزائم ولأنه محمود كان يقول: أنا أخوه ـ ولأنهم أساءوا إلى الدين وأساءوا إلى الله عز وجل.

ومازال منهم بقية هناك في المطاهرة إلى وقتنا هذا، ويمشون على الباطل إلى الآن ـ وللأسف فقد ذهبت إلى هناك ذات مرة ـ فرأيتهم قد صنعوا له ضريحاً كبيراً جداً جداً جداً وعندهم عقيدة أن محمود هذا سيُبعث في آخر الزمان، يعني كمثل المهدي المنتظر.

وسبحان الله الباطل ربنا يمُدُّه فأرسل لهم رجلاً كان فقيراً فتاجر في الحديد الخُردة فاغتنى غناءاً زائد عن الحد فضحكوا عليه فبنى لهم هذه الضريح بناءاً كبير جداً وكانت الثُريَّة ـ النجفة ـ التي وضعها في الضريح كان ثمنها ستة ملايين دولار في هذا الوقت من أمريكا.

لأن الباطل يُغري كما قال ربنا في القرآن:

"قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ" (100المائدة).

ولذلك أتباعه يزيدون، لماذا؟ لأن ذلك يعجب الناس ـ سبحان الله.

فهذا الذي جعله سجَّل الطريقة العزمية الشاذلية، لأنه شاذلي أباً عن جد وأيضاً أخذ عن الشيخ حاسنين الحُصافي الطريقة الشاذلية، وإن كان الله خصَّه بأورادٍ خاصة به وصلواتٍ خاصة به فهي خصوصية من الحضرة المحمدية ولكنها في الأصل طريقة شاذلية.

وصلى اله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up