بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • أعمال الصحابة والمتقين

    المزيد
  • فراسة المؤمن وجهاد النفس و الهوى

    المزيد
  • خطبة الجمعة_ثمرات الإيمان

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • Why do we choose Islam from amongst all religions?

    المزيد
  • What is Koran? And who wrote it?

    المزيد
  • 🌹🌹Why do Muslims go around Ka’ba, kiss stones and throw them? Aren’t these pagan rituals?🌹

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

محبة الصالحين لإمام الأنبياء والمرسلين

عدد الزيارات:17 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
محبة الصالحين لإمام الأنبياء والمرسلين
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



الحمد لله الذي ثبَّت منا الأسماع والأبصار، وملأ قلوبنا بحب النبي المختار. والصلاة والسلام على زَيْنِ المرسلين، وغُرَّة الأولين والآخرين، والصُّورة الأكملية التي اختارها الله عزَّ وجلَّ لعباده الصالحين، سيِّدنا ومولانا مُحَمَّدٍ بن عَبْدِ الله، شمس عالم الملكوت، وسِدْرَةِ علوم حضرة الحيِّ الذي لا يموت، ولسان الحقِّ الذي لا ينطق عن الهوى، والمعصوم من البواعث النفسانية والأهواء الإبليسية، والذي تولاه مولاه فوالاه، وجعله فاتحاً لكلِّ كنوز الفضل والكرم والجود التي أوجدها الله، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا جميعاً من أهل فضله وعطاياه. أما بعد ...

فيا إخواني ويا أحبابي: بارك الله فيكم، لا أطيل عليكم، فإن ليل الصيف قصير، ولكن سؤال واحد سأجيب عنه بقدر معلوم، حتى لا يطول بنا الأمل والوقت، وهو: لماذا يهتم الصالحون بمحبَّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويعولون عليها، ويجعلون لها جانباً عظيماً في كل شئونهم وأحوالهم؟ حتى أنه قلَّ وندرَّ أن تجد رجلاً من كبار الصالحين إلاَّ وله آثار مروية في محبَّة سيِّد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، بعضها شعراً وبعضها نَثْراً، بعضها في شمائله وأخلاقه وكمالاته، وبعضها في ميلاده، وبعضها في مقاماته، وبعضها في شفاعته، وبعضها في أنواره، والأمر كما قال الله عزَّ وجلَّ لنا جميعاً في شأنه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا [34إبراهيم].

ونعمة الله - لم يقل الله في الآية (وإن تعدوا نعم الله)، لكنها نِعْمَةٌ واحدة!! ما هذه النعمة؟ هي التي ذكَّرنا بها الله فقال: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [103آل عمران]. فالنعمة التي ألَّفَتْ بين القلوب: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، ما هذه النعمة؟ هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ﴾ يعني: وإن تعدوا الكمالات التي أعطاها له الله، والمقامات التي أنزله فيها الله، والعطايا التي حَبَاهُ بها الله، وغيرها من أصناف الجود والكرم الإلهي - لا تستطيعوا أن تحصوا عُشْرَ مِعْشَارِ بعض أقداره؛ لأن فضل رسول الله كما قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:

فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ    حَدٌّ فَيُعْرِبُ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ

بَابُ الفَضْلِ وسِرُّ الوُصُول

لِمَ جعل الصالحون أساسَ سلوكهم، وبابَ فضلهم، وبراق رقيِّهم، وسِرَّ وصولهم إلى الله، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأن الله خلع عليه الكمالات التي يحبُّها، والأخلاق التي يرتضيها، وكل أصناف العبادات والعادات والمعاملات التي يجتبيها الله عزَّ وجلَّ من خلقه، ويزيدهم ويكافئهم عليها من عنده عزَّ وجلَّ.

أيقن الصالحون بهذه الحقيقة، فعلموا - علم اليقين - أنه لا يكون الرجل من الصالحين حتى يتحلَّى من أخلاقه بأخلاق سيِّد الأولين والآخرين، ولن يلبسهم الله عزَّ وجلَّ ملابس الأضواء الإلهية، والحسنى والسعادة الأبدية، إلا إذا كانوا متمسكين في كل أنفاسهم بهدي النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم. فمن وصل أخلاقه بأخلاقه وصله الله، ومن تمسك في نفسه بما جُبِلَتْ عليه فطرته ونفسه من أخلاقه وعاداته حجبه الله عزَّ وجلَّ، لا يسمح له بذرة من الأنوار الربَّانية.

ومن هنا أدرك الصالحون أنهم لكي ينالوا المراد من ربِّ العباد، لابد أن يتخلوا عن فطر نفوسهم، وعن عاداتهم وعن أخلاقهم، ويتجملوا بالجمال الذي ارتضاه الله، ويسارعوا إلى الكمال الذي يحبُّه الله، وهو الذي ظهر في سيِّدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا في ذلك شديدي اللمح!!

واعلموا يا إخواني علم اليقين، أنه لا يَشُمُّ العبد رائحة الصالحين، ولا ينال ما تشتهيه نفسه من أحوال المقربين، إلا إذا كان شديد الملاحظة لأحوال سيِّد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه، فلا يحتاج إلى القول، ولا يحتاج إلى الأمر والزجر، بل لو تَصَفَّحْتَ سيرة الصالحين تجد كثيراً منهم يقول على سبيل المثال: (حُبِّبَ إلىَّ فعل كذا وكذا ولم أكن قد اطلعت عليه في كتاب، أو سمعته من أحد، جبلة وفطرة، ثم بعد برهة من الزمن اطلعت في كتاب كذا فوجدت أن هذا من أحوال الأولياء والصالحين).

حتى أن الصالحين في صغرهم تظهر عليهم أنوار التقوى والصلاح في تصرفاتهم وفي سلوكهم - ويلحظها العلماء العاملون، والخاشعون والخاشون لله عزَّ وجلَّ - بدون معلِّم، لأنهم يلحظون بكل أحوالهم حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أئمتنا في هذا أصحابه رضوان الله عزَّ وجلَّ عليهم.

تَرْبِيَتُهُ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ الكِرَام

فقد كان صلى الله عليه وسلم عندما ينظر بعينه؛ يَفْقَهُ كلُّ أصحابه ما يريد، قبل أن يتفوه بلسانه، من شدة الشفافية الباطنية، والأنوار الإلهية السارية من هيكله صلى الله عليه وسلم إلى بواطنهم وقلوبهم، فقد كانوا يعلمون أنه قد جاع ويحتاج إلى الطعام، بدون أن يُبدي أيَّ شيء، أو يظهر عليه أيُّ شيء يلمحون به ذلك!!

حتى أنه كما تعلمون في الرواية الصحيحة: (خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوجد أبا بكر بالباب، فقال: ما أخرجك في تلك الساعة؟ قال: الجوع يا رسول الله. قال: وأنا ما أخرجني إلا الجوع. ثم جاء عمر ابن الخطاب فقال: ما أخرجك في تلك الساعة يا ابن الخطاب؟ في وقت القيلولة في صيف حار، قال: الجوع يا رسول الله. فاشتركوا جميعاً في هذا الأمر.

وإيَّاك أن تظنَّ أنه من باب المصادفات، وإنما حركة القلوب حركة واحدة، فظهر عليهم جميعاً اتحاد الأوصاف، واجتماع المعاني والكمالات، لأنهم جميعاً وقفوا على باب الله، ووقفوا منتظرين فضل الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورسول الله لماذا أحبَّه الله وأثنى عليه؟ لأنه كان يسارع فيما يحبُّه مولاه، فقد فنى عن حظِّه، وفنى عن نفسه، ولم يَعُدْ له همٌّ إلا ما يرضي الله وما يحبه الله، فأغناه الله بذلك عما سواه، حتى قالت له السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (إني أرى الله يسارع في هواك) (البخاري عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: " مَا أَرَى ربَّك إلاَّ يُسَارعُ في هَوَاك"). يعني لا تحتاج إلى شيء إلا ويفعله الله لك بدون طلب، لأنه لا يحتاج إلى شيء في نفسه، ولا يفعل شيء عن شهوة ولا لحَظٍّ جليٍّ أو خفيّ، وإنما يشتاق لما يرضي الله، ويسارع فيما يحبُّه الله. فقد كان كما قال الله عزَّ وجلَّ في شأنه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [162، 163الأنعام].

فهو أوَّلُ رَجُلٍ في الصف، وبقية الصف الذين بعده هم الذي ساروا على نهجه. فما أضعف ولا أخَّر المسلمين - في زماننا، وقبل زماننا، ولا بعد عصرنا - إلا شهوات النفوس، وحظوظ الأجسام، والآمال الفارغة في الدنيا الفانية!! لكن الذين تربوا على مائدة رسول الله الأعظم صلوات الله وسلامه عليه من أصحابه المباركين كان أول شيء عاهدوه عليه: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم [111التوبة].

ولم يبدأ بالمال، لأن الجهاد الأشد جهاد النفس، فقد ينفق الإنسان المال بإسراف وبدون حدٍّ لينال شهوة ترضي نفسه!! إذن الأساس الأول في البيع أن تكون النَّفْسُ لله، ليس لها أطماع، ولا آمال ولا أغراض، إلا في رضا ربِّ العباد عزَّ وجلَّ.

هذا هو الأساس الأول الذي بَنَي عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداءهم ومتابعتهم للحبيب صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك بَعَثَ النبيُّ عمر وأبا بكر جنوداً في جيش، وقائد هذا الجيش عمرو بن العاص - وكان قد دخل في الإسلام حديثاً - فلم يتبرم واحدٌ منهم، ولم يجد أحدٌ منهم شيئاً في نفسه، أو يشعر بحرج في صدره، لأنهم يعلمون أن مرادهم جميعاً في رضاء الله - جنوداً أو قادة لا يَهُمُّ، أما المُهِمُّ فهو أن يرضي الله عزَّ وجلَّ عنهم!! - ولم ينازعوه حتى في إمامة الصلاة، لأن إمام الجيش هو قائد الجيش. مع أنهم أقرأ منه لكتاب الله، وأوثق منه قربة عند الله، وأعلى منه منزلة ومكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكنه صلوات الله وسلامه عليه جرَّدهم من هذه الأغراض الفانية، وجعلهم كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [37النور].

ولذلك فلم يكن بينهم فتن ولا إحن، ولا أحقاد ولا أحساد، لأن هذه الأمراض تأتي من المنازعة في المناصب، أو من المنافسة في المكاسب والرغبات الفانية. لكن ما دام الكلُّ اختار الباقية، وطلب رضاء الله، فَلِمَ يختلفون؟!! ولِمَ يتفرقون؟!! ولِمَ يتحاسدون ويتباغضون؟!! ليس لهذا الذي ذكرناه شأنٌ عندهم، بل هم كما قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [47الحجر].

وإذا تدبرنا في سيرة أصحاب رسول الله وجدنا في ذلك الباب الجمَّ الكثير، ولكنها تحتاج إلى من يقرأها بتدبر، ويُعْلِي مثل هذه المواقف ويقابلها بصفاء قلب ونقاء سريرة.

سِرُّ حُبِّ الصالحين للرءوف الرحيم

والصالحون كأصحاب النبيِّ الأمين، لماذا أحبُّوا رسول الله؟ ليس لجمال جسمه، وإن كان قد بلغ فيه الكمال، وقال في ذلك سيدنا حسان بن ثابت:

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَرْ قَطّ عَيْنِي       وَأْكْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدْ النِّسَـــاءُ

خُلِقْتَ مُـــــــــــــبَرءً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ    كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشُـاءُ

لكن هذا لم يشغلهم حتى طرفة عين، لكن الذي شغلهم الكَمَالُ والجَمَالُ الذي جمَّله به الله. لماذا؟ لأن مقصدهم كان رضاء الله. وكيف يرضون الله؟ إذا بلغوا بعض الكمال وبعض الجمال الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأحبُّوه لِمَا جمَّله به الله من صفاته الكريمة، ومن أخلاقه العظيمة، وسارعوا بأنفسهم إلى التخلق بتلك الصفات، والتأسي بهذه الكمالات. ولذلك كانوا يفتشون في بطون الكتب عما ذكرناه، فلا يهتمون بسيرته في الأحوال الحربية وغزواته إلا بِقَدَرٍ، وإنما كان همُّهم في أخلاقه مع الخَلْق، وفي أحواله مع الحَقّ.

هذا محل نظرهم!! كيف كان يعامل الخَلْقَ؟ وكيف كان حاله في عباداته، وفي مواجهاته، وفي مؤانساته، وفي ذكره للحقِّ عزَّ وجلَّ. هذا كلُّ همِّهم ومبلغ علمهم، وهذه نهاية مطالبهم التي من أجلها بذلوا النفس والنفيس!! لأن الصورة التي ارتضاها، وأنبأ عنها في كتابه الكريم ليست بمفردها، بل هذا الكمال وهذا الجمال خلعه الله على أناس أحاطوا به، فقال في شأنهم وشأنه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، أي أهل معيته، والذين معه ما حالهم مع الخَلْق؟ ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾، وحالهم مع الحق؟ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، وما طلبهم؟ ﴿َبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وما مكافأتهم؟ جعل الله لهم نصيباً من الأنوار، ومن علوم الواحد القهار، ومن فيوضاته التي تجلَّى به على قلب النَّبِيِّ المختار، وجمعها كلَّها في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم[29الفتح].

وليست هي العلامة الظاهرة التي في الوجه، لأن الله لم يقل علامتهم، بل قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ[29الفتح]. من الذي يعرفهم؟ ﴿رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ [46الأعراف]. والله قال للنَّبِيِّ: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ [273البقرة]، يعني بالجمال الباقي، والجمال القلبي، الذي جملَّوا به قلوبهم وبواطنهم لله عزَّ وجلَّ.

جمال المقربين

أُنَاسٌ فهموا من خطاب الله متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حركاته الظاهرة، في هيئته وفي لبسه، وفي مشيه وفي أكله، وفي شربه وفي نومه. وهذا شيءٌ طيِّبٌ، لكنه ليس هو الذي يصل به المرء لرضاء الله، وإنما يصل إلى ثواب الله ومغفرة الله.

أما من يريد الوصول إلى رضاء الله، والوصول إلى ما يحبُّه الله، فعليه أن يُقبِلَ على نفسه وقواه ويجمِّلهم بالجمال الذي جمَّل به الله حبيبه صلى الله عليه وسلم. فالقُرْبُ جمال الحُبِّ لجميع الناس، والخشوع لله، والتواضع لخلق الله، والذلِّ فيما بينه وبين الناس، والعزَّة على الكافرين، والتواضع للمؤمنين، كما أمر الله عزَّ وجلَّ في قرآنه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [54المائدة].

فالإقبال بصدق، والفرار للواحد القهار عزَّ وجلَّ لا يتحقق إلا بعد الزُّهْدِ في الفاني، والفرار من الدنيا وزهرتها وزينتها، ولا يتحقق ذلك إلا لِمَنْ تبع ذلك. يعني الذي يقول: أنا فررت إلى الله، ولا يملك من حطام الدنيا شيئاً، نقول له: قولك هذا يحتاج إلى دليل، ولا يتحقق الدليل إلا عندما تملك الدنيا في يدك؛ لأنه ربما تتغيَّر نيَّتُك إذا جاءك الغِنَى. لكن الفرار إلى الله لا يتحقق إلا لِمَنْ فرَّ إلى الله مع ما أعطاه الله من الوسعة في هذه الحياة، فيكون عنده ما لَذَّ وطاب، ويتنعم بالصيام، ويحس فيه بمتعة يَحْسِدُهُ عليها جميع الأنام، لأنه يعمله طلباً لمرضاة الله عزَّ وجلَّ.

ويكون عنده الفراش الوثير لكنه يجد متعة أن يترك فراشه ويقف على الأرض يناجي الله بكلامه، ويتملق إليه بإنعامه، يَجِدُ متعة في صلاة ركعتين في جوف الليل أكثر من متعة الآخرين في التلذذ بالنوم على الفُرُشِ والأسرَّة والأرائك. هذه هي المتعة القلبية التي يَحِسُّ بها الصالحون بعد متابعتهم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالصالحون يحبُّون رسول الله لِحُبِّ الله له، لأنه قال صلى الله عليه وسلم: {أَحِبُّونِي لِحُبِّ الله عزَّ وجلَّ لِي} (الترمذي عن بن عباس رضي الله عنهما). والله عزَّ وجلَّ أحبَّه لِمَا كان عليه من الأدب معه، ومن الكمال في معاملة خَلْقِه، فقد كان مع الله لا يرفع بصره إلى السماء حياءً من الله عزَّ وجلَّ، ويقف بين يديه على قدم واحدة قائماً حتى تتورم قدماه من طول القيام، وتشفق عليه زوجته وتقول له: (ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!! فيقول: {أفلا أكون عبدًا شكورًا}. (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن المغيرة بن شعبة وأحمد في مسنده والترمذي وابن خزيمة عن عائشة).

شُغِفَ به حتى مَلَكَ عليه جميع أمره، فكان يذكره عزَّ وجلَّ على جميع أحواله، إذا مشى وإذا قعد، حتى أنه إذا نام - من شدة شغفه وحبِّه لله - تنام عينه وقلبه لا ينام، فيذكر الله حتى في نومه من شدة شغله بالله عزَّ وجلَّ. لَمْ يَهَبْ أحداً ولم يخشَ إلاَّ الفرد الصمد. وعرض عليه الكافرون كل ما تشتاق إليه النفس من متع الدنيا وزخارفها وزينتها، لكنه رفض ذلك كلَّه طمعاً في مرضاة ربه عزَّ وجلَّ. وعلى هذا الحال يجب أن يكون مَنْ يريد أن يكون قريباً ممن يقول للشيء كن فيكون.

تَعْصِى الإِلهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ   هَذا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ شَنِيعُ

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ    إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيـعُ

فكان من شدة حبِّه لله، ما وصفته به السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (كان يجلس معنا يحدثنا ونحدثه، فإذا استمع إلى الآذان فكأنما لا يعرفنا ولا نعرفه)
( أخرجه الأزدي في الضعفاء من حديث سويد بن غفلة مرسلاً : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الأذان كأنه لا يعرف أحدا من الناس") ، وليس كمن يزعم أنه يحبُّ الله ولا يستطيع القيام من أمام الفيديو أو التليفزيون ليلبِّي نداء الله، ويدَّعى مع ذلك أنه يحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

ولذلك قاس الصالحون أحوالهم على أحواله حتى يكونوا على منواله؛ فأعطاهم الله بعض ذرة من محيط كماله صلى الله عليه وسلم، فأشرق على قلوبهم بأنوار الحبيب صلوات الله وسلامه عليه، فأحبُّوا رسول الله لأنهم عشقوا الجمال الذي جمَّله به الله، مع الله ومع خلق الله، سواء مع الأعداء أو مع الأحياء.

فلو نظرت إليه وإلى أنبياء الله ورسله، تجد الكمال كلَّه في ذاته صلوات الله وسلامه عليه!! فلم يتعرض واحد منهم - بل ولم يتعرض جملتهم - إلى ما تعرض لبعضه صلى الله عليه وسلم من الإيذاء، لكنه لم يدعُ على مَنْ أذاه كما زعموا، بل كان يقول: {اللهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون} (رواه ابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في شعبه عن سهل بن سعد). وكلما اشتدوا في إيذائه كلما اشتد صلى الله عليه وسلم في الشفقة والحنو عليهم، ويطالب الحضرة الإلهية بالإقبال عليهم، حتى قال الله عزَّ وجلَّ له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [6الكهف].

فقد كان يتمنى أن يؤمنوا بأي وسيلة وبأي كيفية، من فرط رحمته صلوات الله وسلامه عليه.

يأتيه الرجل ومعه جمل، فيقول له: احْمِلْ لي على هذا الجمل مما أتاك الله يا محمد، فإنه ليس مالك وليس مال أبيك، فيقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: احملوا له جمله، ويقاد منك يا أعرابي (يعني سآخذ حقي منك). فيقول: لا، فيقول: ولِمَ؟ فيقول: لأنك لا تجزي السيئة بالسيئة، وإنما تعفو وتصفح. فيضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهر على وجهه البشر صلوات الله وسلامه عليه: (لا يَزِيدُهُ جَهْلُ الجَاهِلِ عَلَيْهِ إِلاَّ حِلْماً) (أخرجه الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن عبد الله بن سلام).

وإذا تصفحنا في سيرة الصالحين تجدهم على هذا النهج - مع الله ومع خلق الله - وبطون الكتب مملوءة بمدى حبِّهم لله، وإقبالهم على الله عزَّ وجلَّ، حتى كان بعضهم يغيب عن نفسه وعن أهله أياماً كثيرة، لا يلتفت إلى طعام، ولا إلى شراب، ولا إلى زوجة شغلاً بالله عزَّ وجلَّ. فهذا الإمام أحمد البدوي رضي الله عنه كان يقف في غار حراء - وذهب إليه وعاش فيه سبع سنين أسوة بالنبي الأمين صلى الله عليه وسلم - وكان يقف أمام الغار أربعين يوماً واقفاً، لا يأكل ولا يشرب ولا يشتهي شيئا من ذلك، لأنه أُخِذَ بكلِّه مع ربِّه عزَّ وجلَّ. وغيره كثيرٌ في هذا المجال أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كفائهم وغذائهم من باب قوله صلى الله عليه وسلم: {أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي} (رواه اسحاق بن راهويه في مسنده عن عائشة).

من يطمع في هذه الوراثة بغير هذه الكياسة، نقول له: إنك تطمع في محال، لأن هذا طريق الرجال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [21الأحزاب]. الأسوة الحسنة لمن؟ للذي يريد الله واليوم الآخر، والشرط الثالث المهم: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. أما الذي يدَّعِي أنه يحِبُّ الله ويرجو فضل الله، لكنه يكسل عن ذكر الله، فلا يطمع في رضاء الله، ولا في عطاء الله، ولا في فضل الله، لكن الذي يطمع في ذلك: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ [191آل عمران]. لا يشغلهم نفس عن ذكر الله عزَّ وجلَّ لأنهم يتأسون في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأقبل الصالحون على رسول الله وعاشوا أحواله، وجعلوا أخلاقهم على هديه، وعلى قدرهم وليس على قدره صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يبلغ قدره أحد صلوات الله وسلامه عليه، لا في الأولين ولا في الآخرين، لكن كلٌّ يحاول على قدره بما يشرح الله عزَّ وجلَّ صدره، وكلما زاد في التشبه به قلبيًّا وخُلُقِيًّا - سواء مع الناس، أو مع ربِّ الناس - كلما زاد في المقام عند الله عزَّ وجلَّ. لكن من تشبه به ظاهريًّا، وقضى الليل قائماً يصلي، والنهار صائماً، وحجَّ كل عام، ولم يمش على نهجه مع الله ولا مع الأنام، فمثله قوله صلى الله عليه وسلم - عندما قيل له: أن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، ولكنها تؤذي جيرانها، فقال صلى الله عليه وسلم: {لا خير فيها هي في النار} (أحمد وبن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه) .

الرحمة التامة

إذن العبرة بالأخلاق الباطنة وبالرحمة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم للصغير والكبير، وللأرملة وللمسكين، وللغني وللفقير، وللأمير وللحقير، وللمهتدي والضال، فقد كان رحمة كما وصفه الله لجميع خلق الله، حتى طمعت في رحمته الحيوانات والجمادات، فجاءت إليه الحيوانات تشتكي مِمَّنْ أذاها!!

فقد جاء جَمَلٌ يلهث وخلفه أهله، ووقف على عنقه برأسه ورغى وأزبد، فقال صلى الله عليه وسلم لأهله: إن هذا الجمل يشكو إليَّ منكم - وهذا الحديث (رواه الإمام ابن ماجة والإمام الدارمي في سننهم رضي الله عنهم) – قالوا: ومِمَّ يشكو يا رسول الله؟ قال: يقول إنكم ربَّيتُمُوه عندكم صغيراً، حتى إذا كبر واستسمنتموه فجعلتموه فحلاً، وأخرج الله لكم منه نتاجاً كثيراً، فلما عجز أردتم ذبحه، قالوا: لقد صدق فيما قاله يا رسول الله. قال: فإنه جاء لائذا بي فبيعوه لي، فقالوا: يا رسول الله وهبناه لك، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمشي حرًّا طليقاً على وجهه. ثم إذا به يرجع ويسجد، ويقول صلى الله عليه وسلم أمين مرتين، ثم تتغرغر عيناه صلى الله عليه وسلم بالدموع، فسألوه عن سبب ذلك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد دعا فقال: سكن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكنت رعبي، فقلت: آمين. ثم قال: أمن الله عزَّ وجلَّ أمتك هول يوم الدين كما أمنتني، فقلت: آمين. ثم قال: لا جعل الله بأسهم بينهم فاغرورقت عيني بالدموع، لأني قد سألت الله هذه الثلاث فأعطاني الاثنين ولم يعطني الثالثة، وهي (لا جعل الله بأسهم بينهم).

وجاءه طائر صغير، فقال صلى الله عليه وسلم عندما رآها ترفرف عليه بجناحيها: (أيكم فجع هذه بأولادها؟ فقال أحد أصحابه: أنا، فقال: ردُّوها عليها، فردها إلى مكانها فرجعت) (الحاكم عن بن مسعود رضي الله عنه). والحكايات في هذا المجال كثيرة، فقد كان من فرط رحمته صلى الله عليه وسلم يطمع في رحمته - فضلاً عن الجن والإنس - الطير والوحش والجمادات، وكل شيء في ملك الله وملكوته. وهكذا يا إخواني الصالحون.

فتشبهوا إذ لم تكونوا مثلهم     إن التشبه بالرجال فلاح

وعليكم يا إخواني بهدي رسول الله فيما بينه وبين الله، اقرءوه وعوه ثم اعملوا به على قدركم، واعتذروا لله كما نعتذر جميعا من ضعفنا وتقصيرنا، فإننا لا نستطيع مهما أوتينا من قوة أن نقدم لله عزَّ وجلَّ شيئاً ولو قليلاً جداً من بعض ما أنعم الله عزَّ وجلَّ علينا من نعمه الجميلة، شكراً له عزَّ وجلَّ على هذه النعمة، لكن كما كان أصحاب النبي وكما أثنى عليهم الله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [17، 18الذاريات]. مِمَّ يستغفرون؟!! يستغفرون من التقصير الذي رأوه في عباداتهم لله، وفي طاعتهم لله عزَّ وجلَّ.

وهذا حال الصالحين!! فتجدهم جميعاً مهما بلغ أحدهم من رقي، ومن عُلُوٍّ ومن صفاء، في نهاية ذلك كلِّه يقولون - كما قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:

أَمَرْتُكَ الخَيْرَ لَكِنْ مَا ائتَمَرْتُ بِهِ        وَمَا اسْتَقَمْتُ فَمَا قَوْلِي لَكَ اسْتَقِم

يرون أنفسهم مقصرين، ويرون أنفسهم لم يقدموا لله عزَّ وجلَّ قليلاً ولا كثيراً إذا حاسبهم بعدله، وإذا وزن أعمالهم بميزان الإخلاص، وإذا حاسبهم على نعمه، لكنه أذا تفضل وعاملهم بفضله فإنَّ القليل يكون عنده كثير!! فلا يغترون، ولا بأنفسهم يعجبون، ولا يتيهون فخراً ولا دلالاً على غيرهم بعباداتهم وبصالحاتهم، وإنما يرون أنفسهم دائماً مقصرين، لأنهم - كما قلت يا إخواني - يتشبهون بصفات النَّبِيِّ صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [61الصافات]. وعلى هذا النهج سار الصالحون.

ولذلك أحببنا الصالحين حتى نرى كيفية تطبيقهم لأحوال وأخلاق سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، والكرامات التي تصحب أهل الصلاح والتقوى في كل وقت وحين هي صبرهم على إيذاء الخلق، وتحمُّلهم لأذاهم، وعدم الرد عليهم بمثلهم. فليست الكرامة أن تطير في الهواء فإن الطير يطير في الهواء، ولا أن تمشي على الماء فإن السمك يغوص في الماء، ولا أن تمشي في خطوة من المشرق إلى المغرب فإن الجِنَّ يصنع ذلك، ولكن الكرامة أن تُغَيِّرَ خُلُقاً سيئاً فيك بِخُلُقٍ حَسَن. تلك كرامة الصالحين، والتي قالوا فيها: (الاستقامة خيرٌ من ألف كرامة).

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا الاستقامة، وأن يُشْرِقَ على قلوبنا بأنوار الحبيب المصطفى، وأن يجعله نوراً لنا في قلوبنا، وأنيساً لنا في قبورنا، ومثبِّتاً لنا عند سؤالنا، وشفيعاً لنا عند حشرنا، وأن يجعلنا من رفقائه في جنات النعيم، وأن يكرمنا بحسن متابعته، وأن يتفضل علينا بأحواله العالية، وأخلاقه الراقية، ومنازلاته السامية.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

**********

الحمد لله الذي ثبَّت منا الأسماع والأبصار، وملأ قلوبنا بحب النبي المختار. والصلاة والسلام على زَيْنِ المرسلين، وغُرَّة الأولين والآخرين، والصُّورة الأكملية التي اختارها الله عزَّ وجلَّ لعباده الصالحين، سيِّدنا ومولانا مُحَمَّدٍ بن عَبْدِ الله، شمس عالم الملكوت، وسِدْرَةِ علوم حضرة الحيِّ الذي لا يموت، ولسان الحقِّ الذي لا ينطق عن الهوى، والمعصوم من البواعث النفسانية والأهواء الإبليسية، والذي تولاه مولاه فوالاه، وجعله فاتحاً لكلِّ كنوز الفضل والكرم والجود التي أوجدها الله، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا جميعاً من أهل فضله وعطاياه. أما بعد ...

فيا إخواني ويا أحبابي: بارك الله فيكم، لا أطيل عليكم، فإن ليل الصيف قصير، ولكن سؤال واحد سأجيب عنه بقدر معلوم، حتى لا يطول بنا الأمل والوقت، وهو: لماذا يهتم الصالحون بمحبَّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويعولون عليها، ويجعلون لها جانباً عظيماً في كل شئونهم وأحوالهم؟ حتى أنه قلَّ وندرَّ أن تجد رجلاً من كبار الصالحين إلاَّ وله آثار مروية في محبَّة سيِّد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، بعضها شعراً وبعضها نَثْراً، بعضها في شمائله وأخلاقه وكمالاته، وبعضها في ميلاده، وبعضها في مقاماته، وبعضها في شفاعته، وبعضها في أنواره، والأمر كما قال الله عزَّ وجلَّ لنا جميعاً في شأنه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا [34إبراهيم].

ونعمة الله - لم يقل الله في الآية (وإن تعدوا نعم الله)، لكنها نِعْمَةٌ واحدة!! ما هذه النعمة؟ هي التي ذكَّرنا بها الله فقال: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [103آل عمران]. فالنعمة التي ألَّفَتْ بين القلوب: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، ما هذه النعمة؟ هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ﴾ يعني: وإن تعدوا الكمالات التي أعطاها له الله، والمقامات التي أنزله فيها الله، والعطايا التي حَبَاهُ بها الله، وغيرها من أصناف الجود والكرم الإلهي - لا تستطيعوا أن تحصوا عُشْرَ مِعْشَارِ بعض أقداره؛ لأن فضل رسول الله كما قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:

فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ    حَدٌّ فَيُعْرِبُ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ

بَابُ الفَضْلِ وسِرُّ الوُصُول

لِمَ جعل الصالحون أساسَ سلوكهم، وبابَ فضلهم، وبراق رقيِّهم، وسِرَّ وصولهم إلى الله، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأن الله خلع عليه الكمالات التي يحبُّها، والأخلاق التي يرتضيها، وكل أصناف العبادات والعادات والمعاملات التي يجتبيها الله عزَّ وجلَّ من خلقه، ويزيدهم ويكافئهم عليها من عنده عزَّ وجلَّ.

أيقن الصالحون بهذه الحقيقة، فعلموا - علم اليقين - أنه لا يكون الرجل من الصالحين حتى يتحلَّى من أخلاقه بأخلاق سيِّد الأولين والآخرين، ولن يلبسهم الله عزَّ وجلَّ ملابس الأضواء الإلهية، والحسنى والسعادة الأبدية، إلا إذا كانوا متمسكين في كل أنفاسهم بهدي النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم. فمن وصل أخلاقه بأخلاقه وصله الله، ومن تمسك في نفسه بما جُبِلَتْ عليه فطرته ونفسه من أخلاقه وعاداته حجبه الله عزَّ وجلَّ، لا يسمح له بذرة من الأنوار الربَّانية.

ومن هنا أدرك الصالحون أنهم لكي ينالوا المراد من ربِّ العباد، لابد أن يتخلوا عن فطر نفوسهم، وعن عاداتهم وعن أخلاقهم، ويتجملوا بالجمال الذي ارتضاه الله، ويسارعوا إلى الكمال الذي يحبُّه الله، وهو الذي ظهر في سيِّدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا في ذلك شديدي اللمح!!

واعلموا يا إخواني علم اليقين، أنه لا يَشُمُّ العبد رائحة الصالحين، ولا ينال ما تشتهيه نفسه من أحوال المقربين، إلا إذا كان شديد الملاحظة لأحوال سيِّد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه، فلا يحتاج إلى القول، ولا يحتاج إلى الأمر والزجر، بل لو تَصَفَّحْتَ سيرة الصالحين تجد كثيراً منهم يقول على سبيل المثال: (حُبِّبَ إلىَّ فعل كذا وكذا ولم أكن قد اطلعت عليه في كتاب، أو سمعته من أحد، جبلة وفطرة، ثم بعد برهة من الزمن اطلعت في كتاب كذا فوجدت أن هذا من أحوال الأولياء والصالحين).

حتى أن الصالحين في صغرهم تظهر عليهم أنوار التقوى والصلاح في تصرفاتهم وفي سلوكهم - ويلحظها العلماء العاملون، والخاشعون والخاشون لله عزَّ وجلَّ - بدون معلِّم، لأنهم يلحظون بكل أحوالهم حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أئمتنا في هذا أصحابه رضوان الله عزَّ وجلَّ عليهم.

تَرْبِيَتُهُ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ الكِرَام

فقد كان صلى الله عليه وسلم عندما ينظر بعينه؛ يَفْقَهُ كلُّ أصحابه ما يريد، قبل أن يتفوه بلسانه، من شدة الشفافية الباطنية، والأنوار الإلهية السارية من هيكله صلى الله عليه وسلم إلى بواطنهم وقلوبهم، فقد كانوا يعلمون أنه قد جاع ويحتاج إلى الطعام، بدون أن يُبدي أيَّ شيء، أو يظهر عليه أيُّ شيء يلمحون به ذلك!!

حتى أنه كما تعلمون في الرواية الصحيحة: (خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوجد أبا بكر بالباب، فقال: ما أخرجك في تلك الساعة؟ قال: الجوع يا رسول الله. قال: وأنا ما أخرجني إلا الجوع. ثم جاء عمر ابن الخطاب فقال: ما أخرجك في تلك الساعة يا ابن الخطاب؟ في وقت القيلولة في صيف حار، قال: الجوع يا رسول الله. فاشتركوا جميعاً في هذا الأمر.

وإيَّاك أن تظنَّ أنه من باب المصادفات، وإنما حركة القلوب حركة واحدة، فظهر عليهم جميعاً اتحاد الأوصاف، واجتماع المعاني والكمالات، لأنهم جميعاً وقفوا على باب الله، ووقفوا منتظرين فضل الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورسول الله لماذا أحبَّه الله وأثنى عليه؟ لأنه كان يسارع فيما يحبُّه مولاه، فقد فنى عن حظِّه، وفنى عن نفسه، ولم يَعُدْ له همٌّ إلا ما يرضي الله وما يحبه الله، فأغناه الله بذلك عما سواه، حتى قالت له السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (إني أرى الله يسارع في هواك) (البخاري عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: " مَا أَرَى ربَّك إلاَّ يُسَارعُ في هَوَاك"). يعني لا تحتاج إلى شيء إلا ويفعله الله لك بدون طلب، لأنه لا يحتاج إلى شيء في نفسه، ولا يفعل شيء عن شهوة ولا لحَظٍّ جليٍّ أو خفيّ، وإنما يشتاق لما يرضي الله، ويسارع فيما يحبُّه الله. فقد كان كما قال الله عزَّ وجلَّ في شأنه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [162، 163الأنعام].

فهو أوَّلُ رَجُلٍ في الصف، وبقية الصف الذين بعده هم الذي ساروا على نهجه. فما أضعف ولا أخَّر المسلمين - في زماننا، وقبل زماننا، ولا بعد عصرنا - إلا شهوات النفوس، وحظوظ الأجسام، والآمال الفارغة في الدنيا الفانية!! لكن الذين تربوا على مائدة رسول الله الأعظم صلوات الله وسلامه عليه من أصحابه المباركين كان أول شيء عاهدوه عليه: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم [111التوبة].

ولم يبدأ بالمال، لأن الجهاد الأشد جهاد النفس، فقد ينفق الإنسان المال بإسراف وبدون حدٍّ لينال شهوة ترضي نفسه!! إذن الأساس الأول في البيع أن تكون النَّفْسُ لله، ليس لها أطماع، ولا آمال ولا أغراض، إلا في رضا ربِّ العباد عزَّ وجلَّ.

هذا هو الأساس الأول الذي بَنَي عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداءهم ومتابعتهم للحبيب صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك بَعَثَ النبيُّ عمر وأبا بكر جنوداً في جيش، وقائد هذا الجيش عمرو بن العاص - وكان قد دخل في الإسلام حديثاً - فلم يتبرم واحدٌ منهم، ولم يجد أحدٌ منهم شيئاً في نفسه، أو يشعر بحرج في صدره، لأنهم يعلمون أن مرادهم جميعاً في رضاء الله - جنوداً أو قادة لا يَهُمُّ، أما المُهِمُّ فهو أن يرضي الله عزَّ وجلَّ عنهم!! - ولم ينازعوه حتى في إمامة الصلاة، لأن إمام الجيش هو قائد الجيش. مع أنهم أقرأ منه لكتاب الله، وأوثق منه قربة عند الله، وأعلى منه منزلة ومكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكنه صلوات الله وسلامه عليه جرَّدهم من هذه الأغراض الفانية، وجعلهم كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [37النور].

ولذلك فلم يكن بينهم فتن ولا إحن، ولا أحقاد ولا أحساد، لأن هذه الأمراض تأتي من المنازعة في المناصب، أو من المنافسة في المكاسب والرغبات الفانية. لكن ما دام الكلُّ اختار الباقية، وطلب رضاء الله، فَلِمَ يختلفون؟!! ولِمَ يتفرقون؟!! ولِمَ يتحاسدون ويتباغضون؟!! ليس لهذا الذي ذكرناه شأنٌ عندهم، بل هم كما قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [47الحجر].

وإذا تدبرنا في سيرة أصحاب رسول الله وجدنا في ذلك الباب الجمَّ الكثير، ولكنها تحتاج إلى من يقرأها بتدبر، ويُعْلِي مثل هذه المواقف ويقابلها بصفاء قلب ونقاء سريرة.

سِرُّ حُبِّ الصالحين للرءوف الرحيم

والصالحون كأصحاب النبيِّ الأمين، لماذا أحبُّوا رسول الله؟ ليس لجمال جسمه، وإن كان قد بلغ فيه الكمال، وقال في ذلك سيدنا حسان بن ثابت:

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَرْ قَطّ عَيْنِي       وَأْكْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدْ النِّسَـــاءُ

خُلِقْتَ مُـــــــــــــبَرءً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ    كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشُـاءُ

لكن هذا لم يشغلهم حتى طرفة عين، لكن الذي شغلهم الكَمَالُ والجَمَالُ الذي جمَّله به الله. لماذا؟ لأن مقصدهم كان رضاء الله. وكيف يرضون الله؟ إذا بلغوا بعض الكمال وبعض الجمال الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأحبُّوه لِمَا جمَّله به الله من صفاته الكريمة، ومن أخلاقه العظيمة، وسارعوا بأنفسهم إلى التخلق بتلك الصفات، والتأسي بهذه الكمالات. ولذلك كانوا يفتشون في بطون الكتب عما ذكرناه، فلا يهتمون بسيرته في الأحوال الحربية وغزواته إلا بِقَدَرٍ، وإنما كان همُّهم في أخلاقه مع الخَلْق، وفي أحواله مع الحَقّ.

هذا محل نظرهم!! كيف كان يعامل الخَلْقَ؟ وكيف كان حاله في عباداته، وفي مواجهاته، وفي مؤانساته، وفي ذكره للحقِّ عزَّ وجلَّ. هذا كلُّ همِّهم ومبلغ علمهم، وهذه نهاية مطالبهم التي من أجلها بذلوا النفس والنفيس!! لأن الصورة التي ارتضاها، وأنبأ عنها في كتابه الكريم ليست بمفردها، بل هذا الكمال وهذا الجمال خلعه الله على أناس أحاطوا به، فقال في شأنهم وشأنه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، أي أهل معيته، والذين معه ما حالهم مع الخَلْق؟ ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾، وحالهم مع الحق؟ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، وما طلبهم؟ ﴿َبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وما مكافأتهم؟ جعل الله لهم نصيباً من الأنوار، ومن علوم الواحد القهار، ومن فيوضاته التي تجلَّى به على قلب النَّبِيِّ المختار، وجمعها كلَّها في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم[29الفتح].

وليست هي العلامة الظاهرة التي في الوجه، لأن الله لم يقل علامتهم، بل قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ[29الفتح]. من الذي يعرفهم؟ ﴿رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ [46الأعراف]. والله قال للنَّبِيِّ: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ [273البقرة]، يعني بالجمال الباقي، والجمال القلبي، الذي جملَّوا به قلوبهم وبواطنهم لله عزَّ وجلَّ.

جمال المقربين

أُنَاسٌ فهموا من خطاب الله متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حركاته الظاهرة، في هيئته وفي لبسه، وفي مشيه وفي أكله، وفي شربه وفي نومه. وهذا شيءٌ طيِّبٌ، لكنه ليس هو الذي يصل به المرء لرضاء الله، وإنما يصل إلى ثواب الله ومغفرة الله.

أما من يريد الوصول إلى رضاء الله، والوصول إلى ما يحبُّه الله، فعليه أن يُقبِلَ على نفسه وقواه ويجمِّلهم بالجمال الذي جمَّل به الله حبيبه صلى الله عليه وسلم. فالقُرْبُ جمال الحُبِّ لجميع الناس، والخشوع لله، والتواضع لخلق الله، والذلِّ فيما بينه وبين الناس، والعزَّة على الكافرين، والتواضع للمؤمنين، كما أمر الله عزَّ وجلَّ في قرآنه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [54المائدة].

فالإقبال بصدق، والفرار للواحد القهار عزَّ وجلَّ لا يتحقق إلا بعد الزُّهْدِ في الفاني، والفرار من الدنيا وزهرتها وزينتها، ولا يتحقق ذلك إلا لِمَنْ تبع ذلك. يعني الذي يقول: أنا فررت إلى الله، ولا يملك من حطام الدنيا شيئاً، نقول له: قولك هذا يحتاج إلى دليل، ولا يتحقق الدليل إلا عندما تملك الدنيا في يدك؛ لأنه ربما تتغيَّر نيَّتُك إذا جاءك الغِنَى. لكن الفرار إلى الله لا يتحقق إلا لِمَنْ فرَّ إلى الله مع ما أعطاه الله من الوسعة في هذه الحياة، فيكون عنده ما لَذَّ وطاب، ويتنعم بالصيام، ويحس فيه بمتعة يَحْسِدُهُ عليها جميع الأنام، لأنه يعمله طلباً لمرضاة الله عزَّ وجلَّ.

ويكون عنده الفراش الوثير لكنه يجد متعة أن يترك فراشه ويقف على الأرض يناجي الله بكلامه، ويتملق إليه بإنعامه، يَجِدُ متعة في صلاة ركعتين في جوف الليل أكثر من متعة الآخرين في التلذذ بالنوم على الفُرُشِ والأسرَّة والأرائك. هذه هي المتعة القلبية التي يَحِسُّ بها الصالحون بعد متابعتهم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالصالحون يحبُّون رسول الله لِحُبِّ الله له، لأنه قال صلى الله عليه وسلم: {أَحِبُّونِي لِحُبِّ الله عزَّ وجلَّ لِي} (الترمذي عن بن عباس رضي الله عنهما). والله عزَّ وجلَّ أحبَّه لِمَا كان عليه من الأدب معه، ومن الكمال في معاملة خَلْقِه، فقد كان مع الله لا يرفع بصره إلى السماء حياءً من الله عزَّ وجلَّ، ويقف بين يديه على قدم واحدة قائماً حتى تتورم قدماه من طول القيام، وتشفق عليه زوجته وتقول له: (ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!! فيقول: {أفلا أكون عبدًا شكورًا}. (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن المغيرة بن شعبة وأحمد في مسنده والترمذي وابن خزيمة عن عائشة).

شُغِفَ به حتى مَلَكَ عليه جميع أمره، فكان يذكره عزَّ وجلَّ على جميع أحواله، إذا مشى وإذا قعد، حتى أنه إذا نام - من شدة شغفه وحبِّه لله - تنام عينه وقلبه لا ينام، فيذكر الله حتى في نومه من شدة شغله بالله عزَّ وجلَّ. لَمْ يَهَبْ أحداً ولم يخشَ إلاَّ الفرد الصمد. وعرض عليه الكافرون كل ما تشتاق إليه النفس من متع الدنيا وزخارفها وزينتها، لكنه رفض ذلك كلَّه طمعاً في مرضاة ربه عزَّ وجلَّ. وعلى هذا الحال يجب أن يكون مَنْ يريد أن يكون قريباً ممن يقول للشيء كن فيكون.

تَعْصِى الإِلهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ   هَذا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ شَنِيعُ

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ    إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيـعُ

فكان من شدة حبِّه لله، ما وصفته به السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (كان يجلس معنا يحدثنا ونحدثه، فإذا استمع إلى الآذان فكأنما لا يعرفنا ولا نعرفه)
( أخرجه الأزدي في الضعفاء من حديث سويد بن غفلة مرسلاً : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الأذان كأنه لا يعرف أحدا من الناس") ، وليس كمن يزعم أنه يحبُّ الله ولا يستطيع القيام من أمام الفيديو أو التليفزيون ليلبِّي نداء الله، ويدَّعى مع ذلك أنه يحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

ولذلك قاس الصالحون أحوالهم على أحواله حتى يكونوا على منواله؛ فأعطاهم الله بعض ذرة من محيط كماله صلى الله عليه وسلم، فأشرق على قلوبهم بأنوار الحبيب صلوات الله وسلامه عليه، فأحبُّوا رسول الله لأنهم عشقوا الجمال الذي جمَّله به الله، مع الله ومع خلق الله، سواء مع الأعداء أو مع الأحياء.

فلو نظرت إليه وإلى أنبياء الله ورسله، تجد الكمال كلَّه في ذاته صلوات الله وسلامه عليه!! فلم يتعرض واحد منهم - بل ولم يتعرض جملتهم - إلى ما تعرض لبعضه صلى الله عليه وسلم من الإيذاء، لكنه لم يدعُ على مَنْ أذاه كما زعموا، بل كان يقول: {اللهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون} (رواه ابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في شعبه عن سهل بن سعد). وكلما اشتدوا في إيذائه كلما اشتد صلى الله عليه وسلم في الشفقة والحنو عليهم، ويطالب الحضرة الإلهية بالإقبال عليهم، حتى قال الله عزَّ وجلَّ له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [6الكهف].

فقد كان يتمنى أن يؤمنوا بأي وسيلة وبأي كيفية، من فرط رحمته صلوات الله وسلامه عليه.

يأتيه الرجل ومعه جمل، فيقول له: احْمِلْ لي على هذا الجمل مما أتاك الله يا محمد، فإنه ليس مالك وليس مال أبيك، فيقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: احملوا له جمله، ويقاد منك يا أعرابي (يعني سآخذ حقي منك). فيقول: لا، فيقول: ولِمَ؟ فيقول: لأنك لا تجزي السيئة بالسيئة، وإنما تعفو وتصفح. فيضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهر على وجهه البشر صلوات الله وسلامه عليه: (لا يَزِيدُهُ جَهْلُ الجَاهِلِ عَلَيْهِ إِلاَّ حِلْماً) (أخرجه الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن عبد الله بن سلام).

وإذا تصفحنا في سيرة الصالحين تجدهم على هذا النهج - مع الله ومع خلق الله - وبطون الكتب مملوءة بمدى حبِّهم لله، وإقبالهم على الله عزَّ وجلَّ، حتى كان بعضهم يغيب عن نفسه وعن أهله أياماً كثيرة، لا يلتفت إلى طعام، ولا إلى شراب، ولا إلى زوجة شغلاً بالله عزَّ وجلَّ. فهذا الإمام أحمد البدوي رضي الله عنه كان يقف في غار حراء - وذهب إليه وعاش فيه سبع سنين أسوة بالنبي الأمين صلى الله عليه وسلم - وكان يقف أمام الغار أربعين يوماً واقفاً، لا يأكل ولا يشرب ولا يشتهي شيئا من ذلك، لأنه أُخِذَ بكلِّه مع ربِّه عزَّ وجلَّ. وغيره كثيرٌ في هذا المجال أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كفائهم وغذائهم من باب قوله صلى الله عليه وسلم: {أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي} (رواه اسحاق بن راهويه في مسنده عن عائشة).

من يطمع في هذه الوراثة بغير هذه الكياسة، نقول له: إنك تطمع في محال، لأن هذا طريق الرجال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [21الأحزاب]. الأسوة الحسنة لمن؟ للذي يريد الله واليوم الآخر، والشرط الثالث المهم: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. أما الذي يدَّعِي أنه يحِبُّ الله ويرجو فضل الله، لكنه يكسل عن ذكر الله، فلا يطمع في رضاء الله، ولا في عطاء الله، ولا في فضل الله، لكن الذي يطمع في ذلك: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ [191آل عمران]. لا يشغلهم نفس عن ذكر الله عزَّ وجلَّ لأنهم يتأسون في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأقبل الصالحون على رسول الله وعاشوا أحواله، وجعلوا أخلاقهم على هديه، وعلى قدرهم وليس على قدره صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يبلغ قدره أحد صلوات الله وسلامه عليه، لا في الأولين ولا في الآخرين، لكن كلٌّ يحاول على قدره بما يشرح الله عزَّ وجلَّ صدره، وكلما زاد في التشبه به قلبيًّا وخُلُقِيًّا - سواء مع الناس، أو مع ربِّ الناس - كلما زاد في المقام عند الله عزَّ وجلَّ. لكن من تشبه به ظاهريًّا، وقضى الليل قائماً يصلي، والنهار صائماً، وحجَّ كل عام، ولم يمش على نهجه مع الله ولا مع الأنام، فمثله قوله صلى الله عليه وسلم - عندما قيل له: أن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، ولكنها تؤذي جيرانها، فقال صلى الله عليه وسلم: {لا خير فيها هي في النار} (أحمد وبن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه) .

الرحمة التامة

إذن العبرة بالأخلاق الباطنة وبالرحمة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم للصغير والكبير، وللأرملة وللمسكين، وللغني وللفقير، وللأمير وللحقير، وللمهتدي والضال، فقد كان رحمة كما وصفه الله لجميع خلق الله، حتى طمعت في رحمته الحيوانات والجمادات، فجاءت إليه الحيوانات تشتكي مِمَّنْ أذاها!!

فقد جاء جَمَلٌ يلهث وخلفه أهله، ووقف على عنقه برأسه ورغى وأزبد، فقال صلى الله عليه وسلم لأهله: إن هذا الجمل يشكو إليَّ منكم - وهذا الحديث (رواه الإمام ابن ماجة والإمام الدارمي في سننهم رضي الله عنهم) – قالوا: ومِمَّ يشكو يا رسول الله؟ قال: يقول إنكم ربَّيتُمُوه عندكم صغيراً، حتى إذا كبر واستسمنتموه فجعلتموه فحلاً، وأخرج الله لكم منه نتاجاً كثيراً، فلما عجز أردتم ذبحه، قالوا: لقد صدق فيما قاله يا رسول الله. قال: فإنه جاء لائذا بي فبيعوه لي، فقالوا: يا رسول الله وهبناه لك، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمشي حرًّا طليقاً على وجهه. ثم إذا به يرجع ويسجد، ويقول صلى الله عليه وسلم أمين مرتين، ثم تتغرغر عيناه صلى الله عليه وسلم بالدموع، فسألوه عن سبب ذلك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد دعا فقال: سكن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكنت رعبي، فقلت: آمين. ثم قال: أمن الله عزَّ وجلَّ أمتك هول يوم الدين كما أمنتني، فقلت: آمين. ثم قال: لا جعل الله بأسهم بينهم فاغرورقت عيني بالدموع، لأني قد سألت الله هذه الثلاث فأعطاني الاثنين ولم يعطني الثالثة، وهي (لا جعل الله بأسهم بينهم).

وجاءه طائر صغير، فقال صلى الله عليه وسلم عندما رآها ترفرف عليه بجناحيها: (أيكم فجع هذه بأولادها؟ فقال أحد أصحابه: أنا، فقال: ردُّوها عليها، فردها إلى مكانها فرجعت) (الحاكم عن بن مسعود رضي الله عنه). والحكايات في هذا المجال كثيرة، فقد كان من فرط رحمته صلى الله عليه وسلم يطمع في رحمته - فضلاً عن الجن والإنس - الطير والوحش والجمادات، وكل شيء في ملك الله وملكوته. وهكذا يا إخواني الصالحون.

فتشبهوا إذ لم تكونوا مثلهم     إن التشبه بالرجال فلاح

وعليكم يا إخواني بهدي رسول الله فيما بينه وبين الله، اقرءوه وعوه ثم اعملوا به على قدركم، واعتذروا لله كما نعتذر جميعا من ضعفنا وتقصيرنا، فإننا لا نستطيع مهما أوتينا من قوة أن نقدم لله عزَّ وجلَّ شيئاً ولو قليلاً جداً من بعض ما أنعم الله عزَّ وجلَّ علينا من نعمه الجميلة، شكراً له عزَّ وجلَّ على هذه النعمة، لكن كما كان أصحاب النبي وكما أثنى عليهم الله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [17، 18الذاريات]. مِمَّ يستغفرون؟!! يستغفرون من التقصير الذي رأوه في عباداتهم لله، وفي طاعتهم لله عزَّ وجلَّ.

وهذا حال الصالحين!! فتجدهم جميعاً مهما بلغ أحدهم من رقي، ومن عُلُوٍّ ومن صفاء، في نهاية ذلك كلِّه يقولون - كما قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:

أَمَرْتُكَ الخَيْرَ لَكِنْ مَا ائتَمَرْتُ بِهِ        وَمَا اسْتَقَمْتُ فَمَا قَوْلِي لَكَ اسْتَقِم

يرون أنفسهم مقصرين، ويرون أنفسهم لم يقدموا لله عزَّ وجلَّ قليلاً ولا كثيراً إذا حاسبهم بعدله، وإذا وزن أعمالهم بميزان الإخلاص، وإذا حاسبهم على نعمه، لكنه أذا تفضل وعاملهم بفضله فإنَّ القليل يكون عنده كثير!! فلا يغترون، ولا بأنفسهم يعجبون، ولا يتيهون فخراً ولا دلالاً على غيرهم بعباداتهم وبصالحاتهم، وإنما يرون أنفسهم دائماً مقصرين، لأنهم - كما قلت يا إخواني - يتشبهون بصفات النَّبِيِّ صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [61الصافات]. وعلى هذا النهج سار الصالحون.

ولذلك أحببنا الصالحين حتى نرى كيفية تطبيقهم لأحوال وأخلاق سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، والكرامات التي تصحب أهل الصلاح والتقوى في كل وقت وحين هي صبرهم على إيذاء الخلق، وتحمُّلهم لأذاهم، وعدم الرد عليهم بمثلهم. فليست الكرامة أن تطير في الهواء فإن الطير يطير في الهواء، ولا أن تمشي على الماء فإن السمك يغوص في الماء، ولا أن تمشي في خطوة من المشرق إلى المغرب فإن الجِنَّ يصنع ذلك، ولكن الكرامة أن تُغَيِّرَ خُلُقاً سيئاً فيك بِخُلُقٍ حَسَن. تلك كرامة الصالحين، والتي قالوا فيها: (الاستقامة خيرٌ من ألف كرامة).

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا الاستقامة، وأن يُشْرِقَ على قلوبنا بأنوار الحبيب المصطفى، وأن يجعله نوراً لنا في قلوبنا، وأنيساً لنا في قبورنا، ومثبِّتاً لنا عند سؤالنا، وشفيعاً لنا عند حشرنا، وأن يجعلنا من رفقائه في جنات النعيم، وأن يكرمنا بحسن متابعته، وأن يتفضل علينا بأحواله العالية، وأخلاقه الراقية، ومنازلاته السامية.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

**********

  • 7 مسجد الأنوار القدسية بالمهندسين في ذكرى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مساء الخميس 12 من ربيع الأول 1418 هـ الموافق 17/7/1997
اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي