Advanced search

دروس Related

  • وجب اتباع رسول الله

    More
  • خطبة الجمعة_كيف عالج رسول الله الَمجتمع و الأفراد

    More
  • منهج رسول الله لإصلاح القلوب والنفوس

    More
View all

New الدروس

  • وجب اتباع رسول الله

    More
  • منهج رسول الله لإصلاح القلوب والنفوس

    More
  • الواجب علينا نحو النبي صلى الله عليه وسلَّم

    More
اعرض الكل

Most visited

  • آداب العزاء للسيدات

    More
  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    More
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    More
View all

من سير الصالحين -سيدى عبد القادر الجيلانى

Visits number:68 Downloads number:2
Download video Watch Download audio Listen
من سير الصالحين -سيدى عبد القادر الجيلانى
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



{في مناقب سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه}

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

الحمد لله رب العالمين الذي هدانا بفضله وبنوره إلى طريقه المستقيم ومنهجه القويم.

والصلاة والسلام على أفضل من خصَّه الله في الذكر الحكيم بالتكريم، سيدنا محمد وآله وصحبه والناهجين على نهجه إلى يوم الدين، واجعلنا منهم ومعهم أجمعين آمين يا رب العالمين.

قد خصصنا في اللقاء الأخير الشهري يوم الخميس، ونحن ماشيين فيه في مسلسل في الآيات القرآنية التي تتحدث عن خير البرية صلى الله عليه وسلَّم.

وزدنا عليه يوم الأربعاء ـ لمن شاء ـ على أن نخص بذكرى رجلٍ من رجالات الله الصالحين، لقول الله تبارك وتعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاولِي الالْبَابِ ﴾  (111يوسف).

وبدأنا كذلك وخصصنا يوم الإثنين بث مباشر كذلك عن {عجائب عالم القلب} وجعلنا كل أسبوع للبث يوم الإثنين والخميس، وبعدين ثبتنا كل شهر الاربعاء والخميس إن شاء الله.

ربما يسأل سائل: لماذا نحكي عن الصالحين؟ ولا نحكي عن الصحابة المجتهدين أجمعين؟

لأن ذكر الصالحين فيه إحياءٌ للعزائم، وسحذٌ للهمم، هم رجال ونحن رجال.

أما الصحابة فيكفيهم وبينهم شمس رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مشرقةٌ على قلوبهم على الدوام، وأين لنا بهذه؟

فإذا ذكرنا الصحابة يقول بعض أصحاب النفوس وذوي الهمم الضعيفة والعزائم الخائرة، أين نحن وأين الصحابة فقد كان الرسول معهم؟ فنلزمهم الحُجة ونذكر الصالحين الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ووصلوا إلى الفتح الرباني الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، واتصلوا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم باطناً وبعضهم إتصل به باطناً وظاهرا رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين.

وسنبدأ بذكر الأعلام الذين لهم قدمٌ في جذب الخلق إلى الحقن والأخذ بايديهم للصول إلى مقاعد الصدق عند الله تبارك وتعالى، لأن هؤلاء همتهم أعلى.

كثيرين كانوا مجدين ومجتهدين في طاعة الله وعبادته بأنفسهم ولأنفسهم فقطن وليست هذه بغيتنا، لكن بغيتنا أن نشد غيرنا إلى الله، وان نكون دعاةً يدعون الخلق إلى الله وندخل في قول الله:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33فصلت).

والحقيقة التي لمستها عند دراسة أحوال الصالحين أجمعين وأنتم يكفيكم كتب الدكتور عبد الحليم محمود وقد كتب حوالي 25 كتاباً عن الصالحين بأسلوبٍ عصري وواضح وسهل، ومحقق وعلمي بعيدا عن الخزعبلات والخرافات.

ومن يرد أن يطلع على الصالحين أجمعين ويعرف شيئاً عنهم فعليه بكتاب {الطبقات الكبرى} للإمام عبد الوهاب الشعراني رضي الله تبارك وتعالى عنه.

لو لمسنا وتحسسنا إلى أحوال الصالحين نجد أن بدايتهم كانت الغرام الشديد في سماع وقراءة أحوال الصالحين السابقين، لأنها هي التي تشد العزيمة وتقوي الهمة، حتى إمامنا الإمام أبو العزائم رضي الله عنه كان له مقدمةٌ يتحدث فيها عن نفسه:

في كتاب: {شراب الأرواح من فضل المنعم الفتاح} في طبعته الأولى التي طُبعت في حياته،كان فيه طبعة قديمة كان في الوسط:

{أصول الأصول لمعية الرسول}، وفي الهامش {كتاب شراب الأرواح} ففي مقدمة شراب الأرواح كان يتكلم في مقدمة عن نفسه، وللأسف أنهم حذفوها في الطبعات التالية.

فيقول: كنت مغرماً بأحوال الصالحين وعلى شوقٍ دائم لسماع حكاياتهم والقراءة عنهم، حتى أني من كثرة قراءتي لكتاب {روض الرياحين في مناقب الصالحين} ـ وهذا كتاب كبير، بعضه مختصر صغير، وموجود في المكتبات ـ فيقول: حتى أني من كثرة ما قرأت في كتاب روض الرياحين في مناقب الصالحين حفظته حفظاً تاماً، لماذا؟ لأنه كان متعلق بهؤلاء القوم ويريد أن يكون منهم ومعهم.

من هؤلاء الأئمة الأعلام في ليلتنا هذه السيد:

{عبد القلادر الجيلاني} رضي الله عنه وارضاه.

وكلمة {السيد} لقب يُطلق على آل بيت النبي أولاد الحسن والحسين لقوله صلى الله عليه وسلَّم:

(ذريتي من فاطمة).

وقال عنهم صلى الله عليه وسلَّم:

(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).

[إبن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].

وقال عن الحسن:

(إن إبني هذا سيد، وسيُصلح الله به بين فئتين كبيرتين من المؤمنين).

[الإمام البوصيري وابن حجر العسقلاني صحص].

وقد كان، فالنابغة منهم والزاهد العابد الصالح منهم نقول له السيد فلان، السيد هذا لقب وليس إسماً، وحتى الذي إشتهر عند الناس يقولون: السيد البدوي، فإسمه أحمد ـ السيد أحمد البدوي، ولكن الناس إختصروا الإسم فقالوا: السيد البدوي، لأن آل البيت جميعاً يُطلق عليهم السيد فلان، والذين هم من ذرية فاطمة من الحسن والحسين رضي الله تبارك وتعالى عنهما.

وحكمة سيدنا رسول الله عندما قال ذريتي من فاطمة، لأن سيدنا علي تزوج من أخريات غير فاطمة وله منهن أولاد، لكن إختص الميراث لأولاد فاطمة من الحسن والحسين الذكور، لأن كان لهم أخٌ آخر إسمه محسن ومات صغيراً، فدائماً الذرية تكون من الرجال وليست من النساء.

السيد عبد القادر الجيلاني في عصر الدولة الأموية وهذا أمر نلحظه في تارخ الصالحين حدث إضطهاد شديد من بعض الحكام لآل بيت النبي، فاضطروا إلى الهجرة عن موطنهم الأصلي في المدينة ومكة، وبعضهم كان في بلاد العراق ذهب إليها مع الإمام علي واستوطن هناك إلى جهاتٍ شتى.

منهم من جاء إلى مصر كالسيدة زينب رضي الله عنها ومن كان معها، ومنهم من فرَّ بنفسه إلى بلاد المغرب الأقصى، ومنهم من فرَّ بنفسه إلى أقصى بلاد الشرق، أفغانستان حالياً وأوزبكستان حالياً بعيداً عن سلطة الدولة التي كانت تقهرهم وتحاول أن تتخلص منهم على الدوام.

كل ذلك حتى لا يتفاجأ البعض عندما يعلم أن السيد عبد القادر سُمي جيلاني لأنه وُلد في جيلان، وجيلان بلدة في أفاغنستان قريبة من الحدود إيران الآن، لماذا سُمى بالجيلاني؟

لأنهم هاجروا فراراً من الإضهاد الذي كان يلحقهم من بعض حكام الأمويين الأشداء على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلَّم.

وُلد سنة أربعمائة وسبعين (470) هجرية وكان أبوه رجلاً زاهداً من الزهاد الصالحين، وأنجب عبد القادر وأخٌ له، وتوفى فتربى يتيماً ربته وأخيه أمهما، وكانت من الصالحات.

وكان السيد عبد القادر ككل الأتقياء والأولياء والكمل من الصالحين، كان عنده رغبةٌ شديدة جداً جداً في طلب العلم، فبعد حفظه للقرآن أخذ يطلب العلم في بلدته، إلى أن جمع العلم من العلماء الموجودين في بلدته، إنتقل إلى البلاد المجاورة وما زالت شهيته مفتوحة إلى طلب العلم ـ وهذه من صفة الأولياء، فمن يملُّ من طلب العلم فيعرف أن هذا عيبٌ عنده ولابد أن يتخلص منه إن أراد أن يلحق بالصالحين.

فلما وجد العلماء شهيته مفرطة في طلب العلم، قالوا له: إذهب إلى بغداد وكانت عاصمة الخلافة العباسية في ذلك الوقت، وكانت حاضرة العالم أجمع، أكبر مدينة في الحضارة في وقتها.

فقرر أن يذهب إلى بغداد لكنه كان كثير الأدب مع أمه فاستنأذنها في السفر، فقالت: يا بني لا أطيق فراقك، ولكن ما دمت ترغب في طلب العلم فسافر على بركة الله وأذنت له.

وقالت يا بني خذ نصيبك قبل السفر فإن أباك فد ترك لك وأخاك ثمانين ديناراً، فخذ أربعين وأترك لأخيك أربعين.

وكانوا لا يسافرون إلا في قافلة، فمن يُرد أن يسافر يذهب إلى محطة السفر وينتظر متى ستتحرك القافلة للسفر ويتجهز، ويمشي معهم فرقة تأمين خوفاً من قطاع الطريق الكثيرين.

وهي زيادة في الإحتياط وضعت له هذا المال داخل ثوبه الداخلي وخاطته، حتى لا يعرف أحدٌ طريقه، وسافر وكان عمره ثمانية عشر سنة ـ حتى تعلمون الرغبة منذ متى؟ كان عنده ثمانية عشر سنة.

وهو في الطريق خرج عليهم قطاع الطريق وأخذوا كل ما في القفلة، وجاءوا إليه فقالوا له: ما معك؟ قال: أربعين ديناراً، فظن قطاع الطريق أن عقله به شيئ، فأخذوه إلى زعيمهم وقالوا أن هذا الغلام يزعم أن معه أربعين ديناراً، فقال له: ما معك؟ قال: أربعين ديناراً قال: أين هي؟ قال: ها هي، قال ولم لم تكذب؟ قال: إن أمي عندما ودعتني إلى السفر أخذت عليَّ العهد أن لا أكذب أبداً.

فمسَّت هذه الكلمات بإرادة الله قلب هذا الرجل، وقال: لرفقائه: إذا كان هذا يخشى أن  يكذب، لأنه وعد أمه أن لا يكذب، فماذا نصنع نحن في وعد الله الذي أخذه علينا تبارك وتعالى، إني تائبٌ على يد هذا الغلام، وأنتم وشأنكم، قالوا: ونحن معك، فتابوا جميعاً وردُّوا الأموال إلى القافلة ببركة صدقه رضي الله تبارك وتعالى عنه.

حتى اللصوص والسارقين كان عندهم في هذه الأوقات البعيدة أخلاقٌ كريمة ليتها تكون في عصرنا هذا، فمن الأسس الطريفة في هذا الأمر ـ وإن كانت بعيدة عن سيدي عبد القادر ـ إلا أن مجموعة من من اللصوص دخلوا بيت رجلٍ ثريٍّ ليسرقوه.

وبعد أن دخلوا فوجئ الرجل وهو على باب حجرته، وفيها زوجته باللصوص واقفون، فقالوا: أستر زوجك لأننا سنأخذ ما في البيت، قال: خذوا ما في البيت ولكن لا تقتلوني، قالوا: لن نقتلك، قال: إن كان ولابد كم عددكم؟ قالوا: عشرة، فأخرج لكل واحدٍ منهمة ألف درهم، وقال: خذوا هذه واتركوني، قالوا: لا مانع.

وبينما هم يهموا بالخروج، وجد واحدٌ منهم حُقَّاً شكله ثمين، فأخذه الفضول إلى أن يفتحه، ففتح الحُق فوجد فيه شيئٌ يُؤكل ولا يعرف ما هو، فأكل منه فإذا به ملح، قال: إنه ملح فقال زعيمهم: أأكلت منه؟ قال: نعم، قال: إذاً لا نأخذ من هذا الرجل شيئاً، ما دمنا قد أكلنا من بيته ولو ملحاً فلا نأخذ شيئاً منه.

حاول الرجل أن يعطيهم جميعاً ثمانمائة درهم فرفضوا، أو أربعمائة فرفضوا، وقالوا: والله لا نأخذ شيئاً ما دمنا أكل واحدٌ منا في بيتك ملحاً، فلا نأخذ شيئاً قط.

أين هذه الأخلاق، ولمن هذه الأخلاق؟ للصوص.

ذهب سيدي عبد القادر إلى بغداد، وأخذ في طلب العلم، وأخذ يتجول على طبقات العلماء، علم الفقه أولاً، درسه وتوغَّل فيه، ولذلك له كتابٌ سماه {الغُنية لطالبي الحق عز وجل} والكتاب موجود فيه كل شيئٍ عن الفقه من البداية إلى النهاية، البداية فقهية والنهاية صوفية، ودرس الحديث ودرس التفسير ودرس النحو ودرس الأدب تبحَّر في كل العلوم.

وفي أثناء ذلك كان لا يبيت في بغدادة، فيأتي إلى بغداد لطلب العلم ثم يخرج إلى الصحراء للعمل بالعلم، لتطبيق العلم عملياً في طاعة الله وإقبال على الله، وإفراد الله تبارك وتعالى بالقصد.

وكان مصراً كغيره من الصالحين الصادقين أن لا يأكل إلا من عمل يده، لا يطلب من أحد ولا يتكفف أحد، بل لا يمد يده إلا إلى الواحد الأحد تبارك وتعالى.

وحدث في هذه الآنات أن أصاب بغداد قحطٌ شديد، ويذكر هو عن نفسه ويقول:

ففنيت الأوقات إلا القليل، وأنا مكثت ثلاثة أيام لا أُطعم شيئاً فلا يوجد طعام ـ فمشيت لأبحث عن طعام فلم أجد، فدخلت إلى مسجد ورجليَّ أقعدتني من الإجهاد لا يستطيع المشي ولا يستطيع الوقوف، وبعد جلوسي إذا بي برجلٍ يدخل ومعه لحمٌ مشوي وخبز، فأخذ يأكل وكلما رفع لقمة أحرك فمي كأني سآكل هذه اللقمة.

وإذا بالرجل يلتفت إليَّ ويطلب مني أن آكل معه فرفضت، فأصر على أن آكل معه، وأثناء الأكل قال له: من أين أنت؟ قال له: من جيلان، فقال له: وأنا أيضاً من جيلان، أنا هنا في بغداد ـ وهو الرجل الآخر ـ فقال له: أنا هنا من فترة وأبحث عن عبد القادر الجيلاني ولم أجده، فقال له: أنا هو عبد القادر الجيلاني، فقال له: أمك قد أعطتني ثمانية دنامير أوصلها لك، وأنا نفدت كل الأموال التي معي، ومكثت ثلاثة أيام بدون طعام، فاضررت للأخذ من مالك لأشتري هذا الطعام، فأصبحت أنت صاحب الضيافة وأنا ضيفك، ولست أنت ضيفي لأن هذا مالك، وسامحني فيما جرى لك.

فكانت أمه تواصله وكانت ترسل إليه الرسائل وتضع في الرسائل ـ ولا أعلم كيف كانت هذه المسلمات في أذواقٍ عجيبة وغريبة وأحاسيس عجيبة؟

قالت كانت ترسل لي مع الخطاب خُصلة من شعرها وتقول له: إشتقت لك وتوحشتك، فأقول لها: إن شئتي تركت العلم وأتيتك ـ لأنه بار بها ـ فتقول له: ما دمت ترغب في العلم فابقى في طلب العلم ـ فآثرت نفسها على رؤية إبنها في طلب العلم.

في هذه الآنات كان ماشياً في يومٍ من الأيام فجاء على خاطره أن ما حدث ربما يكون للموبقات والآثام التي يقع فيها أهل بغداد، فأخرج من بغداد ـ وعزم على ذلك

وهو خارج من بغداد إذا بصاحب منزل يفتح الباب ويقول له: تعال وأدخل يا عبد القادر، في ماذا تفكر؟ قال له: الخروج من بغداد، قال له: إنك لك أثرٌ بالغ ستتركه في بغداد، فقال له: ومالي وما للناس؟ أنا أريد أن أفر بنفسي، فعرَّفه الرجل، وهذا الرجل هو شيخه الشيخ حماد الدباس رضي الله عنه.

فلما أصر على عدم الدخول قذفه بشدة وغلَّق الباب وراءه، يقول: بعد يومين إنتابتني أحوال عليه وخواطر كثيرة، وتنميت من الله أن يدلني على رجلٍ يبين لي هذه الخواطر، فمر ببيت الرجل مرة أخرى ففتح وقال له: ماذا كنت تتمنى بالأمس على الله؟ قال: كنت أتمنى كذا، فقال له: تعال.

قال: فأخبرني بكل أحوالي التي حدثت لي، وصحبه وتتلمذ على يديه في علوم الولاية، وكان قد حصَّل علوم الشريعة، وعلوم اللغة وعلوم الأدب، وكلها كان قد حصلها رضي الله عنه.

وبعد أن حصَّل حدثت له حالة الوله، وهي الجذب وخرج إلى صحراء بغداد ومكث 25 سنة في هذه الصحراء، وقال: كنت ألبس ثوباً من الصوف الخشن، والصوف الخشن يعني صوف الغنم الطبيغي وكانوا ينسجوه وهو غير الصوف العصري، وكان لا يلبسه إلا الفقراء.

وأمشي حافياً وأضع خرقة على رأسي وآكل من حشائش الأرض وأشرب من مياه الأنهار، وأنشغل بذكر الله بالكلية، قيل أنه كان في الليلة الباردة شديدة البرودة ينزل منه العرق الشديد، ويطلب ممن حوله أن يروحوا عليه بمراوح كأنه في الصيف من شدة إستغراقه في ذكر مولاه تبارك وتعالى.

واستمر في هذا الذكر، وكان أحياناً يغيب عن وعيه، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(أذكر الله حتى يقال مجنون).

[الترمذي والبغدادي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].

فلما كان يغيب عن وعيه ظنَّ من حوله أن به جنون فأدخلوه البارستان ـ وهو مكان المجانين ـ وهناك جاءه الموت ورأوه كأنه مات، فوضعوه على الدكة وأحضروا الغُسل ليغسلوه ويكفنوه ويدفنوه، فأيقظه رب العزة تبارك وتعالى من هذا الحال.

كم سنة في هذا الحال يا إخوانا في الجهاد؟ 25 سنة إلى أن إمتلأ من رأسه إلى أخمص قدميه بالعلوم الإلهية.

وجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مرةً قبل الظهر، وقال يا عبد القادر تكلم لينتفع الناس بعلمك، قال: قلت يا سيدي أنا رجلٌ أعجمي ـ على أساس أن بلده من بلاد العجم، وهي بلاد الفرس وأفغانستان وكلها إسمها بلاد العجم ـ ولا أجيد النطق بالعربية، فقال له: إفتح فاك، ففتح فاه فتفل فيه صلى الله عليه وسلَّم سبع مرات.

وصلى صلاة الظهر بالمسجد، فإذا بالمسجد غاصٌّ بأهله، وصلاة الظهر نادر أن يكون فيها عدد كبير من المصلين، والتف الناس حولي وقالوا: حدثنا بما فتح الله عليك، قال: فارتُجَّ عليَّ ـ عندما رأى هذا العدد المهول ـ وإذا بي أرى الإمام علي في اليقظة، وقال: يا عبد القادر حدث الناس لينتفعوا بعلمك، قال فقلت: ياسيدي أنا رجلٌ أعجمي ولا أستطيع النطق باللغة العربية جيداً، قال: إفتح فاك، فتفل فيه ست مرات، فقلت: يا سيدي لم لم تكملهم سبعاً، قال: أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

فبدأ يتحدث للناس وأعطاه الله عز وجل القبول في قلوب الناس ـ فليس المهم العلم، ولكن المهم القبول ـ من الذي يُقبل بالقلوب؟ علام الغيوب.

لو معك علوم الأولين والآخرين ونزع الله القبول من قلوب الحاضرين، فهل أحدٌ يبقى ليسمع؟ سيتركوك ويمشوا، ولو لم يكن معك شيئ خالص ووضع لك القبول في قلوبهم، سيجلسوا ولو كانوا صامتين وينظرون لك وفقط.

الا يحدث هذا؟ هي كذلك:

(إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني أُحب فلاناً فأحبه، فينادي جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ويوضع القبول في أهل الأرض).

[صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وهذه فيها معنىً لطيفاً فانتبهوا له: أهل السماء أهل القلوب العالية السائحة في عالم السماء على الدوام، يعني كبار الصالحين والأولياء.

فهؤلاء يحبوه ويمدوه، ويوضع له القبول في أهل الأرض وهم الذين لا يزالون في الأرض ولم يصعدوا بعد، لا يزالوا محجوبين بالنفس والهوى والشهوات والحظوظ، فيوضع القبول في قلوبهم حتى يقبلوا عليهم.

وإذا أقامك أعانك، جاء رجلٌ أستاذاً لهم في علم الحديث، وكان له مدرسة كبيرة يعلم فيها تلاميذه الحديث، فطلب منه أن يقبل منه هذه المدرسة ليعلم المريدين فيها، وأنظر إلى إعانة الله كيف تأتي؟ فلم يبع ولم يشتري، ولكن فضل الله واسع.

فجلس في هذه المدرسة وانهالت عليه عطايا من كل جانب من المجاورين للمدرسة، كل شوية واحد يتنازل عن دراه من الجيران فيوسعونها، وآخر يتنازل عن داره فيوسعونها، ولذلك أكبر  مساجد العالم الإسلامي الآن مسجد عبد القادر الجيلاني، من أكبر مساجد العالم الإسلامي، وأكبر الأضرحة أيضاً ضريحه في بغداد ضريح سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه وأرضاه.

متى كان هذا الكلام؟ كان وكان عمره حوالي 48 سنة ـ وهذا للناس المتعجلين، من يُرد أن يمكث معنا شهرين ويملأ الكون علماً، أو يبقى معنا سنتين ويريد أن يكون ولياً وله كرامات.

لكن كما ترون هذا الرجل في الجهاد 25 سنة، أين؟ في الصحراء سنة 518 هجرية بدأ الدعوة إلى الله لأنه مولود 470 فيكون عنده حينها 48 سنة، أليس كذلك؟ في الدعوة إلى الله.

وكان طبعاً لشدة تعلقه بمولاه لم يتزوج، فتزوج فذهب إليه أحدهم وسأله: لم تزوجت؟ فقال: أمرني النبي وقال لي: تزوج، لأن المربي للمريدين لا يجوز أن يكون أعذباً، لابد أن يكون رجلاً متزوجا ومتأهلا.

فتزوج ولكنه لم ينشغل بذلك، فكان من شدة فنائه في الله يقول:

[وُلد لي إثنى عشر ولداً، ما وُلد واحدٌ منهم إلا كبرت عليه أربع تكبيرا] ـ يعني حتى لا ينشغل به عن الله.

﴿ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (28الأنفال).

حتى لا يُفتن به عن الله تبارك وتعالى.

إشتهر في بغداد كلها بالعلم، وكان يدرس ثلاثة عشر علماً، ففي الصباح يدرس في علم الفقه ـ لأنها مدرسة شاملة كاملة كالجامعة ـ فيدرس في علم الفقه ويدرس في علم الحديث ويدرس في علم التفسير، وبعد الظهر يجود القرآن لمن أراد أن يجود، وهذا غير العلوم الإلهامية الوهبية للصفوة الذين يريدون القرب من رب البرية تبارك وتعالى.

وكحالة العلماء في كل زمانٍ ومكان، غار علماء بغداد من جمع الخلق عليه، لأنه كان يحضر مجلسه ما لا يقل عن عشرة آلاف نفس.

وكان شديد الإهتمام بالوعظ، لذلك كان لا يخلو درس من دروسه من توبة عددٍ لا يُحصى من الحاضرين.

فجهَّز مائة عالم من بغداد أسئلة وذهبوا مجتمعين لامتحانه، فجلس على كرسيه ـ يعني في المدرسة التي يدرس منها ـ وإذا ببارقةٍ تخرج من صدره تأخذ كل العلوم التي جهزوها في نفوسهم، ثم بعد ذلك أجابهم عنها جميعاً واحداً بعد واحد.

وكان إذا أتته مسألة فقهية يعجزون عنها، يرسلون إليه فيحلها إلهاماً من الله، ولذلك تجد المسائل الفقهية العويصة من الذي يحلها؟

الصالحون، كما حكينا عن الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، فجاءوه ذات مرة وقالوا له: واحد حلف طلاق ثلاثاً أن يعبد الله عبادة بمفرده لا يشاركه فيها أحد ـ وهذه معلومة جانبية أعرفها لكم:

الطلاق الثلاث هو واقع في المذاهب الأربعة ـ أأنتبهتم لذلك؟ الطلاق الثلاث واقع في المذاهب الأربعة، لكن العلماء الأجلاء في بداية القرن العشرين وفي منتصفه تقريباً عندما وجدوا هذا الموضوع إنتشر وأصبح كالوباء، قالوا: نبحث في المذاهب الأخرى، فذهبوا إلى إبن تيمية، وابن تيمية عنده من يحلف بالطلاق فهذا ليس بحلف، لأن الحديث:

(من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).

[البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه]

فما الذي يقع في الطلاق؟ إذا قال لها: أنتِ كذا ـ يعني أنتي طالق ـ لكن اليمين لا، ولو قال لها: هذه الكلمة في ثلاث مرات في جلسة واحدة، فهي أيضاً تكن مرةً واحدة، يعني المذهب الذي نمشي عليه حالياً مذهب من؟ مذهب إبن تيمية، وليست المذاهب الأربعة، لأن في المذاهب الأربعة إذا قال عليَّ الطلاق فيقع على الفور، فإذا قال: علي الطلاق فيكون يميناً على الفور، ولو قال: علي الطلاق بالثلاثة فيكون ثلاثة على الفور، عندهم هذا في المذاهب الأربعة ومتفقين على ذلك، وهذه معلومة لكم لتعرفوها.

فقالوا له: أن هذا الرجل حلف بكذا أن يعبد ربنا عبادة بمفرده ولا يشاركه فيها أحد، فقال: يذهب لمكة ويخلوا له المطاف ويطوف وحده، فبهذا يكون بذلك قد حل اليمين، أرأيتم كيف يكون الإلهام من الله؟ ففي أي كتاب موجودة؟ لا يوجد، وموجودة في أم الكتاب، وهو أتى بها من أم الكتاب إلهام من الله تبارك وتعالى.

وأخذ رضي الله تبارك وتعالى عنه يربي المريدين، والحقيقة الطريقة القادرية من أكثر الطرق إنتشاراً في العالم الإسلامي كله، ولها مآثر كثيرة على دخول المسلمين الجدد في الإسلام على يد أتباع الطريقة القادرية، فلو تابعنا التاريخ كان لهم دور كبير في نشر الإسلام في أفريقيا، فكان أتباع الطريقة القادرية في بلاد المغرب العربي ـ وهم كثير هناك وفي السودان.

وهم الذين يتحملون العناء، ففي وسط أفريقيا صحراء جرداء، فيمشون في هذه الصحراء ولا يهابوا الوحوش التي هناك، ويذهبون لا يرجون إلا رضا الله، وهم الذين نشروا الإسلام في الدول الأفريقية المسلمة الآن، والدول الإسلامية الأفريقية غير العربية، يعني مثلاً: السنغال ومالي ونيجيريا والنيجر وغيرها، كل هذه الدول إسلامية الآن، من الذي نشر فيها الإسلام يا إخوانا؟

الطريقة القادرية والطريقة التيجانية التي كانت موجودة في بلاد المغرب العربي، والطريقة الشاذلية وهم أتباع الصوفية، لماذا؟

لأن الواحد منهم لا يذهب هناك ليرجع بكنز من المال، لا يذهب لوجه الله وليس عنده مانع أن يلتحف السماء ويفترش الأرض، يعني ينام على الأرض وبدون غطاء، وربنا يغطيه ويدفيه، لأنه ذاهب لله سبحانه وتعالى.

كذلك في الجهاد الأسيوي هم الذي حملوا الإسلام في بلاد الهند وباكستان وماليزيا وأفغانستان، هم الذين حملوا الإسلام في هذه البلاد، فالطريقة القادرية لها شأنٌ كبير في نشر الإسلام في هذه البقاع في البدايات وفي النهايات.

فكان سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه يؤدب مريديه ويهذبهم غاية التهذيب، وكان يربيهم بالحال والقال، يمد بالحال ويعلمهم بالقال، والأساس عنده الشريعة المطهرة، لا يترك الشريعة طرفة عينٍ ولا أقل.

ويمكن من أتباعه أولياء ومذكورين في كتب طبقات الأولياء، من جملتهم واحد إسمه محمد الخوارزمي من بلد إسمها خوارزم وهي في روسيا الآن، فيقول: وسمعت عن الشيخ عبد القادر في بغداد فجئت لأزوره، وتعرف عليه فيقول: وصلت عنده مع صلاة العصر كان يصلي العصر بمريديه من {بلخ}، فبعد العصر المريدين إلتفوا ليسلموا عليه، فذهبت لأسلم عليه، فقال لي: أهلاً بك يا أبا الخيل يا محمد، ولم أكن قد قابلته قبل ذلك، إن لك عند الله خير كثير، فقال: فلازمت مجالسته وبعد ذلك أعطاه الأوراد، وكان الصالحون زمان عندهم خلوات، يُدخل المريد الخلوة ويعطوه الأوراد وينتظر بماذا يفتح عليه الله، ويقول له: تعرض عليَّ كل خواطرك.

فيقول: ذات يوم من الأيام وأنا جالس خرج من قلبي نور ورأيت إثنين قادمين، واحد معه حُلة خضرات، وواحد معه كأس مملوء، فالذي معه الحُلة قال: أنا علي بن أبي طالب، وهذه حُلة من الجنة، وهذا ملكٌ من الملائكة ومعه كأسٌ فيه شراب المحبة للأحبة.

فيقول: فألبسوني الحُلة وشربت الكأس وبعدها غبت عن وعيي، فرأيت مشهداً من المشاهد العظيمة، رأيتُ الرسول صلى الله عليه وسلَّم جالس على كرسي عظيم، وحوله الملائكة والصحابة والأولياء، وعرفت منهم فلان وفلان وفلان وذكر الأسماء في قصته، فطلبت من الله أن يرفعني حتى أرى هذا المشهد، فرُفعت فسمعت قائلاً يقول:

[إن الملائكة والأولياء إذا أراد الله أن يخصهم بزيادة في الفضل والقرب والعطاء، إشتاقوا إلى سيد الرسل والأنبياء، فيجلس على كرسيه هذا وينظرون إليه فيزيدهم جمالاً على جمال، وكمالاً على كمال].

وبعد ذلك غبت عن الدنيا ـ وحدث له حالة جذب، وبعد ثلاثة سنين فوجئت بالشيخ عبد القادر عندي، وأمسكني وقال: يا بني لقد أُمرت أن أردَّك لحالك، وحكى لي كل ما حدث لي من وقائع، وقائع يعني أشياء نورانية إلهية من وقائع، وقال لي:

يا بني لقد سألت الله تبارك وتعالى فيك سبعين مرة حتى ألبسوك هذه الحُلة، وسقوك من هذا الشراب، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سبع مرات حتى رُفعت إلى هذا المقام، وسألته سبع مرات حتى نظرت إلى حضرته، يا بني قم فاقضي ما فاتك من الفرائض، لأنه كان في حالة جذب تام لا يدري بأي شيئ حوله، وكانت هذه طريقته الحال والقال.

ولذلك واحدة من النساء الصالحات، أخذت إبنها وذهبت له، وقالت له: ياسيدي إن ولدي هذا متعلقٌ بك، وأنا متنازلةٌ لك بحقي فيه، فخذه وربيه.

فأخذه وبعد فترة من الزمن ذهبت لتتابع إبنها، فوجدته في الخلوة وأصبح كعظام على جلد، فلابد أن يُذيب الشحم واللحم حتى ينبت النور في القلب، وأعطاه شوية دقة ليأكله يعني خبز قديم يأكله، فذهبت للشيخ فوجدت الشيخ أمامه دجاجة يأكل فيها، فعاتبته وقالت له: يا سيدنا الشيخ أتأكل في الدجاجة وإبني يأكل هذه الدقة والخبز القديم؟ يعني ـ فرافيت العيش ـ أي فضلات الخبز، وكان هو قد أنتهى من الدجاجة وبقيت العظام، فوضع يده على العظام وقال: قومي بإذن الله، فقامت الدجاجة بعد أن أحياها الله تمشي وتصيح بإذن الله، فقال: يا بنية إذا وصل إبنك إلى هذا المقام، يأكل من هذا الطعام.

ونكتفي بهذا القدر لأن تربية الشيخ للمريدين تحتاج إلى حلقة أخرى إن شاء الله.

وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


Up