بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • أسئلة حائرة وإجابات شافية_مجلس المقطم الخميس 26-9-2019

    المزيد
  • أسئلة حائرة وإجابات شافية_حلقة 10 ساعة صفا 26-9-2019

    المزيد
  • الرأى الصحيح فى الأمور الخلافية

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • الرأى الصحيح فى الأمور الخلافية

    المزيد
  • تفسير قول الله تعالى: وذروا ظاهر الإثم وباطنه

    المزيد
  • أسئلة حائرة وإجابات شافية رحلة سوهاج 2019

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

هل أنا في حاجة لشيخ يوصلني إلى الله

عدد الزيارات:18 مرات التحميل:2
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
هل أنا في حاجة لشيخ يوصلني إلى الله
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



سؤال : كيف يصل الإنسان إلى الله بطريق مختصر؟ 

بسم الله الرحمن الرحيم

إخوانى وأحبابى : سألنى سائلٌ بين صلاة المغرب وصلاة العشاء ، وكنّا فى درسٍ مع بعض فُضليات النساء ، عن الكيفية المختصرة للوصول إلى الله عزّ وجلّ ؟..

وقبلها هناك سؤال يخطر دائماً على البال : هل لا بد للإنسان من شيخ ، ومن طريق إلى الله عزّ وجلّ ؟ 

الإنسان الذى يطلب الجنان ، وكل مطمع أمله هو أن ينجو من النيران ، ويدخل الجنّة بفضل الرحمن ، ولا حاجة له إلى ولىّ مرشدٍ أو عارفٍ ربانّى ، وهذا أكثر ما عليه الخلق ... لأن دخول الجنّة يحتاج إلى أمرين :

الأول هو أن يحفظ الله الإنسان من المعاصى والمخالفات ، وأن يوفقه للقيام بالفرائض المفترضات .. وهذا ما أشار إليها لحديث الشريف فى الرجل الذى سأل نبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلمّ  ، وقال : يارسول الله بما تأمرنى ؟ .. ( قال له : تُصلىّ الصلوات الخمس ، إلاّ أن تطوع ، وتصوم شهر رمضان إلاّ أن تطوع ، وتحج البيت الحرام إلاّ أن تطوع .. فقال الرجل لن أطوّع شيئاً .. وفى رواية : إلاّ أن تزيد ، فقال الرجل : لن أزيد شيئاً ، فقال صلى الله عليه وسلمّ  : أفلح إن صدق ) ...

يعنى إذا أدّى ماعليه من الفرائض ، وإجتنب ما نهى الله عزّ وجلّ عنه من المخالفات ، فإنه بإذن الله عزّ وجلّ من أهل النجاة يوم الميقات ، وتُفتح له أبواب الجنات ، وهذا هو الأمر العام لجميع الأنام ، لكن من كان مقصده درجات عالية عند الله ، أو مقامات راقية عند سيدنا ومولانا رسول الله ، فهذا لا بد له من شيخ يأخذ بيده ، ويوصله إلى المُراد .. وبالمثال يتضح المقال :

لو أحدنا يريد أن يمارس بعض التدريبات الرياضية لتنشيط جسمه ، فهل يحياج إلى مدرّب ؟ .. نعم لابد له من مُدّرّب .. لكن رجل آخر يريد أن يكون صاحب بطولة ، أو لاعب عالمى .. هل يصل إلى ذلك بدون مُدرّب ؟ .. هذا مستحيل ، وهذه هى الحكاية بإختصار .

فالذى يريد أن يكون من أهل الدرجات العالية والمقامات الراقية ، لا بد له من مُرشدٌ ربّانىّ ، وإمامٌ نورانى ، وعالمٌ عاملٌ قرآنى يأخذ بيده ، يُو جّهه، ويرشده ، حتى يصل إلى مُراده بإذن الله عزّ وجلّ .. لكن الذى يريد الجنّة فقط ، فهذا أمرٌ سهل ، وليست هناك مُشكلة ٌ.. فالشيخ والمُربّى هذا للمخصُوصين ، وللقلة المعدودين الذين يريدون الكمال ، والرُقى عند رب العالمين عزّ وجلّ .

وأضرب مثال آخر : الذى يريد أن يحصل على الثانويّة العامة بأى مجموع ، هل يحتاج لدروس خصوصية ؟ .. لا .. لكن الذى يريد أن يدخل كُليّة من كليّات القمّة ، فلا بد أن ينتقى أستاذاً .. وليس أى أستاذ ، لا بد أن ينتقى أستاذاً يجيد مادته ، ويجيد توصيل المعلومة ، لكى يبلغ المراد .. وهذا لمن ؟ للذى عنده مُراد ، والمُراد قال فيه الإمام أبو العزائم رضى الله عنه وأرضاه :

 وليس الكلُ مطلـــــوبٌ لهذا             ولكن خُصّ لبعض أفرادٍ قليلة

وكما قال ربنا فى كتابه العزيز :﴿ إِلا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾ ( ص : 24) .. وقال تعالى :﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ( سبأ : 13) .. قليل فقط ، والأكثرية قال فيهم :﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الارْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ الله ﴾ ( الأنعام : 116) .. لأنهم أصحاب أهواء ، وكل واحد يريد أن يمشى على حسب هواه ، ولذلك من منّا يستطيع أن يصادق الناس كلها .. لا يوجد .. لأن كل واحد تريد أن تمشى معه .. يريد أن تمشى على هواه ، فهذه أهواء ، والحكاية تطول ..

فطلاّب المقامات العالية قلّة معدودة ، وأعداد قليلة محدودة ، ولكنها ممدودة ، مثل طلاّب الدراسة العُليا عندنا .. فطلاّب الدراسات العُليا فى الجامعات ، كم عددهم ؟ .. 5 % ، وكم عددهم من الدُفعة 1 % ، وهذه هى نفس الحكاية لطلاّب الدرجات العالية ، والمقامات الراقية ، مثل طلاّب الدراسات العُليا فى الدُنيا الدّنيّة الخالية قلةً قليلة .. فهل ينفع لأحدٍ أن يعمل دراسات عُليا بدون أستاذ مشرف؟ .. لا ينفع  .. ولو قرأ كل كتب مكتبات الكُرة الأرضية .. فهل ينفع أن يسجّل رسالة فى أى جامعة بدون مُشرف

فلا بد من وجود مُشرف .. لابد من مشرف على الرسالة .. فهى نفس الحكاية ..

فللجامعة القرآنيّة والجامعة المُحمديّة طلاّب الدراسات العُليا الإلهية ، وإسمهم أهل الخصوصية ، أو أهل النفوس الزكيّة ، أو أهل الأرواح التقيّة العليّة ، أو أهل الدرجات الرضوانيّة .. والرضوان فوق الجنّة ، وهم لا بد لهم من وجود مشرف مأذون من خير البريّة صلى الله عليه وسلمّ ..

فلا بد أن يكون مُعتمد من جامعة .. والجامعة معتمدة ..

دكتور عظيم مُتخرّج على يديه من حملة الماجستير والدكتوراه ، ولقِىَ الله عزّ وجلّ .. هل ينفع أن أختاره مشرف لى أو لأحدٍ ؟ .. لا .. هى نفس الحكاية ، فلا ينفع مشرف ولىّ إنتقل إلى جوار الله عزّ وجلّ ، مهما كان شأنه .. فقد كان إماماً لأهل زمانه ، وكان عالم أهل زمانه ، وعالم أهل مكانه ، لكن فى عصره ، والإمام أبو العزائم رضى الله عنه قال فى هذا الشأن :

{ الله حىّ قيّوم ، ولا يصل إليه واصل إلاّ بحىّ قيّوم } .. فلا بد أن يكون حيّاً وقائماً مقام رسول الله صلى الله عليه وسلمّ ، لكن الذى إنتقل ..

من فينا حالياً يستطيع أن يذهب لسيدنا الحُسين ، ، ويتلقّى منه العلم والحكمة ، ويسمع منه الوصايا ، ويعرض عليه أمُره ، ويسمع الرّد والإجابة منه .. فمن منّا يستطيع أن يقدر على هذه الحالة .. والذى يقدر على هذه الحالة ، يكون وليّا لله لأنه يتحدث معه ، وهو فى عالم البرزخ ، لكننا جميعاً نحتاج لأحدٍ مثلنا .. ولكن أكرمه الكريم ، وعلمّه العليم ، وتوّلاه الحكيم ، وتوّجه الرؤف الرحيم صلى الله عليه وسلمّ .. فيكون مأذوناً من الله ورسوله ، يأخذ بأيدينا لكى يوصلنا إلى المنهج القويم ، والمقام الكريم عند الله عزّ وجلّ .

 أملاك ربى لهم شيخٌ يعلمهم     فكيف لا تطلبون الشيخ بالهمم

إذا كانت الملائكة لهم شيخاً . فعندما أرادوا أن يعرفوا جمال الله ، وكمال الله ، وعظمة الله ، وأسماء الله ، وصفات الله .. فكيف لهم أن يعرفوها ؟ .. قال الله لآدم : أنبئهم بأسمائهم .. أى عرّفهم الأسماء الإلهية الخاصة بهم ، الأسماء الإلهية لجميع الموجودات ، ولجميع الكائنات العُلويّات والسُفليات .. فقال له عرّفهم هذه الأسماء ، وعرفوها من آدم عليه السلام ، فصار شيخاً للملائكة عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة وأتمّ السلام .

 وأريد أن أقول لكم : هل هناك أحدٌ يستطيع أن يتعلمّ أىّ مهنة بدون أستاذ فى هذه المهنة ؟ .. فأىّ صنعة أو أىّ مهنة عندما أريد أن أتعلمها ، فلا بد من وجود أستاذ فى هذه المهنة ، ومهارتى تتوقف على مهارة أستاذى ، حتى لو فتح محلّ بمفرده ، يقول أنا تلميذ المعلمّ فلان .. لماذا ؟ لأنها تعتبر شهرةً له على أنه تعلمّ على يد فلان .

فالذى يسير إلى الله عزّ وجلّ .. فأين الطريق إلى الله .. هو طريق معنوى ، وليس طريق حِسّى ، لا يحدّه حدود ، وليس له فى دنيا الوجود وجود ، وإنّما هو طريق معنوى ، وتقطع فيه عقبات معنويّة ، وتمشى فيه فى مسارى نورانيّة ، فليس هناك إضاءة لك إلاّ شعشعان الأسماء الإلهيّة ، أو أقتباس من الحقيقة المُحمديّة تكشف لك الطريق حتى تصير من أهل التحقيق .

ولذلك ورد أو رُوى عن الإمام مُحى الدين بن العربى رضى الله عنه وأرضاه عنه من حقائق المِعراج ، والمعراج كمثال ، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلمّ لم يُبح ولم يزح حقائق الإسراء والمعراج كلها مرة واحدة ، وإنّما أنبأ فى البداية أهل مكّة عن رحلة الإسراء فقط ، لأنه ذهب إلى بيت المقدس ، ولم يُنبئهم برحلة الإسراء كاملةً من المشاهد التى رآها ، وقال لهم أنه ذاهب إلى بيت المقدس ، لأنهم أهل عقول ، والمعراج لم يرويه إلاّ فى المدينة بعد ما هاجر ، لأنهم أهل الإيمان ، وأهل الإيقان ، فكان كل فترة يكشف للمجلس على قدر أهل المجلس ، ولذلك ورد الإسراء والمعراج ، وجمع رواياته الإمام السيوطى رضى الله عنه وأرضاه فى سبع وستين رواية ، وكل رواية تختلف عن أختها .. لماذا ؟ .. كلما يجلس مع جماعة يكشف سرّ ، وما زال فى الإسراء والمعراج حقائق لا يراها إلاّ أهل الرقائق ، والعقول لا تدرك هذه النقول ، لكن يحتاج القلوب ، فهناك حقائق فى الإسراء والمعراج لم يُبحها لسان حبيب، ولكن كشف الأستار عنها لحبيب غير معيب فرآها بعين قلبه ، ولا يحكيها إلاّ لقريب من هذه الأسرار ماقاله سيدى محى الدين بن العربى رضى الله عنه ، أن الحبيب جبريل عليه السلام عندما أتى بالبراق لرسول الله صلى الله عليه وسلمّ ، وقال له ما هذا يا أخى يا جبريل ، قال هذا البراق .. والرواية إلى هنا ..

الحوار الذى أذاعه مُحى الدين بن العربى لأهل القلوب ، حوار عالى ، قال له يا أخى يا جبريل :

إنّ حبيبى مُنّزه عن الحركات ولا يوصل إليه بالمسافات ، ولا بالخطوات ...

وكيف يحمل مخلوق ضعيف من حمل أثقال معرفته التى عجز عن حملها السموات والأراضين والجبال .. هل هذا يستطيع أن يحمل الأمانة التى عَرَضَهَا الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان الكامل وهو صلى الله عليه وسلمّ ..

فالذى يريد الوصول إلى الله .. كيف ؟ إذا قيل أين .. فلا أين ... وإذا قيل إلى متى .. فليس هناك حدٌّ ولا بين ، وإنّما الله عزّ وجلّ .. لا يخلو منه زمان ولا مكان ، ولا تحدّه حيطة ، ولا مكان ، فكيف يُدركه الإنسان ؟ فهذا هو يا إخوانا العجز الذى يحتاج إلى خبير لكى يوصلنا إلى اللطيف الخبير عزّ وجلّ ..

أنا سأسافر إلى الله .. كيف يكون ؟ .. ومن أين أبدأ ؟

 منى أسافر لا من كونى الدانى     أفردتُ ربى لا حورٍ وولدانٍ 

أنت تسافر .. ممن؟ .. من نفسك .. وأين هى نفسك ؟ .. وهل تعرف نفسك ؟ .. إذن فلا بد أن تعرف نفسك لكى تسافر منها ... فمن ذا الذى سيّعرّفك نفسك ؟

رجلٌ قد عرف نفسه ، فيعرّفك نفسك .. إذن فلا بد من وجود الخبير ..

 إنّما القوم مســـــــــــــــــــــــــــــــافرون     إلى الله وظـــــــــــــــــاعنـــــون

 فا فتقدوا فيه إلى دليــــــــــل    عالمٌ بالســـــــــــير وبالمقيل

 قد سلك الطريق ثم عاد     ليخبر القوم بما إستفاد 

لأنه يعرف الطريق ، فيخبرك ويقول لك : هنا توجد عقبة .. هنا ممنوع السير فيه .. هنا تسير بسرعة

فلا بد من  عارفٍ بالطريق لكى يعلمّه لك .. والطرق الأرضيّة ربّما نحتاج فيها إلى دليل ..

فماذا نحتاج فى الطرق السماويّة ؟  ..

سيدى أبو العباس المُرسىّ رضى الله عنه وأرضاه ، كان التلميذ النجيب لسيدى أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه وأرضاه ..

وكان لسيدى أبو الحسن الشاذلى رجلأ خادماً يخدمه ، وكان معه دائماً ، ويُهَيأ له أنه أقرب الناس إلى الشيخ ، لأنه معه دائماً .. يغلق عليه الباب ، ويفتح عليه لدخول فلان ، ولخروج فلان .. ففى يومٍ من الأيام إشتدّ فى الكلام مع سيدى أبو العباس المرسى ، فدعاه الشيخ ، وقال له :

{ مالك وما لأبى العباس ؟ والله لأبى العباس أعلم بطرق السماء منك بطرق الإسكندريّة } ..

أنظر.. فكما أنت تعلم طرق الأسكندريّة ، فهو يعلم طُرق السماء أكثر منها ..

وإيّاك أن تفكّر أن السماء لها سكك وطرق مثل الأرض .. لا.. إنّما هى الطرق التى توّصل إلى السُمُو والرُقىّ والعُلُو عند الله عزّ وجلّ .. وهل السماء فيها طرق ؟

فالسكك التى توّصل إلى الرُقىّ لله عزّ وجلّ هى : سكة الصدق ..سكة الإخلاص .. سكة اليقين .. سكة التوحيد .. سكة التفريد .. سكة التجريد .. سكة الحُبّ ..

هناك سككٌ كثيرةٌ .. وهو يعلمها ويعرفها ، وكل واحدٍ فينا لا يقدر على السير إلاّ فى سكة واحدة منها .. فهو يعمل لك على إختصار السكك ، بدلاً من أن تذهب وترجع عدّة مرات ، ولن تصل ، فهو يصف لك السكةّ على الفور وتمشى فيها ، فتصل إلى الله عزّ وجلّ .. ويدُلّك على المُختصر المُفيد .. لماذا ؟ لأن ربنا أعطى له التأييد :﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ ( يوسف : 108) ..

وأول شرطٍ لهذا الخبير أن يكون على بصيرة .. لم يكن معه بصيرة ، فيكون شعوره بالقوم أعمى .. وهل يجوز يا إخوانى ، لواحد لأعمى أن يقود واحد مبصر فى الطريق ؟ .. هذا لا يصحّ .. وأول وصف فى كتاب الله له : ﴿ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ، والذين يسيرون من خلفه ، فيكون الخليفة المُقام .. مقام رسول الله صلى الله عليه وسلمّ ، وأول شرطٍ فيه هو البصيرة ..﴿ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ .. لا تُوجد البصيرة .. فيكون طالب علم ، وليس عالماً أو إماماً ، لأنه فى هذه الحالة سيكون قاطع طريق على أحباب الله وأصفياء الله وأولياء الله عزّ وجلّ .. لأنه سيوقفهم عنده زمناً طويلاً ، وبعد ذلك يجدوا أنفسهم كما هم لم يتحركوا من مكانهم [ محلّك سر] ..

والشرط الثانى لابد أن يكون معه علم الإلهام بعد إحكام علم الشرع .. فأحكَمَ ما شرّع الله ، وعمل به ، فيعلمه الله مالم يكن يعلم ..

نفرض أن أحداً عنده إلهام ، ولم يكن عنده علم الشرع ، فهذا لا يُقتدى به ، ولا يُتأسى به ، ولا يجب أن أسلمّ له .. لا أعترض عليه ولا أتبعه .. لأن هو إسمه مجذوب .. واحد أعطى له بعض العلم ، ولكن بدون علم الشرع .. قال مُحى الدين بن العربى رضى الله عنه : 

 لا تقتدى بمن زالت شريعته    ولو جاءك بالأنبا عن الله

حتى لو أتاك بالكرامات ، لا أعترض عليه ، ولكن لن ينفع أن يكون قُدوة لى ، لأن القُدوة لا بد أن يكون على نهج سيد الأولين والآخرين ، عالمٌ بالشرع ، وعمل بالشرع ، فأقامه الله ، وجمع عليه أهل الصفا .. الزبد ( القشدة ) يا إخوانا من أين تُحضّر ؟ .. من اللبن ، ولكن بعد الخضّ ، فعندما يخُضّوه فى المعمل ، تظهر حقائق القشدة ، وحقائق الزبد ، وتظهر الخيرات وهذه البركات :

 ﴿ آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾ ( الكهف : 65)

علّمه الله عزّ وجلّ فلا بدّ أن تكون معه الرحمة أولاً ، ولذلك الذى معه الغلظة والقسوة ، والذى معه الشّدة ، فلا ينفع إماماً فى طريق الله عزّ وجلّ ، فهو وارث الرحمة العامة لجميع الأنام :

 ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ ( الأبياء : 107) .. فهو على الأقل معه جزء من الرحمة للعالمين فى زمانه ... من أين ؟ .. من سيدنا رسول صلى الله عليه وسلمّ ..

وجدت رجلاً من أهل الحقائق .. لا مانع .. وجدت رجلاً من أهل الجذب لا أقتدى به وأقول هذا شيخ ، ثم أتبعه يضلّ ويُضلّ ، وكما قالوا فى الحِكم { إذا أخذ ما وهب ، أسقط ما وجب } .. وهو هنا فى حال لا يدرى بنفسه ، ولكن أنت مُتيّقظ .. فمالك وما لهذا الموضوع .. وهذا ما حدث للأستاذ محمود أبو العزائم أخو الإمام أبو العزائم .. فوصل إلى حال جذب فكان يشير إلى الطير فى السماء ، فيقف .. يشغّل الطلمبة فى البيت تشرب منها كيف تشاء حسب الرّغبة كوكولا أو ميرندا أو قهوة .. وهى هى نفس المياه ، ففُتن به القوم الذين يعيشون حوله ، فى هذه الحالة تُسمّى حالة لا يدرى ، وهو كان فى حالة فناء ، ففى هذه الحالة إن لم يحفظه الحفيظ عزّ وجلّ ، وتكون أحوال الشريعة معه غير منضبطة .. لماذا ؟ .. لأنه ليس عنده ليل أو نهار ، الليل والنهار عندنا ، ولكن ليس عند الله ليلٌ ولا نهارٌ ..

وبعض الجماعة المجاذيب كان يمشى بالليل ومعه شمسيّة ، لأنه ليس يدرى ، فليس عنده ليل أو نهار ، ولكنه يرى بعين البصيرة ، وعين البصير إذا رأت ، فليس هناك لا شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ ، ولا ليلٌ ولا نهار .. ويمشى فى النهار وحامل كلباً ، وربنا يُظهر للناس أنه ليس قدوةً فى هذا المضمار .. وعندما يأتى شهر رمضان وهو لا يدرى أنه شهر رمضان ولا شوال ولا ذو القعدة .. لأنه مأخوذ ...

لكن أصحاب الكمال حتى فى حالة الفناء ، وهذا هو دليل القُدوة ، لا بدّ وأن يردّه الله عزّ وجلّ ليؤدّى ما عليه لله ، وهذا المجذوب الذى أقتدى به ، فعندما يحلّ وقت الفرض يردّه الله إلى الصحو لكى يُصلىّ الفرض ، ثم يعود كما كان .. يأتى رمضان ، فيرُدّه الله إلى الصحو لكى يصوم مع المؤمنين ، حتى لا يخالف شرع الله عزّ وجلّ .. مستحيل أنه يمشى فى الطريق عريان ، أو تظهر عورته .. غير الآخر نهائيّاً .. وربنا حافظه لأنه إمام وقدوة .

 ولذلك الأئمة الذين كانوا لهم صولات وجولات فى عالم الجذب منهم الذى إنجذب سبع سنوات ، ومنهم أكثر ، ونهم أقلّ ، فتجدهم على هذا المنوال ..

سيدى أحمد البدوىّ رضى الله عنه وأرضاه مكث فى غار حراء سبع سنين يتعبّد لله عزّ وجلّ ، وكان يقف على باب الغار أربعين يوماً ينظر إلى السماء حتى تتحول عيناه إلى محاجر من الدم ، ولا يأ كل ولا يشرب ، ولا يجلس ، ولا ينام ، هل هناك واحد فى الحالة الطبيعيّة يفعل ذلك ؟ .. ومع ذلك فكل فريضة ، كان لا بد أن يصليها فى المسجد الحرام ، لأنه إمام ، والذى يختاره الله للإمامة لا بد أن يوقظه ساعة الفريضة  لكى يمّكن أحوالهم لأنهم يُقتدى بهم ، فلا يصّح أن يظهر شيئاً فى مسالك أحوالهم حتى لا يأخذها عليهم أعداؤهم ، أو يسقط فيها أحبابهم ، وهذا هو الشيخ المجذوب الذى يُؤتم به ، لكن المجذوب الثانى الذى لا يدرى مالصبح ، ولا الظهر ولا العصر ويفطر فى رمضان ، فهذا نسلمّ له حاله ، ولكن لا نقتدى به ، وإذا أقتُدى به أحدٌ وزلّ فى الطريق فهو المسؤل عن نفسه ، وهذا هو الذى حدث مع السيد محمود أبى العزائم رحمة الله عليه .

الجماعة الذين أحاطوا به إقتدوا به ، وهو كان فى هذا الوقت صاحب ولهٍ ، لكن لم يكن إمام ، فلا يدرى بأىّ شيءٍ حواليه .. لا صبح ولا ظهر ولا مغرب ولا رمضان ولا شوّال .. فالذين يحيطون به فعلوا مثله ، وهذا هو الخطأ الكبير للذين وراءه ..

لكن من الذى علينا أن نتبّعه؟

نتبّع أكمل الناس قياماً بشرع سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلمّ .

والإمام السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه وأرضا فى آخر حياته ، كان قد أصيب بشلل فى فى قدميه ، وكانوا يحملونه لكى يدخلوه دورة المياه .

 وفى يوم من الأيام وهم يدخلوه دورة المياه ، وهم فى غفلة أدخلوه برجله اليُمنى أولاً .. فانتفض وقال : خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلمّ .. خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلمّ .. حتى وهو فى هذه الحالة كان يحافظ على سُنّة رسول الله ونهجه صلى الله عليه وسلمّ .

الإمام الشبلى رضى الله عنه وأرضاه ، وكان من أئمة أهل الوله حتى أنه فى حالة الجذب الشديد أخذوه وأدخلوه المُرستان ، وقالوا أنه مجنون ، ولذلك عندما ذهب أحبابه يزوروه ، فالجماعة الموجودين هناك ، قالوا له : أحبابك يريدونك ، فأمسك بالحجارة وأخذ يقذفهم ، ففرّوا أمامه ، فقال لهم كيف تدّعُون محبتى ، ولا تصبرون على بلائي ، وهذا كان درساً عمليّاً بالنسبة لهم ..

يعنى الذى يدّعى محبة الله ، فلا بد أن يصبر على بلاء الله حتى فى هذه الحالة يعطيهم درساً .

فهذا رجلٌ آخر يقول لهم وهو فى الأنفاس الأخيرة .. قال لهم : وضئونى ، وكان له لحية ، فالذى كان يُوضئه نسى أن يُخلل لحيتة ، فأمسك الشيخ بيده ووضعها على لحيته ، ومعناها أنه يقول له : أنت نسيت سُنّة تخليل اللحية ، فقال له : سبحان الله حتى فى هذا الوقت لم تنسى سُنّة من سُنن رسول الله صلى الله عليه وسلمّ  .... حتى فى النفس الأخير لم ينسى سُنّة من سنن الوضوء وهى تخليل اللحية ..

فلا بُدّ يا إخوانّا أن يكون الشيخ فى المشهدين  وأبو العينين : إمام فى الشريعة ، وإمام فى الحقيقة ...

إمام فى الأحوال ، وإمام فى الأعمال وإمام فى الأقوال ... إمام فى كل مجال لأنه على نهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلمّ .

الشرط الثانى :﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ ( يس : 21) .. فلا يطلب منك شيئاً ، قال شيخنا أبو العزائم رضى الله عنه : { شيخك من يعطيك ، لا من يأخذ منك } ..

يعطيك علماً ، يعطيك حالاً .. ويعطيك دعوةً صالحةً ، فيفتح الله لك بها السكك كلها ، يعطيك منصب ، يعطيك جاه ، بأىّ شيءٍ ؟

بالدعوة الصالحة ..

فعندما كان الرجل الصالح سيدى عبد الوهاب الشعرانى رضى الله عنه بمصر، وجاء السلطان العُثمانى يزور مصر فى عصره ، وقابله كبار القوم على أبواب القاهرة من الأمراء والوزراء والعُلماء ، وهو كان قد سمع عن الشيخ الشعرانى ، وكل ما أحدٌ سلمّ عليه يعرفّه به الخديوى ، فيقول له السلطان : أين الشعرانى ؟ .. فيقول له : إنّ الشعرانى لا يذهب إلى ، أحدٍ ففوجئ بالخليفة العُثمانى بعد ما إنتهت التشريفة ، يقول إنّ الموكب يذهب إلى الشعرانى فوراً .. فعلى الفور تحرّك الموكب إلى الشعرانى رضى الله عنه وأرضاه ، فوجده جالساً يأكل بعض كسر من الخبز الجاف ، فقال السلام عليكم ، فقال الشعرانى : لا سلام على طعام ، وأجلس لكى تأكل ، فجلس السلطان والخديوى زعلان ، لأنه مجهّز الموائد وما عليها من كذا وكذا ، وهو يأتى إلى هنا ويأكل من هذا الطعام  ..

فأكل السلطان وشبع وأقسم أنه لم يذق لذّة  طعامٍ من قبل بهذه اللذة ، وقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلمّ حيث يقول

( إنّ لله ملائكةّ سيّاحين ، يأخذون لذة طعام الأغنياء ويضعونه فى طعام الفقراء ) ..

فالغنى يذبح الديك الرومىّ ، فتأخذ الملائكة لذّته ويضعونها على بصلة الفقير .. ، فيأكل الديك الرومىّ ، ويقول ليس له طعم ، ولا هناك لذّة  .. والفقير يأكل البصلة ويتلذّذ يها كأنه أكل الديك الرومىّ .. وهذه حكمة الله ..

وبعد ما أن إنتهى السلطان من الطعام قال للشعرانى : أطلب ما شئت لكى أعطيه لك ، فقال له : كيف أطلب منك ولى عبدان ، ملكّتهما وملكاك .. يعنى لى عبدين إثنين أنا ملكتهم ، وهما اللذان يُمسكان بك ، ويسيطرون عليك .. فقال له : وماهما ؟ .. قال الحرص والشهوة ، وأنا مسكتهم وسيطرت عليهما .. لكن أنت خلاص ..

وكان السلطان بعد ذلك إذا سافر إلى الأستانة يمرّ عليه ، ويقول له : أنا مُقرّب من السلطان ، فإذا كان لك حاجة أذكرها لى ثم أذكرها عنده ، فيقول له : وأنا مُقرّب عند الله ، فإن كان لك حاجةً أذكرها لى ، وأنا أّذكرها لك عند الله عزّ وجلّ ..

هذه أحوال الجماعة الصالحين : ﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ ( يس : 21) ، وهم الذين يعملون بقول الله :﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ﴾ ( الإنسان : 9) ..

لا نريد منكم جزاءاً ، ولا حتى كلمة نشكرك ، ولكن الحكاية هى لوجه الله عزّ وجلّ .

 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمّ

المعادى    5 من رمضان 1423-1424         30/10/2003

اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي