بحث متقدم

دروس ذات صلة

  • الأمور التنظمية اليومية لحياة السالك فى طريق الله

    المزيد
  • العبادة ومعرفة الله عز وجل

    المزيد
  • النهج الصحى للمريد ودعوة الإمام أبو العزائم

    المزيد
عرض الكل

جديد الدروس

  • الأمور التنظمية اليومية لحياة السالك فى طريق الله

    المزيد
  • العبادة ومعرفة الله عز وجل

    المزيد
  • النهج الصحى للمريد ودعوة الإمام أبو العزائم

    المزيد
اعرض الكل

الأكثر زيارة

  • أحداث آخر الزمان والقضاء علي اليهود

    المزيد
  • رسالة التمام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)ـ

    المزيد
  • إلا من أتى الله بقلب سليم

    المزيد
عرض الكل

من أسرار قدرة الله فى خلق الإنسان وما حوله

عدد الزيارات:37 مرات التحميل:غير موجود
تحميل الفيديو شاهد تحميل الصوت استمع
من أسرار قدرة الله فى خلق الإنسان وما حوله
Print Friendly, PDF & Email
+A -A



الموضوع : من أسرار قدرة الله فى خلق الإنسان وما حوله

بسم الله الرحمن الرحيم :

نقطة المنى فيها عدد ( 2 ) مليون حيوان منوي، وكل واحد فيه هذه الصفات وهذه البيانات وهذه الوراثات لهذا الإنسان، والجماعة الذين قالوا نحن نعرف الجنين، قال تعالى :

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الارْحَامِ ﴾ ( لقمان:34 ) وهم يقولون : نحن نعرف ما يدور بالداخل وعندنا أجهزة تصنت دقيقة تستطيع أن نعرف منها إن كان الجنين ولداً أو بنتاً، وربنا قال : ويعلم مافى الأرحام ــ فهل هذا العلم بأنه ذكراً أو أنثى ؟ لا .. لم يقل هذا الكلام، ولكن نقول لهم أين الأجهزة التى عندكم والتى تعرف ما عمر الإنسان الذى يعيشه ؟ وأين الأجهزة التى تعرف حاله وفى أى شيء سيعمل ؟ وأين الأجهزة التى تعرف إن كان من أهل الهداية أم من أهل الشقاوة ؟ وأين الأجهزة التى تعرف ما فى صلبه ومن سيتزوج ومن سينجب ومن الذى يتناسل منه ؟ وتذكرة هذه الوراثة حتى يوم الزحام ..

تذكرة كاملة وكل واحد سيسلم لمن بعده .. هل عرفوا هذه الأشياء ؟ لا .. وأنا أقول هذه الكلمات لدرء الشبهات التى يردّدُوها، وإخواننا ينقادون وراءهم لمجرد أنهم عرفوا إذا كان الجنين ولداً أو بنتاً .

الآية قالت : ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الارْحَامِ ﴾ ( لقمان:34 ) من مجريات أحداث ومن تطورات ومن أطوار علِمَ العلم منها شيئاً قليلاً جداً وبقى الكثير والكثير من الأسرار لا يعلمها إلا الأخيار الذين يكاشفهم بهذه الحقائق الواحد القهار عزوجلّ .

وأشياء كثيرة يصوّركم فى الأرحام كيف يشاء على ما يريد وعلى ما يحاسب وعلى ما يقرر عزوجلّ لا على ما نقرره نحن أو نختار نحن لأن الأمر كله فى البدء والختام لله عزوجلّ ونحن عبادٌ مقهورون عبادٌ مربوبون لربوبية الله عزوجلّ .

هذا الجزء الصغير فيه كل هذه الأشياء، وكذلك مثلها بذرة النبات فكل بذرة فى نبات من النباتات فيها خريطة تفصيلية لهذا النبات : لونه وشكله وطعمه ووقته والإنسان الذى سيأكل منه، كل بذرة فيها هذه الخريطة ولكننا لانراها ومن الذى يراها ؟ الذين يقول فيهم :

قلوب العارفين لها عيونٌ      ترى ما لايراه النـــــــــــــاظرون

وأجنحة تطير بغير ريشٍ      إلى ملكوت رب العالمين

هم الذين يعرفون هذه الأشياء .. حبة القمح التى أضعها فى هذه الأرض هل فيها شجرتها ؟ وكم سنبلة ستخرج منها ؟ وكل حبة من الذى يأكلها من عباد الله ؟ وما الوقت الذى تدخل فيه الجسم ليتغذّى عليها بإذن الله عزوجلّ ؟

لكننا لا نراها والله سبحانه وتعالى قدّر هذه الأمور ودبّر هذه الأمور سبحانه وتعالى الذى يُكور الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل .. والحبة سواء إن كانت صغيرة أو كبيرة فهى نفس النظام فيها كل ما يأتى منها البذرة أيضاً إلى يوم الدين .

خريطة جاهزة فيها كل ما يأتى منها أيضاً إلى يوم الدين، خريطة جاهزة جهّزها رب العالمين عزوجلّ فعندما يُعرفنا أنه هو الذى يصورنا فى الأرحام كيف يشاء وهو الذى إختار لنا هذا الجسم وإختار لنا هذا الشكل وإختار لنا هذا اللون وإختار لنا هذه التقاطيع وإختار لنا الوقت الذى سننزل فيه وإختار لنا المكان الذى سنُولد فيه والمكان الذى سنجلس فيه والمكان الذى نُحصّل الرزق فيه وكل هذا موجود فى الخريطة .

وإختار لنا المرأة التى سنتزوجها وأعطانا كشفاً بعدد الأولاد منها فلا أحد يستطيع أن يزوّر الكشف ولا يشطب أحداً من الكشف .. هل يستطيع أحدٌ أن يفعل هذا ؟ أبداً .. وإختار لنا الوقت الذى سنسافر منه إلى الله عزوجلّ ..

فيريد الله أن يقول لنا : مادام هو الذى يختار لنا كل هذا، فمن البديهى أن نُسلّم كل الأمور إليه وننظر ماذا يحدث لنا .

لماذا ننازعه الربوبية ؟ ولماذا نشاركه فى الألوهية ؟ ولماذا نريد أن نفعل ذلك ولا نفعل كذا ؟ ولكن نُفوّض كل الأمور إلى الله فيكون على الفور كما يقول :

﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ (غافر:44) .. هو يرى أكثر منى ويعرف أفضل منى وهو يعرف من هو آت وبعد ما يأتى، وأنا لم أعرف حتى من تحت قدمى إن كان صوااً أو خطئأ، فلماذا لا أفوض له :

لا تدبّر لك أمراً فأهل التدبير هلكى      سلّم الأمر تجدنا نحن أولى بك منك

عندما تُسلّم الأمر لله تجد عناية الله وهداية الله ورعاية الله حولك من كل جهة، فما الذى يُتعبنا حالياً ؟ .. منازعات نفوسنا فنريد أن نصنع هذه ونفعل هذا ..

فالله عزوجلّ يُصوّر الجنين فى بطن الأم : علقة ثم مضغة ــ ومن عجيب كلام الله عزوجلّ أن العلماء حالياً وجدوا هذه الأمور موجودة فى العلم الحديث : علقة يعنى شيءٍ عالق فى الرحم كما قال ربنا : مضغة يعنى ماذا ؟ قالوا : إن الإٌنسان فى هذه الحالة كقطعة من اللحم التى نمضغها حتى يُرى فيها مكان الأسنان مُضغة كما قال الله عزوجلّ، فلا نســتطيع أن نرفـــــــع هذه كلمة ونأتى بكلمة أخرى، فالكلمات التى قالها الله لا يوجد غيرها ينفع للتعبير عن الأحوال التى ذكرها الله .

علقة يعنى شيءٌ عالق بالرحم، ومضغة يعنى كقطعة اللحم الممضوغة بالأسنان وهى هى نفس الحالة، وعلى الفور يأتى المهندس التشكيلى الذى يأمر بتصوير هذا الإنسان بالرسم الذى صمّمه الحنـّان المنـّان عزوجلّ فيرسم الهيكل العظمى للإنسان :

الرأس والرجلين واليدين وكذا وكذا رسم تخطيطى فعندما نحتاج إلى تخطيط منزل فأول شيء نبدأ به هو خطوط واهية بالجيرــ أى بالطباشيرــ فهى نفس الطريقة يبدأ بخطوط واهية غضروفية وليست العظام التى نحن عليها الآن، وبعد ذلك تتكون الأنسجة ويوضع عليها اللحم لأنها خطوط الإتصالات بين العظام واللحم بأمر الله عزوجلّ .

فإذا وصل الجنين أربعة شهور فى بطن الأم ينزل واحد آخر [ ملكٌ ] ويقول له : أكتب على جبهته :

( عمره وعمله ورزقه وشقىٌ أم سعيد ) وهذا الكلام على هذه الجبهة، ولذلك نسمع عن المثل الذى يقول :

[ المكتوب على الجبين لابزم تشوفه العين ] ولكننا لا نراه والذى يراه هو الذى قال فيه رسول الله :

( إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) والذى يرى بنور الكهرباء لا يرى، ومن يرى بنور الشمس لا يرى أيضاً وكذا الأشعة السينية أو الأشعة فوق البنفسجية وكل هذه الأجهزة الحديثة لا ترى، ولكن الذى يرى هو الذى معه شعاع من نور الله فهذا هو الذى يرى ما هو مكتوبٌ على الجبين بقدرة الله عزوجلّ لأن هذا مكتوبٌ بخط القدرة الإلهية لا بالعربية وليس بالكتابة الإنجليزية ولا بالفرنسية، ولكن مكتوبٌ بالقدرة الإلهية .

فما هو شكل هذا الخط وعبارة عن ماذا ؟ وما هى ألفاظه وحروفه ؟ لا يعلمها إلا الذى يدخل معهد التعليم عند العلى الكبير عزجلّ .. فهنا لا توجد مراكز تُعلم القدرة، ولا توجد مراكز العارفين رضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين، فتُكتب كل هذه الأشياء وتُصوّر كل هذه الأشياء ويضعها على الوجه .

يأتى بعد ذلك حاجز الجلد ويظلّ الإنسان فى هذا البحر الذى صنعه له الحنان المنان .. وسبحان الله عمل له بحراً داخل الإنسان حتى لا يتعب، فلا يتكّسر العظم لأن عظمه لا يزال رقيقاً، ولا تأتيه كدمات ولا صدمات، فالكبد فى جهة وهو لين والطحال فى جهة أخرى وهو لين وهى عبارة عن شواطئ لينة حتى لا يحدث كسر ولا يحدث كدم مع أن صاحبة هذا البحر ــ وهى الأم حاملة الجنين ــ تعمل يمين وشمال وتمشى وتأتى بحركات وسكنات، لكنه سبحانه هيأ هذه الأمور .

صنع له بحر ماء لكى يعوم فيه ولا يحدث له شيئاً فيذهب لهذا الشاطئ فيجد الكبد، ويذهب لهذا الشاطئ فيجد الطحال .. فهو فى أمان دائم من الله عزجلّ، فهو سبحانه الذى يكتب ويصور هذه الأشياء .

فالناس عندما يسمعوا هذا الحديث فى كلمة شقىٍ أو سعيد يظنون أنه سيكون عنده أموالاً كثيرة أو لا يكون عنده مال !! فقد حددنا الشقاوة والسعادة بالمال .. شقى يعنى فقير لا يملك شيئاً، وسعيد يعنى عنده مالٌ كثير وعنده خيرات وفيرة، فنريد أن ننتبه قليلاً :

قال هذه الأشياء فيها رزقه وهو الطعام والشراب وكل هذه الأشياء، فكيف بالشقى والسعيد ؟ يعنى هو يستجيب لداعى الله ولأوامر الله أو الشيطان يخدعه والنفس تجذبه معها ويزّل عن طريق الله عزوجلّ، أما الرزق فهذا شيءٌ آخر فالرزق هو العمل والمال والطعام والشراب وكل هذه الأشياء مقدّرة بتقدير الله عزوجلّ وهى غير شقىٌ أو سعيد .

لأن الشقاوة عند الله أو السعادة عنده ليست بالمال، ولذلك الرسول عرّفها لنا فقال :

( إن الله يُعطى الدنيا من يحب ومن لا يُحب ــ لماذا ؟ لأنها ليست لها قيمة عنده، فلو كانت تساوى عنده جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء، فمن هو الذى يُحبه ؟ قال : ــ ولا يُعطى الدين إلا لمن يُحب ) فتكون المحبة فى طاعة الله وفى إتباع دين الله وفى العمل بشرع الله ومتابعة سيدنا ومولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .

وهذا البيان لكى نُغيّر المقاييس التى فى عقولنا التى تقول : فلان هذا ربنا راضٍ عنه وعنده الخير كثير والمال كثير وما شاء الله هذا هو رضا الله !! إذن فما هو رضا الله ؟ إسأل الخبير الذى أنزّله الله .. ما هو الدليل يا رسول الله على أن ربنا يُحب فلان هذا ؟ قال :

( إذا أحب الله عبداً فقههُ فى الدين وألهمه رشده ) من يُحبه ربه ماذا يعمل له ؟ يُفقهه فى دينه ويُلهمه الرشد، والرشد هو التوفيق فى عمله بما علم لأنه لو علم الدين فقط ولم يوفقه للعمل به فهذه مصيبة كبيرة، وكما قال صلّى الله عليه وسلّم :

( أول ما تُسعّر بهم النار يوم القيامة عالم لم يعمل بعلمه ) فأول فوجٌ فى جهنّم قبل الجماعة الأخرى قال هم، ولذلك الإمام الشافعى رضى الله عنه وارضاه قال :

وعـــــــــــالمٌ بعلمه لا يعملن      مُعذبٌ بالنار قبل عُبـّاد الوثنَ

أنت عرفت ولم تعمل .. لماذا ؟ لِمَ لمْ تُنفّذ قول الله عزوجلّ :

﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) ﴾ ( الصف ) هو أكبر غضب عند الله عزوجلّ .

فمن أحبه الله لا يعلمه الدين فحسب، ولكن ــ وإنتبهوا للحديث، لا يتعلم الدين لكى يقولون مفوّهٌ وماهرٌ ويقولون العالم فلان ذهب والعالم فلان حضر ولكن لم يُوفق فى العمل وهل هذا من يُحبه الله ؟ لا .. إذن فمن الذى يُحبه الله ؟ قال : ( فقهه فى الدين وألهمه رشده ) أى وفقه للعمل بالعلم الذى تعلمه ويُعلمه للناس .

ولذلك هناك فى الآخرة يسمحون لأهل الجنة أن ينظروا إلى أهل السجون والناس الموجودين فيها فيجدون أحدهم الذى كان يُعلمهم فيقولون له : يا فلان من أتى بك إلى هنا ؟ إنك كنت تأمرنا وتقول لنا ؟ فيقول لهم : كنت آمركم بالخير ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه، فأنا علمتكم ونفعتكم ولم أنتفع بعلمى .

ربنا سبحانه وتعالى يعلمنا أنه هو الذى يتولى كل الأمور ونحن فى بطن الأم لا سنٍّ لنا تقطع ولا ظفر ولا لنا عقل ولا لنا تدبير ولا لنا تفكير .

هل تركنا جائعين مرة ؟ أو هل تركنا محتاجين مرة ؟ أبداً ــ فما معناها ؟ لو سلمنا له كما سلمنا له فى بطن الأم لعاملنا بهذه المعاملة .

فالذى صورنا فى الرحام الكريم عزوجلّ ومن عجائب قدرته وغرائب حكمته التى أعجزت وتُعجز الجميع أن مصانع الأرحام لا تصنع إنساناً شبيه بالآخر مهما كانت الظروف، ولم يتكرر هذا الأمر منذ آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، فكل واحد يخرج نسخة فريدة .. ونسخة جديدة .

فالجماعة العلماء أصحاب المصانع الكبيرة عندما يعملون تصميماً لعربية موديل كذا أو تليفزيون موديل كذا أوغيره بعد سنتين أو ثلاثة يُغيره .

لكن كل إنسان له موديل وكل إنسان له تصميم حتى ولو كان المصنع واحداً، أم واحدة وأبٌ واحد ولكن كل واحد له صورة وله شكل وله طباع وله صوت لا يُشبه جميع الأصوات من بدء الحياة إلى نهاية الممات، وله بصمة وله سنحة وكل واحد له صورة فريدة معناها أن صاحب المصنع عزوجلّ عمل كتالوج لهذه الصنعة إذا مشى علي هذا الكتالوج يضمن على الفور الأمان والأمن والصيانة والرعاية والولاية من الله عزوجلّ .

هذا الكتالوج هو القرآن الكريم .. هل أنت تعلم شيئاً وأنت فى بطن الأم ؟ لا .. أنا الذى صنعتك وأنا الذى صورتك وأنا الذى جهّزتك وأنا الذى حضرتك وأنا اعرف ما يُصلحك ومالذى لا يصلح لك .. أعلم ما ينفع وما لاينفع .. فماذا أفعل يا رب ؟

تمشى كما أقول : كل المطلوب منك أن تنظر إلى كل وصغيرة وكبيرة موجودة فى الكتالوج :

تريد طعاماً فكيف تأكل ؟ هذا موجودٌ فى الكتالوج .. كيف تشرب ؟ موجود .. كيف تنام ؟ موجود .. كيف تمشى ؟ موجود .. كيف تجلس ؟ موجود .. كيف تسعى إلى العمل ؟ موجود .. وكل صغيرة وكبيرة موجودة فيه إلى أن تفارق هذه الحياة وتُسلّم البضاعة إلى الله ويأخذها ويُعطيها للجراج إلى يوم الدين .

كل شيءٍ موجود ولا يوجد شيءٌ تائه أبداً ولكن لايصّح بعد أن أكبر أن أقول : أنا أفعل وربنا غفورٌ رحيم وكريم .. [ لا مانع أن تمشى على هواك ولكن كيف ترعاك عناية مولاك ؟ ] تريد رعايته وتريد عنايته معك ؟ فلابد وأن تُطبق تعليماته وتُطبق أوامره وتوجيهاته، وتُطبق توصياته الموجودة فى هذا الكتالوج : لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ( الكهف:49 ) .. وضع لك العين .. لماذا وضعتها يا رب ؟ يقول لك من أجل كذا، ولماذا خلقت اللسان ؟ يقول لك : من أجل كذا .. والأذن لما صنعتها أيضاً يا رب ؟ يقول لك : من أجل كذا .. وكيف أستخدمها يا رب ؟ كما أمرتك .. والعين لماذا يا رب ؟ هل وضعها لكى تنظر بها إلى النساء الفاتنات ؟ لا ..

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ ( النور:30 ) لماذا يا رب ؟ لكى : ويحفظوا فروجهم لأن هذا الباب يُحرك ما بداخل الإنسان والفرج هنا يُصدق أو يُكّذب .. هل لا أنظر نهائياً ؟ قال : ما لم تجده مُفصّلاً فى الكتاب، تجد الحبيب قد فصّله فى المذكّرة التفصيلية وهى السنة النبوية فى قرار الواحد القهار، فما غُمّ عليك تذهب وتنظر تفسيره عند الشارع الأعظم صلّى الله عليه وسلّم .. نفعل  يا رسول الله عندما ننظر ؟ قال : لا ( لك الأولى وعليك الثانية ) .

أنت لك النظرة الأولى .. وهل أنظر إليها ربع ساعة ؟ وتكون هذه هى الأولى ؟ الأولى يعنى لمح البصر وعلى الفور تُحوّل نظرك إلى الجهة الأخرى .. وإلى أين انظر ؟ قال :

﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الابِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الارْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) ﴾ ( الغاشية ) فهذه هى الأشياء التى تنظر إليها .. لماذا يا رب ؟

﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الابْصَارِ ﴾ (الحشر:2) لكنى يعتبر، فإذا نظر ولم ينتبه ؟ قال : هؤلاء ألومهم وأعاتبهم :

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ (يوسف:105) كم من الآيات نراها كل يوم ولكننا معرضون عن الحكمة التى فيها ومعرضون عن العلوم التى بثّها الخلاق فيها، ومعرضون عن الأسرار التى أودعها المولى الكريم فيها .. فماذا نفعل ؟ قال : أنت تمشى وتعتبر وعندما تنظر تنظر إلى العبرة وتُحرّك الفكرة فتأتيك الخطرة الإلهامية من رب البرية عزوجلّ فتعلم خواص هذه الكائنات ومن أسرار هذه المصنوعات ومن حكم هذه المبدعات مالم يُكتب فى كتاب الله ولم يطلع عليه عالمٌ فى محراب علمه أو فى ميدان بحثه .

كيف نصل لأسرار الله التى أودعها فى المصنوعات أمامنا ؟

أولاً : نأتى على هذا القلب ونطهرّه وننقيه مما هو فيه .. ففيه قليل من الحسد فنخلعه، قليلٌ من الغلّ .. نمسحه : ونزعنا ما فى صدورهم من غلّ، وكل واحد يعمل لنفسه عملية جراحية لينزع الغلّ من قلبه، ولو بقى شيئاً منه فهذا لا يصّح مع أهل الإيمان .. أخرج الغلّ وأخرج الحقد وأخرج الكُره وأخرج البغضاء وأخــرج الغش من القلب وأخــرج هذه الأشياء فعلى الفور يُصيّره الحق سبحانه وتعالى إلى الصفاء والنقاء والبهاء .

ثانياً : أتبع الكتالوج الذى بينه شرع الله وفصلته سنة رسول الله بالتطبيق على الظاهر وهو الجسم والجوارح، وعلى الباطن بحسن النية وطهارة الطوية وهو القلب .

فعندما يأتى هذا المصباح فينظر فيرى فى الليل كما يرى بالنهار، ويرى المبانى ويرى فيها من عالم المعانى ومن أسرار الكريم عزوجلّ، ينظر إلى الإنسان فيرى ما بداخل هذا الإنسان .. ألهذه الدرجة ؟ نعم .. سيدنا عثمان كان جالساً فى مجلس الحكم وسيدنا أنس بن مالك كان متوجهاً وذاهب إليه، فرأى إمرأة ــ وعندما تكون جالس وأحد الناس نظر إلى خمسين إمرأة، فهل تعرف هذه الحكاية ؟ عندما تنظر فى عينيه ؟ لا .. لكن هذا ينظر بنور الله .

فلما دخل عليه قال له : أما يستحى أحدكم أن يدخل علىّ وفى عينيه آثار الزنا ؟ فقال له : أوحىٌ بعد رسول الله يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا .. فماذا إذن ؟ .. قال أنت ألم تسمع الرسول يقول :

( إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عزوجلّ ) .. فهذه إسمها الفراسة، وماهى الفراسة ؟ أنه ينظر بنور الله :

غُض عين الحسّ وإشهد بالضمير     تشهدن يا صبّ أنوار القدير

تشهد أنوار الله على الفور مادام القلب أصبح فيه مصباح ربّانى فينظر بنور صمدانى .

كان رسول الله كما وصفوه فيقولون عنه : [ يرى فى الظلام كما يُبصر فى النور التام ] لا توجد ظلمة لماذا ؟ لأنه ينظر بنور الواحد القهار، فلا فرق عنده، وكذلك عندما يقف فى الصلاة وبعدها يقول : يا فلان أنت أخطات فى كذا وأنت اخطأت فى كذا فيقولون : ماذا يا رسول الله ؟ فيقول :

( إنى أرى من خلفى كما أرى من أمامى ) .. كيف يرى من الخلف ؟ هل له عينٌ فى الخلف ؟ لا .. مادام ينظر بنور الله فلا شيء يحجبه حتى ولو وقف على المنبر وجنوده بينهم وبينه أربعة آلاف كيلومتراً .. لا الحبال حجبته ولا المحيطات حجبته ولا السحب أوقفته .. رأى العساكر على هذه المسافة وقال : [ يا سارية ــ قال : لبيك يا أمير المؤمنين ــ قال له : الجبل الجبل ] فنظر سارية فوجد العدو يلتفّ من وراء الجبل .. بماذا يا إخوانى ؟ بهذا النور . 

ونحن حالياً مع التقدم الرهيب العلمى والأقمار الصناعية وغيرها .. هل يستطيع بوش أن يرى عساكره وهو يضرب فى العراق ؟ لا .. لكن عمر بن الخطاب رأى عساكره وهو فى المدينة وهم فى بلاد فارس على بعد أربعة آلاف كيلومتراً .. بماذا ؟ بنور الله عزوجلّ .

فعندما ينظر الإنسان بنور الله فيرى هذه الأسرار وهذه الخصائص فيهتدى إلى ما يهتدى إليه العلماء والحكماء والذين هم أصحاب الدراسة وأصحاب الأبحاث ــ وأن كان فى الحقيقة هو أمّى لا يقرأ ولا يكتب ــ فهذه ليست لها علاقة بهذا فينظر بعين الإيمان :

فحدّق أعين الإيمان وأنظر       ترى الأكوان تؤذن بالنفــــــــــــــاد

فمن عدمٍ إلى عدمٍ مصــيرٌ       وأنت إلى الفنا لا شك غادى

أرى أن الكل راحل، فالشمس كل يومٍ تذهب لكى تعرفنا بأننا راحلون، والقمر كل يومٍ يذهب لكى يُذكّرنا بأنا جميعاً عائدون، وننام كل يومٍ لكى نتفكّر أننا راجعون .. وكل شيءٍ فى الوجود يّذكرك بأنك ذاهبٌ على الفور فتتذكّر أنك عائدٌ فتخاف الله وتخشاه وتمشى على وفق شرع الله عزوجلّ فتجد اللسان والأذن واليدين والرجلين كيف ستتعامل بهم مع الجيران ؟ وكيف تمشى فى كل مكان .. وكل هذا فى الكتالوج الذى تركه لنا المولى عزوجلّ .

فسعادة الإنسان فى العمل بالقرآن، وخسارة وهلاك الإنسان فى البعد عن الفرقان، ولا عزّ لنا جماعة المؤمنين إلا بالعمل بالقرآن .. كيف أعمل به ؟

أنت عليك نفسك وأنت دولة وأنت حاكم بأمرك فى بيتك زوجتك وعيالك هؤلاء مسئولين منك، والرسول قال لك ذلك : ( إبدأ بنفسك ثم بمن تعول ) وهذا أولاً .. فلا أقول من على المنبر كذا وكذا لا .. إبدأ بنفسك أولاً وبعد أن تعمل وتُطبّـق على نفسك، خُذ من هم حولك زوجتك وعيالك، فإذا فرغت من هؤلاء فيكون جيرانك وغيرهم وإعمل بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :

( عِظ نفسك فإن إتعظت فعظ غيرك ) إبدأ بنفسك أولاً، ومالذى منعك من تطبيق شرع الله على نفسك ؟ وما الذى منعك من تطبيق شرع الله فى بيتك ؟ أنت الحاكم فى أمر هذا المكان .

وهذا يا إخوانى هو طريق السعادة الإلهية الذى رسمه لنا المولى عزّ وجلّ، فقال : كما كنت فى بطن الأم ولم يكن لك شأنٌ وتجهل كل شيء، فهى نفس الحكاية إجعل لنفسك كأنك ليس لك شأنٌ وأنت هنا فى الدنيا وماذا يعنى هذا ؟

هذا يعنى أن تُسلّم مرادك لمراد الله عزوجلّ وإياك أن تُحكّم العقل فإذا قال الله لك : إفعل كذا لابد وأن تفعل .. تحاول أن تُبرر لنفسك العلل ؟ لا .. دائماّ الله عزوجلّ أعلم بمصلحتى من نفسى وأشفق علىّ من نفسى وأرحم بى من نفسى وهو سبحانه وتعالى لم يفرض علينا بما يشقّ به علينا، بل بالعكس الذى فرضه علينا أحرى بنا وعطفٌ علينا وشفقةٌ بنا سبحانه وتعالى رحيم وعطوفٌ وشفوق .

نسأل الله عزوجلّ أن يوفقنا بإتباع سنة الحبيب المحبوب صلّى الله عليه وسلّم ونسأله عزوجلّ أن يُفقهنا فى ديننا وأن يلهمنا رشدنا وأن يفتح لنا أنوار القرآن ويبين لنا ما خفى به من البيان ويجعلنا من أئمة الهُدى فى هذا الزمان ويحفظنّا من الفتن بالقرآن الكريم وبسنة النبى العدنان .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمّ

 المــــــكان : بلهاسة ــ المسجد البحرى

التاريـــــخ :    20/8/1991 موافق الثلاثاء 10 صفر 1412 هـ

 
اعلان في الاسفل

All rights reserved to Sheikh Fawzi Mohammed Abu Zeid


للأعلي